← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

عيسى إذا ركب أسمعوه ما يكره فشكاهم إلى أبي جعفر، فتقدَّم إلى الجند بأن لا يؤذوه، وقال: عيسى جلدة ما بين عيني، ومن آذاه قتلته، فكانوا يكفُّون ثم يعودون، ثم إنَّ أبا جعفر كتبَ إليه كتابًا طويلًا يذكرُ فيه ما كانوا فيه على أيام بني أمية، وأنَّ الله أنقذهم ونصرَهم عليهم، ثم قال في آخره: وإنَّه لما نشأ هذا الغلام -يعني المهدي- قذفَ الله في قلوب شيعتنا وأنصارنا محبَّتَه، وأشربَها مودَّته، فصاروا لا يذكرون إلَّا فضلَه، وهم لا ينوهون إلَّا باسمه، فلمَّا رأى أميرُ المؤمنين ما قذفَ الله في قلوبهم من ذلك علمَ أنَّ الله تعالى تولَّى ذلك، وأنَّه ليس لأحدٍ فيه من العباد صنعٌ، فلم يجد بدًّا من متابعتهم (١) واستصلاح قلوبهم، فأحبَّ أن يعلمَك ذلك؛ ليكون ابتداؤه من قِبَلك؛ لتعلم شيعتنا وأنصارُنا من أهل خراسان أنَّك أسرعتَ إلى ما أحبُّوا، والسلام. فكتب إليه عيسى كتابًا طويلًا، منه: أما بعد، فإنَّني وصلني كتابُك، تذكرُ فيه ما أجمعتَ عليه من خلاف الحقّ، وركوب الإثم في قطيعة الرَّحِم، ونقضِ ما أخذَ الله عليه الميثاق من العامَّةِ بالوفاء للخلافة، والعهدِ من بعدك؛ لتقطعَ ما أمر الله به أن يوصل من حبله، وتفرِّقَ ما ألَّفَه من جمعه، وتجمع [بين] (٢) ما فرق الله من أمره؛ مكابرةً لله في سمائه، ودخولًا (٣) عليه في قضائه، ومتابعةً للشيطان في هواه، ومن كابرَ الله صرعه، ومن نازعه قمعَه، ومن خادعه خدعه، ومن توكَّل عليه منعَه، ومن تواضعَ له رفعه، إنَّ الذي أُسِّس عليه البناءُ، وحض عليه (٤) الحذاءُ من الخليفة الماضي: عهدٌ ليس لأحدٍ من المسلمين رُخصة ديه، فلا يدعونَّك إلى الأمن من البلاء الاغترارُ بالبقاء، والترخيصُ في ترك الوفاء، فإنَّ من أجابَك إلى ترك ما وجب لي، واستحلَّ ذلك منِّي، لم يخرج إن أفتيته بالرخصة وأمكنته الرخصة (٥) أن يكون إلى ذلك منك أسرع، ويكون بالذي أسَّست من ذلك أبْخَع، فاقبل العافية، وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيت بقوة، وكن من الشاكرين، ومن راقبَ الله حفظَه، ومن أضمر خلافَه

стр. 5637

خذلَه، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ولسنا مع ذلك نأمن حوادث الدهر وبغتات الموت قبلَ ما شرعت فيه من قطيعتي، فإنْ عجَّلَ بي أمرٌ كنتَ قد كُفيت مؤنةَ ما اغتممت به، وسترت منك قبيحَ ما أردتَ إظهاره، وإن بقيتُ بعدك لم تكن أوغرتَ صدري وقطعت رحمي، وغير خافٍ عنك أنَّ الشيطان عدوٌّ مضلٌّ مبين، ينزغ بين أهل الحق؛ ليفرِّق جمعهم، ويشتت كلمتَهم، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، ويتبرَّأ منهم عند حقائق الأمور، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]، ثمَّ وصفَ الذين اتقوا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، والسلام. فلمَّا قرأ أبو جعفر كتابَه اشتدَّ غضبُه، وكتب إليه: اسْلُ عنها تنَل منها عوضًا (١) [في الدنيا] (٢)، وتأمن من تبعاتها في الأخرى. وعاد الجندُ إلى أذاه، فلم يمنعهم أبو جعفر، فكان إذا ركبَ مشوا حوله، ونالوا منه، وقالوا: أنت البقرةُ التي قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وكانوا يجلسونَ على بابه يمنعون من يدخل إليه، فشكاهم إلى أبي جعفر، فقال: إنِّي أخافُ عليك وعلى نفسي، فإنَّ الجندَ قد أُشربوا حبَّ هذا الفتى، فلو قدَّمتَه بين يديك فكان بيني وبينك لكَفّوا، فأجابَ إلى خلع نفسه. وفي روايةٍ أنَّ عيسى لما امتنعَ من الإجابة، قال أبو جعفر لخالد بن برمك: قد أعيتنَا وجوهُ الحيل، وضلَّ عنا الرأي في عيسى، فهل عندك حيلة؟ قال: نعم، ضمَّ إليَّ رجالًا من أعيان الشيعة، وأذهب إليه أكلمه، فضمَّ إليه ثلاثين رجلًا ومضى إليه، فدخل عليه فكلَّمه، وساعدَه القوم، وما أبقوا في الكلام بقية، وهو يقول: ما كنتُ أخلع نفسي، وقد جعلَ الله لي الأمرَ من بعده، فلمَّا خرجوا من عنده قال لهم خالد: ما عندكم؟ قالوا: تعيدُ على أمير المؤمنين ما قال، فقال: لا، بل نخبره أنَّه قد أجاب، ونشهد عليه أنه قد أنكر (٣)، فقالوا: هذا هو الصواب، فدخلُوا على أبي جعفر، فقالوا: قد

стр. 5638

أجاب، فكتب إلى الآفاقِ بالبيعة للمهدي، وبلغَ عيسى فأنكر، فشهدُوا عليه، ولم ينفع إنكارُه، وشكر أبو جعفر ذلك لخالد، وكان المهديُّ يصفُه بجزالة الرأي. وفي رواية أنَّ أبا نُخَيلة عمل شعرًا منه: [من الرجز] إلى أمير المؤمنين فاغتدي … سِيري إلى بحرِ البحور المزبدِ إنَّ الذي ولَّاك ربُّ المسجدِ … أمسَى وليُّ عَهدِها بالأسعدِ عيسى فزحْلفها (١) إلى محمدِ … حتى تؤدَّى من يدٍ إلى يدِ فقد رضينا بالغلامِ الأمردِ (٢) من أبيات. وشاعت ووقعت في أفواه العالم والخدم، وبلغت أبا جعفر، فاستدعاه ومجلسُه غاصٌّ بالناس، وعيسى بن موسى حاضر والقواد، فقال: أنشدني أرجوزتَك، فأنشده، فأعجبته، وكتب له إلى الرَّيِّ بعشرة آلاف درهم، فأخذَ الخطَّ وخرج، فقال له عقال بن شبة: أمَّا أنتَ فقد سررت أمير المؤمنين، فإن صح الأمرُ نلتَ خيرًا منه، وإلَّا فابتغ نفقًا في الأرض أو سلَّمًا في السماء من عيسى بن موسى، فبعثَ عيسى في طلبه من ذبحَه وسلخَ وجهه، فلم يعرف. وقال الهيثم: بلغَ أبا جعفر أرجوزةُ أبي نخيلة فاستدعاه، فأنشدَه إيَّاها بمحضر من عيسى بن موسى والأشراف والقوَّاد، فقال: قل للأميرِ الواحدِ الموحَّدِ … ليس وليُّ عهدِنا بالأرشدِ عيسى فَزَحْلِفْها إلى محمدِ … وناد بالبيعة جمعًا واحشدِ فلمَّا انقضى المجلس دعاهُ أبو جعفر، وكتبَ له بالجائزة إلى الرَّيّ، وقال له: احذر عيسى بن موسى، فخرجَ إلى الرَّي وبعثَ عيسى وراءَه مولاه قطري ومعه جماعةٌ، فاغتالوه، فذبحوه وسلخوا وجهَه، ورموا جسدَه للنسورِ فأكلته. وقيل: إنهم قتلوه بعد أخذ الجائزة. وفي روايةٍ أنَّ سلمَ بن قتيبة قال لعيسى لمَّا امتنع: أيُّها الرجل، بايع، فإنَّه لم

стр. 5639

يخرجك من الأمر، قد جعل لك الأمر بعد ابنه، فأجابَه وأتى سلم أبا جعفر فأخبره بذلك، فسُرَّ وحظي [سلم] (١) عنده، وبايع عيسى، ووفَى له المهديُّ بما ضمن، وكان قد ضمن له عشرة آلاف ألف درهم، وثلاث مئة ألف درهم بين أولاده، وسبع مئة ألف لواحدة من نسائه، فوفى له أبو جعفر بجميع ذلك، وكساه كسوة قيمتُها ألف ألف درهم ومئتي ألف درهم (٢). وكانت ولاية عيسى بن موسى على الكوفة وسوادها ثلاث عشرة سنة. ولمَّا بويع المهدي قيل لشبيب بن شيبة (٣) التميمي: كيف رأيت؟ فقال: رأيت الداخل راجيًا والخارج راضيًا. ولقي عيسى بن موسى لشريك بن عبد الله القاضي، وكان قد عُزِل عن القضاء، فقال له: يا أبا عبد الله، أما رأيت قاضيًا عُزِل؟ فقال: بلى، ورأيتُ وليَّ عهد خُلع. ولما عهد أبو جعفر إلى المهدي أوصاه فكان مما قال له: استدم النعم بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتأليف، والنصر بالتواضع، ولا تُبرِم أمرًا حتى تفكِّر فيه، فإنَّ فكر العاقل مرآته تريه حسناته وسيئاته، واعلم أن لا تعمر البلاد إلَّا بالعدل، ولا تدومُ نعمةُ السُّلطان إلا بالمال، وأقدر الناس على العفو أقدرُهم على العقوبة، وأعجزُ الناس مَنْ ظَلَمَ من هو دونه (٤). وفيها غارت الترك مع استرخان الخوارزمي على تفليس، وكان بها حرب بن عبد الله الراوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، فخرجَ إليهم، فقاتلهم فقتلوه، وقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين وسبوا. وفيها انتثرت الكواكب من أوَّل الليل إلى الصباح، فخاف الناس (٥). وفيها حجَّ أبو جعفر، وعزم على قبض جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فنجَّاه الله منه.

стр. 5640

قال الربيع: لَمَّا قدم المنصور في هذه الحجَّة المدينة قال: ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني به متعبًا (١)، قتلني الله إن لم أقتله، فبعثت إليه فجاء، فقلت: يا أبا عبد الله، اذكر الله، فقد أَرسَلَ إليك لأمرٍ عظيم، فاسترجع جعفر، فلمَّا دخل عليه قال له: أي عدوَّ الله! أنت الذي اتَّخذك أهلُ العراق إمامًا يجبون إليك زكاة أموالهم، وتلحدُ في سلطاني، وتبغيه الغوائل؟ قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أُعطيَ فشكر، وأيوبَ ابتُليَ فصبر، وإن يوسفَ ظُلِم فغفر، وأنت من ذلك النسخ (٢). فقال له أبو جعفر: إليَّ، و [أنت] عندي أبا عبد الله البريءُ الساحة، السليمُ الناحية، القليلُ الغائلة، جزاك الله من ذي رحمٍ أفضلَ ما جازى ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثمَّ تناول يده فأجلسَه معه على فرشه، ثم دعا بغاليةٍ فغلَّفه بيده، ثمَّ قال: في حفظ الله وكلاءته. يا ربيع، الحق أبا عبد الله بجائزته وكسوته، فانصرفَ وتبعته وقلت له: قد رأيتُ العجبَ قبل دخولك وبعده، فأخبرني ما قلت. فقال: إنِّي دعوت بدعاء، قلت: اللهمَّ احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك عليّ، لا أهلكُ وأنت رجائي، اللهم إنَّك أكبرُ وأجلُّ مما أخاف وأحذر، اللهمَّ بك أدفع في نحره، وأستعيذُ بك من شرِّه. وكان العامل في هذه السنة على مكة والطَّائف عبد الصمد عمُّ المنصور، وعلى المدينة جعفر بن سليمان، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة عقبة بن سلم، وعلى قضائها سوَّار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم، وعلى خراسان نوَّابُ المهدي.

стр. 5641

عبد الله بن علي ابن عبد الله بن العباس عم المنصور، وأمه بربريَّةٌ يقال لها: هنَّادة، ولد سنة ثلاث ومئة، وقيل: سنة اثنتين ومئة في آخر ذي الحجة، وهو الذي هَزم مروان بالزاب، وتبعه إلى دمشق، وفتحَ دمشق، وهدمَ سورها، وجعلَ جامعها سبعين يومًا لدوابه وجماله وخيله، وقتلَ من أعيان بني أمية ثمانين رجلًا بنهر أبي فُطْرس من أرض الرملة، وطلبَ الخلافةَ، وهزمه أبو مسلم إلى البصرة، وشفعَ فيه أخوتُه إلى أبي جعفر، وأخذُوا ماله أمانًا منه، واستوثقوا بالأيمان والطلاق والعتاق والمشي حافيًا إلى مكة، فلما وقفَ أبو جعفر عليه قال: كل هذا يلزمني إذا وقعتْ عيني عليه، فلمَّا جاؤوا به إليه حبسَهُ، ولم تقع عينُه عليه، ولمَّا حُبس قال: [من الوافر] أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا (١) وبلغَ أبا جعفر فقال: نحن ما أضعناه، هو أضاعَ نفسَه، وأرادَ ضياع نفوسنا، فكانت نفوسُنا أعزَّ عندنا من نفسه. وقال ابن عساكر: دخلَ عبد الله بن علي يومَ فتح دمشق من باب كيسان، وعليه قميصٌ أسود وعمامة سوداء، وهو متقلِّدٌ سيفًا أسود، فرأته امرأة، فقالت: ما أقبحَ وجهَك وأشد لونَ سوادِك (٢). ودخلَ دمشق، وقتل منها من أعيان بني أمية أربع مئة رجل (٣). وكان عبدُ الله قد خرجَ مع عبد الله بن معاوية [بن عبد الله] (٤) بن جعفر، فأسره ابن ضبارة، وبعث به إلى مروان بن محمد، فقال: ما الذي أخرجك مع ابن معاوية؟ قال: إنما أتيتُه طالبًا لرفده، فأحسنَ إليه وخلَّى سبيله، فلما كان يوم الزاب قال مروان: ما صفةُ الذي يحاربني؟ قالوا: ذاك المصفار (٥) اللون، الدقيقُ الذراعين، الذي عفوتَ عنه، فقال مروان: رب معروف يجني (٦) لصاحبه شرًّا، فذهب مثلًا.

стр. 5642

ومن شعر عبد الله: [من مجزوء الكامل] الظلمُ يصرع أهلَهُ … والظلم مرتعُه وخيمُ ولقد يكون لك البعيـ … ـــدُ أخًا ويقطعُك الحميمُ وقال أيضًا: [من البسيط] بني أمية قد أفنيتُ آخرَكم … فكيف لي منكم بالأوَّلِ الماضي يطيِّب النفسَ أنَّ النار تجمعُكم … عُوِّضتم من لظاها شرُّ مُعتاضِ منيتُمُ لا أقال الله عثرتكم … بليثِ غابٍ إلى الأعداءِ نهَّاضِ إن [كان] غيظي لفوتٍ منكم فلقد … رضيتُ منكم بما ربِّي به راضي (١) ذكر وفاته: حجَّ أبو جعفر في سنة سبع وأربعين ومئة بعد أن عقدَ البيعة لابنه محمد وبعده لعيسى بن موسى، فلما عزم على الحجّ دعا عيسى بن موسى سرًّا وقال له: إنَّ عبد الله بن عليّ أرادَ أن يُزيل النعمةَ عنِّي وعنك، وأنتَ وليُّ عهدي بعد ابني، والأمرُ صائر إليك، فخذ عبدَ الله بن عليّ فاضرب عنقَه، وإيَّاك أن تَخُورَ أو تضعف، فينتقضَ على ما دبرتُ لك. ثمَّ مضى أبو جعفر إلى الحج، وكتبَ إليه من الطريق يقول: يا عيسى، ما فعلتَ في الأمر الذي أُوعِزُ إليك فيه؟ فكتبَ إليه قد أنفذتُ ما أمرتَ به، فلم يشك أبو جعفر أنَّه قتلَه، وكان عيسى قد سترَ عبد الله بن عليّ، واستشار كاتبه يونس بن فروة (٢) وابن شبرمة وابن أبي ليلى، فقال: إنَّ هذا الرجل قد دفعَ إليَّ عمَّه سرًّا، وأمرني بقتلِه، فماذا ترون؟ قال يونس: إنه أراد أن يقتلَه ثم يقتلك بعده، قال فما ترى؟ قال: استره في منزلك بحيث لا يراه أحد، فإن طلبه منك، فادفعه علانيةً، ولا تدفعه سرًّا، وأمَّا ابن أبي ليلى فقال: امض لما أمرك به، وأمَّا ابنُ شبرمة فإنَّه قال: لا تقتله فيقتلَك ويستريحَ منكما جميعًا. فلمَّا قدم أبو جعفر من الحج دسَّ إلى عمومته من يحرِّكُهم على مسألته في عبد الله، فجاؤوا إليه واستعطفوه وسألوه الرحم، فأجابَهم ودعا بعيسى، فقال: يا عيسى، إنِّي

стр. 5643

كنتُ لمَّا خرجتُ إلى الحج دفعتُ إليك عبد الله يكون في منزلك، وقد كلَّمني فيه عمومتي، وقد أجبتُهم إلى سؤالهم فيه، فسلِّمه إليهم، فقال: ألم تأمرني بقتله؟! وقد امتثلتُ أمرك، فقال: ما أمرتُك إلَّا بحبسِه، قال: هذا كتابُك من الحج، فقال: كذبت، فقال: والله ما كذبت، وما الكذبُ من شيمتي، ولقد قلتَ لي كذا وكذا في ليلة كذا وكذا، فقال أبو جعفر لعمومته: إنَّ هذا قد أقرَّ بقتل أخيكم، وادَّعى أنَّني أمرتُه، وما أمرته، فخذوه واقتلوه، فقاموا إليه وخرجوا به إلى ظاهر القصر ليقتلوه، فلمَّا رأىَ أنَّه مقتولٌ، قال: ردُّوني إلى أبي جعفر، فردُّوه فقال: إنَّما أردتَ أنْ أقتلَه ثم تقتلني، وقد انعكس عليك الأمرُ، هذا عمُّك حيٌّ، فتسلَّمه، فأخذهُ أبو جعفر فحبسَه عنده في قصره، فوقع عليه البيتُ الذي كان فيه فمات. وقيل: بنى له دارًا وجعل في أساسِها الملح، وأطلقَ الماء في الليل على الأساسات، فذابَ الملحُ، فوقعت الحيطانُ عليه فمات. وقيل: دفعَه إلى أبي الأزهر المهلّب بن عيسى (١) وقال: اقتله، فدخلَ عليه وهو نائمٌ فخنقَه، وكان إلى جانبه جاريةٌ، قال أبو الأزهر: فأردتُ خنقَها، فقالت: بالله يا أبا الأزهر قتلةٌ غير هذه، فما رحمتُ أحدًا غيرها، فأدرتُ وجهي عنها، وأمرت من خنقَها، ووضعتها إلى جانبه في الفراش، ووضعت يديه تحتها كأنَّهما متعانقين، ثم هدمتُ البيت عليهما، ثم دعوت القاضي ابن عُلاثة والشهود، وقلت: سقطَ البيتُ عليهما، فشاهدوهما، ثم دفنتُهما. ومات عبد الله وله خمسٌ وأربعون سنة. وسأل أبو جعفر بن عياش المنتوف، هل تعرف ثلاثةً أوائلُ أسمائهم عين، قَتلوا ثلاثةً أوائل أسمائهم عين؟ قال: نعم، عبد الرحمن بن ملجم قتل عليًّا ﵇، وعبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزبير وسقطَ البيتُ على عمِّك عبد الله بن عليّ، فقال أبو جعفر: فسقطَ عليه البيتُ، فما ذنبي؟ قال: ما قلت إنَّ لك ذنبًا. وقيل: إنَّ الواقعةَ كانت مع أبي دلامة قال: وأنت أوَّل اسمك عين، قتلتَ عبد الله

стр. 5644

ابن حسن، وعبدَ الرحمن أبا مسلم، ووقعَ البيتُ على عمِّك عبد الله بن علي، فقال له أبو جعفر: وما كان فيه؟ قال: ما أدري ولكنَّني أحببتُ إعلامك. وقد قتل جماعةٌ أعمامَهم، منهم المنصور، والمعتضدُ غرَّق عمَّه أبا عيسى في الماء، وسَقى المعتضدُ عمَّه المعتمد السم، وكذا فعل جماعةٌ من ولاة المغرب، وقتل جماعة أولادَ إخوتهم، فأبو جعفر سمَّ محمد بن السفاح، والمعتصمُ قتل العباس بن المأمون، والقاهرُ قتل ابن أخيه [أبا] أحمد بن المكتفي بعصر خصييه (١). أسند عبد الله بن علي الحديثَ عن أبيه وإخوته محمد وداود ابني علي (٢)، ورَوى عنه سلمةُ قاضي دمشق، والله أعلم. * * *

стр. 5645

السنة الثامنة والأربعون بعد المئة فيها توفي جعفر الصادق ابن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، أبو عبد الله، وقيل: أبو إسماعيل، ويلقب بالصابر، والفاضل، والطاهر، وأشهر ألقابه الصادق. من الطبقة الخامسة من أهل المدينة. وأمه أمُّ فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁. وكان جعفر مشغولًا بالعبادة عن طلب الرياسة. قال عمرو بن أبي المقدام: كنتُ إذا رأيت جعفر بن محمد علمتُ أنَّه من سُلالة النبيين. وقال جعفر لسفيان (١): إذا أنعمَ الله عليك بنعمةٍ فأحببتَ بقاءها ودوامَها فأكثر من الحمد لله والشكر عليها، فإنَّ الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وإذا استبطأتَ الرزق فأكثر من الاستغفار، فإنَّ الله يقول في كتابه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ الآيات [نوح: ١٠ - ١٢] يا سفيان، إذا حزبك أمرٌ من سلطان أو غيره فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، فإنها مفتاح الفرج، وكنزٌ من كنوز الجنة. وقال: لا يتم المعروف إلَّا بثلاث؛ بتعجيله، وتصغيره، وستره. وسئل: لم حرم الله الربا؟ فقال: لئلَّا يتمانع الناسُ المعروف. وقال بعض أصحاب جعفر: دخلتُ عليه وبين يديه ابنُه موسى وهو يوصيه، فكان مِمَّا حفظتُ من وصيته أن قال: يا بنيّ، احفظ وصيتي، فإنَّك إن حفظتَها عشتَ سعيدًا ومتَّ حميدًا، يا بنيّ، إنَّه من قنع بما قسم الله له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد

стр. 5646

غيره ماتَ فقيرًا، ومن لم يرض بما قسمَ الله له اتَّهم الله في قضائه، ومن استصغرَ زلَّة نفسه استعظمَ زلَّة غيره، ومن استصغرَ زلَّة غيره استعظمَ زلَّة نفسه، ومن كَشَفَ حجابَ غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيفَ البغي قُتِل به، ومن احتفر لأخيه بئرًا سقط فيها، ومن داخلَ السفهاء حُقِّر، ومن خالط العلماءَ وُقِّر، ومن دخل مداخلَ السوء اتُّهم، قل الحق لك وعليك، وإيَّاك والنميمة؛ فإنَّها تزرعُ الشحناء في قلوب الرجال، وإذا طلبت الجودَ فعليك بمعادنه. ووقع الذباب على وجه أبي جعفر المنصور، فذبَّه عنه، فعاد فذبَّه، فعاد حتى أضجره، فدخل عليه جعفر بن محمد، فقال له المنصور: يا أبا عبد الله، لم خلق الله الذُّباب؟ فقال: ليُذِلَّ به الجبابرة. وكان جعفر يقول: من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة. وقال: أصلُ الرجل عقلُه، وحَسَبُه تقواه، وكرمه دينه، والناس في آدم مستوون. وقال: لقد عزت السلامةُ حتى خفيَ مطلبُها، فإن تكن في شيء ففي الخمول، [فإن طُلِبت في الخمول] (١) ولم توجد فيوشكُ أن تكون في التخلِّي، فإن لم توجد، ففي الصمت، والسعيدُ من وجد في نفسه حالة (٢) يشتغلُ بها. وقال الليث بن سعد: حججتُ سنة ثلاث عشرة ومئة، فارتقيتُ أبا قبيس بعد العصر، وإذا برجلٍ جالسٍ يدعو، فقال: يا رب يا رب، حتَّى انقطعَ نفَسُه، ثم قال: يا رباه يا رباه، حتى انقطعَ نفسه، [ثم قال: يا الله يا الله، حتى انقطع نفسُه] (٣)، ثم قال: يا حيّ يا حيّ، حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا إلهي، أشتهي العنبَ فأطعمنيه، وإنَّ بُرْدَيَّ قد أخلقَا فاكسُني، قال الليث: فوالله ما استتمَّ كلامَه حتى نظرتُ إلى سلَّةٍ مملوءةٍ عنبًا، وليس على وجه الأرض عنب، وإذا ببردين موضوعين لم أر في الدنيا مثلهما، فلمَّا أرادَ أن يأكل قلت: أنا شريكك، قال: ولم؟ قال: لأنِّي أمَّنْتُ على دعائك، فقال: تقدَّم فكل، فتقدَّمت فأكلت عنبًا لم أرَ قط مثلَه، ما كان له عَجَم، حتى شبعتُ ولم تتغيَّر

стр. 5647

السلَّة، فقال: لا تدَّخر شيئًا، ثم قال: خذ أحد (١) البردين، فقلت: أنا في غنى عنه، فاتَّزرَ بواحد وارتدى بالآخر، ثم نزل والبردان اللذان كانا عليه بيده، فلقيَه رجلٌ في المسعى فقال له: يا ابن رسول الله ﷺ اكسني، فإنِّي عريان، فدفع إليه البردين، فقلت للرجل: من هذا؟ قال: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، قال الليث: فطلبتُه بعد ذلك فلم أقدر عليه. وكان جعفر من الأجواد، كان يُطعِم الناسَ حتَّى لا يُبقي لعياله شيئًا. قال سفيان الثوري: قلت له: يا ابن رسول الله، اعتزلت الناس! فقال: فسدَ الزمان، وتغيَّر الإخوان، ورأيتُ الانفرادَ أسكنَ للفؤاد، وأنشد: [من الكامل] ذهبَ الوفاءُ ذهاب أمس الذاهبِ … فالناسُ بين مخاتلِ ومُواربِ يفشون بينهم المودَّة والصفا … وقلوبُهم محشوَّةٌ بعقاربِ وقال جعفر: الوقوفُ عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة. وقال: إنَّ على (٢) كلِّ صوابٍ نورًا فما وافق الحق فخذوه، وما خالفَ الصوابَ فدعوه. وقال: من أخرجَه الله من ذلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطاعة فقد أغناهُ بغير مال، وأعزَّه بغير عشيرة، ومن خافَ الله خافَه كل شيءِ، ومن لم يخف منه أخافَه من كل شيء، ومن زهدَ في الدنيا غرسَ الله الحكمةَ في قلبه، فنطقَ بها لسانُه. وقال محمد بن عمر: سمعتُ جعفر بن محمد يقول لغلامه مُعَتِّب: اذهب إلى مالك بن أنس فاسأله عن كذا وكذا، ثم ائت فأخبرني. قال الواقدي: أخذَ المنصور مُعتِّبًا هذا لما حجَّ المنصور فضربه ألف سوط حتى مات. ولمَّا خرجَ محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة هربَ جعفر إلى ماله بالفُرْع، فلم يزل به هناك مقيما متنحيًا عمَّا كانوا فيه حتى قُتِل محمد واطمأنَّ الناس، فرجعَ إلى المدينة،

стр. 5648

فأقام بها إلى سنة ثمان وأربعين ومئة، فتوفي بها وهو ابن إحدى وسبعين سنة (١). ودُفن بالبقيع عند أبيه وجذه، وعلى قبره رخامة مكتوبٌ عليها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمدُ لله مبيد الأمم ومحيي الرمم، هذا قبرُ فاطمة بنتِ رسول الله ﷺ ، سيِّدة نساء العالمين، وقبر علي بن الحسين، ومحمد بن عليّ، وجعفر بن محمد عليهم الصلاة والسلام (٢). وقال الهيثم: سُمَّ جعفر، فما زال مريضًا حتَّى مات رحمة الله عليه. ذكر أولاده: فولد إسماعيلَ الأعرج، وعبدَ الله، وأمَّ فروة، وأمُّهم فاطمة بنت الحسين الأثرم بن حسن بن علي بن أبي طالب، وموسى بن جعفر، حبسه هارون ببغداد عند السندي مولى هارون، فمات في حبسه، وإسحاق، ومحمدًا، وفاطمة تزوَّجَها محمد بن إبراهيم الإمام، فهلكت عنده، وأمهم أم ولد، ويحيى، والعباس، وأسماء، وفاطمة الصغرى، وهم لأمهاتِ أولادٍ شتى (٣). فأمَّا محمد فكان يسمى الديباج لحسنه، وأمَّا موسى فالنسلُ له، وأمَّا إسماعيل فإليه ينسب الإسماعيليَّة، وأمَّا محمد فإنَّه خرج على المأمون في سنة ثلاث ومئتين، وتوفي سنةَ أربعٍ ومئتين. أسند جعفر عن أبيه، ونافع، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه سفيانُ الثوري، ومالك بن أنس، وشعبة، وأيوب السختياني في آخرين. قال ابن أبي حازم: كنت عند جعفر بن محمد إذ جاء ابنه فقال: سفيانُ الثوري على الباب، فأذن له، فدخل، فقال له جعفر: إنَّك رجل يطلبك السلطان، وأنا أتَّقي السلطان، فقم فاخرج غير مطرود، فقال سفيان: حَدّثني حتى أسمع وأقوم، فقال جعفر: حدّثني أبي عن جدِّي أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة فليحمد

стр. 5649

الله، ومن استبطأَ الرزق فليستغفر الله، ومن حزبهُ أمر فليقل: "لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم" فلمَّا قام سفيان قال جعفر: خذها يا سفيان ثلاثًا، وأيُّ ثلاث (١) (٢). الأعمش [سليمان] (٣) بن مهران الأسدي مولى بني كاهل. من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، ولد يوم عاشوراء سنةَ ستين يوم قتل الحسين ﵁، وقيل: ولد سنة ثمان وخمسين، ويقال: إن أباه مهران شهد مقتل الحسين ﵇ (٤). ولد الأعمش بدنباوند، وقيل: بطبرستان، وقيل: ولد بالكوفة (٥) ونشأ بها. وكان صاحب قرآن وفرائض وعلم بالحديث، علامة الإسلام. قال عيسى بن يونس: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش، ما رأينَا الأغنياء والسلاطين في مجلس أحدٍ أحقرَ منهم في مجلسِه، وهو محتاجٌ إلى درهم. وقال وكيع: منذ سبعينَ سنة لم يفت الأعمشَ التكبيرةُ الأولى في جماعة (٦)، ورأيتُه يومَ الجمعة قد راح إلى الجامع وعليه فروةٌ قد قلبَها، فجعلَ جلدَها على جلده، وصوفها إلى خارج (٧).

стр. 5650

وقال الربيع بن نافع: كنَّا نجلسُ إلى الأعمش، فيقول: هل في السماء غيم؟ يعني: هاهنا من نكره؟ ذكر وفاته قال أبو بكر بن عياش: دخلتُ على الأعمش في مرضه الذي مات فيه، فقلت: ألا أدعو لك طبيبًا؟ فقال: ما أصنعُ به، فوالله لو كانت نفسي بيدي لطرحتُها في الحشّ، فلا تؤذنن أحدًا بي إذا مت، واذهب واطرحني في لحدي (١). ومات سنة ثمانٍ وأربعين ومئة، وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة. وقيل: سنة سبعٍ وأربعين. وأدرك جماعةً من الصحابة وعاصرهم، ورأى أنس بن مالك، وقال: سمعت أنسًا (٢) يقرأ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ فقيل له: ﴿وَأَقْوَمُ﴾ فقال: "أصوب" و ﴿وَأَقْوَمُ﴾ سواء. وسمع خلقًا من التابعين، وروى عنه الجمُّ الغفير، وكان ثقةً، وقيل: إنَّه كان يدلس، وشنَّع عليه المحدِّثون، فلذلك وقعَ فيهم. وكان يَرى الماء من الماء، فما كان يغتسلُ من الجنابة حتى يُنزل، وأقامَ مدَّةً على ذلك حتى بلغه حديثُ عائشة رضوان الله عليها: "إذا التقى الختانان وجبَ الغُسل، أنزلَ أو لم ينزل" (٣)، فرجع عن مذهبه رحمة الله عليه (٤). * * *

стр. 5651

السنة التاسعة والأربعون بعد المئة فيها تمَّ بناءُ أسوار بغداد وخنادقها، وأجري الماء في قنواتٍ عليها من نهر طابق وغيره. وفيها انفتقَ على أبي جعفر فتقٌ عظيمٌ من خراسان، وقيل: في السنة الآتية. وفيها توفي سلم بن قتيبة ابن مسلم بن عمرو بن الحصين، أبو عبد الله الباهلي [الخراساني]، والد سعيد بن سلم. ولي إمرة البصرة ليزيد بن عمر بن هبيرة في أيام مروان بن محمد، ثمَّ وليها في أيام أبي جعفر. وكان أميرًا كبيرًا، عاقلًا عادلًا، عَرَضَتْ حاجةٌ لأبي عمرو المديني إلى سلم وهو والي البصرة، فذكرهَا لبعضِ أصحابه، فضمن [له] (١) قضاءها، ثم مطلَه، فلم يقضها، قال أبو عمرو: فوقفت له على طريقه، وكانت بيني وبينه مودَّةٌ قديمةٌ، فلمَّا رآني قال: أطالبٌ قبلَنا حاجةً يا أبا عمرو؟ قلت: نعم، حاجةٌ حمَّلتُها فلانًا منذ أيام، فقال: أخطأت الحزم، إذا كانت لك حاجةٌ فلا تحمِّلها من يرتشي، فإنَّما يؤثر من يطعمه ولا يؤثرك، ولا كذَّابًا فإنَّه يُقرب إليك البعيد، ولا أحمق فإنَّه يجهدُ نفسه ولا يصنعُ لك شيئًا، ثم أمر بقضائها. مات سلم بن قتيبة بالرَّيّ في سنة تسع وأربعين ومئة، فصلَّى عليه المهدي؛ لعظم شأنه. ودخل رجلٌ على سلم بن قتيبة في حاجةٍ، وسيفه بيده، فانحنى عليه متكئًا، وجعلَ يُكلِّم سلمًا فجرح رجله، ولم يعلم الرجل وسلم ساكت، حتى فرغ الرجل من حاجته

стр. 5652

وخرج، وكادت أصبع سلم تنقطع، فدعا بمنديل فشدَّها، فقيل له: ألا أمرتَهُ برفع سيفه عن رجلك، فقال: خشيتُ أن أقطعَه عن حاجته. وقال: المروءة الصبر على أخلاق الرجال (١). عيسى بن عُمر النحويُّ، الثقفيُّ، العالم الفاضل [الزاهد] (٢). صنف في النحو كتبًا كثيرة، منها "الإكمال" و"الجامع"، فقال الخليل بن أحمد: [من الرمل] بطلَ النحوُ جميعًا كلُّه … غير ما أحدثَ عيسى بنُ عمرْ ذاك "إكمالٌ" وهذا "جامعٌ" … فهما للنَّاس شمسٌ وقمرْ (٣) كُرْز بن وَبَرة الكوفيّ سكن جُرجان، وهو من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، كان عابدًا زاهدًا، خائفًا مجتهدًا، يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر، فيضربونَه حتى يغشى عليه. وسأل ربه أن يعطيه الاسم الأعظم، على أن لا يَسألَ به من الدنيا شيئًا، فأعطاه، فسأل أن يقوِّيَه على ختم القرآن، فكان يختمُه في اليوم والليلة ثلاثًا. قال الفضيل بن غزوان: كان كرز يختمُ القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات، ولم يرفع رأسَه إلى السماء أربعين سنة؛ حياءً من الله تعالى. وقال أبو سليمان المُكْتِب: صحبتُ كرزًا إلى مكَّة، فكان ينزلُ فيصلِّي، فرأيت يومًا سحابةً تظلُّه، وكان يومًا شديدَ الحرّ، فقال: اكتم عليّ، فحلفتُ له، وما حدَّثتُ به

стр. 5653

أحدًا حتَّى مات. وروى أبو نعيم عنه أنَّه دُخِل عليه وهو يبكي، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: بابي مغلقٌ، وستري مسبلٌ، ومنعتُ حزبي أن أقرَأه المارحة، وما ذاك إلَّا من ذنب أحدثتُه (١). ولَمَّا مات رأى رجل فيما يرى النائم كأنَّ أهلَ القبور جلوسٌ على قبورهم، وعليهم ثيابٌ جُدُد، فقيل لهم: ما هذا؛ قالوا: إنَّ أهل القبور كُسوا ثيابَّا جَدُدًا؛ لقدوم كُرْز عليهم. أسند كرز عن طاوس، وعطاء، والربيع بن خُثَيم، والقرظي، وغيرهم (٢). قلت: ومن ولد كرز رحمة الله عليه الشيخُ الصالح، العارفُ الزاهدُ، الورعُ الرباني، عيسى بن أحمد بن إلياس بن أحمد بن خليل بن محمود بن محمد بن سالم بن سليم بن يوسف بن خالد بن بركة بن مبارك بن داود بن شريف بن ربيح (٣) بن رباح بن كرز بن وبرة، اليونينيُّ المولد والمنشأ رحمة الله عليه، كان من أعيان [أصحاب] (٤) شيخ الإسلام أسد الشام عبد الله اليوفيني رحمة الله عليه، وممن يشارُ إليه بالزهد والعبادة، والاجتهاد والعلم بالطريق، والعمل بما يعلم، ولم يزل مقيمًا بقرية يونين ظاهرَ بعلبك في زاويته شمالي القرية، منقطعًا إلى العبادة والاجتهاد، غيرَ مكترثٍ بمن يزوره من أرباب الدنيا، لا يختار رؤيتهم، وكان يصومُ النهار ويقوم الليل، ولم يتزوَّج في عمره (٥)، ولا اشتغلَ بغير عبادةِ ربِّه ومطالعةِ كتب الأحاديث النبويَّة والرقائق وما يجري مجراها، وله الكراماتُ الظاهرة (٦).

стр. 5654

كَهْمَس بن الحسن أبو (١) عبد الله (٢) القيسي، كان زاهدًا ورعًا، يصلِّي كل يومٍ وليلةٍ ألفَ ركعة، ويقول لنفسه: قومي يا مأوى كلِّ سوء، فوالله ما رضيتك لله ساعة (٣) قط. وهو من الطبقة الرابعة من أهل البصرة. وكان يعملُ كلَّ يوم بدانقين في الجصّ، ثم يشتري بهما فاكهةً لأمِّه. وقال بشر بن الحارث: خرج كهمس ومعه دينار، فسقطَ منه، فطلبَه فوجده، فتركَه وقال: لعلَّه غيرُ ذلك الدينار. وأكلَ ذات يومٍ سمكًا، فأخذ من حائطِ جاره طينًا فغسلَ به يده، قال: فأنا منذ أربعينَ سنة أبكي على ذلك الطين، كيفَ أخذتُه بغير علمه؟! وكان يصلِّي حتى يُغْشَى عليه. وكان مشغولًا بالعبادة وخدمةِ أمِّه، فماتت، فخرج إلى مكَّة فماتَ بها. أسندَ عن عبد الله بن شقيق العقيلي، وعبد الله بن بُرَيدة، ومصعب بن ثابت، وغيرهم، وكان ثقةً. الوَضِين بن عطاء ابن كنانة، أبو كنانة الخزاعي، من الطبقة الخامسة من أهل الشام، كان ضعيفًا في الحديث، ماتَ بدمشق في عشر ذي الحجة سنة تسعٍ وأربعين ومئة، وأصله من بانياس، وسكن كفر سوسية. وكان بينه وبين المنصور صداقةٌ قديمة قال: فلما وليَ الخلافة وفدتُ عليه، فسألني

стр. 5655

عن حالي وعيالي، فقلت: عندي ثلاثُ بنات، والمرأة، وخادم، فجعلَ يردِّدُها ويقول: في بيتك ثلاثة حتى ظننت أنَّه سيمولني، ثم قال: أنت أيسرُ العرب، أربعة مغازل تدق (١) في بيتك، ولم يعطني شيئًا. أسند عن سالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء ومكحول وغيرهم، وروى عنه الوليد بن مسلم وغيره (٢) (٣). * * *

стр. 5656

السنة الخمسون بعد المئة فيها خرج أستاذسيس العجمي في ثلاث مئة من أهل سجستان وهراة وباذغيس وكور خراسان، وغَلب على هذه الأماكن، وهزم قوَّاد أبي جعفر، واستولى على مرو الروذ، وكان محمد بن أبي جعفر المهدي يومئذ بالرَّيّ، فجهَّز إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة في جيشٍ كثيف، وأمرَه بقتال أستاذسيس، وكان أكثر عسكر أستاذسيس رجالة، فهزمَهم الله، وقُتِل من أصحاب أستاذسيس سبعون ألفًا، وأسروا أربعةَ عشر ألفًا، فضرب خازمٌ رقابَهم، والتجأَ أستاذسيس إلى جبل، وأقامَ خازم يحاصره وكان قد بقي مع أستاذسيس ثلاثون ألفًا، فنزلوا على حكم خازم، فأسرَ أستاذسيس وأولاده وأَعْتَق الثلاثين ألف، وكتب خازم إلى المهدي بالفتح. وقال الواقدي: كانت هذه الوقعة في سنة إحدى وخمسين ومئة (١). وفيها عزل أبو جعفر جعفرَ بن سليمان عن المدينة وولاها الحسن بن زيد بن الحسن (٢) (٣) بن علي بن أبي طالب ﵇. وفيها توفِّي جعفر بن أبي جعفر المنصور، ويقال له: الأكبر. وفيها توفي أبو حنيفة. وكان على المدينة الحسنُ بن زيد العلويّ، وحجَّ بالناس محمد بن إبراهيم الإمام، وكان على مكة في هذه السنة (٤)، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن علي، وعلى

стр. 5657

البصرة عقبة بن سالم، وعلى قضائها سوَّار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم، وعلى خراسان المهدي. الحجاج بن أرطاة ابن ثور النخعيّ، وكنيته أبو أرطاة، ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة، وكان شريفًا مَرِيًّا (١)، وكان في صحابة أبي جعفر، فضمَّه إلى المهدي، فلم يزل معه حتى توفي بالري، والمهدي بها يومئذٍ في خلافة أبي جعفر. وذكره الخطيب وقال: وهو أوَّلُ من ولي القضاءَ بالبصرة لبني العباس، جاء يومًا إلى حلقة عثمان البَتِّي، فجلس في عرض الحلقة، فقيل له: ارتفع إلى الصَّدر، فقال: أنا صدرٌ حيثُ كنت. قال: وكان فيه تيهٌ شديد (٢). وكان من حفَّاظ الحديث والفقهاء، استُفتي وهو ابن عشرين سنة (٣)، وحضر مع أبي جعفر بناءَ بغداد، وولي خطها، ونصبَ قبلةَ مسجدِها (٤). وروى الخطيب عن القاضي أبي يوسف قال: كان الحجاج بن أرطاة لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة ويقول: أكرهُ مزاحمةَ الأنذال (٥). وكانت وفاته بالرَّيّ في هذه السنة. عبدُ الملك بن عبد العزيز بنِ جُرَيج إمامُ أهل مكة، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل مكَّة، وكنيتُه أبوالوليد.

стр. 5658

قال: وولد عبدُ الملك بنُ عبدِ العزيز سنةَ ثمانين، عام الجحاف؟ سَيلٌ كان بمكَّة (١). واختلفوا في وفاته، فحكى ابنُ سعد عن الواقدي أنَّه ماتَ في أول عشر ذي الحجَّة سنة خمسين ومئة، وهو ابنُ ست وسبعين سنة، وكان ثقة كثيرَ الحديث (٢). وقال أحمد العجلي: مات سنة تسع وأربعين ومئة (٣). وقال علي بن المديني: في سنة إحدى وخمسين ومئة. سمع ابنُ جريج من عطاء بن أبي رباح، وكان عطاء يقول: هو سيدُ شبابِ أهل الحجاز (٤). عبد العزيز بن سلمان (٥) أبو محمد الراسبي البصري، من الطبقة السادسة من أهل البصرة. قال ابن أبي الدنيا: كانت رابعةُ تسمِّيه سيدَ العابدين من أهل البصرة (٦). وقال ابن أبي الدنيا: كان عبد العزيز إذا ذَكَر القيامةَ والموت صرخَ كما تصرخُ الثَّكَلى، ويصرخ الخائفون من جوانب المسجد (٧). قال: وربَّما رُفع الميِّت والميتان. وروى ابن أبي الدنيا عن مسمع بن عاصم قال: بت أنا وعبد العزيز بن سلمان (٨) وكلاب بن جري وسلمان الأعرج على بعض سواحل البحر، فبكى كلاب حتى خشيت

стр. 5659

أن يموت، وبكى عبد العزيز لبكائه، ثم بكى سلمان وأنا لبكائهم، لا أدري ما أبكاهم! فسألت عبد العزيز عن بكائه فقال: إني نظرت إلى أمواج البحر تموجُ، فذكرت أطباق النيران وزفراتها، فذلك الذي أبكاني، ثم سألت كلابًا وسلمان فقالا نحوًا من ذلك، قال مسمع: فما كان في القوم شر منِّي، ما كان بكائي إلَّا لبكائهم رحمةً لما يصنعون بأنفسهم. وروى أبو نعيم عن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: كان أبي إذا قامَ من الليل ليتهجَّد سمعتُ في الدار جلبةً شديدةً، واستقاءً للماء الكثير، قال: فنرى أنَّ الجن كانوا يستيقظون للتهجُّد، فيصلُّون معه. وروى ابن ناصر بإسناده إلى دهثم -وكان من العابدين- قال: كنت آتي عبد العزيز، فأبطأتُ عليه يومًا ثم جئتُه، فقال: ما الذي أبطأك عنِّي؟ قلت: العيال، قال: هل وجدت لهم شيئًا؟ [قلت: لا]، قال (١): فهلمَّ لندعو، فدعا بدعاءٍ، وأمَّنتُ، وإذا والله الدراهمُ والدنانير تتناثرُ في حجورنا، فقال: دونكها، ومضى ولم يلتفت، قال: فأخذتُها وعددتها، وإذا مئةُ دينار ومئة درهم، قيل له: فما صنعت بها، قال احتبستُ قوتَ عيالي جمعةً حتى لا يشغلوني عن خدمة عبد العزيز ورؤيته (٢)، ثم أخرجت الباقي في سبيل الله. فقال الراوي: يحقُّ والله لهؤلاء أنْ يُرزقوا بغيرِ حساب. وروى ابن أبي الدنيا قال: قيل لعبد العزيز: ما بقي من لذَّتك؟ قال: سردابٌ أخلو فيه بربي. قال: وكان لا ينام إلا مغلوبًا، ويقول: لا نومَ في دار الدنيا، ما للعابدين والنوم! وروى ابن أبي الدنيا أيضًا قال: دعا عبد العزيز يومًا في مجلسه لمُقْعَدٍ من إخوانه، فوالله ما انصرفَ المقعد إلى أهله إلَّا ماشيًا على رجليه بإذن الله تعالى (٣).

стр. 5660

مسعود الضرير العابد وكنيته أبو جهير، البصريُّ الزاهدُ العابد، من قتلى صالح المري، ذكر واقعته جماعةٌ منهم ابن أبي الدنيا والخطيب، فقال الخطيب: أخبرني عبيدُ الله بن أبي الفتح الفارسيّ بإسناده عن صالح المُرِّيّ قال: قال لي مالك بن دينار: اغدُ بي يا صالح إلى الجبَّانة، فإنِّي قد وعدتُ نفرًا من إخواني بأبي جهير مسعود الضرير، نسلِّم عليه، فقال صالح: وكان أبو جهير هذا قد انقطعَ إلى زاوية يتعبَّدُ فيها، لا يدخل البصرة إلَّا يومَ الجمعة في وقت الصلاة، ثمَّ يرجع من ساعته، قال: فغدوتُ لموعد مالك إلى الجبانة، وإذا به قد سبقني ومعه محمد بن واسع وثابت البُناني وحبيب العجمي، فقلتُ: هذا يوم سرور، فانطلقنَا نريدُه، فأتينَا منزلَه، فسألنا عنه، فقيل: الآن يخرجُ إلى الصلاة قال: فانتظرناه فخرج رجلٌ إن شئتُ أن أقولَ قد خرجَ من قبره لقلت. قال: فوثبَ رجلٌ فأخذ بيده، فأقامَه عند باب المسجد، فأذَّن، ثم دخلَ فصلّى ما شاء الله، ثم أقامَ الصلاة، فصلَّينا معه، فلمَّا قضى صلاته جلس كهيئة المهموم، فتوافر القوم في السلام عليه، فتقدَّم محمد بن واسع فسلَّم عليه، فردَّ السلام وقال: من أنت؟ قال: محمد بن واسع، قال: مرحبًا وأهلًا، أنتَ الذي تقول هؤلاء -وأومأ بيده إلى البصرة- إنَّك أفضلُهم، لله [أبوك إن قمت بشكر ذلك]، فقام ثابت البناني فسلَّم عليه، فقال: من أنت؟ قال: ثابت، قال: مرحبًا، أنت الذي يزعم أهل هذه القرية أنَّك من أطولهم صلاةً؟ فقام إليه حبيب العجمي فسلَّم عليه، فقال: من أنت؟ [قال: أنا حبيبٌ، أبو محمد] قال: مرحبًا أبا محمد، أنت الذي تزعم هؤلاء القوم أنَّك لم تسأل الله شيئًا إلَّا أعطاك؟ فهلَّا سألتَه أن يخفيَ لك ذلك، وأخذ بيده فأجلسه إلى جنبه، فقام مالكٌ فسلَّم عليه، فقال: من أنت؟ فقال: مالك بن دينار، قال: بخٍ بخٍ! أبو يحيى، إن كنت كما يقولون، أنت الذي يزعمُ هؤلاء أنَّك أزهدهم، الآن تمَّت الأماني، قال صالح: فقمتُ لأسلِّمَ عليه، فأقبل على القوم وقال: انظروا كيف تكونون في مجمع القيامة، قال: فسلَّمتُ عليه، فقال: من أنت؟ قلت: صالح، قال: أبو بشر القارئ، قلت: نعم، فقال: مرحبًا بك، قد أتمنَّاك على ربِّي، ثم قال: اقرأ عليَّ، فابتدأتُ، فما أتممتُ الاستعاذَة حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم أفاق، فقال: عد إلى قراءتك، فقرأت قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] قال: فصاح

стр. 5661

صيحة [ثم] انكبَّ لوجهه، وانكشفَ بعض جسده، وجعل يخورُ كما يخور الثور، ثم هدأ، فدنوتُ منه لأنظر ما به، فإذا قد فارق الدنيا، فخرجنا نسألُ هل له أحد؟ قالوا: عجوزٌ تخدمه، فأرسلنا إليها فجاءت، فقالت: ما له؟ قلنا: قُرِئ عليه القرآن فمات، قالت: فمن قرأ عليه، صالح القارئ لعلَّه قرأ عليه؟ قلنا: نعم، وما يدريك من صالح؟ قالت: لا أعرفه، غيرَ أنِّي كثيرًا ما كنت أسمعُه يقول: إن قرأَ عليَّ صالحٌ قتلني. فهيأنَاه ودفنَّاه رحمةُ الله عليه (١). إمامُ الأئمَّة وسراجُ الأمَّة أبو حنيفة النعمان بن ثابت ذكرهُ ابنُ سعد في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة (٢)، والكلام على ترجمته في فصول: الفصل الأول في ذكر نسبتهِ ومنشئِه ومولده وطلبه العلم: أمَّا مولده، قال أبو بكر الخطيب بإسناده إلى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت: يقول: نحنُ من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقعَ علينا رقٌّ قط (٣). وفي رواية الخطيب أيضًا عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: جدِّي النعمانُ بن ثابت بن النعمان بن المرزبان بن زوطى من أهل كابل الأكاسرة، استرق جدي زوطى يوم القادسية، فولد النعمان، فذهبَ به أبوه إلى عليٍّ ﵇ وهو صغير، فدعا له بالبركة وفي ذريته، فنحنُ نرجو أن نكونَ قد استجابَ الله فينا (٤). واختلفوا في مولد أبي حنيفة على ثلاثة أقوال: أحدها: في سنة ثمانين من الهجرة، والثاني: سنة إحدى وثمانين، والثالث: سنة إحدى وستين (٥).

стр. 5662

وأمَّا منشؤه فبالكوفة، بها ولد، وبها نشأ ثم سافر إلى الحجاز وغيره. وأما طلبه العلم فروى الخطيب بإسنادِه قال: قال أبو حنيفة: لما أردتُ العلمَ جعلتُ أتخيَّر العلوم، وأسأل عن عواقبها، فقيل لي: تعلَّم القرآن، قلت: فماذا يكون إذا تعلَّمتُ القرآن وحفظتُه آخر أمري؟ قالوا: تجلسُ في المسجد فيقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثمَّ لم تلبث أن يخرجَ فيهم من هو أحفظُ منك، فتذهبُ رياستُك. قلت: فإن سمعتُ الحديث وكتبتُه حتى لم يكن في الدنيا أحفظُ مني، فما يكون آخر أمري؟ قالوا: إذا كبِرت وضعفت حَدَّثت واجتمعَ عليك الصبيان والأحداث، ثمَّ لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارًا عليك في عَقبك، فقلت: لا حاجةَ لي في هذا. ثمَّ قلت: أتعلَّمُ النحو، فإذا حفظتُ النحوَ والعربيَّة فما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعدُ معلمًا، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة. قلت: فإن نظرتُ في الشعر فلم يكن أحدٌ أشعرَ منِّي، ما يكون من أمري؟ قال: تمدحُ هذا فيَهبُ لك ويخلع عليك، فإن حرمَكَ هجوتَه، فتقذف المحصنات، فقلت: لا حاجةَ لي في هذا. قلت: فإن نظرتُ في الكلام فما يكون آخره؟ قالوا: لا تسلم من النظر في مشنِّعاتِ الكلام، فتُرمى بالزندقة، فإمَّا أن تؤخذ فتقتل، وإمَّا أن تسلم فتكون مذمومًا ملومًا. قلت: فإن تعلَّمتُ الفقهَ، قالوا: تُسألُ وتُفتي الناس، وتُطْلَبُ للقضاء وإن كنت شابًّا. قلت: فليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمتُ الفقه وتعلَّمتُه (١). قلت: وقد أتى أبو حنيفة على جميع هذه العلوم، فحكى الخطيب في "تاريخه" في غير موضع أنه ختمَ القرآن ثلاثين سنة (٢)، وسمعَ الحديثَ من خلقٍ كثير، وكان نحويًّا لغويًّا.

стр. 5663

فصل: وأما ورعه وزهده ونحو ذلك: فرَوى الخطيبُ عن يحيى بن سعيد القطَّان قال: جالسنا والله أبا حنيفة وسَمعنا منه، وكنتُ إذا رأيتُه أو نظرتُ في وجهه علمتُ أنَّه يخشى الله تعالى، أو يتَّقي الله (١). وروى الخطيب عن ابن المبارك قال: قدمتُ الكوفةَ فسألتُ عن أزهد أهلها وأورعهم، فقالوا: أبو حنيفة (٢). قد جعلَ على نفسه أنَّه لا يحلف بالله تعالى إلا تصدَّق بدرهم، فحلفَ بالله اتِّفاقًا فتصدَّق بدرهم، ثمَّ جعل على نفسه أنه متى حلف بالله تعالى تصدَّق بدينار، وكان على ذلك، وكان إذا أنفقَ على عياله نفقةً تصدَّق بمثلها، وكان إذا اكتسَى ثوبًا جديدًا كسا بقدر ثمنه الشيوخ من العلماء والزهاد، وكان إذا وُضِع بين يديه طعامٌ رفع منه جزءًا للفقراء والمساكين. وروى الخطيب عن وكيع أنه قال: كان والله أبو حنيفة عظيمَ الأمانة، وكان الله في قلبه جليلًا عظيمًا، يؤثرُ رضاه على كل شيء، ولو أخذته السيوفُ في الله تعالى لاحتمل، فرضي الله عنه رضا الأبرار، فلقد كان والله منهم (٣). وروى الخطيب أيضًا عن ابن المبارك قال: ما رأيتُ أحدًا أورعَ من أبي حنيفة، لقد جُرِّبَ بالسياط والأموال فما التفت (٤). وحكى الخطيب أيضًا عن المسعوديّ [عن أبيه] (٥) قال: ما رأيتُ أحسنَ أمانة من أبي حنيفة، مات وعنده ودائع بخمسين ألفًا، ما ضاع منها دينارٌ ولا درهم. وحكى أيضًا عن يوسف السَّمتيّ قال: أجاز أبو جعفر أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم في دُفعات لَمَّا قدم عليه بغداد، فقال: يا أمير المؤمنين إني غريبٌ ببغداد، وليس لي منزلٌ، فاجعلها في بيت المال، فإذا خرجتُ أخذتها، فأجابه أبو جعفر إلى ذلك، فلمَّا

стр. 5664

ماتَ أبو حنيفة أُخرجت ودائعُ الناس من بيته، فقال المنصور (١): خدعنا أبو حنيفة ﵀. فصل في عبادته وخشيته: رَوى الخطيبُ عن سفيان بن عيينة قال: كان لأبي حنيفة مروءةٌ وصلاةٌ من الليل في داره، وكان الناس ينتابونَه فيصلُّون (٢) معه. وكان يختمُ القرآنَ في ركعة وتره، وكان يُسمَّى الوَتِد لكثرة صلاته. وفي رواية: كان يُحيي الليلَ بركعةٍ يختمُ فيها القرآن ثلاثين سنة. وروى الخطيب عن أسد بن عمرو قال: صلى أبو حنيفة الفجرَ بوضوءِ العشاء الآخرة أربعين سنة، وكان يُسمعُ بكاؤه عامَّة الليل حتى ترحمَه جيرانُه، وحُفِظ عنه أنَّه ختمَ القرآن في الموضع الذي كان فيه ساكنًا (٣) سبعة آلاف مرة. ورَوى الخطيبُ عن ابن المبارك أنَّه كان بالقادسية، فجاءَ رجلٌ فوقعَ في أبي حنيفة، فقال له ابن المبارك: ويحكَ! أتقعُ في رجل صلَّى خمسًا وأربعين سنة خمس صلوات بوضوء واحد، وكان يجمعُ القرآن في ركعتين في ليلة، وتعلَّمتُ العلمَ (٤) الذي عندي منه. وروى الخطيب عن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمع رجلًا يقول: هذا أبو حنيفة لا يَنامُ الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدَّث الناس عنِّي بما لا أفعل، وكان يحيي الليل كلَّه، صلاةً ودعاءً وتضرُّعًا (٥). وروى الخطيب عن مِسْعر بن كِدام -وكان من العباد- قال: أتيتُ أبا حنيفة في مسجده، فرأيتُه يصَلِّي الغداةَ ثم يجلسُ يعلِّمُ الناس طولَ نهاره إلى العشاء، فقلت في نفسي: متى يتفرَّغ هذا للعبادة؟ لأتعاهدنَّه الليلة، فتَعاهدته، فلمَّا هدأ الليل انتصبَ في المسجد قائمًا إلى الصباح، فصلَّى الفجر، ثمَّ جلسَ للناس إلى العشاء الآخرة، ثم فعل

стр. 5665

في الليلة الآتية كفعلِه في الماضية، ثم تعاهدتُه ففعل أيَّامًا كثيرة، فقلت: لألزمنَّه حتى أموت، فيقال: إنَّ مِسْعرًا ماتَ فيَ مسجد أبي حنيفة وهو ساجد (١). وقال خارجة: ختمَ القرآن في الكعبةِ أربعةٌ من الأئمة: عثمان بن عفان، وتميم الداريّ، وسعيد بن جُبير، وأبو حنيفة (٢). قال (٣): وكان أبو حنيفة يختمُ القرآنَ في شهر رمضان كلَّ يومٍ وليلةٍ مرتين. وكان يقوم الليلَ بآيةٍ يردِّدُها، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]. وحُكيَ عن الحسن بن صالح قال: كان أبو حنيفة ينشدُ دائمًا هذا البيت: [من الطويل] كفى حَزنًا أنْ لا حياة هنيَّة … ولا عملٌ يرضى به الله صالحُ (٤) فصل: وأما حلمه واحتماله: فروى القاضي الصيمريُّ عن يزيد بن هارون قال: ما رأيتُ أحلَمَ من أبي حنيفة، كان إذا بلغَهُ عن رجل أنَّه نال منه، بعث إليه برفقٍ وقال: غفرَ الله لك، قد وكَلتُكَ إلى من يَعلمُ منِّي خلافَ ما قلت. قال: وجاءه رجلٌ فنال منه. وقال: يا ابنَ الفاعلة، فبكى وقال: إنَّ الله يَعلمُ مني خلافَ ما قلت، فَرَقَّ الرجل وقال: أسألُك بالله إلَّا جَعلتني في حلّ، فقد أخطأت، فازداد بكاءُ أبي حنيفة وقال. أنت في حلّ. فصل في فتاويه وما يتعلق بها: قال أبو يوسف: قيل لأبي حنيفة: إن العرزميَّ (٥) يقول: كانت عائشةُ تسافر مع غير محرم، فقال أبو حنيفة: إنَّها أمُّ المؤمنين، فهي من جميع المسلمينَ ذاتُ محرم.

стр. 5666

وحكى الليث بن سعد قال: كنتُ أسمع بأبي حنيفة، فتَتوقُ نفسي إليه، فبينما أنا في المسجد الحرام إذا بالناس مجتمعين على رجلٍ، فدنوتُ من الحلقة ورجلٌ جالس، فقال له رجل: يا أبا حنيفة، إني رجلٌ ذو مال، ولي ولد عاق، أزوِّجُه المرأةَ وأنفق عليه المال الكثير، فيطلقها، فيذهب مالي، وأشتري له الجاريةَ بالألوف، فيعتقها، فيذهب ثمنها، فهل عندك من فَرَجْ؟ فقال أبو حنيفة من غير فكرةٍ ولا رويَّة: نعم أدخله سوق الرقيق، فإذا وقعتْ عينُه على جارية فاشترها لنفسك، ثمَّ زوِّجْهُ إيَّاها، فإنْ طلَّقها رجعت مملوكةً لك، وإن أعتقَها لم ينفذ عتقه. قال الليث: فوالله ما أعجبني ما رأيتُ من صوابه كما أعجبني ما رأيتُ من سرعةِ جوابه. وقال شريك القاضي: عَجزت النساءُ أن تلدنَ مثل أبي حنيفة، فقيل له: وكيف؟ قال: كنَّا في جنازة غلامٍ من بني هاشم قد تبعَه وجوهُ الناس وأشرافهم، وإلى جانبي ابنُ شبرمة، فوقف الناس، فقلنا: ما للجنازة لا تنبعث؟ قالوا: خرجت أمُّ الغلام والهةً حاسرةً، وكانت جميلةً، فحلفَ أبوه بطلاقها لترجعن، وحلفتْ هي بصدقةِ ما تملك وعتق عبيدها لا رجعت حتى يصلَّى عليه، وكان في الجنازة علماء الكوفة، فسئلوا عن ذلك، فلم يكن عندهم فَرَج، وكان أبوالغلام قد رأى أبا حنيفة في طرف الناس فجاءه مستصرخًا وأخبره الخبر، فقال: ضعُوا الجنازةَ فوُضِعت، ثم قال للرجل: تقدَّم فصلِّ على ابنك، فصلى عليه، وقال لأمِّه: ارجعي، فقدْ خَرجت من يمينك، احملوا الميِّتَ. فتحيَّر الناس من سرعة فتياه وتدقيقِ فطنته. وقال شريك القاضي: حدثني عليُّ بن عاصم قال: سألت أبا حنيفة عن درهمٍ لرجل، ودرهمين لآخر، اختلطوا، ثمَّ ضاع درهمان وبقيَ درهم واحد، ولم يُعلم من أيِّ الثلاثة هو، فقال: الدرهمُ الباقي بينهما أثلاثًا، قال: فلقيتُ ابن شبرمة، فسألتُه عنها، فقال: هل سألتَ أحدًا؟ قلت: نعم، أبا حنيفة، قال: فما الذي قال؟ فأخبرتُه فقال: أخطأ، الدرهمُ الباقي بينهما نصفان احتياطًا وتعديلًا للقسمة، فلقيت أبا حنيفة فأخبرته وقلت: خُولفتَ في المسألة، وذكرَ له قول ابن شبرمة -وكان أبو حنيفة لو وزن عقلُه بعقلِ الأرض لرجح عليهم- فقال: إنَّ الثلاثة لَمَّا اختلطت وجبت الشركةُ بينهما، فصار لصاحب الدرهمِ ثلثُ كلِّ درهم، ولصاحب الدرهمين ثلثا كلِّ درهم، فأيُّ درهمٍ

стр. 5667

ذهب ذهبَ بحصتهما. قال: فاستحسنتُ جوابه. وقال عبد الله بن محمد العقيلي: شهدت بالكوفة وليمةَ أخوين تزوَّجا بأختين، فبني بهما في الليل، واجتمعَ الناسُ صبيحةَ تلك الليلة، وفي الوليمة أبو حنيفة وابن شبرمة والثوريُّ وابنُ أبي ليلى وغيرهم، فأبطؤوا بالطعام، فقيل: ما لهم؟ فقيل: غُلِطَ بالمرأتين فابتنى كلُّ واحدٍ من الأخوين بامرأة الآخر، فسُئل الثوريُّ فقال: لكلِّ واحدةٍ منهما مهر، وتعتدُّ بثلاثة قروء، وترجعُ إلى زوجها إن شاء، وقال كلُّ واحدٍ قولًا فلم يوافق القوم، وأبو حنيفة ساكت، فاجتمعوا إليه وسألوه فقال: عليَّ بالغلامين، فجاءَ فخَلا بكلِّ واحدٍ منهما وقال له: أراغبٌ أنت فيما هجمتَ عليه، فقالا: نعم، فقال: لكلِّ واحد منهما طَلِّق امرأتَك واعقد على التي دَخَلْتَ بها، ففعلا، وكبَّر الناس، وحضرتِ الموائدُ فأكلوا. وروى الخطيبُ عن الحسن بن زياد اللؤلؤيّ قال: كانت بالكوفة مجنونةٌ يقال لها: أم عمران، وكانت تجلس بالكُناسة، فمرَّ بها رجلٌ فكلَّمها بشيءٍ لم تؤثره، فقالت له: أيا ابن الزانيين، وابن أبي ليلى يسمع، فأمرَ بإدخالها المسجد، وأقام عليها حدَّين؛ حدًّا لأبيه، وحدًا لأمِّه، وبلغ أبا حنيفة فقال: أخطأ في ستة مواضع؛ أقام الحدَّ في المسجد، ولا تقامُ الحدود في المساجد، وضربَها قائمة، ولا تضرب النساءُ قيامًا بل قعودًا، وضربها حدَّين، وإنما تضرب حدًّا واحدًا، وهي مجنونةٌ، والمجنونُ لا حدَّ عليه، وضربها حدين لأبيه وأمه، وهما غائبان، ولا يجوزُ إقامة الحدِّ للغائب حتى يحضر. قلت: وقد أخطأ ابن أبي ليلى في كونه قَضى بعلمه من غير دعوى؛ لأنَّه قال في أول الحكاية: وابن أبي ليلى يسمع (١). وسُئل أحمد بن حنبل عن مسألةٍ، فأجاب، فقيل له: إنَّ ابن المبارك لم ينزل من السماء (٢). وقد ينبه الصغيرُ لمَا يخفى على الكبير والمتأخِّر عن المتقدم في كلِّ عصرٍ

стр. 5668

وأوان، وقد قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وقال عبد الله بن أبي داود الحربي: أرادَ الأعمشُ الحجَّ، فقال: من هاهنا، نذهبُ إلى أبي حنيفة، يكتب لنا منه مناسكَ الحجّ. فصل في مناظرته لقتادة: روى النضر بن محمد قال: قدمَ قتادةُ الكوفة، فنزل دارَ أبي بُردة، فجلسَ يومًا للناس، وقد اجتمع إليه أشرافُ الكوفة وعلماؤهم، فقال: لا يسألني اليومَ أحدٌ عن الحلال والحرام إلَّا أجبتُه، فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، ما تقولُ في رجلٍ غاب عن أهله أعوامًا، فظنَّتِ امرأتُه أنَّه قد مات، فتزوَّجت، ثمَّ رجعَ زوجُها الأول، ما تقول في صداقها؟ فقال: أَوَقَعَتْ هذه المسألة؟ قال: لا، قال: فلم تسألني عن شيءٍ ما وقع (١)؟ فقال أبو حنيفة: إنَّا نستعد للأشياء قبلَ وقوعها (٢)، فإذا وقعَ الشيءُ عرفنَا الدخول فيه والخروج منه. فقال: اسألوني عن التفسير، فقال أبو حنيفة: ما تقول في قوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] من هو؟ قال: آصف بن برخيا، وكان يعرفُ الاسم الأعظم، فقال أبو حنيفة: أفيجوز أنْ يكون في زمان نبيٍّ من هو أعلم منه؟ فانقطع قتادة (٣). وفي روايةٍ أنَّ أبا حنيفة سأله فقال له: ما تقول في امرأة غاب زوجها فنُعِيَ إليها، فاعتدَّت ثم تزوَّجت رجلًا، فقدم الأول الغائب؟ فقال لها: كيف تزوَّجْتِ وأنا غائب؟ وقال لها الثاني: كيف تزوَّجتِ ولكِ زوج؟ فقال قتادة: لا أجيبُكم في هذا بشيء، اسألوني عن التفسير، فسأله عن آصف، فقال قتادة: من أين أنت؟ فقال: من أهل الكوفة، فقال: من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا؟ فقال: لا، ولكنِّي أفضِّلُ الشيخين،

стр. 5669

وأحبُّ الحسنين أو الختنين، وأمسحُ على الخفين، وأصلي خلف كل برٍّ وفاجر، ولا أُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب، فقال له قتادة: عرفْتَ فالزم. وتفرَّق الناس عن قتادة. وقال أبو مطيع: كان ابن المبارك يقول إذا ذُكر أبو حنيفة: ما يُقال في رجل عُرِضت عليه الدنيا والأموالُ الجليلة فردَّها. وقد ذكرنا أنَّ أبا جعفر أعطاهُ مالًا فلم يقبله. فصل: فأمَّا جودُه وسماحتُه وكرم أخلاقه: رَوى الخطيب عن قيس بن الربيع قال: كان أبو حنيفة رجلًا ورعًا فقيهًا محسودًا، وكان كثير الصلةِ والبرِّ لكلِّ من جاء إليه، كثير الإفضالِ على إخوانه (١). وقال قيس بن الربيع: كان أبو حنيفة يبعثُ بالبضائع إلى بغداد، فيشتري بها الأمتعة وما يحتاجُ إليه الشيوخُ المحدِّثين والفقهاء والزهَّاد، ويدفعُ إليهم النفقات، ويقول: احمدوا الله تعالى، فإنِّي ما أعطيتُكم من مالي شيئًا، هذه أرباحُ بضائع أَجرى الله أرزاقَكُم منها على يدي (٢). وروى الخطيب عن شيخٍ سمَّاه أبو سعيد الكندي قال: كان أبو حنيفة يبيع الخَزَّ، فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجتُ إلى ثوب خَزٍّ، فقال: ما لونه؟ قال: كذا وكذا، قال: اصبر حتى يقع وآخذه لك، فما دارت الجمعة حتى وقعَ، فجاء الرجل، فقال له أبو حنيفة: قد وقعت حاجتُك، ثم أخرج إليه ثوبًا فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة كم أزن للغُلام، فقال: درهمًا، فقال: أتهزأ بي؟ فقال: لا والله، إنِّي اشتريتُ ثوبين بعشرين دينارًا ودرهمًا، فبعتُ أحدَهما بعشرين دينارًا، وبقي هذا بدرهم، وما كنتُ لأربحَ على صديقٍ، فأخذه (٣). وروي عن أبي يوسف ورواه الخطيب عن أبي مطيع عن أبي حنيفة قال: دخلتُ على أبي جعفر فقال: يا أبا حنيفة، عمَّن أخذتَ العلم؟ قلت: عن حماد بن أبي سليمان

стр. 5670

[عن إبراهيم] عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، فقال: لقد استوثقتَ لنفسك (١). وروى الخطيب عن عبد الله بن رجاء قال: كان لأبي حنيفة جارٌ بالكوفة إسكاف، يعمل نهارَه، فإذا جاء إلى بيته شربَ ليلًا، فإذا دبَّ فيه السكر غزل بصوت يقول: [من الوافر] أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعُوا … ليومِ كريهةٍ وسِدَاد ثغر كأنِّي لم أكن فيهم وسيطًا … ولم تك نسبتي في آل عمرو أُجرَّرُ في المجامعِ كل يومٍ … فيالله مظلمتي وصبري والأبيات للعرجي وقد ذكرناها في ترجمته. قال: فلا يزالُ يردِّدُ الأبيات حتى ينام، وأبو حنيفة يسمعُ صوتَه عامة الليل، ففقدَ صوته ذاتَ ليلة، فسأل عنه، فقالوا: أخذه العَسَس وهو محبوس، فصلَّى أبو حنيفة الفجرَ ومضى إلى الأمير، فلما علمَ بمجيئه قال: لا يدخل عليَّ إلا راكبًا حتى يطأ بساطي، وخرج إليه والتقاه ورحَّب به، وقال: أنا كنتُ أولى بقصدك، ما حاجتك؟ قال: جاري الإسكاف أخذه العسس، فأمر بإطلاقِه وإطلاق كلِّ المحبسين (٢)، فركبَ أبو حنيفة، وجاء الإسكافُ فقبَّل يديه، فقال: يا هذا ما أضعناك (٣)؟ فقال: لا والله، بل حفظتَ ورعيتَ، فجزاكَ الله عن جوارك خيرًا، ثمَّ تاب الرجلُ فلم يعد إلى ما كان عليه. وروى الصيمري عن أبي يوسف قال: قال هارون الرشيد: صف لي أبا حنيفة، قال: فقلتُ: كان والله شديد الذبَّ عن محارم الله، طويلَ الصمت، دائمَ الفكر، لم يكن مِهْذَارًا ولا ثرثارًا (٤)، مشتغلًا بما هو فيه عن الناس، لا يذكر أحدًا إلا بخير. فقال هارون: هذه والله أخلاق الصالحين. وذكر أبو القاسم بن النفيس بإسناده إلى خارجة بن مصعب قال: خرجتُ إلى

стр. 5671

الحجِّ، فأودعتُ جاريتي عند أبي حنيفة، ثم مضيت إلى اليمن فأقمت أربعة أشهر، وعدتُ إلى الكوفة، فدخلتُ على أبي حنيفة مسلِّمًا، فقلت: كيف رأيتَ خدمة الجارية؟ فقال: والله ما أبصرتها، وكيف تتوهَّم أني استخدمتُها؟ فسألت الجارية عن أخلاقه في منزله فقالت: والله ما رأيتُ في الدنيا مثلَه، لقد رصدته أربعةَ أشهر فما اغتسلَ من جنابة، فسألتُ جاريته فقالت: إنَّما ترك هذا خشيةَ أن تحنين إلى مثل ذلك (١). وقال أبو يوسف: جاءه رجل فقال: إني وضعتُ كتابًا على لسانكَ إلى فلان، فوهبَ لي أربعة آلاف درهم، فقال أبو حنيفة: إن كنتم تنتفعونَ بهذا فافعلوا. وروى الخطيب عن سهل بن مُزاحم قال: كان أبو حنيفةَ كثير التفضُّل على إخوانه، باذلًا لهم حتى عرضه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا، فإنَّ قلوبَنا قد اتسعتْ له (٢). فصل: وأما وفور عقله وبره بوالديه: روى الخطيب عن ابن المبارك قال: قلت لسفيان الثوري: ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، ما سمعتُه يغتابُ عدوًّا له قط، فقال سفيان: هو والله أعقلُ من أن يسلِّطَ على حسناتِه ما يذهب بها (٣). وروى الخطيب عن علي بن عاصم قال: لو وُزِنَ عقل أبي حنيفة بعقل نصفِ [أهل] الأرض لرجَحَ (٤). وحكى الخطيب عن خارجة بن مصعب أو يزيد بن هارون قال: ما رأيتُ أورعَ ولا أعقلَ ولا أفضلَ من أبي حنيفة (٥)، وما وقع أحد في أبي حنيفة إلَّا دلَّ على نقصانِ عقله (٦). وحكى الخطيب أيضًا أنَّ أبا حنيفةَ كان يجيء بوالدتِه في شهر رمضان إلى مسجد

стр. 5672

عمر بن ذر، فيصلِّي إلى السحر، وكان بيتُه بعيدًا من المسجد (١). وقال حجر بن عبد الجبَّار الحضرميّ: كان في مسجدنا قاصٌّ يقال له زُرعة، فأرادت أمُّ أبي حنيفة أن تستفتي في شيءٍ، فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبل وقالت: لا أقبل إلَّا من زُرعة القاصّ، فجاء بها أبو حنيفة إلى زُرعة، فقال: هذه أمِّي تستفتيك في كذا وكذا، فقال: سبحان الله، معك أَيشٍ أقول؟! فقال: لا بدَّ أن تفتيَها، فقال لها: الجواب كذا وكذا، فقال أبو حنيفة: قد قلت لها هذا ولم تقبل، فقال لها زرعة: القولُ ما قالهُ أبو حنيفة، فرضيت وانصرفت (٢). وروى الخطيب عن أبي يوسف قال: قال لي أبو حنيفة: لا تسألني عن أمر الدين وأنا ماشٍ، ولا قائم، ولا متكئئ فإنَّ هذه الأماكن لا يجتمعُ فيها عقلُ الرجل (٣). فصل: فأمَّا صفتُه وصفة لباسه: فروي عن أبي يوسف أنَّه قال: كان أبو حنيفة ربعةً من الرِّجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسنَ الناس منطقًا، وأحلاهم نغمةً (٤)، حسنَ الوجه، حسنَ الثياب، طيِّبَ الرائحة، سريعًا إلى مواساة الإخوان. وروى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه قال: كان أبي طوالًا (٥) تعلوه سمرةٌ، وكان كثيرَ التعطُّر، يُعرَف بطيب الريح إذا أقبلَ من شدَّة تعطُّره. والأول أشهر. فصل: وأمَّا ضربُه على القضاء ونحوه: روَى الخطيب بإسناده قال: كلَّم ابنُ هُبيرة أبا حنيفة أنْ يَليَ القضاء، فأبى، فضربه مئةَ سوطٍ وعشرةَ أسواط، كلَّ يومٍ عشرة، وكان ابن هُبيرة عاملَ بني أمية على العراق (٦). قال أبو بكر بن عياش: وكان ذلك في أيَّامٍ باردة، ثمَّ قُيِّدَ بأثقلِ الحديد وحبس.

стр. 5673

قال الخطيب: فجاءتهُ أمه فقالت: يا نعمان، إن علمًا أفادك الضرب والحبس لحقيقٌ بك أن تنفر عنه، فقال: يا أمَّاه لو أردتُ الدنيا لما ضُربت، ولكن أردتُ وجهَ الله وصيانةَ العلم، ولم أعرِّضه للهلكة. وقال الخطيب بإسناده عن ابن داود: لما امتنعَ أبو حنيفة من ولاية القضاء حَلف ابن هُبيرة لئن لم يفعل ليضربنَّه بالسياط على رأسه، فقال أبو حنيفة: ضربهُ في الدُّنيا أسهلُ عليَّ من مقامع الحديد في الآخرة، والله لو قتلني لما فعلت. وبلغَ ابن هُبيرة فقال: بلغ من قدره أن يعارض يميني بيمينه، فدعا به فشافهه، فقال: يا ابنَ هبيرة، إنَّما هي موتةٌ واحدةٌ، فضربَه على رأسه عشرين سوطًا، فقال له أبو حنيفة: يا ابنَ هُبيرة، اذكر مقامك غدًا بين يدي الله تعالى، فإنَّه أذلُّ من مقامي بين يديك، ولا تتهدَّدني، فإنّي أقول: لا إله إلَّا الله، واللهُ سائلُك عنِّي، فأمرَ به إلى السجن، فانتفخَ رأسه ووجهُه، فرأى ابن هُبيرة في تلك الليلة رسولَ الله ﷺ في المنام وهو يوبِّخه ويعاتبُه لأجله، فاستحضره واستحلَّه وأطلقَه. ورَوى الخطيب أنَّ أبا حنيفة كان يخرجُ كلَّ يوم فيضرب، فبكى بكاءً شديدًا وقال: إنَّ غمَّ والدتي أشدُّ عليَّ من الضرب (١). وروى الخطيب عن ابن المبارك قال: أشخص أبو جعفر أبا حنيفة إلى بغداد وأراده على القضاء، فأبى فحلفَ ليفعلنّ، فحلفَ أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع: أميرُ المؤمنين: يحلفُ وأنتَ تحلف، فقال: هو أقدر على كفارة يمينه منِّي، فأمر به إلى السجن فمات فيه (٢)، وسنذكره. وقال أبو حنيفة لبعض أصحابه: أوصيكُم أن لا يليَ أحدٌ منكم القضاء، وإن دعته الضرورة إلى الدخول فيه فلا يجعلْ بينه وبين الناس حاجبًا، وأوصاهم. فصل في رؤياه النبيِّ ﷺ : روى الخطيب عن هشام بن مهران قال: رَأىَ أبو حنيفة في المنام كأنَّه نبشَ قبر النبيِّ ﷺ ، فبعث إلى ابن سيرين فسألَه فقال: صاحبُ هذه الرؤية يثوِّرُ علمًا لم يُسبق إليه،

стр. 5674

فحينئذٍ نظرَ أبو حنيفة وتكلَّم (١). وفي رواية: هذا رجلٌ يحيي سنَّةَ رسول الله ﷺ . وروي أنَّ الشافعيَّ ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة. وروى القاضي أبو حازم عن وكيع بن الجرَّاح قال: كنَّا عند أبي حنيفة، فجاءته امرأةٌ فقالت: يا أبا حنيفة مات أخي وترك ستَّ مئة دينار، فأعطوني دينَارًا واحدًا، فأطرقَ، ثمَّ رفعَ رأسه وقال: خلَّف أخوك بنتين وأمًّا وزوجة واثني عشر أخًا وأنت؟ قالت: نعم، قال: للبنتين الثلثان أربع مئة، وللأم السدس مئة دينار، وللمرأة الثمن خمس وسبعون دينارًا، بقي خمسةٌ وعشرون؛ للإخوة أربعة وعشرين، لكلِّ واحدٍ ديناران، بقي لك دينارٌ واحد (٢). وقال محمد بن الحسن: دخلَ اللصوصُ دارَ رجلٍ، فأخذوا متاعَه، وأحلفوه بالطلاق ثلاثًا أنَّه لا يتكلَّم، وأصبح الرجل، فرأى قماشه في السوق يباع، وهو لا يقدرُ على الكلام، فجاء إلى أبي حنيفة، وأشار إليه أدنى إشارة، ففهم، فجمعَ أبو حنيفة أربابَ التُّهم في المسجد، وقال للرجل: اقعد على باب المسجد، وجعل يُخرِجُ واحدًا واحدًا، ويقول: هذا الذي أخذَ قماشك، فإن كان غيرَه أخذ، قال: لا، وإن كان أخذ سكت، فردُّوا عليه جميعَ ما أخذ منه. فصل في وفاته: حكى الخطيب عن الواقديِّ قال: أشخصَ أبو جعفر المنصور أبا حنيفة من الكوفة إلى بغداد (٣)، وعَرضَ عليه القضاء فامتنع، فحبسَهُ فأقام في حبسِه خمسة عشر يومًا، وماتَ فدُفنَ في مقابر الخيزران سنة خمسينَ ومئة، وعمرُه سبعون سنة. وحكى الخطيبُ أيضًا عن الصيمريِّ أنه سمَّ في سويق، فامتنع من شربه، فقال: لتشربنَّه مُكرهًا، فشربه، ثم قام مبادرًا، فقال له أبو جعفر: إلى أين؟ قال: إلى حيثُ بعثتَ بي! فمضوا به إلى السجن، فمات وهو ساجد (٤).

стр. 5675

وحكى الخطيب عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: رأيتُ جنازة أيَّام أبي جعفر يحملُها اثنان، وخلفَها رجلٌ بباب خراسان. وقيل يحملها أربعة (١)، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: لرجلٍ من أهل الكوفة يقال له: أبو حنيفة، مات في السجن، فلمَّا جازوا بها بابَ خراسان، كأنَّما نُودي في الناس، فعبرنا به إلى الجانب الشرقي، وصلَّوا عليه عند باب الجسر، ثمَّ كثر الزحام، فلم يصلُوا به إلى مقبُرة الخيزران إلى بعد العصر، وجاء أبو جعفر المنصور فصلَّى على قبره، ومكثَ الناسُ يصلُّون على قبره أربعين يومًا، وقيل: عشرين يومًا، وكان قد أوصَى أن يُدفن في الجانب الشرقيّ؛ لأنَّ الجانب الغربي غَصْبٌ، وقد ذكرناه. وحكى ابن سعد عن الواقدي قال: كنتُ بالكوفة أتوقَّع قدومَه، فجاء نعيُه (٢). وقيل: إنَّه تكلَّم في أيَّام خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فحُبس بهذا السبب. واختلفوا في أي شهر مات فقال الخطيب: في رجب (٣)، وقال الصيمري: في شعبان (٤)، وقال أبو يوسف: في شوال. قال: ولَمَّا دُفِن سمع الناس ثلاثَ ليالٍ عند قبره صوتًا -ولا يرون شخصًا- وهو يقول: [من الرمل] ذهبَ الفقهُ فلا فقهَ لكم … فاتَّقوا اللهَ وكونوا خلفَا مات نعمان فمن هذا الذي … يحيي الليل إذا ما سدفا (٥) وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: إنِّي لأتبرَّك بقبر أبي حنيفة، فإذا عرضت حاجةٌ إلى الله تعالى قصدتُه، وصلَّيتُ عنده ركعتين، فما يبعدُ قضاؤها (٦). ورؤيت له مناماتٌ كثيرة، فروى الخطيب عن السري بن طلحة قال: رأيتُ أبا حنيفة
следующие страницы →