← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

لضاقت (١) أمورٌ منكمُ لا أرى لها … كَفاةً وما لا يَحفظُ الله ضائعُ فسَمُّوا لنا مَن طحْطَح النَّاسَ عنكمُ … ومَن ذا الذي تُحنى عليه الأضالعُ وما زال منّا قد علمتم عليكمُ … على الدَّهرِ إفضالٌ يُرى ومنافعُ وما زال منكم أهلُ غَدرٍ وجَفْوَةٍ … وبالبغي (٢) مُغتَرٌّ وللرَّحْم قاطعُ ودَبَّ رجالٌ للرِّياسةِ منكم … كما دَرجَتْ تحت الغَديرِ الضَّفادِعُ ثم كتب في أسفل الكتاب: والله لقد عجزوا عن أمرٍ قُمنا به، فما شكروا، ولقد مهَّدوا فاستوعروا، والله لا أكرم أحدًا بإهانة نفسي، ولئن لم تقبلوا الحق لتَطلُبُنَّه ثم لا تجدونه (٣)، والسَّعيد مَن وُعِظ بغيره. وقال جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵃: لما قُتل إبراهيم بباخمرا حَشَرنا أبو جعفر من المدينة، فلم يدع بها [منا] محتلمًا، فقدمنا الكوفة عليه، فأقمنا ببابه شهرًا نتوقَّع القتل، فخرج إلينا بعد ذلك الربيع الحاجب فقال: أين هذه الغلومة (٤)؟ فقلنا: ها نحن، فقال: ليدخل على أمير المُؤْمنين رجلان من ذوي الحِجا. قال جعفر: فدحْلتُ عليه والحسن بن زيد، فلما صرنا بينَ يديه قال لي: أَنْتَ الذي تعلم الغيب؟ قلت: لا يعلم الغيب إلَّا الله، قال. أَنْتَ الذي يُجبى إليه الخراج؟ قلت: إنما يُجبى الخراجُ إلى أمير المُؤْمنين. قال: هل تدرون لم دعوتُكم؟ قلت: لا قال: أودتُ أن أهدِم ديارَكم، وأُغوِّرَ قُلُبَكم، وأقطع نخيلكم، وأُنزلكم بالسَّراة بحيث لا يجيئكم أحد من أهل العراق ولا من غيره؛ فإنهم لكم مفسدة. فقلت: إن سليمان ملك فشكر، وإن أَيُّوب ابتُلي فصبر، وإن يوسف ظُلم فغفر، وأنت من ذلك السِّنخ. فتبسم وقال: أعِد، فأعدتُ، فتبسم وقال: مثلُك يكون زعيم القوم، قد عفوتُ عنكم، ووهبتُ لكم جُرمَ أهل البصرة.

стр. 5602

ثم قال: حَدَّثني عن آبائك، فقلت: حَدَّثني أبي، عن جدي، عن أَبيه عن علي (١) ﵇. قال: قال رسول الله ﷺ : "صِلةُ الرَّحم تعمرُ الدِّيار، وتُطيل الأعمار، وإن كانوا كفارًا". قال: ما أردتُ هذا. فقلت: حَدَّثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله ﷺ : "إن الأرحام معلَّقةٌ بالعرش تنادي: يَا رب، صِلْ مَن وَصَلني، واقطع من قطعني". فقال: ما أردْتُ هذا. قلت: حَدَّثني أبي، عن آبائه، عن علي ﵇، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إن ملكًا من ملوك الأرض كان قد بقي من عمره ثلاث سنين، فوصل رحمه، فجعلها الله ثلاثين سنة". فقال: هذا أردت. ثم أكرمَنا ووصَلَنا وردَّنا إلى المدينة. حسن بن حسن [ابن حسن] بن عليّ بن أبي طالب (٢)، أبو جعفر (٣)، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇، من الطَّبقة الرابعة من أهل المدينة، كان من العلماء الزهَّاد، مات في السجن بالكوفة في الهاشمية. وكان له من الولد: عبد الله، مات في السجن أَيضًا. وعلي السجَّاد، سمِّي بذلك لعبادته، مات أَيضًا في السجن، كان يسجد في كل يوم أَلْف سجدة، وكان أفضلَ أهل زمانه نُسكًا وورعًا وعبادة، ولا يتناول لأحد من أهله طعامًا ولا تمرة، ولا من الأقطاع التي أقطعهم (٤) أبو العباس وأبو جعفر، ولا يتوضّأ من تلك العيون، ولا يشرب منها، وكان السجان يحبّه ويكرمه، ويَلطف به لما يرى من عبادته، وولده حُسين بن عليّ الخارج بفخّ في زمن الهادي، وسنذكره إن شاء الله. وحسين (٥)، أمهم أم حبَّان بنت عامر بن عبد الله بن بشر بن عامر مُلاعب الأسِنَّة بن

стр. 5603

مالك بن جعفر بن كِلاب. وعباس بن حسن مات في السجن أَيضًا، وأمه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو التَّيميّ. وعلي الأصغر بن حسن، وفاطمة، أمهما أم حَبيب بنت عمر بن عليّ بن أبي طالب. وأم سلمة، وأم كلثوم ابنتا حسن، وهما لأم ولد. وقال الخَطيب: كان السفاح قد اختصّ بعبد الله بن حسن بن حسن اختصاصًا كليًّا، بحيث كان يقعد معه بغير سراويل في قميص واحد، وكان يعدُّه والدًا، وكان يسأله عن ابنيه محمَّد وإبراهيم كثيرًا، فقال عبد الله يومًا لأخيه الحسن: إنه قد أكثر في طلبهما، فقال له حسن: إذا سألك عنهما فقل: علمُهما عند عمهما الحسن، فدعا الحسن وسأله عنهما فقال: يَا أمير المُؤْمنين، أكلِّمُك كما يكلم الرَّجل ابنَ عمه، أم بهيبة الخلافة؟ قال: بل كما يكلم الرَّجل ابن عمه، قال له: أنشدك الله، إن كان قد قُدِّر لمحمد وإبراهيم أن يليا من أمور النَّاس شيئًا، فجهدت أَنْتَ وأهل الأرض أن يردوا ما قدَّر الله لهما؛ أتقدرون على ردِّه؟ قال: لا، قال: فأنشدك الله، إن كان الله لم يُقدِّر لهما من الأمر شيئًا، فاجتمع أهل الأرض أن ينالا ما لا قُدِّر لهما أينالاه؟ قال: لا. قال: فما تنغيصك على هذا الشيخ النعمة التي أنعمتَ بها عليه كلّ وقت تطلبهما منه؟ فقال أبو العباس: لا أذكرهما بعد اليوم، فما ذكرهما حتَّى فرَّق الموت بينهما. وكانت وفاة الحسن في ذي القعدة بالهاشمية في حبس أبي جعفر وله ثمان وستون سنة (١). رياح بن عثمان المُرِّيّ وهو ابن عم مُسْرِف بن عُقبة المُرِّيّ الذي بعثه يزيد بن معاوية إلى المدينة فأباحها ثلاثًا، وفعل فيها ما فعل. ولما انتشر أمر إبراهيم ومحمَّد ابني عبد الله بن حسن استشار أبو جعفر عيسى بن موسى فيمن يوليه المدينة فقال: ولِّ رجلًا من أهل بيتك له خبرة بالأمور، ومُره بالبحث

стр. 5604

عن أمرهما، فقال: إن ولَّيتُ رجلًا لمن أهل بيتي يمنعه الرحم والقرابة من مكروههما وطلبهما، فقال: ولِّ رجلًا من أهل العراق فقال: إن أهل العراق قد امتزجت محبة علي بن أبي طالب بدمائهم وأبشارهم، فيمنعلا ذلك منهما، ولكن أهل الشام قاتلوه وسفكوا دم أولاده هم وأبناؤهم، فقد توارثوا بُغضه، ورباح بن عثمان المري ابن عم مسرف بن عقبة، قد فعل بأهل المدينة ما فعل، فولاه، وأمر بطلبهما، فدخل المدينة، وصعد المنبر وقال: ﴿يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣]، أنا ابن عم مسلم بن عُقبة، الشديدُ الوطأة عليكم، الوَبيلُ العقابِ لكم، الخبيثُ السيرة فيكم، وأنتم عقب الذين حصدهم سيفه، وايم الله، لأحصدنّ منكم من بقي، ولأَسُومنكم سوء العذاب. ثم نزل (١)، وكان ظلومًا غشومًا فاسقًا. ووقف على عبد الله بن حسن فقال له: أيها الشيخ، والله ما استعملني أمير المؤمنين لقرابة قريبة، ولا ليدٍ سلفت لي إليه، ووالله لا لعبتَ بي كما لعبتَ بابن القَسْري وزياد الحارثي، والله لأزهقنَّ نفسك أو تأتي بابنيك، فرفع عبد الله رأسه إليه وقال: كأني بك والله قد ذُبحتَ كما تُذبح الشاة، فكان كما قال. ومعنى هذا أن زيادًا الحارثي كان يكوه البحث عن ابني عبد الله، وينشد: [من الوافر] أُكَلَّفُ دْنبَ قومٍ لستُ منهم … وما جَنتِ الشّمالُ على اليمينِ (٢) وكذا محمد القسري. وقال عمر بن شبة: لما ظهر ذكر إبراهيم ومحمد استشار أبو جعفر أبا الشعثاء (٣) من قيس بن عَيلان في من يولي المدينة، فقال: ولِّ رجلًا من آل طلحة أو الزبير فإنهم لهم عَدوّ، فقال: كيف أنهز (٤) أهلَ بيتي بعدوِّهم؟ ولكن أختار لها صُعيليكًا من العرب، فولَّى رباح بن عثمان، فقدم المدينة في رمضان سنة أربع وأربعين، ونزل دارَ مروان،

стр. 5605

ثم أقبل على بعض الناس وقال: هذه دار مروان؟ قالوا: نعم، قال: هذه المِحْلال المِظْعان، ونحن أول مَن يَظعن عنها. وقال الزبير بن بكار: كان رياح قد ولي دمشق لصالح بن علي، ومصر لأبي جعفر، وكان فاتكًا، حضر عند عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه وعنده رَجاء بن حَيوَة، فأُتي بغِلْمَةٍ من آل المُهَلَّب لم يبلغوا الحِنْث، فقال عمر: ما تقولون فيهم؟ فقال رياح: أقول ما قال نوح في أمثالهم: ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] فأعرض عنه عمر، ثم قال لرجاء: ما تقول أنت؟ قال: أقول: لا سبيل لك عليهم، لأنهم لم تَجْرِ عليهم الأقلام والأحكام. وأطلق عمر رحمة الله عليه سبيلهم، فلما خرجا قال رياح لرجاء: إن الله خلق رجالًا للخير وأنت منهم، وخلق رجالًا للشر وأنا منهم (١). ورياح هو الذي تولَّى حبسَ بني حسن، وتقييدَهم، والتضييقَ عليهم، وحملَهم إلى العراق، ولما أوصلهم إلى الكوفة ردَّه أبو جعفر إلى المدينة. وكان رياح قد حبس محمد بن خالد القسري، ووجأ عُنُقه، وعَذَّب كُتَّابَه، فلما ظهر محمد بن عبد الله بالمدينة حَبس رياحًا وضيَّق عليه، فلما قصد عيسى بن موسى المدينة واقتتلا، دخل إبراهيم بن خُضير، وخُضَير اسمُه مصعب بن [مصعب بن] الزبير (٢)، وكان مع محمد بن عبد الله بن الحسن، فأتكى رياحًا وذبحه كما تُذبح الشاة، وقصد محمد بن خالد القَسريّ، فردم بينه وبينه بابًا، ونجا فلحق بالكوفة، ورجع إبراهيم بن خُضَير فقاتل مع محمد حتى قُتل. ولما ذُبح رياح أُخرج من الحبس، فجعل صبيان المدينة في رِجله شريطًا، وجَرُّوه في الأزِفَّة ويقولون: [من مجزوء الرمل] سَلَحَتْ أمُّ رِياحٍ … فأتَتْنا برِياحِ وأتَتْنا بأميرٍ … ليس من أهلِ الصَّلاحِ

стр. 5606

ما سمعنا بأمير … قبل هذا من سِفاحِ (١) رُؤبة بن العجَّاج واسمه عبد الله بن رؤبة بن أسد بن صَخر بن كنيف (٢) بن عمرو، أبو الجَحَّاف التميمي. من الطبقة التاسعة من الرُّجَّاز، وهو مخضرم، من رُجَّاز الإسلام وفُصحائهم، بدوي نزل البصرة، ومدح الدولتين بني أمية وبني العباس، وأخذ عنه أئمة اللغة، واحتجوا بشعره، وجعلوه إمامًا، وأراجيزه مشهورة، ووفد على الوليد وسليمان بن عبد الملك، وأنشدهما ووصلاه. وقال أبو عبيدة: حدثني رؤبة، عن أبيه قال: سألتُ أبا هريرة فقلت: ما تقول في هذا: طاف الخيالان فهاجا سَقَما … خيالُ لُبنى وخيالُ تُكتَما قامت تُريك رهبةً أن تُصرَما … ساقًا بَخَنْداةً وكَعْبًا أدْرَما -وساقٌ بَخَنْداةٌ أي: ناتئة، والدَّرَم في الكعب: أن يواريه اللحم حتى لا يكون له حَجْم- فقال: قد كان يُحْدا بنحوٍ من هذا مع رسول الله ﷺ فلا يَعيبُه (٣). أسند رؤبة عن أبيه، عن أبي هريرة، ودغفل بن حَنظلة النَّسَّابة وغيرهما، وروى عنه ابنه عبد الله بن رؤبة، ومَعْمَر بن المثنّى، وأبو عمرو بن العلاء، والنَّضْر بن شُمَيل وغيرهم. زيد بن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، أبو أسامة. من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، كانت له حلقة في مسجد رسول الله، فقال مالك

стр. 5607

ابن أنس: كان زيد على مَعْدِن بني سُليم، وكان مَعْدِنًا لا يزال يُصاب فيه الناس من قبل الجِنّ، فلما وليهم زيد شكوا ذلك إليه، فأمرهم أن يؤذِّنوا ويرفعوا أصواتهم بالأذان، ففعلوا، فارتفع ذلك عنهم إلى اليوم. وكان إذا أتاه إنسان يسأله فخلط عليه يقول له: اذهب فتعلم كيف تسأل، ثم تعال فاسأل. وقال ابن عساكر: كان زيد مع عمر بن عبد العزيز في خلافته (١). وقال البخاري: كان علي بن الحسين يجلس في حلقة زيد بن أسلم فيقال له: أتتخطّى رقاب قومك إلى حلقة عبد ابن الخطاب؟ فيقول: إنما يجلس الرجل إلى الرجل لينتفع به، وأنا أنتفع به (٢). أسند زيد عن أنس بن مالك، وابن عمر وغيرهما، وروى عنه الزهري، ومالك بن أنس، والثوري وغيرهم. واتفقوا على صدقه وثقته وفضله، وتوفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ست وثلاثين أو سبع وثلاثين ومئة (٣). وأخوه خالد بن أسلم؛ كان أشد شابًّا بالمدينة، ويكتى أبا ثَور، وكان أسنَّ من زيد (٤). سُدَيف بن ميمون الشاعر المكي، مولى أبي لهب (٥)، كان أسودَ اللون، بَصَّاصًا، بدويًّا، قبيحَ

стр. 5608

المنظر، خبيثَ المَحْضَر، وكان قد طعن في خلافة أبي جعفر وهجاه، ومدح محمد بن عبد الله. وقال البلاذُرِيّ: وصل أبو جعفر سُدَيفًا بألف دينار، فأعطاه لمحمد بن عبد الله بن حسن معونة له، فلما خرج محمد صار سُدَيف من خاصّته، ومدحه فقال: [من السريع] إيهًا أبا إسحاقَ مُلِّيتَها في … في صحّةٍ تبقى وعُمرٍ يطولْ اذكُر هداك الله فِعْل (١) الأُلى … سِير بهم في مُصْمَتاتِ الكُبولْ وصعد محمد المنبر يومًا بالمدينة، فقام سُديف وأشار إلى العراق وقال يريد أبا جعفر: [من الكامل] أسْرَفْتَ في قتل البريَّةِ عامدًا … فاكفُفْ يديك أضَلَّها مَهْدِيُّها فلتأتينك رايةٌ (٢) حَسَنِيَّةٌ … جَرَّارةٌ يَحْتَثُّها حَسَنيُّها وبلغ أبا جعفر فقال: قتلني الله إن لم أقتلْه شَرَّ قِتلة. وكان سُدَيْف يقول: صار فَيئُنا دولةً بعد القسمة، وإمارتُنا غلَبةً بعد المشورة، وعهدنا ميراثًا، واشتُريت الملاهي والمعازف بأموال الأرامل واليتامى، وحَكم أهلُ الذمَّة في أبشار المسلمين، وتولّى القيام بأمورهم فاسقُ كل مَحلَّة، اللهم إنه قد استَحْصَد زرعُ الباطل وبلغ نهايته، فأتِحْ له يدًا من الحق حاصدة؛ تُبدِّد شملَه، وتُفرِّق جمعَه، ليظهرَ الحقُّ في أحسن صورته، وأتمِّ أموره (٣). ولما قُتل محمد بن عبد الله هرب سُدَيف إلى المدينة فاختفى فيها، وبلغ أبا جعفر، فكتب إلى عمِّه عبد الصّمد بن علي وهو عامله على مكة والمدينة أن: اقتل سُديفًا، فأخذه، وحَفِظ له ما كان له فيهم من المدائح، وحبسه، وكاتب فيه أبا جعفر مرارًا، فكتب إليه: والله لئن لم تقتله لأقتلنَّك، ولا تغترَّ بأنك عمي، أليس هو القائل لي: أسْرفتَ في قتل البريَّةِ عامدًا

стр. 5609

فلما حج أبو جعفر أخرج عبد الصّمد سُديفًا من الحرم فقتله، ولقي أبا جعفر عمُّه عبد الصمد في الطريق، فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه انسلام، بل قال: ما فعلتَ في أمر سُدَيف؟ قال: قتلتُه، فقال: وعليك السلام يا عمّ، يا غلام، قف فوقف، فأمر عبد الصمد فعادله. وقيل: إن سُديف طلب من عبد الصّمد أمانًا، فأعطاه على أول لا يبعث من المدينة (١)، واستحلفه على ذلك، فلما قدم أبو جعفر المدينة قيل له: قد رأينا سُدَيفًا، فقال: على به، فجُعل في جُوالِق، وخيط محليه، وضرب بالخشب حتى مات، ورمي به في بئر. وقيل: كان به رَمَق فمات. ولما خرج محمد بالمدينة وإبراهيم بالبصرة قال سُديف: [من البسيط] إن الحمامةَ يوم الشّعب من حَضَنٍ … هاجتْ فؤادَ محبٍّ دائم الحزَنِ إنا لنأمُلُ أن ترتدَّ أُلفتُنا … بعد التَّباغضِ والشَّحناءِ والإحَنِ وتنقضي دولةٌ أحكامُ قادَتنا … فيها كأحكام قومٍ عابدي وَثَنِ فانهض ببيعتكم بطاعتنا إن … الخلافة فيكم يا بني حَسَنِ ألستَ أكرمَهم قومًا إذا انتسبوا … عودًا وألْقاهُمُ ثَوبًا من الدَّرَنِ وأعظمَ الناس عند الله منزلةً … وأبعدَ الناس من عجزٍ ومن أفنِ (٢) وقد اختلفوا في وفاته؛ فحكينا أن عبد الصّمد قتله بأمر أبي جعفر، وقيل: إنه لما بلغه هجاؤه كتب إلى عمه عبد الصمد فدفنه حيًّا. وقيل: بعث المنصور خزيمة بن خازم -أو خازم بن خزيمة- مُتنكِّرًا، وقال له: عند السارية الفلانية شيخ آدم طوال يُكثر التلفُّت، فاجلس إليه، وأظهر الميل إلى آل أبي طالب، ثم قل له بعد أيام: مَن القائل: أسرفتَ في قتل البرية عامدًا؟ فقدم خازم المدينة، وجلس إلى الشيخ الموصوف، وأظهر له الميل إلى الطَّالبيين،

стр. 5610

وقال له: مَن القائل: أسرفتَ في قتل البرية؟ فقال له الشيخ: إن شئتَ أنبأتُك مَن أنت، أنت خازم بن خُزيمة، بعثك أمير المؤمنين ليعرف من قال هذا الشعر، قل له: والله ما قلتُه، وإنما قاله سُدَيف بن ميمون، وأنا القائل لما خرج محمد ودعوني إلى الخروج معه هذه الأبيات: [من الطويل] دعَوني وقد شالت (١) لإبليس راية … وأُوقد للغاوين نارُ الحُباحِبِ أبالليثِ يغترُّون يحمي عَرينَه … ويَلْقون جَهلًا أُسْدَه بالثعالبِ فلا يَنْفَعَني السِّنُّ إنْ مِلتُ نحوكم … ولا أحكَمَتني صادقاتُ التجاربِ وإذا بالشيخ ابن هَرْمة الشاعر. قال خازم: فقدمتُ على أبي جعفر فأخبرته فقال: صدق، وأمر بدفن سُديف حيًّا. وقد أخرج الحافظ ابن عساكر لسُديف حديثًا عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أبغضنا أهلَ البيت حشره الله يوم القيامة يهوديًّا" قال: فقلت: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؟ قال: "نعم". قال أبو جعفر العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل. وذكر سُديفًا في كتاب "الضعفاء والمتروكين" (٢). وقال ابن عساكر: ما زال سُديف يبحث حتى ظفر بابنين لبسر بن [أبي] أرطاة بساحل دمشق، فذبحهما كما ذبح بسر ابني عبيد الله بن عباس. وقد روى سُديف عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وروى عنه حَنان بن سدير الصَّيرفي (٣). عبد الله بن حسن ابن حسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي، وهو من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وكان من العُبَّاد، وله شَرَف وعارضة وهَيبة ولسان شديد، وأدرك دولة بني العباس، ووَفَد على السفَّاح بالأنبار، وكانت له منزلة

стр. 5611

عند الخلفاء، وفد على سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن عبد الملك، وكانوا يفضِّلونه ويميزونه ويرفعون منزلته. وقال له عمر: أَنشُدك الله أن تقف ببابي إلا في الساعة التي آذن للناس فيها؟ فإني أستحيي من الله أن يراك واقفًا ببابي ولا يؤذن لك. وكان عبد الله بن علي قد عزم على قتل مَن كان بالحجاز من بني أمية، فقال له عبد الله: يا ابن عمّ، إذا أسرعتَ في القتل إلى أكفائك فمَن تُباهي بسلطانك؟ فاعف يعف الله عنك، فأمسك. وكان عبد الله بن حسن شيخَ أهله، وسيدًا من ساداتهم، ومقدَّمًا فيهم فضلًا وعلمًا وكرمًا وحسبًا. وحبسه أبو جعفر بالهاشمية فمات في حبسه بالكوفة. وقال الهيثم: حبسهم أبو جعفر في سِرداب تحت الأرض، لا يعرفون ليلًا ولا نهارًا، والسِّرداب عند قنطرة الكوفة، وهو موضع بَراز، ولم يكن عندهم بئر للماء ولا سقاية، فكانوا يبولون ويتغوَّطون في مواضعهم، وإذا مات فيهم ميت لم يُدفن، بل يَبلى وهم ينظرون إليه، فاشتدَّت عليهم رائحة البول والغائط، وكان الوَرَمُ يبدو في أقدامهم، ثم يترقَّى إلى قلوبهم فيموتون (١). ويقال: إن أبا جعفر ردم عليهم السرداب فماتوا، فكان يُسمع أنينُهم أيامًا. وقال أبو معقل بن إبراهيم (٢): أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن فقيَّده وحبسه في داره، فلما أراد الخروج إلى الحج وقفت له ابنة لعبد الله بن حسن على الطريق واسمها فاطمة، فلما مرَّ بها قالت: [من الكامل] ارحم كبيرًا سِنُّه مُتهدِّمًا … في السجن بين سلاسل وقيودِ وارحم صغارَ بني يزيد فإنهم … يَتُموا لفَقدك لا لفقدِ يزيدِ إن جُدتَ بالرَّحِمِ القريبة بيننا … ما جدُّنا من جدكم ببعيد

стр. 5612

فقال أبو جعفر: أذكرتِنيه، ثم أمر به فحُدر إلى المُطْبِق، فكان آخر العهد به، والمطبق بغداد. والصحيح أنه مات بالكوفة بالهاشمية في سنة خمس وأربعين ومئة، وعمره خمس وسبعون سنة، وقيل: اثنتين وسبعين سنة. وكانت له أحاديث؟ قال حفص بن عمر مولاه: رأيتُ عبد الله يتوضأ ومسح على خُفَّيه، فقلت له: أتمسح؟ قال: نعم، قد مسح عمر بن الخطاب ﵁، ومَن جعل عمر بينه وبين الله فقد استوثق لنفسه. وذكر عبد الله يومًا مقتل عثمان ﵁ فبكى حتى بلَّ لحيتَه وثوبَه. وقال عبد الله: إياك ومعاداة الرجال؛ فإنك لن تَعدم مكرَ حليم، ومفاجأة لئيم. وقال: المِراء يفسد الصداقةَ القديمة، ويحلُّ العُقَد الوثيقة. وقيل له: إن فلانًا غيَّرته الولاية، فقال: مَن ولي ولاية أكبر منه غيَّرتْه، وإن كانت نفسُه أكبر منها لم تغيره. وولد له جماعة من الأولاد وجميعهم من الطبقة الخامسة من أهل المدينة. وقال الواقدي: وَلَدت هند بنت أبي [عبيدة بن عبد الله بن] زَمْعَة موسى بن عبد الله وهي بنت ستين سنة، ولا يُعلم امرأة وَلدت لستين سنة إلا قرشية، ولا لخمسين إلا عربية (١). وقال محمد بن حكيم: حبسه أبو جعفر قبل خروج إخوته، ثم أطلقه فخرج معهما، فظفر به، فضربه ألف سوط ولم ينطق، فعجب أبو جعفر وقال. لقد عجبت من صبر هؤلاء، فما بال هذا الغلام الذي لم تره عينُ الشمس؟ وسمعه موسى فقال: [من الكامل] إني من القوم الذين يَزيدُهم … جَلَدًا وصَبْرًا جَفوَةُ السُّلطانِ (٢) وكان فاضلًا شاعرًا، كتب إلى زوجته أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد

стр. 5613

الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ وهو بالعراق يستدعيها فأبت، فكتب إليها: [من الطويل] فلا تتركيني بالعراق فإنها … بلادٌ بها أُسُّ الخيانةِ والغَدْرِ فإني زعيم أن أجيءَ بضَرَّةٍ … مقابلةِ الأجدادِ طَيِّبةِ النَّشْرِ (١) أسند عبد الله عن أبيه، وأمه فاطمة بنت الحسين ﵇، وعن جماعة، وروى عنه مالك حديث السَّدْل وعَمِل به، ولما قيل له في ذلك قال: رأيتُ مَن يوثَق به يفعله. قيل: ومَن هو؟ قال: عبد الله بن حسن (٢). واتفقوا على صدقه وثقته وفضله، وكان ثبتًا مأمونًا فقيهًا عالمًا، وكان يترضّى عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ويمسح على خُفَّيه ويقول: قد مسح عمر على خفيه، وهو خير من مِلْءِ الأرض مثلي. وكان يقول: ما أرى أن أحدًا يسب أبا بكر وعمر يقبل الله توبته أبدًا، وإني لأتقرب إلى الله بحبهما، وكان يأمر أهله وأولاده بمحبتهما، والتبرِّي ممن يسبُّهما (٣). قال المصنف ﵀: وعبد الله بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الحسين بن عيسى بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، كنيته أبو الغنائم النسَّابة، ابن القاضي أبي محمد العَلَوي الزَّيدي، لم أقف على تاريخ وفاته، صنَّف كتابًا في النسب عشر مجلدات، وسماه: "نزهة عيون المشتاقين إلى وصف السادة الغُرّ الميامين" وتصنيفه يدل على الاعتزال والتشيع. وله في فخر الدولة بن أبي الجِنّ لما عزل [ابن] مُحرِز البعلبكيّ عن تولّي أوقاف العلويين، وكان سيئ السيرة، قال: [من الطويل] ولو لم يكن للفخر أجرٌ يَحوزُه … ينال به جناتِ عدنٍ على علْم سوى عزلِه بعد الإياس ابنَ مُحرِزٍ … وإنصافهم بعد التظلم في القَسْمِ (٤)

стр. 5614

عبد الله بن المُقَفَّع واسمه داذَوِيه من أهل فارس، كان مجوسيًّا، وإنما سمّي المقفَّع لأنه ولي للحجاج ولاية، فمد يده وأخذ المال، فعذّبه الحجاج حتى تقَفَّعَتْ يدُه، وحرص على تأديب ولده عبد الله، وكان يجمع له العلماء. وكان عبد الله فصيحًا جوادًا، وجاءت الدولة وقد مات أبوه فصحب بني علي بن عبد الله بن عباس، وكان يكتب لهم، وكتب أيضًا لأبي جعفر. وكان بليغًا، وهو أول من رتب الخطب وقال: شرِبتُ من الخطب رِيًّا، ولم أضبط لها رَويّا، فغاضت ثم فاضت، فليست هي نظامًا، ولا في غيرها كلامًا. وجاء إلى عيسى بن علي فقال له: قد دخل الإسلام في قلبي، وأريد أن أسلم على يدك، فقال له عيسى: ليكن ذلك بمحضر من القوَّاد ووجوه الناس، فإذا كان غدًا فاحضر، ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس يأكل ويزَمْزِم على عادة المجوس، فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟ فقال: أكره أن أبيت ليلةً على غير دين، فلما أصبح أسلم على يده. وكان مع فضله يُتَّهم بالزندقة، وكان بعد أن أسلم إذا مرّ ببيت النار للمجوس يتمثل: [من الكامل] إني لأمنَحُكَ الصُّدودَ وإنني … قسمًا إليكَ مع الصُّدود لأَمْيَلُ (١) وكان محمد المهدي يقول: ما وجدتُ كتابَ زَنْدَقة إلا وأصله ابن المقفع. وقد صنَّف المصنفات الحسان، منها: "الدرة اليتيمة" التي لم يُصنَّف في فنِّها مثلها، وكان له الكلام البليغ، فمن كلامه: ينبغي لمن خَدَم السلطان ألا يغتر به إذا رضي، ولا يتغير له إذا سَخِط، ولا يستثقل ما حَقَله، ولا يُلْحِف في مسألته. وقال: لا تكن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك، وكن حافظًا إذا ولاك، أمينا إذا ائتمنك، راضيًا إذا أسخطك، ومع هذا فالحذر من صحبته كل الحذر.

стр. 5615

وقال: لا تغُرَّنَك سَعَةٌ تكون فيها؛ فإن أعظم الناس خطرًا مَن يدبر في ما في يده (١)، والملوك إلى حسن التدبير أحوج إليه من السُّوقة؛ فإن السوقة قد تعيش بغير مال، والملوك لا بد لهم من المال، ولا قِوام لهم إلا به. وقال: لا ينبغي للملك أن يغضب؛ لأن القُدوة من وراء حاجته، ولا أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على ما لا يريد، ولا أن يبخل؛ لأن البخل مذموم، ولا أن يكون حَقودًا؛ لأن خطوه يَجلُّ عن المجاراة. وقال: من أوقع الأمور في الدين، وأنهكِها للجسم، وأتلفِها للمال، وأفسدِها للعقل، وأذهبِها للوقار؛ الغَرامُ بالنساء، ومن البلاء على المُغرَم بهن أنه لا ينفكُّ يَسأم فيما عنده، وتَطمَح عيناه إلى ما ليس عنده، وربما هجم على ما يظنه حسنًا وهو قبيح، حتى لو لم يبق في الأرض إلا امرأة واحدة ظن أن لها شأنًا غير شأن مَن ذاقه، وهذا غاية الحُمْق. وقيل له: مَن أدَّبَك؟ قال: نفسي، إذا رأيتُ شيئًا أذُمُّه من غيري اجتنبتُه. وحضر يومًا مَأدُبة فيها معن بن زائدة، وفيها جواري يغنّين، فغنت واحدة بمعن فأعطاها ألف دينار، وغنَّت أخرى لابن المقفع فأعطاها مئة ألف درهم، فقال معن: لله در الفارسي فلقد بَرَّز علينا. واجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد، فقيل للخليل: كيف رأيتَه؟ فقال: علمُه أكثر من عقله. ذكر مقتله: كان ابن المقفَّع يعيب سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلَّب عامل البصرة، وينال من أمه -وهي ميسون بنت المغيرة بن المهلَّب- ويقول: يا ابن المُغْتَلِمَة، والله ما اكتفت أمك برجال العراق حتى نكحها رجال أهل الشام. وكان أنف سفيان كبيرًا؛ فكان ابن المقفع إذا دخل عليه قال: السلام عليكما، يعني نفسَه وأنفَه.

стр. 5616

وقال له يومًا: ما تقول في زوج وامرأة كم لهما من الميراث، يسخر به على ملأ من الناس. وقال سفيان يومًا: ما ندمتُ على سكوت قط، فقال له ابن المقفع: الخَرَس زَيْنٌ لك فكيف تندم عليه؟ وكان يستخِفُّ به وسفيان لا يقدم عليه لمكانته، وكان سفيان يقول: والله لأُقَطِّعنه إربًا إربًا وعينه تنظر. فقدم سليمان بن علي وعيسى بن علي البصرة ليكتبا أمانًا لعبد الله بن علي، وكان ابن المقفّع يكتب لعيسى بن علي، وأمره فكتب كتاب أمان، واتَّفق أن أبا جعفر قال لابن المقفع: اكتب كتابَ أمان لعبد الله بن علي، وسهّل الأمر فيه، فكتب كتاب أمان وفيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله بن علي فنساؤه طوالق، ودوابُّه حُبُس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حلٍّ من بيعته، وأمواله صدقة، وعليه المشي إلى بيت الله حافيًا، وكان ابن المقفع يَتَنَوَّق في الشروط، فلما وقف عليه أبو جعفر عَظُم عليه ذلك، ولما حبس عبد الله بن علي أرسل إليه يقول: ما هذا أمانُك وكتابُك؟! فساءه ذلك، فكتب إلى سفيان بن معاوية يأمره بقتله، وكان سفيان مُضْطَغِنًا عليه. فاستأذن ابن المقفع يومًا على سفيان، فأخَّر إذنه حتى خرج مَن عنده، ثم أذن له فدخل، فعدل به إلى حجرة، ولما دخل على سفيان قال له: أتذكر ما كنتَ تقول في أمي؟ فقال: أنشدك الله أيها الأمير في نفسي، فقال: أُمِّي مُغْتَلِمَة؟ إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، وأمر بتنُّور فسُجِر، ثم أمر به فقُطِّعت أعضاؤه عضوًا عضوًا، وهو يُلقيها في النار وهو ينظر، حتى أتى على جميع جسده، ثم أطبق عليه التنور وقال: ليس عليَّ في المُثْلَةِ بك حَرَج؛ لأنك زنديق قد أفسدتَ الناس. ولما خرج القوم من عند سفيان رأوا غلمانه على الباب، فسألوهم عنه فقيل: دخل بعدكم واختفى أثَرُه، فخاصم سليمان بن علي وعيسى بن علي سفيان، وأشخصاه إلى المنصور مُقيَّدًا، وحضر الشهود الذين شهدوا أنه دخل دار سفيان ولم يخرج، وأقاموا الشهادة، فقال لهم أبو جعفر: إنا ننظر في هذا، أرأيتم إن قتلتُ سفيان بن معاوية وخرج ابن المقفع من هذا الباب -وأومأ إلى باب خلفه- وخاطبكم، ما تروني صانعًا بكم، أأقتلكم بسفيان، فرجعوا كلهم عن الشهادة، وعلموا أن قتله كان برضاه،

стр. 5617

وأضرب عيسى عن ذكره. وقال البلاذي: لما قدم عيسى بن علي (١) البصرة في أمر عبد الله قال لابن المقفع: اذهب إني سفيان في أمر كذا وكذا، فقال: ابعث إليه غيري فإني أخاف منه، فقال: اذهب فأنت في أماني، فذهب إليه ففعل به ما ذكرنا. وقيل: ألقاه في بئر المخرج وردم عليه الحجارة. وقيل: أدخله حمامًا وأغلق بابه فاختنق. وابن المقفع من شعراء "الحماسة"، قال في باب المراثي: [من الطويل] رُزئْنا أبا عمروٍ ولا حيَّ مثلَه … فلله رَيْبُ الحادثاتِ بمَن وَقَع فإن تكُ قد فارَقْتَنا وتركتَنا … ذَوي خَلَّةٍ ما في انْسِدادٍ لها طَمَعْ فقد جرَّ نفعًا فقْدُنا لك إننا … أمِنَّا على كلِّ الرَّزايا من الجَزَعْ (٢) عبد الله بن محمد ابن عَقيل بن أبي طالب، وكنيته أبو محمد، وأمه زينب الصغرى بنت علي بن أبي طالب. وهو من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، قدم على هشام بن عبد الملك فأمر له بأربعة آلاف دينار، فسُرِقت منه، فجمعوا له مثلها فقال: إن كانت صدقةً لا تحلّ لنا، وإن كانت صِلَةً قبلتُها، قالوا: صلة، فأخذها. وكانت وفاته في هذه السنة بالمدينة، وكان كثيرَ العلم إلا أنه مُنكر الحديث. أسند عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعلي بن الحسين، وابن المسيب وغيرهم.

стр. 5618

وقال يعقوب بن سفيان: هو صدوق إلا أن في حديثه ضعفًا. وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: هو ثقة. وقيل: إنه تغير في آخر عمره (١). عمرو بن عُبيد بن باب أبو عثمان البصري المعتزلي، وباب من سبي فارس وهو مولى آل عَرادة بن يربوع بن مالك. وقال الخطيب: كان أبوه نَسَّاجًا، ثم صار شُرطيًّا للحجاج بن يوسف، وهو من سَبْي سجستان. وقال الزبير: كان أبوه يخلف أصحاب الشُّرَط بالبصرة، فكان الناس إذا رأوه مع أبيه قالوا: خير الناس مع شرِّ الناس! فيقول أبوه: صدقتم هذا إبراهيم وأنا آزر. وقال الهيثم: كان عمرو عالمًا زاهدًا ناسكًا عابدًا ورعًا عفيفًا، من أهل السنة، يجالس الحسن البصري، وحفظ عنه، واشتهر بصحبته، ثم أزاله عن ذلك واصل بن عطاء المعتزلي (٢)، وغيَّر أحواله، ونقله من القول بالسنة إلى الاقدر والاعتزال. وقال أبو اليقظان: كان عمرو من دعاة يزيد الناقص في أيام بني أمية، ثم قال بإمامة أبي جعفر. وكان أبو جعفر يعظمه ويحترمه ويمدحه ويقول: نَثرتُ الحبَّ للناس فلقطوا إلا عمرو بن عبيد. ذكر نبذة من مواعظه لأبي جعفر: قال عُقبة بن هارون: دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور وعنده المهدي بعد أن بايع له ببغداد، فقال له: يا أبا عثمان، عظني فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك لو بقي في يد غيرك لما وصل إليك، وإني أُحذِّرك ليلة تَمَخَّضُ بيومٍ لا ليلة بعده، ثم أنشده: [من البسيط]

стр. 5619

أيُّهذا الذي قد غَرَّه الأملُ … ودون ما يأمُلُ التَّنغيصُ والأجَلُ ألا ترى أنَّما الدنيا وزينتُها … كمنزل الرَّكب حَلُّوا ثُمَّتَ ارتحلوا حُتوفها رَصَدٌ وعيشُها نَكَدٌ … وصَفْوُها كَدَرٌ ومُلْكُها دُولُ تظلُّ تَقرَعُ بالرَّوعاتِ لساكنَها … فما يَسوغُ له لينٌ ولا جذَلُ كأنه للمنايا والرَّدى غَوَضٌ … تظلُّ فيه بناتُ الدَّهرِ تَنتضلُ تُديره ما أدارتْه دوائرُها … منها المصيب ومنها المخطئ الزَّللُ والنفس هاربةٌ والموت يَرصُدها … وكل عَثْرَةِ رِجْلٍ عندها جَلَلُ والمرءُ يَسعى بما يَسعى لوارثه … والقبرُ وارثُ ما يسعى له الرجلُ فبكى المنصور (١). وقال إسحاق بن الفضل: بينا أنا على باب المنصور وإلى جانبي عُمارة بن حمزة إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره، ونحَّى البساط برجله، وجلس دونه، فالتفت إلي عمارة وقال: ما تزال بصرتكم ترمينا بأحمق أحمق، فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع فقال لعمرو: أجب أمير المؤمنين يا أبا عثمان جُعلت فداك، فمرَّ متوكِّئًا عليه، فقلت لعمارة: إن الرجل الذي استَحْمَقْتَ قد دُعي وتُرِكنا! فقال: كثيرًا ما يكون مثل هذا. فأطال اللبث، ثم خرج الربيع وعمرو متكئ عليه فقال: يا غلام، حمار أبي عثمان، فما برح حتى علا سرجَه وسوَّى ثيابَه، واستودعه الله، فأقبل عمارة على الربيع وقال له: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلًا لو فعلتموه بولي عهدكم كنتم قد قضيتم حقَّه! قال الربيع: فما غاب عنك والله أكثر من فعل أمير المؤمنين وأعجب، فقال: حدِّثْنا، فقال: ما هو إلا أن سمع بمكانه فما أمهل حتى فُرِش له مجلسٌ باللُّبود، ثم انتقل هو والمهدي إليه، ثم أذِن له فدخل، فسلَّم عليه، فردَّ عليه ورحَّب به، وما زال يُدنيه حتى أتكأه على فخذه، ثم سأله عن أهله يُسمِّيهم واحدًا واحدًا الرجال والنساء، ثم قال له: يا أبا عثمان عِظني، فقال:

стр. 5620

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ فبكى بكاء شديدًا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا في تلك الساعة وقال: زدني، فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر منه نفسَك ببعضها، واعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد مَن كان قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى مَن هو بعدك، وإني أُحذِّرك ليلةً تَمَخَّضُ صبيحتُها عن يوم القيامة، فبكى والله أشد من الأول، فقال له سليمان بن مجالد: رِفقًا بأمير المؤمنين فقد أتعبتَه اليوم، فقال له عمرو: بمثلك ضاع الأمر وانتشر لا أبا لك، ماذا خفت عليه إن بكى من خشية الله تعالى؟ فقال المنصور: يا أبا عثمان أعنِّي بأصحابك، فقال: أظهر الحقَّ يتبعْك أهلُه. قال: قد بلغني أن محمد بن عبد الله بن حسن كتب إليك كتابًا، قال: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه قال: فما أجبتَه؟ قال؛ أوليس قد عرفتَ أيامَ كنت تتردَّد إلينا أني لا أرى السيف؟ فقال: قد أمرتُ لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على سفرك وزمانك، فقال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتأخُذَنَّها، قال: والله لا أخذتها، فقال له المهدي: يحلف أمير المؤمنين وتحلف؟ وكان على المهدي سوادُه وسيفه، فقال للمنصور: مَن هذا الفتى؟ فقال: هذا ابني محمد المهدي وهو وليُّ العهد، فقال: والله لقد أسميتَه اسمًا ما استحقَّه عملُه، وألبستَه لباسًا ما هو من لُبس الأبرار، ولقد مهَّدت له أمرًا أمتع ما يكون فيه أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهدي فقال له: يا ابن أخي، إذا حلف أبوك وحلف عمُّك كان أبوك أقدر على الكفارة من عمك، فقال له المنصور: يا أبا عثمان، هل لك من حاجة؟ قال: نعم؛ لا تبعث إليَّ حتى آتيك، قال: إذًا لا تأتيني، قال: عن حاجتي سألتني، ثم ودَّعه ونهض، فأتبعه بصرَه وهو يقول: [من الرجز] كلُّكم يمشي رويد … كلكم يطلب صَيد (١) غير عمرو بن عبيد

стр. 5621

وقال البلاذري: دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر وعليه طيلسان مُخَرَّق، فرمى أبو جعفر طَيلَسانه عليه، ثم قال له: عِظني، فوعظه فبكى وقال: يا أبا عثمان ارفع إليَّ حوائجَك، فقال: أولها أن ترفع هذا الطيلسان عني، ولا تعطني شيئًا حتى أسألك، ولا تبعث إلي حتى آتيك، واتق الله في أمة محمد ﷺ (١). فقال: يا أبا عثمان، إن أكثر ما أخاف عمال السوء الذين يظلمون الرعية، والله لوددت أقوى خلق الله عليها يليها دوني، هذا صاحبا فارس؛ رفع إليَّ خراجَ ما زعم أنه حصل في السنة الماضية خمسة آلاف درهم، وكتب إليَّ صاحبُ خبري هناك أنه قد احتبس لنفسه خمس مئة ألف درهم من مال المسلمين، فبمن أثق؟ أما بطني فوالله ما أبالي ما جاوز لَهَواتي، وهذه جُبَّتي لها ثلاثون شهرًا منذ لبستُها، فعلام أتأسَّف على الدنيا وهذه صفتي، وأما مقدار ما يكفيني من المطعم والمشرب فإذا هو في كل شهر عشرة دراهم (٢)، أفتراني أتعمَّد ظُلمَ مسلم أو ذمي وهذه حالي؟ ودخل عمرو على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، إن من وراء بابك نيرانًا تأجَّجُ من الجَور والظُّلم، واللهِ ما يُعمَل وراء بابك بكتاب الله ولا سنة رسوله، وإن الله سائلك عن مثاقيل الذرِّ من الخير والشر، وإن أمة محمد ﷺ خُصماؤك يوم القيامة، وإن الله لا يرضى منك إلا العَدْل في بريَّته، وكان على رأس أبي جعفر سليمان بن مجالد فقال له: اسكت أيها الشيخ فقد شققتَ على أمير المؤمنين وأبكيتَه، فقال عمرو: مَن هذا؟ فقال أبو جعفر: هذا أخوك سليمان بن مجالد، فقال له: ويحك، والله إنه ميت ومُخَلٍّ ما في يديه، ومُرْتَهَن بعمله، وأنت والله غدًا جيفةٌ بالعَراء، ثم التفت إلى أبي جعفر وقال: والله لَقُربُ هذا الجدار خيرٌ لك من قُرب سليمان إذ طوى عنك النصيحة، ومنع مَن ينصحك، وكأني والله بهذا غدًا جيفة على الصراط يُجَرُّ برجله إلى النار، وإن هذا وأمثاله اتخذوك سُلَّمًا إلى شهواتهم، وإنهم لا يغنون عنك من الله شيئًا يوم القيامة، فقال أبو جعفر: فكيف أصنع؟ فقال: اطرد عنك هؤلاء الشياطين، واصحب أهل الصلاح، قال: فهذا خاتمي فابعث به إلى أصحابك فوَلِّهم، فقال: إن أهل الدين لا

стр. 5622

يأتونك ومثل هذا معك؛ لأنهم إن أطاعوهم أغضبوا ربهم، وإن عصوهم أغروك بقتلهم، ارفع عَلَم العدل وقد استغنيتَ عن أصحابي (١). عمرو بن مَيمون بن مِهران أبو عبد الله الجزري، كان فاضلًا زاهدًا، عرض عليه أبو جعفر المنصور أن يُقطعه قَطيعةً فأبى وقال: إني رأيت همَّ الرجلِ على قدر انتشار ضَيعته، وإني يكفيني من هَمِّي ما أحاطت به داري، فإن رأيت أن تُعفيني، فأعفاه، وبلغ هذا الكلام الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، فلم يزل يُردِّده حتى حفظه. وكان يعطش فما يستسقي من أحد حتى يأتي بيته فيشرب منه، فيقال له في ذلك فيقول: كل معروف صدقة، وما أحبُّ أن يتصدَّق عليَّ أحد. وقال الواقدي: مات سنة خمس وأربعين بالجزيرة وقال ابن أخيه عبد الحميد: مات عمرو بالكوفة لأنه قال: بلغني أنه يُحشر من ظهرها سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فأحببتُ أن أموت بها. وقيل: إنه مات سنة أربعين ومئة، وقيل: سنة ثمان وأربعين، وسمع أباه، وعمر بن عبد العزيز، والزهري وغيرهم، وروى عنه ابن عيينة (٢)، وابن المبارك، ويزيد بن هارون، واتفقوا على صدقه وثقته وورعه، وأثنى عليه الإمام أحمد رحمة الله عليه بذلك. محمد بن عمران ابن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التَّيمي، أبو سليمان، قاضي المدينة الذي حكم بين الجَمَّالين والمنصور (٣)، وهو من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، وأمه أسماء بنت سلمة بن عمر بن أبي سلمة، وأمها حفصة بنت عبد الله بن عمر بن

стр. 5623

الخطاب، وأمها أسماء بنت زيد بن الخطَّاب بن نُفَيل. قضى لبني أمية، ثم للمنصور على المدينة، وكان جَليلًا مَهيبًا صَليبًا من الرجال، وكان قليل الحديث، ومات بالمدينة في سنة أربع وخمسين ومئة، وقيل: سنة خمس وأربعين ومئة، فبلغ موته أبا جعفر فقال: اليوم استوت قريش. اتفقوا على صدقه وثقته وديانته وورعه ونزاهته، وكان له من الولد عبد الله وعبد العزيز (١). يحيى بن الحارث الذِّماريّ من الطبقة الرابعة من أهل الشام، كان عالمًا بالقراءة، إمام جامع دمشق، قرأ على واثلة بن الأَسْقَع، وعبد الله بن عامر، وقال: قلت لواثلة: بايعتَ رسول الله ﷺ بيدك هذه؟ قال: نعم، قلت: أعطنيها حتى أقبِّلَها، فأعطانيها فقبلتُها. وقال سُويد بن عبد العزيز: سألت الذِّماريّ عن عدد آيِ القرآن، فأشار بيده اليمنى وقال: سبعة آلاف ومئتان، وأشار بيده اليسرى وقال: وستة وعشرون. وقال الواقدي: مات يحيى بالشام سنة خمس وأربعين ومئة وهو ابن تسعين سنة (٢)، وروى عن عمرو بن مَرْثَد الرَّحَبيّ وغيره، وروى عنه الأوزاعي وغيره. وفي آخر هذه السنة ثار السودان بالمدينة. ذكر السبب: كان رياح بن عثمان المُرِّي قد استعمل على الصدقة أبا بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، وبعثه إلى طيّئ وأسد، فأخذ صدقاتهم، ثم اتَّفق خروج محمد بن عبد الله بن حسن، فقدم ابنُ أبي سَبْرة ومعه أربعة وعشرون ألف دينار قد أخذها من الصدقات، فدفعها إلى محمد بن عبد الله فتقوى بها، وكان رياح محبوسًا، فلما قُتل محمد كتب

стр. 5624

عيسى بن موسى إلى أبي جعفر يخبره بخبر ابن أبي سبرة، فأمره أن يقيِّده ويحبسه، ففعل، وقُتل عيسى وهو في الحبس. وقيل: إن كثير بن حُصَين الذي استخلفه عيسى على المدينة ضربه سبعين سَوطًا وقيَّده، وقدم عبد الله بن الربيع الحارثي المدينة من قِبل أبي جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوال، وكان معه جند، فأفسدوا وعاثوا فيها، فوثب عليهم سودان المدينة والرَّعاع، وقتلوا جندَه، وانتهبوا رحلَه، وخرج الحارثي من المدينة هاربًا، فنزل ببئر المُطَّلب على خمسة أميال من المدينة يريد العراق، وكسر السُّودان باب الحبس، وأخرجوا ابن أبي رُهْم (١)، وكسروا قيدَه، وحملوه حتى وضعوه على المنبر، فحذ على طاعة أبي جعفر، ونهى عن مخالفته، فقيل: صلِّ بالناس، فقال: أنا أسير والأسير لا يَؤم، ورجع إلى محبسه. وبلغ أبا جعفر فعلُ أبي بكر بن أبي سَبْرة بن أبي رُهْم القرشي، فولَّى على المدينة جعفر بن سليمان، وقال له: إن بيننا وبين أبي بكر بن أبي سَبْرة رَحِمًا، وقد آسى وأحسن، فإذا قدمتَ المدينة فأطلقه وأحسن جِواره، فلما وصل جعفر أطلقه. وكان مَعْن بن زائدة عاملَ أبي جعفر على اليمن، فسأل أبو بكر بن أبي سَبْرة جعفرًا والي المدينة أن يكتب له كتاب وصية إلى معن، فكتب له، فلقي الرَّابحيَّ الشاعر، فقال له أبو بكر: هل لك أن تخرج معي إلى اليمن؟ فقال: اكفني أمر عائلتي، فأمر لهم بما يصلحهم، ثم خرج معه فقدما على مَعْن، فلما قرأ كتاب جعفر قال له: جعفر أقدر على صِلَتِك مني فلا شيء لك عندي، فانصرف مغمومًا، فلما انتصف النهار دعاه معن وقال له: ما الذي حملك على القدوم عليَّ وأمير المؤمنين عليك واجد؟ فقال: قد زال ما عنده وأوصى بي جعفرًا، قال: كم عليك دين؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأعطاه ستة آلاف دينار وقال: اقض دينك وأصلح بألفين حالك، فجاء إلى منزله، وأخبر الرَّابِحيّ فجاء إلى معن فأنشده: [من الكامل]

стр. 5625

الرَّابحيُّ يقول في مدحٍ … لأبي الوليد أخي (١) النَّدى الغَمْرِ ملكٌ بصنعاءِ الملوك له … ما بين بيت الله والشِّحْرِ فقال معن بن زائدة: فكان ماذا؟ فقال: حملتْ به أمٌّ مباركةٌ … وكأنَّها بالحَمْلِ لم تدري فقال معن: ثم ماذا؟ فقال: حتّى إذا ما تمَّ تاسعُها … وَلَدَتْه أولَ ليلةِ القَدْرِ وأتتْ به بِيضًا أسرَّتُه … يُرجى لحمل نوائب الدّهرِ مسح القوابلُ وَجْهَه فبدا … كالبدر بل أبهى من البدر فنَشا بحمد اللَّه حين نشا … حَسَنَ المروءة طيِّبَ الذِّكرِ حتّى إذا ما طرَّ شاربُه … خضع الملوكُ لسيِّدٍ بَهْرِ (٢) فإذا وَهَى ثَغْرٌ يقال له … يا مَعْنُ أنت سِدادُ ذا الثغْرِ فأعطاه ألف دينار، وخرج أبو بكر والرابحيُّ من اليمن، فقال له: أما الأربعة آلاف فلدَيني، وأما الألفان فبيننا نصفان، فقاسمه إياها. وعتب أبو جعفر على معن، فكتب معن يقول: جاءني كتاب جعفر، فظننت أن أمير المؤمنين قد رضي عنه، فكتب أبو جعفر إلى جعفر بن سليمان يعاتبه، فكتب إليه جعفر: إنك لما أوصيتَني به لم يكن من استيصائي به غير كتاب إلى معن أوصيه به. * * *

стр. 5626

السنة السادسة والأربعون بعد المئة فيها بنى بغداد وتحوَّل إليها أبو جعفر في صفر، وكتب إلى الآفاق أن تَرِد عليه خطباؤهم وشعراؤهم وعلماؤهم، فكان فيمن قدم عليه من شعراء المدينة: إبراهيم بن علي بن سَلَمة بن عامر بن هَرْمَة، أبو إسحاق الفِهري المدني، من الخُلُج، والخُلُج قوم من عَدْوان، ألحقهم عمر بن الخطاب ﵁ بالحارث [بن فِهْر] بن مالك بن النَّضْر بن كنانة (١)، وسمُّوا بذلك لأنهم اختُلِجوا من عَدْوان. وكان ابن هَرْمَة شاعرًا فصيحًا، وهو أحد المخضرمين، أدرك الدولتين بني أمية وبني العباس، وكان يمدح الطالبيين ويحبّهم، ويقدّمهم علي بني العباس، وخرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فلما قُتل عاد إلى المدينة فأقام بها إلى أن قدم فيمن قدم على المنصور. قال ابن هَرْمَة: دخلتُ عليه وأنا خائف منه وقد جلس للناس وبينه وبينهم سِتْر، وقد اجتمع الخطباء والشعراء من كل مصر، وأبو الخَصيب الحاجب قائم عند الستر يقول: يا أمير المؤمنين، هذا فلان الخطيب، ثم يقول: اخطب، وهذا فلان الشاعر، ثم يقول: أنشد، قال ابن هرمة: وكنتُ آخر مَن بقي، فقال الحاجب: يا أمير المؤمنين، هذا ابن هَرْمَة فقال: لا مرحبًا به ولا أهلًا، ولا أنعم الله به عينًا، فاسترجعتُ وقلت: ذهبتْ والله نفسي، فقلتُ في نفسي: هذا موقف إن لم أُنشد فيه هلكتُ، فقال أبو الخَصيب: أنشِدْ، فأنشدتُ قصيدتي اللامية، إلى أن قلتُ في مدحه: [من الطويل] له لَحَظات في خَفاء سَريرةٍ … إذا كَرَّها فيها عِقابٌ ونائلُ فأمُّ الذي أمَّنتَه تأمَنُ الرَّدى … وأُمُّ الذي حاولتَ بالثُّكْلِ ثاكِلُ (٢) فقال: يا غلام، ارفع الستر، ثم قال: أتممها، وقال: ادنُ فدنوت، فجلستُ بين يديه وبيده مِخْصَرة فقال: يا إبراهيم، قد بلغني عنك أشياء ولولاها لفضَّلتُك على

стр. 5627

نُظرائك، فأقرَّ لي بذنبك أَعْفُ عنك، فقلتُ في نفسي: هذا عالم فقيه يريد أن يقتلني بحجَّة، فقلت: يا أمير المؤمنين، كلُّ ما بلغك مما عفوت عني بسببه فأنا مقرٌّ به، فضربني بالمِخْصَرة وقال: قد أمرتُ لك بعشرة آلاف درهم وخِلْعَة، وألحقتُك بنُظرائك مثل: رؤبة، وطريح بن إسماعيل، ولئن بلغني عنك ما أكره قتلتُك، فقلت: إن بلغك ذلك فأنت في حلٍّ من دمي، فقال: إن الزمان ضيِّق بأهله فاشتر بهذه إبلًا عَوامِلَ، وإياك أن تقول: كلما مدحتُ أمير المؤمنين أعطاني مثلها، هيهات والعَودُ إلى مثلها، قال: فقدمت المدينة، فأتاني رجل من الطالبيين فسلَّم علي، فقلت: تنحَّ عني لا تَشِيط بدمي، فقال: ألستَ القائلَ فينا: [من المتقارب] ومهما أُلام على حُبِّهم … فإني أُحبُّ بني فاطمهْ بني بنت من جاء بالمُحْكَما … تِ والدِّين والسُّنَّة القائمهْ ولستُ أُبالي بحبِّي لهم … سواهم من النَّعَمِ السَّائمهْ قال ابن هرمة: فقلت: أعضَّ قائلَها بهَنِ أُمّه، فقال: قد قلتَها، فقال: أعضُّ بهَنِ أمي خير من أن أُقتل. ودخلتْ يومًا على المنصور جارية وعليه ثوب مَرْقوع فقالت: خليفةٌ يكون عليه ثوب مرقوع؟! فسمعها فقال: وَيحك أما سمعتِ قولَ ابن هَرْمَة: [من الكامل] إمَّا تَرَيْني شاحبًا مُتَبَذِّلًا … كالسَّيفِ يَخْلَق جَفْنُه فيضيعُ ولَرُبَّ لَذَّةِ لَيلةٍ قد نِلتُها … وحَرامُها بحلالها مَدفوعُ قد يُدرِكُ الشَّرفَ الفتى ورداؤه … خَلَق وجَيبُ قميصِه مَرقوعُ (١) وفيها عزل أبو جعفر عبدَ الله بن زياد الحارثيّ (٢) عن المدينة، وولَّى جعفرَ بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس.

стр. 5628

ولد جعفر بالشراة من أرض البلقاء، ونشأ بها عند أهله، وخرجَ معهم منها إلى الكوفة لَمَّا تولَّى أبو العباس الخلافة، وكان مع أبيه سليمان بالبصرة. قال الأصمعي: ما رأيتُ أشرفَ نفسًا من جعفر، ولا أكرم أخلاقًا. ركبَ يوم جمعة إلى الجامع ومعه جماعةٌ من الموالي، فمر بأبي سعيد الضبعي، وكان لجعفر جارية تسمى الخيزران يحبُّها، فناداه الضبعي: يا جعفر، أتحبُّ الخيزران، قال: نعم، فقال الضبعي: [من البسيط] نبئتُها عشقَتْ حشًّا فقلتُ لها … ما يعشق الحَشَّ إلَّا كلُّ كنَّاسِ فضرب جعفر وجه دابته، ومضى مسرعًا حياءً من الناس (١). وركبَ يومًا في مواليه وحشمه وفُهوده وسُقوره (٢)، فناداه رجل: يا جعفر، انظر أيَّ رجلٍ تكون غدًا إذا وقفت بين يدي الله، وقد خرجتَ من قبرك وحيدًا، ولا ينفعكَ هذا الجمع، ولا يغني عنك من الله شيئًا؟ وليسألنَّكَ اللهُ وحدَك، وأنتَ قائمٌ بين يديه وحدَك، فبكى جعفر، ورجعَ من نزهته إلى داره حزينًا كئيبًا. قال المصنف ﵀: ولم أقف على تاريخِ وفاة جعفر، إلَّا أنَّ ابن عساكر قال: كان حيًّا إلى سنة أربع وأربعين ومئة (٣). وفيها عزل أبو جعفر عن البصرة سلم بن قتيبة، وسببُه أنه كتب إليه يقول: اهدم دورَ من خرج مع إبراهيم، واعقر نخيلَهم، فرقَّ عليهم، وكتبَ إليه يسألُه فيهم، فكتب إليه: افعل ما تؤمر، فكتب إليه سلم: بأيِّ ذلك أبدأ، بالدور أم بالنخل؟ فغضبَ أبو جعفر وكتب إليه: لو كتبت إليك آمرك بإفساد تمرهم لكتبت: بماذا أبدأ بالبرنيّ أم بالشهريز؟ فعزلَه وولى محمد بن سليمان، فعاث في البصرة. وكانت ولاية سلم عليها شهورًا، وهدم محمدٌ دورًا كثيرة، وحرقَ نخلًا، من ذلك

стр. 5629

دار يعقوب بن الفضل (١)، وعون بن مالك، وأبي مروان، وعبد الواحد بن زياد، والخليل بن الحصين، وغيرهم. ثمَّ عزل أبو جعفر محمد بن سليمان عن البصرة، وولَّاها محمد بن أبي العباس (٢). وعزل عيسى بن موسى عن الكوفة وولَّاه البصرة في جمادى الأولى هذه، وولى الكوفة محمد بن سليمان الذي عاث بالبصرة. وغزا الصائفة جعفر بن حنظلة البهرانيّ. ودخلت الخزر إلى تفليس، وفيها جبريل (٣) بن يحيى، فهزموه وقتلُوا من المسلمين خلقًا كثيرًا. وحجَّ بالناس عبدُ الوهاب بن إبراهيم الإمام. رياح بن عمرو أبو المهاصر القيسي، كان من الخائفين المتعبدين. قال محمد بن الحر بن عبد ربه القيسيّ قرابة رياح: كنتُ إذا دخلت عليه المسجدَ أراه يبكي، وإذا دخلت عليه البيت أراه وهو يبكي، ورأيته في الجبَّان وهو يبكي، فقلت له يومًا: أنت دهرَك في مأتم وبكاء، ثم قال: يحقُّ لأهل المصائب والذنوب أنْ يكونوا كذا. وقال رياح: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكلِّ ذنب مئة ألف مرة. وجاء رياح بعد العصر يسأل عن ضيغم، فقيل: هو نائم، فقال: أنومٌ في هذه الساعة؟ ثم ولَّى. قال مالك بن ضيغم. فأتبعناه رسولًا وقلنا: ألا نوقظه لك؟ فغاب الرسول حتى غربت الشمس، ثم رجع، فقلنا له: أبطأت! فقال: هو كان أشغل من أن يفهم عني شيئًا، أدركتُه وهو يدخل المقابر، وهو يعاتبُ نفسه ويقول: قلت: نومٌ هذه الساعة؟ ينامُ الرجل متى شاء، وما عليك من هذا، تسألين عما لا يعنيكِ، لله عليَّ أن

стр. 5630

لا أوسِّدَك الأرضَ سنة إلَّا من عذر، وجعل يوبِّخُها ولا يعلمُ بمكاني، فانصرفتُ وتركتُه. وكان رياح إذا صلى على البواري يُسمَع لدموعه عليها وقعٌ كوقعِ المطر: طَقْ طَقْ. وربما وُجد في بعض سكك المدينة مغشيًا عليه من الخوف. وكان له مِسْحٌ من شَعر، وغُلُّ من حديد، فكان إذا جنَّهُ الليلُ لبس المسح وجعل الغُلَّ في عنقه، وبكى وتضرَّع إلى الصبح. وقال الحارث بن سعيد: أخذ بيدي رياح وخرج بي إلى المقابر وقال: تعال حتى نبكي على ممرِّ الساعات ونحن على هذه الحال، ثم صرخَ ووقعَ مغشيًّا عليه، ثم أفاقَ وهو يقول: وانفسَاه وانفسَاه، ثمَّ قال: لنفسك فابك، ثم قام من غشيته وهو يقول: "تلك إذًا كرة خاسرة" فلم يلبث إلَّا أيَّامًا حتى مات، وكانت وفاته في هذه السنة. أسند عن حسان بن أبي سنان وطبقته، وشغله التعبُّد والخوفُ والبكاءُ عن الرواية (١). ضيغم بن مالك العابد كان من الخائفين البكائين المحزونين، وهو من الطبقة الخامسة من أهل البصرة، كان وردهُ في كلِّ يوم أربع مئة ركعة، وكان يركعُ حتى لا يقدر أن يسجد، ثمَّ يرفعُ رأسه إلى السماء ويقول: قرَّةَ عيني، كيف عزفت قلوبُ الخليقة عنك؟! وقال أبو أيوب مولى ضيغم: سمعته يقول: إلهي، لو أعلمُ أن رضاكَ في قرضِ لحمي لقرضته بالمقاريض. وقال مالك بن ضيغم: قالت أم ضيغم له يومًا: ضيغم، قال لها: لبيك يا أماه، قالت: كيف فرحك بالقدوم على الله؟ فصاح صيحة لم يُسمع صاح مثلَها قطّ، وسقط مغشيًّا عليه، فجلست العجوز تبكي عند رأسه وتقول: بأبي أنت وأمي، ما نستطيعُ أن نذكرَ بين يديك شيئًا من أمر ربك.

стр. 5631

وقالت له: ضيغم، قال: لبيك، قالت: أتحبُّ الموت؟ قال: نعم، قالت: ولم؟ قال: رجاء خير ما عند الله، فبكت العجوز وبكى، وتسامع أهلُ الدار، فجلسوا يبكون لبكائهم. وقالت له يومًا آخر: ضيغم قال: لبيك يا أمَّاه، قالت: أتحبُّ الموت؟ قال: لا، قالت: ولم؟ قال لكثرةِ تفريطي وغفلتي عن نفسي، فبكت العجوز وبكى ضيغم، وبكى أهلُ الدار. وقال رجلٌ لأمِّ ضيغم: ما أطولَ حزن ضيغم! فبكت وقالت. لمثل ما نُدِبَ إليه فليحزن، ذهب الحسن وأصحابه بالحزن، وهل رأيتَ محزونًا قط؟ وكان لا يشربُ الماءَ البارد، فقيل له في ذلك، فقال: حَانتْ منِّي نظرةٌ إلى امرأة، فجعلتُ على نفسي ألا أذوقَ الماء البارد أيَّام الدنيا، أنغِّصُ عليها الحياة، وكان ينشد: [من الكامل] قد يَخزُنُ الورع التقيُّ لسانَه … حذوَ الكلامِ وإنَّه لمفوَّهُ وكانت وفاته في هذه السنة رحمة الله تعالى عليه (١). عمرو بن قيس المُلَائي من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، كان من الأبدال، وكان يقول: حديثٌ أرقِّقُ به قلبي وأبلغُ به إلى ربِّي أحبُّ إليَّ من خمسين قضيةً من قضايا شريح. وكان سفيان الثوري يقعُد بين يديه ينظرُ إليه، لا يكاد يَصرِفُ بصره عنه. وكان يصوم الدهر ولا يعلم به أحد. ولَمَّا احتُضر بكى، فقال له أصحابه: علامَ تبكي؟ فلقد كنتَ والله منغَّصَ العيشِ أيَّام حياتك، فقال: والله ما أبكي على الدنيا، وإنَّما أبكي خوفًا أن أحرم خير الآخرة (٢). وقال سفيان الثوري: عمرو بن قيس هو الذي أدبني، علَّمني قراءةَ القرآن

стр. 5632

والفرائض، فكنت أطلبُه في سوقه، فإن لم أجدهُ وجدتُه في بيته، إمَّا يصلِّي، وإمَّا يقرأُ القرآن، فإن لم أجدهُ في بيته وجدتُه في المسجد في زاوية كأنَّه سارقٌ يبكي، فإن لم أجده في المسجد وجدتُه في المقابر قاعدًا ينوح ويبكي على نفسه، فلمَّا مات عمرو أغلق أهل الكوفة حوانيتهم وخرجوا بجنازته إلى الجبَّان، وكان قد أوصى أن يصلِّي عليه أبو حيان التيميّ، فتقدَّم أبو حيَّان وكبَّر أربعًا، وسمعوا صائحًا يصيح: قد جاء المحسِن عمرو بن قيس، وإذا البرِّيَّةُ مملوءةٌ من طير أبيض لم يُر على خِلقتها وحسنها، وجعل الناس يتعجَّبون منها، فقال أبو حيان: من أيِّ شيءٍ تتعجبون؟ هذه ملائكةٌ جاءت فشهدت عَمرًا. وقال الخطيب: لما مات عَمرو رأوا البرِّيَّةَ مملوءةً رجالًا عليهم ثيابٌ بيض، فلمَّا صُلِّيَ عليه ودفن لم يُرَ في الصحراء أحد، وبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لابن شبرمة وابن أبي ليلى: ما مَنعكُما أن تذكُرا لي هذا الرجل؟ فقالا: قد كان يسألنا أن لا نذكُره لك (١). وتوفي بالكوفة، وقيل: بالشام، وقيل: ببغداد، وقيل: بسجستان. سمع عكرمة، وأبا إسحاق السبيعي، وعطاء، ومحمد بن المنكدر، وروى عنه سفيان الثوري وغيرُه، وكان صدوقًا ثقة سيدًا خائفًا ورعًا (٢). * * *

стр. 5633

السنة السابعة والأربعون بعد المئة فيها خلع أبو جعفر ابن أخيه عيسى بن موسى من العهد، وولَّاه المهدي، وجعل عيسى بعدَه، وكان أبو العباس قد عهدَ إلى أبي جعفر، وبعده إلى عيسى بن موسى -وأقرَّه أبو جعفر على ذلك- وولَّاه الكوفة وأعمالها، وقدَّمه على الجيوش، وقتل عيسى محمدًا وإبراهيمَ ابني عبد الله بن حسن. وكان أبو جعفر لعيسى مكرمًا، وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه، وأجلس محمدًا المهدي عن يساره، فلمَّا رأى أبو جعفر من ولده أمارات الصلاح، وأنَّه يصلحُ للأمر، وعزمَ على خلع عيسى وتوليته بعد محمد المهدي، وكان يستحي من عيسى، فأشار إليه أبو جعفر يومًا بألطف إشارةٍ، فصرخ عيسى -وكان قد فهم ذلك- فقال: [فـ] أين العهودُ والمواثيق والطَّلاق والعِتَاق والحجُّ ماشيًا وصدقةُ الأموال؟ فلم يجبه، فأعرضَ عنه أبو جعفر، وقال لابنه محمد: اجلس عن يميني في مجلس عيسى، وكان يجلسُ فيه، وإذا دخلَ عيسى بعد محمد جلسَ دون محمد، ولا يجلس عن يسار أبي جعفر، وأبو جعفر يتغيَّظُ من ذلك، وعيسى صابرٌ لا ينطقُ بحرف، ثم زاد هوانُ أبي جعفر لعيسى، فأمرَ أن يحفر الحائط الذي خلف عيسى كان يقعد عنده، ثمَّ يؤذن له على أبي جعفر، فيقوم فيدخل عليه والترابُ على قلنسوته وطيلسانه لا يغيِّره، فيقول له أبو جعفر [ما هذا؟ فلا يجيبه، فيقصد أبو جعفر] (١) أن يشكو، وهو لا يتكلَّم. وأمر أبو جعفر عيسى بن علي أن يدخل بينه وبين عيسى بن موسى، فيقال: إن عيسى بن علي سقى عيسى بن موسى سُمًّا، فمرضَ وتناثرَ شعرُه، وطلبَ من أبي جعفر أن يمضيَ إلى الكوفة، فقال له: أقم ها هنا، فقال: الكوفة أصلح، وكان ابن بختيشوع قد قال لعيسى: ما يمكنني أن أعالجـ[ــك] بحضرة أبي جعفر؛ لأنه لا آمنه على نفسي، فأذن أبو جعفر لعيسى في المسير إلى الكوفة، فسارَ وأقامَ يتمرَّض حتى برِئ، فقال أبو زياد يحيى بن زياد البُرْجُمي: [من المنسرح]

стр. 5634

أَفْلَتَ من شربةِ الطبيب كما … أفلتَ ظبيُ الصَّريمِ من قبرِهْ (١) من قانصٍ يُنْفِدُ الفريص (٢) إذا … رُكبَ سهمُ الحتوفِ في وترِهْ دافعَ عنك المليك صولته … صولة ليث يزيد في خُمُرِهْ حتى أتانا وفيه داخِلةٌ … تُعرفُ في سمعِه وفي بصرِهْ أزعرَ قد طارَ عن مفارِقِه … وحف أثيث النباتِ من شَعَرِهْ وكان عيسى لما سار من بغداد إلى الكوفة خرج أبو جعفر في إثره، فأقامَ أيَّامًا بالحيرة يُجْرِي الخيلَ في الحلبة، وعاد عيسى مِرارًا، ورجع إلى بغداد. وفي رواية أنَّ عيسى بن علي قال لأبي جعفر: إنما يمتنعُ عيسى بن موسى من البيعة للمهديّ؛ لأنَّه يتربَّصُ هذا الأمرَ لابنه موسى، فموسى هو الذي يمنعُه، فقال أبو جعفر لعيسى بن علي: فكلِّم أنت موسى بن عيسى فكلَّمه، فلم يجبه وامتنع، فتهدده، فخاف أن ينقل عيسى بن علي مجلسَه إلى المنصور فجاء إلى العباس فاستكتمَه ما يريد أن يقوله، فقال له: قل غير خائف، قال: قد علمتَ ما يلاقي هذا الشيخ أبي من الذل وصنوف الهوان، وقد رأيتُ أن أفدي أبي بنفسي، تقول لأمير المؤمنين إذا اجتمعنا تقول له: يا عيسى قد علمتُ سببَ ضنِّك بهذا الأمر عن المهدي؛ لعلوِّ سنِّك ودنوِّ أجلك، وإنما تَضنُّ به لأجلِ ابنك موسى، أفتراني أبقي ابنك بعدك، فيلي على ابني؟ كلا والله، ولآتين على نفس ابنك وأنت تنظر، فإن أجابَ فعسى يجيب من خوفه عليّ، فقال له العباس: يا ابنَ أخي، جزاك الله خيرًا، فلقد فديتَ أباك بنفسك. ثمَّ أتى أبا جعفر فأخبره، فقال: جَزى الله موسى خيرًا، وسوف أفعلُ ما أشارَ به. وجاء عيسى بن موسى فدخلَ على أبي جعفر، وعمومتُه وأهلُه عنده، فقال له: يا عيسى أعلم أنك إنَّما تريدُ هذا الأمر لابنك هذا المشؤوم عليك وعلى نفسه، فقال عيسى بن علي: البول البول، فقال أبو جعفر: ألا ندعو لك إناء فتبول فيه، فقال: في مجلس أمير المؤمنين، ذاك ما لا يكونُ أبدًا، وقام عيسى بن علي إلى أقرب البلاليع،

стр. 5635

فقال عيسى بن موسى لابنه موسى: قم مع عمِّك، فاجمع عليه ثيابه، فقام موسى من ورائه فجمعَ ثيابه وعيسى لا يعلم، ثم علم فقال: من هذا؟ قال: موسى بن عيسى (١)، [فقال]: بأبي أنت، والله إنكما لأحق بهذا الأمر، ولكن المرء مغرًى بما تعجَّل، قال موسى: فقلت في نفسي: قد أمكنني والله من مقاتله، وهو الذي يغري أبا جعفر بي وبأبي، والله لأقتلنَّه بما قال. ورجع موسى إلى أبيه عيسى فأخبره بما قال عيسى بن علي، وقال: إن هذا قد قتلني وإيَّاك، فدعني أخبر أبا جعفر بما قال ليقتله ويشفي صدورنا منه، فقال له أبوه: أفٍّ لك، ائتمنك عمُّك على مقالةٍ أراد أن يَسرَّك بها فجعلتَها سببًا لهلاكه؟ لا يسمعن هذا منك أحد.؟ وأعاد أبو جعفر كلامَه على عيسى بن موسى، فلم يجبه، فقال أبو جعفر: يا ربيع، اخنق موسى بحمائل سيفه، فقام فجعلَ يخنقُه خنقًا رويدًا، وموسى يصيح: الله الله فيَّ يا أمير المؤمنين، فوالله إني لبعيدٌ مما تظنُّ، والمنصورُ يقول: اشدد يا ربيع، والربيع يوهمه أنه يريد تلفه، وهو يرخي خناقه وموسى يصيح: الله الله فيّ. فلمَّا رأى ذلك عيسى بن موسى قال لأبي جعفر: والله ما كنتُ لأظنُّ أنَّ الأمرَ يبلغُ بك هذا كلَّه، فوالله ما أرى أن يقتل عبدٌ من عبيدي بسبب هذا الأمر، فكيف بولدي! وقد علمتَ ما فعلتُ معك، أخذت لك البيعة وأنت غائب، وحفظتُ عليك الخزائن، وقتلت إبراهيم ومحمد ابني عبد الله، وفعلت وفعلت، وأمَّا إذا أبيتَ فإنِّي أشهدُك أنَّ نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وما أملك في سبيل الله، وهذه يديَ بالبيعة لمحمد المهدي، واصرف أموالي ومماليكي فيمن شئت، فقال له أبو جعفر: إنَّك قد قضيت حاجتي كارهًا، ولي حاجته أحبُّ أن تقضيها طائعًا، فتسلِّي بها ما في نفسي من الحاجة الأولى، قال: وما هي؟ قال: تجعلُ الأمرَ من بعد المهدي لنفسك، فقال: ما كنتُ لأدخلَ فيها بعد إذ خرجتُ منها، فلم يدعه ومن حضر حتى قال: فأميرُ المؤمنين أعلم، ثم خرج عيسى من عند أبي جعفر. وكان أبو (٢) جعفر لمَّا عزمَ على البيعة لابنه، وامتنع عيسى وعرف الجند فكان

стр. 5636

عيسى إذا ركب أسمعوه ما يكره فشكاهم إلى أبي جعفر، فتقدَّم إلى الجند بأن لا يؤذوه، وقال: عيسى جلدة ما بين عيني، ومن آذاه قتلته، فكانوا يكفُّون ثم يعودون، ثم إنَّ أبا جعفر كتبَ إليه كتابًا طويلًا يذكرُ فيه ما كانوا فيه على أيام بني أمية، وأنَّ الله أنقذهم ونصرَهم عليهم، ثم قال في آخره: وإنَّه لما نشأ هذا الغلام -يعني المهدي- قذفَ الله في قلوب شيعتنا وأنصارنا محبَّتَه، وأشربَها مودَّته، فصاروا لا يذكرون إلَّا فضلَه، وهم لا ينوهون إلَّا باسمه، فلمَّا رأى أميرُ المؤمنين ما قذفَ الله في قلوبهم من ذلك علمَ أنَّ الله تعالى تولَّى ذلك، وأنَّه ليس لأحدٍ فيه من العباد صنعٌ، فلم يجد بدًّا من متابعتهم (١) واستصلاح قلوبهم، فأحبَّ أن يعلمَك ذلك؛ ليكون ابتداؤه من قِبَلك؛ لتعلم شيعتنا وأنصارُنا من أهل خراسان أنَّك أسرعتَ إلى ما أحبُّوا، والسلام. فكتب إليه عيسى كتابًا طويلًا، منه: أما بعد، فإنَّني وصلني كتابُك، تذكرُ فيه ما أجمعتَ عليه من خلاف الحقّ، وركوب الإثم في قطيعة الرَّحِم، ونقضِ ما أخذَ الله عليه الميثاق من العامَّةِ بالوفاء للخلافة، والعهدِ من بعدك؛ لتقطعَ ما أمر الله به أن يوصل من حبله، وتفرِّقَ ما ألَّفَه من جمعه، وتجمع [بين] (٢) ما فرق الله من أمره؛ مكابرةً لله في سمائه، ودخولًا (٣) عليه في قضائه، ومتابعةً للشيطان في هواه، ومن كابرَ الله صرعه، ومن نازعه قمعَه، ومن خادعه خدعه، ومن توكَّل عليه منعَه، ومن تواضعَ له رفعه، إنَّ الذي أُسِّس عليه البناءُ، وحض عليه (٤) الحذاءُ من الخليفة الماضي: عهدٌ ليس لأحدٍ من المسلمين رُخصة ديه، فلا يدعونَّك إلى الأمن من البلاء الاغترارُ بالبقاء، والترخيصُ في ترك الوفاء، فإنَّ من أجابَك إلى ترك ما وجب لي، واستحلَّ ذلك منِّي، لم يخرج إن أفتيته بالرخصة وأمكنته الرخصة (٥) أن يكون إلى ذلك منك أسرع، ويكون بالذي أسَّست من ذلك أبْخَع، فاقبل العافية، وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيت بقوة، وكن من الشاكرين، ومن راقبَ الله حفظَه، ومن أضمر خلافَه

стр. 5637

خذلَه، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ولسنا مع ذلك نأمن حوادث الدهر وبغتات الموت قبلَ ما شرعت فيه من قطيعتي، فإنْ عجَّلَ بي أمرٌ كنتَ قد كُفيت مؤنةَ ما اغتممت به، وسترت منك قبيحَ ما أردتَ إظهاره، وإن بقيتُ بعدك لم تكن أوغرتَ صدري وقطعت رحمي، وغير خافٍ عنك أنَّ الشيطان عدوٌّ مضلٌّ مبين، ينزغ بين أهل الحق؛ ليفرِّق جمعهم، ويشتت كلمتَهم، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، ويتبرَّأ منهم عند حقائق الأمور، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]، ثمَّ وصفَ الذين اتقوا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، والسلام. فلمَّا قرأ أبو جعفر كتابَه اشتدَّ غضبُه، وكتب إليه: اسْلُ عنها تنَل منها عوضًا (١) [في الدنيا] (٢)، وتأمن من تبعاتها في الأخرى. وعاد الجندُ إلى أذاه، فلم يمنعهم أبو جعفر، فكان إذا ركبَ مشوا حوله، ونالوا منه، وقالوا: أنت البقرةُ التي قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وكانوا يجلسونَ على بابه يمنعون من يدخل إليه، فشكاهم إلى أبي جعفر، فقال: إنِّي أخافُ عليك وعلى نفسي، فإنَّ الجندَ قد أُشربوا حبَّ هذا الفتى، فلو قدَّمتَه بين يديك فكان بيني وبينك لكَفّوا، فأجابَ إلى خلع نفسه. وفي روايةٍ أنَّ عيسى لما امتنعَ من الإجابة، قال أبو جعفر لخالد بن برمك: قد أعيتنَا وجوهُ الحيل، وضلَّ عنا الرأي في عيسى، فهل عندك حيلة؟ قال: نعم، ضمَّ إليَّ رجالًا من أعيان الشيعة، وأذهب إليه أكلمه، فضمَّ إليه ثلاثين رجلًا ومضى إليه، فدخل عليه فكلَّمه، وساعدَه القوم، وما أبقوا في الكلام بقية، وهو يقول: ما كنتُ أخلع نفسي، وقد جعلَ الله لي الأمرَ من بعده، فلمَّا خرجوا من عنده قال لهم خالد: ما عندكم؟ قالوا: تعيدُ على أمير المؤمنين ما قال، فقال: لا، بل نخبره أنَّه قد أجاب، ونشهد عليه أنه قد أنكر (٣)، فقالوا: هذا هو الصواب، فدخلُوا على أبي جعفر، فقالوا: قد

стр. 5638

أجاب، فكتب إلى الآفاقِ بالبيعة للمهدي، وبلغَ عيسى فأنكر، فشهدُوا عليه، ولم ينفع إنكارُه، وشكر أبو جعفر ذلك لخالد، وكان المهديُّ يصفُه بجزالة الرأي. وفي رواية أنَّ أبا نُخَيلة عمل شعرًا منه: [من الرجز] إلى أمير المؤمنين فاغتدي … سِيري إلى بحرِ البحور المزبدِ إنَّ الذي ولَّاك ربُّ المسجدِ … أمسَى وليُّ عَهدِها بالأسعدِ عيسى فزحْلفها (١) إلى محمدِ … حتى تؤدَّى من يدٍ إلى يدِ فقد رضينا بالغلامِ الأمردِ (٢) من أبيات. وشاعت ووقعت في أفواه العالم والخدم، وبلغت أبا جعفر، فاستدعاه ومجلسُه غاصٌّ بالناس، وعيسى بن موسى حاضر والقواد، فقال: أنشدني أرجوزتَك، فأنشده، فأعجبته، وكتب له إلى الرَّيِّ بعشرة آلاف درهم، فأخذَ الخطَّ وخرج، فقال له عقال بن شبة: أمَّا أنتَ فقد سررت أمير المؤمنين، فإن صح الأمرُ نلتَ خيرًا منه، وإلَّا فابتغ نفقًا في الأرض أو سلَّمًا في السماء من عيسى بن موسى، فبعثَ عيسى في طلبه من ذبحَه وسلخَ وجهه، فلم يعرف. وقال الهيثم: بلغَ أبا جعفر أرجوزةُ أبي نخيلة فاستدعاه، فأنشدَه إيَّاها بمحضر من عيسى بن موسى والأشراف والقوَّاد، فقال: قل للأميرِ الواحدِ الموحَّدِ … ليس وليُّ عهدِنا بالأرشدِ عيسى فَزَحْلِفْها إلى محمدِ … وناد بالبيعة جمعًا واحشدِ فلمَّا انقضى المجلس دعاهُ أبو جعفر، وكتبَ له بالجائزة إلى الرَّيّ، وقال له: احذر عيسى بن موسى، فخرجَ إلى الرَّي وبعثَ عيسى وراءَه مولاه قطري ومعه جماعةٌ، فاغتالوه، فذبحوه وسلخوا وجهَه، ورموا جسدَه للنسورِ فأكلته. وقيل: إنهم قتلوه بعد أخذ الجائزة. وفي روايةٍ أنَّ سلمَ بن قتيبة قال لعيسى لمَّا امتنع: أيُّها الرجل، بايع، فإنَّه لم

стр. 5639

يخرجك من الأمر، قد جعل لك الأمر بعد ابنه، فأجابَه وأتى سلم أبا جعفر فأخبره بذلك، فسُرَّ وحظي [سلم] (١) عنده، وبايع عيسى، ووفَى له المهديُّ بما ضمن، وكان قد ضمن له عشرة آلاف ألف درهم، وثلاث مئة ألف درهم بين أولاده، وسبع مئة ألف لواحدة من نسائه، فوفى له أبو جعفر بجميع ذلك، وكساه كسوة قيمتُها ألف ألف درهم ومئتي ألف درهم (٢). وكانت ولاية عيسى بن موسى على الكوفة وسوادها ثلاث عشرة سنة. ولمَّا بويع المهدي قيل لشبيب بن شيبة (٣) التميمي: كيف رأيت؟ فقال: رأيت الداخل راجيًا والخارج راضيًا. ولقي عيسى بن موسى لشريك بن عبد الله القاضي، وكان قد عُزِل عن القضاء، فقال له: يا أبا عبد الله، أما رأيت قاضيًا عُزِل؟ فقال: بلى، ورأيتُ وليَّ عهد خُلع. ولما عهد أبو جعفر إلى المهدي أوصاه فكان مما قال له: استدم النعم بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتأليف، والنصر بالتواضع، ولا تُبرِم أمرًا حتى تفكِّر فيه، فإنَّ فكر العاقل مرآته تريه حسناته وسيئاته، واعلم أن لا تعمر البلاد إلَّا بالعدل، ولا تدومُ نعمةُ السُّلطان إلا بالمال، وأقدر الناس على العفو أقدرُهم على العقوبة، وأعجزُ الناس مَنْ ظَلَمَ من هو دونه (٤). وفيها غارت الترك مع استرخان الخوارزمي على تفليس، وكان بها حرب بن عبد الله الراوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، فخرجَ إليهم، فقاتلهم فقتلوه، وقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين وسبوا. وفيها انتثرت الكواكب من أوَّل الليل إلى الصباح، فخاف الناس (٥). وفيها حجَّ أبو جعفر، وعزم على قبض جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فنجَّاه الله منه.

стр. 5640

قال الربيع: لَمَّا قدم المنصور في هذه الحجَّة المدينة قال: ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني به متعبًا (١)، قتلني الله إن لم أقتله، فبعثت إليه فجاء، فقلت: يا أبا عبد الله، اذكر الله، فقد أَرسَلَ إليك لأمرٍ عظيم، فاسترجع جعفر، فلمَّا دخل عليه قال له: أي عدوَّ الله! أنت الذي اتَّخذك أهلُ العراق إمامًا يجبون إليك زكاة أموالهم، وتلحدُ في سلطاني، وتبغيه الغوائل؟ قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أُعطيَ فشكر، وأيوبَ ابتُليَ فصبر، وإن يوسفَ ظُلِم فغفر، وأنت من ذلك النسخ (٢). فقال له أبو جعفر: إليَّ، و [أنت] عندي أبا عبد الله البريءُ الساحة، السليمُ الناحية، القليلُ الغائلة، جزاك الله من ذي رحمٍ أفضلَ ما جازى ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثمَّ تناول يده فأجلسَه معه على فرشه، ثم دعا بغاليةٍ فغلَّفه بيده، ثمَّ قال: في حفظ الله وكلاءته. يا ربيع، الحق أبا عبد الله بجائزته وكسوته، فانصرفَ وتبعته وقلت له: قد رأيتُ العجبَ قبل دخولك وبعده، فأخبرني ما قلت. فقال: إنِّي دعوت بدعاء، قلت: اللهمَّ احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك عليّ، لا أهلكُ وأنت رجائي، اللهم إنَّك أكبرُ وأجلُّ مما أخاف وأحذر، اللهمَّ بك أدفع في نحره، وأستعيذُ بك من شرِّه. وكان العامل في هذه السنة على مكة والطَّائف عبد الصمد عمُّ المنصور، وعلى المدينة جعفر بن سليمان، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة عقبة بن سلم، وعلى قضائها سوَّار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم، وعلى خراسان نوَّابُ المهدي.
следующие страницы →