← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

إني أرى غيمةً يا قومُ قد طلعت … تدعو بصوت على صمَّانةِ الوادي وأنه لن تروا فيها غداةَ غدٍ … إلَّا الرَّقِيم تُمَشِّي بين أنجادي وسمير وعمران: كاهِنان، والرقيم: اسم كلب (١). وقال ابن المسيب: لما انهزموا من الأسراب رُفِعَ لهم جبلٌ تحته أنهار وعيون، فاجتمعوا تحته، فقلب الله عليهم الجبل. وقال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٩٥] أي: لم يسكنوا بمغانيها، من قولهم غنيتُ بالمكان إذا أقصت به، والمغاني: المنازل. وقال السدِّي: ولما هلكوا رثاهم بعضهم فقال (٢): ملوك بني حُطِّي وسَعفَص ذو النَّدى … وهوز أرباب البنيّةِ والحجر همُو مَلَكوا مُلْكَ الحجاز بأوجهٍ … كمثلِ شُعاع الشمسِ أو هالةِ البدر وهم وَطَّنوا البيت الحرامَ ورتَّبوا … أمورًا وسادوا بالمكارم والفخر ذكر وفاة شعيب وموضع قبره واختلفوا فيه: فقال علماء السير: أقام مدةً بعد هلاك قومه، ووصل إليه موسى ﵇، وزوَّجه بابنته. قال جدي ﵀ في "التبصرة": ثم خرج إلى مكة فمات بها وعمره مئة وأربعون سنة، ودفن في المسجد الحرام، حيالَ الحجر الأسود (٣). قلت: وعند طبرية بالساحل قرية يقال لها: حطين فيها قبر يقال: إنه قبر شعيب، وما ذكره جدي أصحُّ؛ وكان شعيب قد أوصى إلى موسى. وقال جدي ﵀ في "أعمار الأعيان": وتوفي بهذه السن: فروة ونفاثة، ومعاذ ابن حيان، ومرارة (٤). وقال الشَّرقي بن قَطامي: إن الله بعث نبيًا آخر بعد شعيب، يقال له: شعيب بن ذي مهدم بن حصورا، إلى بني حصورا، وهم أمَّةٌ عظيمة من ولد يافث بن نوح، وكانت

стр. 597

منازلهم بالسماوة، بين الشام والعراق، وكانت عمائرَ متصلةً، ومياهًا جاريةً، وبساتين مئمرة، وقد ذكرها الزبير بن بكار فقال: حدُّ السماوة من أطراف الشام إلى الحجاز والعراق إلى قنَّسرين وخناصرة إلى بلاد سورية ودِمشق وهي اليوم مفاوز وقفار. وكانوا في عيش ونعمة، فبعث الله إليهم شعيب بن ذي مهدم، فقتلوه، فأوحى الله إلى بعض أنبياء بني إسرائيل أن يأمر بعض الملوك بغزوهم، وقال له: تغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فغزاهم. ويقال: إنما غزاهم بخت نصر، ويقال: إنه صاح بهم صائح من السماء فماتوا، وهم الذين عنى الله تعالى بقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] في قول مقاتل. ومن الحوادث التي كانت في أيام شعيب ﵇ منوجهر - بالجيم - وهو ابن أمان (١) بن إيرج بن أفريدون - الذي ذكرناه فيما تقدم - وبعث موسى وكان قد مضى في ملكه ستون سنة، وعاش في الملك ستين سنة أخرى، وكان عادلًا سمحًا جوادًا محسنًا. ويقال: هو أول من حفر الخنادق، ورتَّب آلات الحرب، وهو من أكابر ملوك الفرس، وكان مقيمًا بالمشرق يغازي الترك، والحدُّ الفاصل بينه وبين الترك جيحون. ولما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة، أغارت الترك على بلاده، وقطعت جيحون، فجمع الموابذة، والأساورة، وعظماء المملكة، وأجلس موبذان عن يمينه، وهو عالم العلماء، ثم لبس التاج وثياب الملك، ثم قام خطيبًا، وهو أول من خطب في الدنيا من الملوك (٢). ذكر خطبته قال علماء السير: قام قائمًا على سريره فقاموا لقيامه، فقال: إنما قمتُ لأسمعكم فاقعدوا، فقعدوا، فحمد الله وأثنى عليه وقال بالفارسية كلامًا معناه: وإنما الناس ناس ما دفعوا العارَ عنهم والعدوَّ عن بلادهم، وقد نال العدوُّ من أطراف بلادكم، وليس ذلك إلا من ترككم جهادَهُمْ، وقلَّةِ مبالاتكم بهم، وإن الله إنما أعطانا هذا الملك

стр. 598

لنشكر فيزيدنا، أو نكفرَ فيعاقبنا، إنما الخلق للخالق، والشكرُ للمنعم، والتسليمُ للقادر، ولابدَّ من كون ما هو كائن، وإن التفكر نور، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، وقد ورد الأولُ، ولابدَّ للآخر من اللحاق به، وقد مضى قبلنا أصولٌ نحن فروعها، فما بقاء الفروع بعد ذهاب الأصول، وإنَّ الله أعطانا الملك، فله الحمد ونسأله الرشدَ واليقين والصدق، وإنما للمَلِك على أهل مملكته أن يطيعوه ويناصحوه، ويقاتلوا عدوَّه، وحقهم على الملِكِ إدرار أرزاقهم، وأن يرفقَ بهم، ويحسنَ إليهم، ولا يحملهم ما لا يطيقون، ولا يكلفهم ما هم عنه عاجزون. واعلموا أن الجند للمَلِك بمنزلة جناحي الطائر، فمتى نقص من الجناح ريشُهُ كان ذلك نقصانًا منه. وينبغي أن يكون الملِكُ جوادًا صدوقًا، لا كذوبًا ولا ظالمًا، ولا حقودًا ولا حسودًا، ولا بخيلًا، وأن يملك نفسه عند الغضب، فإنه مسلَّط ويده مبسوطة، وأن يكون عفوًّا صفوحًا، ولأن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يصيب في العقوبة. وينبغي للملك أن يتثبَّتَ في الأمر الذي فيه قتلُ النفسِ وإزهاقُ الروح، وإن رفع إليه عاملٌ ما فيه عقوبة، جمع ما بينه وبين المتظلِّم، فإن صحَّ عنده الحقُّ في جهةٍ مال إليها. ألا وإنَّ الملك ملكٌ إذا أطيع، فإذا خولف فهو مملوك. ألا وإنَّ العدوَّ قد طمع فيكم، فانهضوا إلى قتاله، وقد أَزَحْتُ العللَ بالأموال والسلاح، وأنا شريككم في الرأي إن شاء الله؛ وذكر كلامًا طويلًا. ثم أمر بالطعام فمدَّت الموائد، وأفاض عليهم الإنعام، فدعوا له وشكروه، وكتبوا هذه الخطبة بماءِ الذهب، وأودعوها في خزائن الفرس، فما زالوا يتوارثونها. وعاش في الملك مئة وعشرين سنة، وسار في جيوشه إلى الترك، فدوَّخ بلادهم. وولي بعده أفراسياب، وقيل: ابن أفراسياب التركي، وسنذكره (١). وفي زمان شعيب كان الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويلقب بالرائش، وسنذكره في ملوك اليمن، إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 599

فصل (١) في ذِكر مُوسى بن عِمْران ﵇ (٢) قال مقاتل: ذكر الله موسى في مئة وثمانية عشر موضعًا. وذكر أبو منصور الجواليقي في "المعرب" فقال: وموسى اسم النبي ﷺ أعجمي معرَّب، وأصله بالعبريَّة موشا. وقال أبو العلاء المعري: ولم أعلمْ أنَّ في العرب من سمي موسى في الجاهلية، وإنما حدث في الإسلام لما نزل القرآن، وسمى المسلمون أبناءهم بأسماء الأنبياء على سبيل التبرك (٣). وأما نسبه فهو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي، ابن يعقوب. وقيل: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، واسم أمه يوخابذ. وكان بين موسى وإبراهيم ألف سنة. وقال أهل التوراة: كان قبل موسى بن عمران نبيٌّ يقال له: موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، ﵇، وقد ذكرناه. وكان موسى راعيًا. ذكر صفته قال وهب: وكان موسى [﵇ آدم] جَعدًا طُوالًا، كأنه من رجال أزْد شَنوءة. وقد وصفه النبي ﷺ لما نذكر. وكان في أرنبة أنفه شامة، وكذا على طرف لسانه. قال ابن قتيبة في "المعارف": ولا يعرف أحد قبله ولا بعده، كانت على طرف لسانه شامة غيره، وهي العقدة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧] قال: وكان في وجه أخيه هارون شامة، وكان أخاه لأبيه وأمه. وكان

стр. 600

هارون أسنَّ منه بثلاث سنين، وكانت مريم بنت عمران أختهما أسنَّ منهما، وكانت تحت كالب بن يوفنَّا بن فارض به يهوذا بن يعقوب، ﵇. وقال ابن قتيبة: لم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبيٌّ، حتى كان موسى (١). وقال ابن عباس: مات موسى وهارون ولم يريا الشيب. فصل في الفراعنة اختلفوا في فرعون موسى على أقوال: أحدها: أن اسمه الوليد بن الريان، قاله مقاتل. والثاني: الوليد بن مصعب بن معاوية بن أبي نمير بن الهلواش بن عمرو بن عملاق، وعملاق قبيلة، قاله قتادة. والثالث: الوليد بن مصعب بن الريان. والرابع: قابوس، ذكره في التوراة. والخامس: مغيث، قاله ابن أبي نجيح. والسادس: الوليد بن مصعب، قاله ابن أبي عون. وقال قتادة: الفراعنة ثلاثة: أولهم: سنان بن الأشل بن علوان بن العبيد بن عويج بن عمليق؛ وهو صاحب سارة، وكان في زمان الخليل ﵇ بمصر. والثاني: الريان بن الوليد بن ليث، وهو فرعون يوسف ﵇. والئالث: فرعون موسى على الاختلاف في اسمه. وقال وهب: فرعون موسى من القبط عاش أربع مئة سنة، وهو الرابع من الفراعنة، وكان أخبثهم، وذلك لأن فرعون يوسف لم يكن يؤذي بني إسرائيل، ويحسن إليهم ويكرمهم؛ وفرعون موسى عذبهم بأنواع العذاب، لما يذكر.

стр. 601

وقد قال قوم: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى، وإنه عاش إلى زمان موسى ﵇، وهو وَهَم، بينهما زمان طويل. وقال الجوهري: فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر، وكل عاتٍ متمرد فرعون، والعُتاةُ الفراعنة، وهو ذو فَرْعَنَةٍ، أي: دهاء ونكر (١). وقال ابن الجواليقي: والفرعنة مشتقةٌ من فرعون (٢). واختلفوا في صفته: قال وهب: كان قصيرًا، ولحيته سبعة أشبار. وقيل: كان طوله قدر ذراع. وقيل: كان طُوالًا. واختلفوا في أي مكان كان على أقوال: أحدها: أنه مَعْلَثايا (٣) من بلد المَوصل، وفي هذا المكان قلعة تعرف بفرعون. الثاني: أنه من بَلْخ، وكان هامان خبازًا ببَلْخ، وفرعون يومئذ فقير، قاله وهب. والثالث: من بوشنج، قاله مقاتل. والرابع: من أهل أصبهان، حكاه عبد الله بن المبارك. فحكى يعمر بن بشر عن ابن المبارك، قال: كان عطارًا بأصبهان فأفلس وركبه دين، فخرج منها هاربًا من الدَّين إلى الشام، فلم يستقمْ له حال، فأتى مصر، فرأى على باب المدينة وِقْرَ حملِ بطيخ، فسأل عن سعره، قيل له هذا بدرهم، فدخل المدينة فرأى وقرَ بطيخ، فسأل عنه، فقيل له: كلُّ بطيخة بدرهم، فقال: من هاهنا أقضي ديني، واشترى وقرًا بدرهم، وأتى به باب المدينة، فنهبه البوابون حتى بقيت بطيخة واحدة، فباعها بدرهم، فقال: ما هذا؟ أما هاهنا أحدٌ ينظر؟ فقالوا: ملكنا مشغولٌ بلذته، وقد فوَّضَ الأمور إلى وزير له، ولا ينظر في شيء. فخرج فرعون إلى المقابر، فجعل لا يمكِّن أحدًا من الدفن إلا بخمسة دراهم، وأقام على ذلك مدة لم يتعرض له أحد، فماتت بنت الملك فقال: هاتوا خمسة دراهم، فقالوا: ويحك، هذه بنت الملك، فقال:

стр. 602

هاتوا عشرة دراهم، فلم يزلْ يضاعفها عليهم حتى بلغ مئة درهم، فأُخبر الملك بحديثه فقال: ومن هذا؟ قالوا: عامل الموتى، فأرسل إليه الوزير فسأله عنه، فأنكر حاله، فأرسل إليه الملك وقال: من أنت؟ فأخبره بخبر البطيخ، وقال: ما صرتُ عاملَ الموتى إلا حتى يصلَ إليك خبري وتحضرني فأنصحك. استيقظْ لنفسك، واحفظ ملكك وإلا ذهب منك، فاستوزره وقتل الوزير، وفوَّض إليه الأمور، فسار في الناس سيرة حسنة، وكان عادلًا سخيًا، يقضي بالحقِّ ولو على نفسه، فأحبه الناس. وتوفي الملك فولُّوه عليهم، فعاش زمانًا طويلًا حتى مات منهم ثلاثة قرون وهو باقٍ، فبطر وتجبر وطغى وقال: أنا ربكم الأعلى (١). وقال مجاهد: ولما خرج من خراسان تبعه هامان، لما كان بينهما من الصداقة فاستوزره. والظاهر أن فرعون كان من القبط لما يذكر فيما بعد. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان سخيًا عادلًا، فلذلك دام ملكه. وقيل: إن ابن عباس هو القائل: كان يقضي بالحق على نفسه. فصل في مولد موسى ﵇ وحاله مع فرعون إلى أن خرج من مصر قال علماء السير، كوهب بن منبه والكلبي والسدي وغيرهم، قالوا: رأى فرعون في منامه كأن نارًا أقبلت من البيت المقدس فأحرقت بيوتَ مصر وقصرَ فرعون والقبط فلم يبق منهم أحد، فهاله ذلك، فجمع الكهنة والسحرة وأخبرهم بما رأى، فنظروا في علومهم فقالوا: يولد مولود في بني إسرائيل يكون هلاكك وهلاك قومك على يده. وذكر جدي ﵀ في "التبصرة" وقال: كانت الكهنة قد أخبرت فرعون وقالت: يولد مولود في بني إسرائيل يكون هلاكك على يده (٢). ولم يذكر المنام، وهو أصح، لأن موسى إنما ولد بمصر لا ببيت المقدس، فالنار التي أحرقت بيوتَ مصر إنما خرجت من مصر.

стр. 603

قالوا: فأمر فرعون بذبح كل مولود يولد في بني إسرائيل، ووكل الشُّرَط مع القوابل كلَّما وُلدَ مولودٌ ذبحوه، وأسرع الموتُ في مشيخة بني إسرائيل، فقال رؤساء القبط لفرعون: قد أمرت بذبح الأبناء، وقد أسرع الموت في المشايخ، فإن دمت على هذا لم يبق لنا من يخدمنا. فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون قبل موسى في السنة التي لم يذبح فيها، وولد موسى في السنة التي يذبح فيها، بعد أن ذبح من بني إسرائيل سبعين ألفًا، وقيل: تسعين ألفًا. فلما ولد موسى دخل الطلب إلى بيت أمه، فألقته في التنور، فلما خرجوا قامت إلى التنور وهو يُسْجَر، فرأته سالمًا، فألهمها الله أن صنعت تابوتًا من البرديِّ - وقيل: إنما صنعه رجل مؤمن من آل فرعون - فأوحى الله إلى يوخابذ، أمِّ موسى، أن اقذفيه في التابوت ثم اقذفيه في اليمِّ - يعني: في النيل - ففعلت ذلك بعد أن أرضعته. فإن قيل: فلم أُمِرَتْ بإلقائه في الماء، قال أبو حنيفة ابن النُّوبي: ليختفي على الكهان أمره، لأن المولود إذا وقع في الماء خفي نجمه. وقيل أيضًا: قيل لأمِّه: اطرحيه في التلف لأنجيه بالتلف. فسار الماء بالتابوت، وكانت قد زَفَّتَت (١) التابوت، ولفَّت موسى في القطن، فساقه القدر إلى نهرٍ يأخذ من النيل إلى دار فرعون، ووافق جلوسَ فرعون في ذلك الوقت على البركة، ومعه آسية بنت مزاحم، فدخل التابوتُ إلى البركة، فقال فرعون للخدم والجواري: أخرجوه، فأخرجوه، ففتح التابوت فرآه، فقال: عبراني، كيف أخطأه الذبح وأمرُ السنة؟ فقالت آسية: هذا أكبر من سنة، فدعه عسى أن يكون ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص: ٩] وكان لا يولد لفرعون إلا البنات، وأحبَّه فرعون حبًا شديدًا بحيث لم يصبر عنه لحظة. قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]. قال قتادة: كان في عينيه ملاحة ما رآه أحدٌ إلا وأحبه. فإن قيل: فأي مناسبة بين الماء والنار؟ ولم كان مبدأ موسى ومنتهاه معهما؟ فالجواب من وجوه: أحدها: لأن الماء مغرق، فكأن فيه إشارة إلى هلاك عدوِّه ونجاته. وأما النار فمن

стр. 604

عاداتها الإحراق، ولكن ظهرت معجزات موسى بأن حصل له المقصود بالتكليم منها. والثاني: لأن طبع النار على تليين الأشياء، وطبع الماء على الترطيب، فأثَّر ذلك في العصا التي كانت في معجزاته. والثالث: أن في النار والماء بقاءَ العالم، فكذلك كان في موسى حياة الدِّين. وقال الضحاك: لما ألقته أمه في النار خافت، فلما ألقته في اليم ندمت وجزعت، فربط الله على قلبها، فقالت لأخته مريم: ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: اتبعي آثاره، فدخلت دار فرعون فوجدته عند آسية، وقد جمعت له المراضع فلم يقبل ثديًا، فقالت مريم أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠] أي: من يرضعه ويضمه إليه؟ فقالت آسية: نعم، فأرسلت إلى أمه فجاءت فأعطته ثديها فقبله وشرب ونام، فذلك قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠] وفي مصحف أبيِّ بن كعب: "فرددناك إلى أمك كي تقر عينها بلقائك". فلما تمَّ رَضاعُهُ رَدَّتْهُ إلى دار فرعون، فأخذه يومًا في حجره، فمدَّ يده للحيته، فقال: عليَّ بالذابح، فقالت آسية: إنما هو صبيٌّ لا عقل له، وأحضرت ياقوتًا وجمرًا فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨]. فإن قيل: فأنَّى اشتبه بالنار؟ ويوم التنور ألقي فيها فلم تحرق لسانه؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه قال لفرعون يومًا: يا "بابا"، فعوقب لسانه ولم تعاقَبْ يده لأنها مَدَّتْ بلحية فرعون، ولهذا ظهرت المعجزة في اليد دون اللسان ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]. فإن قيل: فـ"بابا" مخرجها من الشفتين، قلنا: لابدَّ للسان من فعل لأنه آلة النطق، فقد وجدت المشاركة. والثاني: أنه لم يحترق في التنور ليدوم الأنس بينه وبين النار إلى ليلة التكليم. والثالث: أنها لم تحترق يده ليجاهد بها فرعون، وذلك بحمل العصا. وهذا الذى ذكرناه في بداية موسى ذَكَرَه مَنْ سمينا في أول الفصل من العلماء.

стр. 605

وقد روى الوالبي عن ابن عباس بمعناه قال: ذبح فرعون في طلب موسى تسعين ألفًا من بني إسرائيل، قيل: وكانت القابلة التي وكلها بأمِّ موسى مصافيةً لها، فلما ولد موسى ووقع على الأرض لاح نورٌ بين عينيه، فهالها وهابته، فقالت لأمِّه: احفظي ولدك، فهذا هو المطلوب الذي أُخْبرنا بأنه عدوُّنا لأنها كانت قبطيَّة، وهجم عليها الشرط، والتنور يُسْجَر، فلفَّته في خرقةٍ، وألقته فيه، وغشي على أمه من الخوف، وخرج الشرط فقالت أمه لأخته - واسمها مريم، وقيل: كانت له أخت أخرى يقال لها كلثم -: أين الصبي؟ فقالت: لا أعلم، فسمعت بكاءَه من التنور، فألهمها الله أن تصنع له تابوتًا وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ والوحي هنا: هو الإلهام. قال الأصمعي: قلت لأعرابية: ما أفصحك، فقالت: أبعد قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ فصاحة؟ فجمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين. فاشترته من نجار، فقال لها: ما الذي تصنعين به؟ فقالت: أضع فيه ابنًا لي أخاف عليه كيدَ فرعون، فمضى النجار ليغمز عليها فأخرسه الله، فجعل يشير بيده فلم يفهموا إشارَتَهُ، ثم آمن بعد ذلك بموسى. فألقته في اليمِّ، وكانت لفرعون ابنة برصاء قد أعيا الأطباءَ داؤها، وقالت الكهنة: لا تبرأ إلا من قبل إنسان يوجد في البحر عند شروق الشمس، في وقت كذا وكذا، فاتفق جلوسُ فرعون في تلك الساعة على جانب النيل، وعنده ابنته البرصاء وآسية، وإذا بالتابوت يضربه الموج وقد تعلَّق بالشجر، فابتدروه بالسفن فأخذوه، فعالجوه فلم يقدروا على فتحه، ودَنتْ منه آسيةُ ففتحته، فلاحَ نورٌ عظيم من بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في إبهامه وهو يمصُّ فيدرُّ لبنًا، وأخذت ابنة فرعون من ريقه فلطخت به برصها، فبرئت من وقتها، فقَبَّلَتْهُ وضمَّته إلى صدرها وفرعون ينظر، فقال الغواة من قومه: إنَّا نظنّ أن هذا المولود هو الذي يزيل ملكك، وإنهم خافوا عليه منك فألقوه في البحر، فاقتله، فهمَّ بقتله فمعته آسية وقالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩] فوهبه لها، وقال: أما أنا فلا حاجة لي فيه. قال ابن عباس: لو قال فرعون مثل ما قالت آسية ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ [القصص: ٩] لهداه الله كما هداها، ولكن أحبَّ الله أن يجري فيه سابق علمه. قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أي: سالمًا من كل شيء

стр. 606

إلا من ذكر موسى شفقةً عليه. وقال ابن عباس: جاءها إبليس فقال: كرهت أن يقتله فرعون فيكونَ لك أجره وثوابه، وتوليتِ أنت قتله فألقيته في اليم؟! فخافت. وقولها لأخته: ﴿قُصِّيهِ﴾ من القصص، وهو العلم بالخبر ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] أي: بُعد، فجعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل مجيء أمِّه. وقال السُّدي: لما قالت أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] أخذوها وقالوا: قد عرفت هذا الغلام فدلِّينا على أهله، فقالت: ما عنيت بالنصح إلا للملك، فسكتوا عنها. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الكلبي: الأشدُّ إلى ثلاث وثلاثين سنة ﴿وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] أربعين سنة، وقد ذكرناه. ذكر قتله للقبطي قال علماء السير: ولما ترعرع ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ وهي مدينة فرعون، ويقال لها: مَنْف ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وكانت وقت القائلة. وقال السُّدي: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وهم القبط، وقيل: الذي من شيعته هو السامري، والذي من عدوِّه طباخ فرعون واسمه فلينون. وكان القبطي قد أخذ الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى مطبخ فرعون، فقال له موسى: دعه، فقال: إنما أخذتُهُ ليحملَ الحطب إلى مطبخ أبيك، وكان موسى يسمى ابنَ فرعون، لا يركب ولا ينزل إلا معه، فقال: دَعْهُ، فقال الطباخ: لقد هممتُ أن أحمله على ظهرك ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: مات، ولم يتعمد موسى قتله. والوكز بأطراف الأصابع ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: فرغ من أمره، فندم موسى على قتله، فدفنه في الرمل وقال: لم أومر بذلك، فإنه ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي: ينتظر الأخبار من ناحية القبطي، أن يؤخذ به فيقتل ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ وقد لزمه قبطي آخر يريدُ أن يُسَخِّره، فاستغاث به الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على قتل القبطي بالأمس، فقال للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] ومعناه: ما كفاني أن قتلتُ بالأمس نفسًا بسببك حتى أقتلَ آخر، ثم مدَّ يده إلى الفرعوني وظنَّ الإسرائيلي أنه يريده، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي

стр. 607

كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩] فلما سمع الفرعوني مقالة الإسرائيلي، علم أن موسى قتل القبطيَّ، فأخبر فرعون، فأمر بقتل موسى، وعلم حربيل مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون في قتلك ﴿فَاخْرُجْ﴾ من هذه المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ موسى ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي: ينتظر الطلب ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] (١). فصل في خروج موسى إلى مدين وقد ذكرنا مدين، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصدها خارجًا عن مصَر وسلطان فرعون ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أي: قَصْدَ الطريق إلى مدين، وبينها وبين مصر عشر ليال (٢). قال وهب: ولم يكن معه زاد ولا درهم ولا دينار ولا حذاء، وكان يأكل ورقَ الشجر، ويمشي حافيًا، حتى سقط نعل قدميه، حتى ورد ماء مدين ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ [القصص: ٢٣] أي: جماعة، ﴿يَسْقُونَ﴾ مواشيهم ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ أي: تمنعان أغنامهما أو مواشيهما عن الاختلاط بأغنام الناس. وقيل: تحبسان أغنامهما لضعفهما، فإذا شربت أغنام الناس سقيا، وأصل الذِّياد: الطرد. ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ أي: شأنكما، لا تسقيان مواشيكما مع مواشي الناس؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: لا نقدر أن نزاحم الناس، فإذا صدروا سقينا، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]. فإن قيل: فقولهما: "وأبونا شيخ كبير" زيادة على الجواب، قلنا: معناه: لا يقدرُ أن يسقيَ غنمنا فيريحنا. وعامة العلماء على أنه شعيب الذي قدمنا ذكره، ذكره جدي في "التبصرة" (٣)، إلا الحسن البصري ومقاتل، فإن الحسن قال: يقول الناس إنه شعيب، وليس بشعيب،

стр. 608

ولكنه سيّدُ الماءِ يومئذ. وأما مقاتل فإنه قال: كان شعيب قد مات ودفن بين المقام وزمزم، وإنما هذا يثرون ابن أخي شعيب. قال: وقيل: اسمه يثربي. فلما سمع موسى كلامهما رحمهما، فاقتلع صخرةً من على رأس بئر أخرى بقرب تلك البئر لا يطيق رفعها إلا جماعة من الرجال، ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ أي: إلى ظلِّ شجرة ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] والخير: الطعام، وهو في القرآن على وجوه: أحدها: الطعام، وقال الفراء: الخير اسم لكلِّ ممدوح، والشرُّ اسم لكل مذموم. وقال ابن عباس: لقد قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وإن بطنه قد لصق بظهره، وإنه لأحوجُ الناس إلى شِقِّ تمرةٍ، وإن خضرة البقل لتبين من باطن بطنه، وإنه لأكرمُ خلقِ الله وما أحد على وجه الأرض أعزُّ منه عند الله. فلما رجعتا إلى أبيهما رأى الأغنام وهي حُفَّل، فقال: ما أعجلكما، قالتا: وجدنا رجلًا صالحًا رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، فأتته ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ مستترة بكمِّ درعها، وقد سترت وجهها بيدها، فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥] فتبعها. قال مطرف بن عبد الله: لو كان عند نبيِّ الله شيءٌ ما تبعها، ولكن حمله على ذلك الجهد. وسئل سفيان بن عيينة فقيل له: الرجلُ يعمل العمل لله يؤذِّن أو يؤمُّ أو يعين أخاه، فيعطى الشيء فيقبله، قال: نعم، ألا ترى أنَّ موسى ﵇ لم يعمل للعمالة، وإنه عمل لله تعالى فعرض له رزق من الله فقبله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. وقال وهب: فمشى وهي بين يديه، فهبت الريح فعطفت ثوبها على ردفها، فقال لها: امشي خلفي فإننا لا ننظر إلى أعجاز النساء ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ يعني شعيبًا ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] يعني فرعون وقومَهُ، أي: لا سلطانَ له على أرضنا. ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ ليرعى أغنامنا ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] قال لها: وما علمك بقوَّته وأمانته؟ قالت: قَلْعُهُ صخرةً لا

стр. 609

يقلعها إلا جماعة من الرجال، وأما أمانته فإنَّ الريح هبَّتْ بثوبي فقال لي: كوني خلفي. فحيئذ ﴿قَالَ﴾ له ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ الآية. قال وهب: واسم الكبرى صفورا، والصغرى عبورا. وقال جدي في "التبصرة": صفورا وليا (١). ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] أن تكون أجيري ثماني سنين، وفي حديث أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "تَزوجَ الصُّغرَى مِنهُما، وهي التي قَالت يا أَبتِ، استأجِرهُ" (٢). قلت: وقد كان في شرعهم تزويج المرأة على رعي الغنم جائز، وكذا عندنا لأنه من باب القيام بمصالح الزوجة، وكذا لو تزوجها على زراعة أرضها، وفيه خلاف، ذكرناه في "شرح الجامع الصغير". وأصل المسألة: رجل تزوج امرأة على خدمة سنة والزوجُ حرٌّ، جاز النكاح ولا تكون الخدمة صداقًا، ولها مهر المثل عند أبي حنيفة، وقال محمد: لها فيه خدمة سنة، ولم يذكر في "الأصل" قول أبي يوسف، وقيل: هو مع محمد، وقيل: مع أبي حنيفة؛ وقال مالك والشافعي: لها خدمة سنة. وعن أحمد كالمذهبين. فالحاصل: أن محمدًا يقول: استخدام الحرة زوجها حرام، فوجب الرجوع إلى القيمة كما لو تزوجها على عبدٍ فاستحق العبد. والشافعي يقول: لو تزوجها على رعي غنمها أو زراعة أرضها جاز كذا هذا. وأبو حنيفة يقول: استخدام المرأة زوجها إذلالٌ له وهوانٌ لأنه قوَّامٌ عليها، فصار كما لو سمَّى ما لا قيمة له، فإنه يجب مهر المثل. وأما في رعي الغنم وزراعة الأرض، ففي "الأصل" لا يصحُّ قياسًا على الخدمة وعلى التسليم، فهو من باب القيام بمصالحها كما ذكرنا. وقد بسطنا القول في هذا في "شرح الجامع الصغير". وقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أي: في الصحبة ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] أي: العشر أو الثمان، فليس لك أن تطالبني بأكثر من ذلك فتتعدَّى عليَّ ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي: شهيد. وقال وهب: ثم أمر شعيب ابنته أن تدفع إلى موسى عصا يدفع بها عنه وعن غنمه السباع، فدفعت إليه عصا، واختلفوا فيها:

стр. 610

قال عكرمة: هي التي أنزلت مع آدم من الجنة، وكان طولها عشرة أذرع من آس الجنة، ولها شعبتان تَقِدانِ في الظلام نورًا، وأسمها: عمليق، يتوارثها الأنبياء كابرًا عن كابر، حتى وصلت إلى شعيب. وقال ابن عباس: لما مات آدم أخذها جبريل فكانت في علم الله، حتى وصلت إلى الشيخ، فدفعها إلى موسى. وقال قتادة: أمر الله مَلَكًا، فنزل في صورة شيخ، فأودعها عند شعيب. فلما دفعها إلى موسى ندم وقال لابنته: فرَّطنا في الوديعة. ثم قال لموسى: ردَّ عليَّ وديعةَ الرجل، فامتنع، فبعث الله إليهما ملكًا، فتحاكما إليه، فقال: ضعوها في الأرض، فأيكم أقلَّها فهي له، فوضعها على وجه الأرض، فذهب الشيخ ليقلها فلم يطق، ورفعها موسى فذهب بها، فقال الشيخ: إن لها لشأنًا (١). وقال مقاتل: كان بأرض مدين تنين في أرض مخصبة، ولا يتجاسر أحدٌ أن يدنو من تلك الأرض، فقال له شعيب: احذر من التنين، فجاء موسى يومًا بالغنم فرأى الخصب فأعجبه، فأرسل غنمه ترعى، ونام فجاء التنين، فقامت العصا تحاربه فقتلته، فانتبه موسى، وإذا بالتنين مقتول والعصا ملوَّثة بدمه، فجاء به إلى شعيب، فقال: ألم أقل لك إن لها شأنًا (٢). ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] أي: أتمه وفرغ منه، والأجل: انتهاء الشيء. وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أبعدَهُما وأطيبَهما وأوفاهُما وأتمهُما" (٣). واختلفوا ما الذي أنكحه منهما، قد ذكرنا عن النبي ﷺ أنه أنكحه الصغرى (٤). وقيل: الكبرى.

стр. 611

قلت: وقد أخرج جدي ﵀ في كتاب "الأحاديث الواهية" بمعنى هذا عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سئلت أيُّ الأجلين قضى موسى؟ قلْ: خيرهما وأبرهما، وإن سئلت أي المرأتين تزوج موسى؟ فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ فقال لها: ما رأيت من قوته؟ قالت: أخذ حجرًا ثقيلًا فألقاه عن البئر، قال: وما رأيتِ من أمانته؟ فقالت: قال لي: امشي من خلفي ولا تمشي أمامي" (١). ثم قال جدي: هذا حديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، في إسناده عوبد بن أبي عمران، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث. وأنبأنا جدي ﵀ قال: حدثنا محمد بن ناصر بإسناده عن عُلَيّ بن رباح قال: سمعت عُتبة بن النُّدَّرِ يقول: كُنَّا عند رسولِ الله ﷺ ، فقرأ ﴿طس﴾ حتى بَلغ قِصَّة مُوسى ﵇، فقال: "إنَّ مُوسى آجَرَ نفسَه ثَمانِيَ سِنينَ أو عَشرًا على عِفَّةِ فَرجِهِ وطَعَامِ بَطنِه". أخرجه ابن ماجة القزويني (٢) عن عتبة، ولم يخرجه أحمد ولا البخاري ومسلم. وليس في الصحابة من اسمه عتبة بن النُّدَّر، بنون ودال مهملة غيره. وقال مجاهد: أقام موسى بعد فراغ الأجل عشر سنين أخرى، فكمل عشرين سنة؛ وعامة العلماء على أنه لما قضى الأجل سار بأهله كما أخبر الله تعالى. فصل فيما جرى لموسى بعد انفصاله من مدين وقصة النار والتكليم والرسالة ونحو ذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ﴾ [القصص: ٢٩] الآية. قال السُّديُ وغيره: لما طال مقام موسى عند الشيخ، اشتاق إلى والدته وأخيه، فاستأذن الشيخ في زيارتهما فأذن له، فسار بزوجته يطلب أرض مصر، وكان في أيام الشتاء، فحاد عن الطريق، فسار في البرية غير عارف بطرقها، وكانت امرأته حاملًا،

стр. 612

فألجأه المسير إلى جانب الطور الأيمن الغربي في ليلة مظلمة شديدة البرد، فأخذ الطلقُ زوجته فجعل يكادح المقادح فلم تورِ نورًا، فقال لأهله أي لزوجته: ﴿امْكُثُوا﴾ أي: أقيموا ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: أبصرت. وقال مجاهد: إنما رأى نورًا ولكن وقع الإخبار عما كان في ظنه وما يطلبه ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ﴾ شعلة ﴿مِنَ النَّارِ﴾ وقال مقاتل: إنما قال: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] لأنه كان قد ضلَّ الطريق، فعلم أن النار لا تخلو من موقد ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩] أي: تستعيذون من البرد. قال ابن عباس: أمر الله تعالى النيران في تلك الليلة أن تخمد فلا تظهر في الأرض نار. وأنبأنا جدي ﵀ في "التبصرة" قال: أنبأنا محمد بن أبي منصور بإسناده عن وهب بن منبِّه، وذكر السُّديُّ وقتادة ومجاهد بمعناه دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: خرج موسى في ليلة مثلجة شاتية فولد له ابنٌ في الطريق، فحاد عن الطريق، فأخذ يقدح فلم تورِ المقدحة نارًا، فبينما هو كذلك إذ لاحت له نار وكانت ليلة الجمعة، فقال لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] أي: شعلة، والقبس: ما اقتبس من عيدان ونحوه. فلما قرب من النار، قال وهب: فإذا هو بنار عظيمة تفور من فروع شجرة خضراء شديدة الخضرة، لا تزداد النار فيما يرى إلا عظمًا وتضرُّمًا، ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق إلا خضرةً وحسنًا، فوقف ينظر لا يدري ما يصنع في أمرها، إلا أنه قد ظنَّ أنها شجرة تحترق، فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه. قال مجاهد: وسمع تسبيح الملائكة فخاف خوفًا عظيمًا. قال وهب: فلما طال ذلك عليه أهوى إليها بضِغْثٍ في يده ليقتبس منها شيئًا، فمالت نحوه كأنها تريده، فاستأخر عنها ثم عاد، فلم يزل كذلك، فما كان بأسرع أو بأوشك من خمودها، فتعجَّب وقال: إن لهذه النار لشأنًا. فوقف متحيرًا، فإذا بخضرتها قد صارت نورًا، عمودًا ما بين السماء والأرض، فاشتدَّ خوفه وكاد يخالَطُ في عقله من شدة الخوف. وقال مجاهد: صارت عمودًا من نور له شعاع مثل شعاع الشمس تكلُّ دونه الأبصار. فعند ذلك خاف ووضع يده على عينيه ولصق بالأرض، فسمع حسًّا وشيئًا لم

стр. 613

يسمع السامعون مثله. فلما اشتدَّ كربه وكاد أن يذهب عقله - رجع الحديث إلى وهب بن منبه - فنودي من الشجرة يا موسى، فأجاب سريعًا وما يدري من دعاه، فقال: لبيك، أسمعُ صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك وأمامك وأقرب إليك منك. فلما سمع موسى ذلك علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربِّه تعالى، فأيقن به فقال: كذلك أنت يا إلهي، أكلامك أسمعُ أم رسولك؟ قال: بل أنا الذي أكلمك. وقال السُّدي: فذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أي: من جانبه ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ المقدسة ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ وكانت من العُلَّيق في قول السُّدي. وفي قول مجاهد: من العَوسج. وفي قول مقاتل: من الصنوبر، وقال ابن مسعود: كانت الشجرة مثمرة خضراء ترفُّ. وقال قتادة: ناداه ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]. قال مقاتل: عرض له الشيطان في ذلك الوقت فقال له: يا موسى، أتدري من يكلمك؟ قال: نعم، الله ربي، فقال: وإلهك يتكلم؟ إنما كلمك شيطان من جندي. قال له موسى ﵇: كذبت، قال: ولم؟ قال: لأني سمعت الكلام من الجهات الست، من فوق، ومن تحت، وعن يميني وشمالي، وورائي وأمامي، وسمعت الموجودات تعظِّم ربي، فعلمتُ أن أحدًا لا يتجاسر أن يقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] إلا الله، فانصرف الملعون خاسئًا. قال مجاهد: قوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ "إني": للتعريف، و"أنا": للتشريف، و"الله" تعالى: للتوقيف. وقد روي في هذا المعنى حديث أخرجه أبو أحمد بن عَدي عن ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لما كَلَّمَ اللهُ موسى، قال: من ذا العبري، أو العبراني، الذي يكلِّمني من الشجرة؟ فقال: أنا اللهُ" (١)؛ قال جدي ﵀: إلا أنه حديث موضوع، فإن كلام الله لا يشبه كلام المخلوقين، والمتهم بوضعه حميد بن علي، وقيل: ابن عطاء، وقيل: ابن عمار. وفي هذا الحديث (٢): أنَّه كانَ على مُوسى جُبَّةُ صُوفٍ، وفي رجليه نعلان من

стр. 614

جِلدِ حِمارٍ غَيرِ مُذكَّى. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أنه أُدنيَ حتى سمع صرير الأقلام في اللوح المحفوظ. وقال الحسن البصري: ولما كلم الله موسى ضرب على قلبه صفائح النور، ولولا ذلك لما أطاق سماع كلام الله تعالى. رجع الحديث إلى وهب: قال: فقال الله تعالى: ادن مني، فجمع موسى يديه في العصا، ثم تحامل حتى استقلَّ قائمًا، وأرعدت فرائصه حتى اختلفت واضطربت رجلاه، ولم يبق منه عظم يحمل آخر، فهو بمنزلة الميت، إلَّا أنَّ روح الحياة يجري فيه، ثم زحف على ذلك وهو مرعوب، حتى وقف بمنزلةٍ قريبًا من الشجرة، فقال له الربُّ تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٧ - ١٨] أي: أعتمد إذا عييت. قال: وما تصنع بها؟ قال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] قال مجاهد: ومعنى أتوكأ عليها: أي أعتمد إذا عييت من المشي، وأهش: أخبط بها الشجر ليتناثر الورق فتأكل منه الغنم. وقرأ عكرمة: أهس، بالسين المهملة، أي: أزجو بها الغنم، وهما لغتان، والمآرب: الحاجات. وقال ابن عباس: كان له فيها ألف حاجة، منها أنه كان يحمل عليها زاده وسقاءه، وإذا خاف حدَّثته وآنسته، وإذا جاع أو عطش ضرب بها الأرض فيظهر الطعام والشراب، ويحارب العدوَّ، ويدفع عنه الوحوشَ والهوام، وإذا اشتهى ثمرةً غرزها في الأرض فصارت غصنًا وأورقت وأثمرت، إلى غير ذلك. وروى مجاهد أنها كانت من لوز، والصحيح أنها كانت من آس الجنة (١). فإن قيل: فقد علم الله تعالى حال العصا فلمَ كان أول كلامه له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾؟ فالجواب: إن هذا على وجه المباسطة له، لأنه لمَّا رأى النار، وسمع تسبيح الملائكة، وشاهد ما حكيناه، خاف وصار كل عضو منه على حدة، فباسطه الله

стр. 615

تعالى بذلك، ليثبِّت جنانه (١) فيصلح حينئذ لحمل الرسالة إلى فرعون. رجع الحديث إلى وهب، قال: وكان لها شعبتان، ومحجن تحت الشعبتين ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ [طه: ١٩] فظن أنه يقول: ارفضها، فألقاها، ثم حانت منه نظرة فإذا هي أعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يدبُّ كأنه يلتمس شيئًا يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخَلِفَة (٢) من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيقتلعها ويبتلعها، عيناه توقدان نارًا، وقد عاد المحجن عرفًا فيه شعر مثل النيازك، وعادت الشعبتان فمًا مثل القليب الواسع، فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرًا، فذهب حتى أمعن في البريَّة، ثم ذكر ربه فوقف استحياءً منه، فنودي: يا موسى ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديدُ الخوف، فقال: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١] وعلى موسى يومئذ مِدْرَعة صوف، قد خلَّها بخلال من عيدان، فأثنى طرف مدرعته على يده ليأخذها، فقال له مَلَكٌ: أرأيت يا موسى، لو أذن الله لما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعفٍ خلقت، فكشف عن يده ووضعها في فم الحية حتى سمع حسَّ الأضراس والأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها. فإن قيل: فلمَ خاف موسى من العصا ولم يخف إبراهيم من النار؟ فالجواب: إن تحويل العصا من فعل الله تعالى، وإيقاد النار من فعل الخلق، وقيل: خاف موسى أن تلك الحية التي أُخرج آدم من الجنة بسببها، أو من جنسها، فلهذا خاف، والسعيد مَنْ وُعِظَ بغيره. وقيل: لما أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ أراه أن من اتكل على غيره تعقبه الفرار. وقال ابن عباس: ولما حصل في الوادي نودي: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] واختلفوا في معنى الأمر بإلقاء نعليه على أقوال: أحدها: أنهما كانا من جلد حمار غير مدبوغ، قاله قتادة، وابن مسعود رواه مرفوعًا، ولا يصحّ، وقد ذكرناه في حديث العبريّ.

стр. 616

والثاني: إنما أمره بإلقاءِ نعليه لتنال قدماه من بركة تلك الأرض المقدسة، لأنها قُدِّسَتْ بالكلام، قاله عكرمة. والثالث: أنه علَّمه التواضع، ألا ترى أن من طاف بالبيت فإنه يخلع نعليه تواضعًا، قاله الحسن. والرابع: أن المراد بالنعلين الزوجة، فكأنه يقول قد حضرت في هذه الحضرة، فلا تشغل قلبك من ناحيتها، ألا ترى أنَّ من رأى في منامه كأنه لبس نعلين فإنه يتزوج امرأة، قاله ابن نجيح. واختلفوا في قوله: ﴿طُوًى﴾ قال الضحاك: هو اسم الوادي، وهو مستطيل عميق مثل الطويّ (١) في استدارته. وقال الحسن: طوى، أي: مطهر. ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] أي: اصطفيتك، إلى قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] هذا خطاب للعرب بما يفهمونه. فإن قيل: فاقد قال الله تعالى في موضع: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠] وفي مكان آخر: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠] وهي الحية الصغيرة، وفي موضع آخر: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧، الشعراء: ٣٢] فكيف الجمع بين هذا؟ فالجواب: إن قوله كأنها جان عبارة عن ابتداء حالها، ثم صارت حية، وتورمت حتى صارت ثعبانًا، والحية تجمع الكبير والصغير والذكر والأنثى. فإن قيل: فما معنى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] فالجواب: أن الجناح أسفل الإبط، وقيل: هو الإبط، والرَّهْب: الفزع. ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي: برص ﴿آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] سوى العصا، فأخرج يده من مِدْرَعته بيضاء لها شعاع كالشمس ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ٢٣] أي: الآية الكبرى. فإن قيل: ذكر هاهنا ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] وفي موضع آخر ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [القصص: ٣١] قلنا: المعنى لا يختلف، لأن معنى الكلام: إذا هالَكَ ما رأيتَ من شعاع يدك، فأدخلها في جيبك، تعدْ إلى حالتها الأولى.

стр. 617

وقال الربيع بن أنس: أمره الله أن يضع يده على صدره ليذهب عنه الرعب عند معاينة الحية، قال: والدليل عليه هذه الآية، لأن الرهب هو الخوف والفَرَق. وقال مقاتل: الرهب الكمُّ بلغة حمير، فعلى هذا معناه، أدخلها في الكم. ثم قال له الله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ [طه: ٢٤] أي: علا وتكبَّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم أني قد ربطتُ على قلبه، فقال: يا رب، كيف تأمرني بهذا وقد ربطتَ على قلبه؟ فقال له ملك: يا موسى انطلق، فإنَّا اثنا عشر ألف خازن من خُزَّان الرِّيح، لا ندري ما هذا ولا علمناه، فحينئذ قال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] أي: بالإيمان والنبوَّة، والشرح الكشف ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ [طه: ٢٦] سهِّله لأُبَلِّغ الرسالة إلى فرعون ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧] قال ابن عباس: كان في لسانه رتَّة، وقيل: تمتمة، وقيل: هي الشامة التي ذكرناها، وقيل: مكان الجمرة التي أحرقت لسانه ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ [طه: ٢٩] أي: معينًا وظهيرًا، ثم بيَّن من هو فقال: ﴿هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ ﴿اشْدُدْ (١) بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ أي: أقوي به ظهري ﴿وَأَشْرِكْهُ (١) فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه: ٣٠ - ٣٢] أي: في الرسالة. قال ابن عباس: لما أمره الله بالرسالة قال: ﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ وأحسن بيانًا ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] أي: معينًا، فقال الله له: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: نقويك ونعينك، وكان هارون يومئذ بمصر ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: قوة وحجَّةً وبرهانًا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]. وقال ابن عباس: لما قتل القبطيَّ كان له اثنتا عشرة سنة، وأقام بمدين عشرين سنة. وقال وهب: لما قتل القبطيَّ كان له عشرون سنة، وأقام عند شعيب عشرين سنة، حتى تمَّ له أربعون سنة فصلح كليمًا ونبيًا، وذلك معنى قوله تعالى ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. وقال مقاتل: وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ وهي اليد والعصا. ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] تضعفا وتفترا وتقصرا ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾ أي: عتا وتجبر ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٣] أي: لا تعنفاه ولا تغلظا له. وقال عكرمة: معناه كنّياه

стр. 618

فقولا: يا أبا الوليد، وقال السدي: ولينا له لا تَجْبَهاه بمكروه، بل عِدَاه على الإيمان مُلكًا واسعًا لا يُنزع عنه إلا بالموت. فإن قيل: فقد قال لمحمد ﷺ ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣ والتحريم: ٩] قلنا: لأن طبع سيدنا ونبينا محمد ﷺ اللين واللطف، وطبع موسى على الصلابة والقوة، فقال له: ارفق بفرعون ولا تُقَرِّعهُ بين الملأ، فإن الملوك يأنفون من التوبيخ بين الناس، ولهذا قالوا: لا ينبغي لأحد أن يقابل السلطان بما يكره، بل يكتب النصائح في ورقة. وأمر الله هارون أن يخرج من مصر فيلتقي أخاه على رحله ففعل، وقيل غير هذا، لما يذكر. فإن قيل: فقد علم الله منه أنه لا يؤمن، فما معنى قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] فالجواب: إنما أراد الله تركيب الحجة عليه، لاحتمال أنه إذا رأى العذاب يقول: لا ذنب لي، فيقال له: قد أُنذرت قبل ذلك، فلا عذر لك. رجع الحديث إلى وهب بن منبه: فقال له الله : يا موسى، إني قد أقمتك اليوم مقامًا لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك، أدنيتك وقرَّبتك حتى سمعتَ كلامي، وكنتَ بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي وبصري، فأنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمِن مكري، وغرَّته الدنيا، حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وعُبد دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي، لولا العذر والحجة اللذان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرتُ السماوات حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمَّرته، وإن أمرت البحار غرَّقَتْه، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني، ووسعه حلمي، وحُق لي، أنا الغني لا غنيَّ غيري، فبلِّغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي، وذكِّره بأيامي (١)، وحذَره نقمتي وبأسي، وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة. ولا يرعك ما ألبَسْتُهُ من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس يطرف ولا ينطق ولا

стр. 619

يتنفس إلا بإذني، قل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربع مئة سنة، وفي كلها أنت مبارزه بالمعاصي وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، ولم تسقم ولم تهرم، ولم تفتقر ولم تُغْلَب، ولو شاء أن يسلبك ذلك فعل، ولكنه حليم ذو أناة، وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان بجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنودٍ لا قِبَلَ له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي أعجبته نفسه وجموعه، أن الفئة القليلة - ولا قليل معي - تغلب الفئة الكثيرة بإذني. ولا تعجبكما زينته، ولا ما تمتع به، ولا تمدّان إلى ذلك أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما بزينة هي أعظم من زينته، حتى يعلم أن مقدرته تعجز عن ذلك، لفعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيقُ إبلَه عن مراتع الهلكة ومبارك الغرَّة، وما ذاك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي موفرًا سالمًا. واعلم أنه لم يتزين العباد لي بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباسٌ يُعْرَفون به من السكينة والخشوع ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] أولئك أوليائي حقًا، فإذا لقيتهم فذللْ لهم قلبك ولسانك، واخفضْ لهم جناحك، واعلم أن من أهان لي وليًا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وعرض نفسه للهلكة، وإني لأَسْرَعُ إلى نصرة أوليائي من الليث الحَرِب، أفيظن الذي يحاربني أنه يقوم لي، أو يظنُّ الذي يبارزني أنه يسبقني، أو يظنّ الذي يضادني أنه يعجزني أو يفوتني، كيف وأنا في الدنيا والآخرة، لا أَكِلُ نصرتهم إلى غيري (١). قال مقاتل بن سليمان في "المبتدأ": ولما عزم موسى على قصد فرعون، قال جبريل: يا إله العالمين، أترسله وهو عريان، وعند عدوّه من العُدَد والعَدَد ما قد علمت، فقال له الله تعالى: ادخلْ الجنة وانظرْ أعظم قلنسوةٍ فيها، فأَلْبِسْهُ إيّاها، وانظر أوطأ مركب فأركبه إياه، وانظر أصرم سيفٍ فأعطه إياه، واختر له أشجع جند، فدخل

стр. 620

الجنة وخرج وليس معه شيء، فقال الله تعالى: فأين ما ذكرت لك؟ قال: يا إلهي ما وجدت قلنسوةً أعظم من الهيبة، ولا مركبًا أعظم من التوفيق، ولا سيفًا أقطع من الحجة، ولا جندًا أبلغ من النصرة، ولا لباسًا أتمَّ من العافية، فقال الله تعالى: أعطه ذلك كله، فأعطاه إياه. وقال مجاهد: لما وصل موسى إلى مصر طرق والدته ليلًا، فنزل عليها وهي لا تعرفه ولا يعرفها، وجاء هارون في بعض الليل، فرآه فسأل أمّه عنه، قالت: ضيف، فجلس إليه وتحادثا ساعة، فقال له: ما اسمك؟ قال: موسى، قال: وأنت؟ قال: هارون، فقاما وتعانقا وبكيا، وبكت العجوز، فقال له موسى: إن الله قد أرسلني إلى فرعون وأنت معي، فقال هارون: سمعًا وطاعة، ثم قاما ومضيا إلى فرعون، إلى مدينة مَنْف (١). رجع الحديث إلى وهب، قال: فأقبل موسى وهارون إلى فرعون في مدينة، قد جعل حولها الأُسد، في غيضة قد غرسها، والأُسد فيها مع سُوَّاسها، إذا آسَدَتْها على أحد أكلته. وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة، فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه منه فرعون من مناظرة، فلما رأته الأُسد صاحت صياح الثعالب، فأنكر ذلك سُوَّاسها، وخافوا من فرعون، وأقبل موسى حتى انتهى إلى باب قبة فرعون، فقرعه بعصاه، وعليه جبة صوف وسراويل صوف، فلما رآه البواب عجب من جرأته، وقال: أتدري بابَ من تضرب؟ إنما تضرب بابَ سيدك، فقال: أنا وأنت وفرعون عبيد الله تعالى، فأخبر البواب الذي يليه حتى بلغ أدناهم، وكانوا سبعين حاجبًا، كل حاجب تحت يده من الجنود ما شاء الله، حتى خلص الخبر إلى فرعون، فقال: أدخلوه عليَّ، فأدخلوه، فقال فرعون: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] فقال له: يا فرعون آمنْ بربِّ العالمين، فقال: خذوه، فبادرهم موسى ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] فحملت على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا - هذا لم يصحّ - قَتَلَ بعضهم بعضًا، وأدخل الثعبان أحد شدقيه تحت سرير فرعون والآخر فوقه فسلح فرعون في ثيابه، وقام فرعون منهزمًا فدخل البيت، فقال لموسى:

стр. 621

اجعل بيننا وبينك أجلًا ننظر فيه، فقال له موسى: لم أومر بذلك، وإنما أُمرت بمناجزتك، فإن أنت لم تخرج إليَّ دخلت إليك، فأوحى الله إليه: اجعل بينك وبينه أجلًا، واجعل ذلك إليه، فقال فرعون: أجِّلني أربعين يومًا، ففعل، وكان فرعون لا يأتي الخلاء إلا في كلِّ أربعين يومًا مرة، فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة، وخرج موسى فلما مرَّ بالأُسْدِ بَصبصت بأذنابها، وسارت مع موسى تشيّعه ولا تهيجه. انتهت رواية وهب التي رواها عبد الله بن أحمد في "كتاب الزهد" عن أبيه (١). وقال مجاهد: لما وصلا إلى باب القصر قالا للبواب: ادخل عليه وقلْ له إنَّا رسول رب العالمين، فلما دخل عليه قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩] فقال له: يا فرعون آمن بربِّ العالمين، ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قال: رب السماوات والأرض وموسى وهارون. فإن قيل: فما هذا جوابه وقد كان ينبغي أن يذكر اسم الله وصفته. قلت: إنما عدل عن ذكر الاسم والصفة لأن فرعون ساله عن ماهية مَنْ لا ماهية له بقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأجابه بهذا الجواب، لأن فرعون لم يكن يعرف الاسم ولا الصفة. وقال وهب والحسن: أوحى الله إلى هارون، فبشَّره برسالته ونبوة موسى، وأنه قد جعله وزيره ورسوله معه إلى فرعون، فإذا كان يوم الجمعة غرة ذي الحجة، فاخرجْ إلى جانب النيل قبل طلوع الشمس لتلقى أخاك، ففعل. ودخلا على فرعون، وجرى ما جرى. وقال وهب: إن موسى لما دخل على فرعون قال له: آمن حتى أسأل الله أن يردَّ عليك شبابك، فأخبر هامانَ بذلك، فقال له: اصبغ بالسواد، فصبغ، وهو أول من فعل ذلك. ثم قال فرعون لموسى: قد رددتُ عليَّ شبابي، فقال له: ميعادك ثلاثة أيام، فلما انقضت الثلاث نَصَل خضابه، قال: فكل خضاب يَنْصُلُ بعد ثلاثة أيام. قال علماء السير: لما دخل موسى على فرعون قال له: إن كنت جئت بآية فأت بها ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٢، ٣٣] وأخرجها ولها شعاع مثل شعاع الشمس.

стр. 622

وقال مقاتل: قال له فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١] يعني قوم نوح وعاد وثمود، الآية؟ وإنما سأله عنها لأنه إنْ كان رسولًا علم حالها، فقال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ لأن التوراة لم تكن أنزلت عليه بعد، لأنها إنما أنزلت عليه بعد غرق فرعون وخروجه من مصر، فردَّ العلم إلى الله تعالى ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] فيحتاج إلى التذكرة. ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: أجَلًا وميقاتًا ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ أي: لا نتجاوزه ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٧، ٥٨] أي: مستويًا ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ واختلفوا فيه: قال ابن عباس: يوم الزينة يوم عاشوراء، كانوا يتزيَّنون فيه. وقال مقاتل: يوم عيدهم. وقال ابن المسيّب: يوم النيروز (١) ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] أي: ضحوة، ليكون أبلغ في الحجة، وأبعد من الزينة في الليل ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] أي: حيَلَه وسَحَرَتَه في ذلك اليوم لموعد موسى. فصل في اجتماع السحرة واختلفوا في عددهم، قال ابن عباس: كانوا سبعين ألفًا، ما بين ساحر وكاهن، ورؤساؤهم سبعون ورؤساء السبعين سبعة: ساتور وعاز وحطحط وشمعون ويوحنا ويثرون. وقيل: كانوا أربع مئة ألف، والأول أصح. ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: تختلقوا ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ أي: يستأصلكم ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] أي: كذب ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢] أي: الحديث. وكان مع كل واحد منهم عصا وحبل ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: أرض مصر ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] أي: يصرفا وجوهَ الناس إليهما. والطريقة: السنَّة ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: اعزموا على إظهار سحركم ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: صفوفًا ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ

стр. 623

اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤] أي: فاز وغلب ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥] ومعناه: إما أن تلقي عصاك، وإما أن نلقي نحن عصيّنا. ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] أي: تمشي، وكانوا قد لطخوا عصيَّهم وحبالهم بالزئبق، فلما أصابها حرّ الشمس ارتهشت وتحركت، فظنَّ موسى أنها تريده، وامتلأ الوادي بالحيات كأمثال الجبال، يركب بعضها بعضًا ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] أي: أضمر، فقيل له: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨] أي: الغالب ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] أي: في أي مكان من الأرض، فألقاها، فابتلعت جميع ما في الوادي، حتى لم يبق فيه شيء، وأخذها موسى فإذا هي عصاه ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ﴾ العالمين، رب ﴿هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: به ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧١] أي: أنا أو ربّ موسى ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: [التي] شاهدناها، والدرجات العلى ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ وهذا قسم ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي: فاحكم بما أنتم صانع من القتل والقطع والصلب ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] أي: ليس لك علينا في الآخرة سلطان ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣]. وقال مقاتل: إنما قالوا هذا لأن فرعون أمرهم أن يتعلموا السحر خوفًا من موسى، فقالوا: أرنا كيف ينام موسى، فأراهم، فإذا عصاه قائمة تحرسه، فقالوا: ليس هذا بساحر، فقال: لابدَّ أن تتعلموا، فأكرههم عليه. وقال السدي: لما شاهدوا العصا رأوا أمرًا فهالهم كما كان ما بين شعبتيها ثمانين ذراعًا. وقال ابن عباس: جاؤوا أول النهار سحرة كفرة، وصاروا في آخره شهداء بررة. وقد فرَّقوا بين الساحر والسحَّار، فالساحر من يكون سحره في وقت دون وقت، والسحَّار من يديم السحر.

стр. 624

وقال مجاهد: كانوا يتعلمون السحر بقرية من أرض مصر يقال لها: الفَرَما، كما يتعلم الصبيان الكتابة في الكُتّاب، وأن الذين يعلمونهم رجلان من أهل نِينَوى. وقال الكلبي: لما قالت السحَرة لفرعون ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [لشعراء: ٤١] أي: جُعْلًا ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٢] أي: عندي في المنزلة، وأول من يدخل وآخر من يخرج، قال: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: أفزعوهم ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وهو ما ذكرنا ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ لما تلقفت العصا ما جاؤوا به ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٩] أي: ذليلين مقهورين ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠] حيث تيقَّنوا أنه أمرٌ سماويٌّ وليس بسحر، فحينئذٍ قالوا: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] أي: لا ضرر. واختلفوا في الذين آمنوا من السحرة: قال مجاهد: إنما آمن رؤساؤهم السبعة، وقال قوم: إنما آمن الكلُّ، وهو الأظهر، لأن الله ذكرهم بالألف واللام، وهما للاستغراق. وقال مقاتل: ولما غُلِبَتِ السحرة قال الملأ - وهم الأشراف - لفرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] فلا يَعْبُدك ولا يَعْبُدُها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرةٌ يعبدها. وقال الحسن: كان مع ادِّعائه الربوبية يعبد تيسًا، وقيل: صنمًا. فصل في تعذيبه لبني إسرائيل قال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ للخدمة ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] أي: غالبون. وبلغ موسى، فقال لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ يعني أرض مصر ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. وقال مجاهد: لما آمنت السحرة اتبع موسى ست مئة ألف من بني إسرائيل، فجار عليهم فرعون، فشكوا إلى موسى فقالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بقتل الأبناء، واستخدام النساء ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩] بحَنَق فرعون علينا، وإعادة

стр. 625

القتل والاتعاب في الأعمال المشقة، لأن أهل القوة منهم كانوا ينحتون السواري من الجبال فقرحتْ أعناقهم، ودَبِرَت (١) ظهورُهم، وطائفة ينقلون الخشب، وآخرون يبنون، وقوم يطبخون الآجرَّ، وآخرون يعملون الحديد، ووضع على الضَّعَفَةِ الضرائب، يؤدُّون كلَّ يوم ضريبة، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته، غُلَّت يمينه إلى عنقه شهرًا. وأما النساء فيغزلن الكَتَّان وينسجنه، ويخدمن القبط. وموسى يقول لهم: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] قال مجاهد: فحقق الله ظن موسى فيهم. فصل في الآيات التي أرسلت على قوم فرعون قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٠]. قال ابن عباس: بالجدب والقحط سنة بعد سنة. يقال: أَسنتَ القوم: إذا أجدبوا. وقال سعيد بن جبير: مَلَك فرعون أربع مئة سنة، ما جاع ولا حُمَّ ولا صُدِعَ، ولو ذاق شيئًا من ذلك لما ادّعى الربوبية. قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]. واختلفوا في الطوفان على أقوال: أحدها: أنه المطر أغرق كلَّ شيء لهم، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الموت الجارف، قال وهب: الطوفان الطاعون بلغة أهل اليمن، سلَّطه على أبكار آل فرعون والمواشي، فأفنى الكلَّ. والثالث: الجُدَريُّ، وهم أول من عُذِّب به، وبقي بقاياه في الأرض إلى يوم القيامة. قال أبو قلابة: وأما الجراد، فأكل كلَّ شيء لهم، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الموت الجارف، قاله وهب. واختلفوا في القمَّل: فقال ابن عباس: إنه السوس الذي يخرج من الحنطة، وقال السّدي: صغار الجراد، وقال مجاهد: هو الدَّبى (٢) كان يأكل لحومهم وطعامهم،

стр. 626

وقال ابن يزيد: هو البراغيث. وقال الجوهري: هو دويبة من جنس القِرْدان يركب البعير عند الهزال، وقيل: هو الحَلَم (١) بحاء مهملة. وأما الضفادِع فواحدها ضفدع، أقبلت كقطع الليل المظلم، فملأت البيوت والأواني، وأكلت الأطعمة، وملأت الحِبابَ والجِرار. وأما الدم فكان الإسرائيلي والقِبْطي يأتيان إلى جانب النيل فيشرب الإسرائيلي ماءً والقِبْطي دمًا. قال ابن عباس: دعا عليهم موسى فأصابهم ذلك، فكادوا أن يهلكوا بالطوفان، ملأ بيوت القِبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، ومن قعد منهم غرق، ولم يدخل منازل بني إسرائيل منه قطرة، فقالوا: يا موسى ادعُ لنا ربَّك أن يكشفَ عنا هذا المطر، فقد منعنا من الحرث والزرع، ونحن نرسل معك بني إسرائيل، فسأل ربَّه فرفع عنهم الطوفان، وكان قد عمَّهم من السبت إلى السبت، فلم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل جميع مالِهم، حتى مسامير الأبواب والحديد، فضجُّوا وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك، فدعا لهم، فرفع الله عنهم الجراد، فلم يؤمنوا، فأمر الله موسى فخرج إلى قرية بظاهر مصر يقال لها: عَيْن شَمس، وعندها كثيب أعفر، فضربه بعصاه، فسال قملًا يلحس الزروع وغيرها، وكان يدخل بين جلد أحدهم وثوبه فيكاد يُهلكه، واختلط بطعامهم، ولصق بأجفان عيونهم وحواجبهم، فاستغاثوا: يا موسى ادع لنا ربَّك أن يكشفه عنا ونحن نرسل معك بني إسرائيل، فسأل الله فكشف عنهم، فعادوا إلى أخبث ما كانوا عليه، فدعا عليهم، فأرسل الله عليهم الضَّفادع فدخلت في أفواههم وثيابهم وقدور طعامهم وأوانيهم، فاستغاثوا وقالوا: نحن نتوب، فسأل الله أن يرفعها عنهم، فرفعها، فعادوا، فدعا عليهم، فأرسل الله عليهم الدم، فصار النيل دمًا فاختلط بأطعمتهم وشرابهم، حتى إن المرأة من القبط كانت تقول للمرأة من بني إسرائيل: اسقيني فقد عطشت، فتصبُّ لها من الجرة ماءً، فتقول لها اجعليه في فيك ثم مُجِّيه في فيَّ فتفعل، فيصير دمًا. وأقام بهم كلُّ نوع من هذا من

стр. 627

السبت إلى السبت، فأقاموا على هذا. وكان فرعون يصيبه من ذلك ما يصيب القبط، فقالوا: يا موسى، قد وضح لنا البرهان، فقد تبنا، فاسأل ربك فينا، فسأله، فرفع عنهم ذلك كله، فنقضوا العهود، وعادوا شرَّ ما كانوا عليه. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وهذه خمس، فأين الباقيات؟ قلنا: العصا، واليد البيضاء، والبحر، والطمس على الأموال. وذكر عبد الوهاب بن النُّوبي وقال: كانت آياته عشرين آية، ذكر التسع التي ذكرنا وزاد: ولم يحترق في التنور، ولا غرق في البحر، ثم السنون، ثم المنّ والسلوى في التيه، وتظليل الغمام، وفلق البحر، وإحياء عاميل في قصة البقرة، وانفجار الماء له من الحجر، وتكليم الله له، والعمود الذي كان يَقِد بين يديه في التيه ليلًا. وقال الزهري: في خلت على عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال لي: يا ابنَ شهاب أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال: فقلت: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضَّفَادع، والدم، ويده، والبحر، والطمسة، وعصاه، فقال: أحسنت، هكذا يكون العلم، ثم قال: يا غلام آتني بالخريطة، فأتى بخريطة مختومة ففكَّها ونثر ما فيها، فإذا دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس، فقال: كُلْ يا ابن شهاب، فأهويت إليه فإذا هو حجارة، فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين، فقال: أصابه عبد العزيز بن مروان بمصر إذ كان واليًا عليها، وهو مما طمس الله على أموالهم (١). وقال إسحاق بن بشر: أخبرني المضارب بن عبد الله الشامي، قال: أخبرني من رأى بمصر نخلةً مصروعة، وإنها لحجر، ولقد رأيت ناسًا قيامًا وقعودًا في أعمالهم لو رأيتهم ما شككت فيهم قبل أن تدنو منهم أنهم ناس، وإنهم لحجارة، ولقد رأيت الرجلَ يحرثُ بين ثورين، وإنه وثوراه حجارة (٢).

стр. 628

فصل في قصة آسية بنت مزاحم قال أحمد بن حنبل بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفضَلُ نساءِ أهلِها خديجةُ بنتُ خُوَيلدٍ، وفاطمةُ بنتُ محمَّدٍ، ومريمُ بنتُ عِمرَان، وآسيَةُ بنتُ مُزاحمٍ" (١). وروى عكرمة عن ابن عباس، موقوفًا عليه قال: كانت آسيَةُ من بني إسرائيلَ، قد آمنتْ بموسى سرًّا من فرعون، فلما علم بذلك ضرب لها أوتادًا في يديها ورجليها، وأمر بأن تلقى على صدرها صخرة كأكبر ما يكون، قال: فإن رجعت عن دينها فخلُّوا سبيلها، فكشف الله عن بصرها، فرأت قصرها في الجنة، فقالت: اصنعوا ما بدا لكم، فقد رأيت قصري ومنزلي في الجنة، فذلك قولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] فاستجاب الله دعاءها، وأراها قصورها ومنازلها في الجنة قبل أن تفارق الدنيا. وكانوا إذا تفرَّقوا عنها أطلقها الملائكة، فماتت على ذلك. فصل في ماشطة ابنة فرعون حدثنا غير واحد، عن عبد الرحمن بن محمد القزَّاز، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أُسْرِيَ بي مررتُ برائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الريح؟ قال: هذه ريح ماشطة ابنة فرعون، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، بل ربي وربّ أَبيك الله، فأخبرت فرعون، فدعاها فقال: مَنْ ربك؟ فقالت: ربي وربّك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نُحاس فأحميت، ودعا بها وبولدها، فقالت له: إن لي إليك لحاجة، قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي، فتدفنهما جميعًا. فقال: إن لك من الحق علينا ما تستوجبين به ذلك. وكان لها أولاد فجمعهم، ثم ألقى واحدًا بعد واحد في البقرة وهي تغلي، حتى إذا كان آخر ولدها، وهو طفل رضيع، أنطقه الله تعالى: يا أماه اصبري، فإنك على الحق،

стр. 629

فألقاها مع أولادها" (١). فصل في قصة مؤمن آل فرعون قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨ - ٣٣] الآيات. واختلفوا في اسمه، قال ابن عباس: خربيل، أو خربال، أو خربيال. وقال مقاتل: سمعان، أو شمعان، أو شمعون، وقيل: حبيب. وقال مقاتل: خيرك، وقيل: حزقيل، وكان ابن عم فرعون، وقيل: من آله. قال مجاهد: وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠] وجادل عن موسى فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكان قد أوقع الله في قلبه الإسلام، وكتم إيمانه خوفًا من فرعون. وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ استفهام إنكار ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يضركم ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] من العذاب، والمراد بالبعض ها هنا الكلُّ (٢). فصل في قصة فرعون مع النيل روى وهب بن منبه، عن كعب الأحبار قال: أَمسَك النيل عن الجريان في بعض السنين، فقالت القِبط لفرعون: إن كنتَ ربًّا كما تزعمُ فأَجْرِهِ. فركب في جنوده، ثم انفرد عنهم ونزل عن فرسه، ولبس ثيابَ المساكين، وسجد وتضرع وقال: إلهي أنت تعلم أني أعلمُ أنك إله الخلق، لا إله سواك، ولكن كتبت عليَّ الشقاء، وطردتني عن بابك، ولا حيلة لي. فأَجرى الله له النيل.

стр. 630

فصل في بناء الصرح روى عكرمة عن ابن عباس، قال: لما تضايقت بفرعون الحيل قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أي: صرحًا عاليًا ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: طرقها ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فيما يقول أن له ربًّا غيري ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] أي: اطبخ الآجرَّ- وفرعونُ أول من طبخ الآجرَّ وبنى به. وقيل: نمرود لما بنى الصرح - فجمع هامان العمال والفَعَلة حتى بلغوا خمسين ألفًا من البنَّائين، سوى الأتباع. ومن يعمل الجصَّ وينحت الخشب، فرفعوه ارتفاعًا عظيمًا. قال مجاهد: لم يبلغ بنيانُ أحدٍ منذ خلق الله السماوات والأرض مثله. ولما فرغ صعد عليه فرعون، فرمى بنشابة نحو السماء فعادت وهي ملطخة بالدم، فقال: قتلتُ إله موسى - وقد تقدم جواب مثل هذه الأشياء في صرح نمرود - فبعث الله جبريل ﵇، فضربه بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة منه على عسكر فرعون، قتلت منهم مئة ألف ووقعت قطعة منه في النيل فسدَّته، ووقعت الأخرى على العمال والبنَّائين فأهلكتهم (١). فصل في غرق فرعون قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢] أي: يتبعكم فرعون وقومه. وقال مقاتل: لما وقع الإياس من إيمان فرعون، وأباد بني إسرائيل وأفناهم، شكا موسى إلى الله تعالى، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي: سِرْ بهم أَوَّلَ الليل من مصر، فأَمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط بعلَّةِ عرس لهم ففعلوا. روى الثعلبي عن ابن جريج في هذه الآية قال: أوحى الله إلى موسى: أن اجمع بين كل أربعة من أهل بيت في بيت واحد، ثم اذبحوا أولاد الضأن، ثم اضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتًا على بابه دم، وآمرها فتقتل أبكارَ آل

стр. 631

فرعون، ثم اخبزوا فطيرًا، فإنه أسوغ لكم، ثم أَسْرِ بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فقف هناك، حتى يأتيك أمري، ففعل. فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، أخذوا أموالنا، وقتلوا أبكارنا، ثم أرسل ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] فلما اجتمع الناس والسحرة، قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] والشرذمة بقية القليل. قال ابن مسعود: وكانت هذه الشرذمة ست مئة ألف وسبعين ألفًا (١). وقال الجوهري: الشرذمة الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء (٢). ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] أي: أعداء، لمخالفتهم ديننا، وقتلهم أبكارنا، وأخذهم أموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦] قال الفراء: يعني عظامًا من كثرة الأسلحة، ومنه قيل للعين العظيمة: حَدْرَة (٣). ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] ﴿وَكُنُوزٍ﴾ قال مجاهد: سماها كنوزًا لأنها لم تنفق في سبيل الله وطاعته ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] أي مجلس حسن ﴿كَذَلِكَ﴾ كما وصفنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] أي: لحقوهم وقت إشراق الشمس. وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: خرج موسى في ست مئة ألف، وعشرين ألفًا، لا يَعُدُّون ابن العشرين لصغره، ولا ابن السبعين لكبره. وأمر الله موسى أن يأمر قومه أن يوقدوا المصابيح في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم، وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط (٤)، كل واحد منهم إلى أبيه. ودعا موسى عليهم حين خرج، فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] فصارت دراهمهم ودنانيرهم وحبوبهم حجارة، حتى العدس والقمح والحمص والجوز وغير ذلك. ثم ألقى على القبط الموت، فاشتغلوا بدفن موتاهم عن

стр. 632

طلب بني إسرائيل. وأُخبر فرعون بخروجهم آخر الليل فقال: لا يتبعهم أحد حتى يصيح الديك، فما صاح تلك الليلة ديك. ثم ضرب الله على بني إسرائيل الطريقَ في الليل، فلم يدروا كيف يذهبون، فقال موسى: ما منعنا إلا تابوت يوسف ﵇ لندفنه في البيت المقدس عند آبائه الأنبياء، وما أُتينا إلا من قبله. حدثنا أبو اليمن زيد بن الحسن بإسناده عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: مرَّ رسول الله ﷺ بأعرابي فأكرمه، فقال له: "تَعَاهَدْنَا" قال: فأتاه، فقال: "اسأل حاجتك" فقال: ناقة برحلها، وأجير يحلبها، فقال له رسول الله ﷺ : "أَعَجَزتَ أنْ تَكُونَ مِثلَ عَجُوزِ بني إسرائيلَ؟ " فقال له أصحابه: يا رسول الله، وما عجوزُ بني إسرائيل؟ فقال: "إنَّ مُوسى لما أرادَ السَّيْر ببني إسرائيلَ ضلَّ عن الطَّريقِ، فقال لعُلَماء بني إسرائيلَ: ما هذا؟ قالوا: نحنُ نُخبرُك: إنَّ يوسُفَ ﵇ لما حضَرهُ الموتُ أخَذَ مَواثيقَ بني إسرائيلَ أنْ لا يخرجُوا من مِصر حتى يُخرِجُوا عِظامَه معَهُم، فقالَ موسى: أيُّكُم يَدْرِي أينَ قبرُه؟ قالوا: ما يَعلَمُ ذلكَ إلا عجوزٌ من بني إسرائيلَ، فأرسَلَ إليها فجَاءَت، فسَألَها فقالت: واللهِ لا أخبِرُك حتى تُعطِيني حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُك؟ قالت: تأخذُني مَعَك وأكُون رفيقَتَك في الجنَّة، قال: نعم. وفي رواية: "فقَامَ مُوسى مِن بين بني إسرائيلَ يقولُ: أنشُدُ الله مَن عَرفَ موضعَ قَبرِ يُوسُف، فلَم يسمع صوتَه أحدٌ إلا العجوز، وقالَت له: أريدُ مِنك أنْ تَحمِلَني مَعك، فحمَلَها، قالَت: وفي الآخرةِ لا تدخلْ غرفةً من غرف الجنة إلا وأنا مَعك، فقال: نعم. وسَأَل اللهَ موسى تأخيرَ طلوعِ الفَجرِ لهذا السبب، فأتَتْ إلى مُسْتَنْقَع ماءٍ، فقالَت: انضُبوا هذا الماء فنَضَبُوه، فقالت: احفرُوا ها هنا، فحفرُوا فبدَا تابوتٌ مِن مَرْمَرٍ مدْفُون بأرضِ النِّيل، كانوا يتبرَّكون به. فلما أقلُّوه بانَ لهم الطريقُ مثل ضوءِ النَّهار (١). وقال ابن الكلبي: كانت هذه العجوز من ولد إسحاق، وقيل: من ولد يعقوب، عاشت أربع مئة سنة، وبها يضرب المثل فيقال: أكبر من عجوز بني إسرائيل، وسنذكرها في الأمثال.

стр. 633

وقال قتادة: كان يوسف مدفونًا عند مدينة مَنْف، وهناك مسجده، قال: ولما حمله موسى معه، دفنه خارجًا من المغارة التي فيها إبراهيم، وإنما لم يدفن معهم في المغارة لأنه تدنَّس بالدنيا وآباؤه لم يتدنسوا منها بشيء. وقال عكرمة: كان هارون في المقدمة وموسى في الساقة. وخرج فرعون في طلبهم في ألف ألف من القبط، وسبع مئة ألف حصان، منها مئة ألف حصان دهم، وهامان على مقدمته في ست مئة ألف، ولم يكن في خيل فرعون أنثى. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي تقابلا بحيث يرى كلُّ فريق منهما صاحبه ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] هذا البحر بين أيدينا والعدوّ مِنْ خلفنا، فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وكان يوشع بن نون بين يديه، وقيل: مؤمن من آل فرعون، فقال له: يا نبي الله أين أُمِرْتَ أن تنزل؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. فوصل موسى إلى بحر القُلْزُم ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] وأوحى الله إلى البحر أن أطع موسى، فضربه فتوقف، فقال الله: كَنِّهِ، فقال: انفلقْ أبا خالد، فاضطرب البحر وانفلق وقام الماء كأمثال الجبال، وصار في البحر اثنا عشر طريقًا على عدد الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطًا، كل سبط اثنا عشر ألفًا، وكلهم من ولد يعقوب. وقال ابن عباس: صار بين كلِّ طريقين كالطود العظيم من الماء، فكانوا يمرُّون فيه فلا يدري هذا السبط ما حال السبطِ الآخر، فاستوحشوا وخافوا أن يكون قد غرق بنو أعمامهم، فأرسل الله على أرض البحرِ الشمسَ والريح فصارت يبسًا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ ليس فيه ماء ولا طين ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] من البحر، وكان الماء في غاية الزيادة، وصار الماء مثل الشبابيك، فكان بعضهم يرى بعضًا ويأنس بحديث بعض. وسئل ابن عباس عن مكان لم تطلع عليه الشمس إلا مرة واحدة، فقال: المكان الذي انفلق لبني إسرائيل (١).

стр. 634

وقال مقاتل: ولما رأى فرعون أن البحر قد انفلق قال لقومه: خاف البحر فانفلق لأُدرِكَ عبيدي وأعدائي. ولما وصل فرعون وجنده إلى الساحل وجدوا موسى وقومه قد عبروا، فقال للقبط: قد سحر موسى البحر، فقالوا له: إن كنت إلهًا فاعبر خلفه، وكان على حصان أدهم، فهاب الحصانُ أن ينزل، فبعث الله تعالى جبريل على ماذيانة وَدِيق، يعني رَمَكَة (١)، فجاءت بين يدي الحصان، فشمها فتقدَّم، فدخل جبريل البحر وفرعون والقوم خلفه، وميكائيل خلفهم يحثهم ويقول: الحقوا أصحابكم، فلما تكامل أولهم وآخرهم، وهمَّ أولهم بالصعود، أمر الله البحر فانطبق عليهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: قرَّبناهم إلى الهلاك وقدَّمناهم إلى البحر ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ [الشعراء: ٦٥، ٦٦] يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أي: عظة ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧] قال مقاتل: لم يؤمن منهم غير حزقيل وآسيَة والعجوز التي دلَّت على تابوت يوسف ﵇ (٢). ولما انطبق البحر عليهم نادى فرعون ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٥]. حدثنا عبد الرحمن بن أبي حامد الحربي بإسناده عن عكرمة عن أبن عباس قال: قال جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا أدسُّ في فيه حمأة البحر مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتدركه الرحمة. أخرجه أحمد فقال: حدثنا سليمان بن حرب بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قالَ فِرَعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال جبريل: لو رَأيتَني وقد أَخَذتُ مِن حَالِ البَحرِ فدسَستُهُ في فِيه مَخَافةَ أنْ تَنَالَه الرَّحْمَة" (٣). وقال مقاتل: فقال له جبريل: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١]. وقال مقاتل: قال جبريل: ما أبغضت أحدًا مثل ما أبغضت فرعون وإبليس، ذاك

стр. 635

قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وإبليس قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] قال: ولما خرج بنو إسرائيل وأغرق الله فرعون، قال أناس: إن فرعون لم يغرق، فقذفه البحر على نجوة منه، وهي المكان المرتفع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] فلما ارتفع على النجوة قالوا: لم يكن إلهًا، ولو لم يرتفع لقالوا: إنه إله. قال الحسن: فمن هناك أن الغريق يقف على رأس الماء. وذكر مقاتل في "المبتدأ" له وقال: كان جبريل قد وقف لفرعون بمصر في زيّ فقير ومعه رقعة، فاستغاث إليه فقال: ما الذي بك؟ فقال: اشتريت عبدًا وخوَّلته، وكان صغيرًا فربيته وأحسنتُ تربيته، وحكَّمتُهُ في رزقي ومالي، وهو الآن يأنف أن يعترف لي بالعبودية، وقد عصاني وتمرَّد عليَّ وجحد نعمتي، فقال فرعون: ولا يستحيي منك! فقال: لا، هو خبيث، فما حكمك فيه أيها الملك؟ فقال: تأخذ بيديه ورجليه وتلقيه في بحر القلْزُم، فقال: اكتبْ لي خطَّك بهذا، فكتب له على رأس الورقة، فلما كان يوم البحر جاءه جبريل في صورة ذاك الفقير ومعه القصة فقال له: خذ هذه القصة، فظنه بعضَ أصحابه، فقال: ليس هذا وقتَهُ، فقال له جبريل: بلى يا خبيث، أنسيتَ يوم كذا وكذا؟ ففهم المقصود. قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿منه فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٠] الآية، وانقضت أيام فرعون. وقال قتادة: ملك مصر من أول العالم إلى ولادة المسيح اثنان وثلاثون فرعونًا، وكلُّ مَن ملكها يسمى فرعون، كما أن قيصر ملك الروم، وكسرى ملك الفرس. وقد ملكها جماعة من الروم واليونان والعمالقة وغيرهم، وسنذكرهم. (١) فصل في تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر قد ذكرنا أن يعقوب دخل إلى مصر وولده، وهم اثنان وسبعون إنسانًا ما بين ذكر وأنثى، وخرجوا منها مع موسى وهم ست مئة ألف مقاتل سوى الهَرْمَى والزمنى، فكان المجموع من الذرية ألف ألف ومئتي ألف.
следующие страницы →