← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

الحجِّ، فأودعتُ جاريتي عند أبي حنيفة، ثم مضيت إلى اليمن فأقمت أربعة أشهر، وعدتُ إلى الكوفة، فدخلتُ على أبي حنيفة مسلِّمًا، فقلت: كيف رأيتَ خدمة الجارية؟ فقال: والله ما أبصرتها، وكيف تتوهَّم أني استخدمتُها؟ فسألت الجارية عن أخلاقه في منزله فقالت: والله ما رأيتُ في الدنيا مثلَه، لقد رصدته أربعةَ أشهر فما اغتسلَ من جنابة، فسألتُ جاريته فقالت: إنَّما ترك هذا خشيةَ أن تحنين إلى مثل ذلك (١). وقال أبو يوسف: جاءه رجل فقال: إني وضعتُ كتابًا على لسانكَ إلى فلان، فوهبَ لي أربعة آلاف درهم، فقال أبو حنيفة: إن كنتم تنتفعونَ بهذا فافعلوا. وروى الخطيب عن سهل بن مُزاحم قال: كان أبو حنيفةَ كثير التفضُّل على إخوانه، باذلًا لهم حتى عرضه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا، فإنَّ قلوبَنا قد اتسعتْ له (٢). فصل: وأما وفور عقله وبره بوالديه: روى الخطيب عن ابن المبارك قال: قلت لسفيان الثوري: ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، ما سمعتُه يغتابُ عدوًّا له قط، فقال سفيان: هو والله أعقلُ من أن يسلِّطَ على حسناتِه ما يذهب بها (٣). وروى الخطيب عن علي بن عاصم قال: لو وُزِنَ عقل أبي حنيفة بعقل نصفِ [أهل] الأرض لرجَحَ (٤). وحكى الخطيب عن خارجة بن مصعب أو يزيد بن هارون قال: ما رأيتُ أورعَ ولا أعقلَ ولا أفضلَ من أبي حنيفة (٥)، وما وقع أحد في أبي حنيفة إلَّا دلَّ على نقصانِ عقله (٦). وحكى الخطيب أيضًا أنَّ أبا حنيفةَ كان يجيء بوالدتِه في شهر رمضان إلى مسجد

стр. 5672

عمر بن ذر، فيصلِّي إلى السحر، وكان بيتُه بعيدًا من المسجد (١). وقال حجر بن عبد الجبَّار الحضرميّ: كان في مسجدنا قاصٌّ يقال له زُرعة، فأرادت أمُّ أبي حنيفة أن تستفتي في شيءٍ، فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبل وقالت: لا أقبل إلَّا من زُرعة القاصّ، فجاء بها أبو حنيفة إلى زُرعة، فقال: هذه أمِّي تستفتيك في كذا وكذا، فقال: سبحان الله، معك أَيشٍ أقول؟! فقال: لا بدَّ أن تفتيَها، فقال لها: الجواب كذا وكذا، فقال أبو حنيفة: قد قلت لها هذا ولم تقبل، فقال لها زرعة: القولُ ما قالهُ أبو حنيفة، فرضيت وانصرفت (٢). وروى الخطيب عن أبي يوسف قال: قال لي أبو حنيفة: لا تسألني عن أمر الدين وأنا ماشٍ، ولا قائم، ولا متكئئ فإنَّ هذه الأماكن لا يجتمعُ فيها عقلُ الرجل (٣). فصل: فأمَّا صفتُه وصفة لباسه: فروي عن أبي يوسف أنَّه قال: كان أبو حنيفة ربعةً من الرِّجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسنَ الناس منطقًا، وأحلاهم نغمةً (٤)، حسنَ الوجه، حسنَ الثياب، طيِّبَ الرائحة، سريعًا إلى مواساة الإخوان. وروى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه قال: كان أبي طوالًا (٥) تعلوه سمرةٌ، وكان كثيرَ التعطُّر، يُعرَف بطيب الريح إذا أقبلَ من شدَّة تعطُّره. والأول أشهر. فصل: وأمَّا ضربُه على القضاء ونحوه: روَى الخطيب بإسناده قال: كلَّم ابنُ هُبيرة أبا حنيفة أنْ يَليَ القضاء، فأبى، فضربه مئةَ سوطٍ وعشرةَ أسواط، كلَّ يومٍ عشرة، وكان ابن هُبيرة عاملَ بني أمية على العراق (٦). قال أبو بكر بن عياش: وكان ذلك في أيَّامٍ باردة، ثمَّ قُيِّدَ بأثقلِ الحديد وحبس.

стр. 5673

قال الخطيب: فجاءتهُ أمه فقالت: يا نعمان، إن علمًا أفادك الضرب والحبس لحقيقٌ بك أن تنفر عنه، فقال: يا أمَّاه لو أردتُ الدنيا لما ضُربت، ولكن أردتُ وجهَ الله وصيانةَ العلم، ولم أعرِّضه للهلكة. وقال الخطيب بإسناده عن ابن داود: لما امتنعَ أبو حنيفة من ولاية القضاء حَلف ابن هُبيرة لئن لم يفعل ليضربنَّه بالسياط على رأسه، فقال أبو حنيفة: ضربهُ في الدُّنيا أسهلُ عليَّ من مقامع الحديد في الآخرة، والله لو قتلني لما فعلت. وبلغَ ابن هُبيرة فقال: بلغ من قدره أن يعارض يميني بيمينه، فدعا به فشافهه، فقال: يا ابنَ هبيرة، إنَّما هي موتةٌ واحدةٌ، فضربَه على رأسه عشرين سوطًا، فقال له أبو حنيفة: يا ابنَ هُبيرة، اذكر مقامك غدًا بين يدي الله تعالى، فإنَّه أذلُّ من مقامي بين يديك، ولا تتهدَّدني، فإنّي أقول: لا إله إلَّا الله، واللهُ سائلُك عنِّي، فأمرَ به إلى السجن، فانتفخَ رأسه ووجهُه، فرأى ابن هُبيرة في تلك الليلة رسولَ الله ﷺ في المنام وهو يوبِّخه ويعاتبُه لأجله، فاستحضره واستحلَّه وأطلقَه. ورَوى الخطيب أنَّ أبا حنيفة كان يخرجُ كلَّ يوم فيضرب، فبكى بكاءً شديدًا وقال: إنَّ غمَّ والدتي أشدُّ عليَّ من الضرب (١). وروى الخطيب عن ابن المبارك قال: أشخص أبو جعفر أبا حنيفة إلى بغداد وأراده على القضاء، فأبى فحلفَ ليفعلنّ، فحلفَ أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع: أميرُ المؤمنين: يحلفُ وأنتَ تحلف، فقال: هو أقدر على كفارة يمينه منِّي، فأمر به إلى السجن فمات فيه (٢)، وسنذكره. وقال أبو حنيفة لبعض أصحابه: أوصيكُم أن لا يليَ أحدٌ منكم القضاء، وإن دعته الضرورة إلى الدخول فيه فلا يجعلْ بينه وبين الناس حاجبًا، وأوصاهم. فصل في رؤياه النبيِّ ﷺ : روى الخطيب عن هشام بن مهران قال: رَأىَ أبو حنيفة في المنام كأنَّه نبشَ قبر النبيِّ ﷺ ، فبعث إلى ابن سيرين فسألَه فقال: صاحبُ هذه الرؤية يثوِّرُ علمًا لم يُسبق إليه،

стр. 5674

فحينئذٍ نظرَ أبو حنيفة وتكلَّم (١). وفي رواية: هذا رجلٌ يحيي سنَّةَ رسول الله ﷺ . وروي أنَّ الشافعيَّ ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة. وروى القاضي أبو حازم عن وكيع بن الجرَّاح قال: كنَّا عند أبي حنيفة، فجاءته امرأةٌ فقالت: يا أبا حنيفة مات أخي وترك ستَّ مئة دينار، فأعطوني دينَارًا واحدًا، فأطرقَ، ثمَّ رفعَ رأسه وقال: خلَّف أخوك بنتين وأمًّا وزوجة واثني عشر أخًا وأنت؟ قالت: نعم، قال: للبنتين الثلثان أربع مئة، وللأم السدس مئة دينار، وللمرأة الثمن خمس وسبعون دينارًا، بقي خمسةٌ وعشرون؛ للإخوة أربعة وعشرين، لكلِّ واحدٍ ديناران، بقي لك دينارٌ واحد (٢). وقال محمد بن الحسن: دخلَ اللصوصُ دارَ رجلٍ، فأخذوا متاعَه، وأحلفوه بالطلاق ثلاثًا أنَّه لا يتكلَّم، وأصبح الرجل، فرأى قماشه في السوق يباع، وهو لا يقدرُ على الكلام، فجاء إلى أبي حنيفة، وأشار إليه أدنى إشارة، ففهم، فجمعَ أبو حنيفة أربابَ التُّهم في المسجد، وقال للرجل: اقعد على باب المسجد، وجعل يُخرِجُ واحدًا واحدًا، ويقول: هذا الذي أخذَ قماشك، فإن كان غيرَه أخذ، قال: لا، وإن كان أخذ سكت، فردُّوا عليه جميعَ ما أخذ منه. فصل في وفاته: حكى الخطيب عن الواقديِّ قال: أشخصَ أبو جعفر المنصور أبا حنيفة من الكوفة إلى بغداد (٣)، وعَرضَ عليه القضاء فامتنع، فحبسَهُ فأقام في حبسِه خمسة عشر يومًا، وماتَ فدُفنَ في مقابر الخيزران سنة خمسينَ ومئة، وعمرُه سبعون سنة. وحكى الخطيبُ أيضًا عن الصيمريِّ أنه سمَّ في سويق، فامتنع من شربه، فقال: لتشربنَّه مُكرهًا، فشربه، ثم قام مبادرًا، فقال له أبو جعفر: إلى أين؟ قال: إلى حيثُ بعثتَ بي! فمضوا به إلى السجن، فمات وهو ساجد (٤).

стр. 5675

وحكى الخطيب عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: رأيتُ جنازة أيَّام أبي جعفر يحملُها اثنان، وخلفَها رجلٌ بباب خراسان. وقيل يحملها أربعة (١)، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: لرجلٍ من أهل الكوفة يقال له: أبو حنيفة، مات في السجن، فلمَّا جازوا بها بابَ خراسان، كأنَّما نُودي في الناس، فعبرنا به إلى الجانب الشرقي، وصلَّوا عليه عند باب الجسر، ثمَّ كثر الزحام، فلم يصلُوا به إلى مقبُرة الخيزران إلى بعد العصر، وجاء أبو جعفر المنصور فصلَّى على قبره، ومكثَ الناسُ يصلُّون على قبره أربعين يومًا، وقيل: عشرين يومًا، وكان قد أوصَى أن يُدفن في الجانب الشرقيّ؛ لأنَّ الجانب الغربي غَصْبٌ، وقد ذكرناه. وحكى ابن سعد عن الواقدي قال: كنتُ بالكوفة أتوقَّع قدومَه، فجاء نعيُه (٢). وقيل: إنَّه تكلَّم في أيَّام خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فحُبس بهذا السبب. واختلفوا في أي شهر مات فقال الخطيب: في رجب (٣)، وقال الصيمري: في شعبان (٤)، وقال أبو يوسف: في شوال. قال: ولَمَّا دُفِن سمع الناس ثلاثَ ليالٍ عند قبره صوتًا -ولا يرون شخصًا- وهو يقول: [من الرمل] ذهبَ الفقهُ فلا فقهَ لكم … فاتَّقوا اللهَ وكونوا خلفَا مات نعمان فمن هذا الذي … يحيي الليل إذا ما سدفا (٥) وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: إنِّي لأتبرَّك بقبر أبي حنيفة، فإذا عرضت حاجةٌ إلى الله تعالى قصدتُه، وصلَّيتُ عنده ركعتين، فما يبعدُ قضاؤها (٦). ورؤيت له مناماتٌ كثيرة، فروى الخطيب عن السري بن طلحة قال: رأيتُ أبا حنيفة

стр. 5676

في المنام، فقلت له: من أينَ أقبلت؟ قال: من عند ربِّ العزَّة، أنصفَني من سفيانَ الثوري. وروى شبابة بن سوار عن أبيه قال: رأيتُ أبا حنيفة في المنام في حالةٍ حسنة، فقلت: ما فعلَ الله بك؟ قلت (١): غفرَ لي، قلت: بالعلم؟ فقال: هيهات: إنَّ للعلم آفات، وإنَّما غفرَ لي بقول الناس فيَّ ما لم يعلمه الله منِّي. وقال القاضي الصيمري: ومن مدائح ابنِ المبارك في أبي حنيفة هذه الأبيات: [من الوافر] لقد زانَ البلادَ ومن عليها … إمامُ المسلمين أبو حنيفَهْ بآثارٍ وفقهٍ مع حديثٍ … كآيات الزبورِ على صحيفَهْ فما في المشرقينِ له نظيرٌ … ولا في المغربين ولا بكوفَهْ رأيتُ العائبين له سِفاها … خلاف الحقِّ مع حُججٍ ضعيفَهْ يبيتُ مشمِّرًا سهرَ الليالي … وصامَ نهارَه لله خيفَهْ وصانَ لسانَه عن كل إِفْكٍ … وما زالتْ جوارحه عفيفة يعف عن المحارم والملاهي … ومرضاةُ الإلهِ له وظيفهْ فمن كأبي حنيفةَ في نداهُ … لأهل الفقر في السنةِ الجحيفَهْ وكيف يحل أنْ يؤذَى فقيهٌ … له في الدين آثارٌ شريفَهْ وقد قال ابنُ إدريسٍ مقالًا … صحيح النقل في حِكَمٍ لطيفَهْ بأنَّ الناس في فقهٍ عيالٌ … على فقهِ الإمام أبي حنيفَهْ وقيل فيه أشعار كثيرة. وروى الخطيب عن أحمد بن الحسن الترمذي قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، ما ترى ما الناس فيه من الاختلاف؟ فقال: في أي شيء؟ فقلتُ: فيما بين أبي حنيفة ومالك والشافعي، فقال: أمَّا أبو حنيفة فما أدري من هو، وأمَّا

стр. 5677

مالك فقد كتب العلم، وأمَّا الشافعي فمنِّي وإليَّ (١). قلت: هذا من قلَّة فهم الخطيب والذي رأى المنام؛ لأنَّه كيف يُظَنُّ برسول الله ﷺ أنَّه لا يعرفُ أبا حنيفة، أليس قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "تُعرَضُ عليَّ أعمالُ أمتي يوم الاثنين والخميس" (٢)؟ فلا بدَّ أن يَعْرفَ من يعرض عليه من أمَّته (٣)، ثمَّ هذا معارَضٌ بما رَوى الفضلُ بن خالد قال: كنتُ أبغضُ أبا حنيفة، فرأيتُ رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: إنَّ كلامَ أبي حنيفة ككلام لقمان الحكيم، لا بل يزيدُ عليه، فرجعتُ إلى عند أبي حنيفة (٤). وقد قال العوَّام بن حوشب: اذكروا محاسن السلف؛ لتجمعوا القلوبَ عليهم، ولا تذكروا مساوئَهم فتنفِّروا النفوس عنهم. انتهت ترجمةُ أبي حنيفة ﵁. * * *

стр. 5678

السنة الحادية والخمسون فيها عزل أبو جعفر عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة عن السند وولَّاه إفريقيَّة، وولَّى مكانه على السند هشام بن عمرو التغلبي (١). وفيها ابتدأ أبو جعفر بعمارة الرصافة بالجانب الشرقيّ، وعمل لها سورًا، وخندقًا، وأجرى إليها الماء كما فعلَ ببغداد. وسببه أن أبا جعفر استشارَ بعضَ أقاربه فقال: ما ترى ما نحن فيه من شغب الجند ووثوبهم علينا كلَّ وقت؟! فقال له: الرأيُ عندي أنْ تعبُر بولدك إلى الجانب الشرقيّ، وابنِ له هناك قصرًا وبلدًا، وحوِّل معه من الجيوش جيشًا، فيصير ذاك بلدًا وهذا آخر، فإن فسدَ عليك أحد البلدين ضَربهم بالآخر، وإن فسدت عليك المضريَّةُ ضربها باليمانية، أو اليمانية ضربها بالمضريَّة، الخراسانية ضربها بأعدائها (٢). ففعل أبو جعفر ذلك، فاستقامت له الأمور. ووُزِنَ ما بين الرصافة وبغداد فكانت بغداد أعلى من الرصافة بذراعين وثلاثين ذراع (٣)، كذا ذكره الخطيب. وهو بعيدٌ في رأي العين اليوم. وفيها قدم المهديُّ على أبي جعفر ببغداد، فالتقاه أبوه، وأحسن إلى أصحابه، وكساهم، وحملهم، وكذا فعل المهدي (٤). وفيها جدَّد أبو جعفر البيعة لنفسه ولابنه محمد المهدي، ثمَّ لعيسى بن موسى من بعده، فكان من يبايعه يقبِّلُ يدَه ويد المهدي، ثم يمسحُ على يد عيسى بن موسى ولا يقبِّلُها (٥).

стр. 5679

وحج بالناس محمد بن إبراهيم الإمام، وهو كان العامل على مكَّة والطائف، وعلى المدينة الحسنُ بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة جابر بن توبة الكلابيّ، وعلى قضائها سَوار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم (١). وفيها توفي أشعث الحُدَّاني من الطبقة الرابعة من عباد البصرة، وكان من الخائفين. قال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى حزم قال. قال لنا أشعث الحداني: انطلقوا بنا إلى أبي محمد حبيب العجمي نسلِّم عليه، وذلك عند ارتفاع النهار، فانطلقنا معه، فسلَّمنا عليه وجلسنا، فأخذ حبيب في البكاء وبكى أشعث، فما زالا كذلك حتى حضرت صلاة الظهر، فصلَّينا، ثم أَخذا في البكاء إلى العصر، فصلَّينا، وما زالا يبكيان إلى المغرب، ثم قام وخرج، ثمَّ التفتَ إلينا وقد ركب حماره وقال: إنَّ أناسًا ينهون عن هذا فأطيعهم؟ قلنا: إذًا أنت أعلم، فقال: والله لا أطيعُهم أبدًا. أسندَ عن الحسن وابن سيرين، وأقرانهما (٢). قلت: وفي الطبقة الرابعة من أهل البصرة رجلٌ آخرُ يقال له الحُدَّاني أيضًا، إلا أنَّ اسمَه عبد الله بن غالب كان من الزهَّاد الخائفين. قال أبو نعيم بإسناده إلى المغيرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن غالب الحُدَّاني لما برز للعدو: على ما آسى من الدنيا؟ فوالله ما فيها للبيب جذلٌ، والله لولا محبَّتي لمباشرة السهر بصفحة وجهي، وافتراش الجبهة لك يا سيدي، والمراوحة بين الأعضاء في ظلم الليل؛ رجاءَ ثوابك وحلول رضوانك لقد كنتُ متمنِّيًا لفراقِ الدنيا وأهلها. ثمَّ كسرَ جفن سيفه، وتقدَّم فقاتل حتَّى قُتل، فحُمِل في المعركة وبه رمق، فماتَ دون العسكر، فلمَّا دُفِنَ أصابوا من قبرِه رائحة المسك.

стр. 5680

قال: فرآه رجلٌ من إخوانه في منامه، فقال: يا أبا فراس إلى ما صرت؟ قال: إلى الجنة، قال: بم؟ قال: بحسن اليقين، وطول التهجُّد، وظمأ الهواجر، قال: فما هذه الرائحةُ الطيِّبةُ التي توجد من قبرك؟ قال: تلك رائحةُ التلاوة والظَّمأ، قال: فقلت: أوصني، قال: اكسب لنفسك خيرًا، لا تخرج عنك الليالي والأيَّام عطلًا (١). قلت: تقدَّمتْ وفاةُ عبد الله بن غالب الحُدَّاني على وفاة أشعث الحُدَّاني؛ لأنَّ جدِّي ذكر في "صفوة الصفوة" عن مالك بن دينار أنَّه قال: نزلتُ في قبر عبد الله بن غالب، وأخذتُ من ترابِه، فإذا هو مسك، قال: وفُتِنَ الناسُ به فبُعِثَ إلى قبره فسوِّي (٢). ومالك بن دينار توفي في سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين ومئة. جعفر بن أبي جعفر المنصور كان يتولى إمارة الموصل والجزيرة وتوفي في حياة أبيه (٣)، وكان للمنصور جعفران، أكبر وأصغر، وهذا هو الأكبر، وهو شقيقُ محمد المهدي، وأمُّهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميري، وكنيةُ جعفر أبو الفضل (٤). قيل: إنه مات في سنة خمسين ومئة، وصلَّى عليه المنصور أبوه ودفنه بمقابر قريش (٥). حسان بن أبي سنان (٦) من الطبقة الرابعة من أهل البصرة، وكان من الخائفين المتعبِّدين الورعين. قال ابنُ أبي الدنيا بإسناده: عن محمد بن عبد الله الزرّاد قال: خرجَ حسان إلى العيد، فلمَّا

стр. 5681

رَجع قالت له امرأتُه: كم من امرأة حسناء نظرت إليها اليوم؟ فلم يجبها، فألحَّت عليه، قال: ويحك! والله ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك حتى وجعت إليك. وروى ابن أبي الدنيا أنَّ غلامًا لحسان بن أبي سنان كتب إليه من الأهواز: إنَّ قصب السكر أصابته آفةٌ، فاشتر السكَّر فيما قبلك، فاشتراه من رجل، فلم يأت إلَّا القليل فإذا مِمَّا ربح ثلاثون ألفًا، قال: فأتى صاحبَ السكَّر فقال له: يا هذا، إنَّ غلامي كان كتب إليَّ ولم أعلمك بكذا وكذا، فأقلني، فقالط الرجل: قد علمتُ الآن وطيبتُه، فقالط: لم آت الأمر من وجهه (١)، أقلني، فما زال به حتى أقاله، وردَّ عليه ماله. وروى ابن أبي الدنيا عن أبي يحيى الزرَّاد قال: كان حسان يتمثل كثيرًا: [من البسيط] لا صحَّةُ المرء في الدنيا تؤخِّرُه … ولا يقدم يومًا موته الوجَعُ قال: وكان يدخلُ مع امرأته في الفراش، ثمَّ يخادعها ويخرج فيصلِّي إلى الصباح، قال: وكان يبكي حتى يبلَّ ما بين يديه، ولا يُسمَع له صوت. قال ابن أبي الدنيا أيضًا: ومرَّ حسان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبلَ على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك؟! لأعاقبنَّك بصوم سنة، فصامها. قال: وكان يقول: لولا المساكين لما اتّجرتُ، وكان يأخذ الربحَ فيخرجُ منه قوتَ عياله، ويتصدَّق بالباقي. ذكر وفاته: حدثنا عبد الوهاب بن علي الصوفي بإسناده عن يحيى بن بسطام التميميّ جارِ حسان قال: كان حسان يصوم الدهرَ، ويفطر على قرص، ويتسحَّر بآخر، فنحل وسقم جسمه، حتى صار كهيئة الخيال، فلمّا مات وأدخل مغتسله لغسله، كشف الثوب عنه، فإذا هو كهيئة الخيط الأسود، وأصحابه يبكون حوله فسمعوا قائلًا يقول من ناحية البيت: [من الوافر] تجوَّعَ للإله لكي يراهُ … نحيلَ الجسم من طولِ الصيامِ

стр. 5682

وقام لربِّه في الليل حتى … أضرَّ بجسمِه طولُ القيامِ سينعمُ في الجنان بحورِ عينٍ … نواعم قاصراتٍ في الخيامِ فكانوا يرون أنَّ بعض الجن بكاه، قال: فوالله ما رؤي في البيت إلَّا باكيًا. أسندَ حسَّان عن أنس والحسن وابن سيرين وثابت البُناني وغيرهم، وإنَّما شغلته العبادة عن الرواية. عبد الله بن عون بن أَرطبان ذكره ابنُ سعد في الطبقة الرابعة من أهل البصرة وقال: كنيتُه أبو عون، مولى عبد الله بن ذَرَّة (١) بن سرَّاق (٢) المزني، وكانَ أكبرَ من سلمان التيميّ، وكان عثمانيًّا، ثقةً، كثيرَ الحديث، ورعًا. وقال حماد بن زيد: ولد ابنُ عون قبلَ الطاعون الجارف بثلاث سنين. وكان لا يسلِّمُ على القدريَّة إذا مرَّ بهم. قال: وكان إذا حدث بالحديث تخشَّعَ عنده حتى يرحمه من حضره مخافة أن يزيد فيه أو ينقص منه. ويقول: وددتُ أنِّي خرجتُ منه كَفافًا، يعني العلم. قال: وكان له إخوانٌ يأتونَه فيأذن لهم خاصة، ولا يأذن للجماعة. قال: وكانوا إذا جاؤوه سلَّموا عليه، فيردُّ، ويجلسون كأنَّ على وجوههم (٣) الطير من الخشوع والخضوع، وكان لا يدعُ أحدًا يمشي معه، واتَّبعه يومًا محمد بن سيرين (٤) فقال له: ألكَ حاجة؟ قال: لا، قال: فانصرف. قال: وكان لا يمازح أحدًا، ولا يماري أحدًا، ولا ينشد شِعرًا. وإذا صلَّى الغداة مكثَ مستقبلَ القبلة يذكرُ الله تعالى، فإذا طلعتِ الشمسُ صلَّى، ثم

стр. 5683

أقبلَ على أصحابه. قال ابن سعد: وحدثنا بكَّار بن محمد بهذا كلِّه. قال بكَّار: وما رأيتُ ابن عون شاتمًا أحدًا قط، لا عبدًا (١)، ولا أمةً، ولا شاةً، ولا دجاجةً، ولا رأيتُ أحدًا أملكَ للسانه منه. قال: وكان بلال بن أبي بردة قد ضربه بالسِّياط؛ لأنه تزوَّج امرأة عربية، قال بكار: فما سمعتُه يذكرُ بلالًا بشيءٍ قطّ، ولقد بلغني أنَّ أقوامًا قالوا: يا أبا عون، فعلَ بلالٌ كذا وكذا، فقال: إنَّ الرجل قد يكون مظلومًا، فلا يزالُ يقول حتى يصيرَ ظالمًا. وقال بكَّار: لقد صحبتُه مدَّة فما سمعتُه حالفًا على يمينٍ برَّةٍ ولا فاجرة حتَّى فرق الموت بيننا. قال: وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وما رأيتُ بيده دينارًا ولا درهمًا وما رأيته وزنَ شيئًا قط، وكان إذا توضَّأ لا يعينُه على وضوئه أحد، ويمسح وجهه بمنديلٍ أو خرقة. قال: وكان يغتسلُ للجمعة والعيدين ويتطيب، ويَرى ذلك سُنَّةً، ويلبس أنظفَ ثيابه، وما رأيتُه دخلَ حمَّامًا، ولا أكل طعامًا فيه ثوم قط. وكان إذا وصل إنسانًا وصلَهُ سرًّا، وما كان يحب أن يطَّلعَ على عمله أحدٌ. قال: وكان عثمان البتي يقول في شهادة الرجل لابنه (٢): لا يجوزُ إلَّا أن يكون مثل ابن عون. وكان ابن عون إذا اجتهدَ في الدعاء يقول: يا أحد يا أحد. قال بكار بن محمد: ورأيت بعض أسنان ابن عون مشدودةً بالذهب. قال: ومات في رجب سنة إحدى وخمسين ومئة. وهذا الذي ذكرناه روايات ابن سعد (٣). وروى أبو نعيم عن يحيى بن سعيد القطان قال: ما سادَ ابنُ عون الناسَ أن كانَ

стр. 5684

أتركَهم للدُّنيا، وإنَّما سادَهم بحفظ لسانه. وروى أبو نعيم أيضًا عن يونس بن عبيد أنه قال: إنِّي لأعرف رجلًا منذ عشرين سنة يتمنَّى أن يَسْلَمَ له يومٌ من أيام ابن عون فلا يقدر عليه، وليس ذلك أن يسكت يومًا لا يتكلَّم، ولكن يتكلَّم فيسلم كما يسلم ابن عون. وقال ابن المبارك: إنما ارتفعَ ابنُ عون بالاستقامة. ورَوى أبو نعيم عن خارجة بن مصعب قال: صحبتُ عبد الله بن عون أربعةً وعشرين سنةً، فما أعلمُ أنَّ الملائكةَ كتبت عليه خطيئةً قط. قال: وكان لا يغضبُ فإذا أغضبَه أحدٌ قال: باركَ الله فيك (١). وروى ابن بطة أنَّ ابن عون كان له حوانيتُ يكريها لأهلِ الذمَّة ولا يكريها للمسلمين، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ لمجيء رأس الشهر روعة، وأنا أكرهُ أن أروِّعَ مسلمًا (٢). وقال عثمان البتي: ما رأت عيناي مثلَ ابن عون، قيل: ولا الحسن وابن سيرين، قال: ولا الحسن ولا ابن سيرين. وروى أبو نعيم أن أمَّ ابن عون نادته فأجابها فارتفع صوته على صوتها فأعتق رقبتين (٣). قال: وكان له جمل يغزو عليه ويستقي عليه الماء، وكان يحبُّه، فضربه غلام لابن عون على وجهه فسألت عين الجمل على خدِّه، فجاء به الغلام وقد خاف، فقال له ابن عون: فهلَّا كان على غير الوجه، اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله. وكان ابن المبارك يقدم البصرة فيقال: ما الذي أقدمك؟ فيقول آخذ من أخلاق ابن عون وآدابه. وقال ابن معين: ولد ابن عون سنة أربعٍ أو ستٍّ وستين، وكان أكبر من أيوب

стр. 5685

بسنتين، وعاش ابن عون بعد أيوب عشر سنين (١). قال: وقال ابن عون (٢): كنت شمَّاسًا في بيعة مَيسان فوقعتُ في سهم عبد الله بن ذرَّة المُزَني. ذكر وفاته اتفقوا على أنه مات في هذه السنة. أدرك ابنُ عون أنس بن مالك وصحبه (٣)، ويقال: إنَّه رَوى عنه، ورَوى عن الحسن وابن سيرين وأبي رجاء العطاردي والقاسم بن محمد ومجاهد ونافع وغيرهم. وقال بكَّار بن محمد: ما رأيتُ أصبرَ منه في مرضه؛ ما شكا علَّةً قطّ حتى مات. وقال الحافظ ابن عساكر: قدم ابن عون الشام وشاهد غيلان القدري مصلوبًا (٤). * * *

стр. 5686

السنة الثانية والخمسون بعد المئة فيها غَزا الصائفة محمد بن الإمام، وغزا حُميدُ بن قحطبة كابُل، وكان واليًا على خراسان. وفيها قتلت الخوارج معنَ بن زائدة بسجستان، وقَتل أبو جعفر هاشم بن الأسماهيج (١)، وكان قد عصى عليه بإفريقيَّة، فحُمِل إلى العراق، فالتقاه أبو جعفر بالقادسيَّة، فضرب عنقَه. وفيها توفي سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى (٢) وكنيته أبو أيوب التميمي، ويُعرف بابن بنت شرحبيل، فقيه أهل دمشق. وقال الحافظ ابن عساكر: كان ثقةً، إلَّا أنَّه لسلامةِ صدره يروي عن الضعفاء. وحج المنصور في هذه السنة ولم يعلم به محمد بن سليمان بالكوفة ولا عيسى بن موسى حتى جاوز الكوفة أو قرب منها، وكان قد أَخفى عليهما مسيرَه لغرضٍ له. وكان العمالُ على ما هم عليه في العام الماضي إلَّا مصرَ والبصرة، وقد ذكرنا ذلك. وفيها توفي صالح بن علي ابن عبد الله بن عباس، ولد بالسراة من أرض البلقاء سنة ستٍّ وتسعين، وأبو جعفر أكبر منه بشهرين، وأمُّ صالح سعدى، وقد ذكرنا أنه كان مع أخيه عبد الله بن علي على فتح دمشق، وأنَّه تَبع مروان إلى مصر حتى قتله، وولي الموسم وإمرة دمشق. وذكره خليفة فقال: وفي سنة ثمان وثلاثين ومئة نزلَ صالح مرجَ دابق، وأقبلت جيوش الروم مع قسطنطين في مئة ألف، فلقيه صالح فنصره الله عليه، فقتلَ وسبى،

стр. 5687

ونجا سالمًا. قال: وصالح حجَّ بالناس في سنة إحدى وأربعين ومئة (١). وقال الوليد بن مسلم فيما حكاه عنه الحافظ ابن عساكر: وفي سنة سبع وثلاثين ومئة لَمَّا أفضى إلى أبي جعفر الأمرُ غزا صالح الروم، فقدم الشام فنزل بدير سمعان وحلب وما يليها، ثم أغزى الصائفة في سنة ثمان وثلاثين ومئة في أهل المشرق، وأغزاه أبو جعفر الصائفةَ في سنة ثلاث وأربعين ومئة، فنزلَ على جسر جيحان وبنى عليه حصن أذنة (٢). وقد ذكرنا ذلك. واختلفوا في وفاته قال يعقوب بن سفيان: توفي في سنة اثنتين وخمسين ومئة، وهو على حمص وقنسرين، فاستخلفَ ابنه الفضل بن صالح مكانه، فأقرَّه أبو جعفر (٣). وقال يعقوب بن سفيان: وبلغني أنه مات بعين أباغ من ناحية الشام وقد بلغ ثمانيةً وخمسين سنة (٤). معن بن زائدة بن عبد الله الشَّيباني وكنيته أبو الوليد، وقيل: أبو يزيد، وقد نسبه الجوهريُّ فقال: وقولهم: حَدِّث عن معنٍ ولا حرج، فهو معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك الشيباني، وهو عم يزيد [بن مَزْيَد] (٥) بن زائدة. وكان معن أجود العرب، وكان شجاعًا فطنًا، سيِّد الأجواد ممدحًا. وقد ذكرنا أنَّه كان مع ابن هبيرة بواسط، فلمَّا وقع الصلحُ بعثَه أبو جعفر إلى أخيه أبي [العباس (٦)] السفاح ببشارة فتح واسط وأن يستحلفَه لابن هبيرة، وقَتل أبو جعفر ابنَ هبيرة،

стр. 5688

ونجا معن؛ لأنَّه كان عند أبي العباس بالهاشمية. ذكر طرف من أخباره: قال الهيثم بن عدي: كان أبو جعفر قد ولاه الولايات، فنُقِل إليه أنه احتجز الأموال، فغضب عليه وتهدده إلى يوم الهاشمية، فلمَّا فدى المنصورَ بنفسه وقاتلَ بين يديه تقدَّم عنده تقدُّمًا عظيمًا، فولَّاه اليمن، فأعطَى عطايا لم يعطها أحدٌ غيره؛ أتاهُ أعرابيٌّ فأنشدَه أبياتًا من الشعر، فأعطاه مئة ألف درهم. وقال المدائني: دخلَ عليه أبو جعفر (١) يومًا ومعن يقاربُ في الخُطا فقال: يا معن كَبُر سنُّك، فقال: يا أمير المؤمنين في طاعتك، قال: وإنَّك لتتجلَّد، فقال: على أعدائك، فقال: إنَّ فيك لبقية، قال: هي لك. قال: ودخلَ عليه يومًا، فنظرَ إليه أبو جعفر، ففكَّر واحمرَّ وجهُه وقال: لست أنسى لك يوم واسط مع ابن هبيرة، وهمَّ أن يضربَه بعمود، فقال: يا أمير المؤمنين، ذاك نصري لباطلهم، فكيف بحقِّك؟ فقال له: أحسنت، وولَّاه سجستان. ورَوى مروان بن أبي حفصة قال: كان المنصورُ قد طلبَ معن بن زائدة طلبًا شديدًا، وجعل فيه مالًا، قال: فحدثني معن باليمن أنَّه اضطُّر لشدَّة الطلب، قال: وكنت ببغداد فوقفت في الشمس حتى لوَّحَتْ وجهي، وخَفَّفتُ عارضَي لحيتي، ولبستُ جبَّة صوف خشنة، وركبت جملًا في زيِّ الأعراب، وتنكرت، وخرجت من بغداد أريدُ البادية، فلمَّا صرت بباب حرب تبعني أسودٌ متقلِّدٌ سيفًا، حتى إذا غبت عن الحرس قبضَ على خطام الجمل فأناخه وقبضَ عليَّ، فقلت: ما لك؟ فقال: أنت طَلِبَةُ أميرِ المؤمنين، فقلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟ فقال: أنت معنُ بن زائدة، فقلت له: يا هذا اتَّق الله (٢)، فقال: دع عنك هذا، فأنا والله أعرفُ بك من نفسك، قال: فقلت: فإن كنتُ كما تقول فهذا جوهرٌ له قيمة، حملتُه معي بأضعاف ما بذل المنصور في طلبي لمن جاء بي، فخذه ولا تسفك دمي، فقال: هاته، فأخرجتُه إليه، فنظر فيه ساعةً، فتحيَّر، قال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتَني أطلقتك، قلت: قل، قال: فإنَّ الناسَ قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبتَ قطُّ

стр. 5689

مالكَ كله؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت منه وقلت: أظنّ، فقال: ما أراك فعلته، أنا رجلٌ (١) -أو عبد- رزقي من أبي جعفر عشرون درهمًا، وهذا الجوهرُ قيمته آلاف الدنانير، قد وهبتُه لك، ووهبتُ لك روحك، لجودك المأثور بين الناس، ولتحتقرَ بعد هذا كلَّ شيءٍ تعملُه، ولا تتوقَّف في مكرمة، ثمَّ رَمى بالعقد في حجري، وخَلَّى زمام البعير وانصرف، قال: فقلت له: يا هذا، والله لقد فضحتَني ولَسَفكُ دمي أهونُ عليَّ مِمَّا فعلت، فخذ هذا العقد، فإنِّي غنيٌّ عنه، فضحك وقال: أردتَ تكذبني في مقالي هذا، والله لا آخذه ولا آخذ للمعروف ثمنًا أبدًا، قال: فوالله لقد طلبته لَمَّا أمنت، وبذلتُ لمن جاءَ به ما شاء، فما عرفت له خبرًا. وفي رواية أن معن قال: فلمَّا رضي عنِّي المنصور سألني عمَّا جرى لي في غيبتي، فأخبرتُه خبرَ العبد، فطربَ وقال: لا يبقى في العبيد عبدٌ إلَّا، ويعرض عليّ وأنا قاعد، فجعلوا يعرضون العبيد حتى مرَّ بي صاحبي، فقلتُ: هذا والله هو، فأحسنَ إليه المنصور ووصله، وجعلَه من خاصته. وروى الخطيب عن أبي عبيدة قال: وقف شاعرٌ بباب معن حولًا لا يصلُ إليه، وكان معن شديدَ الحجاب، فكتب إليه: [من الوافر] إذا كان الجوادُ له حجابٌ … فما فَضْلُ الجوادِ على البخيلِ وفي رواية غير هذا: إذا كان الكريمُ له حجابٌ … فما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ فكتب إليه معن: إذا كان الجوادُ قليلَ مالٍ … ولم يُعذَرْ تعلَّلَ بالحجابِ فقال الشاعر: إنَّه قد آيسني من معروفه، ثمَّ ارتحلَ منصرفًا، وأُخبِر معن بانصرافه، فأرسل إليه بعشرة آلاف درهم. وقال: هي لك عندنا في كل زَوْرَة (٢).

стр. 5690

وحكى أبو عثمان المازني قال: بينما معن جالس في أصحابه إذ أقبلَ أعرابيٌّ راكبٌ على بعير، فجاء حتى أبركَ بعيرَهُ ووقف بين يدي معن وقال: [من المنسرح] أصلحكَ الله قلَّ ما بيدي … فما أطيقُ العيال إذ كثروا ألحَّ دهرٌ رمى بكلكلِهِ … فأرسَلُوني إليكَ واعتذروا (١) قال: فأخذت معن أريحيَّة وقال: لا جرمَ، والله لأُعجلنَّ أوبتَك، ثمَّ قال: يا غلام، ناقتي الفلانيَّة وألفُ دينار، فدفعَها إلى الأعرابيِّ وهو لا يعرِفُه. وحكى القاضي التنوخي قال: إنَّ معنَ بن زائدة أُتي بثلاث مئة أسير، فأمرَ بضرب أعناقهم، فقال له غلام منهم: يا معن، تقتلُ أسراك وهم عِطاش؟ فقال: اسقوهم، فسقوهم، فقال: اقتلوهم، فناداه ذلك الغلام: يا معن، تقتلُ أضيافك؟! فأطلقهم (٢). وقال العتبي: كان معن مع جوده أحلمَ الناس. ذكر وفاته: حكى البلاذري قال: ولَّى أبو جعفر معن بن زائدة سجستان، فاندسَّ له قومٌ من الخوارج مع قومٍ من الصنَّاع كانوا يعملون في داره، فقتلوه وهو يحتجم، فقتلهم يزيد بن مزيد (٣). وقال يعقوب بن سفيان: قتل معن بأرض خراسان سنة اثنتين وخمسين ومئة (٤). وقال الخطيب: بلغني أنَّ المنصور ولَّاه سِجستان، فنزل بُست، فأساء السِّيرةَ في أهلها فقتلوه (٥). ورثاه الشعراء، فقال الحسين بن مطير وهو من شعراء الحماسة هذه الأبيات: [من الطويل] ألِمَّا على معنٍ فقولا لقبره … سقتكَ الغوادي مَرْبعًا ثم مَرْبَعَا

стр. 5691

فيا قبر معنٍ كيف واريتَ جُودَهُ … وقد كان منه البَرُّ والبحرُ مُتْرَعا ويا قبر معنٍ أنت أوَّلُ حفرةٍ … من الأرض خَطَّتْ للسماحة مَضْجَعا بلى قد وسعتَ الجود والجودُ ميِّتٌ … ولو كانَ حيًّا ضِقْتَ حتى تَصدَّعا فتًى عِيشَ في معروفه بعدَ موتِه … كما كان بعد السَّيلِ مجراهُ مرتعا ولما مضى معنٌ مضَى الجود وانقضى … وأصبحَ عِرْنينُ المكارمِ أجدعا (١) وهي من قصيدة منها: وما كان إلَّا الجودُ صورةَ وجهه … فعاش كريمًا ثم ولَّى مودِّعا وقد كان معن في المواقف غُرَّةً … لآل نزارٍ ساميَ الطَّرفِ أروَعا (٢) ولما بلغت هذه الأبيات محمد المهدي شقَّ عليه فغضب وقال: ما أبقى ابن مطيرٍ لنا ولغيرنا شيئًا، فحكى البلاذري قال: خرج محمد المهدي يتصيَّد، فلقيَه الحسينُ بن مطير فأنشده: [من البسيط] أضْحَتْ يمينُك من جودٍ مصورةً … لكن يمينُك (٣) منها صورةُ الجودِ من حُسنِ وجهك تُضْحِي الأرضُ مشرقةً … ومن بنانكَ يجري الماءُ في العودِ فقال له المهدي: كذبتَ، وهل تركتَ لأحدٍ في شعركَ موضعًا بعد قولك في معن: ألِمَّا على معنٍ وقولا لقبره فقال له الحسين بن مطير: يا أمير المؤمنين، وهل معن إلَّا حسنةٌ من حسنات أبيك، أو من حسناتك، فرضي عنه، وأمرَ له بألفي دينار. وقال الحافظُ ابن عساكر: كان الشافعيُّ ينشد للحسين بن مطير هذه الأبيات: [من الطويل] وليس من الفتيان من راحَ أو غدا (٤) … لشرب صَبُوحٍ أو لشربِ غَبُوقِ ولكن فتى الفتيانِ من راحَ واغتدى … لضرِّ عدوٍّ أو لنفعِ صديقِ

стр. 5692

السنة الثالثة والخمسون بعد المئة وفيها قدمَ أبو جعفر البصرة، وبنى بها قصرًا، ونزل عند الجسر الأكبر. وكانت الحبشةُ (١) قد أغارت على جُدَّة، فجهَّز إليهم المراكب. وقيل: إنَّ هذه القِدْمةَ هي الأخيرة إلى البصرة، وقيل: إنَّما قدمَ البصرة في سنة خمسٍ وخمسين ومئة، ولم يعدْ إليها (٢). وفيها ادَّعى الخلافة أبو حاتم الإباضيُّ بالمغرب، وسُلِّمَ عليه بها أربعين يومًا، فسار إلى إفريقية، وبها عمر بن حفص بن عمار بن أبي صفرة الذي كان أميرًا على السند، وانضاف إلى أبي حاتم الإباضي أبو عادي (٣) وأبو قُرَّة الصُّفْري، وكانوا في ثلاث مئة ألف وخمسين ألفًا، منهم خمسةٌ وثمانون (٤) ألفًا فوارس، فخرج إليهم عمر في البربر، والتقوا، فقتلوه ومن كان معه من البربر (٥)، ومَلكُوا إفريقية. وفيها أخذ أبو جعفر الناسَ بلبس القلانس الطِّوال، فكانوا يرفعونها بالقصب من داخل، فقال أبو دلامة الشاعر في ذلك: [من الطويل] وكنا نرجِّي من إمامٍ زيادةً … فزادَ الإمامُ المصطفى في القلانِسِ تراها على هامِ الرجال كأنَّها … دنانُ يهوب جُلِّت بالبرانسِ وفيها توفي عبد الله بن أبي ليلى (٦) القاضي، فاستقضي مكانه على الكوفة شريكُ بن عبد الله النخعي. وفيها غزا الصائفة معتوق (٧)، وقيل: معروف بن يحيى الهمداني، فأوغل في بلاد

стр. 5693

الروم، وفتح حصونًا منها اللاذقية، وأخرج منها ستَّة آلاف رأس من السبي الصغار سوى الرجال البالغين (١). وقيل: إنَّما فتح اللاذقية مسعود بن عبد الله الجحدري. وحجَّ بالناس محمد المهدي، وكان على المدينة الحسن بن زيد العلوي، وعلى مكة محمد بن إبراهيم الإمام. الحسن بن عُمارة بن المُضَرِّب أبو محمد القاضي الكوفي، ولي القضاء ببغداد في خلافة أبي جعفر، وكان جوادًا. قال الخطيب: جاءه رجل فقال: أيُّها القاضي، لي على مِسْعَر بن كِدَام سبعُ مئة درهم من ثمن دقيق، وقد مطلَني، فدفعَها إليه الحسنُ بن عُمارة وقال: أعط مسعرًا كلَّما أراد، وتعال إليَّ فأنا أعطيكَ ثمنَه. حدَّثَ الحسنُ عن الزهري، وأبي إسحاق السَّبيعي، وغيرهم، وأبي الزبير المكّيّ. وكان ثقة (٢). حيوة بن شريح ابن صفوان بن مالك، أبو زرعة، ذكره ابنُ سعد في الطبقة الرابعة من أهل مصر وقال: كنيتُه أبو يزيد وكان ثقةً (٣). وكان فقيهًا عابدًا مجتهدًا مجابَ الدَّعوة، وروي عن ابن المبارك أنَّه قال: ما وصف لي أحد فرأيتُه إلَّا كانت رؤيتُه دون صفتِه إلَّا حيوة بن شريح فإنَّ رؤيته كانت أكثر (٤) من صفته.

стр. 5694

وقال ابن أبي الدنيا بإسناده قال: كان حيوة من البكائين، وكان ضيِّقَ الحالِ جدًّا، فجلستُ إليه ذات يوم وهو مختلٍ يدعو وحدَه، فقلت له: يرحمُك الله، لو دعوتَ الله يوسِّع عليك في معيشتك؟! قال: فالتفت يمينًا وشمالًا فلم ير أحدًا، فأخذ حصاةً من الأرض وقال: اللهمَّ اجعلها ذهبًا، فإذا هي والله تبرةٌ في كفِّه ما رأيتُ أحسن منها، قال: فرمى بها إليّ وقال: أنفقها، ثمَّ قال: هو أعلمُ بما يصلحُ به عباده. ورَوى أبو الفضل بن ناصر عن أشياخه أنَّ أبا عون لَمَّا قدم مصر ووليها، وقتلَ من قتل بها، واستولى عليها، أرسلَ إلى حيوة بن شريح، فلمَّا حضر قال: إنَّا معاشر الملوك لا نُعصَى، ومن عصانا قتلناه، وقد ولَّيتُك القضاء، فقال: حتى أُآمر أهلي، قال: اذهب، فجاء إلى أهلِه فاغتسلَ وتطيَّبَ ولبسَ أنظف ثيابه، ثمَّ جاء فدخل عليه فقال: من جعلَ السحرة أولى بما قالوا منا؟ اقضِ ما أنت قاض، لا أتولَّى لك شيئًا، فافعل ما بدا لك، فقال له: قد أعفيتُك فاخرج، فخرجَ من عنده. أسندَ حيوة عن جماعةٍ من التابعين، ورَوى عنه ابن المبارك، والليثُ بن سعد، وابنُ وهب، وكان ثقةً صدوقًا (١). شقيق بن إبراهيم البلخي أبو علي، من كبار مشايخ خراسان، له لسانٌ في التوكُّل، وهو أوَّل من تكلَّم بكُورة خراسان في علوم الأحوال، وهو أستاذ حاتم الأصم، وكان له دنيا واسعة، فخرجَ منها، وتزهَّد وصحبَ إبراهيم بن أدهم وغيره. ذكر طرف من أخباره: رَوى أبو نعيم الحافظ بإسنادهِ عن عليِّ بن محمد بن شقيق قال: كان لجدِّي ثلاثُ مئة قرية، ولم يكن له كفنٌ يكفَّنُ فيه، قَدَّم ذلك كلَّه بين يديه، وثيابه وسيفه إلى الساعة معلق يتباركون به (٢). وذكر أبو عبد الله بن خميس في كتاب "مناقب الأبرار" قال: سببُ توبةِ شقيق أنَّه كان من أبناء الأغنياء، فخرجَ في تجارةٍ إلى أرض الترك وهو حَدَثٌ، فدخلَ بيت

стр. 5695

الأصنام، فرأى خادمها وقد حلقَ رأسَه ولحيته، ولبسَ ثيابًا أرجوانية، فقال له شقيق: إنَّ لك صانعًا حيًّا عالمًا قادرًا، فاعبده، ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضرُّ ولا تنفع، فقال: إنْ كان قادرًا كما تقول فهو يرزُقك وأنت في بلدِك، فلم تعنَّيتَ إلى ها هنا؟ فانتبه شقيقٌ وأخذ في الطريق (١). وحكى عنه أبو نعيم الحافظ قال: خرجت من ثلاث مئة ألف درهم، وكنت مرابيًا، ثمَّ لبستُ الصوف عشرين سنة وأنا لا أعلم، حتَّى لقيتُ عبد العزيز بن أبي روَّاد، فقال لي: يا شقيق، ليس الشأنُ في لبس الصوف وأكل خبز الشعير، إنَّما الشأن في المعرفة، وأن تعبدَ الله لا تشرك به شيئًا، قال: فقلت: فسِّر لي هذا، فض ل: جميعُ ما تعملُه يكون لله خالصًا، ثم تلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وفي رواية: وتكون بما في يد الله أوثقَ منك بما في أيدي المخلوقين، ثم يكون الإخلاصُ منك في جميع ما تعملُه لله تعالى (٢). وروى أبو نعيم بإسناده إلى محمد بن أبي عمران قال: سمعتُ حاتمًا الأصمّ يقول: كنَّا مع شقيق البلخيّ، ونحن مصافو الترك، في يومٍ لا أرى فيه إلا رؤوسًا تندَر وسيوفًا تَقطَع، فقال لي شقيق ونحن بين الصَّفَّين: يا حاتم، كيف ترى نفسك في هذا اليوم، تراها مثل الليلة التي زفَّت إليك فيها امرأتك؟ فقلت: لا، فقال: ولكنِّي أرى نفسي والله في مثل تلك الليلة، ثمَّ نام بين الصفين ودرقتُه تحتَ رأسه، حتى سمعتُ غطيطَه (٣). في "المناقب" قال: فقد عليُّ بن موسى بن ماهان أميرُ بلخ كلبًا للصيد في عنقِه قلادةٌ من ذهب، فسُعِي برجلٍ من جيران شقيق إليه أنَّه أخذَه، فطلبه فهرب، فدخلَ دار شقيق مستجيرًا به، فجاء أعوانه خلفَه، فقام شقيق ومضى إلى الأمير وقال له: لا تتعرَّض له، فبعدَ ثلاثة أيَّامٍ آتيك بالكلب، وأقام شقيق مهتمًا، فلما كان في اليوم الثالث قدم صديقٌ لشقيق من السفر، فوجد الكلبَ بقلادة الذهب في الطويق، فأخذَه وقال: أهديه لشقيق، فجاء بالكلب إلى شقيق، فتحيَّر وقال: هذا كلب الأمير، فحملَه إليه، وبرئ

стр. 5696

من الضمان. فيقال: إنه سلكَ طريق الفقر بعد ذلك (١). قال: ودخلتُ البصرة، فوُصف لي رجلٌ من المنقطعين إلى الله تعالى، فقصدتُه ودخلت عليه، فقال: من أنت؟ قلت: شقيقٌ البلخيّ، قال: معلِّمُ أهل خراسان؟ قلت: كذا يقال: قال: ما بلغَ من توكُّلك؟ قلت: استوى عندي الريف والبرِّيَّة، والأمصارُ والفيافي، فنظر إليَّ كالمنكر عليّ وقال: إنَّما يشكُّ في الرزق ويشتغلُ به من يشكُّ في الخالق، ثمَّ قال: لو كنتُ طيرًا ما استحللتُ أن أطيرَ فوق دارٍ أنت ساكنها (٢). وقال حاتم الأصم: دخل شقيقٌ البلخيُّ الري (٣)، فجاءَه محمد بن مقاتل الرازي قاضيها وفقيهها، فقال له: أشتهي أن تجعلَ مقامَك عندي، قال: أخافُ أن تطَّلع مني على عيب فتبعدني، ثم أرجعُ إليك فلا تقبلني، وأنا مع من يطلعُ منِّي على العيوب فيسترُ عليَّ ويرزقُني، ولم ينزل عليه. وقال حاتم: قال لي شقيق: حججتُ فطُفتُ بالبيت، ثمَّ نمتُ في جانب المسجد، وإذا قد نزلَ ملكان من السماء، فقال أحدهما لصاحبه: كم حجَّ العام؟ فقال الآخر: ثلاثة، وعدَّهم، فقال: وشقيق فيهم؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: عليه فضلُ ثوبٍ، قال: فلمَّا كان في العام القابل حججتُ في عباءةٍ ورقدتُ في مكاني، وإذا بهما قد نزلا، فقال أحدُهما لصاحبه مثلَ مقالته عام أول، فقال: وفيهم شقيق؟ قال: نعم، وقد شفَّعه الله في كلِّ من حجّ. قلت: فضلُ ثوبٍ لا يمنعُ من قَبول الحج، وإنَّما شقيق كان يشيرُ إلى التجرُّد المحض والتوكُّل السديد، فعوقِبَ على قدر ما كان يشيرُ إليه. ذكر المختار من كلامه: حكى أبو نعيم عنه أنَّه قال لحاتم الأصمّ: اصْحَبِ الناس مثلما تصحبُ النَّار، خُذْ منفعتها واحذر أن تحرقك (٤). وحكى عنه في "المناقب" أنَّه قال: قرأتُ القرآن عشرين سنة حتى ميَّزتُ الدنيا من

стр. 5697

الآخرة، فأصبتُه في حرفين؛ قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ الآية [الشورى: ٣٦] (١). وقال حاتم: سمعتُه يقول: قرأتُ أربعةً وعشرينَ كتابًا في التوحيد، فوجدتُ معانيها كلَّها في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الآية [الأنبياء: ٢٢]. وقال: الزاهد الذي يقيم زُهْدَهُ بلسانه. وقال: طهِّر قلبَك من حبِّ الدنيا؛ ليدخلَ فيه حبُّ الآخرة. وقال: جعلَ الله أهلَ طاعتِه أحياءً في مماتهم، وأهلَ معصيته أمواتًا في حياتهم. وقال حاتم: قدمَ شقيقٌ الكوفة حاجًّا، فلقيه سفيان الثوريّ، فقال له: أنت شقيق الذي تدعو إلى التوكل وتنهى عن المكاسب؟ فقال شقيق: ما قلت كذا. قال: فكيف قلت؟ قال: قلت: حلالٌ بيِّن، وحرامٌ بيِّن، ومتشابهٌ فيما بين ذلك، ولكن دخلت الآفةُ من الخاصَّة على العامَّة، وهي خمس طبقات؛ العلماءُ، والزهَّادُ، والغزاة، والتجَّارُ، والملوك. فأمَّا العلماءُ فهم ورثة الأنبياء، لم يرثُوا دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما ورثوا العلمَ، فإذا كان العالمُ طامعًا، فالجاهل بمن يقتدي؟ وأمَّا الزُّهَّاد فهم ملوكُ الدنيا، فإذا أصبحَ الزَّاهدُ راغبًا، فالراغب بمن يقتدي؟ وأمَّا الغزاةُ فجندٌ من جنود الله في أرضه، وإذا كان الغازي يحبُّ التصدُّر في المجالس والراحة، فمن يغزو؟ وأمَّا التجَّار فهم أمناء الله في أرضه، فإذا كان التاجرُ خائنًا فبمن يقتدي الأمين (٢)؟ وأمَّا الملوك فهم الرُّعاة، وإذا كان الراعي هو الذئب، فالذئب كلُّ ما يجده يأكله. يا سفيان، لا تجمعن (٣) للدنيا إلَّا على مقامك فيها، فسلَّمَ عليه سفيانُ ومضى. وقال: الفقرُ تقارنُه ثلاثه أشياء؛ فراغُ القلب، وراحةُ النفس، وخفَّة الحساب،

стр. 5698

والغنى يقارنُه ثلاثة أشياء؛ تعبُ اليقين، وشُغلُ القلب، وشدَّة الحساب. وقال: العبادةُ عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في الهرب من الناس، والعاشرُ في السكوت. قال: وسأله رجل عن الفتوة أو عن التوكُّل، فقال له شقيق: فما تقول أنت؟ فقال: إنْ أُعطينا شكرنا، وإن منعنَا صبرنا، فقال له شقيق: فكلابُ بلخ عندنا بهذه الصفة، قال: فما تقول أنت؟ فقال: إنْ فقدنا صبرنا، وإن وجدنا آثرنا. وفي رواية: وإنْ مُنِعنا سُررنا. وقال ابن باكويه الشيرازي: توفي شقيق ببلخ في سنة ثلاث وخمسين ومئة (١). أسند الحديث وصحب المشايخ، ولازمَ إبراهيم بن أدهم مدَّةً. وهيب بن الورد مولى بني مخزوم، ذكره ابن سعد من الطبقة الثالثة من أهل مكة، وقال: كان يسكن مكَّة، وكان من العُبَّاد، وكانت له أحاديث ومواعظ وزهد، وكان اسمه عبد الوهاب فصُغِّر، فقيل: وهيب. وروى عنه عبد الله بن المبارك وغيره. وأخوه عبد الجبار بن الورد (٢)، وروى عن ابن أبي مليكة وغيره. وهذا قول ابن سعد (٣). وقال أبو نعيم: كنيته أبو عثمان وقيل: أبو أميَّة. وكان زاهدًا ورعًا خائفًا، ينظر في دقائق الورع. ورَوى أبو نعيم عن بشر الحافي أنَّه قال: أربعةٌ رفعَهم الله بطيب المطعم؛ وهيب بن الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسالم الخوَّاص (٤). وقال زهير بن عباد: جلس الفضيلُ بن عياض والثوريُّ (٥) وابن المبارك ووهيب

стр. 5699

بمكة، فتذاكروا الرطب، فقال وهيب: أوقد جاء أوانه؟ فقال له ابنُ المبارك: يرحمُك الله، فهذا آخره، أو لم تأكل؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال وهيب: بلغني أنَّه من القطائع، قال له ابن المبارك: أوليسَ عامَّة ما في السوق من القطائع؟ لو منعنا هذا لضاق على الناس، أوليس القمحُ الذي يأتي من مصر من القطائع، وما أحسبك تستغني عن القمح، فصعق وهيب، فقال الفضيل لابن المبارك: ما الذي صنعتَ بالعبد الصالح؟ فقال: ما كنت أرى أنَّ كلّ هذا الخوف قد أعطيه، فلمَّا أفاق وهيب قال: يا ابن المبارك، دعني من ترخيصك، لا آكلُ من القمح إلَّا كما تأكل المضطرُّون الميتة، فزعموا أنه نحلَ جسمُه حتى مات هزالًا. وقال قادم الديلمي [قيل] (١) لوهيب: ألا تشربُ من ماء زمزم؟ فقال: بأيِّ دلو؟ وما كان يشرب إلَّا بدلوه. وقال أبو نعيم: كان سفيان الثوري إذا حدَّث الناس في المسجد الحرام وفرغَ يقول: قوموا بنا إلى الطبيب، يعني وهيب بن الورد. وما كان يأكلُ من الفواكه شيئًا. ورَوى ابن أبي الدنيا بإسناده عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال وُهيب بن الورد: عجبًا للعالم كيف تجيبُه دواعي قلبه إلى الضحك! وقد علمَ أنَّ له في القيامة روعات ووقفات وفزعات، ثمَّ غشي عليه. وروى ابن أبي الدنيا أيضًا عن وهيب أنَّه كان قد حلف أن لا يضحكَ حتى يعلم ما تأتي به رسلُ الله، قال: فسمعوه عند الموت يقول: وَفيتَ لي وما وفيتُ لك. وقال بشر الحافي: كانت خضرةُ البقل تبينُ من بطنِه من الهُزال. أسند وهيب عن عطاء ومنصور بن زَاذان وغيرهما، وشغله التعبُّد عن الرواية (٢). والله أعلم. * * *

стр. 5700

السنة الرابعة والخمسون بعد المئة فيها خرج أبو جعفر إلى الشام، فنزل البيت المقدس، وجهَّز يزيدَ بن حاتم إلى إفريقية في خمسين ألفًا، وأنفق فيهم ستة وثلاثين (١) ألفَ ألف درهم، وأمرهُ بقتال الخوارج الذين قَتلوا عمرَ بن حفص بإفريقيَّة، فسار إلى إفريقية، ولَمَّا رجع من الشام مر بالرقَّة، فعزمَ على بناء الرافقة مدينة إلى جانبها، فامتنع أهلها وقالوا: تخرب مدينتنا، وتتعطَّلُ أسواقنا، فلم يلتفت إليهم، فأرادوا محاربتَه، فلم يقدروا، فشرع في بناء الرافقة، وهي اليوم القائمةُ، وخربت الرقة، وهي العتيقةُ الخراب اليوم. وقال الواقدي: وفي هذه السنة وقعت صاعقةٌ في المسجد الحرام، فأحرقت خمسة نفر، وكانت قدرةُ الله عظيمة (٢). جعفر بن بُرْقان الكلابيّ الجزري ذكره ابنُ سعد فيمن نزلَ الجزيرة من الفقهاء والمحدِّثين بعد الصحابة، وقال: كان ثقة صدوقًا، له روايةٌ وفقهٌ وفتوى في دهره، وكان كثيرَ الخطأ في حديثه، وكان ينزل الرقَّة، وبها مات في سنة أربعٍ وخمسين ومئة (٣). وحكى الحافظ ابن عساكر عن سفيان الثوري قال: ما رأيتُ أفضلَ منه، كان من بقايا المسلمين (٤). وقال ابن معين: كان أُمِّيًّا لا يكتب. الحكم بن أبان العدني ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل اليمن، وقال: هو من أهل عدن، مات سنة

стр. 5701

أربعٍ وخمسين ومئة (١). وقال أبو نعيم: كنيته أبو عبس (٢). قال: وحدَّثنا عبد الله بإسناده إلى عبد الله بن الضيف (٣) قال: سمعتُ مشيخةً يقولون: كان الحكمُ بنُ أبان سيِّدَ أهلِ اليمن، وكان يصلِّي بالليل، فإذا غلبَه النوم ألقَى نفسه في البحر، وقال: أُسبِّح لله مع الحيتان. سمعَ الحكمُ من عكرمة مولى ابن عباس وغيره، وكان ثقةً زاهدًا ورعًا. عمر بن ذر بن عبد الواحد (٤) أبو ذر الهمذاني الكوفي، ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة قال: وكان قاصًّا (٥). وقال النضر بن إسماعيل (٦): حضرتُ جنازةً فيها عُمر بن ذَرّ، وحولَه الناسُ، فلمَّا وُضِع الميت في قبرِه قام عمر وأشار إليه وقال: أمَّا أنت فقد قطعتَ سفر (٧) الدنيا، فطوبى لك إنْ لقيت في سفرك إلى الآخرة خيرًا. فضجَّ الناسُ بالبكاء. وذكر جدِّي رحمةُ الله عليه أنَّه مات له ولدٌ، فوقف على قبره وقال: ليت شعري ماذا قلتَ، وماذا قيل لك؟ لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك، اللَّهمَّ إنِّي قد وهبتُ له إساءته إلي، فهبْ له إساءتَه إليك، فإنَّكَ أكرمُ مني. وفي رواية: لقد شغلنَا البكاءُ لك عن البكاء عليك، والحزنُ لك عن الحزنِ عليك، اللَّهمَّ إنِّي قد وهبت له ما قصَّر فيه من حقِّي، فهب له ما قصَّر فيه من حقَك، فإنَّك أولى بالكرم. فلمَّا دفن قال: يا ذرّ، خلوتَ وخُلِي بك، وانصرفنا عنك وتركناك، ولو أقمنا

стр. 5702

عندك ما نفعناك (١). وقال الهيثم: حجَّ عمر بن ذر فلما لبَّى قال: لبيك اللهمَّ لبيك، ما زلنا نهبُط واديًا، ونعلو شرفًا، ويبدو لنا علمٌ حتى أتيناك بها، نَقِبَةً أخفافها (٢)، دَبِرةً ظهورُها (٣)، ذبِلةً أسنمتُها، قد أتعبنَا أبداننا، وأنفقنَا أموالنا، وليس لنا همٌّ لذلك، بل أعظمُ المؤنة أن نرجع بالخسران، يا خير من نزل النازلون بفنائه. وقال ابنُ أبي خيثمة: كان كلَّما لبَّى يقولُ ذلك، فيبكي ويُبكي الناس. وقال ابن أبي خيثمة (٤): قيل لعمر بن ذرّ: أيُّما أعجب إليك، البكاء للخائف أم الكمد؟ فقال: طولُ الكمَد؛ لأنَّه إذا بَكَى استراحَ، وإذا لم يبكِ لم يتسلّ. وأنشد: [من الطويل] إذا رقَّ قلبُ المرء درَّت جفونُه … دموعًا له فيها سُلُوٌّ من الكَمَدْ وإنْ غصَّ بالأشجانِ من طول حُزنِه … علاه اصفرارُ اللونِ في الوجهِ والجسَدْ ذكر وفاته: حكى ابنُ سعد أنه مات في سنة ثلاثٍ وخمسين ومئة (٥). وقال النضر بن شميل (٦): في سنة أربعٍ وخمسين ومئة. وقال ابن أبي خيثمة: لا يختلفون في خوفه وزهده وورعه. وقال ابن سعد: كان مرجئًا [فمات] (٧)، فلم يشهده سفيانُ الثوري ولا الحسنُ بن صالح بن حي، وكان ثقةً كثير الحديث.

стр. 5703

وقال ابنُ أبي الدنيا: سألَه بعض الخلفاءِ عن القدر، فقال: ها هنا شيءٌ يشغلُ عن هذا، قال: وما هو؟ قال: ليلةٌ صبيحتُها القيامة (١). انتهى (٢). علي بن صالح بن حي (٣) الهمداني من الطبقة السادسة من أهل الكوفة، من أقران سفيان الثوري. وقال ابن سعد: كنيتُه أبو محمد، قال: وكان علي صاحب قرآن، وهذا عليّ وأخوه حسن ابنا صالح ولدا توأمين في بطنٍ واحد، تقدَّمه علي بساعةٍ، فلم أسمع حسنًا يسمِّيه باسمه قط، كان يقول: قال أبو محمّد. توفي علي في سنة أربع وخمسين ومئة. قال: وقال هشام بن محمد: أمُّ علي وحسن أمُّ الأيسر بنت المقدام بن مسلم، هَمْدانية. وقال أبو نعيم الأصفهاني بإسناده إلى وكيع بن الجراح يقول: كان عليّ والحسن ابنا صالح وأمُّهم قد جزؤوا الليلَ بثلاثةِ أجزاء، فكان عليٌّ يقومُ الثُّلث ثم ينام، ويقوم الحسن ثم ينام، وتقوم أمُّهم الثلث، فماتت أمهما، فجزآ الليلَ بينهما، فكأنا يقومان حتى الصباح، ثم مات عليّ فقام الحسنُ كلَّه (٤). وفي روايةٍ عن صالح العجليّ أنَّهم كانوا يختمونَ القرآن في كل ليلةٍ يقرأ عليٌّ ثلثه، والحسن ثلثَه، وأمُّهُم الثلث، فماتت أمُّهما، فجزآه بينهما، فمات عليٌّ فقام به الحسن، فكان يختمُه في كلِّ ليلة. وقال يحيى بن آدم: قال الحسنُ بن صالح: قال لي أخي عليّ في الليلة التي مات فيها: يا أخي، اسقني ماءً، وكنت قائمًا أصلِّي، فلمَّا قضيتُ صلاتي أتيتُه بماء، فقال:

стр. 5704

يا أخي، ما هذا، أليس قد شربتُ الساعة؟ قلت: ومن سقاك، وليس في الغرفة غيري وغيرك؟ فقال: أتاني جبريلُ ﵇ بقدحٍ من ماء الساعة، فسقاني وقال: أنتَ وأخوك وأبوك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وخرجتْ روحُه. وفي رواية: وأمّك. وقال أبو نعيم (١): مات علي بن صالح في سنة أربع وخمسين ومئة، وماتَ أخوه حسن بعده بثلاثة عشر سنة، في سنة سبع وستين ومئة، وسنذكرُه هناك إنْ شاء الله تعالى (٢). أبو عمرو بن العلاء بن عمار العريان من الطبقة الخامسة من أهل البصرة. واختلفوا في اسمه على أربعة أقوال؛ أحدها: زبَّان، والثاني: عريان، والثالث: سفيان (٣)، والرابع: يحيى، وقيل: إنَّ اسمَه كنيته، قال الأصمعيُّ: ما عرفنا له اسمًا إلَّا الكنية. وولدَ أبو عمرو سنةَ سبعين في أَيَّام عبد الملك بن مروان، ونشأَ بالبصرة، وقرأَ القرآن على جماعةٍ، منهم مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، والحسن، وغيرهم، وكان أبو عمرو من سادات الفضلاء، وهو أحدُ الأئمَّة القراء السبعةِ المذكورين. وقال الأصمعيُّ: سألتُه عن ثمانية آلاف مسألة من القرآن والشعر والنحو والعربيَّة، فأجابَ عنها، كأنَّه في قلوب العرب. وذكره خليفة في الطبقة السادسة من أهل البصرة (٤).

стр. 5705

وأمُّه عائشة بنت عبد الرحمن بن ربيعة من بني حنيفة، وقال أبو عبيد (١): كان أبو عمرو صدوقًا، صحيحَ السماع، عالمًا بفنون العلوم، عارفًا بالقرآن، وكان قد كتب عند العرب الفصحاء ما ملأ به بيتًا، فاحترقَ البيت، فرجع إلى ما كان في حفظه وخاطره. وذكره الخطيب وأثنى عليه وقال: دخل عليه رجل من أصحابه، وأبو عمرو مريضٌ، فقال له الرجل: إنِّي أريدُ أن أساهرَك الليلة، قال له: أنتَ معافى، وأنا مريض أو مبتلى، فالعافيةُ تمنعُك أن تسهر، والمرضُ لا يدعني أنام، فأسأل الله لكَ دوام العافية، ولي عظيمَ الأجر. قال: ومن كلام أبي عمرو: من سألَ الناس حاجةً، فقد عرَّضَ نفسَه للرقِّ، فإن قضاها المسؤول استعبَده، وإن ردَّه ولم يقضها رجعَ كلاهما ذليلان؛ هذا بذلِّ السؤال وهذا بذلِّ الردّ. وقال: رأيتُ أعرابيًّا وأنفُه كأنَّه كوزٌ من عظمه، فضحكتُ منه، فقال: ما لك؟ والله لقد كُنْتُ في قوم ما كانوا يسمونَني إلَّا الأفطس. قال: وسمع أعرابيًّا مناديًا ينادي على غلَامٍ: من يشتريه بعيبه؟ قال: وما عيبُه؟ قال: يبولُ في الفراش، فقال: إنْ وجد فراشًا يبولُ فيه. وقال الأصمعي: حدثني أبو عمرو بن العلاء قال: بينما أنا أمشي في شدَّة الحرّ، سمعتُ قائلًا يقول: [من الطويل] وإنَّ امرأ دُنياهُ أكبر همِّه … لمتمسكٌ منها بحبلِ غرورِ قال: فقلت: أجنيٌّ أم إنسيّ؟ فقال: بل جنيٌّ، فنقشته على خاتمي. وقال الأصمعي: قال لي أبو عمرو: يا عبد الملك، كن على حذرٍ من الكريم إذا أهنتَه، ومن النئيمِ إذا أكرمتَه، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا ما جنته (٢)، ومن الفاجر إذا عاشرتَه، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألُك، ولا تسأل من لا يجيبُك، أو تحدِّث من لا يُنصِتُ إليك.

стр. 5706

ذكر وفاته: واختلفوا فيها، فقيل: إنَّه مات بالكوفة وعمرُه يومئذ أربعةٌ وثمانون سنة. وقال ابن زبر: مات سنة أربعٍ وخمسينَ ومئة. وقال ابنُ قتيبة: ماتَ وهو مسافرٌ في طريق الشام (١)، وهو ابن سبعٍ وثمانين سنة. وقال وكيعُ بن الجرَّاح: رأيتُ قبرَه بظاهر الكوفة. وقيل: إنَّ الَّذي قبرُه بالكوفة أبو عمرو بن العلاء، حليفٌ لبني أمية، وليس بصاحبِ هذه الترجمة (٢). أسند عن أبيه العلاء، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم، وكان جليلَ القدرِ في زمانه. * * *

стр. 5707

السنة الخامسة والخمسون بعد المئة فيها قال الواقدي: بَنى أبو جعفر أسوارَ الكوفة والبصرة ونيسابور (١)، وأدارَ عليها الخندق من أموال أهلها، وإنَّما قصدَ عقوبةَ أهل الكوفة، أمرَ مناديه فنادى: احضروا عطاء أمير المؤمنين، فحضروا، فأعطى كل واحدٍ خمسةَ دراهم، وأحصى عددهم، ووضعَ على كل واحد خمسة دنانير (٢)، فقال شاعرهم: [من مجزوء الرمل] يا لقومي ما لقينَا … من أميرِ المؤمنينَا قسمَ الخمسمةَ فينا … وجَبانَا أربعينَا وولى عمارة سور الكوفة الهيثم بن معاوية العكي (٣) وسعيد بن دعلج، وقيل: إنَّما ولى عِمَارة سور البصرة الهيثم وسعيدًا. وعزل عن البصرة عبد الملك بن [أيوب بن] (٤) ظبيان، واستعملَ عليها الهيثم، وضمَّ سعيد بن دعلج إليه. وفيها وردت كتبُ يزيد بن حاتم على أبي جعفر بأنه قَتل الخوارج الذين قتلُوا عمر بن حفص، واستقامت إفريقية والقيروان ليزيد بن حاتم. وقال الطبريُّ: وفيها بعث المنصور ابنه محمدًا المهدي لبناء الرافقة على بناءِ مدينة بغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسورها وخنقها (٥). قلت: وأيُّ مناسبةٍ بين البلدين، بينهما بينٌ وأيُّ بين، وقد ذكرنا أنَّ الرافقةَ هي القائمةُ يومئذٍ، أمَّا الرقَّة، فإنَّه استولى عليها الخراب! (٦) وفيها عزل أبو جعفر أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، وأغرمهُ أموالًا وحبسه.

стр. 5708

وحجَّ بالناس عبدُ الصمد بن علي وكان على مكَّة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام. وفيها توفِّي أشعبُ بن جبير الطامع ويقال: إنَّ اسمَه شعيب، وقيل: شعبان، وأشعبُ أصح. وكان أشعب خال الأصمعي، وقيل: خال الواقدي. وكنيته أبو العلاء، وقيل: أبو إسحاق. واختلفوا في اسم أمِّه، والمشهور جعدة مولاةُ أسماء بنت أبي بكر الصديق، وقيل: أم حُميدة، وقيل: أم حَميدة. [واتفقوا أنَّه مولى] (١)، وإنما اختلفوا في اسم مولاه، فقال قومٌ: كان مولى عثمان بن عفان، وقيل: مولى سعيد بن العاص وقيل: مولى عبد الله بن الزبير، وقيل: مولى فاطمة بنت الحسين. وذكره أبو الفرج الأصفهاني فقال: كان أبوه مولى لآل الزبير، خرجَ مع المختار بن أبي عبيد، فقتله مصعب بن الزبير، وقال: تخرجُ عليَّ وأنت عبدي؟ قال: وأمُّه حميدة، ويقال لها: أم الجلندع (٢) مولاة أسماء بنت أبي بكر، ويعرف أشعب بابن أم حميدة، قال: كان أزرقَ أحولَ أكشف، والأكشف الَّذي في ناصيته زغبات شعرٍ متفرِّقة، وكان أقرع (٣). نشأ بالمدينة في دور آل أبي طالب؛ لأنَّه قد قيل إنَّه مولى فاطمة بنت الحسين، وربته عائشة بنتُ عثمان بن عفان. وذكر جدِّي في "المنتظم" أنَّ أشعبَ ولد في سنة تسع من الهجرة، وعاش دهرًا طويلًا، وأدركَ عثمان بن عفان (٤).

стр. 5709

وقال أبو الفرج الأصبهاني: قال أشعب: كانت أمِّي تغري بين أزواجِ رسول الله ﷺ ، وأنَّ النبيَّ ﷺ دعا على أم أشعب فماتت (١). وامرأة أشعب: بنتُ وردان الَّذي بنى قبر رسول الله ﷺ حين هدمَ الوليدُ بن عبد الملك المسجد على يد عمر بن عبد العزيز (٢). وكان أشعب قد تعبَّدَ وقرأ القرآن وتنسَّك وروى الحديث، وكان حسنَ الصوت بقراءة القرآن، وربَّما صلى بهم في المسجد، وله أخبارٌ مستطوفة. ذكر طرف من أخباره: قال الخطيب بإسناده إلى أبي العباس الكاتب قال: قيل لأشعب: طلبتَ العلمَ، وجالستَ الناس، ثمَّ تركت، فلو جلست لنا فسمعنا منك؟ فقال: نعم، فجلسَ لهم، فقالوا له: حدثنا، فقال: سمعت عكرمةَ يقول: سمعتُ ابن عباس يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "خَلَّتان لا تجتمعان في مؤمن" ثم سكت، قالوا: وما هما؟ قال: نسي عكرمةُ واحدة، ونسيت أنا الأخرى (٣). فضحكُوا وانصرفوا. وقال الهيثم بن عدي: مرَّ أشعب برجلٍ يعملُ طبقًا، فقال: اعمله واسعًا؛ لعلَّهم يهدونَ إلينا فيه شيئًا. قال: وقال أشعب: ما خرجتُ في جنازةٍ فرأيتُ اثنين يتشاوران (٤)، إلَّا ظننتُ أنَّ الميتَ قد أوصى لي بشيء. وقال سليمان الشاذكوني: كان لي ابنٌ في المكتب، وأشعبُ جالس عند المعلم، فقرأ: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص: ٢٥] فقام أشعب ولبس نعليه، وقال: امشى بين يدي، قال: فقال: إنَّني إنَّما أقرأ حزبي، فقال: قد عجبت أنَّك تفلح أنت وأبوك. وحكى الزبير بن بكار قال: كان سالم بن عبد الله بن عمر يستخفُّ أشعب ويضحك منه، فخرج يومًا سالمٌ إلى بستان له بظاهر المدينة ومعه حرمه وأهله يتنزَّه، وعلم به

стр. 5710

أشعب، فجاء فوجدَ الباب مغلقًا، فتسوَّر الحائط، فقال له سالم: ويحكَ، تسوَّرت علي بناتي وحرمي، فقال: قد علمتَ ما لنا في بناتك من حقٍّ وإنك لتعلم ما نريد، فضحك سالم وأعطاه طعامًا، فأكل وحملَ معه إلى بيته. وقال الزبير: أكل أشعبُ يومًا مع سالم (١) تمرًا، فجعل يقرنُ تمرتين تمرتين، فقال له سالم: قد نهَى رسول الله ﷺ عن القِرَان في التمر (٢)، فقال: لو رأى رسولُ الله ﷺ هذا التمرَ لرخَّصَ فيه حفنةً حفنة. قال: وقيل لأشعب: لم لا تتزوَّج؟ فقال: أريدُ امرأةً أتجشَّأُ في وجهها فتشبع، وتأكلُ فخذَ جرادةٍ فتتخم. وقال الزبير: وفدَ أشعبُ على الوليد بن عبد الملك، فاستدعى بالمغنين، قال أشعب: فمنعني الحاجب فقلت: مكِّنِّي من الدخول ولك نصفُ ما يحصلُ لي، فقال: قد مكَّنتُك، فدخلتُ، فغنَّى القوم فأجازهم ولم يجزني، فقلت: يا أمير المؤمنين، اضربني مئةَ سوط نصفُها للحاجب، ففهم فقال: لا بل أعطيكَ مئة دينار وللحاجب مثلها. وقيل: إنَّ هذه الواقعة جرت لأشعب مع الوليد بن يزيد بن عبد الملك. وقال الهيثم: رأى أشعب رجلًا يشوي دجاجةً أوَّل النهار فلم يأكلها، ثمَّ عاد آخرَ النهار فشواها، فقال أشعب: هذه الدجاجةُ مثل آل فرعون يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا. وبلغَ فاطمة بنت الحسين وكانت مولاته، فقالت: أوَبَلَغ من هزل الخبيث أنْ يتلاعبَ بالقرآن؟ وضربَتْهُ مئةَ سوط، وأعطتهُ مئة دينار. وقال الزبير: قيل له: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفَّت امرأةٌ إلى زوجها إلَّا كنستُ بيتي رجاءَ أن تهدى إليّ، ولا رأيتُ دخانًا طالعًا من دارٍ إلَّا ظننت أن أهله يبعثون إليَّ بطعام. قال: واجتازَ يومًا بقومٍ ينسجونَ شقة (٣)، فقال: طوِّلوها لعلَّ أن يُهدَى إليَّ منها شيء.
следующие страницы →