ذكر وفاته:
واختلفوا فيها، فقيل: إنَّه مات بالكوفة وعمرُه يومئذ أربعةٌ وثمانون سنة.
وقال ابن زبر: مات سنة أربعٍ وخمسينَ ومئة.
وقال ابنُ قتيبة: ماتَ وهو مسافرٌ في طريق الشام (١)، وهو ابن سبعٍ وثمانين سنة.
وقال وكيعُ بن الجرَّاح: رأيتُ قبرَه بظاهر الكوفة.
وقيل: إنَّ الَّذي قبرُه بالكوفة أبو عمرو بن العلاء، حليفٌ لبني أمية، وليس بصاحبِ هذه الترجمة (٢).
أسند عن أبيه العلاء، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم، وكان جليلَ القدرِ في زمانه.
* * *
стр. 5707
السنة الخامسة والخمسون بعد المئة
فيها قال الواقدي: بَنى أبو جعفر أسوارَ الكوفة والبصرة ونيسابور (١)، وأدارَ عليها الخندق من أموال أهلها، وإنَّما قصدَ عقوبةَ أهل الكوفة، أمرَ مناديه فنادى: احضروا عطاء أمير المؤمنين، فحضروا، فأعطى كل واحدٍ خمسةَ دراهم، وأحصى عددهم، ووضعَ على كل واحد خمسة دنانير (٢)، فقال شاعرهم: [من مجزوء الرمل]
يا لقومي ما لقينَا … من أميرِ المؤمنينَا
قسمَ الخمسمةَ فينا … وجَبانَا أربعينَا
وولى عمارة سور الكوفة الهيثم بن معاوية العكي (٣) وسعيد بن دعلج، وقيل: إنَّما ولى عِمَارة سور البصرة الهيثم وسعيدًا.
وعزل عن البصرة عبد الملك بن [أيوب بن] (٤) ظبيان، واستعملَ عليها الهيثم، وضمَّ سعيد بن دعلج إليه.
وفيها وردت كتبُ يزيد بن حاتم على أبي جعفر بأنه قَتل الخوارج الذين قتلُوا عمر بن حفص، واستقامت إفريقية والقيروان ليزيد بن حاتم.
وقال الطبريُّ: وفيها بعث المنصور ابنه محمدًا المهدي لبناء الرافقة على بناءِ مدينة بغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسورها وخنقها (٥).
قلت: وأيُّ مناسبةٍ بين البلدين، بينهما بينٌ وأيُّ بين، وقد ذكرنا أنَّ الرافقةَ هي القائمةُ يومئذٍ، أمَّا الرقَّة، فإنَّه استولى عليها الخراب! (٦)
وفيها عزل أبو جعفر أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، وأغرمهُ أموالًا وحبسه.
стр. 5708
وحجَّ بالناس عبدُ الصمد بن علي وكان على مكَّة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام.
وفيها توفِّي
أشعبُ بن جبير الطامع
ويقال: إنَّ اسمَه شعيب، وقيل: شعبان، وأشعبُ أصح.
وكان أشعب خال الأصمعي، وقيل: خال الواقدي.
وكنيته أبو العلاء، وقيل: أبو إسحاق.
واختلفوا في اسم أمِّه، والمشهور جعدة مولاةُ أسماء بنت أبي بكر الصديق، وقيل: أم حُميدة، وقيل: أم حَميدة.
[واتفقوا أنَّه مولى] (١)، وإنما اختلفوا في اسم مولاه، فقال قومٌ: كان مولى عثمان بن عفان، وقيل: مولى سعيد بن العاص وقيل: مولى عبد الله بن الزبير، وقيل: مولى فاطمة بنت الحسين.
وذكره أبو الفرج الأصفهاني فقال: كان أبوه مولى لآل الزبير، خرجَ مع المختار بن أبي عبيد، فقتله مصعب بن الزبير، وقال: تخرجُ عليَّ وأنت عبدي؟
قال: وأمُّه حميدة، ويقال لها: أم الجلندع (٢) مولاة أسماء بنت أبي بكر، ويعرف أشعب بابن أم حميدة، قال: كان أزرقَ أحولَ أكشف، والأكشف الَّذي في ناصيته زغبات شعرٍ متفرِّقة، وكان أقرع (٣).
نشأ بالمدينة في دور آل أبي طالب؛ لأنَّه قد قيل إنَّه مولى فاطمة بنت الحسين، وربته عائشة بنتُ عثمان بن عفان.
وذكر جدِّي في "المنتظم" أنَّ أشعبَ ولد في سنة تسع من الهجرة، وعاش دهرًا طويلًا، وأدركَ عثمان بن عفان (٤).
стр. 5709
وقال أبو الفرج الأصبهاني: قال أشعب: كانت أمِّي تغري بين أزواجِ رسول الله ﷺ ، وأنَّ النبيَّ ﷺ دعا على أم أشعب فماتت (١).
وامرأة أشعب: بنتُ وردان الَّذي بنى قبر رسول الله ﷺ حين هدمَ الوليدُ بن عبد الملك المسجد على يد عمر بن عبد العزيز (٢).
وكان أشعب قد تعبَّدَ وقرأ القرآن وتنسَّك وروى الحديث، وكان حسنَ الصوت بقراءة القرآن، وربَّما صلى بهم في المسجد، وله أخبارٌ مستطوفة.
ذكر طرف من أخباره:
قال الخطيب بإسناده إلى أبي العباس الكاتب قال: قيل لأشعب: طلبتَ العلمَ، وجالستَ الناس، ثمَّ تركت، فلو جلست لنا فسمعنا منك؟ فقال: نعم، فجلسَ لهم، فقالوا له: حدثنا، فقال: سمعت عكرمةَ يقول: سمعتُ ابن عباس يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "خَلَّتان لا تجتمعان في مؤمن" ثم سكت، قالوا: وما هما؟ قال: نسي عكرمةُ واحدة، ونسيت أنا الأخرى (٣). فضحكُوا وانصرفوا.
وقال الهيثم بن عدي: مرَّ أشعب برجلٍ يعملُ طبقًا، فقال: اعمله واسعًا؛ لعلَّهم يهدونَ إلينا فيه شيئًا.
قال: وقال أشعب: ما خرجتُ في جنازةٍ فرأيتُ اثنين يتشاوران (٤)، إلَّا ظننتُ أنَّ الميتَ قد أوصى لي بشيء.
وقال سليمان الشاذكوني: كان لي ابنٌ في المكتب، وأشعبُ جالس عند المعلم، فقرأ: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص: ٢٥] فقام أشعب ولبس نعليه، وقال: امشى بين يدي، قال: فقال: إنَّني إنَّما أقرأ حزبي، فقال: قد عجبت أنَّك تفلح أنت وأبوك.
وحكى الزبير بن بكار قال: كان سالم بن عبد الله بن عمر يستخفُّ أشعب ويضحك منه، فخرج يومًا سالمٌ إلى بستان له بظاهر المدينة ومعه حرمه وأهله يتنزَّه، وعلم به
стр. 5710
أشعب، فجاء فوجدَ الباب مغلقًا، فتسوَّر الحائط، فقال له سالم: ويحكَ، تسوَّرت علي بناتي وحرمي، فقال: قد علمتَ ما لنا في بناتك من حقٍّ وإنك لتعلم ما نريد، فضحك سالم وأعطاه طعامًا، فأكل وحملَ معه إلى بيته.
وقال الزبير: أكل أشعبُ يومًا مع سالم (١) تمرًا، فجعل يقرنُ تمرتين تمرتين، فقال له سالم: قد نهَى رسول الله ﷺ عن القِرَان في التمر (٢)، فقال: لو رأى رسولُ الله ﷺ هذا التمرَ لرخَّصَ فيه حفنةً حفنة.
قال: وقيل لأشعب: لم لا تتزوَّج؟ فقال: أريدُ امرأةً أتجشَّأُ في وجهها فتشبع، وتأكلُ فخذَ جرادةٍ فتتخم.
وقال الزبير: وفدَ أشعبُ على الوليد بن عبد الملك، فاستدعى بالمغنين، قال أشعب: فمنعني الحاجب فقلت: مكِّنِّي من الدخول ولك نصفُ ما يحصلُ لي، فقال: قد مكَّنتُك، فدخلتُ، فغنَّى القوم فأجازهم ولم يجزني، فقلت: يا أمير المؤمنين، اضربني مئةَ سوط نصفُها للحاجب، ففهم فقال: لا بل أعطيكَ مئة دينار وللحاجب مثلها.
وقيل: إنَّ هذه الواقعة جرت لأشعب مع الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
وقال الهيثم: رأى أشعب رجلًا يشوي دجاجةً أوَّل النهار فلم يأكلها، ثمَّ عاد آخرَ النهار فشواها، فقال أشعب: هذه الدجاجةُ مثل آل فرعون يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا.
وبلغَ فاطمة بنت الحسين وكانت مولاته، فقالت: أوَبَلَغ من هزل الخبيث أنْ يتلاعبَ بالقرآن؟ وضربَتْهُ مئةَ سوط، وأعطتهُ مئة دينار.
وقال الزبير: قيل له: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفَّت امرأةٌ إلى زوجها إلَّا كنستُ بيتي رجاءَ أن تهدى إليّ، ولا رأيتُ دخانًا طالعًا من دارٍ إلَّا ظننت أن أهله يبعثون إليَّ بطعام.
قال: واجتازَ يومًا بقومٍ ينسجونَ شقة (٣)، فقال: طوِّلوها لعلَّ أن يُهدَى إليَّ منها شيء.
стр. 5711
قال: ورأى قوسًا ينادى عليه من يشتريه بدينار، فمْال أشعب: لو أنَّ هذا إذا ضُرِب به طائرٌ وقعَ مَشويًّا بين رغيفين ما شريتُه بدينار.
وقال الهيثم: وقيل له: هل رأيتَ أطمعَ منك؟ قال: نعم، أمِّي كنت إذا جئتُها بشيءٍ أتهجَّاه حرفًا حرفًا مخافةَ أن أخبرها به جملةً فتموت فرحًا.
واختلفوا في وفاته، فقال الأصمعيُّ: مات في هذه السنة.
وقال الجاحظ: عاشَ إلى أيَّام المهدي، وكان في فتنة عثمان بن عفان يسقي الماء.
وقال [أبو] (١) القاسم بن عساكر: أسندَ أشعب عن أبان بن عثمان، وعبد الله بن جعفر، وسالم بن عبد الله.
وقد حكى ابنُ عساكر (٢) عن الدارقطنيِّ أنَّهما أشعبان؛ أحدهما الطامع مولى عثمان بن عفان، وهو ابن أم حميدة، والثاني أشعب بن جبير، مولى ابن الزبير.
وقال عبد الغني بن سعيد: هما واحد (٣).
وذكره الخطيب (٤) قال: وهو خال الواقدي، قدمَ بغداد في أيام المنصور والمهدي، وغنَّى بها، وكانت له ألحانٌ مطربة.
وهذه الروايةُ تدلُّ على أنَّه مات في أيام المهدي.
عبد الكريم بن أبي العوجاء
وكان متَّهمًا بالزندقة، وهو خالُ معن بن زائدة، فأتي به إلى محمد بن سليمان (٥) عامل أبي جعفر على الكوفة، فحبسَه، وبلغَ أصحابَهُ ببغداد، فألحُّوا على حاشية أبي جعفر بالشفاعات فيه، فكتبَ أبو جعفر إلى محمد: لا تحدثنَّ فيه حدثًا حتَّى يأتيك أمري، وبذلَ ابنُ أبي العوجاء لمحمد بن سليمان مئة ألف درهم على أن يؤجِّله ثلاثة أيام علي يدي ابن أبي الجبَّار صاحب شرطة محمد، ولأبي الجبار أيضًا وعده بمال،
стр. 5712
فأخبر أبو الجبَّار محمدًا، فقال: والله لقد أذكرتنيه، وكنتُ قد نسيتُه. وكان محمد قد خرجَ إلى الجمعة، فلمَّا عاد من الجمعة أخرجَه وأمرَ بضرب عنقه، فلما أيقن بالقتل قال: أمَّا والله لئن قتلتموني لقد وضعتُ على نبيِّكم أربعةَ آلاف حديث، أحرِّمُ فيها الحلال، وأُحِلُّ فيها الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومِكم، وصوَّمتكم في يوم فطركم. فقتله.
وذكر جَدِّي أنَّ عبد الكريم بن أبي العوجاء كان من الزنادقة الذين قصدوا إفسادَ الشريعة، وهو خالُ معن بن زائدة، وخال زيد بن حماد بن سلمة (١).
ووردَ في ذلك اليوم كتابُ أبي جعفر يقول: إيَّاك أن تحدثنَّ في ابن أبي العوجاء حديثًا، فأفعل بك كذا وكذا، فلمَّا قرأ محمدٌ كتابه قال للرسول: هذا رأسُ ابن أبي العوجاء، وذاك بدنُه مصلوب بالكُناس، فعاد الرسول فأخبر أبا جعفر، فغضب وقال: لقد هممتُ أن أفتديه به (٢)، فعزله عن الكوفة وولاها عمرو بن زهير، وقال لعيسى بن موسى أو لعيسى بن علي: هذا عملُك أنت! أشرتَ بتولية هذا الغلام الجاهل، يقتلُ رجلًا بغير أمري. فقال له عيسى: إنَّه قتلَه على الزندقة، فإنْ كانَ قتلُه صوابًا فهو لك، وإن كان خطأً فهو عليه، والله لئن عزلتَه على ما صنع بالزنديق لينصرفنَّ بالثناء الحسن والذكر الجميل، ولترجعنَّ اللائمة من العامة عليك، فمزَّق أبو جعفر عهدَ عمرو بن زهير، وأقر محمدًا على الكوفة.
قلت: ومحمد بن سليمان هو الَّذي قتلَ حمَاد عجرد على الزندقة أيضًا، وإنما لُقِّبَ بعجرد لأنَّ أعرابيًّا مرَّ به وهو يلعبُ مع الصبيان في يومٍ شديد البرد وهو عريان، فقال: تعجردت يا غلام. والمتعجرِد المتعرِّي.
وذكره الخطيب فقال: كان شاعرًا ماجنًا خليعًا ظريفًا، نادم الوليد بن يزيد، وهجا بشار بن برد (٣)، وقدمَ إلى بغداد في أيام المهدي.
стр. 5713
وكان حمَّاد قد شبَّب بزينب بنت سليمان بن علي أخت محمد بن سليمان ومن قوله فيها. [من مجزوء الكامل]
إنِّي أحبُّكِ فاعلمي … إن لْم تكوني تعلمينَا
حبًّا أقلُّ قليله … كجميعِ حبِّ العالمينَا (١)
فطلبه أخوها محمد بن سليمان، فالتجأ إلى محمد بن السفاح، فلمَّا هلك ابن السفاح استجار عجرد بقبرِ سليمان، فقال محمد: والله لأبلنَّ قبرَ أبي سليمانَ من دمِه، فهرب إلى بغداد فاستجار بأبي جعفر المنصور فأجاره، وقال له: اهجُ محمدًا فهجاه، فبعث إليه محمد من اغتاله فقتله (٢).
وقيل: إنَّما خرج من الأهواز يريد البصرة، فمرض فمات في طريقه، فدفن على تلٍّ هناك، فلمَّا قَتَل المهديُّ بشارًا في الزندقة بالبطيحة، حُمِلَ فدفن على عجرد، فمرَّ بهما أبو هشام الباهلي، فكتب على القبرين: [من السريع]
قد تبع الأعمى قفا عجردٍ … فأصبحَا جارينِ في دارِ
صارا جميعًا في يدي مالكٍ … في النار والكافرُ في النَّارِ
قالت بقاعُ الأرض لا مرحبًا … بقُربِ حمَّادٍ وبشَّارِ (٣)
قال: وكان بشار لَمَّا بلغه مرضُ حمادٍ قال: [من السريع]
لو عاش حمَّادٌ لَهونَا به … لكنَّه صارَ إلى النارِ
قال ومن شعر حماد: [من البسيط]
إن الكريم لتخفى عنك عسرتُه … حتَّى تراهُ غنيًّا وهو مجهودُ
بُثَّ النوال ولا يمنعكَ قلَّتهُ … فكلُّ ما سدَّ فقرًا فهو محمودُ
وللبخيلِ على أمواله عِلَلٌ … زرقُ العيون عليها أوجهٌ سودُ (٤)
وقيل: إنَّ حماد عجرد مات سنة ثمان وستين، والأصح أن محمدَ بن سليمان قتلَه
стр. 5714
في سنة خمسٍ وخمسين ومئة.
مِشعر بن كِدَام بن ظُهير
أبو سلمة، الكوفيُّ الزاهد العابد، ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة، قال: وقال سفيان بن عيينة: رأيتُ مسعرًا، وربَّما يجيئه الرجلُ فيحدِّثه بالشيء هو أعلم به منه، فيتسمَّع له وينصت.
قال: وقال الهيثم: لم يسمع مِسعرٌ حديثًا قط إلَّا في المسجد الجامع، وكانت له أمٌّ عابدةٌ، وكان يحملُ لها لِبْدًا ويمشي معها حتَّى يدخلا [المسجد]، فيبسط لها اللِّبد، فتصلّي، ثم يعودُ فيحمل اللبدَ معها إلى بيتها (١).
وحكى أبو نعيم عن سفيان الثوري أنَّه قال: ما رأيتُ في زمانِه مثله.
قال: وقال سفيانُ بن عيينة: ما لقيتُ أحدًا أُفَضله عليه (٢).
قال: وقال ابنُه محمد بن مسعر: كان أبي لا ينامُ حتَّى يقرأَ نصف القرآن (٣).
وكان يخفي أعماله ويقول: أشتهي أنْ أسمعَ صوتَ باكيةٍ حزينة (٤).
وروى ابن أبي الدنيا قال: بكى مسعرٌ يومًا، فبكت أمُّه، فقال لها: يا أمَّاه، ما أبكاكِ؟ فقالت: رأيتُك تبكي فبكيتُ لبكائك، فقال: يا أمَّاه، لمثلِ ما نهجمُ عليه غدًا فلنُطِلِ البكاء، قالت: يا بنيَّ، وما هو؟ قال: القيامة وما فيها.
وكان لا يزال باكيًا طول دهره، وما كان له مأوى إلَّا المساجد (٥).
وقال سفيان بن عيينة: قال رجل لمسعر: أتحبُّ أن يخبركَ الرجلُ بعيوبك؟ فقال: إنْ كان ناصحًا فنعم، وإن كان يريدُ أن يوبِّخني فلا (٦).
стр. 5715
قال عبد الله بن المغيرة: سمعتُ مسعرًا ينشد هذه الأبيات: [من الهزج]
ألا قد فسدَ الدَّهرُ … فأضحَى حُلوهُ مُرَّا
وقد جرَّبتُ من أهوى … فقد أنكرتُهم طُرَّا
فألزِم نفسك اليأسَ … من الناس تعشْ حُرَّا (١)
وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن صالح (٢)، قال: قال مسعر هذه الأبيات: [من البسيط]
تفنى اللَّذاذةُ مِمَّن نال صَفوتَها … من الحرامِ ويبقَى الإثمُ والعارُ
تبقى عواقب سُوءٍ من مَغَبَّتِها (٣) … لا خيرَ في لذَّةٍ من بعدها النارُ
ذكر وفاته:
ذكر ابنُ سعد عن أبي نُعيم الفضل بن دُكَين أنَّه ماتَ في سنة خمس وخمسين ومئة، وحَكى أيضًا في سنة اثنتين وخمسين ومئة (٤).
قال ابن سعد: مات مسعر ولم يشهد سفيانُ الثوري والحسنُ بن صالح جنازتَه؛ لأنَّه كان مُرجئًا (٥).
قلت: وليس كما ذكر ابنُ سعد، فإنَّ عامَّة العلماء قد اتفقوا على دينِ مسعر وزهده وخوفه وصدقه.
وقال أبو نعيم الحافظ بإسناده عن حسين (٦) بن يحيى بن آدم عن أبيه قال: لما حضرت مسعرًا الوفاةُ دخل عليه سفيان الثوري فوجده جزعًا، فقال له: لم تجزع، فوالله لوددت أنِّي متُّ الساعة، فقال مسعر: أقعدوني، فأقعدوه، فأعاد عليه سفيان
стр. 5716
الكلام فقال: إنَّك إذًا لواثقٌ بعملك، لكنِّي والله يا سفيان لكأنِّي على شاهق جبل، لا أدري أين أهبط، فمكى سفيان وقال: أنتَ أخوفُ لله منِّي.
وروى أبو نعيم أيضًا عن مصعب بن المقدام قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ وسفيان الثوري آخذ بيده وهما يطوفان، فقال الثوريُّ: يا رسول الله، مات مسعر بن كدام، فقال: نعم، وقد استبشر بموته أهلُ السماء (١). انتهت ترجمته.
أبو هاشم البغدادي الزاهد
ذكره الخطيب وأثنى عليه وقال: قال أبو هاشم: إن الله تعالى وَسَمَ الدّنيا بالوَحْشة؛ ليكون أُنسُ المريدين به دونها، فأهلُ المعرفة فيها مستوحشون، وإليه مشتاقون.
وقال أبو هاشم: أعوذ بالله من علم لا ينفع.
وكان أبو هاشم من أقران أبي عبد الله البراثي، وصحبه الثوريُّ، وكان سفيان يقول: ما زلت أُرائي وأنا لا أشعر حتَّى جالستُ أبا هاشم، فأخذتُ منه ترك الرياء، وأدَّبني بذلك. والله أعلم (٢).
* * *
стр. 5717
السنة السادسة والخمسون بعد المئة
فيها عزلَ أبو جعفر المنصور الهيثمَ بن معاوية عن البصبرة، فأقدمَه بغداد، فأقام أيَّامًا وتوفِّي، فخرج المنصورُ في جنازته، وصلّى عليه، ودُفن في مقابر قريش (١).
وفيها مات
حمزةُ بن حبيب بن عُمارة
أبو عمارة الزيَّاتُ القارئ.
ذكره ابنُ سعد في الطبقة السادسة من أهل الكوفة، وقال: هو مولى لآل عِكرمة بن ربعي (٢) التيمي، وكان يجلبُ الزيت من الكُوفة إلى حُلْوان، ويجلب من حُلوان الجبنَ والجوز إلى الكوفة، وكان صاحبَ قراءات القرآن والفرائض.
قال: ومات حمزة بحُلوان سنةَ ستٍّ وخمسين ومئة، وكان رجلًا صالحًا، وكانت عنده أحاديث، وكان صدوقًا صاحبَ سنَّة. وهذا قول ابن سعد (٣).
وكان الأعمشُ إذا رآه يقول: هذا حبرُ القرآن.
وحمزة صاحب المنام، حدثنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضل بن ناصر بإسناده إلى خلف بن هشام البزَّار قال: قال لي سليم بن عيسى: دخلتُ على حمزة بن حبيب الزيَّات، فوجدتُه يمرِّغ خدَّيه على الأرض ويبكي، فقلت: أعيذك بالله، فقال: لماذا استعذت؟ رأيتُ البارحة في منامي كأنَّ القيامة قد قامت، ودعي بقرَّاء القرآن، فكنتُ فيمن حضر، فسمعت قائلًا يقول بكلامٍ عذبٍ: لا يدخل عليَّ إلَّا من عمل بالقرآن، فرجعتُ القهقرى، فهتف باسمي: أين حمزة بن حبيب الزيات؟ فقلت: لبَّيك داعيَ الله، فبدرني ملكٌ وقال: قل: لبيك اللَّهمَّ لبيك، فقلت كما قال لي، فأدخلني دارًا سمعت فيها
стр. 5718
ضجيجَ القرآن، فوقفت أرعد، فإذا بقائل يقول: لا بأسَ عليك، اقرأ وارقَ (١)، فرقيت، فقيل لي: اقرأ سورةَ الأنعام، فقرأت -وأنا لا أدري على من أقرأ- حتَّى بلغتُ الستين آيةً، فلما بلغتُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قال لي: يا حمزة، ألستُ القاهرَ فوق عبادي؟ قلت: بلى، قال: صدقت، اقرأ، فقرأت حتَّى أتممتها، ثم قال لي: اقرأ فقرأتُ الأعراف حتَّى بلغت آخرها، فأومأتُ إلى الأرض بالسجود، فقال لي: حسبك ما مضى، لا تسجد يا حمزة، من أقرأك هذه القراءة؟ قلت: سليمان، قال: صدق سليمان، من أقرأ سليمان؟ قلت يحيى، قال: صدق يحيى، من أقرأ يحيى؟ قلت: أبو عبد الرحمن السلمي، قال: صدق أبو عبد الرحمن السلمي، من أقرأ أبا عبد الرحمن؟ قلت: ابن عم نبيك عليّ، قال: صدق علي، فمن أقرأ عليُّا؟ قلت نبيُّك محمدٌ ﷺ ، فقال: ومن أقرأ نبيِّي؟ قلت؟ جبريل، قال: صدق جبريل، ومن أقرأ جبريل؟ قال حمزة: فسكت، فقال لي: يا حمزة قل: أنت، قلت: ما أتجاسرُ أن أقول: أنت، فقال: قل: أنت، فقلت: أنت، فقال: صدقتَ يا حمزة، وحقِّ القرآن لأكرمنَّ أهلَ القرآن لا سيما إذا عملوا بالقرآن، يا حمزة، القرآنُ كلامي، وما أحبُّ أحدًا كحبِّي أهلَ القرآن، ادن يا حمزة، فدنوتُ فضمخني بالغالية وقال: ليس أفعل بك وحدك هذا، قد فعلتُ ذلك بنظرائك من فوقك، ومن دونك، ومن أقرأَ القرآن كما أقرأته لم يردْ بذلك غيري، وما خبأتُ لك عندي أكثر، فأعْلِم أصحابك بحبِّي لأهل القرآن وفعلي بهم، فهم المطيعون (٢) الأخيار، وعزَّتي وجلالي، لا أعذبُ لسانًا تلا القرآن بالنار، ولا قلبًا وعاه، ولا أذنًا سمعتهُ، ولا عينًا نظرت إليه، فقلت: سبحانك سبحانك. ثم انتبهت، أفتلومني أن أبكي وأتمرَّغَ في التراب؟!
وقال جرير بن عبد الحميد: مرَّ بنا حمزةُ فاستسقى بماء، فأتيتُه بماء، فقال: أنت ممن يحضرنا في القراءة؟ قلت: نعم، قال: لا حاجة لي في مائك.
стр. 5719
أسند حمزة عن الأعمش وغيره.
وروى الخطيبُ عن أبي مسحل قال: رأيتُ الكسائيَّ في المنام كأنَّ وجهه القمرُ أو البدر، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بقراءة القرآن، فقلت: فما فعلَ بحمزة الزيَّات؟ قال: ذاك في أعلى عِلِّيين، لا نراه إلَّا كما نرى الكواكب (١).
الربيع بن أنس
من (٢) بكر بن وائل، ذكره ابنُ سعد في الطبقة الخامسة من أهل البصرة (٣)، وكان عالمًا فاضلًا، وله في تفسير القرآن.
وكان قد هرب من جورِ الحجَّاج، فسكنَ قرية من قُرى مرو، يقال لها: بُرْز، ثم تحوَّل إلى أخرى يقال لها: سَذَوَّرْ، فأقامَ بها حتَّى مات.
ولما ظهرت دولةُ بني العباس بخراسان طُلِبَ فتغيَّبَ، فخلصَ إليه ابنُ المبارك وهو مختفي، فسمعَ منه أربعينَ حديثًا (٤).
وقيل: إنَّه مات في أيام أبي جعفر من غير تاريخ (٥).
* * *
стр. 5720
السنة السابعة والخمسون بعد المئة
فيها بنى أبو جعفر قصره المسمَّى بالخُلْد على شاطئ دجلة، وكان يعاقب من يسميه الخلد ويقول: إنَّما الخُلْدُ في الجنَّة، فقال الناس: تسمِّيه بالخلد وتعاقبُ عليه.
وفيها حوَّل المنصور أسواقَ بغداد إلى ظاهرها من الضواحي إلى الكرخ وباب محول ودرب الشعير -ذكر ذلك الخطيب- لئلَّا تخالطه العامة في مدينته، ورتَّبَ الأسواق، فجعل سوقَ البزازين في أعلاها، وسوق القصَّابين في أسفلها، وأباحها للناس، ولم يأخذ منهم خراجًا ولا غلَّة عن الأسواق مدَّة حياته، فلمَّا قام المهديُّ حَسَّنَ له أصحابُه، فأمرَ بوضع الخراج على الحوانيت وعلى التجَّار (١).
وروى الخطيب عن حميد بن الصباح مولى المنصور قال: لَمَّا أراد المنصورُ أن يذرعَ الكرخ ومكان الأسواق قال لي: احمل الذِّراعَ معك، فخرجتُ ونسيتُه، وخرج المنصور، فلمَّا صرنا إلى الكرخ قال لي: أين الذراع؟ فقلت: نسيتُه ودهشت، فضربني بمقرعةٍ وشجَّني، وسال الدم على وجهي، فلمَّا رآني قال: حدثني أبي عن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضربَ عبدَهُ في غير حدٍّ حتَّى يسيلَ دمُه فكفارتُه عتقُه"؛ أنت حر (٢).
وفيها حجَّ بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. قال الواقديُّ: وكان واليًا على المدينة (٣).
وفيها توفِّي
سَوَّار بن عبد الله
القاضي بالبصرة، وكان عادلًا يقضي بالحق.
روى أبو عبد الله الحاكم قال: شكا أهلُ البصرة سوارًا الحاكم إلى المنصور،
стр. 5721
فاستقدمَه، فلمَّا دخل عليه جلسَ، فعطسَ المنصورُ، فلم يشمِّته سوَّار، فقال له أبو جعفر، ما لك لا تشمتُني، فقال: لأنَّك لم تحمد الله، فقال: أنت ما حابيتني (١) في عطسة، تحابي غيري؟! ارجع إلى عملك.
قال: وكتبَ أبو جعفر إلى القاضي سوّار وهو بالبصرة: انظر إلى الأرضِ التي تخاصم فيها فلانٌ القائد وفلانٌ التاجر، فادفعها إلى القائد، فكتب إليه: قد قامتِ البيّنة عندي أنَّها للتاجر، فلستُ أخرجُها من يديه إلَّا ببينة، فكتبَ إليه أبو جعفر: والله الَّذي لا إله إلَّا هو لتدفعنَّها إلى القائد، فكتب إليه سوَّار: والله الَّذي لا إله إلَّا هو لا أخرجتُها من يد التاجر إلَّا بحقّ، فلمَّا وقف أبو جعفر على كتابه قال: الله أكبر، مُلئت - والله - الدنيا عدلًا، صارت قضاتي تردني إلى الحق.
وكانت وفاة سوَّار بالبصرة، وصلى عليه سعيد بن دعلج (٢).
عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام
ابن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس.
ولد بالشراة من أرض البلقاء، ولَّاه المنصور إمرةَ دمشق وفلسطين والصائفة سنة أربعين ومئة.
قال الحافظ ابن عساكر: فلم تحمد ولايتُه، وولَّاه أيضًا ما هدم ملك الروم من سور مَلَطية في سنة أربعين ومئة (٣).
قال: وقال يعقوب بن سفيان (٤): خاصمَ عبدُ الوهاب امرأتَه في ضيعةٍ بدمشق،
стр. 5722
فقال: بيني وبينك القاضي، فقالت: إنَّه يقضي لك، فقال: اختاري رجلًا يحكمُ بيننا، فقالت: الأوزاعيّ، فاستدعاه، فحكم بينهما، فظهر الحقُّ لها عليه، فلمَّا خرجَ من عنده بعثَ إليه مع غلامه بثلاث مئة دينار، وقال: قل له يستعين بها على وقته ورباطه، فلحقَه وأدَّى الرسالة، فقال الأوزاعي: معاذَ الله أن آخذ على حكمي أجرةً، فلما عاد إليه قال: لقد وُفِّق هذا الشيخُ في رَدِّها.
وقال الخطيب: عبدُ الوهَّاب هو صاحب سُويقة عبد الوهَّاب ببغداد، وليَ الشام لأبي جعفر، وكان عظيم القدر، قال: ومات بالشام (١).
وقال ابن أبي الدنيا: لما احتضر جعل يقول: ويحكم أيموت مثلي؟
وقيل: مات وهو والٍ على دمشق في سنة ثمانٍ وخمسين ومئة، واستخلف ابنَه إبراهيم بن عبد الوهاب على دمشق بعد وفاته (٢).
عبيد الله بن أبي زياد الرُّصافي
أبو مَنيع الدمشقي، وهو أخو امرأة هشام بن عبد الملك من الرضاعة، واسمُها عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، وهي التي قتلَها عبدُ الله بن علي لَمَّا فتح دمشق، وقد ذكرناها هناك.
وسمع من الزهري لما قدم على هشام بالرصافة.
ومات عبيدُ الله صاحب هذه الترجمة وهو أسود الرأس أبيضُ اللحية، وكان ثقةً صدوقًا (٣).
أبو عمرو الأوزاعيّ
ذكرهُ ابنُ سعد فيمن كان بالعواصم والثغور بعد الصحابة، وقال: اسمُه عبد الرحمن بن عمرو، والأوزاع بطن من هَمْدان، وهو من أنفسهم.
ولد سنة ثمانٍ وثمانين، وكان ثقةً، مأمونًا، صدوقًا، فاضلًا، خَيِّرًا، كثيرَ الحديث
стр. 5723
والعلم والفقه، وكان مكتبُه باليمامة، وكان يسكنُ بيروت، ومات بها في سنة سبعٍ وخمسين ومئة في آخرِ خلافة أبي جعفر وهو ابنُ سبعين سنة. هذا صورةُ ما ذكره ابنُ سعد في ترجمة الأوزاعيّ (١).
قلت: وقد ذكره الأئمة، فقال البخاريُّ: اسمُه عبدُ الرحمن بن عمرو: ويقال: ولدَ سنة تسعين، والأوزاعُ من حِمير الشام (٢).
وقال البخاري أيضًا في "تاريخه": والأوزاع قرية بدمشق إذا خرجت من باب الفراديس (٣).
وحكى ابنُ عساكر قال: كان الأوزاعيُّ يسكنُ الأوزاعيُّ قرية بدمشق بباب الفراديس، ثمَّ انتقلَ إلى بيروت مرابطًا إلى أنْ مات بها (٤).
وقال الجوهريُّ: والأوزاع بطنٌ من هَمْدان، الأوزاعيُّ منها (٥).
وحَكى ابن عساكر عن العباس بن الوليد (٦) قال: كان الأوزاعيُّ قد ولدَ ببعلبك ونشأ بالبقاع، ونقلته أمُّه إلى بيروت.
قال: وقال الأوزاعي: كُنْتُ محتلمًا في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد حكاه البخاريُّ أيضًا (٧)، وهذا يدلُّ على أنَّه ولد سنةَ ثمانٍ وثمانين.
وقال الواقديُّ: كان رَبْعةً، خفيفَ اللحم، أسمر، يخضب بالحنَّاء (٨).
وكان إمامَ أهل الشام في الحديث، وله المواعظُ الحسنة البالغة.
وروى أبو نعيم الأصفهاني قال: كتبَ الأوزاعيُّ إلى أخٍ له: أما بعد: فإنَّه قد أُحيطَ
стр. 5724
بك من كلِّ جانب، وإنه يُسارُ بك كلَّ يومٍ وليلة مرحلة، فاحذر الله تعالى والمقام بين يديه، وأن يكون آخر العهد بك، والسلام (١).
وقال بشرُ بن الوليد (٢): كُنْتُ إذا رأيتُ الأوزاعيَّ كأنَّه أعمَى من شدَّة الخشوع.
وروى أبو نعيم باسناده عن يوسف بن موسى القطَّان قال: قال الأوزاعيُّ: رأيت ربَّ العزَّة في المنام، فقال لي: يا عبدَ الرحمن، أنتَ الَّذي تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: قلت: بفضلِك يا رب، ثم قلت: يا ربّ أَمِتْنِي على الإسلام، فقال: وعلى السُّنَّة (٣).
ذكر وفاته:
عن ابن سعد أنَّه قال: مات في سنة سبع وخمسين ومئة، هذه السنة (٤).
وقال ابن المديني: في سنة إحدى وخمسين. وقيل: في سنة ست أو خمس وخمسين ومئة في صفر.
وحكى الحافظ ابن عساكر عن خيران بن العلاء قال: دخل الأوزاعي الحمام ببيروت، فوجدوه مستقبل القبلة، ويدُه اليمنى تحت خده، وهو ميِّت (٥).
وحكى عن أبي مسهر (٦) قال: بلغنا أن امرأة (٧) أغلقت على الأوزاعيِّ باب الحمام، ولم تتعمد، فماتَ فيه، فأمرها سعيد بن عبد العزيز أنْ تعتق رقبة.
قال: وقال الصوري: شيَّعَ جنازةَ الأوزاعيّ أربعةُ أديان، المسلمين، واليهود، والنصارى، والقبط (٨).
стр. 5725
ولم يخلف سوى ستِّ دنانير (١).
قال: وقال محمد بن عبيد الطنافسي: كُنْتُ جالسًا عند سفيان الثوريّ، فجاءَه رجلٌ فقال: رأيتُ في المنام كأنَّ ريحانةً من المغرب قلعت، فقال: إن صدقَتْ رؤياك فقد مات الأوزاعي، فجاء الخبر بعد أيَّامٍ أنَّه ماتَ في تلك الليلة (٢).
وروى ابنُ أبي الدنيا عن يزيد بن مذعور (٣) قال: رأيتُ الأوزاعيَّ في المنام، فقلت: دلَّني على عملٍ أتقرَّب به إلى الله تعالى، فقال: ما رأيتُ هناك درجةً أرفعَ من [درجةِ العلماء، ومن بعدها] (٤) درجة المحزونين.
أسند الأوزاعيُّ عن خلقٍ كثير.
وذكر الحافظ ابن عساكر عن أبي عثمان الحرَّاني قال: قدمتُ على الأوزاعيّ ببيروت لأسمع عليه، فقال: من أين جئت؟ قلت: من حَرَّان، قال: كم لك عنها؟ قلت: ثمانية أيام، قال: فمِنْ دمشق إليها عشرة أيام، فكيفَ إلى هاهنا في ثمانية أيام؟ قلت: على دواب البريد، فقال: والله لا حدَّثتُك حتَّى تعود إلى حرَّان وتأتي على راحلتك، قال: فرجعتُ إلى حرَّان واكتريتُ دابَّةً، وجئت إلى بيروت ومعي المكاري وآخر يشهدُ لي بذلك، فحدَّثني (٥).
وروى الخطيب عن الأوزاعيِّ حكايةً عجيبةً قال: حدثنا أبو الحسن بن الحسن بن محمد بن جُمَيع الغساني بصيدا بإسناده عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيِّ قال: خرجتُ أريد بيت المقدس، فرافقني يهوديّ، فلما صرنا إلى طبرية نزلَ فاستخرجَ ضفدعًا، فشدَّ في عنقه خيطًا، فصار خنزيرًا، فقال: اصبر حتَّى أذهبَ فأبيعَه من هؤلاء النصارى، فذهب فباعَه وجاء بطعام، ثمَّ ركبنا، فما سرنا غير بعيد، وإذا القومُ في
стр. 5726
طلبه، فقال: أحسبُه صارَ في أيديهم ضفدعًا، قال: فحانت منِّي التفاتةٌ، وإذا بدنُه ناحيةً ورأسُه ناحية، قال: فلم انظروا إليه خافوا من السُّلطان، فرجعوا، فقال لي الرأس: أَرَجعوا؟ قلت: نعم، قال: فالتأمَ الرأسُ إلى البدن، فقلت: والله لا أرافقُك أبدًا، ففارقتُه ومضيتُ إلى حال سبيلي (١).
حكايةٌ أخرى حكاها الحافظ ابن عساكر عن ابن المبارك (٢) قال: قدمتُ الشام، فأتيتُ الأوزاعيَّ ببيروت، فقال لي: يا خراسانيّ، من هذا الَّذي خرج بالكوفة؟ يعني أبا حنيفة، فقلت: رجلٌ فقيهٌ يقال له أبو حنيفة، فقال: أنهاك عنه، قال: فرجعتُ إلى منزلي، فاستخرجتُ من كتابي مسائل وقعت عليها النعمانَ بن ثابت، ثم أتيتُه وهو يؤذِّنُ للصلاة، فناولتُه، فما زال قائمًا حتَّى قرأَ صدرًا منها، ثم وضعَها في كُمِّه، وأقام الصلاة، ثمَّ تقدَّم فصلَّى، وكان هو الإمام والمؤذِّن، فلما فرغَ من الصلاة نظر في المسائل حتَّى أتى على آخرها، وقال: يا خراسانيّ، من النعمان بن ثابت؟ فقلت: شيخٌ لقيتُه بالعراق، فقال: هذا شيخٌ جليلٌ نبيلٌ من المشايخ، فاذهب إليه واستكثر منه، فقلت: هذا أبو حنيفة الَّذي نهيتَ عنه، فقال: الزمه، فلنعمَ الشيخ هذا، فلنعم الشيخُ هذا.
حكايتُه مع الزاهد:
حدَّثنا عبد العزيز بن محمود البزاز بإسناده عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيِّ قال: حدثني بعضُ الحكماء قال: خرجتُ أريدُ الرِّباط، حتَّى إذا كُنْتُ بعريش مصر أو دونه، وإذا بمظلَّةٍ (٣) فيها رجلٌ قد ذهبت عيناه ويداه ورجلاه، وهو يقول: اللَّهمَّ إني أحمدكَ حمدًا يوافي محامدَ خلقك، إذ فضَّلتني على كثير من خلقِك تفضيلًا، قال: فقلت: والله لأسألنَّه، أعُلِّمه أم ألهمَه؟ فدنوتُ منه فسلَّمت عليه، فردَّ، فقلت: على أيِّ شيء تحمده؟ والله ما أعلمُ من البلاءِ نوعًا إلَّا وهو بك.
وفي رواية: على أيِّ نعمةٍ من نعمه تحمده، أم على أيِّ فضيلةٍ تشكره؟
стр. 5727
فقال: أليسَ ترى ما قد صنع بي؟ قلت: بلى، فقال: وعزته لو أنَّه صبَّ عليَّ من السماء نارًا فأحرقتني، وأمرَ الجبال فدمَّرتني، والبحارَ فغرقتني، والأرض فخسفت بي ما ازددتُ له إلَّا حبًّا وشكرًا.
وفي رواية: أفلا أحمدُه حيث أبلى جوارحي وأنطقَ لساني بذكرِه، أو أطلق لساني.
ثمَّ قال: لي إليك حاجة، كان لي ابنٌ يتعاهدني في وقت صلاتي ولطعمني عند إفطاري، وقد فقد منذ أمس، فانظر هل تحسُّه (١) لي؟ قال: فقلت: إنَّ في قضاء حاجةِ هذا العبد الصالح قربةٌ إلى الله تعالى، فخرجتُ في طلبه، وإذا بالسبعِ قد افترسَه في كثيب رمل، وهو يأكله، فقلت: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، كيف أخبرُ هذا العبدَ الصالح بمثل هذا؟ قال: فأتيته، فقلت له: أيُّما أفضل مرتبةً عند الله وأكرم، أنت أم أيوب؟ فقال: أيوب قلت: فإنَّ الله ابتلاه فصبر، قال: بلى، فأخبرته بخبر ولده، فقال: الحمدُ لله الَّذي لم يجعل في قلبي حسرةً من الدنيا، ثم شهق شهقةً فمات، فقلت: إنَّا لله! من يعينني على غسلِه ودفنه؟ وإذا بركبٍ يويدون الرِّباط، فأشرتُ إليهم فأقبلوا، فأخبرتُهم خبرَه، فنزلوا فغسلناه من ماء البحر، وصلَّيتُ عليه وهم خلفي، ودفناه في مظلته، ومضوا، ونمتُ عندَه تلك الليلة، فرأيته في المنام في روضةٍ خضراء وعليه ثيابٌ خضر، وهو قائمٌ يتلو القرآن، فسلَّمتُ عليه، فردَّ، فقلتُ له: بم صرتَ إلى هذا؟ فقال: وردتُ من الصابرين درجة لم ينالوها إلَّا بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء.
فقال الأوزاعي: فما زلت أحبُّ ذلك البلاء منذ حدثني الحكيمُ بهذا الحديث (٢).
محمد بن طارق المكي
من الطبقة الثَّالثة من أهل مكَّة، كان زاهدًا عابدًا ورعًا.
قال أبو نعيم الحافظ بإسناده عن محمد بن فضيل قال: رأيتُ في الطوافِ محمد بن طارق وقد انفرجَ له أهلُ الطواف، فحزروا طوافَه في اليوم والليلة فكان عشرة فراسخ.
وقال أبو نعيم: وبه ضَرَب المثلَ ابنُ شبرمة فقال: [من البسيط]
стр. 5728
لو شئتَ كنت كَكُرزٍ في تعبُّده … أو كابنِ طارق حولَ البيت في الحرمِ
قد حالَ دون لذيذِ العيشِ خوفُهما … وسارعَا في طلاب الفوزِ والكرمِ
قال: وكانَ ابنُ طارق يطوفُ في كلِّ يوم وليلة سبعينَ أسبوعًا (١)، وكان كُرز يختمُ القرآن في يوم وليلةٍ ثلاث مرات. وقد ذكرناه.
وحكى أبو نعيم عن ابن شبرمة قال: لو اكتفى أحدٌ بسفِّ التراب كفى ابن طارق كفٌّ من تراب (٢).
* * *
стр. 5729
السنة الثامنة والخمسون بعد المئة
فيها انتقل المنصور إلى قصوه المسمى بالخُلْد، وكان عند باب خرسان، ثمَّ اندرس فلا عين ولا أثر (١).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني ابن جهور قال: مررتُ [مع] علي بن هاشم الكوفي بالخُلْد، فوقف ينظرُ إلى تلك الآثار فقال: [من مجزوء الكامل]
بنوا وقالوا لا نموتُ … وللخرابِ بنى المُبَنِّي
ما عاقلٌ فيما رأيتُ … إلى الحياة بمطمئنِّ (٢)
وفيها سقط أبو جعفر عن دابته بجرجرايا (٣) فانشجَّ ما بين حاجبيه، وكان قد خرجَ معه ابنُه المهدي مشيِّعًا له إلى الموصل (٤)، فوقعَ عند عَوده.
وفيها أمر أبو جعفر ببناء قصر كسرى الَّذي بالمدائن -ويسمَّى القصر الأبيض- وأن يرمَّم، وقال: كلُّ من وجد في داره شيءٌ من الآجرِّ الخسروانيّ مما نقضَه من بناء الأكاسرة فليغرمه، قال: لأنَّ هذا من أموالِ المسلمين من الفيء، فمات المنصورُ ولم يتم ذلك.
وقال عمر بن شبة: وفيها سخطَ المنصور على محمد بن إبراهيم الإمام وهو أمير بمكة، قال: وسببُه أنَّ المنصور كتب إليه يأمرُه بحبسِ رجل من آل أبي طالب، وعبّاد بن كثير، وسفيان الثوري، وابن جريج، ففعل، فلمَّا كان في بعض الليل أفكر فيهم، وبلغَه أنَّ أبا جعفر قد خرجَ من بغداد متوجِّهًا إلى مكَّة في شوّال حاجًّا، وكان قد قلّد المهدي، وكان قد أحرم ونوى الحجَّ والعمرة، فلمَّا كان في الطريق أفكر محمد بن إبراهيم الإمام في الطالبيِّ وسفيان ومن حبسه وقال: لعلَّه يقتلُهم فأهلك عند الله، ثمَّ
стр. 5730
أرسل إليهم فأطلقَهم، وقال: إنَّه واصلٌ فاستتروا، وطلبَ منهم أن يحاللوه، ففعلوا ودعوا له، ولَمَّا قرب أبو جعفر من مكَّة بعث إليه محمد بن إبراهيم بألطاف وهدايا، فلمَّا أُخبِر بها المنصور أمرَ أن تضربَ وجوهها نحوَ مكَّة، ففعلوا، ولقيه محمد في بعضِ الطريق فسلَّم عليه، فلم يرد، وكان محمدٌ يسير ناحيةً، فعُدِل بمحمل أبي جعفر عن الطريق إلى شعب، فنزل فبال فيه، ثم ركب ومحمدٌ واقفٌ ومعه طبيب، فقال له محمد: اذهب وانظر نجوه، فمضى الطبيب وعاد، وقال له: قد رأيتُ نجو رجلٍ لا يعيش إلَّا يسيرًا، فماتَ بعد أيام، وسَلِم محمدٌ منه (١).
ذكر وصية أبي جعفر لابنه المهدي لما سار إلى مكة
وقد اختلفت الرواياتُ في ذلك، أمَّا الهيثمُ بن عديّ فإنَّه قال: شخصَ المنصورُ متوجِّهًا إلى مكة، فنزل بقصر عَبْدَويه، وأقام به ثلاثًا، وانقضَّ كوكبٌ عظيمٌ بعد إضاءة الفجر، وبقي أثرُه بيِّنًا إلى طلوع الشمس، وذلك لثلاثٍ بقين من شوَّال. فكان مِمَّا أوصاه أنْ قال له: إنِّي سأوصيك، وما أظنّك تفعلُ شيئًا منها، وكان لأبي جعفر سَفَطٌ فيه دفاتر، لا يأمنُ أحدًا عليه، ومفتاحُه في كمه، فأعطاه للمهدي وقال له: احتفظ به، فإنَّ فيه علمَ آبائكَ، ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن حزبك أمرٌ فانظر في الدفتر الكبير، فإنْ أصبتَ ما تريد فيه، وإلا فالثاني والثالث، حتَّى بلغَ سبعة، فإن لم تصب، فالكراسة الصغيرة، فانظر فيها فإنَّك واجدٌ ما تريد فيها، وما أظنك تفعل.
وانظر إلى هذه المدينة فإياك أن تستبدل بها، فإن فيها عزَّك، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما لو حُبس عنك الخراج عشرَ سنين كان عندك كفايةٌ لأرزاقِ الجند والنفقات وعطاء الذُّرِّيَّة ومصالح الثغور، فاحتفظ ببيوت الأموال، فإنَّك لا تزالُ عزيزًا ما دامَ بيتُ مالِك عامرًا، وما أظنك تفعل.
وأوصيكَ بأهل بيتكَ أن تُظهر كرامتَهم وتقديمهم والإحسانَ إليهم، وتعظِّمَ أمرَهم، وتولِّيَهم المنابر، وتوطئ الناسَ أعقابهم، فإنَّ عزَّكَ عزُّهُم وذوهم لك، وما أظنك تفعل.
стр. 5731
وانظر أهل خراسان، فأحسن إليهم، فإنَّهم أنصارُك وشيعتُك الذين بذلُوا أموالهم وأرواحَهم في دولتك، وأن تتجاوزَ عن مسيئهم، وتحسنَ إلى محسنهم، وتخلُفَ من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل.
وإياك أن تبني مدينةَ الشرقيَّة فإنَّك لا تتمُّ بناءَها، وما أظنك تفعل.
وإياك أن تستعين برجلٍ من بني سُليم، وأظنك ستفعل.
وإياك أن تدخل النساء في أمرك ومشورتك، وأظنُّك ستفعل (١).
وهذه رواية الهيثم بن عدي، وأمَّا غيرُ الهيثم فقال: إنَّ أبا جعفر لَمَّا ودع ولدَه المهدي قال له: يا أبا عبد الله، إنِّي سائرٌ، وإنِّي غيرُ راجع، فأسألُ الله بركةَ ما أقدم عليه، هذا كتابُ وصيتي مختوم، فإذا بلغَك موتي فافتحه واقرأه، وعليَّ ثلاثُ مئة ألف درهم دين، ولست أستحلُّها (٢) من بيت المال، فاضمنهَا عنِّي، وما يفضي إليكَ من الأمر أعظمُ منها.
وذكر أبو يعقوب بن سليمان قال: حدَّثتني عطَّارةُ أبي جعفر قالت: لَمَّا عزمَ أبو جعفر على الحجِّ دعا ريطة بنت أخيه أبي العباس امرأة المهدي، وكان المهديُّ بالرَّيّ قبل شخوص أبي جعفر، فأوصاها بما أراد، وسلم إليها مفاتح الخزائن، ولا يطَّلع عليها أحدٌ إلَّا المهدي ولا هي، حتَّى يصحَّ عندهم موتُه.
ومضى إلى الحجِّ، وقدم المهديُّ من الرِّيّ، فأخبرته الخبرَ، فلمَّا ماتَ أبو جعفر، وولي المهديُّ الخلافة فتحَ ذلك الباب ومعه ريطة، وإذا أزجٌ (٣) عظيمٌ فيه جماعةٌ من آل أبي طالب قد قُتِلوا وفي آذانهم رقاعٌ فيها أسماؤهم وأنسابهم، وإذا فيهم أطفالٌ وشبابٌ ومشايخ، فلمَّا رأى المهديُّ ذلك ارتاع واسترجع، ثمَّ حفرَ لهم حفيرة ودفنهم فيها، وبنى عليهم دكانًا (٤).
* * *
стр. 5732
الباب الثالث في خلافة المهدي
واسمه محمد وكنيتُه أبو عبد الله. وقال الخطيب: وأمُّه أمُّ موسى بنت منصور بن عبد الله.
واختلفوا في مولده، فقال الخطيب: ولد سنة سبعٍ وعشرين ومئة (١). وقال الهيثم: سنة تسعٍ وعشرين بالبلقاء بالحميمة، وقيل: سنة إحدى وعشرين ومئة.
وكلُّ من قام بالمغرب يسمِّي نفسَه المهدي.
ذكر صفته:
كان أسمَر طوالًا أبيض حسن الوجه. وذكرَ أبو محمد بن حزم في كتاب "نقط العروس" وقال: كان المهديّ أعور (٢).
قلت: وقد وهم ابن حزم فإنَّ الخطيب قال: كان بعينِ محمد المهدي اليمنَى بياض (٣)، لا يبصر به، وقال الهيثم: كان بعينه اليسرى نكتةُ بياض لا تظهرُ إلَّا لمن تأمَّله، لم تضره.
وفيها توفي
شيبان الراعي (٤)
الزاهد العابد، وحجَّ مع سفيان الثوري.
وروى جدي عن أبي نعيم أنَّه قال بإسناده إلى محمد بن حمزة قال: كان شيبان إذا أجنبَ وليس عنده ماءٌ دعا ربَّه، فتجيء سحابة فتظلُّه فيغتسل منها، وكان يذهب إلى
стр. 5733
الجمعة فيخطُّ على غنمه خطًّا، فيجيء فيجدها لم تتحرك. هذا صورة ما ذكره جدي في ترجمته.
قلت: وقد روي أن شيبان عاشَ إلى زمان ذي النون المصري، واجتمعَ به في جبل لبنان. وذكر المعافى بن زكريا أنَّه اجتمع بهارون الرشيد في الحج، فقال: حجَّ هارون، فقيل له: شيبان في الركب، فقال: اطلبوه، فأتوه به، فقال له: يا شيبان عظني، فقال: لأنْ تصحبَ أقوامًا يخوفونَك حتَّى تبلغَ المأمن خيرٌ لك من أن تصحبَ أقوامًا يؤمنونك حتَّى تبلغ المخاوف، إنَّما أنت رجلٌ من هذه الأمة، استرعاك الله عليها، وقلَّدكَ أمورَها، وأنت مسؤول عنها، فاعدل فيها، واقسم بينها بالسويَّة، واتَّقِ الله في نفسك، هذا الَّذي يخوِّفُك، فإذا بلغتَ المأمن انتفعت (١) به، وإذا أمَّنوك قبل أن تبلغَ المخاوف عطبت. فبكى هارون حتَّى رحمَه من حوله.
وذكره الحافظ ابن عساكر (٢)، فقال: كان شيبان من أكابر أهل دمشق، تركَ الدنيا، وخرج إلى جبل لبنان فانقطعَ به، وأكلَ المباحَ.
وصحبَ سفيان الثوريّ، فعرضَ لهما سبعٌ، فقال سفيان، أما ترى السبع؟ فقال شيبان: لا تخف غير الله الله، فلمَّا سمعَ السبعُ صوتَ شيبان جاء إلى بين يديه وبصبص، فأخذ بأذنه فعركها، وقال له: اذهب، فذهب، فقال له سفيان: ما هذه الشهرة؟ فقال شيبان: لولا مخافةُ الشهرةِ ما حملَ زادي إلى مكَّة على ظهره سواه.
وروى ابن ناصر قال: قرأ رجلٌ عند شيبان: ﴿فَمَنْ يَعْمَلُ مِثقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] فهام شيبان على وجهه سنةً، فلمَّا كان بعد سنة لقيه الرجل، فقال: يا شيبان، من أين؟ فقال: من ذاك الحساب الدقيق، وقرأ الآية (٣).
стр. 5734
وذكر أبو عبد الله بن خميس في كتاب "مناقب الأبرار" في ترجمة ذي النون المصري عن صاحبه سالم قال: بينما أنا مع ذي النون في جبل لبنان إذ قال لي: مكانك يا سالم حتَّى أعود إليك، فغاب عنِّي في الجبل ثلاثةَ أيَّام، فلمَّا كان بعد ثلاثٍ رجعَ متغيِّر اللون، ذاهب العقل، فقلت له بعدما رجعَتْ نفسُه إليه: يا أبا الفيض، أعارضَك سبع؟ فقال: دعني من تخويف السباع، إنِّي غبت في هذا الجبل ثلاثةَ أيام، كلَّما هاجت النفس أطعمتُها من نبات الأرض، وسقيتُها من العيون، ثم إنِّي دخلتُ كهفًا من الكهوف فرأيتُ رجلًا أبيضَ الرأس واللحية، أشعث أغبر نحيفًا، كأنَّما نشر من قبر، وهو قائمٌ يصلِّي، فلمَّا سلَّم من صلاته سلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثمَّ عاد إلى صلاته، فما زال يصلي إلى العصر، ثم استندَ إلى حجر هناك مقابل المحراب يسبِّح، فقلت له: رحمك الله، ادع لي دعوة، فقال: آنسك الله بقربه، ثم سكت فقلت: زدني، فقال: من آنسَه الله بقربه أعطاه أربع خصال، عزًّا في [غير] عشيرة (١)، وعلمًا من غير طلب، وغنًى من غير مال، وأُنسًا من غير جماعة، ثم شهقَ شهقةً وغشيَ عليه، فلم يفق إلَّا بعد ثلاثة أيام حتَّى توهمتُ أنَّه قد مات، فلمَّا كان بعد ثلاث قام فتوضَّأْ من عين هناك ثم قال: كم فاتني من الفرائض؟ قلت: صلاة ثلاثة أيَّام فقضاهن، ثم استند إلى الصخرة وقال:
إنَّ ذكرَ الحبيب هيَّج شوقي … إنَّ حبَّ الحبيب أذهلَ عقلي
ثم بكى وقال: قد استوحشتُ من ملاقاة المخلوقين، وأنست بربِّ العالمين انصرف عني بسلام، فقلت: وقفتُ عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة منك، فقال: حب مولاك، ولا ترد بحبِّه بديلًا، فالمحبون لله هم تيجان العباد، وأمحلام الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه، ثمَّ صرخ صرخة وسقطَ ميتًا، فبقيتُ متحيِّرًا فيه، وإذا بجماعةٍ من العُبَّادِ منحدرين من الجبل، فتولَّوا أمره ودفنوه، فسألتُهم عنه فقالوا: هذا شيبان المصاب، قلت: فهل تعرفونَ من كلامه شيئًا، قالوا: كلمةً واحدة، كان إذا ضجرَ يقول: إذا بك لم أجن، يا حبيبي فبمن؟! فقلت: عميَ والله عليكم.
قلت: وبسفحِ لبنان بالبقاع قريةٌ يقال لها: قبر إلياس، قريبٌ منها قبرٌ يقال: إنَّه قبرُ شيبان الراعي. والله أعلم.
стр. 5735
عبد الله بن محمد
ابن علي بن عبد الله بن عباس، أبو جعفر المنصور.
وقد ذكرنا سيرتَه متفرقةً في الكتاب، فنذكرُ ما وقعَ إلينا من أخبارِه وذكرِ طرف منها.
قال علماء السير: عن الربيع الحاجب قال: كان أبو جعفر يصلِّي الفجرَ، ثم يجلسُ فينظر في مصالح الرعية إلى الظهر، فيصلِّي، ثمَّ يقيل إلى العصر، ثم يجلس من وقت العصر إلى المغرب يقضي حوائجَهم، ثمَّ يصلِّي ويقرأ ما بين المغرب والعشاء الآخرة، ثمَّ يجلسُ مع سُمَّاره إلى ثلث الليل الأوَّل، ثم ينام الثلث الأوسط، ثم ينتبه فيصلِّي إلى الفجر، ثم يقرأ في المصحف حتَّى ترتفعَ الشمس، فيجلس للناس، وكان هذا دأبَه طولَ خلافته إلى أن توفي.
ذكر مذهب أبي جعفر في الغناء:
قال الصولي: إنَّ أبا جعفر لم يكن يظهر لندمائه بشربٍ ولا غناء، ولا رآهُ أحدٌ يشربُ غير الماء، وبينه وبين ندمائه ستارة، فإذا أعجبه غناءُ مغنٍّ قال: باركَ الله فيك، وما كان يعطي الندماء والمغنين من بيت المال. وقال الأصمعيّ: لم يكن يُسمَع في دار المنصورِ لهوٌ ولا غناء ولا لعب.
قال حماد التركي: كُنْتُ واقفًا على رأسه، إذ سمعَ صوت جلبة في الدار، فقال لي: انظر ما هذا؟ فنظرت، وإذا خادمٌ بيده طنبور، وقد جمعَ الجواري حولَه، وهو يلعب به، وهنَّ يضحكن منه، قال: فأخبرته فقال: وما الطنبور؟ قلت: ملهاةٌ تعمل بخراسان، فقال: خذه من يده، واضرب به رأسَ الخادم حتَّى تكسرَه على رأسه، ثمَّ اذهب بالخادم إلى السوق فبعه، قال: ففعلتُ ما أمرني به (١).
وهذا يدلُّ على أنَّه كان يكرهُ الغناء.
ذكر أخباره متفرقة:
حكى الهيثم بن عديّ قال: كان المنصور يبخلُ إلَّا في الطيب، فإنَّه كان يُغلِّفُ رأسه ولحيته في كل شهرٍ بألف مثقالٍ من أنواع الطيب، وكان يأمرُ أهله به.
стр. 5736
وقال سالم الأبرش (١): كان المنصورُ من أحسن الناس خُلقًا ما لم يخرج إلى الناس، فإذا لبسَ ثيابه وجلس على سريره، تغيَّر لونُه، واربدَّ وجهه، واحمرَّت عيناه، وتغيرت صفاته، فسفكَ الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وكان يقول: إذا رأيتموني قد لبستُ ثيابي وجلستُ على سريري، فلا يدنونَّ مني أحدٌ منكم إليَّ لا أعره بشرّ (٢).
وقال عبد الصمد بن علي: خلوت يومًا بأبي جعفر المنصور، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، لقد لهجت بالعقوبة حتَّى كأنَّك لم تسمع بالعفو، فقال: لأنَّ بني أميَّة لم تبل رممهُم، وآل أبي طالب لم تسكن بعد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا بالأمس سوقةً واليوم خلفاء، ولا تتمهَّدُ هيبتُنا في صدورهم إلَّا باطِّراح العفو وإكمال العقوبة.
وقال الزبير بن بكار: قال المنصور: الخليفةُ لا يصلحُه إلَّا التقوى، والسلطان لا يصلحُه إلَّا الطاعة، والرعيَّةُ لا يصلحها إلَّا العدل (٣).
وروى المعافى بن زكريا عنه أنَّه قال للمهدي: لا تجلسْ مجلسًا إلَّا ومعكَ رجلٌ من أهل العلم يحدّثك، فإنَّ محمد بن شهاب الزهري قال: إنَّ الحديثَ ذكَرٌ لا يحبُّه إلَّا الذُّكور من الرجال، ويكرهه مؤنَّثهم. وصدق أخو بني زهرة.
قال: وكتبَ إلى عامله بالمدينة أن لا تبع الثمارَ التي في الأشجار إلَّا ممن نغلبه ولا يغلبنا، فأمَّا الَّذي يغلبُنا فهو المفلس الَّذي لا مال له، فيذهب مالنا قبله.
وقال محمد بن سلَّام الجمحي: قيل للمنصور: هل بقيَ من لذَّات الدنيا شيءٌ لم تنله؟ قال: نعم، خصلةٌ واحدة، أنْ أقعد على مصطبة، وحولي أصحابُ الحديث، فأملي عليهم، قال: فغدى عليه الندماء والوزراءُ بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم هم، إنَّما هم أصحابُ الثياب الدنسة، المشققة أرجلُهم، الطويلة شعورُهم، الشعث الغبر، أصحاب الآثار ونقلةُ الحديث.
وقال محمد بن سليمان الهاشمي: دخلتُ على أبي جعفر وهو في بيتٍ صغير وعليه
стр. 5737
جُبَّةٌ هرويَّة مرقوعةٌ، فقال: هذا بيتي، وهذه جبَّتي، ليس لي غيرهما، قال: وتحته مِسْحٌ على باريَّة.
وبلغ أبا جعفر بن سليمان (١) فقال: الحمدُ لله الَّذي ابتلاه بفقر نفسه مع اتِّساع ملكه.
وحكى المدائنيُّ قال: ماتَ إسحاق بن مسلم من بثرةٍ خرجتْ في ظهره، فشيَّع أبو جعفر جنازَته، وحمل سريره، وصلى عليه، وجلس عند قبره، فقال له موسى بن كعب: أتفعلُ هذا وقد كان مبغضًا لك كارهًا لخلافتك، فقال: ما فعلت هذا إلَّا شكرًا لله تعالى حيثُ قدَّمه أمامي، قال: أفلا أخبرُ أهل خراسان بهذا، فقد دخلتهم وَحْشةٌ؟ قال: بلى، فأخبرهم، فكبَّروا.
وحكى المدائني قال: نظرَ أبو جعفر إلى بعض القضاة وبين عينيه أثرُ السجود، فقال: لئن كنت أردتَ بهذا وجهَ الله، فما ينبغي لنا أن نشغلكَ عنه، وإنْ كنت إنَّما أردتنا به، فينبغي أن نحترزَ منك، وعزلَه.
وقال المدائني أيضًا: أتي أبو جعفر برجلٍ، فأمرَ بقتله، وعنده عمرو بن عبيد، فقال عمرو: حدثني الحسن البصري عن أنس قال. قال رسول الله ﷺ : "ينادي غدًا يوم القيامة منادٍ بين يدي الله تعالى: من كانت له يدٌ عند الله فليقم، فلا يقومن إلَّا من عفا". فقال له أبو جعفر: أنت سمعتَ هذا من الحسن، قال: نعم. فأطلقَه (٢).
ذكر وفاته:
واختلفوا في سببها على قولين:
أحدهما: أنَّه كان كثير الأكل ولا يستمرئُ طعامًا، ويشكو ذلك إلى الأطباء، و [يسألهم أن] (٣) يعملوا له الجوارشنات برأيه لا برأيهم، وكانوا يأمرونه بتقليلِ
стр. 5738
الطعام، ويقولون: هذه الجوارشنات ضررُها أكثر من نفعها، وإنَّها تُحدِثُ من الأمراض ما لا يفيدُ معها دواء، وإنَّ علتها شديدة. وكان عنده طبيبٌ من الهند قد قدم عليه، فأمره أن يتخذ له سفوفًا لهضم الطعام، فيه الأفاويه والأدوية الحارَّة، فكان الهنديُّ ينهاه ويوافق أطباءه ولا ينتهي.
فقال بعض أطبائه: لا يموتُ هذا إلَّا بالبَطَن، فقيل له: ومن أين ذاك؟ قال: لأنَّه يأخذ الطعام كلَّ يوم ويتناول الجوارشنات الحارَّة فيهضم الطعام، ويهضم معه شيئًا من شحم بطنه ومصارينه ومعدته، فتخلو وترن (١) وتضعف عن حملِ ما حملَها، فيحدث له مرض البَطَن، ثم ضربَ لذلك مثلًا فقال: أرأيتَ لو أنَّك وضعتَ جرَّة على مرفع، والجرَّة جديدة وتحتها آجرة (٢)، فقطرت عليها دائمًا أليس تثقب الآجرَّة؟ قالوا: بلى، قال: فكذا هذا، فكان كما قال مات بالبَطَن.
والثاني: أنَّ أبا جعفر كان كثيرَ الركوبِ في الهواجر، وكان محرورًا مع علو سنِّه، فغلبَ (٣) عليه المرار الأحمر، فانخرق مزاجه، واتَّفق حجُّه في تلك السنة، وكان الحرُّ شديدًا، فمرضَ بالحوف (٤)، وكان قد تيقَّن أنَّه يموتُ في تلك السَّفرة؛ لأنَّه رأَى أماراتِ ذلك.
حدثنا عبد الوهاب بن علي الصوفيّ بإسناده إلى أبي سهل الحاسب عن طيفور قال: كان سبب إحرامِ أبي جعفر من الكوفة للحج أنَّه نامَ ليلةً بمدينة السلام، ثمَّ انتبه فزعًا، ثم عاود النوم، ثم انتبه فزعًا، فعل ذلك ثلاثًا، ثم قال: يا ربيع، قد رأيتُ في منامي عجبًا، كأنَّ آتيًا أتاني فهينم بشيءٍ لم أفهمه، ثمَّ كرره حتَّى حفظتُه، قال: وما هو؟ قال: [من الطويل]
كأنِّي بهذا القصر قد بادَ آهلُهْ … وعُرِّي منه أهلُه ومنازلُهْ
وصارَ رئيسُ القومِ من بعد بهجةٍ … إلى جدثٍ تُبنى عليه جنادلُهْ
стр. 5739
وما أحسبني إلَّا وقد دنت وفاتي، وحانَ أجلي، وما لي غير ربِّي، ثمَّ قام فاغتسلَ، وصلَّى ركعتين، وقال: قد عزمت على الحجّ، ثمَّ خرج ونحن معه حتَّى انتهى إلى الكوفة، فنزل النجف، وأمر بالرحيل بعد أيام، ثم قدَّم جنده وأثقاله، وبقيتُ أنا وهو في القصر، فقال: ائتني بفحمة، فأتيتُه بها، فكتب على الحائط شيئًا، وخرجَ فعدت إلى القصر كأنِّي أطلبُ شيئًا، وإذا به قد كتبَ على الحائط بالفحمة هذه الأبيات: [من مجزوء الكامل]
المرءُ يأملُ أنْ يعيـ … ــش وطولُ عَيشٍ قد يضرُّهْ
تفنى بشاشتُه ويحـ … ـــدثُ بعد حلو العيش مرُّه
وتضرُّه الأيام حتـ … ـى ما يرى شيئًا يسرُّه (١)
وروى ابنُ الأنباريِّ أيضًا بإسناده عن أبي إسحاق الخُتَّلي (٢) قال: لما حجَّ المنصور في آخر عمره، نزلَ بعض المنازل، فرأى كتابةً على الحائط، فقرأها فإذا هي هذه الأبيات: [من الطويل]
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت … سنوك وأمر الله لا بدَّ واقع
أبا جعفر هل كاهنٌ أو منجِّمٌ … لك اليومَ عن حَرِّ المنيَّة دافعُ (٣)
وقد رواها الخطيب أيضًا عن الربيع، إلَّا أنَّه قال: خرجَ المنصور يتبرَّز، فقضى حاجته، فإذا الريح قد ألقت إليه ورقة فيها مكتوب البيت الأول. قال الربيع: فناداني: يا ربيع، نُعيتْ إليَّ نفسي في رقعة، فقلت: لا والله ما أعرف رقعةً، ولا أدري ما هي! فمات في وجهِه ذلك.
وقال سليمان بن أبي شيح: حدَّثني أبي قال: خرجتُ مع المنصور حاجًّا في سنة ثمان وخمسين ومئة، فرأيتُ في منامي كأنَّ رأسًا قد قُطِع، فسألتُ عديلي سعيد بن خالد فقال: الرأسُ أبو جعفر، وما أراه إلَّا سيموت عن قريب، فمات.
وقال أبو اليقظان: جلسَ المنصورُ يبولُ بطريق مكَّة، فألقت إليه الريحُ ورقةً فيها:
стр. 5740
[من الطويل]
أبا جعفر حانت وفاتُك وانقضت … [سنوك] وأمرُ الله لا بدَّ نازلُ
أبا جعفرٍ هل كاهنٌ أو منجِّمٌ … يردُّ قضاءَ الله أم أنتَ جاهلُ
فقال: بادروا بي إلى حَرم الله.
وقال الربيع: لَمَّا نزلَ بستان بني (١) عامر اشتدَّ وجعه فسارَ منه إلى بئر ميمون، فنزلَها، وكان قد أمر بنصبِ الخشب ليصلبَ عليها سفيانَ الثوريّ وعبَّادَ بن كثير وابنَ جريج.
قال جدي في "المنتظم" بإسناده: عن عبد الرزاق يقول: بعثَ أبو جعفر الخشَّابين حين خرج إلى مكَّة، وقال: إنْ رأيتم سفيان الثوريّ فاصلبوه، فجاء النجَّارون، ونصبوا الخشب، ونودي سفيان، وإذا رأسه في حجر الفضيل ورجلاه النَّجارون، ابن عيينة، فقالوا له: يا عبد الله، اتَّقِ الله ولا تشمت بنا الأعداء، فقام إلى أستار الكعبة فأخذها، ثمَّ قال: برئتُ منه إن دخلَها أبو جعفر، فمات قبل أن يدخلَها، فأخبر سفيان بموته فلم يقل شيئًا (٢).
وقال ابن البراء: فتوفِّي أبو جعفر ببئر ميمون لستٍّ خلونَ من ذي الحجَّة سنة ثمانٍ وخمسين ومئة (٣)، وذلك ليلةَ السبت مع طلوع الفجر، ولم يحضره عندَ وفاته إلَّا الربيع وخدمُه، وكتمَ الربيعُ موتَه، ومنعَ النساءَ وغيرهنَّ من البكاء عليه والصراخ، ثمَّ أصبح الربيع فأحضرَ أهلَ بيته، فأولُ من دعا عيسى بن موسى وعيسى بن علي وموسى بن المهدي، وأخذ عليهم البيعةَ للمهدي وبعده لعيسى بن موسى، ثمَّ دعا بالقوَّاد فبايعوا، وتوجَّه محمد بن سليمان والعباس بن محمد إلى مكَّة فأخذا البيعة للمهديِّ على الناس بين الركن والمقام، ثمَّ خرجا إلى بئر ميمون، وأخذا في جهاز المنصور وغسله وتكفينه ودفنه، وكان المتولِّي لذلك الربيع وأهلُ بيت المنصور ومواليه، ودُفن عندَ صلاة العصر، وكُشِفَ رأسُه لأجل الإحرام.
стр. 5741
واختلفوا فيمن صلَّى عليه، فقال الواقدي: عيسى بن موسى، ونزل في قبره في شعب الخوز، وقيل: الَّذي صلَّى عليه إبراهيم بن محمد بن علي (١) كان المنصور قد أوصى بذلك، و [ذلك] أنَّه خليفته على الصلاة بدار السلام.
وروي أن الربيع: قال لا يصلِّي عليه أحدٌ يطمعُ في الخلافة، فقدَّموا إبراهيم بن محمد، وقيل: إبراهيم بن يحيى، وهو يومئذٍ حَدَث، ودُفن عند ثنية المَعْلاة قريبًا من كداء بأعلى مكة، ونزلَ في قبره عيسى بن موسى، وقيل: عيسى بن علي، والعباس بن محمد، والربيع والريّان مولياه، ويقطين بن موسى.
ويقال: إنَّ البغلةَ عثرت بين بستان بني عامر وبئر ميمون فسقطَ فمات.
وقال الطبري: ركب فرسًا فلما صار في الوادي الَّذي يقال له: سَقَر، وكان آخر منزلٍ في طريق مكة، كبا به الفرس، فدُقَّ ظهرُه، فمات (٢).
وقال الصوليّ: دفن بين الحجون وبئر ميمون بمكانٍ يقال له: الحوري.
ويقال: إنَّه حُفِر له قبورٌ كثيرة، دُفن سرًّا في بعضها، وعموا آثارَ قبره خوفًا عليه من آلى أبي طالب لئلَّا ينبشوه.
وقد أشارَ الطبريُّ إلى هذا فقال: وحُفر له مئةُ قبرٍ؛ لئلَّا يعرفَ موضعُ قبره، ودفن في غيرها خوفًا عليه.
واختلفوا في مبلغ سنِّه على أقوال: أحدها: أربعٌ وستون سنة، والثاني: خمس وستون سنة، والثالث: ثلاث وستون، والرابع: ثمان وستون.
وقد ذكرنا أنَّه ولد في سنة أربعٍ وتسعين، أو خمسٍ وتسعين، السنة التي مات فيها الحجاج.
واختلفوا في مدة خلافته بعد اتِّفاقهم على أنها كانت اثنتين وعشرين سنةً إلَّا أيَّامًا، وإنما اختلفوا في تلك الأيام، فقال هشام بن محمد: إلَّا أربعة وعشرين يومًا، وقال أبو معشر. إلَّا ثلاثة أيام، وقال الزبير بن بكَّار: إلَّا سبع ليالٍ، وقال الواقدي: إلَّا
стр. 5742
يومين (١).
وولي الخلافةَ في ذي الحجَّة.
ذكر ما ترك من المال:
قال الربيع: جمعَ ما لم يجمعه أحدٌ قبلَه، ترك ستّ مئة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، وأربعة عشر ألف ألف دينار، وكان قد حُمل إليه من خزائنِ مروان اثنا عشر ألف عِدْلٍ خز، فأخرجَ ثوبًا ففصله جبَّتين، له واحدة، ولمحمد المهدي واحدة، وترك من الخيل والبغال والدواب عشرةَ آلاف دابة، ومن الموالي خمسةَ آلاف، ومن الجواهر واليواقيت عدَّة صناديق، وغير ذلك.
قال المسعوديّ: ومع هذا فإنَّه كان ينظر فيما لا قيمة له، ولا ينظر فيه أحدٌ من العوام، اتَّفق مع صاحب مطبخه على أنْ يكونَ له الرؤوس والجلود والأكارع، وعلى الطباخ الحطبُ والتوابل (٢).
انتهت ترجمته.
* * *
стр. 5743
السنة التاسعة والخمسون بعد المائة
فيها خرج المهدي من بغداد، فنزل البردان، فأقام يجهِّزُ الجيوشَ إلى الصائفة، فجهَّزَ العباس بن محمد، وبين يديه الحسنُ الوصيف في الموالي، وقُوَّاد خراسان، وغيرهم، فساروا إلى الروم حتَّى بلغوا أنقرة، وفتحُوا مدينةً يقال لها: المطمورة، وعادوا سالمين غانمين.
وفيها توفي حميدُ بن قحطبة وإلي خراسان.
وفيها فتحَ المهديُّ الخزائن وفرَّق الأموال.
وفيها بنَى المهدي جامع الرّصافة، وأدارَ عليها السُّور والخنادق.
وفيها وجَّه المهديُّ عبدَ الملك بن شهاب المسمعي في المراكب إلى الهند في جيشٍ كثيفٍ، منه ألفان من أهل البصرة، ومن الشام سبع مئة، ومن مطوّعة أهل البصرة ألف رجل -وقيل: كانوا ثمانية آلاف- فوصلوا إلى الهند، ونزلوا على مدينةٍ يقال لها: باربد في سنة ستين ومئة.
وفيها توفِّي معبدُ بن الخليل عامل السند.
وفيها أمر المهديُّ بإطلاق من كان في حبس أبيه أبي جعفر، إلَّا من كان عليه دم، أو كان عنده لأحدٍ مظلمة أو حق، أو كان ساعيًا في الأرض بالفساد (١).
وفيها أعتق المهديُّ أمَّ ولده الخيزُران وتزوَّجها.
وفيها تزوَّج المهديّ أيضًا أمَّ عبد الله بنت صالح بن عليّ أخت الفضل بن صالح.
وحجَّ بالناس في هذه السنة يزيدُ بن منصور خالُ المهدي، في قول الواقديِّ وأبي معشر وغيرهما (٢).
حُمَيد بن قَحْطَبَة
أحدُ قوَّاد أبي جعفر، وهو الَّذي غرقَ أبوه في الفرات، وهو الَّذي حزَّ رأس محمد بن [عبد الله بن] حسن بن حسن، وقد ذكرناه في عدة مواضع.
стр. 5744
وولَّاه أبو جعفر مصر، فأقام عليها سنةً وشهرين، وولَّاه أبو جعفر خراسان في سنة إحدى وخمسين ومئة، وماتَ بخراسان في هذه السنة (١).
وفيها توفي
عبدُ العزيز بن أبي رَوَّاد
مولى المغيرة بن المهلَّب بن أبي صُفرة.
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل مكَّة، وحكى عن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال: توفي عبد العزيز بمكَّة سنة تسع وخمسين ومئة، وله أحاديث، وكان معروفًا بالصَّلاح والورع والعبادة، وهذا قول ابن سعد (٢).
وقال أبو نعيم الحافظ بإسناده إلى عبد الصمد بن يزيد قال: سمعتُ شقيقًا البلخي يقول: ذهب بصرُ عبد العزيز عشرينَ سنةً، فلم يعلم به أهلُه ولا ولده، فتأمَّله ابنُه ذات يومٍ فقال: ذهبت عينُك يا أبه، فقال: نعم يا بنيّ، الرضا عن الله أذهب عين أبيك منذ عشرينَ سنة (٣).
وروى الخطيب عن شعيب بن حرب الزاهد قال: جلستُ إلى عبد العزيز خمسَ مئة مجلس، فما أحسبُ صاحبَ الشمال كتب عليه شيئًا (٤).
وروى أبو نعيم بإسناده قال: مكثَ عبد العزيز أربعين سنةً لم يرفع رأسَه إلى السماء حياءً من الله تعالى، فبينما هو يطوفُ بالبيت، إذ طعنَه المنصور أبو جعفر بأصبعه في خاصرته، فالتفتَ إليه فقال: قد علمتُ أنَّها طعنة جبَّار (٥).
وقد ذكرنا طرفًا منه.
وكانت وفاتُه في هذه السنة بمكَّة.
стр. 5745
أسند عن جماعة من كبار التابعين، كعطاء وعكرمة ونافع وغيرهم (١).
محمد بن عبد الرحمن
ابن المغيرة بن الحارث بن هشام بن شعبة، أبو الحارث القرشي، ويعرف بابن أبي ذئب.
ذكره ابن سعد في الطبقةِ الخامسة من أهل المدينة. وقال: وأمّ أبي ذئب أم حبيب بنت العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
وكان أبو ذئب قد أتى قيصر، فسعى به عثمان بن الحويرث شيطان قريش، فحبسَ قيصرُ أبا (٢) ذئب، حتَّى مات في حبسه.
قال: وقال محمد بن عمر: ولدَ محمد بن أبي ذئب سنةَ ثمانين عام الجُحَاف، وكان من أورع الناس وأفضلهم، وكانوا يرمونه بالقَدَر، وما كان قدريًّا، لقد كان ينفي قولَهم ويعيبه، ولكنه كان رجلًا كريمًا، يجلس إليه كلُّ أحدٍ ويغشاه فلا يطرده، ولا يقول شيئًا، وإن هو مرض عادَه، فاتَّهموه بالقدر لهذا.
وكان يصلِّي الليلَ كله، ويجتهدُ في العبادة، ولو قيل له: إنَّ القيامة تقومُ غدًا ما كان فيه مزيد من الاجتهاد.
قال: وأخبرني أخوه أنَّه كان يصومُ يومًا ويفطرُ يومًا، فقدم رجل من الشام، فسأله عن الرجفة، فحدَّثه، فلمَّا قَضى حديثَه -وكان ذلك يوم إفطاره- فقلت له: قم تغدَّى، فقال: دعه اليوم، فسردَ الصومَ من ذلك اليوم إلى أن مات.
وكان شديدَ الحال، يتعشَّى بالخبز والؤيت، وكان يحفظ حديثه كلَّه، لم يكن له كتاب ولا شيءٌ ينظرُ فيه.
قال: ولما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة لزمَ ابنُ أبي ذئب بيتَه، فلم يخرج منه حتَّى قُتل محمد.
قال: وقال محمد بن عمر: دعا زياد الحارثيُّ محمد بن أبي ذئب ليستعملَه على