واختلفوا فيمن صلَّى عليه، فقال الواقدي: عيسى بن موسى، ونزل في قبره في شعب الخوز، وقيل: الَّذي صلَّى عليه إبراهيم بن محمد بن علي (١) كان المنصور قد أوصى بذلك، و [ذلك] أنَّه خليفته على الصلاة بدار السلام.
وروي أن الربيع: قال لا يصلِّي عليه أحدٌ يطمعُ في الخلافة، فقدَّموا إبراهيم بن محمد، وقيل: إبراهيم بن يحيى، وهو يومئذٍ حَدَث، ودُفن عند ثنية المَعْلاة قريبًا من كداء بأعلى مكة، ونزلَ في قبره عيسى بن موسى، وقيل: عيسى بن علي، والعباس بن محمد، والربيع والريّان مولياه، ويقطين بن موسى.
ويقال: إنَّ البغلةَ عثرت بين بستان بني عامر وبئر ميمون فسقطَ فمات.
وقال الطبري: ركب فرسًا فلما صار في الوادي الَّذي يقال له: سَقَر، وكان آخر منزلٍ في طريق مكة، كبا به الفرس، فدُقَّ ظهرُه، فمات (٢).
وقال الصوليّ: دفن بين الحجون وبئر ميمون بمكانٍ يقال له: الحوري.
ويقال: إنَّه حُفِر له قبورٌ كثيرة، دُفن سرًّا في بعضها، وعموا آثارَ قبره خوفًا عليه من آلى أبي طالب لئلَّا ينبشوه.
وقد أشارَ الطبريُّ إلى هذا فقال: وحُفر له مئةُ قبرٍ؛ لئلَّا يعرفَ موضعُ قبره، ودفن في غيرها خوفًا عليه.
واختلفوا في مبلغ سنِّه على أقوال: أحدها: أربعٌ وستون سنة، والثاني: خمس وستون سنة، والثالث: ثلاث وستون، والرابع: ثمان وستون.
وقد ذكرنا أنَّه ولد في سنة أربعٍ وتسعين، أو خمسٍ وتسعين، السنة التي مات فيها الحجاج.
واختلفوا في مدة خلافته بعد اتِّفاقهم على أنها كانت اثنتين وعشرين سنةً إلَّا أيَّامًا، وإنما اختلفوا في تلك الأيام، فقال هشام بن محمد: إلَّا أربعة وعشرين يومًا، وقال أبو معشر. إلَّا ثلاثة أيام، وقال الزبير بن بكَّار: إلَّا سبع ليالٍ، وقال الواقدي: إلَّا
стр. 5742
يومين (١).
وولي الخلافةَ في ذي الحجَّة.
ذكر ما ترك من المال:
قال الربيع: جمعَ ما لم يجمعه أحدٌ قبلَه، ترك ستّ مئة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، وأربعة عشر ألف ألف دينار، وكان قد حُمل إليه من خزائنِ مروان اثنا عشر ألف عِدْلٍ خز، فأخرجَ ثوبًا ففصله جبَّتين، له واحدة، ولمحمد المهدي واحدة، وترك من الخيل والبغال والدواب عشرةَ آلاف دابة، ومن الموالي خمسةَ آلاف، ومن الجواهر واليواقيت عدَّة صناديق، وغير ذلك.
قال المسعوديّ: ومع هذا فإنَّه كان ينظر فيما لا قيمة له، ولا ينظر فيه أحدٌ من العوام، اتَّفق مع صاحب مطبخه على أنْ يكونَ له الرؤوس والجلود والأكارع، وعلى الطباخ الحطبُ والتوابل (٢).
انتهت ترجمته.
* * *
стр. 5743
السنة التاسعة والخمسون بعد المائة
فيها خرج المهدي من بغداد، فنزل البردان، فأقام يجهِّزُ الجيوشَ إلى الصائفة، فجهَّزَ العباس بن محمد، وبين يديه الحسنُ الوصيف في الموالي، وقُوَّاد خراسان، وغيرهم، فساروا إلى الروم حتَّى بلغوا أنقرة، وفتحُوا مدينةً يقال لها: المطمورة، وعادوا سالمين غانمين.
وفيها توفي حميدُ بن قحطبة وإلي خراسان.
وفيها فتحَ المهديُّ الخزائن وفرَّق الأموال.
وفيها بنَى المهدي جامع الرّصافة، وأدارَ عليها السُّور والخنادق.
وفيها وجَّه المهديُّ عبدَ الملك بن شهاب المسمعي في المراكب إلى الهند في جيشٍ كثيفٍ، منه ألفان من أهل البصرة، ومن الشام سبع مئة، ومن مطوّعة أهل البصرة ألف رجل -وقيل: كانوا ثمانية آلاف- فوصلوا إلى الهند، ونزلوا على مدينةٍ يقال لها: باربد في سنة ستين ومئة.
وفيها توفِّي معبدُ بن الخليل عامل السند.
وفيها أمر المهديُّ بإطلاق من كان في حبس أبيه أبي جعفر، إلَّا من كان عليه دم، أو كان عنده لأحدٍ مظلمة أو حق، أو كان ساعيًا في الأرض بالفساد (١).
وفيها أعتق المهديُّ أمَّ ولده الخيزُران وتزوَّجها.
وفيها تزوَّج المهديّ أيضًا أمَّ عبد الله بنت صالح بن عليّ أخت الفضل بن صالح.
وحجَّ بالناس في هذه السنة يزيدُ بن منصور خالُ المهدي، في قول الواقديِّ وأبي معشر وغيرهما (٢).
حُمَيد بن قَحْطَبَة
أحدُ قوَّاد أبي جعفر، وهو الَّذي غرقَ أبوه في الفرات، وهو الَّذي حزَّ رأس محمد بن [عبد الله بن] حسن بن حسن، وقد ذكرناه في عدة مواضع.
стр. 5744
وولَّاه أبو جعفر مصر، فأقام عليها سنةً وشهرين، وولَّاه أبو جعفر خراسان في سنة إحدى وخمسين ومئة، وماتَ بخراسان في هذه السنة (١).
وفيها توفي
عبدُ العزيز بن أبي رَوَّاد
مولى المغيرة بن المهلَّب بن أبي صُفرة.
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل مكَّة، وحكى عن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال: توفي عبد العزيز بمكَّة سنة تسع وخمسين ومئة، وله أحاديث، وكان معروفًا بالصَّلاح والورع والعبادة، وهذا قول ابن سعد (٢).
وقال أبو نعيم الحافظ بإسناده إلى عبد الصمد بن يزيد قال: سمعتُ شقيقًا البلخي يقول: ذهب بصرُ عبد العزيز عشرينَ سنةً، فلم يعلم به أهلُه ولا ولده، فتأمَّله ابنُه ذات يومٍ فقال: ذهبت عينُك يا أبه، فقال: نعم يا بنيّ، الرضا عن الله أذهب عين أبيك منذ عشرينَ سنة (٣).
وروى الخطيب عن شعيب بن حرب الزاهد قال: جلستُ إلى عبد العزيز خمسَ مئة مجلس، فما أحسبُ صاحبَ الشمال كتب عليه شيئًا (٤).
وروى أبو نعيم بإسناده قال: مكثَ عبد العزيز أربعين سنةً لم يرفع رأسَه إلى السماء حياءً من الله تعالى، فبينما هو يطوفُ بالبيت، إذ طعنَه المنصور أبو جعفر بأصبعه في خاصرته، فالتفتَ إليه فقال: قد علمتُ أنَّها طعنة جبَّار (٥).
وقد ذكرنا طرفًا منه.
وكانت وفاتُه في هذه السنة بمكَّة.
стр. 5745
أسند عن جماعة من كبار التابعين، كعطاء وعكرمة ونافع وغيرهم (١).
محمد بن عبد الرحمن
ابن المغيرة بن الحارث بن هشام بن شعبة، أبو الحارث القرشي، ويعرف بابن أبي ذئب.
ذكره ابن سعد في الطبقةِ الخامسة من أهل المدينة. وقال: وأمّ أبي ذئب أم حبيب بنت العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
وكان أبو ذئب قد أتى قيصر، فسعى به عثمان بن الحويرث شيطان قريش، فحبسَ قيصرُ أبا (٢) ذئب، حتَّى مات في حبسه.
قال: وقال محمد بن عمر: ولدَ محمد بن أبي ذئب سنةَ ثمانين عام الجُحَاف، وكان من أورع الناس وأفضلهم، وكانوا يرمونه بالقَدَر، وما كان قدريًّا، لقد كان ينفي قولَهم ويعيبه، ولكنه كان رجلًا كريمًا، يجلس إليه كلُّ أحدٍ ويغشاه فلا يطرده، ولا يقول شيئًا، وإن هو مرض عادَه، فاتَّهموه بالقدر لهذا.
وكان يصلِّي الليلَ كله، ويجتهدُ في العبادة، ولو قيل له: إنَّ القيامة تقومُ غدًا ما كان فيه مزيد من الاجتهاد.
قال: وأخبرني أخوه أنَّه كان يصومُ يومًا ويفطرُ يومًا، فقدم رجل من الشام، فسأله عن الرجفة، فحدَّثه، فلمَّا قَضى حديثَه -وكان ذلك يوم إفطاره- فقلت له: قم تغدَّى، فقال: دعه اليوم، فسردَ الصومَ من ذلك اليوم إلى أن مات.
وكان شديدَ الحال، يتعشَّى بالخبز والؤيت، وكان يحفظ حديثه كلَّه، لم يكن له كتاب ولا شيءٌ ينظرُ فيه.
قال: ولما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة لزمَ ابنُ أبي ذئب بيتَه، فلم يخرج منه حتَّى قُتل محمد.
قال: وقال محمد بن عمر: دعا زياد الحارثيُّ محمد بن أبي ذئب ليستعملَه على
стр. 5746
بعض عمله، فأبى، فحلفَ زياد ليعملن، فحلف ابنُ أبي ذئب أن لا يعمل، فقال زياد: جرُّوه برجله ابن الفاعلة، فقال له: والله ما هو من هيبتك تركتُ أن أردَّها عليك مئة مرة، ولكن تركتها لله تعالى.
وندم زياد على ما قال له، وقال من حضره: إنَّ مثل ابن أبي ذئب لا يصنعُ به مثل هذا، إنَّ من شرفِه وحاله وفضله في نفسه وقدرِه عند أهل البلد [أمرًا] عظيمًا (١)، فازداد زياد ندمًا وقال: أنا آتيه، فأستحلُّه، فقالوا: لا تأمن أن يسمعك ما تكره، فأرسلَ زياد إلى أخيه طالوت مئة دينار وقال: أعطها لأخيك، وتحلَّل لي منه، فقال: ما أفعل، فقال: فافعل بها ما شئت، فاشترى بها جاريةً فأهداها لأخيه، فهي أم ولده، واسمها سلامة، ولو علم أنَّها من زياد ما قبلهَا.
قال: وقال الواقدي: كان الحسن بن زيد والي المدينة يُجري على ابن أبي ذئب في كل شهر خمسةَ دنانير، فلمَّا غضب أبو جعفر على الحسن بن زيد عزله عن المدينة، وولَّى عبد الصمد بن علي.
قال: وقال الواقدي: دخلَ ابنُ أبي ذئب: على عبد الصمد وهو والي المدينة، فكلَّمه في شيء، فقال له عبد الصمد: إنِّي لأظنُّك مرائيًا، فأخذ عودًا من الأرض وقال: لمن أرائي؟ والله، الناسُ عندي أهون من هذا.
قال: وقال محمد بن عمر: حجَّ المنصور، فدعا الحسن بن زيد وابن أبي ذئب، فأراد أن يغريَ بينهما، فقال لابن أبي ذئب، نشدتُك، ما تعلم من الحسن بن زيد؟ فقال: أمَّا إذا نشدتني فإنَّه يدعونا فيستشيرنا، فنخبره بالحق، فيدعُه ويعملُ بهواه، فقال الحسن بن زيد: نشدتُك الله يا أمير المؤمنين إلَّا سألتَه عن نفسك، فقال له أبو جعفر: نشدتك الله ما تعلم مني؟ ألستَ تراني أعملُ بالحق؟ ألست تراني أعدل؟ فقال له: أما إذا نشدتني بالله فأقول: اللهمَّ لا، فما أراك تعدل، ولا تعملُ بالحق، وإنَّك لتستعملُ الظَّلمةَ، وتدعُ أهلَ الخير والفضل.
قال الواقدي: فحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ بن محمدِ بن عليّ، وإبراهيمُ بن يحيى بنِ
стр. 5747
محمد بن علي، وأُخبرتُ عن عيسى بن عليّ، قالوا: نحن عند أبي جعفر حين كلَّمه ابنُ أبي ذئب بما كلَّمه به من ذاك الكلام الشديد، فظننا أنَّ أبا جعفرٍ سيعاجلُه، فجعلنا نكفُّ ثيابنا، ونتنحى (١) مخافة أن يصيبنا من دمه.
قال: وجزعَ أبو جعفر واغتمّ، وقال له: قم فاخرج فخرج، ورزقَه اللهُ السلامة من أبي جعفر.
قال الواقدي: وخرجَ ابنُ أبي ذئب إلى أمِّ ولده سلامة، فقال لها: احتسبي دنانيرك التي كان حسن بن زيد يجريها عليك. قالت: ولم؟ قال: سألني أبو جعفر عنه، فقلت: كذا وكذا، فقالت: ففي الله خلفٌ وعوضٌ منها.
وخرجَ الحسنُ بن زيد، فذكر ذلك لابن أبي الزناد وقال: والله ما ساءني (٢) كلامه، ولقد علمتُ أنَّه أراد الله بذلك، ولم يرد به الدنيا ولا رضا أبي جعفر، فلمَّا كان رأسُ الشهر بعثَ إليه بعشرة دنانير؛ زاده خمسةً أخرى، وقال: إنَّما زدته لإرادته وجه الله. فلم يزل يجريها عليه في كلِّ شهرٍ حتَّى مات.
قال الواقدي: أرسَلُوا إلى ابن [أبي] ذئب، فأقدموه إلى بغداد، فأعطوه ألفَ دينار فلم يقبلها، فقالوا: خذها ففرقها في أهل المدينة، فأخذَها، فلمَّا كان بالكوفة اشتكى، فماتَ فدُفن بالكوفة في سنة تسع وخمسين ومئة، وهو يومئذ ابنُ تسعٍ وسبعين سنة.
قال: وكان يُفتي بالمدينة، وكان عالمًا ثقةً فقيهًا عابدًا ورعًا فاضلًا. هذا قول ابن سعد (٣).
وقال جدِّي في "المنتظم" عن محمد بن خلَّاد قال: لما حجَّ المهدي دخلَ مسجدَ رسول الله ﷺ ، فلم يبق أحد إلَّا قام، إلَّا ابن أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير: قم فهذا أمير المؤمنين، فقال ابن أبي ذئب: إنَّما يقومُ الناس لربِّ العالمين، فقال المهدي: دعهُ فلقد قامت كل شعرةٍ في رأسي (٤).
стр. 5748
قلت: كذا وقعتْ هذه الرواية، وهي وهم؛ لأنَّ المهدي حجَّ في سنة ستين، وابنُ أبي ذئب مات باتِّفاقهم في سنة تسعٍ وخمسين ومئة، فلعلَّ الواقعةَ كانت مع المنصور، فغلط الكاتب، والله أعلم. انتهت ترجمته.
* * *
стр. 5749
السنة الستون بعد المئة
فيها خلع المهدي عيسى بن موسى، قد ذكرنا أنَّه كتب إليه يسأله أن يخلعَ نفسه فامتنع (١).
وفيها فتحَ عبدُ الملك بن شهاب المسمعيّ مدينةَ باربد بأرض الهند، وقد ذكرنا أنَّ المهدي جهَّزَهُ إليها في السنة الماضية، وكانوا قد أقاموا عليها مُدَّةً، وكانوا قد نصبوا عليها المجانيق، فافتتحوها عَنْوةً، وقتلوا وسبوا، وكان في السبي ابنة ملك باربد، وأرادوا الرجوعَ إلى البصرة، فهاج عليهم البحر، فلم يقدروا على ركوبه، فأقاموا حتَّى يطيبَ لهم البحر، فأصابَهم داءٌ في أفواههم، فمات منهم ألفُ رجلٍ منهم الربيع بن صبيح، ثمَّ ركبوا البحرَ، فهاج عليهم فتكسَّرت مراكبُهم، فغرق بعضُهم ونجا البعض، وقدموا البصرة، وبها محمد بن سليمان (٢).
وفيها خرج يوسف بن إبراهيم - ويقال له البرم - بخراسان منكرًا على المهديِّ سيرتَه، واجتمعَ إليه خلقٌ كثير، فبعثَ إليه المهدي يزيدَ بن مزيد، فاقتتلَا، فظفر به يزيد، فأسره وحملَه إلى المهدي، فلمَّا قربَ من بغداد أُركِبَ على بعيرٍ، وحُوِّل وجهه إلى ذنبه، وفُعِل بأصحابه كذلك، وكان البرم قد قتل أخًا لهرثمة بن أعين بخراسان، فأمرَ المهديُّ هرثمةَ، فقطعَ يدي البرم ويدي أصحابه، وضرب أعناقهم، وصلبَهم.
وفيها توفِّي عبدُ الله بن صفوان (٣) الجمحيّ والي المدينة.
وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد المهدي، وحجَّ مع المهدي ابنُه هارون، واستخلفَ على بغداد ابنه موسى ومعه يزيد بن منصور خال المهدي، وحج معه جماعةٌ
стр. 5750
من أهل بيته، وحجَّ معه يعقوب بن داود على منزلته التي كانت عنده، وأتاه حين وافى مكة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فأحسنَ إليه المهديّ، ووصله، وأقطعه مالًا بالحجاز، ووفّى له ما أمنه به.
ونزع المهديُّ كسوةَ البيت وكساه كسوةً جديدة، وكانت الكسوة قد أثقلت الكعبة، فخافت الحجبةُ أن تنهدم، فأنهوا ذلك إليه، فنزعَها وجَرَّد الكعبةَ وخَلّقَهَا (١)، ثم كساها كسوة واحدة، ونزع ما كان من كسوة بني أمية، وكان هشام قد كساها ديباجًا ثخينًا، فأزاله.
وكان قد حملَ معه من العراق ثلاثين ألف ألف درهم، ومتاعًا كثيرًا، وقُدِم عليه وهو بمكة من مصر بثلاثِ مئة ألف دينار، ومن اليمن مئتي ألف دينار، فقسَّم الجميع في أهل الحرمين، وفرَّق فيهم الثياب، وكانت [مئة ألف ثوب، و] (٢) خمسين ألف ثوب.
ووسَّع في مسجد النبي ﷺ ، وأمرَ بنزع المقصورة التي في مسجد رسول الله ﷺ ، فنُزِعت، وأراد أن ينقص من المنبر ما كان معاوية زاد فيه، فشاورَ مالك بن أنس، فقال مالك (٣): إنَّ المسامير التي عملَها معاوية في الخشب الأوَّل قد عتقت، ومتى نُزِعت ربَّما تكسَّر الجميع، فتركَه.
وتزوَّج المهديُّ في هذه السفرة في مقامه بالمدينة رقيَّة بنت عمرو العثمانيَّة.
وحمل محمد بن سليمان الثلج إلى المهدي بمكّة، فكان أوَّلَ من حُمل الثلج له من الخلفاء إلى مكَّة المهديُّ.
وفي هذه السفرة كان على قضاء المدينة عثمانُ بن طلحة بن عمر بن عبيد الله (٤) بن مَعمر، فدخل على المهديِّ وسأله أن يعفيَه من القضاء، فابى، فقال له عثمان: والله لو علمتُ أن بلد الروم يجيروني ولا يمنعوني من الصلاة لاستجرتُ به. فقال له المهدي:
стр. 5751
وأنت على الأوَّل، فقال: إي والله، قال: قد أقلتُك. وكان قد استوجبَ رزقَ عشرة أشهر، فقال له المهدي: فخذ ما لك عندنا من الرزق، فقال: والله ما بي عنه من غنى، ولكنّ إخواني كانوا يكرهونَ هذا، ولي بهم أُسوة، ولم يأخذ شيئًا مِمَّا أَمَر له المهديُّ من الرزق. انتهى.
وفيها توفي
إبراهيم بن أدهم
ابن منصور بن يزيد بن جابر التميمي العجلي، أبو إسحاق البلخي، وأصله من كورة بلخ، من أبناء الملوك.
ذكر مولده:
روى الحافظ ابن عساكر عن إبراهيم بن شمَّاس قال [سمعت الفضل بن موسى يقول] (١): حجَّ أدهم أبو إبراهيم، ومعه أمُّ إبراهيم، وكانت حبلى به، فولدت إبراهيم بمكة، فطافَ به أبوه حولَ البيت ودار به على الحلق في المسجد وقال: ادعو الله لولدي أن يجعلَه ولدًا صالحًا.
وعاد به إلى بلخ، فنشأَ به إلى حين ما ترك الدنيا.
واختلفوا في سبب تركه الدنيا وإقباله على الآخرة على وجوه:
أحدها ما قرأتُه على شيخنا الموفق عبد الله بن أحمد المقدسي ﵀ في كتاب "التوابين" قال: حدثنا محمد بن عبد الباقي بإسناده عن محمد بن إسحاق السرّاج قال: سمعتُ إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم يقول: قلت: يا أبا إسحاق، كيفَ كان أوائل أمرك؟ قال: كان أبي من أهل بَلخ، وكان من ملوك خُراسان، وحُبِّبَ إلينا الصيدُ، فخرجتُ راكبًا فرسي، وكلبي معي، فبينما أنا كذلك، ثار أرنب أو ثعلب، فحرَّكتُ فرسي، فسمعتُ نداءً من ورائي: ليس لهذا خُلِقْتَ، ولا به أمرت، فوقفتُ انظر يَمْنةً وَيسْرةً، فلا أرى أحدًا، فقلت: لعنَ الله إبليس، ثم حرَّكتُ فرسي فأسمع نداء أجهر من ذلك: يا إبراهيم، ما لهذا خلقت، ولا به أمرت، فلعنت إبليس، فسمعتُ
стр. 5752
نداءً من قربوس سرجي يقول ذلك، قال: فقلت: أُنبِهت أُنبِهت، جاءني نذيرٌ من ربِّ العالمين، والله لا عصيتُ الله بعد يومي هذا ما عصمني ربِّي.
فرجعتُ إلى أهلي، ثم جئتُ إلى أحد رعاةِ أبي، فأخذتُ منه جُبَّةً وكساء، وألقيتُ إليه ثيابي، ثم أتيتُ العراق، تخفضُني أرض وتضعُني أخرى، فعملت أيَّامًا، فلم يصفُ لي الحلال، فقيل لي: عليك بالشام؛ فإنَّ الحلال الصافي بطرَسُوس، فقصدتُها أحصدُ مع الحصَّادين (١).
وسنذكرُ تمام الحكاية.
وفي رواية ابنِ بشار أيضًا (٢) أنَّه سُئِل عن إبراهيم فقال: كان أبوه من أبناء الأشراف، وكان أبوه كثيرَ المال والخدم، فخرج إبراهيمُ يومًا إلى الصيد مع الغلمان ومعه البُزَاة والصقور، فركضَ فرسه، وإذا بصوتٍ من فوقه: يا إبراهيم، ما هذا العبث؛؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ الآية، اتَّقِ الله وعليك بالزاد ليوم الفاقة، فنزل عن دابته، وأخذ في عمل الآخرة.
وفي رواية: صادفَ راعيًا فأخذ جبَّته وأعطاه ثيابَه وفرسه، وفارقَ غلمانَه وأتى مكَّة فصحبَ بها سفيان الثوري والفضيلَ بن عياض، ثمَّ أتى الشام فأقام بطرسوس، وأنَّه صادف داود ﵇ في بعض البراري، فعلَّمه الاسمَ الأعظم، فدعا به، فرأى الخضرَ ﵇، فقال له: إنِّي لقيتُ رجلًا ولم أعرفه، علَّمني الاسمَ الأعظم، فقال: ذاك أخي داود ﵇ (٣).
والوجه الثاني قرأته أيضًا على شيخنا الموفَّق من "التوابين" قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ الله بن محمد بن أحمد بن النَّقُّور بإسناده عن عبد الله بن الفرج العابد قال: حدَّثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان، قال: كُنْتُ جالسًا يومًا في منظرةٍ لي إلى الطريق، وإذا بشيخٍ عليه أطمَار، وكان يومًا حارًّا، فجلسَ في [ظلِّ] (٤) القصر ليستريح، فقلت
стр. 5753
للخادم: اخرج إلى هذا الشيخ، فأقرئه منِّي السلام، واسأله أن يدخلَ إلينا، فقد أخذ بمجامع قلبي. فخرجَ إليه، فقام معه فدخل إليَّ، فسلَّمَ، فرددتُ عليه¬ السلام، واستبشرتُ بدخوله، وأجلستُه إلى جانبي، وعرضتُ عليه الطعام، فأبى أن يأكل، فقلت له: من أين أقبلت؟ فقال: من وراءِ النهر، فقلت: أين تُريد؟ قال: الحجّ إن شاء الله تعالى، قال: وكان ذلك في أول يومٍ من العشر، أو الثاني. فقلت: في هذا الوقت؟! فقال: يفعل الله ما يشاء، فقلت: فالصحبة. قال: إن أحببتَ ذلك.
فلمَّا كان الليل قال لي: قم، فلبستُ ما يصلحُ للسفر، فأخذ بيدي، وخرجنا من بلخ، فمررنا بقريةٍ لنا، فلقيني رجلٌ من الفلَّاحين، فأوصيتُه ببعض ما أحتاجُ إليه، فقدَّم إلينا خبزًا وبيضًا، وسألنا أن نأكل، فأكلنا، وجاء بماء فشربنا، وقال: بسم الله، قم، فأخذَ بيدي، وجعلنا نسير، وأنا أنظرُ إلى الأرض تجذبُ من تحتنا كأنَّها الموج، فمررنا بمدينة بعد مدينة، فجعل يقول: هذه مدينة كذا، هذه مدينةُ كذا، هذه الكوفة، ثم قال: الموعدُ هاهنا في مكانك هذا في هذا الوقت من الليل، حتَّى إذا كان الوقت من الليل، إذا به قد أقبل، فأخذَ بيدي وقال: بسم الله، وجعل يقول: هذا منزل كذا، هذا منزل كذا، هذه كذا، هذه المدينة، وأنا أنظرُ إلى الأرض تجذبُ من تحتنا كأنَّها الموج، فصرنا إلى قبرِ النبيِّ ﷺ فزرناه، ثمَّ فارقني، وقال: الموعدُ في هذا الوقت من الليل في المصلَّى [حتى إذا كان الوقتُ خرجتُ، فإذا به في المصلَّى] (١)، فأخذ بيدي، وفعلَ كفعله الأول والثاني، حتَّى أتينا مكَّة، ففارقني، فقبضتُ عليه وقلت: الصحبة، فقال: إنِّي أريدُ الشام فقلت: وأنا معك، فقال: إذا انقضى الحجُّ فالموعدُ هنا عند زمزم، حتَّى إذا انقضى الحجُّ إذا به عند زمزم، فأخذ بيدي، فطُفنا بالبيت، ثمَّ خرجنا من مكَّة، ففعل كفعله الأوَّل والثاني والثالث، وإذا نحنُ ببيت المقدس، فقال: السلامُ عليك، أنا عازم على المقام هاهنا إنْ شاء الله تعالى، ثمَّ فارقني، وما رأيتُه بعد ذلك، ولا عرَّفني اسمه.
قال إبراهيم: ورجعتُ إلى بلدي أسيرُ سيرَ الضعفاء منزلًا بعد منزل، حتَّى رجعتُ
стр. 5754
إلى بَلْخ، فكان ذلك أول أمري.
والثالث ذكرهُ ابن خميس في "المناقب" عن أحمد بن عبد الله صاحب إبراهيم بن أدهم قال: كان إبراهيم من أبناء ملوك خراسان، فبينما هو ذات يوم مشرف من قصره، إذ نظر إلى رجل بيده رغيف يأكله في فناء قصره، ثم قام فشرب الماء بكفيه، ثمَّ نام، فوكَّل به إبراهيم غلامًا له وقال: إذا قامَ من نومه فأتني به، فلمَّا استيقظَ الرجل أخذه الموكَّل به، فأدخلَه على إبراهيم، فقال له: أكلت الرغيف وشبعت؟ قال: نعم، قال: وشربتَ من الماء فرويت؟ قال: نعم، فقلت في نفسي: وما أصنع بالدنيا والنفس تقنعُ بهذا؟ فخرجَ إبراهيمُ سائحًا إلى الله تعالى، فلقيَهُ رجلٌ يسيحُ، حسنُ الثياب والوجه، طيِّبُ الرائحة، فقال لإبراهيم: يا غلام من أين؟ قال: من الدنيا إلى الآخرة، فقال: أجائعٌ أنت؟ قال: نعم، فقام الرجلُ فصلَّى ركعتين، وإذا عن يمينه طعام وعن شماله ماء، قال: فقال لي: كل، فأكلت بقدر شبعي، وشربت بقدر ربِي (١)، ثم قال لي الشيخ: اسمع واعقل، ولا تعجل، فإنَّ العجلةَ من الشيطان، ولا تحزن، وإياك والتمرُّد على الله، فإنَّ العبد إذا تمرَّد عليه أورثَه في قلبه ظلمةً وضلالة، وحرمَهُ الرزق، ولا يبالي في أي وادٍ أهلكه الله، يا غلام، إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا جعلَ في قلبه نورًا يفرقُ به بين الحق والباطل، وإني معلِّمُك أمرَ دينك واسم الله الأعظم، فإذا جُعتَ فادع الله به حتَّى يُشبعك، وإذا عطشتَ فادع الله به حتى يرويك، وإذا جالستَ الأخيار فكن لهم أرضًا يطؤوك، فإنَّ الله يغضبُ لغضبِهم ويرضى لرضاهم، يا غلام، خذ كذا حتى آخذ أنا كذا.
قال: فلم أبرح، فقال الشيخ: اللهمَّ احجبه عني واحجبني عنه. قال: فلا أدري أين ذهب، قال: فلقيني رجلٌ، حسن الثياب، حسن الوجه، طيِّبُ الرائحة، فسلَّم علي وقال: لقيتَ في طريقك شيخًا من صفته كذا وكذا؟ قلت: نعم، فبكى، فقلت: أقسمتُ عليك بالله من ذاك الشيخ؟ فقال: أخي إلياس أرسلَهُ الله إليك ليعلِّمَكَ اسمَه الأعظم، قلت: فبالله من أنت؟ قال: أنا الخضرُ، ﵇.
стр. 5755
ذكر طرفٍ من أخباره:
قال أبو نعيم الحافظ: حدثنا الغطريفي، حدثنا إسحاق بن دَيمُهر، حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا بشر بن المنذر قال: كنتُ إذا رأيتُ ابن أدهم كأنَّه ليس فيه روح، لو نفخَتْهُ الريحُ لسقط، قد اسودَّ، متدرع بعباءة (١).
وروى أبو نعيم عن شقيق البلخي قال: قلتُ لإبراهيم: تركتَ مُلْكَ خراسان، فقال: ما تهنَّيت بالعيش إلَّا في بلاد الشام، أفرُّ بديني من شاهقٍ إلى شاهق، أو من جبلٍ إلى جبل، من يراني يقول: موسوس، من يراني يقول: هو حمال (٢).
وروى أبو نعيم بإسناده إلى إبراهيم بن بشار قال: كنت يومًا مارًّا مع إبراهيم بن أدهم في الصحراء، فأتينَا على قبرٍ مسنَّمٍ، فترحَّم عليه وبكى، فقلت: قبر من هذا؟ فقال: قبرُ حميد بن جابر أمير هذه المدن كلِّها، كان غريقًا في بحار الدنيا، فأنقذَه الله منها، ولقد بلغني أنَّهُ سر يومًا بشيء من الملاهي، فنام في مجلسه ذلك مع من يخصُّه مع أهله، فرأى في منامه رجلًا قائمًا على رأسه بيده كتاب، فناولَه إيَّاه، ففتحَه، فإذا فيه مكتوب بالذهب: لا تؤثرنَّ فانيًا على باق، ولا تغترنَّ بملكك وقدرتك وسلطانك، وخدمك وعبيدك، ولذَّاتك وشهواتك، فإنَّ الذي أنت فيه جسيم لولا أنَّك عديم، [وهو ملك] (٣) لولا أنَّ بعدَه هُلك، وهو فرحٌ وسرور لولا أنَّ بعدَه غرور، وهو يوم لو كان يُوثَقُ له بِغَدٍ، وسارع إلى أمر الله تعالى، فإنَّ الله يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فانتبه فزعًا وقال: هذا تنبيهٌ من الله ، وهو موعظة، فخرجَ من ملكه ولم يعلم به، وقصدَ هذا الجبل فتعبَّد فيه، فلمَّا بلغني حديثُه قصدته فسألتُه، فحدثني ببدوِّ أمره، وحدَّثته ببدوِّ أمري، وما زلتُ أقصدُه حتى مات، ودفن هاهنا، فهذا قبرُه رحمه الله تعالى (٤).
وروى أبو نعيم عن ابن بشار عن إبراهيم بن أدهم، وذكر بدايته وأنه سمع نداءً يقول
стр. 5756
له: ما لهذا، ما لهذا خلقت، ولا به أمرت، قال: فوصلتُ إلى العراق، فعملتُ به أيَّامًا، فلم يصفُ في منها، يعني العراق، فسألتُ بعض المشايخ، فقال لي: إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام، فسرتُ إلى مدينةٍ يُقالُ لها: المنصورة، وهي المصيصة، فعملتُ بها أيَّامًا، فلم يصفُ في شيءٌ من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال: إن أردتَ الحلال الصافي فعليك بطَرَسُوس؛ فإنَّ فيها المباحات والعملَ الكثير، فتوجَّهتُ إلى طَرَسُوس، فعملت أيَّامًا انظر البساتين، وأحصدُ مع الحصَّادين، فبينما أنا قاعدٌ على باب البحر جاءني رجلٌ فاكتراني أنظر بستانًا له، فكنتُ فيه أيَّامًا كثيرةً، فإذا بخادمٍ قد أقبلَ ومعه أصحابه، فقعدَ في مجلسه وصاح: يا ناظور، فقلت: هو ذا أنا، فقال: اذهب فأتني بأكبر رمانٍ تقدرُ عليه وأطيبه، فذهبتُ وأتيتُه بأكبر رمان، فأخذ الخادم رمانةً فكسرَها، فوجدَها حامضة، فقال: يا ناظور أنت في بستاننا منذ كذا وكذا، تأكل فاكهتنا ورمانَنا، لا تعرفُ الحلو من الحامض، قال إبراهيم: فقلت: والله ما أكلتُ من فاكهتكَ شيئًا، ولا أعرفُ الحلوَ من الحامض، فقال الخادم لأصحابه: أما تسمعون كلام هذا؟ أتراكَ لو أنَّك إبراهيم بن أدهم، زاد على هذا؟ فانصرف، فلمَّا كان من الغدِ ذكر صفتي في المسجد، فعرفني بعضُ الحاضرين، فجاء الخادم ومعه عنق من الناس، فلمَّا رأيتُهم اختفيتُ خلفَ الشجر، والناسُ داخلون، فاختلطتُ معهم وأنا هارب (١).
وقرأتُ على شيخنا الموفق ﵀ بإسناده عن إبراهيم بن بشار قال: ركبنا البحر مع إبراهيم بن أدهم، فبينما نحنُ نسير بريح طيِّبةٍ، وكانت مراكب كثيرة، فعصفت ريحٌ شديدةٌ على المراكب، فتقطَّعت، وإبراهيمُ ملفوف في عباءةٍ مستلق، فجاء أهلُ المركب إليه، فقالوا: ما ترى ما نحن فيه، وأنت مستلقٍ غير مكترث؟! فجلسَ وهو يقول: لا أفلحَ من لم يكن استعدَّ لمثل هذا اليوم، ثم حرَّك شفتيه، وإذا بهاتفٍ ينادي: من اللُّجَّة تخافون، وفيكم إبراهيمُ بن أدهم، أيُّها الريحُ والبحرُ الهائج، اسكنَا بإذن الله، فسكنَ البحرُ، وذهبت الريح حتى صار البحر كأنه دُفّ، يعني لوحًا من خشب.
وفي رواية أنَّهم لَمَّا قالوا: ما ترى ما نحن فيه من الشدَّة، قال: ليس هذا بشدَّة، إنَّما الشدَّة الحاجة إلى الناس، ثم قال: اللهمَّ قد أريتنَا قدرتك فأرنَا عفوك.
стр. 5757
وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال: مرَّ بعضُ الجند بإبراهيم وهو ينظرُ كرمًا، فقال له: ناولني من هذا العنب، فقال: ما أذنَ في صاحبُه فيه، فقلب السوط وجعل يقنِّعُ رأسَه، وإبراهيمُ يطأطئ رأسَه ويقول: اضرب رأسًا طالما عصى الله، فأعجز الرجل عنه ومضى (١).
وفي رواية: فرآه رجلٌ يَعرِفُ إبراهيم، فقال للجندي: ويحكَ ما الذي صنعت، هذا إبراهيم بن أدهم، ترك ملْكَ خراسان، فنزلَ الجنديُّ عن فرسه، وجاءَ فوقع على قدمي إبراهيم يُقَبِّلهما ويبكي ويعتذر إليه، فقال له إبراهيم بن أدهم: الرأسُ الذي يحتاجُ اعتذارَك تركته ببلخ.
وروى أبو نعيم عن عليِّ بن بكَّار قال: كنَّا جلوسًا يومًا بالمصيصة، وفينا ابن أدهم، فقدم رجلٌ من أهل خراسان، فقال: أيُّكم إبراهيم بن أدهم؟ فقلنا: هذا، فقال: إنَّ إخوتك قد بعثوني إليك، فلمَّا سمع بذكر إخوته قام وأخذ بيده فنحَّاه ناحيةً وقال: ما الذي جاء بك؟ فقال: أنا عبدك، ومعي فرس وبغلة وعشرةُ آلاف درهم، بعثَ بها إليك إخوتك، فقال: إن كنت صادقًا فأنت حرّ، وما معك لك، ولا تخبرن أحدًا، اذهب. فانصرف الرجل (٢).
وحكى ابن باكويه الشيرازي قال: كان إبراهيم بعسقلان جالسًا، فجاء خادم، فلمَّا رآه نزل من فرسه وجعل يقبِّل يدي إبراهيم وقدميه ويبكي، فقال له إبراهيم: ما الذي أقدمَك إلى هاهنا؟ قال: ماتَ بعض مواليك، وقد أتيتُك بميراثه ثلاثين ألف درهم، فقال: ما لكم ولاتِّباعي، فقال الخادم: قد تعنَّيتُ من بلخ إلى هاهنا، فاقبلها مني، فقال: إنْ كان ولا بد، فاقسمها ثلاثة أثلاث، ثلث لك ولعيالك (٣)، وثلث لمساكين بلخ، وثلث لمساكين عسقلان، ففعل الخادم ذلك.
وحكى ابن باكويه أيضًا عن أبي سليمان الداراني قال: صلَّى إبراهيم بن أدهم خمس عشرة صلاةً بوضوءٍ واحد.
стр. 5758
وحكى ابن باكويه عن عبد الله بن الفرج (١) العابد قال: اطَّلعت يومًا على إبراهيم بن أدهم وهو نائمٌ في بستان بالشام، وعندَ رأسه أفعى في فيها طاقةُ نرجس، وهي تروِّحُ عليه.
وحكى القاضي أبو عبد الله الحسين بن نصر بن محمد بن خميس الموصلي في كتاب "مناقب الأبرار" طرفًا من أخبار ابن أدهم، فحكَى عن سهل بن عبد الله (٢) قال: صحبتُ إبراهيم بن أدهم، فمرضت، وكان معه نفقة قد أخذها من نِظَارة البساتين، فأنفقها عليَّ، فنفدت، فاشتهيتُ شهوةً فباع حمارَه، واشترى في ما طلبت، فلمَّا تماثلتُ قلت: أين الحمار؟ قال: بعته، قلت: لم ذاك؟ قال: لأجل حاجتك التي أردت، قلت: فعلامَ أركب؟ قال: عنقي، فحملني ثلاثة منازل.
وفي "المناقب" عن إبراهيم بن بشار قال: أسرينا ليلةً وليس معنا شيء، ولا لنا ما نفطرُ عليه، فرآني حزينًا مهمومًا، فقال: يا ابن بشار، لا تهتمّ، ماذا أنعمَ الله على الفقراء من الراحة في الدنيا والنعيم في الآخرة، وإنما يَسأل ويُحاسِب هؤلاء المساكين، أغنياء في الدنيا فقراء يوم القيامة، أعزَّة في الدنيا أذلَّة في الآخرة، لا تحزن، فرزقُ الله مضمون، وها هو سيأتيك عن قريب، نحن والله الذين تعجَّلنا الراحةَ في الدنيا لا نبالي على أي حالٍ أصبحنا من الدنيا وأمسينا إذا أطعنا الله، ثمَّ قال إلى صلاته، وإذا برجلٍ قد جاء بثمانية أرغفةٍ وتمرٍ كثير، فوضعَه بين أيدينا، وقال: كلوا يرحمكم الله، فسلَّم إبراهيم من صلاته وقال: كل يا مغموم، فدخلَ سائلٌ، فقال: أطعمونا لله، فاعطاهُ ثلاثةَ أرغفة، وأعطاني ثلاثة، وأخذ هو رغيفين، وقال: المواساةُ من أخلاق المؤمنين (٣).
قال: وقال ابن بشار: خرجتُ أنا وإبراهيم وأبو يوسف الغسولي نريدُ الإسكندرية، فمررنا بنهر الأردن، فقعدنَا في مكانٍ نستريحُ، وكان مع أبي يوسف كسيرات يابسة، فألقاها بين أيدينا، فأكلناها وحمدنا الله تعالى، وقام إبراهيم فدخلَ النهرَ فخاضه إلى ركبتيه، ثم سمَّى وشرب بكفيه ثلاثًا حتى روي، ثمّ خرجَ من النهر، فمدَّ رجليه وقعد وقال: لو علم الملوكُ وأبناء الملوك ما نحنُ فيه من لذيذ العيش لجالدونا عليه بالسيوف أيَّام الدنيا، أو أيام الحياة، لا نُسألُ عن حجّ ولا زكاة، قال: فقلت: طلبُوا الراحةَ
стр. 5759
والنعيم، فضلُّوا الطريقَ المستقيم، فنظرَ إليَّ، وتبسَّم وقال: من أين لك هذا الكلام (١)؟
وحكى في "المناقب" أيضًا عن إبراهيم أنَّه كان يقول: ما كانت لي قطُّ مؤنة على أصحابي إلَّا في شيءٍ وإحد، ما كنتُ أحسن أن أكري نفسي من الحصادين، فكانوا يكرونني ويأخذونَ الأجرةَ لهم (٢).
وحَكى أيضًا عن يزيد بن سفيان قال: كان إبراهيمُ قاعدًا شرقي دمشق (٣)، فمرَّ به رجلٌ راكبٌ على بغلة، فقال: يا أبا إسحاق، إنَّ لي إليك لحاجة، قال: وما هي؟ إن أمكنني قضاؤها فعلت، فقال: إنَّ برد الشام لشديد، وإنِّي أريدُ أن أبدِّل ثوبيك هذين بثوبين جديدين، فقال له إبراهيم: إن كنت غنيًّا قبلتُ منك، وإنْ كنتَ فقيرًا لم أقبل منك، فقال: أنا والله كثير المال والضياع والعبيد والتجارات، فقال له إبراهيم: ألا أراكَ تغدو وتروح على بغلتك هذه؟ فقال: أعطي هذا، وآخذ من هذا، فقال له إبراهيم: فأنتَ فقير؛ لأنَّك تبتغي الزيادة، لا أقبلُ منك شيئًا.
وحكى أيضًا في "المناقب" عن إسحاق بن فديك [حدثنا أبي] قال: خرجتُ أنا وإبراهيم نريدُ الغزو، فبينما نحن في الطريق إذ سمعنا جلبةَ، فإذا بإبراهيم بن صالح قد خرج إلى الصيد ومعه البُزاة والشواهين، ومعه الكلاب، ومعه جواريه مرخيات شعورهنَّ، متبرجات، فنظرتُ إليهنَّ، فقال لي إبراهيم: منه يا فديك، لا تنظر إليهنَّ، قذرات يحضن ويبلن ويتغوطن ويهرمن، واعمل للواتي لا يحضنَ ولا يبُلن ولا يهرمْن، عربًا أترابًا، كأنَّهن الياقوت والمرجان، قال: وانتهينا إلى الكروم والأعناب فقال: يا فديك: لا تنظر إلى المقطوع الممنوع، واعمل لغير المقطوع الممنوع، ثم دخلنا إلى صور، ونحن نريدُ الركوب في البحر للغزو، واجتمعنَا خمسةَ نفر، فقلنا: لا بدّ أن يأتيَ كلُّ واحدٍ بدينارين لأجل المركب، فتفرقنا وقصدَ إبراهيمُ خلاءً من الأرض، وصلَّى ركعتين، والتفتُّ فإذا ما
стр. 5760
حولَه ذهب يقد، فأخذَ منه دينارين وقال: لا حاجةَ لي في سواهما (١).
في "المناقب" أيضًا عن إبراهيم بن أدهم قال: كنتُ بالبيت المقدَّس، فبت ليلةً تحت الصخرة، فرأيتُ ملكيت قد نزلا من السماء، فقال أحدُهما للآخر: مَنْ هاهنا؟ فقال: إبراهيم بن أدهم، قال: ذاك الذي حطَّ الله درجة من درجاته، قال: ولم؟ قال: لأنَّه اشترى بالبصرة تمرًا، فوقعت تمرةٌ من تمر البقَّال على تمره، قال إبراهيم: فانتبهتُ فزعًا، وتجهَّزتُ إلى البصرة، واشتريتُ تمرًا من ذلك البقَّال، وألقيتُ على تمره من تمري واحدة، ثمَّ عُدت إلى البيت المقدَّس، فنمتُ تحت الصخرة في ذلك المكان، فلمَّا كان في الليل نزل الملكان، فقال أحدهما لصاحبه: مَنْ هاهنا؟ فقال: إبراهيم بن أدهم. قال: ذاكَ الذي ردَّ الله منزلتَه ورفع درجته؟ قال: نعم (٢).
وحكى في "المناقب" أيضًا عن بقيَّة بن الوليد قال: حدثني إبراهيم بن أدهم قال: تعلَّمتُ المعرفة من راهبٍ يسكنُ ديرَ سمعان (٣)، أُخبِرتُ بصومعتِه، وقلت له: كم لك في هذه الصومعة؟ فقال: منذ سبعين سنة، قلت: فما طعامك؟ فقال: كل ليلة حمصة، قلت: وكيف تقيم صلبك؟ فقال: انظر إلى هذه الأديرة التي حولي، إنَّهم يأتون في السنة إلى صومعتي يومًا واحدًا، يزينونها ويعظمونها ويطوفون حولها، يجعلون ذلك اليوم عيدًا، فكلَّما ضعفت نفسي من الجوع ذكرتُ ذلك اليوم، فتقوى نفسي، فاحتمل أنت يا حنيفي تعبَ الساعة لعزِّ الأبد. قال: فوقرت المعرفةُ في قلبي، ثمَّ قال: اصبر ترى العجب، ثمَّ ألقى إلي عشرين حمصة، وقال: ادخل هذا الدير، وقل: هذه من قُوتِ الراهب، فإنَّهم قد أبصروني حين ألقيتُها إليك، قال: فأخذتُها ودخلتُ الدير، فقالوا: ما هذه؟ قلت: من قوت الراهب، قالوا: وما تصنع بها؟ نحن أحقُّ بها منك، فبعها منَّا، فبعتُ كل حمصة بدينار، ثمَّ رجعتُ إليه فأخبرتُه، فقال: يا حنيفي، أخطأت، لو طلبتَ منهم عشرين ألف دينار لأعطوك، ثم قال: يا حنيفي هذا عزُّ من لا يعبدُه، فكيف عزُّ من يعبده، قال:
стр. 5761
فانصرفتُ وقد حصلت لي أشياء لم تحصل لي قبل ذلك.
وحكى عنه في "المناقب" قال: رأيت في النوم جبريل قد نزلَ إلى الأرض، فقلت له: ما تصنع؟ فقال: أكتب أسامي المحبين، قلت: مثل من؟ قال: مثل مالك بْنِ دينار، وثابت البُناني، وأيوب السختياني، وعدَّ جماعةً، قلت: فهل أنا منهم؟ قال: لا. قال: فاكتبني تحتَهم: محب المحبين، فقال: إنَّ الله قد أمرني أن أكتبَك في أولهم (١).
وحكى ابن باكويه الشيرازي عن إبراهيم بمعناها فقال: دخلتُ البصرة فإذا برجلٍ على باب الجامع يكتبُ شيئًا، قلت: ما تكتب؟ قال: أسامي المحبِّين في هذه البلدة، قال: فقلت: هل أنا منهم؟ قال: لا أدري، قلت: اكتب اسمي تحت أساميهم؛ كتب المحبين، قال: فرأيت الحق في المنام في تلك الليلة، فقال: يا إبراهيم قد غفرتُ لك بمحبَّتك للمحبِّين.
وحكى عنه في "المناقب": لما سررتُ في أسفاري إلَّا ثلاثَ مرات؛ كنتُ في سفينةٍ وفيها رجل مضحاك، فكان يريدُ أن يضحك الجماعة، فيقول: كنَّا نأخذُ العلج من بلاد الترك هكذا، ويأخذُ من شعر لحيتي، ويهزُّ رأسي؛ لأنَّه ما رأى أحقر مني.
والثانية: كنتُ مريضًا في مسجد، فدخلَ المؤذِّنُ فقال: قم واخرج، فلم أقدر على القيام، فجرَّ برجلي وأخرجني من المسجد.
وفي رواية: لَمَّا جرَّ برجلي دخلت شظيَّةٌ من البارِيَّة في عيني فألقاني على بابٍ المسجد، وكانت ليلةً مظلمة، والثلج ينزل، فنمتُ، وقد عاينت (٢) من عيني شدَّة، فرأيت الحق سبحانه في منامي، فقال: يا ابن أدهم أكلُّ هذا فيَّ؟ تمنَّ عليّ؟ فقلت: يا إلهي، اغفر لقيِّم المسجد. يعني حيث كان هو السبب في كوني أراك.
والثالثة: كان عليَّ بالشام فروةٌ، فنظرتُ يومًا، فلم أميِّز بين شعرِ الفروة والقَمْل (٣).
وحكى عن إبراهيم بن بشار قال: كنَّا إذا سافرنا مع إبراهيم بن أدهم نأخذُ الرُّطَبَ من شجر البلوط (٤).
стр. 5762
وحكى أيضًا في "المناقب" عن محمد بن المبارك الصوريّ قال: كنتُ مع إبراهيم في طريق بيت المقدس، فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرةِ رمَّان، فسمعتُ صوتًا من الشجرة يقول: يا أبا إسحاق، أكرمنا بأن تأكلَ منَّا شيئًا، فطأطا إبراهيمُ رأسَه، فعاد ذلك الصوتُ ثانيًا وثالثًا، ثم ناداني الصوتُ: يا محمد، كن شفيعنا إليه ليتناول منَّا شيئًا، فقلت: يا أبا إسحاق قد سمعت، فقام ثمَّ أخذ رمَّانتين، فأعطاني واحدة، وأخذ هو واحدة، فأكلتُها وهي حامضة، فكانت شجرةً قصيرةً، فلمَّا عُدنا من الزيارة إذا بها قد طالت وارتفعت، وحسنت وحلا رمانها، وصارت تحملُ في كلِّ سنةٍ مرتين، فكانوا يسمونها شجرة العارفين (١).
وحكى في "المناقب" عن حذيفة المرعشي قال: صحبتُ إبراهيم بن أدهم في طريق مكة وكان يصلِّي عند كل ميلٍ ركعتين، ثمَّ دخلنا الكوفة، فأوينَا إلى مسجد خراب، فنظر إليَّ وقال: يا حذيفة، أرى بك أثرَ الجوع؟ قلت: نعم. فقال: ائتني بدواةٍ وبياض، فأتيتُه بها، فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أنتَ المقصودُ بكلِّ حال، والمشارُ إليه بكلِّ معنى، وكتب هذه الأبيات: [من الكامل]
أنا حامدٌ أنا ذاكرٌ أنا شاكر … أنا جائع أنا قانعٌ أنا عارِي
هي ستةٌ وأنا الضمينُ لنصفها … فكن الضمينَ لنصفِها يا جارِي
مدحِي لغيرِكَ لَهْبُ نارٍ خضتها (٢) … فأجز عبيدَك من دخولِ النارِ
ثم دفع إليَّ الورقةَ وقال: لا تعلِّق سرَّكَ بغير الله، واخرج فنَاولها أولَ من تلقاه، قال: فخرجتُ وإذا برجلٍ راكب على بغلة، فناولتُه إيَّاها، فقرأها وبكى وقال: أين صاحب هذه الرقعة؟ قلتُ: في المسجد الفلاني، فأخرجَ صُرَّةً من كمِّه فيها دنانير كثيرة، فدفعَها إليَّ (٣)، فجئتُ إلى إبراهيم فأخبرته، فقال: لا تمسّها فالساعة يأتي، فما كان بأسرع من أن أتى الرجل، فدخلَ المسجد، فقبَّل قدمَي إبراهيم وبكى وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحَسُنَ إسلامُه، وأنفقَ ماله على الفقراء، وكان رئيسَ البلد، وصحب إبراهيم بن أدهم (٤).
стр. 5763
وحكى في "المناقب" عن أبي عمير بن عبد الباقي قال: حصدَ إبراهيمُ بأذنة بعشرين دينارًا، فدخل أذنة ومعه صاحبٌ له، فأراد إبراهيم أن يحلقَ رأسه ويحتجم، فجاء إلى الحجام، فجلسَ بين يديه، فلما رآه الحجام حقره وقال: ما في الدنيا أبغضُ إلي من هؤلاء، ما وجدوا غيري، فحلق رأسَ جماعة وحجمهم، وتهاون بإبراهيم وصاحبه، وإبراهيم ساكت، فلمَّا لم يبق عنده أحد التفتَ إليهما وقال: ما تريدان مني؟ فقال إبراهيم: أحتجم وأحلق رأسي، وقال صاحبه: أمَّا أنا فلا أحتجمُ ولا أحلق رأسي؛ مِمَّا رأى من تهاونِ الحجَّام بهما، فحجمَ إبراهيم وحلقَه، فلمَّا فرغَ قال لصاحبه: ادفع إليه الدنانير، فقال له: حصدت وتعبتَ في الحر، وتعطي هذا الجلف (١) الجافي الذي أهاننا وفعل بنا ما فعل عشرين دينارًا؟ فقال له إبراهيم: اسكت، تركتُه لا يحتقرُ أحدًا من الفقراء بعدها.
ثم دخل طَرَسُوس، فقال لصاحبه: خذ من هذه الكتب فارهنها على ما نأكل، فخرجَ صاحبه، وإذا بخادمين بين أيديهما جَمَّازات وخيلٌ وبغال، عليها صناديق فيها أقمشةٌ وستون ألف دينار، وخادم يقول: الذي أبغيه أشقر أحمر، يقال له: إبراهيم بن أدهم، فدلَّه صاحبه عليه، فلمَّا رآه بكى وقال: صرتَ حصَّادًا بعد ملك خراسان، حتى أفضى بك الحال إلى هذا؟! فقال له إبراهيم: ما وراءك؟ فقال: مات الشيخ والدك، فقال له إبراهيم: موته يأتي على كل ما أتيتَ به، فما الذي تريد؟ فقال. أنا عبدك، ولَمَّا مات الشيخ ركب كل واحدٍ من إخوتك هواه، وأخذَ كلُّ واحدٍ من المملكة ما قدر عليه، وأخذت أنا ما ترى، وجئتُ أقيمُ عندكَ في الثغر بعد أن سألتُ العلماء، فقالوا: ما يقبل الله منك صرفًا ولا عدلًا، حتَّى ترجعَ إلى مولاك فيحكم فيك، وفيما معك بما أحب، فقال له إبراهيم: إن كنت صادقًا فأنت حرٌّ لوجه الله، وكلُّ ما معك فهو لك، قم واخرج عنِّي، ثمَّ التفتَ إلى صاحبه فقال: رهنت تلك الكتيبات؟ فقال: نعم. فأخضَرَ ما رَهنَها عليه، فأكل.
وحكى في "المناقب" عن إبراهيم بن أدهم أنَّه قال: بتُّ (٢) ليلةً في المسجد الحرام،
стр. 5764
وكانت ليلةً مطيرةً مظلمة قد خلا الطواف، وطابت نفسي، فوقفت عند الملتزم وقلت: اللهمَّ اعصمني حتَّى لا أعصيك، فهتف بي هاتفٌ: يا إبراهيم، أنت تسألُني العصمةَ، وكلُّ عبادي يسألونها، فإذا عصمتكم، فعلى من أتفضَّل، ولمن أغفر؟ فبتُّ ليلتي أستغفرُ الله إلى الصباح حياءً من الله تعالى.
وحكى ابن باكويه الشيرازيّ عن شقيق البلخي قال: قال لي إبراهيم: إنَّه لم ينبُل عندهم أو عندنا من نبل بحجٍّ ولا جهاد، إنَّما نُبْلُ من نَبُل من كان يعقلُ ما يدخلُ جوفه، يعني الرغيفين. يا شقيق، ماذا أنعمَ الله على الفقراء، فبكى شقيق وقال: أتعجَّبُ من سماءٍ يسقي غيثُها بلدًا ظَعَنتَ منه، وبؤسًا لقوم أنت فيهم كيف لا يستسقونَ بك.
وكان شقيق يأخذُ كفَّ إبراهيم ويقبِّلُها ويرفعُها إلى السماء ويقول: بحرمةِ صاحب هذا الكف عندك، وبالسرِّ الذي وجدَه منك، جُد على عبدك الفقير بفضلك، وإنْ لم يستحقَ ذلك.
وحكى جعفر بن أحمد السراج عن إبراهيم قال: طابَ قلبي يومًا مع الله تعالى، وتذكرتُ حسنَ صنيعة ربِّي، فقلت: إلهي إن كنتَ أعطيتَ أحدًا من المحبين لك (١) ما تسكنُ به قلوبهم قبل لقائِكَ، فأعطني، فقد أضرَّ بي القلق، قال: فرأيتُ الحقَّ في منامي، فقال: يا إبراهيم، أما استحييت منّي تسألُني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي؟ وهل يسكنُ قلبُ المحبِّ إلى غير حبيبه؟ أم هل يستريحُ المشتاقُ إلا إلى من اشتاقَ إليه؟ فقلت: يا رب، تهتُ في حبِّك، فما أدري ما أقول.
وحكى ابن أبي الدنيا عن خلف بن تميم قال: كنتُ مع إبراهيم في سفر، فقطعَ السبعُ الطريقَ على القافلة، فقال الناس: يا أبا إسحاق، الأسد، فجاء إليه فقال: يا أبا الحارث، إن كنتَ أُمرتَ فينا بشيءٍ فامض إلى ما أُمرتَ به، وإلا فتنحّ عن الطريق، فولَّى الأسد وهو يُهمهم.
وحكى عن شعيب بن حرب قال: خرجتُ من الكوفة مع سفيان الثوريّ نريدُ زيارة إبراهيم بن أدهم، ولم نطعم قبلَ ذلك بثلاثة أيام، فسألنا عن إبراهيم، فدلُّونا عليه، فأتيناه وهو بالمصيصة في الجامع في مشرفةٍ، ورأسُه في ريقه (٢)، فحركته وقلت:
стр. 5765
أخوك سفيان جاء إلى زيارتك، فقام وسلَّم عليه واعتنقا وجلسا يتذاكران، ثمَّ قام وقمنا معه، فأكرينا نفوسَنا في الحصاد؛ كلُّ واحدٍ بدرهم، وأكرى إبراهيمُ نفسه بثلثي درهم، فلما كان عند المساء قال سفيان: امضِ واشتر لنا ما نفطرُ عليه، قال: فاشتريتُ لهم طعامًا، فلمَّا صلَينا العشاء قال سفيان لإبراهيم: كل، فقال إبراهيم: لا، بل أنت كل، فأنت أعلمُ منِّي وأكبر فما أتقدمك، فقال سفيان: إنَّا قد حصدنا وأجهدنَا أنفسنا، فقال إبراهيم: فهل تضمنُ أنَّا نصحناه؟ (١) فقال سفيان: لا أدري، فقال إبراهيم: لا حاجةَ في فيه، فقال سفيان: ولا أنا أرغبُ فيما زهدتَ فيه، فتصدَّقنا بالطعام، وبتنَا طاويين.
وحكى ابنُ باكويه الشيرازي عن ابن بشار قال: حدَّثني إبراهيم بن أدهم قال: مررتُ في بعض بلادِ الشام في بعض الجبال، وإذا بحجرٍ مكتوب عليه نقشٌ بالعربية بَيِّن: [من مجزوء الخفيف]
كلُّ حيٍّ وإن بقي … فمنَ العمرِ يستقِي
فاعمل اليوم واجتهد … واحذر الموتَ يا شقِي
فبينا أنا واقفٌ أقرأ وأبكي إذ أتاني رجلٌ أشعث أغبر، عليه مِدرَعَةٌ من شعر، فسلَّم عليَّ فرددتُ عليه، فقال: ما يبكيك؟ قلت: قرأتُ هذين البيتين فبكيت، فقال: وأنت لا تتعظ حتى توعظ؟ سر معي حتى أريك غيره، فمضيتُ معه غير بعيد وإذا بصخرةٍ عظيمةٍ شبه المحراب، فقال: اقرأ وابك ولا تقصر، ثمَّ قام يصلِّي وتركني، وإذا في أعلاها نقش عربي. [من الكامل]
لا تبتغي جاهًا وجاهُك ساقطٌ … عند المليكِ وكنْ لجاهكَ مصلحا
وفي الجانب الأيمن مكتوب: [من مجزوء البسيط]
من لم يثق بالقضاءِ والقدر … لاقى أمورًا كثيرةَ الضرر
وعلى الجانب الأيسر مكتوب:
ما أزين التُّقى وأقبحَ (٢) الخنا، وكل مأخوذٌ بما جنى، وعند الله الجزاء.
стр. 5766
وفي أسفلها مكتوب: [من مجزوء الخفيف]
إنما الفوزُ والغنى … في تقى الله والعملْ
ثم التفتُّ فلم أره، فلا أدري مضَى أو حُجِب عني.
وحكى ابن باكويه عن ابن بشار قال: سمعتُ إبراهيم ينشد: [من البسيط]
أرى أناسًا بأدنى الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضُوا بالعيشةِ الدونِ
فاستغنِ بالله عن دنيا الملوكِ كما … استغنى الملوك بدنياهُم عن الدِّينِ
ذكر نبذةٍ من كلامه:
حكى في "المناقب" عن ابن بشار قال: دخلتُ على إبراهيم وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: بؤسًا لأهل النار، لو نظروا إلى زوَّارِ الرحمن، وقد حُمِلوا على نجائب مرحَّلة بالدرِّ والياقوت والمرجان، يزفُّون إلى الله زفَّا، وقد نُصبت لهم المنابر، ووُضعت لهم الكراسي، وأقبلَ عليهم الجليل بوجهِه الكريم يقول: إليَّ إليَّ يا عبادي المطيعين، إليَّ إليَّ يا أوليائي المشتاقين، إليَّ إليَّ يا أحبائي المقرَّبين وأصفيائي الصادقين، ها أنا ذا فاعرفوني، من كان منكم مشتاقًا فليتمتَّع بالنظر إلى وجهي، فوعزَّتي وجلالي لأفرحنكم بجِواري، ولأونسنَّكم بقربي، ولأبيحنَّكم دارَ كرامتي، من الغرفات تشرفون، وعلى الأسرَّة تتكئون، مقيمون لا تظعنون، آمنينَ لا تخافون ولا تحزنون، تصحُّون لا تسقمُون، وللنعيم لا تسأمون، كلُوا واشربُوا هنيئًا بما كنتم تعملون (١).
وقال ابن بشار: سُئِل إبراهيم: لم حُجِبت القلوبُ عن علَّام الغيوب؟ فقال: لأنَّها أحبَّت ما أبغضَ الله، وآثرت دارَ الغرور، وتركتِ العملَ لدار فيها حياةُ الأبد في نعيم لا يزول ولا ينفد.
قال: وقال: من ذلَّل نفسَه رفعَه مولاه، ومن اتَّقاه وقاه، ومن أطاعه نجَّاه، ومن أقبل عليه أرضَاه، ومن توكَّل عليه كفاه، ومن سألَه أعطاه، ومن شَكرهُ جازاه.
قال: وقيل له: أنت عبدٌ؟ قال: نعم، قال: لمن؟ فلمَّا أراد أن يقول غُشي عليه، فلمَّا أفاق قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ الآية [مريم: ٩٣].
стр. 5767
وقال ابن بشار: سمعتُ إبراهيم بن أدهم يقول: ليسَ من علامة المحبَّة أن نحبَّ ما أبغضَ حبيبُنا، إنَّ مولانا ذمَّ الدنيا فمدحناها، وزهَّدنا فيها فآثرنَاها، ونهانا عنها فطلبنَاها، دعتكُم دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، تتقلَّبون في شهواتها، وتتلوَّثون بتبِعاتها [تبنون] بالغفلة مساكنَها، وتعمرونَ بها مواطنها، أتطمعونَ في مجاورةِ الحقّ سبحانَه في دارِه التي دَوَّرها لأوليائه، وتأملون أن تحطُّوا رحالكم في منازل قربه، وأنتم غرقَى في بحار الدنيا، قتلى بسيوف الطمع والهوى، مِنْ جَفعِها ما تشبعون، ومن التنافسِ عليها ما تملُّون (١).
وقال: أطبْ مطعمَك، ولا عليك أنْ [لا] (٢) تقومَ الليل وتصومَ النهار.
وقال ابنُ بشار: وقال له رجل: أوصني، فقال: اعلم أنَّك لن تنال درجةَ القوم حتى تجوز ستَّ عقاب: تُغلق باب النعمة، وتفتح باب الشدَّة، وتُغلق باب العز، وتفتح باب الذلّ، وتغلق باب الرَّاحة، وتفتح باب الجهد والعناء، وتغلق باب النوم، وتفتح باب السهر، وتغلق باب الغنى، وتفتح باب الفقر، وتغلق باب الأمل، وتفتح باب الاستعداد للأجل (٣).
قال: ومرَّ إبراهيمُ بسوق البصرة، فقام إليه النالس فقالوا: يا أبا إسحاق، اللهُ تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ونحن ندعوه فلا يستجاب لنا، فقال: قد ماتت قلوبكم بعشرة أشياء:
أحدها: أنَّكم ادعيتم معرفةَ الله ولم تؤدُّوا حقَّه.
والثاني: قرأتم كتابه ولم تعملوا به.
والثالث: ادَّعيتُم طاعةَ رسوله (٤)، وتركتم سنته.
والرابع: أنَّكم ادعيتم عداوة الشيطان، ووافقتموه.
والخامس: أنَّكم تيقنتم الجنَّة، ولم تعملوا لها.
стр. 5768
والسادس: ادَّعيتم أنَّكم تخافونَ من النار، وألقيتم نفوسَكم فيها.
والسابع: علمتم أنَّ الموتَ حقّ، ولم تستعدوا له.
والثامن: اشتغلتُم بعيوب إخوانكم، ونبذتم عيوبَ أنفسكم.
والتاسع: أكلتُم نعمةَ ربكم، ولم تشكروه.
والعاشر: دفنتُم موتاكم ولم تعتبروا.
وقال ابن بشار: كان إبراهيمُ يتمثل دائمًا بهذين البيتين: [من البسيط]
ولقمةٌ بجريشِ الملح آكلها … ألذ من تمرة تُحشَى بزنبُورِ (١)
كم لقمةٍ جلبتْ حتفًا لصاحِبِها … كحبَّةِ القمحِ دَقَّت عُنْقَ عصفورِ
قال: وقال: إن أدمنتَ النظرَ في مرآة التوبة بانَ لك قبيحُ المعصية.
قال: وقال: من أحبَّ أن يكونَ وليًّا لله فليدعِ الدُّنيا والآخرة.
وكتب إليه الأوزاعيُّ: إنِّي أريدُ أن أصحبَك، فكتبَ إليه إبراهيم: الطيرُ إذا طارَ مع غير شكلِه من الطيور طار وتركه.
قال: وقال: إن الصائمَ القائمَ الحاجَّ المعتمر مَنْ أغنى نفسَه عن الناس.
قال: وقال: أعربنَا الكلامَ فما نلحن، ولحنَّا في الأعمالِ فما نُعرِب.
قال: وقيل له: اللحمُ قد غلا، فقال: أرخصُوه.
وصحبَه رجل، فلمَّا أراد أن يفارقَه قال له: يا أبا إسحاق، هل وجدتَ فيَّ عيبًا؟ فقال له إبراهيم: إنِّي لحظتُك بعين الوداد، فاستحسنتُ كلَّ ما بدا منك، فسل غيري عن عيبك.
ذكر وفاته:
واختلفوا فيها فقال الواقدي: مات سنة ستين ومئة، وقال البخاريُّ: سنة إحدى وستين ومئة.
واختلفوا في أيِّ مكانٍ توفي، فروى الحافظُ ابن عساكر عن أبي عبد الله الجُوْزَجاني رفيق إبراهيم بن أدهم قال: مرضَ ونحن في بعض الجزائر، فقال: أروني القوسَ،
стр. 5769
فقبضَ عليها ومات، فدفنَّاه في بعض جزائر البحر في الروم (١).
قال: وقال البخاري: دُفِنَ في بلاد الروم عند حصن يقال له: سوس (٢).
قال: وقال الربيع بن نافع: دفَن بساحل البحر، وقيل: إنه توفي بجزيرةٍ من جزائر البحر، وحمل إلى صور، فدفن بمكانٍ يقال له: مدفلة.
قلت: وقد رأيتُ بجبلة قبرًا يقال: إنَّه قبرُه، وهو ظاهرٌ يزار.
أسند إبراهيم عن قتادة وأبي إسحاق السبيعي، وأبي حازم، والثوريّ، والفضيل بن عياض، ومالك بن أنس (٣)، ومالك بن دينار، والأعمش، ومقاتل بن حيَّان وغيرهم، وإنما قلَّت روايات ابن أدهم؛ لأنَّه شغلته العبادةُ وطلبُه الحلال، والتدقيقُ في باب الورع عن ذلك.
ومن رواياتِه عن قتادة قال: بلغني أنَّه كان في بني إسرائيل رجلٌ ذبحَ عجلًا بين يدي أمِّه، فأيبسَ الله يده، فبينما هو ذات يومٍ جالسٌ إذ سقط فرخٌ من وكره وهو يبصبص إلى أبويه، وهما يبصبصان (٤) عليه، فأخذَه فردَّه إلى وكره رحمةً له، فرحمه الله، وردَّ عليه يديه (٥) رحمةً له بما صنع.
وقال الحافظ ابن عساكر: روي عن الشافعيِّ أنَّه قال: كان سفيان معجبًا بإبراهيم بن أدهم، وكان إذا ذكره قال: أجاعتهم الدنيا فجاعوا، وخافُوا من النار فأمنوا، ثم ينشدُ يقول: [من الطويل]
أجاعتهم الدُّنيا فجاعُوا ولم يَزلْ … كذاك أخو التَّقوى عن العيش مُلْجَما
أخو طيّئ داود منهم ومسعر … ومنهم وهيبٌ والغريب (٦) ابن أدهمَا
أولئك أصحابي وأهلُ مودَّتي … فصلَّى عليهم ذو الجلال وسلَّما
انتهت ترجمته رحمة الله عليه.
стр. 5770
الحسن بن عجلان
أبو سعيد الجُفْري، أحدُ الأبدال.
رَوى أبو نعيم عن أبي عمران التمَّار قال: غدوتُ ليلةً قبل الفجر إلى مسجد الجُفْري، وإذا باب المسجد مغلق، وسمعتُ ضجَّةً في المسجد وجماعةً يؤمنون على دعائه، ثم هدأت الضجَّة، وفَتحَ الباب، فدخلتُ فلم أر أحدًا، فلما طلعَ الفجر وصلَّى بالناس وتفرَّقوا، قلت له: يا أبا سعيد، إني رأيت عجبًا، وسمعت عجبًا، فقال: ما رأيت وما سمعت؟ فأخبرته قال: أولئك جنُّ نصيبين يأتون إلى هاهنا، فيشهدون ختمَ القرآن في كل ليلة جمعة (١).
وروى الحسن عن أبي الزبير وثابت البُناني وغيرهما (٢).
زمعة بنُ صالح المكِيّ
من الطبقة الرابعة من أهل مكَّة، وكان من العبَّاد.
قال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى القاسم بن راشد الشيباني قال: كان زمعةُ عندنا نازلًا، وكان له أهل وبنات، وكان يقومُ الليل فيصلِّي ليلًا طويلًا، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته:
يا أيها الركب المعرسون … أكل هذا الليل ترقدون
ألا تقومون فترحلون
قال: فيتواثب الناس من كلِّ ناحيةٍ، فمن هنا باك، ومن هنا داع، ومن هنا قارئ، ومن هنا متوضِّئ، فإذا طلعَ الصباح نادى بأعلى صوته: [من الرجز]
عند الصباحِ يَحمدُ القومُ السُّرى (٣)
أسندَ زمعةُ عن ابنِ طاوس وغيره، ورَوى عنه وكيع (٤).
стр. 5771
شعبةُ بن الحجاج بن ورد
ولد بواسط سنة ثلاثٍ وثمانين، ونشأ بها، ثمَّ انتقلَ إلى البصرة.
ذكرهُ ابنُ سعد في الطبقة الخامسة من أهل البصرة وقال: هو من الأزد، وكان شعبة أكبر من سفيان بعشر سنين، وكان ثقةً مأمونًا، صاحب حديث، وهو من الأزد، مولى للأَشاقر مولى عِتَاقة، ويكنى أبا بسطام، وتوفي شعبة في سنة ستين ومئة بالبصرة، وهو ابنُ خمس وسبعين سنة.
قال: وقالت لي أمي: ها هنا امرأةٌ تحدِّثُ عن عائشة، فاذهبْ فاسمع منها، فذهبت فسمعتُ منها. وهذا قول ابن سعد (١).
وذكره الخطيب فقال: شعبةُ بن الحجاج العتكيُّ مولاهم، واسطيّ الأصل، بصريُّ الدار.
كان يصوم الدهر، ولقد عبدَ الله حتى جفَّ جلده على عظمه (٢).
وكان المهديُّ يحترمُه، وسمع منه أحاديث.
قال: وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلتُ على شعبة في وقتٍ قطّ إلَّا رأيتُه يصلي.
قال: وكانت ثيابُه تساوي عشرةَ دراهم، إزارُه وقميصُه ورداؤه، وكان كثيرَ الصدقة (٣).
وقال الخطيب عن قُراد أبي نوح قال: رأى عليَّ شعبةُ قميصًا فقال: بكم اشتريتَ هذا؟ قلت: بثمانية دراهم، فقال: هلَّا اشتريت قميصًا بأربعة دراهم، وتصدَّقت بأربعة (٤).
وقال الأصمعيُّ: كان زاهدًا عابدًا عالمًا، لم يكن في زمانه أعلمَ منه بأشعار العرب.
وقال الخطيب: وهبَ المهديُّ لشعبةَ ثلاثين ألف درهم، فقسمها، وأقطعَهُ ألفَ
стр. 5772
جَريب بالبَصرة، فلم يجد شيئًا يطيبُ منها، فتركَها (١).
وقال الخطيب: قدم شعبةُ بغداد مرتين، وحدَّث بها، وكان قدومُه إليها بسبب أخٍ له حُبِس بدَين كان عليه، فقال سفيان الثوري: هو ذا شعبة قد جاء إليهم، فبلغ شعبة فقال: هو لم يحبس أخوه، وأمروا له بشيءٍ فلم يأخذه حتى مات (٢).
وكان الثوري يقول: شعبةُ أستاذنا، وهو أميرُ المؤمنين الصغير في الحديث.
فقال الخطيب: خرجَ الليثُ بن سعد يومًا، فقوَّموا ثيابَه ودابَّته وخاتمَه وما كان عليه بثمانية عشر درهمًا درهم إلى عشرين ألفًا (٣)، وخرج شعبة يومًا، فقوَّموا ثيابه وحماره وسرجَه ولجامَه ستَّةَ عشر درهمًا (٤).
قال: وكان شعبة يسمَّى إمامَ المتقين (٥).
وقال الثوريّ: ما رأيتُ أورعَ من شعبة، كان إذا شكَّ في الحديث تركه.
وقال ابن المبارك: كنتُ عند سفيان الثوري، فجاءه نعيُ شعبة، فقاك: اليوم مات الحديث (٦).
عبد الرحمن بن عبد الله
ابن عُتبة بن عبد الله بن مَسْعود الهُذَليّ.
ذكره ابنُ سعد في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة، قال: ويقال له: المَسْعوديّ.
ماتَ ببغداد، وكان كثيرَ الحديث، إلا أنَّه اختلطَ في آخر زمانه (٧).
* * *
стр. 5773
السنة الحادية والستون بعد المئة
فيها خرجَ المقنَّع الخارجي بخراسان -واسمه حكيم- بقريةٍ من قرى مرو، وكان يقولُ بتناسخ الأرواح، فاستغوَى خلقًا كثيرًا، واستفحلَ أمرُه، وسار إلى ما وراء النهر، فبعثَ المهديُّ لقتاله جماعةً من القوَّاد، فيهم معاذ بن مسلم، وكان على خراسان، وعقبة بن مسلم، وجبريل بن يحيى، وليث مولى المهدي، وقدَّم المهدي سعيدَ الحَرَشيّ على الجميع، فتحصَّن المقنَّع بقلعة بِكَشٍّ، وعنده ما يحتاجُ إليه من الميرةِ والطعام.
وفيها أمر المهديُّ ببناء القصور التي كانت بطريق مكَّة في القادسية وزُبالة وغيرهما، وأقام المنار، واتخذَ المصانعَ في كل منهل، وجدَّد البرك، وحفر الركايا، وولَّى ذلك أبا موسى بن موسى وأخاه.
وأمرَ المهديُّ ببناء (١) جامع البصرة، وزادَ فيه مِمَّا يلي القبلة، وعن يمينه ممَّا يلي رَحبة بني سُليم، وولّى عمارةَ ذلك محمد بن سليمان، وهو يومئذٍ والي البصرة.
وفيها أمرَ المهديُّ بنزعِ المقاصير من مساجد الجماعات، وتقصيرِ المنابر، وتصييرها إلى المقدارِ الذي كان عليه منبرُ رسول الله ﷺ ، وكتبَ بذلك إلى الآفاق، فعَمِلوا به.
وفيها زاد المهدي في المسجد الحرام ومسجد المدينة.
وحجَّ بالناس موسى بن المهدي، وهو وليُّ عهد أبيه.
وكان العامل على مكَّة والطائف واليمامة جعفر بن سليمان، وعلى اليمن علي بن سليمان، وعلى الكوفة إسحاق بن الصبَّاح (٢).
وفيها توفي
أبو دُلامة
الشاعر الكوفي، مولى بني أسد.
стр. 5774
واختلفوا في اسمه، والمشهور زند بنون، وأبوه اسمه الجون. وقيل: اسم أبي دلامة زيد، بباء (١).
وكان عبدًا مولدًا حبشيًّا، [لرجل] (٢) من أهل الرقة، يقال له قُصاقص بن لاحق الأسدي.
وكان فصيحًا خليعًا ماجنًا، ولم يكن له في دولة بني أمية ذكرٌ، فلمَّا ظهرت دولة بني العباس انقطعَ إلى أبي العباس وأبي جعفر والمهدي، فكانوا يقدِّمونَه ويستظرفون نوادره.
ذكر طرف من أخباره:
روى الخطيب عن الأصمعي قال: أمر المنصور أبا دُلَامة بالخروج نحو عبد الله بن علي، فقال له أبو دُلامة: نشدتُك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني في شيءٍ من عساكرك، فإني شهدتُ تسعة عساكر انهزمت كلُّها، وأخاف أن يكون عسكرك العاشر، فضحكَ منه وأعفاه (٣).
وحكى الخطيب عن العتَّابي قال: دخل أبو دُلامة على المهديّ، فطلب منه كلبًا للصيد، فأمر له به، فقال: وأين قائده؟ فأعطاه، قال: وأينَ الجاريةُ التي تطبخُ الصيد، فأمر له بها، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أقطعني ضيعة أعيشُ فيها، فقال: قد أقطعتُك مئة جريب من العامر، ومئةً من الغامر، قال: وما الغامر؟ قال: الخراب الذي لا يُنبت. قال أبو دلامة: فقد أقطعتُ أميرَ المؤمنين خمسَ مئة جريب من الغامر من أرض بني أسد، ثم قال له المهديّ: هل بقيت لك حاجة؟ قال: نعم، تأذنُ لي في تقبيلِ يدلّ، قال: ما إلى ذلك سبيل، فقال: والله ما رددتني عن حاجةٍ أهونَ فقدًا عليَّ منها (٤).
وفي رواية: ما على عيالي أيسرَ من ترك هذه الحاجة.
стр. 5775
وحكى الأصمعي قال: كساه أبو جعفر ساجًا، فشرب ليلةً فسكر، وخرجَ فأخذه العسس، فجاذبوه فخرَّقوا الساج، وكتبَ صاحب العسس إلى المنصور فأخبره فقال: احبسه في بيت الدجاج لتصغرَ نفسه عنده، فحبسَه فيه، فلمَّا كان في بعض الليل صحا فنادى جاريتَه، فشتمَه السجَّان، فلمَّا رأى نفسَه في بيت الدجاج قال للسجَّان: ويحك من أدخلني هاهنا؟ فقال: أعمالك الخبيثة، فقال: ائتني بدواة وبياض، فأتاه بها، فكتبَ: [من الوافر]
أمن صهباءَ صافيةِ المزاجِ … كأنَّ شُعاعها لهب السِّراجِ
تهشُّ لها القلوب وتشتهيها … إذا برزت تَرَقْرَقُ في الزُّجَاج
وقد طُبِخت بنار الله حتَّى … لقد صارت من النُّطَفِ النِّضَاجِ
أميرَ المؤمنين فدتكَ نفسي … علامَ حبستني وخَرَقْتَ ساجِي
أُقادُ إلى السُّجون بغير ذنبٍ … كأنِّي بعض عُمَّال الخراجِ
ولو معهم حُبِستُ لهان وجدي … ولكنِّي حُبِستُ مع الدَّجَاجِ
دجاجات يطيفُ بهنَّ ديك … يُناجي بالصياح إذا يناجِي
وقد كانت تخبِّرُني ذُنوبي … بأنِّي من عذابِك غيرُ ناجِ
على أنِّي وإنْ لاقيتُ شرًّا … لخيرِك بعدَ ذاكَ الشرِّ راجِي
وقال للسجَّان: أوصل هذه إلى أمير المؤمنين ولك صلة، فأوصلَها إلى المنصور، فقرأَها وأمر بإحضاره، فقال: أين بتَّ البارحة؟ قال: مع الدجاج، فقال: ما كنتَ تصنع، فقال: بتُّ أقوقي معهنَّ إلى الصباح، فقال: لعلك بِضْتَ شيئًا من البيض؟ فقال: نعم اثنتان، فضحك واستتابه، ووصلَه (١).
وقيل: إنَّ هذه الواقعةَ جرت لأبي دُلامة مع المهدي، وأن المهديَّ أمرَ بتخريق ساجه، ولهنا قال: وخرقتَ ساجي (٢).
وقال الأصمعي: كان أبو دلامة قليل الصلاة مدمنًا على شربِ الخمر، فألزمَه أبو جعفر المنصور الصلوات، ومنعَه من الشُرب، وحبسَه في قصره، فقال ينشد هذه الأبيات: [من الطويل]
стр. 5776
ألم تريا (١) أنَّ الإمامَ أقامني (٢) … بمسجدِه والقصرِ ما لي وللقصرِ
يكلِّفني الأولى جميعًا وعَصرها … فويلي من الأُولى وويلي من العصرِ
ويمنعني عن مجلسٍ أستلذُّه … وأكرمُ فيه بالسماعِ وبالخمرِ
وما ضرَّهُ والله يغفر ذنبه … لو أنَّ ذنوبَ العالمينَ على ظهْرِي
وبعثَ بها إلى أبي جعفر فقرأها وقال: قاتلَه الله، يحملُ ما أراد، دعوه.
وحكى الأصمعيُّ أيضًا قال: دخلَ أبو دلامة يومًا على المهدي في خلافته وهو يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: ماتت أم دُلامة، فاغتمَّ المهدي، وأعطاه أربعة آلاف درهم وثيابًا برسم الكفن، فخرجَ من عنده، وقال لامرأته: قومي فادخلي على الخيزران، وقولي لها: مات أبو دُلامة، ففعلت، فأعطتها مثلَ ما أعطاه المهدي، واتَّفق دخولُ المهدي على الخيزران، فعزَّته في أبي دلامة، فقال: الساعة خرجَ من عندي وأخبرني بموتِ امرأته، وأعطيته كذا وكذا، فقالت: والساعةَ كانت عندي امرأتُه، وأخبرت أنَّه مات، وأعطيتُها كذا وكذا، فقال المهدي: عملونا (٣) والله، فلما كان بعد يومين دخلَ على المهديّ فقال له: يا أبا دُلامة أحياةٌ بعد الموت؟ فقال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] فضحكَ المهديُّ ولم يقل شيئًا.
وقال الهيثم بن عديّ: دخل أبو دلامة على أبي جعفر فأنشده:
لو كان يَقعدُ فوقَ الشمس من كَرَم … قومٌ لقيل اقعدوا يا آلَ عباسِ
ثمَّ ارتقُوا في شعاعِ الشمس كلُّكم … إلى السماء فأنتُم سادة الناسِ
فقال له أبو جعفر: حدث أمر؟ قال: نعم وَلدت في البارحةَ ابنة، فقلت فيها هذين البيتين: [من الوافر]
فما ولدتك مريمُ أمُّ عيسى … ولم يكفلك لقمانُ الحكيمُ
ولكن قد تضمُّك أمُّ سوء … إلى لَبَّاتها وأبٌ لئيمُ (٤)
стр. 5777
فنصحكَ أبو جعفر وأعطاه ألفي درهم.
وذكر في "العقد" أنَّ هذه الواقعة كانت مع المهدي، وأنَّ أبا دلامة خاطَ خريطة من شقائق النعمان (١)، ولمَا دخل على المهدي أنشده البيتين، وأن المهدي قال له: أتريد أن أعينك على تربيتها؟ قال: نعم. وكانت الخريطةُ بين أصابعه، فقال: يا أمير المؤمنين، املأ لي هذه الخريطة دراهم، فاستصغرها المهديُّ وقال: وما عسى أن تسعَ هذه؟ فقال أبو دلامة: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير، فأمر أن تملأ، فلما نشرت ملأت صحنَ الدار، فدخل فيها أربعةُ آلاف درهم، وقال المهدي: أعطوه إيَّاها (٢).
وقال الأصمعيُّ: لقي أبو دلامة معنَ بن زائدة في الصيد، فأخذ بعنان فرسه وقال: [من الكامل]
إنِّي حلفت بإنْ رأيتُك سالمًا … بقُرَى العراقِ وأنت ذو وَفْرِ
لتصلينَّ على النبيِّ محمدٍ … ولتملأنَّ دراهمًا حِجْرِي
فقال له معن: أمَّا الصلاة فنعم، وأمَّا الدراهم فلمَّا نوجع من الصيد، فقال: جعلت فِداءك، لا تفرِّق بينهما، فاستسلفَها له، وصَبَّها في حجره حتى أثقله (٣).
وحكى المبرد عن الأصمعيِّ قال: أمر أبو جعفر أصحابَه بلبس القلانس الطِّوال، ودراريع بين أكتافها مكتوب فيها هذه الآية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وأمر بشدِّ السيوف في أوساطهم، فدخلَ أبو دلامة يومًا عليه وهو في ذلك الزيّ، فقال له أبو جعفر: كيف أصبحت؟ فقال: بشر حال، قال: وكيف؟ قال: ما ظنُّك بمن أصبحَ وجهُه في وسطه، وسيفُه في استه، وقد نبذَ كتاب الله وراءَ ظهره؟ فضحك أبو جعفر، ووصلَه (٤).
ولأبي دُلَامة شعرٌ في القلانس الطوال وهو:
وكنا نرجِّي من إمامٍ زيادةً … فزادَ الإمامُ المصطفى في القلانسِ
стр. 5778
تراها على هامِ الرجال كأنَّها … دنانُ يهودٍ جُلِّلت بالبرانسِ
وقد ذكرنا البيتين في سنة ثلاث وخمسين ومئة (١).
وقال الأصمعي: اشترى أبو دلامة جارية بألفي دينار، ولم يكن معه ثمنُها، فكتبَ إلى العباس بن أبي جعفر المنصور أبياتًا يتقاضاه بثمنها، منها ما يقول: [من البسيط]
أبصرتُ جارية محجوبةً لهمُ … تطلَّعت من أعالي [القصر] ذي الشُّرفِ
قالوا لك الخيرُ ما أبصرتَ قُلت لهم … حبيبةً (٢) أقصدتني من بني خَلَفِ
فقام شيخٌ دهي (٣) من تِجارهم … قد طالما خدعَ الأقوامَ بالحَلِفِ
فابتاعها في بألفي أحمر فغدا … بها إلي وألقاها على كتفِي
بتنا كذلك حتى جاءَ صاحبُها … يبغي الدنانيرَ بالميزان ذي الكَفَفِ
فإنْ تصلنِي قضيتُ القومَ حقَّهم … وإن تقل لا فحقُّ القومِ في تَلَفِ
فبعثَ إليه العباسُ بألفي دينار.
وأبو دلامة هو الذي قالتْ له أمُّ سلمة امرأة أبي العباس السفاح: يا أبا دلامة، ما حزنَ على أمير المؤمنين أحدٌ مثلي ومثلك، فقال: يا ستِّي، أنت لك منه أولاد، وأنا ما لي منه ولد، فضحكَتْ، ولم تكن ضحكت قبل ذلك. وقد ذكر ذلك.
وقال الهيثم: ماتَ أبو دلامة في هذه السنة، ويقال: إنَّه عاش إلى أيَّام هارون الرشيد. انتهى.
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري
ذكرهُ ابنُ سعد في أوَّل الطبقةِ السادسة من أهل الكوفة، ويكنَى أبا عبد الله.
[قال] (٤): وقال محمد بن عمر: وُلدَ سنة سبعٍ وتسعين في خلافة سليمانَ بن عبد
стр. 5779
الملك، وكان ثقةً مأمونًا كثيرَ الحديث، وأجمعوا على أنه توفِّي بالبصرة وهو مستخفٍ في شعبان سنة إحدى وستين ومئة في خلافة المهدي.
قال: وكان سفيان يقول: وجدتُ قلبي يصلحُ بمكَّة والمدينة مع قوم غرباءَ أصحاب بيوت.
قال: وكان سفيان يقول دائمًا: سَلِّم سلِّم.
قال: وكان سفيان يتَّجِر، ويفرِّق الربحَ على إخوانه الفقراء.
وكان له ابنٌ ليسَ له غيرُه، فكان سفيان يقول: ما في الدنيا شيءٌ أحبَّ إليَّ منه، وإني لأحبُّ أن أقدِّمه، قال: فماتَ ابنُه ذاك فجعلَ كلَّ شيءٍ لأختِه وولدها، ولم يورّث أخاهُ المبارك بن سعيد شيئًا.
وطُلِبَ سفيان في أيَّام المهدي، فخرجَ إلى مكَّة، فكتبَ المهديُّ إلى محمد بن إبراهيم يطلبُه، فبعثَ محمد إلى سفيان وأعلَمه، قال: إنْ كنتَ تريدُ إتيانَ القوم فاظهر حتى أبعثَ بك إليهم، وإنْ كنتَ لا تريدُ إتيانهم [فتوار، قال:] (١) فتوارى سفيان، وطلبَه محمدُ بن إبراهيم، وأمر مناديًا ينادي بمكة: من جاء بسفيان فله كذا وكذا، فلم يزل متواريًا بمكَّة لا يظهر إلَّا لأهل العلم ومن لا يخافه.
وقال أبو شهاب الحنَّاط: بَعَثَتْ أختُ سفيان لسفيان معي إلى مكة بجرابٍ فيه كعك، وخشكنانك، فأتيتُ مكَّةَ فسألتُ عنه، فدلُّوني عليه، فأتيتُه، وكان صديقًا لي، فسلَّمتُ عليه، فلم يحفل بي، وكان متَّكِئًا فما قعد، كما أعرف منه، فقلت: إنَّ أختكَ بعثت معي بجرابٍ فيه كعكٌ وخشكنانك، فاستوى جالسًا وقال: عجِّل عليَّ به، فقلت: أتيتُك وأنا صديقك، فسلَّمتُ عليك، فلم تردَّ عليَّ ذاك الرد، فلمَّا أخبرتُك بجراب كعك وخشكنانك ما يساوي شيئًا جلستَ وكلَّمتني، فقال: يا أبا شهاب، اعذرني، فوالله لي أربعةُ أيام أو ثلاثة أيام ما ذقتُ طعامًا، فعذرتُه والله.
قال ابن سعد: فلما خافَ سفيان بمكة قدم البصرة، فنزلها بقرب منزلِ يحيى به. سعيد القطَّان، وعلمَ به يحيى، فحوَّله إلى جواره، وفتحَ له بابًا إليه، فكان يأتيه بمحدِّثي
стр. 5780
أهل البصرة يسمعونَ منه، فكان فيمن أتاه جرير بن حازم، والمباركُ بن فَضالة، وحَمَّاد بن زيد، وغيرهم، وأتى عبدُ الرحمن بن مهدي ولزمَه، وكان يحيى وعبد الرحمن يكتبان عنه تلك الأيَّام، فخافَ سفيان أن يشتهرَ بالبصرة فقال ليحيى بن سعيد: حوّلني من هذا المكان، فحوَّله إلى منزلِ الهيثم بن منصور الأعرجي من بني سعد بن زيد [مناة] (١) بن تميم فلم يزل فيه، فكلَّمه حمادُ بن زيد في تنحيته عن السلطان، وقال: هذا فعلُ أصحاب البدع، وما تخاف منهم؟ فأجمعَ سفيان وحَمَّاد بن زيد أن يقدما بغداد على المهدي.
وكتب سفيان إلى المهدي، أو إلى يعقوب بن داود، فبدأ بنفسه، فقيل له: إنَّهم يغيظون من هذا، فبدأ بهم، فجاء جوابُ كتابه بما يحبُّ من القرب والكرامة، والسمع منه والطاعة، فكانَ على عزم الخروج إليهم، فحُمَّ ومرضَ مرضًا شديدًا، وحضرَه الموتُ، فجزع، فقال له مرحوم بن عبد العزيز: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع؟ إنَّك تقدم على الربِّ الذي كنتَ تعبدُه، فسكنَ وهدأ، وقال: انظروا من ها هنا من أصحابنا الكوفيين، فأرسلوا إلى عبّادان، فقدم عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، والحسن بن عيَّاش أخو أبي بكر بن عيَّاش، فأوصى إلى عبد الرحمن، وأوصاه أن يصلِّي عليه، فأقاما عنده حتى مات.
وخرجت جنازته، وصلَّى عليه عبد الرحمن، وشهدَه الخلق، ودفنوه، وانصرف عبد الرحمن والحسنُ بن عيَّاش فأخبرا أهلهما بموته (٢). وهذا قول ابن سعد (٣).
وذكره الخطيب في "تاريخه" وأثنى عليه فقال: كان إمامًا من أئمَّة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، مُجْمَعًا على أمانتِه [بحيث يستغنى عن تزكيته، مع الإتقان] (٤)، والحفظ والمعرفة والورع والزهد، قدمَ بغداد غير مرَّة، وخرجَ منها إلى خراسان، ويقال: إن نسيبًا له مات ببخارى فخرجَ بسبب ميراثه.