أسند عن أنس وغيره، وروى عنه جماعة من الأئمة، واتَّفقوا على صدقه وثقته وأمانته وزهادته.
قال يزيد بن هارون: ليس بتَيميّ ولكنه مُرِّي، ومنزله في التَّيم فنُسب إليهم.
يحيى بن سعيد
أبو سعيد الأَنْصَارِيّ، القاضي، الفقيه، من الطَّبقة الخامسة من أهل المدينة، وأُمُّه أم ولد، قدم على المنصور الكوفة فاستقضاه على الهاشمية.
وقال سليمان بن بلال: قال لي يحيى: والله ما خرجتُ من المدينة وأنا أجهل شيئًا، فلما قدم العراق كتب إليّ يقول: كنتُ قلتُ لك عند خروجي من المدينة: إنِّي ما أجهل شيئًا، وإنه والله لأَوَّلُ خصمين جلسا بين يدي فاقتضيا بشيء والله ما سمعتُه قط، فسَلْ ربيعةَ عنه، واكتب إليَّ بما يقول من غير أن يعلم أنني كتبتُ إليك، والسلام.
وقال وهيب: قدمتُ المدينة فما رأيت أحدًا إلَّا تعرف وتُنكر إلَّا يحيى بن سعيد ومالك بن أنس.
وتوفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ست وأربعين.
أسند عن أنس وغيره، وروى عنه الأئمة.
واتَّفقوا على عدالته وصدقه وثقته، وأنه كان أحدَ حُفَّاظ الدنيا، وأثنى عليه الأئمة، فقال الإِمام أَحْمد ﵁: يحيى بن سعيد أثبتُ النَّاس حجة. وقال الثَّوريّ: يحيى أَجَلُّ عند أهل المدينة من الزُّهريِّ (١).
* * *
стр. 5567
السنة الرابعة والأربعون بعد المئة
فيها قدم محمَّد المهديّ من خُراسان إلى العراق، فنزل الحيرة عند أَبيه، وبنى برَيطَة بنت عمِّه أبي العباس.
وعزل أبو جعفر محمَّد بن خالد عن المدينة، وولَّاها رياح بن عثمان (١) المُرِّي، وحج أبو جعفر، واستخلف على عسكره وعلى الحِيرة خازم بن خُزيمة (٢)، وجدِّ في طَلَب إبراهيم ومحمَّد ابني عبد الله بن حسن، وكانا قد تخلَّفا عن أبي جعفر لما حجَّ في زمن أخيه أبي العباس وععه أبو مسلم، وكذا في حجَّته الثَّانية، فلما حجَّ هذه السنة -وهي حجَّتُه الثالثة- جدَّ في طلبهما، وأذكى العيونَ عليهما.
قال أرباب السير: كان محمَّد بن عبد الله يذكر أن أَبا جعفر بايعه بمكة ليلة تشاور بنو هاشم عند اضطراب حَبْلِ بني مروان (٣)، وكان أبو جعفر حاضرًا، فكان محمَّد يقول: كيف أبايع مَن بايعني؟! فلما ولي أبو جعفر الخلافة لم يكن له همٌّ إلَّا طلب محمَّد وإبراهيم، وكلُّ من يسأله عنهما من بني هاشم يقول: ما اختفيا إلَّا خوفًا منك، ولا بأس عليك منهما، إلَّا حسن بن زيد فإنَّه قال: والله ما آمَنُ وُثوبهما عليك، فأيقظ مَن لا ينام، فكان بنو الحسن يقولون: اللهم إن دماءنا عند الحسن بن زيد.
وقال عبد الرَّحْمَن بن أبي الموالي: لما وَلي أبو جعفر ألحَّ في طلب إبراهيم ومحمَّد، وتغيَّبا عنه بالبادية، وأمر زيادًا الحارثيّ بطلبهما، فكان لا يَجِدُّ، فعزله وولَّى المدينة محمَّد بن خالد القَسريّ، وأمره بطلبهما فلم يبالغ، وكان يعرف مكانهما، فعزله، وولّى رياح بن عثمان بن حيَّان المُرِّي، فجدَّ في طلبهما ولم يُداهِن، فخافا منه، فجعلا ينتقلان من موضع إلى موضع، واغتمَّ أبو جعفر بتغَيُّبهما، فكتب إلى رياح أن
стр. 5568
يأخذ أباهما عبد الله، وأخويه حسن وداود، ومحمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت حسين، في عدَّةٍ منهم، ويَشُدَّهم وثاقًا، ويبعث بهم إليه حتَّى يوافوه بالرَّبذَة، وأن يأخذني معهم.
قال محمَّد بن عمر: فأنا رأيتُ عبد الله وأهلَ بيته يخرجون من دار مروان بعد العصر وهم في الحديد، فيحملون في مَحامِلَ عَرايا ليس تحتهم وطاء، وأنا يومئذٍ غُلامٌ قد راهَقْتُ الاحتلام.
قال ابن أبي الموالي: وأُخذ معهم يومئذ نحوٌ من أربع مئة من جُهَينة ومُزينة وغيرِهم من القبائل.
ووافى أبو جعفر من الحج إلى الرَّبَذَة وهم بها مُكَتَّفين في الشَّمس، وسأل عبد الله أَبا جعفر أن يأذن له في الدخول عليه، فلم يأذن له، ولم يَره حتَّى فارق الدنيا، ثم دعاني فأُدخِلتُ عليه وعنده عيسى بن عليّ، فلما رآني عيسى قال: نعم هو هو يَا أمير المُؤْمنين، وإن أَنْتَ شَدَّدتَ عليه أخبرك بمكانهما، فدنوتُ منه وسلَّمتُ عليه فقال: لا سلَّم الله عليك، أين الفاسقان ابنا الفاسق، الكذابان ابنا الكذاب؟ فقلت: يَا أمير المُؤْمنين، هل ينفعني الضدقُ عندك؟ قال: وما ذاك؟ قال: امرأته طالق وعليَّ وعليّ إن كنتُ أعرف مكانهما، فلم يُصدِّقني، وقال: السِّياطَ، فأُتي بها، وأُقِمتُ بين العُقابَين (١)، فضربني أربع مئة سَوط، ورُدِدتُ إلى أصحابي على تلك الحال.
ثم بعث إلى الدِّيباج محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان -وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله- فلما دخل عليه قال: أخبرني عن الكذَّابَين ما فعلَا، وأين هما؟ فقال: والله يَا أمير المُؤْمنين ما لي بهما علم، وإني لصادق، فقال: جَرِّدوه، فجرَّدوه، فضربه مئةَ سَوط، وألقى عليه قميصَ قُوْهِيٍّ على الضَّرب، ثم حُمل إلينا، فوالله ما قدرنا على نزع القميص من لُصوقه بالدم، حتَّى حُلبت عليه شاة، ثم قال: احْدُروهم إلى العراق، فقُدم بنا إلى الهاشميَّة فحُبِسْنا، فكان أول من مات عبد الله بن حسن (٢).
стр. 5569
وقال الهيثم: دسَّ أبو جعفر كتابًا إلى عبد الله بن حسن مع عُقْبة بن سَلْم (١) الأَزدِيّ، وبعث معه ألطافًا وهدايا على لسان بعض الشيعة، فلما قدم على عبد الله أخبره فزَبَره، ثم عاد فزبره مرارًا، فلما أَنِس به أخذ ذلك منه وقال: اذهب فأخبرهم أن ابني خارجٌ في وقت كذا وكذا، فعاد إلى أبي جعفر فأخبره.
وكان محمَّد وإبراهيم ينتقلان في المياه والأمصار خوفًا من أبي جعفر، تارةً في تِهامة، وتارة في اليمن واسثعام والعراق ومصر، ثم في البصرة والهند والسِّند والمغرب، فلما حج في هذه السنة أبو جعفر قَسم قسمًا في بني هاشم خصَّهم بذلك، وقال لعبد الله: أين ابناك؟ فقال: لا أعلم بهما، فقام ابن سَلْم فتراءى له، فلما رآه وَجَم، فقال أبو جعفر لعبد الله: كذبت يَا ماصّ، فقال: يَا أَبا جعفر، بأيِّ أُمَّهاتي تُمِصّني؟! بخديجة بنت خُوَيلد، أم بفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، أم بفاطمة بنت الحسين؟ فقال ولا بواحدة منهن، ولكن بالجَرْباء بنت قَسامة بن زهير، فقام المُسَيَّب بن زهير فقال: دَعْني أضربْ عُنق ابن الفاعلة، فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه وقال: هَبْه لي يَا أمير المُؤْمنين وأنا أستخرج ابنيه.
وفي رواية: أن أَبا جعفر جاءه كتاب بعض ثقاته يخبره أن رسول عبد الله وابنيه خرج إلى خراسان ومعه الكتب يستدعيهم إلى الخروج معه، وبعث بالرسول والكتب إلى أبي جعفر، فبعث أبو جعفر بالرسول والكتب على حالها بطوابعها إلى عبد الله وقال:
إنِّي أُتيتُ برسولك وهذه الكتب معه، وقد رددتُها بحالها إليك كراهيةَ أن أطَّلع على ما يُغيِّر قلبي عليك، فلا تَدْعُ إلى التَّقاطع بعد التواصل، وإلى الفُرقة بعد الاجتماع، وأظهر إليَّ ابنَيك؛ فإنهما يصيران إلى ما تُحبُّ من الولاية وتعظيم المنزلة، فكتب إليه عبد الله يَتنصَّل من ذلك، ويُنكره ويقول: فعل ذلك عدوٌّ يريد الفُرقة بعد الاجتماع.
فبينا أبو جعفر كذلك وَرد عليه كتابُ بعض ثقاته يخبره: أن الرسول بعينه خرج بالكتب بعينها إلى خراسان، وأنه نازل بالبصرة على فُلان المُهَلَّبي، فبعث أبو جعفر فحبس الرسول، وأخذ الكتب وبعث بها إلى خراسان مع بعض ثقاته، وعادت الأجوبة
стр. 5570
بما يكره، واستبان له الأمر، فكتب إلى عبد الله: [من الوافر]
أريد حَياتَه ويُريد قَتلي (١)
قد علمتُ ما فعلتَ، وجاءت الأجوبة من خُراسان، وقد ثَبتَ عندي أنك تعرف مكان ابنَيك، فدُلَّني عليهما ولك عهدُ الله وميثاقُه أنني أُحسن جائزتَهما، وأضعهما حيث وَضَعَتْهما القرابة، واستدرِكْ الأمرَ قبل تفاقمه، فكتب إليه أنَّه ما يعرف مكانهما، وكتب في الكتاب: [من الوافر]
وكيف أُريد ذاك وأنت منِّي … بمنزلةِ البياضِ من السَّوادِ (٢)
وكيف أريد ذاك وأنت مني … وزَنْدُكَ حين يُقدَح من زِنادي
فقال أبو جعفر: والله لَيُقْتَلَنَّ محمَّد بأصل سَلْع، وليُقْتلنَّ إبراهيم على النهر العباب يعني الفرات، فكان كما قال.
وقال السِّنديّ مولى أبي جعفر: لما اشتبهت الأمور على أبي جعفر دعا عُقبة بن سَلْم الباهليّ، وبعث معه بمال وقال: إنما أدخلتُك بين لحمي وعظمي، فلا تُوطِئني عَشْوةً (٣)، اذهب إلى المدينة فجالس عبد الله بن حسن حتَّى يأنس بك، وقيل له: إن فلانًا وفلانًا من خراسان بعثوا إليك بمال وثياب وهدايا -وكان المال عشرة آلاف دينار- واحترِز.
فقدم المدينة، فلقي عبد الله وجلس إليه، فلما أَنِس به ذكر له ذلك، فأخذ منه المال والثياب، ثم تركه أيامًا وقال له: معي إلى ابنيك كتابان وأربعون أَلْف دينار، فإن دَلَلْتني عليهما سَلَّمتُ ذلك إليهما، ورجعتُ إلى خراسان بما يَشرح صدورَ أهلها وتَقبله عقولُهم، وإلا عُدت إليهما، فأدفع إليهما الكتابين والمال، ثم قال لعبد الله: مثلي لا ينصرف إلَّا عن فضل؛ ليكون القوم منّي على ثِقَة، قال: وما هو؟ قال: تخلع أَبا جعفر، وتبايع ابنك محمدًا، ومن بعده إبراهيم، قال: نعم، فخلع أَبا جعفر وبايع
стр. 5571
لابنيه، وبايعهما أَيضًا عقبة بن سَلْم، وأخذ كتابه وكتاب ابنيه وخرج إلى مكة، فوافى أَبا جعفر، فأخبره بحقيقة الأمر.
فقدم أبو جعفر المدينة، وأحضر عبد الله، وسأله عن ابنيه فأنكرهما، فقال لعُقبة: تراءى له، فلما رآه أُسقط في يده، وتغيَّر لونُه وقال: أقِلْني وصلَتْك رَحِم، فقال: لا أقالني الله إن أقلتُك، ووالله لا بدَّ من ولديك، فقد ظهر السرّ، ولله علي أن لا أَضُرّهما، فسكت عبد الله، فأمر بحبسه وحبس أهله وأعيان بني حسن، وخاف أبو جعفر أن يحاربه أهل المدينة فلم يدخلها، ولم يختلف عليه منهم اثنان.
وقال أبو اليقظان: لما حج أبو جعفر كان محمَّد وإبراهيم مُسْتخفيين بمكة، وكان بعضُ قُوَّاد أبي جعفر من شيعتهما فقال: هل لكما أن أقتله؟ فقال محمَّد: لا والله حتَّى تدعوه، فانتقض أمرُهما.
وقال الواقديّ: إنما أمر أبو جعفر رياحًا بحبس آل أبي طالب في سنة أربع وأربعين -وقيل: في سنة ثلاث وأربعين- فأقاموا في الحُبوس ثلاث سنين، فجاء محمَّد بن عبد الله ليلًا إلى أمه هند مستخفيًا، فقال: يَا أُمَّاه، قد حَمَّلتُ أبي وأهلي وعمومتي ما لا طاقة لهم به، وقد عزمتُ على أن ألقى أَبا جعفر، وأضع يدي في يده؛ فعسى أن يخلي عنهم، فتنكَّرَت وحملتْ طعامًا إلى السجن، وتلطَّفتْ للسجَّان حتَّى دخلتْ عليهم، فأخبرت عبد الله بقول محمَّد فقال: قولي له: نحن فَرَجُنا بيد الله، والأمور مَقضيَّة، والصبر أولى، ومُريه فليَجِدّ في أمره ولا يَني، فخرجتْ من عندهم، وأبلغته ما قال.
ولما نزل أبو جعفر الرَّبذَة أمر رياح بن عثمان بإخراجهم إليه، فأخرجهم من المدينة، ولما صاروا بقصر نَفِيس (١) على ثلاثة أميال من المدينة؛ دعا بالقيود والأغلال والحدَّادين، وقيَّدهم وغلَّهم، وضيَّق عليهم القيود حتَّى أثَّرت في أرجلهم، ثم أتى بهم الرَّبَذَة على الجمال وليس تحتهم وطاء ولا فوقهم غِطاء، وقام أبو جعفر ينظر إليهم من وراء السِّتر، ولما مووا بدار جعفر بن محمَّد بكى وقال: والله لا حُفظت حُرمةُ رسول الله ﷺ بعد اليوم، ثم حُملوا في المحاملِ عُراة، وخرج أبو جعفر في
стр. 5572
مَحْمِل ومُعادِله الربيع، فصادفهم يومًا في المسير، والشمس قد قرعتهم وهم عِطاش، فناداه عبد الله: يَا أبا جعفر، هكذا فعلنا بكم يوم بدر؟ فلم يكلِّمه، وأخزاه وثَقَّل عليه، فلما قدم إلى الكوفة أنزلهم في سِرداب.
وقال الهيثم: دعا أبو جعفر بمحمد الدِّيباج في الرَّبَذَة فدخل عليه -وكان أحسن النَّاس صورة- فوقف بين يديه، فقال له: يَا دَيُّوث، فقال محمَّد: سبحان الله، والله لقد عرفتُني بغير ذلك، قال: فكيف زوَّجتَ ابنتك الفاسقَ إبراهيم؛ وقد حلفتَ لي أنك لا تَغُشّني ولا تمالئ عليّ؟! فأنت بين أن تكون دَيُّوثًا أو حانثًا. وايم الله، لقد هممتُ أن أرجُمها، فقال له محمَّد: والله ما مالأتُ عليك ولا غَشَشتُك، وأما أنت فقد رَميتَ هذه الجارية، وهي بنت رسول الله ﷺ ، وإن الله قد أكرمها بولادته لها، فأمر به فشُقَّت ثيابُه، وضربه أربع مئة سوط (١)، فغُشي عليه وأبو جعفر يقول: الرأسَ الرأسَ، وبدت عورتُه، ووقع سَوط في عينه فسالت عينُه على خدّه، وأُخرج والسِّياط قد غيَّرتْ حاله وجَماله، ورُدَّ إلى أصحابه وهو يصيح: العطش العطش، فلم يتجاسر أحد أن يسقيه، فقال: يَا معاشر المسلمين أيموتُ أولادُ رسول الله ﷺ عَطَشًا.
وقال عمر بن شبة: كان أبو جعفر كافًّا عن محمَّد الدِّيباج حتَّى قال له رِياح المُرِّي: ما أخاف عليك إلَّا من محمَّد بن عبد الله بن عمرو؛ فإنَّه عظيم عند أهل الشَّام، وقد أمنتَ خراسان والعراق؛ لأن خراسان شيعتُك، والعراق شيعة علي، وأهل الشَّام شيعة عثمان، وهذا من ولده، فوقع ذلك في نفس أبي جعفر، ففعل به ما فعل.
وفي رواية: لما دخل الدِّيباج على أبي جعفر قال له: أين إبراهيم ومحمَّد؟ فقال: لا عهد لي بهما من عام أول، قال: أليس ابنتك تحت الفاسق إبراهيم، قال: بلى، قال: فهي زانية، فقال: مه، أتقول هذا لابنة عمِّك! فقال يَا ابن اللخناء، فقال: أيّ أُمَّهاتي تُلَخِّن، فشتمه، وذكر أمَّه، وفعل به ما فعل.
وابنة محمد رُقيَّة، وفيها يقول الشَّاعر وهو زوجها إبراهيم: [من الطويل]
خليليَّ من قيسٍ دعا النَّومَ واقعُدا … يَسرُّكما ألا أنام وتَرقُدا
стр. 5573
أَبِيتُ كأنّي مُسْعَرٌ من تَذكُّري … رُقَيَّة جَمْرًا من غَضًا مُتَوقّدا (١)
وقال أبو اليقظان: أُخبر رياح أن محمدًا في جبال رَضْوى، فخرج في طلبه، فرآه محمَّد من بعيد فصعد الجبل ومعه أمُّ وَلَدٍ له، فسقط ولدها فمات، فقال محمَّد: [من السريع]
مُنْخَرِقُ السِّربال يشكو الوَجَى … تَنْكُبُه أطرافُ مَرْوٍ حِدادْ
شَرَّده الخوفُ وأَزْرى به … كذاك مَن يَكْرَه حَرَّ الجِلادْ
قد كان في الموتِ له راحةٌ … والموتُ حَتْمٌ في رقابِ العِبادْ (٢)
قد تقدم أن عبد الرَّحْمَن بن الأشعث أنشد هذه الأبيات في بعض وقائعه لما خرج على الحجاج، فيحتمل أن محمَّد بن عبد الله تمثَّل بها والله أعلم.
وقال الهيثم: كان زياد الحارثيّ يطلب محمدًا، فرآه يومًا في الصحراء فقال له: مَن أَنْتَ؟ فقال: أعرابي، فعرفه ولم يكلِّمه، وقال له: اذهب حيث شئت، ولقيه يومًا على بئر فوقف بين قَرْنَيها يستقي -وكان جسيمًا وسيمًا - فعرفه زياد فقال: قاتله الله أعرابيًّا ما أحسن ذِراعه.
ورآه مرة في صحراء المدينة، فجلس محمَّد وأعطاه ظهره، فقال له زياد: امرأة رأتنا فاستحيت (٣).
وبلغ أَبا جعفر فعزل زيادًا، وأوثقه وأخذ جميعَ ماله، ووجد له عينًا مئة أَلْف دينار، وحُمِل إلى أبي جعفر فقال له: ما هذا؟ فقال: إن دماء بني فاطمة عندي لعزيزة.
وكان لزياد كاتب من أهل الكوفة اسمه عمر بن حفص (٤) كان يتشيَّع، فهو الذي كان يُثَبِّط زيادًا عن طلب محمَّد وأخيه.
فولّى محمَّد بن خالد القَسْري ثم عزله، وولى رِياحًا.
стр. 5574
وقال يحيى بن خالد بن بَرْمَك (١): اشترى أبو جعفر عَبيدًا من الأعراب الذين يسكنون البوادي، وأعطى كل واحد البعير والبعيرين، وأمرهم أن يطلبوا محمدًا على المياه فإنَّه قد ضلَّ منهم شيء.
وقال عمر بن شبة: ولَّى أبو جعفر الفضلَ بنَ صالح الموسم سنة ثمان وثلاثين، وقال له: إن رأيت محمدًا وإبراهيم فلا تفارقهما حتَّى تُحضرهما إليّ، فلما حج أتاه بنو هاشم ولم يأته محمَّد وإبراهيم، فقال لأبيهما: ما منع ولديك أن يأتياني؟ فقال: والله ما منعهما من إتيانك رِيبة ولا سوء، ولكنهما حُبِّب إليهما الخَلوة والبادية والصَّيد، لا يشهدون مع أهلها خيرًا ولا شرًّا، فسكت الفضل.
وقال الزَّعفَراني: قدم محمَّد البصرة، فنزل في بني راسب، فأقام ستة أيام وخرج، وبلغ أَبا جعفر، فسار من الكوفة إلى البصرة، واستدعى عمرو بن عبيد وقال: يَا أَبا عثمان، هل بالبصرة أحدٌ نخافه على أمرنا؟ فقال: لا، فانصرف راجعًا إلى الكوفة.
وقال عمر بن شَبَّة: حج المنصور في سنة أربعين ومئة ومعه ابنه المهدي، فأتاه عبد الله بن حسن في جماعة من بني هاشم، فتكلَّم المهدي فلَحَن، فقال عبد الله: يَا أمير المُؤْمنين، ألا تأمر ابنَك هذا بتعديل لسانه وقد اخترتَه وليَّ عهدك على الأُمَّة؟! فتغافل أبو جعفر عنه، وأخذ كتابًا ينظر فيه، وعبد الله يُردِّد القول، فغضب أبو جعفر وقال له: أين ابنُك؟ قال: لا أدري، قال: لتأتينّي به، قال: والله لو كان تحت قدميَّ ما رفعتُهما عنه، فأمر بحبسه وقال: ألست القائل لأبي العباس: [من الوافر]
ألم تَرَ حَوشبًا أضحى يُبَنِّي (٢)
وكان أمنَّ النَّاس عليك وأوصلَهم لك؟!
وحجّ في تلك السنة إبراهيم ومحمَّد وهما مُستخفيان ومعهما جماعة من الشيعة، فاتَّفقوا على اغتيال أبي جعفر، وقال لهم عبد الله بن محمَّد الأمير: أنا أكفيكموه، فقال محمَّد: لا والله لا نقتله غِيلة حتَّى أدعوه، فانتقض أمرُهم، ودخل معهم قائد من قواد
стр. 5575
أبي جعفر، وبلغ الخبر أَبا جعفر فطلبه فهرب، وقتل أبو جعفر أصحاب ذلك القائد واسمه خالد بن حسان، وكان أراد أن يطعن أَبا جعفر بحَربةٍ بين الصَّفا والمروة فنهاه عبد الله بن حسن.
ذكر مَن حُبس مع عبد الله بن حسن بن حسن
حُبس معه حسن وإبراهيم ابنا حسن بن حسن، وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن، وسليمان وعلي وعبد الله وعباس بنو داود بن حسن بن حسن، وأبو بكر بن حسن بن حسن، ومحمَّد وإسماعيل وإسحاق بنو إبراهيم بن حسن بن حسن، وعباس بن حسن، أخذوه وهو قاعد على بابه فقالت أمه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر: دعوني أشمّه، فقالوا: لا والله لا شَمَمْتيه أبدًا. وعلي بن حسن بن حسن العابد، وموسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، وعلي بن محمَّد بن عبد الله بن حسن بن حسن، وكان قد قدم من مصر.
فهؤلاء ستة عشر رجلًا من أعيانهم، وقيل: كانوا عشرين، وحبسوا معهم محمدًا الدِّيباج، وهو أخو بني حسن لأمهم، وأمهم فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وحُبس معهم عبد الرَّحْمَن بن أبي الموالي وأبا حنين.
وجاء علي بن حسن بن حسن بن حسن إلى رياح فقال: ما الذي جاء بك؟ قال: لتَحبسَني مع أهلي، فحبسه معهم.
ولما خرج رياح بهم إلى الرَّبَذَة قال غالب الهَمْداني من أبيات: [من المنسرح]
نفسي فَدت شَيبةً هناك وظُنْـ … ـبُوبًا به من قيوده نَدَبُ
والسَّادةَ الغُرَّ من بَنيه فما … رُوقِبَ فيه الإلهُ والنَّسبُ
يا حلَقَ القَيدِ ما تضمَّنْتَ من … حِلمٍ وبِرٍّ يَشوبُه حَسَبُ
وأمَّهاتٌ من العَواتِكِ أخْـ … ـلَصْنَك بِيضٌ عَقائلٌ عُرُبُ
كيف اعتذاري من الإله ولم … تُشْهَر فيك المأثورَةُ القُضُبُ
ولم أَقُد غارةً مُلَمْلَمَةً … فيها بنات الصَّرِيحِ تَنْتَحِبُ
والسَّابقاتُ الجِيادُ والأَسَلُ … الذُّبَّلُ فيها أَسِنَّةٌ ذُرُبُ
стр. 5576
أصبح آلُ الرَّسول أحمدَ في النا … سِ كذي عُرَّةٍ به جَرَبُ
بُؤسًا لهم ما جَنَتْ أكفُّهُمُ … وأيَّ حَبلٍ من نَسْلِه قَضَبوا (١)
ولما نزلوا الكوفة حبسهم في سِرداب، وضَيَّق عليهم حتَّى ماتوا عن آخرهم.
ولما قدم المنصور الكوفة صَعِد المنبر فخطب وقال: يَا أهل خُراسان، أنتم شيعتُنا وأنصارُنا وأهلُ دعوتنا، إن علي بن أبي طالب حَكَّم الحكمين، فافترقت عليه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثم وثب عليه شيعتُه وأصحابُه وثقاتُه وأنصاره فخذلوه وقتلوه، ثم قام من بعده ولدُه الحسن، فوالله ما كان فيها برجل، عُرضت عليه أعراضُ الدنيا كلها، ودسَّ إليه معاوية: إنِّي أجعلك وليَّ عهدي من بعدي، فخدعه، فانسلخ منها، وسلَّمها إليه، وأقبل على النساء يتزوَّج كلَّ يوم امرأة ويطلِّقُها من الغد، فلم يزل كذلك حتَّى مات، ثم قام من بعده أخوه الحُسين، فخدعه أهلُ هذه المَدَرَةِ السَّوداء -وأشار إلى الكوفة- أهل النِّفاق والشِّقاق ومساوئ الأخلاق، والله ما هي بحَربٍ فأحاربها، ولا بسِلْمٍ فأسالمها، فرَّق الله بيني وبينها، وزادها بُعدًا وسُحقًا، فأسلموه وخذلوه حتَّى قتلوه، ثم قام من بعده زيد بن عليّ، فغَرُّوه حتَّى أسلموه، ولقد ناشده أبي محمدُ بنُ علي ألا يفعل، وألا يقبل خِداع أهل هذه المَدَرَةِ السَّوداء، وقال له: إنَّا لنجد في بعض الكُتب أن بعضَ أهلنا يُصلَب بالكوفة، فاحذر أن تكون ذلك، فلم يقبل، وقال له: عمِّي داود: لا تثق بهم؛ فإنهم غُدُرٌ فُجُر، فلم يقبل، حتَّى صُلب بالكُناسة ثم أُحرق.
ووثب علينا بنو أمية، فأماتوا شَرَفنا، وأذهبوا عِزَّنا، لا والله ما كان لهم عندنا تِرةٌ يطلبونها، ولا مَأثُرةٌ يَرومونها فنَفَونا من البلاد، وشَرَّدونا في كل واد، فتارةً بالحجاز، وتارة باليمن، ومرةً بالعراق، ومرةً بالشَّراة، حتَّى أقامكم الله لنا شيعة وأنصارًا، وأحيا بكم شَرَفنا، وأعزَّ ديننا، ودفع بكم الباطلَ عنا، وأظهر حقَّنا، وأصار إلينا أمرَنا وميراثنا من نبينا ﷺ ، فقَرَّ الحقُّ مَقَرَّه، وأعزَّ الله أنصارَه، وقُطع دابرُ القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
فلما استقرَّ الأمرُ فينا وثب علينا هؤلاء الظَّلَمة؛ بغيًا وحسدًا منهم لنا، ثم أنشد:
стр. 5577
جَهْلًا علينا وجُبنًا عن عدوِّهمُ … لبئستِ الخَلَّتن الجهلُ والجُبنُ
ثم قال: إنِّي والله ما أتيتُ هذا الأمر من جهالة، وإنما بلغني بعض السّقم عنهم، فدَسَسْتُ إليهم رجالًا وأموالًا، فوالله ما بقي منهم كبير ولا صغير، ولا شيخ ولا شاب إلَّا استحلُّوا دماءنا وأموالنا، فحينئذ استَحْلَلْتُ بنَقْضِهم بيعتي، وحِنثهم في أيمانهم، وطَلَبِهم الفتنة، وتفريق الكلمة، والتماس الخروج عليّ، ثم قرأ: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية [سبأ: ٥٤] ثم نزل (١).
وكان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سفيان بن معاوية، وعلى المدينة رياح المُرِّي، وعلى مكة السَّرِيّ بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم، وعلى خراسان نوَّاب المهدي.
وفيها تُوفِّي
إسحاق بن عبد الله
ابن أبي فَرْوة، أبو سليمان، من الطَّبقة الخامسة من أهل المدينة، وكان كثير الحديث، ولا يحتجون بحديثه (٢).
صالح بن كَيسان
أبو محمَّد، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وكان يُؤدِّب عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وأولادَ الوليد بن عبد الملك، ثم ضمهَّ عمر إلى نفسه، وكان قد جمع بين الحديث والفقه والدين والمروءة.
أسند عن ابن عمر وغيره، وروى عنه مالك والأئمة، واتَّفقوا على صدقه وثقته وأمانته، وسئل عنه الإمام أحمد رحمة الله عليه فقال: بخ بخ قد رأى ابن عمر. وهو ثِقَة، يُعدُّ في التابعين.
وقال أبو عبد الله الحاكم: مات صالح وهو ابن مئة ونيف وستين سنة (٣)، ولقي
стр. 5578
جماعة من الصَّحَابَة، وكان ثِقَة ثبتًا.
عبد الله بن شُبْرُمَة الضَّبِّي
أبو شبرمة. من الطَّبقة الرابعة من أهل الكوفة، كان فقيهًا، حسن الخُلق، قليلَ الحديث.
وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمر: كان ابن شبرمة عندنا واليًا باليمن، فلما عُزل شَيَّعتُه، فنظر إليّ وقال: أَحْمد الله، أما إنِّي لم أستبدل بقميصي هذا قميصًا منذ دخلتَها، إنما أقول لك حلالًا، أما الحرام فلا سبيل إليه.
وكان يحضر هو ومحمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عند عيسى بن موسى يَسْمُران كل ليلة، فإذا جاءا وقفا على دوابهما حتَّى يؤذن لهما، وربما خرج إليهما عياض حاجب عيسى فيقول: انصرفا، فينشد ابن شبرمة ويقول: [من الطَّويل]
إذا نحن أعتَمْنا وطال بنا الكَرى … أتانا بإحدى الرَّاحتَين عِياضُ (١)
يزيد بن أبي مريم
ابن أبي عطاء، أبو عبد الله، من الطَّبقة الخامسة من أهل الشَّام، كان إمام جامع دمشق حين بناه الوليد بن عبد الملك. وتوفي في هذه السنة، وقيل: سنة خمس وأربعين ومئة.
أسند عن أبي إدريس الخَولاني، ورأى واثلة بن الأسقع، وروى عنه الأَوْزَاعِيّ وغيره، وكان ثِقَة صدوقًا (٢).
* * *
стр. 5579
السنة الخامسة والأربعون بعد المئة
فيها خرج إبراهيم بالبصرة ومحمَّد بالمدينة على أبي جعفر فقُتلا، وسنذكرهما إن شاء الله تعالى.
وتتابعت الحوادث على أبي جعفر من كل جانب، والخوارج (١) والترك خرجوا إلى باب الأبواب فقتلوا من المسلمين خلقًا كثيرًا، فكان أبو جعفر يترنَّم: [من الوافر]
تَفرَّقت الظِّباء على خِراشٍ … فما يدري خِراشٌ ما يصيدُ
وفيها أُسِّست بغداد، قال الجوهري: بغداد، وبَغدان، ومَغذان، تذكر وتؤنث (٢).
قال أبو حاتم: سألتُ الأصمعيّ عن بغداد وبغداذ ومَغدان وبغدين هل يقال ذلك؟ فكره أن يتكلم بشيء منه وقال: هذا كلُّه رديء، أخشى أن يكون شركًا، وأبغضه إليَّ بغداذ بذال معجمة.
وإنما كرهوا ذلك؛ لأنه كان بالمشرق صنم يقال له: بغ، وموضع بغداد يقال له: داذ قرية، فأقطع كسرى خصيًّا له موضع بغداد، فقال الخصي: بغ داذ أي: عطية الصنم، وداذ عطية.
وقيل: كان في موضعها دعي فيه صنم اسمه بغ، وسادنه يقال له: داذ.
وقال الفراء: كل ما جاء من اللغات في بغداد يُراد به: عَطيَّة الصنم، فكُره الجميع لهذا.
وقال ابن الأنباري: بغ: بستان، وداذ اسم رجل.
وقال ابن الأعرابي: دخلت إلى موضع بغداد -وهو أَجَمة ليس فيه إلَّا كوخ- وفيه رجل من الأولين ينظر مَبْقَلة له، فلما جاء أبو جعفر ووضع الأساس قال: ما اسم هذا المكان؟ قالوا: لا ندري، فقيل له: ها هنا رجل من الأولين، فبعث إليه فقال: ما اسمك؟ قال داذ، قال: وما يقال لهذا الموضع؟ قال: بغ، يعني: المبقلة، فقال أبو
стр. 5580
جعفر: سموها باغ داذ؛ يعني بستان صاحب هذه المبقلة.
ولا يُتابَع ابن الأعرابي على ذلك، والمحفوظ أن هذا الاسم كان يعرف به هذا الموضع قبل أبي جعفر (١).
ويقال: دار السلام.
لما ولي المنصور الخلافة بنى بالكوفة مدينة يقال لها: الهاشمية غير مدينة ابن هُبيرة (٢)، وبنى إلى جانبها أخرى وسمّاها الرُّصافَة فلم تحمله، وانتقل إلى الهاشمية، وبنى بها قصرًا عظيمًا، فلما ثارت عليه الرّيوندية كرهها وخاف على نفسه، فاختار بناء بغداد ليأمَن على نفسه.
وقال الهيثم: حذَّره النَّاس من أهل الكوفة -وكانوا قد أفسدوا جنده- وقالوا: إن أَبا العباس انتقل عنهم، وهم قوم قد عرفت ثوراتهم كل وقت، وأنت قريب منهم، فارحل إلى بعض الأماكن.
فبعث الرُّوَّاد فلم يظفروا بما كان في نفسه، فخرج بنفسه، فبدأ بناحية واسط، وعاد في دجلة فرأى موضع بغداد، ثم سار إلى الموصل، وعاد إلى موضع بغداد فأعجبته وقال: هذا سرة العراق، والعراق سرة الدنيا، ولهذا اختارت الأكاسرة المدائن وهي قريبة من هذا، ولولا إحياء سنَّة الأعاجم وآثارهم لسكنتُ المدائن، ولكن هذا موضع حسن، يأتينا في دجلة جميع ما في الجزيرة من الميرة وغيرها، وهذه الصَّراة يأتينا فيها كل ما في الشَّام ومصر، وهذه دجلة يأتينا فيها كل ما في الهند والسند وفارس والأهواز وعُمان والبصرة وتلك النواحي.
وروى الخَطيب: أن بغداد كانت مزرعة يقال لها: المباركة، وكانت لستين نفسًا من البغداديين، فعوَّضهم أبو جعفر عنها عوضًا أرضاهم به، وقسمه بينهم (٣).
وقال سليمان بن مجالد: لما خرج أبو جعفر من الكوفة يرتاد منزلًا نزل بساباط المدائن، فرَمِد بعض أصحابه، فأقام يعالج عينيه، فقال له الطبيب: أين يريد أمير
стр. 5581
المُؤْمنين؟ قال: يريد منزلًا ينزله، فقال: إنَّا نجد في كتبنا أن رجلًا يُدعى مِقلاصًا يبني مدينة بين دجلة والصَّراة؛ وتُدعى الزَّوراء، فإذا أسَّسها أتاه فَتْق من الحجاز، فقطع بناءها وأقبل على إصلاحه، فإذا كاد يلتئم أتاه فَتْق من البصرة أكبر منه، فلا يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بنائها فيُتمِّمه، ثم يُعمَّر طويلًا، ويبقى الملك في عَقِبه.
فأخبرني صاحبي بقول الطبيب، فأخبرتُ أَبا جعفر فقال: أنا والله ذلك، لقد سُمِّيتُ مِقلاصًا وأنا صبي، ثم انقطعت عني (١).
وقال الصُّولي. لما أراد أبو جعفر أن يبني بغداد كان يؤتى من كل أرض بتراب فيُعَفِّنه، فيصير عقاربَ وهَوامّ، فأُتي بتربة بغداد فعَفَّنه، فخرج صُرَيصر (٢) فأعجبه ذلك، وكان هناك دعي فيه واهب في صومعة، فاطَّلع فقال: لا يقدر علي بنائها إلَّا رجل يُقال له: مِقلاص، وبلغ أَبا جعفر فقال: الله أكبر، كانت أمي تُسمّيني مِقلاصًا وأنا صغير، ثم انقطع عني.
قال الهيثم: فقال له الراهب: لا بد لك من فتقين، يعني إبراهيم ومحمدًا، ثم قال له: ضعها ها هنا تأتيك الميرة من المغرب وطرائف مصر والشَّام في الفرات، وتجيئك المِيرة في دجلة من الصين والهند والبصرة وواسط وأذربيجان وأرمينية والروم والجزيرة والموصل وديار بكر ونحوها، ثم تكون بين الفرات ودجلة في خندق لا يصل إليك عدو إلَّا على جسر أو قنطرة، فإذا خفتَ أخربتَ الجميع فتأمن، وهذه المدينة لا يبنيها إلَّا رجل يقال له: أبو الدَّوانيق، فضحك أبو جعفر وقال: أنا ذاك.
قال الخَطيب: وكان في موضع القصر الذي بناه على الفرات دير، وإلى جانبه قرية يقال لها: العتيقة؛ وهي التي افتتحها المثنَّى بن حارثة، فنزل المنصور الدَّير، وكان عنده قرى ومزارع هي موضع بغداد، وحشد لها الصُّنَّاع والفَعَلة من البصرة والكوفة والشَّام والجزيرة ومصر، ومن الأقطار، ووضع أساسها في وقت اختاره له نُوبَخت المنجِّم، وكان الطالع القوس، وقال له نوبخت: إن الطالع يقتضي أنها لا تخرب، ولا يموت فيها خليفة (٣).
стр. 5582
قال المصنف ﵀: كذب نوبخت، إن كان أراد مدينة المنصور التي هي بغداد وهي من الجانب الغربي من دجلة فقد خربت خرابًا كليًّا بحيث لم يبق منها شيء، وقُتل فيها الأمين، ومات بها محمَّد القاهر، وإن أراد الجانب الشرقي فقد مات بها عامة الخلفاء، وقتل بها المقتدر، ولم يخرج عنها سوى الراشد والمسترشد.
ثم أحضر المهندسين، وضرب اللَّبِن، وأحرق الآجر، وأمر أن تُخَطّ له، فخُطَّت وبُيِّن له صورتها.
قال ابن عياش: فأخذ بيده لبنة وقال: بسم الله وبالله ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
ثم قال لخالد بن بَرْمَك: ما ترى في نقض إيوان كسرى وصرف أنقاضه إلى بناء هذه المدينة؟ فقال: لا أرى ذلك، قال: ولم؟ قال: لأنه عَلم من أعلام الإِسلام، يَستدلُّ به الناظر إليه على أنَّه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا، وإنما هو بأمر دين، فقال أبو جعفر: أبيت إلَّا الميل إلى أصحابك الأعاجم.
وأمر أن يُنقَض القصر الأبيض، فنُقضت ناحية منه، وحُمل نقضه، فنظروا في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الحديد، فقال أبو جعفر لخالد: ما ترى؟ قال: قد كنتُ أرى أن لا يُنقض، فأما الآن فأرى أن يُهدم حتَّى يَلحق بالأرض، قال: ولم؟ قال: لئلا يقال: إنك عجزت عن هدم ما بناه أولئك، فأعرض عن هدمه.
وذكر الخَطيب: أن المنصور همَّ بنقض الإيوان، واستشار أصحابه فصَوَّبوا رأيه إلَّا كاتب من الفرس فقال له: يَا أمير المُؤْمنين، قد علمتَ خروج رسول الله ﷺ من تلك القرية، وكان منزله ومنزل أصحابه على ما قد علمت، خرج أصحاب تلك المنازل مع ضعفهم إلى صاحب هذا الإيوان مع عزَّته وصعوبة أمره؛ حتَّى غلبوه، وسلبوه ملكَه قهرًا، وقتلوه، فيجيء الجائي من أقاصي الأرض، فينظر إلى تلك القرية وإلى هذا الإيوان؛ فيتيقن أن الله أيَّده، وكان معه ومع أصحابه، ففي تركه فخر لكم، فاتَّهمه (١).
وأمر المنصور أن يُجعل الأساس من أسفله خمسين ذراعًا، وأعلاه عشرين ذراعًا.
стр. 5583
وابتدأ البناء في سنة خمس وأربعين ومئة، وفرغ في سنة ست وأربعين.
وبناها مدورة الشكل ليكون الملك في وسطها، ولا يكون إلى موضع أقرب من موضع، وهي ثلاثون ومئة جَريب (١)، وأنفق عليها ثمانية عشر أَلْف أَلْف درهم.
وقال الطبري: أنفق عليها أربعة آلاف (٢) وثمان مئة وثلاثة وثلاثين درهمًا، على المدينة والسور وقصر الذهب والإيوان والسقوف؛ لأن الأستاذ من الصنَّاع كان يعمل في يومه بقيراط إلى خمس حبات، والرُّوزجاري يعمل بحبتين إلى ثلاث حبات.
قال الخَطيب: ومبلغ الأربعة آلاف درهم من الفلوس مئة أَلْف [أَلْف] فلس وثلاثة وعشرون أَلْف فلس (٣).
وهذا تفاوت عظيم من ثمانية عشر أَلْف ألفما درهم إلى أربعة آلاف درهم.
وكانت كل لَبِنة عرض ذراع في ذراع، وزنها سبعة وعشرون رطلًا بالعراق (٤).
وكان أبو حنيفة النُّعمان بن ثابت يَعُدُّ اللَّبِن بالقصب، وهو أول من فعل ذلك.
وجعل لها أربعة أبواب: باب الكوفة لمن يأتي من الحجاز، وباب الشَّام لمن يأتي من المغرب (٥)، وباب البصرة لمن يأتي من البصرة والأهواز وفارس ونحوها، وباب خراسان لمن يأتي من المشرق، وبين كل باب وباب ألفًا ذراع ومئتا ذراع، ونقل إليها أبواب واسط -التي نقلها الحجاج من مدينة بناها سليمان ﵇ قريبة من واسط، ويقال لها: الزَّنْدَوَرْد؛ اتَّخذت لها الشياطين خمسة أبواب من الحديد؛ لا يقدر على عمل مثلها أحد من النَّاس، وخربت تلك المدينة- وجعل على كل باب سورًا (٦) وحُجَّابًا، وعلى كل باب قائدًا، وجعل حولها الخنادق، وكان لا يدخل أحد راكبًا من هذه الأبواب إلَّا عم المنصور داود بن عليّ؛ فإنَّه كان مُنَقْرَسًا، فكان يُحمل على
стр. 5584
مِحَفَّة، ومحمَّد المهدي.
وقال عبد الصمد بن عليّ للمنصور: يَا أمير المُؤْمنين، أنا شيخ كبير، عُدَّني بعضَ بغال الروايا التي تصل إلى الرِّحاب، فأمر أن تعمل قُنيّ الماء إلى المدينة فعملت.
قال المصنف ﵀: قول الخَطيب: إلَّا داود بن عليّ وهم؛ لأن داود مات سنة ثلاث وثلاثين، ولم يُدرك من دولة بني العباس سوى ثمانية أشهر، وإنما القائل للمنصور سليمان بن عليّ.
وكانت مساحة قصر المنصور وجامعه الذي هو قائم اليوم أربع مئة ذراع في مثلها، وبنى القُبَّة الخضراء في ارتفاع ثمانين ذراعًا، وكانت ترى من أقصى بغداد، وعلى رأسها تمثال فرس عليه فارس.
وقال أبو القاسم التَّنوخي: كان على رأس القبة الخضراء صنم على صورة فارس بيده رمح، فكان إذا مدَّ الرمح واستقبل بعض الجهات عُلم أنَّه قد ظهر بها خارجي، فيَرِد الخبر بذلك.
وقال القاضي التنوخي: إن في سنة تسع وعشرين وثلاث مئة في جمادى الآخرة كانت ليلة شديدة المطر والرعد الهائل والبرق؛ سقطت القبة الخضراء، وكانت تاجَ بغداد، ومأثرة بني العباس، وهو أول بناء بنوه، وكان بين بنائها وسقوطها مئة ونيف وثمانون سنة، وكانت محبس أبي جعفر، ومن دون القبة أربع قباب، وبنى على دجلة قصرًا وسماه الخلد، فكان يكون تارة فيه وتارة في القبة (١).
وقال الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه: حَدُّ بغداد من الصَّراة إلى باب التّبن (٢) طولًا، والصراة وهي النهر الذي عليه القنطرتان بباب البصرة العتيقة والجديدة، وباب التبن هو مشهد موسى بن جعفر.
فأما عرضها فمن دجلة من الشرق إلى مكان غربي بغداد يقال له: الكَبْش والأَسَد، قريب من قبة إبراهيم الحربي، وكانت عنده أسواق عظيمة تمنع الماشي من المشي لكثرة الزحام، وهي اليوم مزارع وصحارى.
стр. 5585
وكان الجامع مبنيًّا باللبن، فنقضه هارون وبناه بالآجُر، واسمه مكتوب عليه إلى اليوم، وإنما سُمِّيت الأماكن التي حولها بنهر طابق، ونهر القَلَّايين، ونهر الدجاج لأنها كانت أنهارًا تدخل إلى المدينة، وقيل: إن القنطرة العتيقة من بناء الفرس.
ولما فرغ من بنائها قدم عليه رسول من الروم، فأمره أن يطوف في أقطارها فطاف، فقال له: كيف رأيتها؟ قال: رأيت أعداءك معك فيها، قال: ومن هم؟ قال: السوقة، فأمر بنقلهم ونقل الأسواق إلى الكَرْخ.
وقال الطبري: جعل لها ثمانية أبواب، أربعة خارجة وأربعة داخلة، وخطَّ جامعها الحجاج بن أرطأة، وقيل: إن قبلته على غير صواب، ويحتاج المصلِّي فيه أن ينحرف قليلًا إلى باب البصرة، وقبلة مسجد الرصافة أَصوب.
وقال خالد بن الصلت: ولاني أبو جعفر على رُبع من أرباع المدينة، ففرغتُ منه، ورفعت إليه حساب النفقة وهو يحسب بيده، فبقي منها خمسة عشر درهمًا، فحبسني أيامًا حتَّى أدَّيتُها إليه.
ودخل يومًا فطاف في قصره، فأعجبه مكان فيه، فأراد أن يعلم ما أنفق عليه، فقال للمسيِّب: أحضر لي بنَّاء فارهًا، فأحضره فقال: كم غرم علي هذا القصر؟ فلم يردَّ عليه شيئًا، فخافه المسيّب لأنه تولى بناءه فقال: تكلَّم، فلم يُحِر جوابًا، فأخذ بيده وأدخله الحجرة التي استحسنها وقال: ابن لي بإزاء هذا المجلس طاقًا، فبناه في يومين، فقال للمسيب: ادفع إليه أجرته على حسب ما عمل، فحاسبه المسيّب فأصابه خمسة دراهم، فقال أبو جعفر: لا أرضى هذا، فنقصه درهمًا، ثم أخذ المسيّب والأمناء والبنّائين والمهندسين بحساب الطاق، فخرج على المسيّب ستة آلاف درهم، فأخذه بها، فما خرج من القصر حتى حملها (١).
قال الخَطيب: وعقد عليها المنصور ثلاثة جسور: جسر له ولخواصّه، وجسر للأجناد، وجسر للعامة (٢).
стр. 5586
ذكر كراهية سكنى بغداد
قد كره غير واحد من السلف سُكناها والمقام بها، وكان الفُضيل بن عياض لا يرى الصلاة فيها، قال: كانت مَبْقلة لأيتام، أخذها أبو جعفر منهم ولم يعطهم شيئًا، وكان ينهى أصحابه عن المقام بها ويقول: أخبثهم مؤدبهم (١).
وقال بشر الحافي: بغداد ضيقة على المتَّقين، ما ينبغي لمؤمن أن يقيم بها، قيل له: فهذا أَحْمد بن حنبل وأنت مقيمان بها؟! فقال: دفعتنا الضرورة إلى المقام بها كما دفعت الضرورة إلى أكل الميتة.
وسئل الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه عن مسألة في الورع فقال: لا أتكلم فيه وأنا آكل من غلَّة بغداد، إنما يتكلم فيه بشر الحافي لأنه لا يأكل من غَلَّتها.
وسئل أَيضًا عن درهم من غلَّة بغداد فقال للسائل: أما غلة بغداد فأنت تعرفها، فأيش تسألني عنها؟
وقال سفيان الثَّوريّ: المتعبِّد في بغداد كالمتعبِّد في الكَنيف.
وكان ابن المبارك كلما أقام يومًا ببغداد تصدق بدينار.
وقيل: كانت تُمسح ويؤدَّى خراجُها، فلما بناها أبو جعفر لم تُمسح بعد ذلك.
وقال الخَطيب: ابتاع أبو جعفر ما بين قنطرة البردان إلى الجسر ولم يؤدِّ ثمنه، ورفع ذلك إلى هارون وابنه المأمون فلم يؤدِّيا شيئًا.
وكان عبد الله بن المبارك يَذمُّ الزَّاهد الذي يسكن بغداد، فقال: [من الخفيف]
أيها الزَّاهدُ الذي لبس الصُّو … ف وأضحى يُعدُّ في الزُّهادِ
الزم الثَّغْرَ والتعبُّدَ فيه … ليس بغداد مسكنَ العبَّادِ
إن بغداد للملوك مناخٌ … ومَحلٌّ للقارئ الصيَّادِ (٢)
стр. 5587
ذكر من مدحها
قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: يَا أَبا موسى، رأيت بغداد؟ قلت: لا، قال: ما رأيتَ الدنيا (١).
وقد مدحها جماعة من الشعراء، وقال طاهر بن المظفَّر بن طاهر الخازن شعرًا ينشده: [من الطَّويل]
سقى الله صَوْبَ الغاديات محلَّةً … ببغدادَ بين الكَرْخ فالخُلْد فالجسرِ
هي البلدةُ الحسناء خُصَّت لأهلها … بأشياءَ لم يُجمعن مذ كنَّ في مصرِ
هواءٌ رقيقٌ في اعتدالٍ وصحَّةٍ … وماءٌ له طعمٌ ألذُّ من الخَمْرِ
ودَجلتُها شَطَّان قد نُظما لنا … بتاجٍ إلى تاجٍ وقصرٍ إلى قصرِ
تراها كمسكٍ والمياه كفضَّةٍ … وحَصباؤها مثلَ اليواقيتِ والدُّرِّ
وقال أبو محمَّد: [من الوافر]
على بغدادَ مَعْدنُ كلِّ طِيبٍ … ومَغنى نُزهَة المتنزِّهينا
سلامٌ كلما جَرحَت بلَحْظٍ … عيونُ المشتهين المشتهينا
دخلنا كارهين لها فلما … ألِفناها خرجنا مُكرَهينا
وما حبُّ الديار بنا ولكن … أَمَرُّ العيش فُرقةُ مَن هَوينا
وقال محمَّد بن الهمذاني: [من الطَّويل]
فدًى لكِ يَا بغداد كلُّ مدينة … من الأرض حتَّى خِطَّتي وبلاديا
فقد طفتُ في شرق البلاد وغربها … وسَيَّرتُ خيلي بينها ورِكابيا
فلم أر فيها مثلَ بغدادَ منزلًا … ولم أر فيها مثلَ دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرقَّ شمائلًا … وأعذبَ ألفاظًا وأحلى معانيا
وكم قائلٍ لو كان وُدُّكَ صادقًا … لبغدادَ لم ترحل فكان جوابيا
يقيم الرجال الأغنياء بأرضها … وترمي النَّوى بالمُقتِرين المراميا
وقال علي بن محمَّد بن حَبيب: كتب إلي أخي من البصرة وأنا ببغداد: [من البسيط]
стр. 5588
طِيبُ الهواء ببغداد يُصرِّفُني … قِدْمًا إليها وإن عاقَتْ مَعاذيرُ
فكيف صَبريَ عنها الآن إذ جمعتْ … طِيبَ الهواءين مَمدودٌ ومَقصورُ (١)
ذكر حكم أراضيها
منع جماعة من العلماء بيع أرض بغداد، وأجازوا بيع أنقاضها دون أرضها، وبه قال الإِمام أَحْمد وبشر الحافي رحمة الله عليهما، واحتجوا بأن عمر رضوان الله عليه وقف بغداد منه، وأجاز آخرون بيع أرضها وأنقاضها، واحتجوا بأن عمر رضوان الله عليه أقرَّ السَّواد في يد أهله، وأخذ منهم الخراج عوضًا عن الأرض، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، فإن عنده أرض السواد مملوكة لأهلها، يجوز بيعها لهم وتصرفهم فيها؛ لأن عمر ﵁ ملكهم إياها (٢).
وقولهم: إن عمر رضوان الله عليه وقفها لا يصح، وإنما وقف الشَّام في الصحيح من الروايات، ووضع الخراج على السواد.
ذكر أحاديث في ذمها
عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون لبني عمي مدينة من قِبل المشرق، بين دجلة ودُجَيل وقُطْرُبُّل والصَّراة، تُشَيَّد فيها بالخشب والآجر والذهب، يسكنها شرار خلق الله وجبابرة أمتي، أما إن هلاكها على يد السُّفياني، كأني بها والله قد صارت خاوية على عروشها".
وفي رواية: "تكون مدينة بين دجلة والفرات، يكون فيها مُلك بني العباس، وهي الزَّوراء، تُذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم" فقيل لعلي رضوان الله عليه: لم سُمّيت الزوراء؟ فقال لأن الحرب تدور في جوانبها حتَّى تطبقها.
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تكون مدينة بين أنهار في أرض جوخى يقال لها: الزوراء، يسكنها جبابرة أمتي، يُعذَّب أهلها بأربعة أصناف:
стр. 5589
خسف ومسخ وقذف" قال البرقاني. ولم يذكر الرابع.
وحديث عن أنس لفظه: "تبنى مدينة بين دجلة ودُجَيل، هي أسرع ذهابًا في الأرض من وَتد الحديد في الأرض الرّخوة".
وهذه الأحاديث واهية الإسناد لا تثبت (١).
قال البيهقي: لما بنى أبو جعفر بغداد انتدب له جماعة منهم الغلابي وعمر بن يحيى وعمار (٢) بن سيف، وكانوا من غلاة المتشيعين، فوضعوا مثل هذه الأخبار ليُنفِّروا النَّاس عن سكنى بغداد، وتكثر الشناعات على أبي جعفر.
وحج بالنَّاس السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس، وكان على مكة، والمدينة رياح بن عثمان المُرِّي (٣)، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سَلْم بن قتيبة الباهليّ، وعلى خراسان المهدي ونُوَّابه بها.
وفيها تُوفِّي
إبراهيم بن حسن
ابن حسن بن عليّ بن أبي طالب في سجن أبي جعفر، وهو من الطَّبقة الرابعة من أهل المدينة، وأمه فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وكان من العُبَّاد الزُّهَّاد الأجواد.
وله من الولد إسحاق، ويعقوب، وأم إسحاق، ورقية، وإسماعيل، أمهم رُبيحة بنت محمَّد بن عبد الله المخزومي، ومحمَّد، وعلي، وفاطمة، وحسنة لأمهات أولاد (٤).
стр. 5590
إبراهيم بن عبد الله
ابن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، أبو إسحاق، وقيل: أبو القاسم، وأمه هند بنت أبي عُبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، وهو من الطَّبقة الخامسة من أهل المدينة.
وكان له من الولد: حسن، أمُّه أُمامة بنت عصمة بن عبد الله بن حَنظلة بن الطُّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وعلي، لأم ولد.
وقد كان محمَّد بن عبد الله لما ظهر وغلب على مكة والمدينة وسُلِّم عليه بالخلافة؛ وجَّه أخاه إبراهيم هذا إلى البصرة، فدخلها أول يوم من رمضان سنة خمس وأربعين، فغلب عليها، وبَيَّض أهل البصرة معه، وخرج منهم ومعه عيسى بن يونس (١)، ومعاذ بن معاذ، وعبَّاد بن العَوَّام، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وجماعة كبيرة من الفقهاء وأهل العلم، فلم يزل بالبصرة شهر رمضان وشوال.
وقتل أخوه محمَّد بالمدينة، فلما بلغه ذلك استعدَّ وخرج يريد أَبا جعفر وهو بالكوفة، وكان عيسى بن موسى بالمدينة، فكتب إليه أبو جعفر يأمره أن يُقبل إلى الكوفة، وكان قد أحرم بعمرة، فرفضها وأقبل إلى أبي جعفر، فوجَّهه في القُوَّاد والجند والسلاح إلى إبراهيم، وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كبيرة أكثر من جماعة عيسى، فاقتتلوا بباخمرى وهي على ستة عشر فرسخًا من الكوفة، وانهزم حُميد بن قَحْطبة وكان على مقدمة عيسى، وانهزم النَّاس معه، وعيسى يناشدهم الله فلا يَلْوون عليه، ومرُّوا منهزمين، وقال عيسى لحميد: الله الله في الطاعة، فقال: لا طاعة في الهزيمة.
ولم يبق مع عيسى أحد بينه وبين عسكر إبراهيم، وثبت عيسى في مئة رجل من خاصَّته وحشمه، فقيل له: لو تَنَحَّيتَ من مكانك حتَّى يَثوبَ النَّاس إليك فتَكُرَّ بهم، فقال: لا أزول من مكاني هذا حتَّى أُقتل أو يفتح الله علي، ولا يقال: إنه انهزم.
وتقارب الفريقان، وإذا قد أقبل فارس نحو عسكر إبراهيم قد عصب رأسه بعصابة
стр. 5591
صفراء، وغيَّر لَأمته، وإذا به حُميد بن قَحطبة، ورجع معه مَن كان قد انهزم، وخالطوا عسكر إبراهيم، واقتتلوا قتالًا شديدًا؛ حتَّى قتل الفريقان بعضهم في بعض، وجاء إبراهيم سهم عائر لا يُدرى مَن رمى [به] فوقع في حلقه فنحره، فتنحَّى عن موقفه وقال: أنزلوني، فأنزلوه وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] أردنا أمرًا وأراد الله غيره.
ثم جعل أصحابه يقاتلون دونه ويحمونه، ورأى حُميد اجتماعهم فأنكره، فقال لأصحابه: شدوا على تلك الحال على الجماعة، فشَدُّوا عليهم حتَّى أفرجوهم عن إبراهيم، ونزلوا فحَزُّوا رأسه وأتوا به عيسى بن موسى، فنزل وسجد، وبعث به إلى أبي جعفر.
وكان قتله يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهو ابن ثمان وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قُتل ثلاثة أشهر إلَّا خمسة أيام، هذا قول ابن سعد (١).
وقال الطبري: لما أُهبط آدم من الجنة صَعِد على أبي قُبَيس، فوضع الله له الأرض حتَّى رأى جميع ما فيها، وقال الله له: هذه كلها لك، قال: يَا رب، كيف أعلم ما فيها؟ فقال: إذا رأيت نجم كذا كان كذا، فكان يعلم ذلك بالنجوم.
ثم أنزل الله عليه مرآة يرى بها ما في الأرض، فلما مات آدم ﵇ أخذها فقطس الشيطان، فكسرها، وبنى عليها مدينة جابرت بالشرق، فلما كان سليمان ﵇ استدعى فقطس وطلبها منه، فأخرب جابرت وأتاه بها، فكان ينظر فيها فيرى ما في أقطار الأرض، حتَّى مات سليمان، فوثب بعض الشياطين عليها فذهب بها، وبقيت منها بقية، فتوارثها بنو إسرائيل، حتَّى صارت إلى رأس الجالوت، فأُتي بها إلى مروان بن محمَّد، فكان يحكّها ويجعلها على مرآة أخرى، فيرى فيها ما يكره، فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت، ودفعها إلى جارية له، فجعلتها في كُرسفة في حَجَر.
فلما ولي أبو جعفر الأمر سأل عنها، فأُحضرت إليه، فكان يحكُّها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى ما فيها، ويرى عدوَّه من صديقه، فكتب إلى رياح بن عثمان: إن
стр. 5592
محمدًا في بلاد فيها الأُتْرجُّ والعنب، وببلاد فيها كذا وكذا فاطلبه، وتارة هو في [شعب من] شِعاب رَضوى، فكان يطلبه، ثم نظر يومًا فيها فقال: محمَّد وإبراهيم معي في عسكري بالكوفة، وطلبهما أشدَّ الطلب، فمضى محمَّد إلى المدينة، وإبراهيم إلى البصرة، وخرجا عليه (١).
قال المصنف ﵀: وليس العجب من الطبري؛ فإن من عادته أن يأتي بالغرائب والعجائب، وإنما العجب من جدّي أن يحكي مثل هذا في "المنتظم"، وهذا شيء تأباه العقول السليمة والأذهان الصحيحة، وكيف يرى محمدًا وإبراهيم ولا يعرف مكانهما؟
وقال غيره: لما حبس أبو جعفر عبد الله وأهله أشفق محمَّد وإبراهيم منه، فخرجا إلى عدن، ثم مضيا إلى الهند، ثم عادا إلى الكوفة وبها أبو جعفر، وكاتبهما قوم من شيعتهما بالكوفة، ووعدوهما أن يثوروا بأبي جعفر.
ومضى إبراهيم إلى البصرة، ودعا النَّاس فأجابه خلق كثير، ثم أظهر الدعوة، وغلب على البصرة والأهواز وفارس، وأقام ظاهرًا عليها حتَّى قُتل أخوه محمَّد بالمدينة، فلما قتل ازداد النَّاس حرصًا على قتال أبي جعفر، فخرج إبراهيم في رمضان في مئة أَلْف، فقال عفان بن مسلم الصَّفَّار: حَزرتُ عسكر إبراهيم فإذا به أقل من عشرة آلاف.
وقيل: إن مقدم إبراهيم البصرة كان في سنة ثلاث وأربعين مُنصرَفَ النَّاس من الحج، وكان الذي أقدمه وعادله في محمله يحيى بن زياد بن حسان النَّبطيّ، وأنزله منزله، وقام بأمره، وبايعه النَّاس سرًّا إلى سنة خمس وأربعين.
وكان إبراهيم يقول: تنقَّلتُ في البلاد؛ حتَّى دخلت على أبي جعفر، وأكلتُ على مائدته، وخرجتُ وقد سكن الطَّلَبُ عني، ولما خط بغداد كاتبني قوم من أصحابه وقالوا: اقدم علينا، فقدمت وأبو جعفر ببغداد نازل في الدَّير وقد خطَّ البناء.
وروي أن المنصور قال للمسيب: والله إن إبراهيم معي في عسكري، ثم خرج ينظر إلى القنطرة العتيقة التي أمر ببنائها على الصَّراة؛ فوقعت عينه على إبراهيم، فاندس في
стр. 5593
النَّاس، وأتى قائدًا فلجأ إليه، ولجَّ أبو جعفر في طلبه.
وكان مع إبراهيم رجل يقال له: سفيان العَمِّي، فاحتال في إخراجه، ومضى إلى البصرة، وغلب عليها، وأخذ عاملها سفيان بن معاوية فحبسه، ووجد في بيت مالها ست مئة أَلْف ففرَّقها، وعزم على قصد الكوفة.
وبلغ أَبا جعفر، فكتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة: إذا قرأت كتابي هذا فدع ما أَنْتَ فيه واقدم عاجلًا، ولم يكن عند أبي جعفر سوى ألفي رجل، وكانت عساكره متفرقة مع المهدي بالري ثلاثون ألفًا، وبإفريقية أربعون ألفًا، فكتب إلى سَلْم بن قتيبة فقدم عليه من الرّيّ، فاستعمله على ميسرة عيسى وقال: لا يَهولنَّك جمعُ إبراهيم؛ فوالله إن ابني عبد الله لجملا بني هاشم المقتولان جميعًا. وأقام على الميمنة حُميد بن قَحطبة.
وقال السندي بن شاهك: لما استفحل أمر إبراهيم أقام المنصور نيفًا وخمسين ليلة في مُصلّاه، ينام عليه ويقعد عليه، وعليه جُبَّة صوف قد اتَّسخ جَيبُها، فما غيَّرها، وهجر اللذات والنساء، وأُهديت إليه في تلك الأيام امرأتان إحداهما فاطمة بنت محمَّد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أَسيد بن أبي العِيص، فلم يلتفت إليهما ولا رآهما، قيل له في ذلك فقال: ليست هذه الأيام من أيام النساء حتَّى أعلم رأس إبراهيم لي أو رأسي له.
وكان جعفر ومحمَّد ابنا سليمان بن علي قد أخرجهما إبراهيم من البصرة، فكتبا إلى أبي جعفر يخبراه بخبر إبراهيم، فبعث إليهما خيلًا، وأمرهم أن يقيموا معهم، وكتب إليهما يُوبِّخُهما، ويُعجِّزهما في خروج إبراهيم، وكتب في أسفل كتابه: [من البسيط]
بلِّغ بني هاشمٍ عني مُغَلْغَلَةً … فاستيقظوا إن هذا فِعلُ نُوَّامِ
تعدو الذئابُ على مَن لا كلابَ له … وتتَّقي مَرْبِضَ المستيقظ الحامي
وقال الحجاج بن قتيبة بن مسلم: دخلت على أبي جعفر وقد جاءه فَتْقُ البصرة وفارس والأهواز، وهو يَنكت الأرض ويتمثل: [من الكامل]
ونَصبتُ نفسي للرِّماح دَريئةً … إن الرئيس لمثل ذاك فَعولُ
فقلت: يَا أمير المُؤْمنين، أَنْتَ على عدوك كما قال الأَعمش: [من المتقارب]
стр. 5594
وإنْ حَرْبُهم أُوقِدَتْ بينهم … فحَرَّت لهم بعد إبرادِها
وُجِدتَ صَبورًا على رُزْئها … وكَرِّ الحروب وتَردادِها (١)
فقال: يَا حجَّاج، قد عرف إبراهيم صعوبةَ جانبي، وإنما جَرَّأه على الخروج أهلُ البصرة والأهواز وغيرها، ثم استرجع وقال: قد استعنت عليه بالله تعالى، ولا قوة إلَّا به.
قال: ودخلت عليه والعساكر محيطة به، ولقد كان عليه مئة أَلْف سيف بالكوفة كامنة بإزاء عسكره، ينتظرون صيحة واحدة فيثبون به، فوجدته صقرًا أحوزيًّا مُشَمِّرًا، قد قام إلى ما نزل به من النَّوائب يَمرُسها، وإنه كما قيل: [من الرجز]
نَفْسُ عصامٍ سَوَّدتْ عِصاما … وعلَّمتْه الكَرَّ والإقداما
وصيَّرتْه مَلكًا هُمامًا (٢)
وقال أبو عبيدة: أُهديت التميمية (٣) إلى أبي جعفر في تلك الأيام فما نظر إليها، وكان إبراهيم قد تزوج بالبصرة نهيكة (٤) بنت عمر بن سلمة، فكانت تأتيه في مُصَبَّغاتها وألوان ثيابها.
ذكر مسير إبراهيم إلى أبي جعفر
قال: ولما عزم إبراهيم على قصد أبي جعفر أشار عليه جماعة من قُوَّاده أن يقيم بالبصرة ويبعث الجنود، فإن ظهروا عليهم أمدَّهم بغيرهم.
وقال أهل الكوفة: إن بالكوفة أقوامًا لو رأوك لماتوا دونك، فما زالوا به حتَّى سار نحو أبي جعفر.
وقال عبد الله بن جعفر المدينيّ: خرجتُ مع إبراهيم ليلة يطوف في عسكره، فسمع أصوات طَنابير وغناء، فقال: ما أطمع في نصر عسكر هذا فيه.
стр. 5595
وسار إليه عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفًا، وحُميد بن قَحطبة على مُقدّمته في ثلاثة آلاف، وودَّعهم أبو جعفر إلى بعض الطريق، وعاد إلى البصرة في نفر يسير.
وقال أوس بن مهلهل: لما سار إبراهيم من البصرة سبق أصحابه يرتاد لهم منزلًا، فسمعته يقول: [من الوافر]
أمورٌ لو تدبَّرها حَليمٌ … إذًا لنهى وهَيَّب ما استطاعا
ومَعصيةُ الشَّفيقِ عليك مِمّا … يَزيدك مرّةً منه استماعا
وخيرُ الأمر ما استعجلْتَ منه … وليس بأن تَتَبَّعَه اتِّباعا
ولكنَّ الأديمَ إذا تَفرَّى بِلًى … وتَعَيُّنًا غلب الصَّناعا
فعلمت أنَّه ندم على مسيره (١).
ولما توسط إبراهيم المنازل قال له عبد الواحد بن زياد (٢) بن لبيد: إن هذه بلاد قومي وأنا أعرف النَّاس بها، فلا تقصد قصْد عيسى، ولكن دعني أسلك بك طريقًا لا يشعر بك أبو جعفر إلَّا وأنت بالكوفة معه، قال: لا، فقيل له: إنك غير ظاهر على هذا الأمر حتَّى تأخذ الكوفة، فإذا أخذتَها هرب إلى حُلوان فسرتَ إليها، فلم يقبل.
ولما نزل باخمرى قيل له: خَنْدِقْ عليك، فقال أصحابه: نحن في مئة أَلْف لا يُخندق علينا، وقيل له: كَرْدِس أصحابَك كراديس فإن الصف ينتقض، وكلما انهزم كردوس لقي آخر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] (٣).
وقال له المضاء لما نزلوا باخَمرى: إن هؤلاء القوم مُصَبِّحوك غدًا بما يَسدُّ عين الشَّمس من السلاح، وأصحابك عراة، فدعني أُبيِّتهم وأُشَتِّت جموعهم، فقال: إنِّي أكره البَيات والقَتْل، فقال له المضاء: تكره القتل وتطلب الملك.
وقال عيسى بن موسى: لما فَصلتُ عن أبي جعفر قال لي: إن هؤلاء الخُبثاء -يعني المنجِّمين- يزعمون أنك مُلاقي إبراهيم، وتكون لك جولة، ثم تظفر وتفيء إليك أصحابك.
стр. 5596
قال عيسى: فلما التقينا انهزم عني أصحابي، وبقيت في ثلاثة أو أربعة، فقال لي مولى لي: ما وقوفُك وقد ذهب النَّاس؟ فقلت: والله لا نظر أهل بيتي إلى وجهي وقد انهزمتُ عن عدوي وعدوّهم، فوالله لكان أكثر ما ترى أنني كنت أقول للمُنهَزِمة: أقرئوا أهلَ بيتي مني السلام وقولوا لهم: إنِّي لم أجد ما أفديكم به غير نفسي، فبينا نحن كذلك إذ جاء محمَّد وجعفر ابنا سليمان بن عليّ إبراهيمَ من وراء ظهره، فكرُّوا عليهم، ورجعنا نحن من ورائهم، ووالله لولا ابنا سليمان لافتضحنا.
وكان من صنع الله بنا أن أصحابنا لما انهزموا اعترض لهم يومئذ نهر، ولم يجدوا مَخاضة، فكروا راجعين إلينا فكان الفتح. وكان بَثَقَ البُثوقَ قومٌ من أصحاب أبي جعفر فأصبح عسكر إبراهيم في الوحل والماء (١)، وقيل: بل إبراهيم بثق البثوق ليكون القتال من جهة واحدة، فلما انهزم أصحاب عيسى منعهم الماء من الهرب، فرجعوا، وثبت إبراهيم في خمس مئة، وقيل: في سبعين، فجاءه سَهْم عائر، فوقع في نحوه فسقط، واجتمع أصحابه يقاتلون دونه، وجاءهم حُميد بن قَحطبة فقاتلهم فانفرجوا عنه، فنزلوا وحَزّوا رأسَه.
وقيل: إن الحرَّ آذاه، فحلَّ أزرار قَبائه، وحسر الزَّرَد عن لبَّته، فجاءه سهم فوقع في نحره، فاعتنق فرسه وكرَّ راجعًا، وأحاطت به الزيدية.
وفي رواية: لما انهزم أصحاب عيسى تبعتهم الرايات، فنادى منادي إبراهيم: لا تتبعوا مُدبرًا، فكرَّت الرايات راجعة، ورآها أصحاب عيسى فرجعوا، فكانت الهزيمة.
وقُتل أصحاب عيسى، وبلغ أوائلهم الكوفة، فقال أبو جعفر: أعِدّوا لنا الدواب والإبل، وكان عزمه أن يقصد الريّ.
وكان نوبخت المنجِّم قد دخل عليه عند مسير عيسى فقال: يَا أمير المُؤْمنين، الظَّفَر لك وسيقتل إبراهيم، فلم يقبل منه ذلك، فقال: احبسني عندك؛ فإن لم يكن الأمر كما قلت وإلا فاقتلني، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بقتل إبراهيم، فقال أبو جعفر: [من الطَّويل]
стр. 5597
فألقتْ عصاها واستقرَّتْ بها النَّوى (١)
وأقطع نوبخت أَلْف جَريب بنهر جَوْبَر (٢)، وأتي برأس إبراهيم إلى الكوفة ليلة الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة، فأمر به أبو جعفر فنُصِب في السوق.
وقيل: إن الرأس لما وُضع بين يدي أبي جعفر جعلت دموعه تسيل على خدِّ إبراهيم، ثم قال: والله إنْ كنتُ لهذا لكارِهًا، ولكن ابتُليتَ بي وابتليتُ بك.
ولما وُضع الرأس بين يدي أبي جعفر ودخل النَّاس؛ جعل كلُّ واحدٍ يُسيءُ القولَ في إبراهيم وينال منه، يلتمسون رضا أبي جعفر، وأبو جعفر ساكت متغيِّر اللون، حتَّى دخل جعفر بن حنظلة البهرانيّ فقال: عظَّم الله أجرَك يَا أمير المُؤْمنين في ابن عمك، وغَفر له ما فرط منه في حقِّك، فأسفر وجه أبي جعفر، وأقبل عليه وقال: مرحبًا وأهلًا يَا أَبا خالد، إلى هنا إلى هنا، فعلم النَّاس أن ذلك قد وقع منه موقعًا، فدخلوا وقالوا مثل قول جعفر.
وقد رثى إبراهيم جماعة منهم: عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير فقال:
يَا صاحبيَّ دعا الملامَةَ واعلما … أن لستُ في هذا بألومَ منكما
وقفا بقبر ابنِ النَّبِيّ هُديتما … لا بأس أن تقفا به وتسلما
قبر تضمَّن خيرَ أهلِ زمانه … حَسَبًا وطيبَ سجيَّةٍ وتكرُّما
شَهْمٌ نفى بالعدلِ جَوْرَ زمانه … ولقي عظيماتِ الأمور وأنعما
لم يَجتنبْ قصْدَ السبيل ولم يَجُرْ … عنه ولم يفتح بفاحشةٍ فما
ضحَّوا بإبراهيم في يوم الوَغى … فتصرَّمت أيامه وتَصرَّما
بطلٍ يخوض بنفسه غَمراتها … لا طائشًا رعشًا ولا مُستسلما
أضحى بنو حسنٍ أُبيح حَريمُهم … فينا وأصبح نَهبُهم مُتَقَسَّما
ونساؤهم في دورهنَّ نوائحٌ … سَجْعَ الحمام إذا الحمامُ ترنَّما
стр. 5598
يتوسَّلون بقتلهم ويرونه … شَرفًا لهم عند الإِمام ومَغنما
والله لو شهد النبيُّ مُحَمَّدٌ … صلى الإله على الرسول وسلَّما
إشراعَ أمته الأسنَّةَ لابنه … حتَّى تقطَّرَ من ظُباتهم دَما
حقًّا لأيقن أنَّهم قد ضيَّعوا … تلك القرابةَ واستحلُّوا المَحْرَما (١)
وقال الهيثم: لما خرج إبراهيم بالبصرة صعد أبو جعفر المنبر وقال: [من البسيط]
ما لي أُكفكفُ عن سعد ويَشتُمني … ولو شتمتُ بني سعد لقد سكنوا
جَهلًا علينا وجُبنًا عن عدوِّهم … لبئست الخَلَّتان الجَهْلُ والجبنُ
ثم قال: أما والله لقد عَجزوا عن أمرٍ قُمنا به، فما حَمِدوا القائم، ولا عَضدوا الكافي، ولا شكروا المنعم، أشرب منها رَنْقًا على غَصَص، وأبيت على مَضض، كلا والله إنِّي لا أصل ذا رَحِمٍ بقطيعة نفسي، ولئن لم يُرْضَ مني بالعفو ليُطْلَبنَّ ثم لا يوجد عندي (٢). وذكر كلامًا طويلًا.
وكان فقهاء الكوفة والبصرة يُحرِّضون النَّاس على القتال مع محمَّد وإبراهيم، فقال عبد الله بن إدريس: رأيت أَبا حنيفة وهو قائم على درجته، ورجلان يستفتيانه في الخروج مع محمَّد وإبراهيم فقال: أسرعا ولا تَنِيا.
وقال الأَعمش لجماعة من أعيان الكوفة: ما يُقعدكم عنه؟ والله لو كنت بصيرًا ما سبقني إليه أحد.
وقال هشام بن حسان: قاتلوا أَبا الدوانيق.
وسئل شعبة عن هذا فقال: القتال مع إبراهيم مثل القتال ببدر الصغرى.
وكان صالح المُرِّي بالبصرة يخطب ويقول: قاتلوا المارق مع ابن رسول الله ﷺ وابن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه.
وكان بشير الرحَّال يقصُّ بالبصرة على النَّاس، ويعرِّض بأبي جعفر ويقول: العصبي من العصبة، ما أشبه الليلة بالبارحة، أيها النَّاس، قاتلوا مَن أماتوا الكتاب والسنة،
стр. 5599
وعطَّلوا الحدود، ودَعَوا إلى طاعتهم دون طاعة الله.
وكان يمشي في الأسواق ويقول: أيها النَّاس، كنتم تلتمسون رجلًا يقوم بالعدل فقد أتاكم الله به، فانصروه تَرشدوا، وقوموا معه تُفلحوا، فمَن قَدَر على الخروج بنفسه فليخرج، ومن لم يقدر فليُعنه بالمال والسلاح، ثم يقول: [من الرجز]
أَبا الدَّوانيقِ لقيتَ غيّا … ابرُزْ تُلاقي أسدًا شَّرِيّا
أبيضَ يدعو جدَّه عليًّا … وجدَّه لأمه النبيَّا
وأنت تدعو الجدَّ بَرْبَرِيّا
واختلفوا في المكان الذي قُتل فيه إبراهيم فقيل: باجَمرا وباجُميرا، بجيم وراء مهملة، وباخمرا بخاء، وباخُميرا بخاء معجمة وراء مهملة، قال الجوهري: باخَمرا مكان بالبادية وبه قبر إبراهيم بن عبد الله بن حسن (١)، وقد أشار إليه دِعْبِل فقال: [من الطَّويل]
قبورٌ بكُوفانٍ وأخرى بطَيبةٍ … وأخرى بفَخٍّ ما لها صَلواتي
وأخرى بأرضِ الجُوزَجانِ محلُّها … وقبرٌ بباخَمْرى لدى الغرفات (٢)
وقال أبو اليقظان: لما وُضع رأس إبراهيم بين يدي المنصور قال للربيع: اذهب به إلى أَبيه وأهله -وكانوا في السجن- فجاء الرَّبيع بالرأس إلى عبد الله، فرآه يُصلّي، فقال له: أسرع فلما سَلَّم نظر إلى الرأس، فأخذه فوضعه في حجره وقال: رحماك الله أَبا إسحاق، لقد وفيتَ بعهد الله ولم تَنقُص الميثاق، فقال له الرَّبيع: فكيف كان في نفسك (٣)؟ فقال كان والله كما قال القائل: [من الطَّويل]
فتًى كان يحميه من العار سَيفُه … ويكفيه سوءاتِ الذُّنوب اجتنابُها
ثم قال للربيع: قل لصاحبك: قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام، والملتقى (٤) بيننا القيامة، والحاكم الله، فأبلغه ما قال الربيعُ، فما رأيته منكسرًا مثل انكساره حين قلتُ له.
стр. 5600
وقد رُوي أن عبد الله مات قبل مقتل محمَّد ابنه، إبراهيم قُتل بعد محمَّد.
قال البلاذري: حمل رأس إبراهيم ومحمَّد إلى خراسان فطِيف بهما، ثم رُدَّا إلى بغداد، فدفنهما الذي حملهما في منزله بدرب أبي حنيفة (١).
وقال حُميد بن قَحطبة: دخلت على أبي جعفر وبين يديه مَصارينُ البطِّ مَحشوَّةٌ بالملح والسكر فقال: أين إبراهيم؟ أراد أن يحول بيني وبين هذا.
ثم خطب أبو جعفر أهلَ الكوفة فنال منهم وسبَّهم وقال: يَا أهل هذه المَدَرَة السوداء الخبيثة، بلغني أنكم تقولون: سمع في عسكر إبراهيم قائلًا يقول: أَقْدِم حَيزُوم، تُشبِّهونه بعسكر رسول الله ﷺ يوم بدر، أكفارٌ نحن؟ لعنكم الله ولعن مَدَرَتَكم، تُريدون قتالي إن ظهر إبراهيم؟ قد بلغني أن فيكم مئة أَلْف سيف معه، والعجب للحجاج كيف لم يقتل مقاتلكم، ويسبي ذراريكم وقد كان ناصحًا لبني أمية، فقام إليه المسيّب بن زهير الضَّبِّي وقال: والله ما سبقنا الحجاج إلى أمر تخلَّفنا عنه، وما خلق الله أعزَّ علينا من نبينا ﷺ ، وقد أَمَرْتَنا بقتل أولاده فأطعناك، فهل نصحناك؟ فقال له أبو جعفر: اقعد لا قعدت (٢).
وقال أبو عمرو بن العلاء: حضرتُ مجلسَ إبراهيم بن عبد الله، ففقد رجلًا من أصحابه، فسأل عنه فقال له رجل: تركتُه يريد أن يموت، فضحك بعض القوم وقال: في الدنيا أحدٌ يريد أن يموت؟ فقال إبراهيم: لقد ضحكتم منها عربية، معنى يريد: يكاد، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] أي: يكاد، فقلت له: ما نزال بخير ما دام فينا مثلك (٣).
وقال المدائنيّ: كتب أبو جعفر إلى أهل المدائن بعد مقتل إبراهيم ومحمَّد أبياتًا لسُبَيع بن ربيعة بن معاوية اليَربوعيّ، وهي: [من الطَّويل]
ولولا دِفاعي عنكمُ إذ عَجزتُم … وبالله أَحمي عنكمُ وأدافعُ
لكنتم ذُنابى أهلِ مروانَ مثل ما … عهدناكمُ والله مُعْطٍ ومانعُ
стр. 5601
لضاقت (١) أمورٌ منكمُ لا أرى لها … كَفاةً وما لا يَحفظُ الله ضائعُ
فسَمُّوا لنا مَن طحْطَح النَّاسَ عنكمُ … ومَن ذا الذي تُحنى عليه الأضالعُ
وما زال منّا قد علمتم عليكمُ … على الدَّهرِ إفضالٌ يُرى ومنافعُ
وما زال منكم أهلُ غَدرٍ وجَفْوَةٍ … وبالبغي (٢) مُغتَرٌّ وللرَّحْم قاطعُ
ودَبَّ رجالٌ للرِّياسةِ منكم … كما دَرجَتْ تحت الغَديرِ الضَّفادِعُ
ثم كتب في أسفل الكتاب: والله لقد عجزوا عن أمرٍ قُمنا به، فما شكروا، ولقد مهَّدوا فاستوعروا، والله لا أكرم أحدًا بإهانة نفسي، ولئن لم تقبلوا الحق لتَطلُبُنَّه ثم لا تجدونه (٣)، والسَّعيد مَن وُعِظ بغيره.
وقال جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵃: لما قُتل إبراهيم بباخمرا حَشَرنا أبو جعفر من المدينة، فلم يدع بها [منا] محتلمًا، فقدمنا الكوفة عليه، فأقمنا ببابه شهرًا نتوقَّع القتل، فخرج إلينا بعد ذلك الربيع الحاجب فقال: أين هذه الغلومة (٤)؟ فقلنا: ها نحن، فقال: ليدخل على أمير المُؤْمنين رجلان من ذوي الحِجا.
قال جعفر: فدحْلتُ عليه والحسن بن زيد، فلما صرنا بينَ يديه قال لي: أَنْتَ الذي تعلم الغيب؟ قلت: لا يعلم الغيب إلَّا الله، قال. أَنْتَ الذي يُجبى إليه الخراج؟ قلت: إنما يُجبى الخراجُ إلى أمير المُؤْمنين. قال: هل تدرون لم دعوتُكم؟ قلت: لا قال: أودتُ أن أهدِم ديارَكم، وأُغوِّرَ قُلُبَكم، وأقطع نخيلكم، وأُنزلكم بالسَّراة بحيث لا يجيئكم أحد من أهل العراق ولا من غيره؛ فإنهم لكم مفسدة.
فقلت: إن سليمان ملك فشكر، وإن أَيُّوب ابتُلي فصبر، وإن يوسف ظُلم فغفر، وأنت من ذلك السِّنخ. فتبسم وقال: أعِد، فأعدتُ، فتبسم وقال: مثلُك يكون زعيم القوم، قد عفوتُ عنكم، ووهبتُ لكم جُرمَ أهل البصرة.
стр. 5602
ثم قال: حَدَّثني عن آبائك، فقلت: حَدَّثني أبي، عن جدي، عن أَبيه عن علي (١) ﵇. قال: قال رسول الله ﷺ : "صِلةُ الرَّحم تعمرُ الدِّيار، وتُطيل الأعمار، وإن كانوا كفارًا".
قال: ما أردتُ هذا.
فقلت: حَدَّثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله ﷺ : "إن الأرحام معلَّقةٌ بالعرش تنادي: يَا رب، صِلْ مَن وَصَلني، واقطع من قطعني". فقال: ما أردْتُ هذا.
قلت: حَدَّثني أبي، عن آبائه، عن علي ﵇، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إن ملكًا من ملوك الأرض كان قد بقي من عمره ثلاث سنين، فوصل رحمه، فجعلها الله ثلاثين سنة". فقال: هذا أردت. ثم أكرمَنا ووصَلَنا وردَّنا إلى المدينة.
حسن بن حسن
[ابن حسن] بن عليّ بن أبي طالب (٢)، أبو جعفر (٣)، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، من الطَّبقة الرابعة من أهل المدينة، كان من العلماء الزهَّاد، مات في السجن بالكوفة في الهاشمية.
وكان له من الولد: عبد الله، مات في السجن أَيضًا. وعلي السجَّاد، سمِّي بذلك لعبادته، مات أَيضًا في السجن، كان يسجد في كل يوم أَلْف سجدة، وكان أفضلَ أهل زمانه نُسكًا وورعًا وعبادة، ولا يتناول لأحد من أهله طعامًا ولا تمرة، ولا من الأقطاع التي أقطعهم (٤) أبو العباس وأبو جعفر، ولا يتوضّأ من تلك العيون، ولا يشرب منها، وكان السجان يحبّه ويكرمه، ويَلطف به لما يرى من عبادته، وولده حُسين بن عليّ الخارج بفخّ في زمن الهادي، وسنذكره إن شاء الله.
وحسين (٥)، أمهم أم حبَّان بنت عامر بن عبد الله بن بشر بن عامر مُلاعب الأسِنَّة بن
стр. 5603
مالك بن جعفر بن كِلاب. وعباس بن حسن مات في السجن أَيضًا، وأمه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو التَّيميّ. وعلي الأصغر بن حسن، وفاطمة، أمهما أم حَبيب بنت عمر بن عليّ بن أبي طالب. وأم سلمة، وأم كلثوم ابنتا حسن، وهما لأم ولد.
وقال الخَطيب: كان السفاح قد اختصّ بعبد الله بن حسن بن حسن اختصاصًا كليًّا، بحيث كان يقعد معه بغير سراويل في قميص واحد، وكان يعدُّه والدًا، وكان يسأله عن ابنيه محمَّد وإبراهيم كثيرًا، فقال عبد الله يومًا لأخيه الحسن: إنه قد أكثر في طلبهما، فقال له حسن: إذا سألك عنهما فقل: علمُهما عند عمهما الحسن، فدعا الحسن وسأله عنهما فقال: يَا أمير المُؤْمنين، أكلِّمُك كما يكلم الرَّجل ابنَ عمه، أم بهيبة الخلافة؟ قال: بل كما يكلم الرَّجل ابن عمه، قال له: أنشدك الله، إن كان قد قُدِّر لمحمد وإبراهيم أن يليا من أمور النَّاس شيئًا، فجهدت أَنْتَ وأهل الأرض أن يردوا ما قدَّر الله لهما؛ أتقدرون على ردِّه؟ قال: لا، قال: فأنشدك الله، إن كان الله لم يُقدِّر لهما من الأمر شيئًا، فاجتمع أهل الأرض أن ينالا ما لا قُدِّر لهما أينالاه؟ قال: لا. قال: فما تنغيصك على هذا الشيخ النعمة التي أنعمتَ بها عليه كلّ وقت تطلبهما منه؟ فقال أبو العباس: لا أذكرهما بعد اليوم، فما ذكرهما حتَّى فرَّق الموت بينهما.
وكانت وفاة الحسن في ذي القعدة بالهاشمية في حبس أبي جعفر وله ثمان وستون سنة (١).
رياح بن عثمان المُرِّيّ
وهو ابن عم مُسْرِف بن عُقبة المُرِّيّ الذي بعثه يزيد بن معاوية إلى المدينة فأباحها ثلاثًا، وفعل فيها ما فعل.
ولما انتشر أمر إبراهيم ومحمَّد ابني عبد الله بن حسن استشار أبو جعفر عيسى بن موسى فيمن يوليه المدينة فقال: ولِّ رجلًا من أهل بيتك له خبرة بالأمور، ومُره بالبحث
стр. 5604
عن أمرهما، فقال: إن ولَّيتُ رجلًا لمن أهل بيتي يمنعه الرحم والقرابة من مكروههما وطلبهما، فقال: ولِّ رجلًا من أهل العراق فقال: إن أهل العراق قد امتزجت محبة علي بن أبي طالب بدمائهم وأبشارهم، فيمنعلا ذلك منهما، ولكن أهل الشام قاتلوه وسفكوا دم أولاده هم وأبناؤهم، فقد توارثوا بُغضه، ورباح بن عثمان المري ابن عم مسرف بن عقبة، قد فعل بأهل المدينة ما فعل، فولاه، وأمر بطلبهما، فدخل المدينة، وصعد المنبر وقال: ﴿يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣]، أنا ابن عم مسلم بن عُقبة، الشديدُ الوطأة عليكم، الوَبيلُ العقابِ لكم، الخبيثُ السيرة فيكم، وأنتم عقب الذين حصدهم سيفه، وايم الله، لأحصدنّ منكم من بقي، ولأَسُومنكم سوء العذاب. ثم نزل (١)، وكان ظلومًا غشومًا فاسقًا.
ووقف على عبد الله بن حسن فقال له: أيها الشيخ، والله ما استعملني أمير المؤمنين لقرابة قريبة، ولا ليدٍ سلفت لي إليه، ووالله لا لعبتَ بي كما لعبتَ بابن القَسْري وزياد الحارثي، والله لأزهقنَّ نفسك أو تأتي بابنيك، فرفع عبد الله رأسه إليه وقال: كأني بك والله قد ذُبحتَ كما تُذبح الشاة، فكان كما قال.
ومعنى هذا أن زيادًا الحارثي كان يكوه البحث عن ابني عبد الله، وينشد: [من الوافر]
أُكَلَّفُ دْنبَ قومٍ لستُ منهم … وما جَنتِ الشّمالُ على اليمينِ (٢)
وكذا محمد القسري.
وقال عمر بن شبة: لما ظهر ذكر إبراهيم ومحمد استشار أبو جعفر أبا الشعثاء (٣) من قيس بن عَيلان في من يولي المدينة، فقال: ولِّ رجلًا من آل طلحة أو الزبير فإنهم لهم عَدوّ، فقال: كيف أنهز (٤) أهلَ بيتي بعدوِّهم؟ ولكن أختار لها صُعيليكًا من العرب، فولَّى رباح بن عثمان، فقدم المدينة في رمضان سنة أربع وأربعين، ونزل دارَ مروان،
стр. 5605
ثم أقبل على بعض الناس وقال: هذه دار مروان؟ قالوا: نعم، قال: هذه المِحْلال المِظْعان، ونحن أول مَن يَظعن عنها.
وقال الزبير بن بكار: كان رياح قد ولي دمشق لصالح بن علي، ومصر لأبي جعفر، وكان فاتكًا، حضر عند عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه وعنده رَجاء بن حَيوَة، فأُتي بغِلْمَةٍ من آل المُهَلَّب لم يبلغوا الحِنْث، فقال عمر: ما تقولون فيهم؟ فقال رياح: أقول ما قال نوح في أمثالهم: ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] فأعرض عنه عمر، ثم قال لرجاء: ما تقول أنت؟ قال: أقول: لا سبيل لك عليهم، لأنهم لم تَجْرِ عليهم الأقلام والأحكام.
وأطلق عمر رحمة الله عليه سبيلهم، فلما خرجا قال رياح لرجاء: إن الله خلق رجالًا للخير وأنت منهم، وخلق رجالًا للشر وأنا منهم (١).
ورياح هو الذي تولَّى حبسَ بني حسن، وتقييدَهم، والتضييقَ عليهم، وحملَهم إلى العراق، ولما أوصلهم إلى الكوفة ردَّه أبو جعفر إلى المدينة.
وكان رياح قد حبس محمد بن خالد القسري، ووجأ عُنُقه، وعَذَّب كُتَّابَه، فلما ظهر محمد بن عبد الله بالمدينة حَبس رياحًا وضيَّق عليه، فلما قصد عيسى بن موسى المدينة واقتتلا، دخل إبراهيم بن خُضير، وخُضَير اسمُه مصعب بن [مصعب بن] الزبير (٢)، وكان مع محمد بن عبد الله بن الحسن، فأتكى رياحًا وذبحه كما تُذبح الشاة، وقصد محمد بن خالد القَسريّ، فردم بينه وبينه بابًا، ونجا فلحق بالكوفة، ورجع إبراهيم بن خُضَير فقاتل مع محمد حتى قُتل.
ولما ذُبح رياح أُخرج من الحبس، فجعل صبيان المدينة في رِجله شريطًا، وجَرُّوه في الأزِفَّة ويقولون: [من مجزوء الرمل]
سَلَحَتْ أمُّ رِياحٍ … فأتَتْنا برِياحِ
وأتَتْنا بأميرٍ … ليس من أهلِ الصَّلاحِ