← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

ألم تريا (١) أنَّ الإمامَ أقامني (٢) … بمسجدِه والقصرِ ما لي وللقصرِ يكلِّفني الأولى جميعًا وعَصرها … فويلي من الأُولى وويلي من العصرِ ويمنعني عن مجلسٍ أستلذُّه … وأكرمُ فيه بالسماعِ وبالخمرِ وما ضرَّهُ والله يغفر ذنبه … لو أنَّ ذنوبَ العالمينَ على ظهْرِي وبعثَ بها إلى أبي جعفر فقرأها وقال: قاتلَه الله، يحملُ ما أراد، دعوه. وحكى الأصمعيُّ أيضًا قال: دخلَ أبو دلامة يومًا على المهدي في خلافته وهو يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: ماتت أم دُلامة، فاغتمَّ المهدي، وأعطاه أربعة آلاف درهم وثيابًا برسم الكفن، فخرجَ من عنده، وقال لامرأته: قومي فادخلي على الخيزران، وقولي لها: مات أبو دُلامة، ففعلت، فأعطتها مثلَ ما أعطاه المهدي، واتَّفق دخولُ المهدي على الخيزران، فعزَّته في أبي دلامة، فقال: الساعة خرجَ من عندي وأخبرني بموتِ امرأته، وأعطيته كذا وكذا، فقالت: والساعةَ كانت عندي امرأتُه، وأخبرت أنَّه مات، وأعطيتُها كذا وكذا، فقال المهدي: عملونا (٣) والله، فلما كان بعد يومين دخلَ على المهديّ فقال له: يا أبا دُلامة أحياةٌ بعد الموت؟ فقال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] فضحكَ المهديُّ ولم يقل شيئًا. وقال الهيثم بن عديّ: دخل أبو دلامة على أبي جعفر فأنشده: لو كان يَقعدُ فوقَ الشمس من كَرَم … قومٌ لقيل اقعدوا يا آلَ عباسِ ثمَّ ارتقُوا في شعاعِ الشمس كلُّكم … إلى السماء فأنتُم سادة الناسِ فقال له أبو جعفر: حدث أمر؟ قال: نعم وَلدت في البارحةَ ابنة، فقلت فيها هذين البيتين: [من الوافر] فما ولدتك مريمُ أمُّ عيسى … ولم يكفلك لقمانُ الحكيمُ ولكن قد تضمُّك أمُّ سوء … إلى لَبَّاتها وأبٌ لئيمُ (٤)

стр. 5777

فنصحكَ أبو جعفر وأعطاه ألفي درهم. وذكر في "العقد" أنَّ هذه الواقعة كانت مع المهدي، وأنَّ أبا دلامة خاطَ خريطة من شقائق النعمان (١)، ولمَا دخل على المهدي أنشده البيتين، وأن المهدي قال له: أتريد أن أعينك على تربيتها؟ قال: نعم. وكانت الخريطةُ بين أصابعه، فقال: يا أمير المؤمنين، املأ لي هذه الخريطة دراهم، فاستصغرها المهديُّ وقال: وما عسى أن تسعَ هذه؟ فقال أبو دلامة: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير، فأمر أن تملأ، فلما نشرت ملأت صحنَ الدار، فدخل فيها أربعةُ آلاف درهم، وقال المهدي: أعطوه إيَّاها (٢). وقال الأصمعيُّ: لقي أبو دلامة معنَ بن زائدة في الصيد، فأخذ بعنان فرسه وقال: [من الكامل] إنِّي حلفت بإنْ رأيتُك سالمًا … بقُرَى العراقِ وأنت ذو وَفْرِ لتصلينَّ على النبيِّ محمدٍ … ولتملأنَّ دراهمًا حِجْرِي فقال له معن: أمَّا الصلاة فنعم، وأمَّا الدراهم فلمَّا نوجع من الصيد، فقال: جعلت فِداءك، لا تفرِّق بينهما، فاستسلفَها له، وصَبَّها في حجره حتى أثقله (٣). وحكى المبرد عن الأصمعيِّ قال: أمر أبو جعفر أصحابَه بلبس القلانس الطِّوال، ودراريع بين أكتافها مكتوب فيها هذه الآية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وأمر بشدِّ السيوف في أوساطهم، فدخلَ أبو دلامة يومًا عليه وهو في ذلك الزيّ، فقال له أبو جعفر: كيف أصبحت؟ فقال: بشر حال، قال: وكيف؟ قال: ما ظنُّك بمن أصبحَ وجهُه في وسطه، وسيفُه في استه، وقد نبذَ كتاب الله وراءَ ظهره؟ فضحك أبو جعفر، ووصلَه (٤). ولأبي دُلَامة شعرٌ في القلانس الطوال وهو: وكنا نرجِّي من إمامٍ زيادةً … فزادَ الإمامُ المصطفى في القلانسِ

стр. 5778

تراها على هامِ الرجال كأنَّها … دنانُ يهودٍ جُلِّلت بالبرانسِ وقد ذكرنا البيتين في سنة ثلاث وخمسين ومئة (١). وقال الأصمعي: اشترى أبو دلامة جارية بألفي دينار، ولم يكن معه ثمنُها، فكتبَ إلى العباس بن أبي جعفر المنصور أبياتًا يتقاضاه بثمنها، منها ما يقول: [من البسيط] أبصرتُ جارية محجوبةً لهمُ … تطلَّعت من أعالي [القصر] ذي الشُّرفِ قالوا لك الخيرُ ما أبصرتَ قُلت لهم … حبيبةً (٢) أقصدتني من بني خَلَفِ فقام شيخٌ دهي (٣) من تِجارهم … قد طالما خدعَ الأقوامَ بالحَلِفِ فابتاعها في بألفي أحمر فغدا … بها إلي وألقاها على كتفِي بتنا كذلك حتى جاءَ صاحبُها … يبغي الدنانيرَ بالميزان ذي الكَفَفِ فإنْ تصلنِي قضيتُ القومَ حقَّهم … وإن تقل لا فحقُّ القومِ في تَلَفِ فبعثَ إليه العباسُ بألفي دينار. وأبو دلامة هو الذي قالتْ له أمُّ سلمة امرأة أبي العباس السفاح: يا أبا دلامة، ما حزنَ على أمير المؤمنين أحدٌ مثلي ومثلك، فقال: يا ستِّي، أنت لك منه أولاد، وأنا ما لي منه ولد، فضحكَتْ، ولم تكن ضحكت قبل ذلك. وقد ذكر ذلك. وقال الهيثم: ماتَ أبو دلامة في هذه السنة، ويقال: إنَّه عاش إلى أيَّام هارون الرشيد. انتهى. سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ذكرهُ ابنُ سعد في أوَّل الطبقةِ السادسة من أهل الكوفة، ويكنَى أبا عبد الله. [قال] (٤): وقال محمد بن عمر: وُلدَ سنة سبعٍ وتسعين في خلافة سليمانَ بن عبد

стр. 5779

الملك، وكان ثقةً مأمونًا كثيرَ الحديث، وأجمعوا على أنه توفِّي بالبصرة وهو مستخفٍ في شعبان سنة إحدى وستين ومئة في خلافة المهدي. قال: وكان سفيان يقول: وجدتُ قلبي يصلحُ بمكَّة والمدينة مع قوم غرباءَ أصحاب بيوت. قال: وكان سفيان يقول دائمًا: سَلِّم سلِّم. قال: وكان سفيان يتَّجِر، ويفرِّق الربحَ على إخوانه الفقراء. وكان له ابنٌ ليسَ له غيرُه، فكان سفيان يقول: ما في الدنيا شيءٌ أحبَّ إليَّ منه، وإني لأحبُّ أن أقدِّمه، قال: فماتَ ابنُه ذاك فجعلَ كلَّ شيءٍ لأختِه وولدها، ولم يورّث أخاهُ المبارك بن سعيد شيئًا. وطُلِبَ سفيان في أيَّام المهدي، فخرجَ إلى مكَّة، فكتبَ المهديُّ إلى محمد بن إبراهيم يطلبُه، فبعثَ محمد إلى سفيان وأعلَمه، قال: إنْ كنتَ تريدُ إتيانَ القوم فاظهر حتى أبعثَ بك إليهم، وإنْ كنتَ لا تريدُ إتيانهم [فتوار، قال:] (١) فتوارى سفيان، وطلبَه محمدُ بن إبراهيم، وأمر مناديًا ينادي بمكة: من جاء بسفيان فله كذا وكذا، فلم يزل متواريًا بمكَّة لا يظهر إلَّا لأهل العلم ومن لا يخافه. وقال أبو شهاب الحنَّاط: بَعَثَتْ أختُ سفيان لسفيان معي إلى مكة بجرابٍ فيه كعك، وخشكنانك، فأتيتُ مكَّةَ فسألتُ عنه، فدلُّوني عليه، فأتيتُه، وكان صديقًا لي، فسلَّمتُ عليه، فلم يحفل بي، وكان متَّكِئًا فما قعد، كما أعرف منه، فقلت: إنَّ أختكَ بعثت معي بجرابٍ فيه كعكٌ وخشكنانك، فاستوى جالسًا وقال: عجِّل عليَّ به، فقلت: أتيتُك وأنا صديقك، فسلَّمتُ عليك، فلم تردَّ عليَّ ذاك الرد، فلمَّا أخبرتُك بجراب كعك وخشكنانك ما يساوي شيئًا جلستَ وكلَّمتني، فقال: يا أبا شهاب، اعذرني، فوالله لي أربعةُ أيام أو ثلاثة أيام ما ذقتُ طعامًا، فعذرتُه والله. قال ابن سعد: فلما خافَ سفيان بمكة قدم البصرة، فنزلها بقرب منزلِ يحيى به. سعيد القطَّان، وعلمَ به يحيى، فحوَّله إلى جواره، وفتحَ له بابًا إليه، فكان يأتيه بمحدِّثي

стр. 5780

أهل البصرة يسمعونَ منه، فكان فيمن أتاه جرير بن حازم، والمباركُ بن فَضالة، وحَمَّاد بن زيد، وغيرهم، وأتى عبدُ الرحمن بن مهدي ولزمَه، وكان يحيى وعبد الرحمن يكتبان عنه تلك الأيَّام، فخافَ سفيان أن يشتهرَ بالبصرة فقال ليحيى بن سعيد: حوّلني من هذا المكان، فحوَّله إلى منزلِ الهيثم بن منصور الأعرجي من بني سعد بن زيد [مناة] (١) بن تميم فلم يزل فيه، فكلَّمه حمادُ بن زيد في تنحيته عن السلطان، وقال: هذا فعلُ أصحاب البدع، وما تخاف منهم؟ فأجمعَ سفيان وحَمَّاد بن زيد أن يقدما بغداد على المهدي. وكتب سفيان إلى المهدي، أو إلى يعقوب بن داود، فبدأ بنفسه، فقيل له: إنَّهم يغيظون من هذا، فبدأ بهم، فجاء جوابُ كتابه بما يحبُّ من القرب والكرامة، والسمع منه والطاعة، فكانَ على عزم الخروج إليهم، فحُمَّ ومرضَ مرضًا شديدًا، وحضرَه الموتُ، فجزع، فقال له مرحوم بن عبد العزيز: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع؟ إنَّك تقدم على الربِّ الذي كنتَ تعبدُه، فسكنَ وهدأ، وقال: انظروا من ها هنا من أصحابنا الكوفيين، فأرسلوا إلى عبّادان، فقدم عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، والحسن بن عيَّاش أخو أبي بكر بن عيَّاش، فأوصى إلى عبد الرحمن، وأوصاه أن يصلِّي عليه، فأقاما عنده حتى مات. وخرجت جنازته، وصلَّى عليه عبد الرحمن، وشهدَه الخلق، ودفنوه، وانصرف عبد الرحمن والحسنُ بن عيَّاش فأخبرا أهلهما بموته (٢). وهذا قول ابن سعد (٣). وذكره الخطيب في "تاريخه" وأثنى عليه فقال: كان إمامًا من أئمَّة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، مُجْمَعًا على أمانتِه [بحيث يستغنى عن تزكيته، مع الإتقان] (٤)، والحفظ والمعرفة والورع والزهد، قدمَ بغداد غير مرَّة، وخرجَ منها إلى خراسان، ويقال: إن نسيبًا له مات ببخارى فخرجَ بسبب ميراثه.

стр. 5781

وقيل: إن الميت كان عمَّه، وقيل: إنما خرج لزيارة صديقٍ له، وهو ابن ثمان عشرة سنة، فجلسَ بها ثم عادَ إلى الكوفة. قال الخطيب: مرَّ سفيانُ ببغداد فرأى جلَّادًا كان يجلد الناس، وقد عمِي وهو يتصدَّق، فأعطاه قطعةً وقال: ليس هذه صدقةً عليك، هذه شماتةٌ بك (١). وروى الخطيب عن علي بن ثابت قال: رأيتُ الثوريَّ في طريق مكَّة، فقوَّمت كلَّ شيءٍ عليه حتى نعليه: درهم وأربعة دوانيق (٢). وروى الخطيب عن يوسف بن أسباط قال: صلينا العشاء الآخرة، فقال لي سفيان: ناولني المَطْهرة، فناولته إيَّاها، فأخذَها بيمينه، ووضعَ يساره على خدِّه، ونمتُ فما استيقظتُ إلَّا وقد طلع الفجر، فنظرتُ فإذا المطهرةُ بيمينِه، ويساره على خده، وهو بحاله، فقلت له: ما هذا؟ فقال: لم أزل منذ ناولتني المَطْهرة أتفكَّر في أمرِ الآخرة حتَّى الساعة (٣). وروى الخطيب عن يوسف بن أسباط قال: قال سفيان: إنَّ فجَّارَ القرَّاء اتَّخذوا القرآنَ سلَّمًا إلى الدنيا، فقالوا: ندخل على الأمير، نفرِّج عن المكروب، ونتكلَّم في المحبوس (٤). قال: وكان سفيان لا يقبلُ برَّ أحد، وكانَ معه نحوٌ من مئتي دينارٍ يَتَّجِرُ له بها قوم. وحكى الخطيب أيضًا عن محمد بن عبد الوهاب قال: ما رأيتُ الفقراء أعزَّ منهم في مجلس سفيان ولا رأيتُ الأغنياء أذلَّ منهم في مجلسه (٥). وروي عن سفيان الثوري أنَّه قال: لقد خفتُ الله خوفًا، وددت أنِّي خُفِّف عنِّي؛ لئلا يذهب عقلي. قال: وقال يوسف بن أسباط: كان سفيان إذا أخذ في الفكر بالَ الدم (٦).

стр. 5782

وقال أبو نعيم: كان سفيان يقول: لو لم أعلم لكان أقلَّ لحزني (١). وقال يعقوب بن يوسف السني (٢): كان سفيان يقول: إذا سمعتُ صيحةً بالليل أضعُ يدي على رأسي وأقول: جاء العذاب. قال: وكان ينامُ أوَّل الليل، ثم ينتبه فزعًا، فينادي: النار النار النار، إنَّ ذكرَها شغلني عن النومِ والشهوات، ثم يأخذ في الصلاة والبكاء. وروى أبو نعيم عن عليِّ بن حمزة ابن أخت سفيان قال: ذهبتُ ببول سفيان إلى الديراني، وكان لا يخرج من باب الدير، فأريتُه إيَّاه، فقال: ليس هذا ببول حنيفي، قلت: بلى والله، إنَّه من أفضل الحنيفية، فقال: فأنا أجيء معك، فاستأذنتُ سفيان له، فقال: أدخِلْهُ، فدخلَ فجسَّ عرقَه وخرج، فقلت له: أي شيء رأيت؟ فقال: ما ظننتُ أنَّ في الحنيفية مثل هذا رجل، قد قطع الحزن كبدَه. قال: وكان يبكي ويقول: أخاف أن أستلبَ الإيمانَ قبل موتي (٣). وقال علي ابن أخيه: شبعَ سفيان ليلةً، فنام، ثمَّ استيقظَ مرعوبًا وقال: والله لا نمتُ الليل بعدَها، الحمارُ إذا زيد في علفه نام (٤). قال: وقيل لسفيان: كيف أصبحت؟ فقال: في دارٍ قد والله حارت فيها الأدلَّاء (٥). وقال الأوزاعي: لو قيل لي: اختر لهذه الأمة ما اخترت غير سفيان. وقال ابن أبي الدنيا: كان سفيان يقول: ما أنفقتُ درهمًا في بناء، ولا استودعتُ قلبي شيئًا فخانني قط. وقال أبو نعيم: كان سفيان يقول: اللهمَّ إنَّك العليم بحاجتي غير معلم، وما أطلبُ

стр. 5783

إلَّا فكاك رقبتي من النار، إلهي إنَّ الجزعَ قد أرَّقني، ولو كان في عذرٌ في التخلِّي لما أقمتُ مع الناس طرفةَ عين (١). ذكر وفاته: قال أبو نعيم: خرجَ سفيان من الكوفة في سنة خمس وخمسين ومئة ولم يرجع إليها، ومات سنة إحدى وستين ومئة، وهو ابنُ ستّ وستين سنة. وقال خليفة: توفّي سنةَ اثنتين وستين ومئة (٢). وقال الخطيب: وسنة إحدى وستين أصحّ (٣). وكذا قال ابن سعد (٤). وحكى أبو نعيم عن ابن مهدي قال: مات سفيان عندي، فلما اشتد به الوجع جعل يبكي، فقال له رجل: أراك كثير الذنوب؟ فقال: ما أخاف من ذنوبي، وإنَّما أخافُ أن أستلبَ الإيمانَ عند الموت (٥). وقال ابن مهدي: توضَّأ سفيان تلك الليلة ستينَ مرَّة، فلمَّا كان عند السحر قال لي: يا ابن مهدي، ضع خدي على الأرض، فما أشدَّ الموت وكربه. قال: فخرجت لأعلم حماد بن سلمة (٦) وأصحابه، وإذا بهم قد استقبلوني. وقالوا: آجرَك الله. فقلت: من أين علمتم؟ قالوا: ما منَّا أحدٌ إلا أُتي البارحة في منامه فقيل له: ماتَ سفيان. وقال الخطيب: حجَّ المهديُّ فدخلَ عليه فوعظه، وعنده أبو عبيد وزيرُه، فقال له يا أبا عبد الله، قد كانت كتبكَ تأتينا، فقال: ما كتبتُ إليكم، ثمَّ قام، فقال له المهدي: إلى أين؟ قال: أعود، وترك نعله، ثم عاد فأخذها ومضى، وانتظره المهديّ فلم يعد، فسألَ عنه، فقالوا: عاد وأخذ نعلَه، فغضب وقال: أمن الناس كلهم إلَّا الثوريّ، فخرجَ إلى البصرة، فاستخفى، فلمّا احتضر قال: ما أشدَّ الغربة، انظروا هل هاهنا

стр. 5784

أحدٌ من أهل بلدنا؟ فنظروا، فإذا أفضل أهل الكوفة هناك؛ عبد الرحمن [بن عبد الملك] بن أبجر والحسن بن عيَّاش (١)، وقد ذكرناه. ومات ليلًا فجاء جرير بن حازم بعدما دُفِنَ فصلَّى عليه (٢). وقال الخطيب: وقد روي أنَّه دفن كتبه قبل وفاته. قلت: وهذا محمولٌ على أنَّه رَوى عن قوم ثقات وغير ثقات، فاشتبة الأمرُ عليه، أمَّا إذا كانت عن ثقات، فإنَّه لا يجوزُ دفنها، وسنذكر هذا المعنى في ترجمة بشر الحافي، وأحمد بن أبي الحواري. ذكر ما رُؤي له من المنامات: حكى الخطيب عن عبد الرحمن بن مهدي قال: رأيتُ سفيان الثوري في المنام بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: لم يكن إلا خير، ما وُضِعتُ في اللحد حتى أُوقِفت بين يدي الله تعالى، فحاسبني حسابًا يسيرًا، ثم أمرَ بي إلى الجنَّة، فبينما أنا أدورُ بين أشجارها وأنهارها، سمعتُ قائلًا يقول: سفيان؟ قلت: نعم، قال: تحفظُ يومًا آثرتَ الله على هواك؟ قلت: إي والله، فأخذتني صواني النثار من جميع الجنة (٣). وفي رواية فقلت: ما فعلَ الله بك؟ فقال: [من الطويل] نظرتُ إلى ربِّي كفاحًا، وقال لي … هنيئًا رضائي عنك يا ابن سعيدِ فقد كنتَ قوَّامًا إذا الليل قد سَجى … بعبرةِ محزونٍ وقلبِ عميدِ فدونَك فاختر أيَّ قصرٍ تريدُه … وزرني فإنِّي منك غير بعيدِ وروى ابنُ أبي الدنيا عن سُعَير بن الخِمس قال: رأيتُ سفيان في المنام وهو يطيرُ من شجرةٍ إلى شجرة، ومن نخلةٍ إلى نخلة، وهو يقرأ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] (٤).

стр. 5785

وحكى ابن أبي الدنيا عن أبي خالد الأحمر قال: رأيتُ سفيان بعد موته في المنام، فقلت: كيف حالك يا أبا عبد الله؟ فقال: بخير، استرحتُ من غموم الدنيا، وأفضيتُ إلى رحمةِ الله تعالى (١). أسندَ سفيان عن خلقٍ كثير من التابعين. وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألفٍ ومئة شيخ، ما كتبتُ عن أفضل من سفيان. قيل له: فهل رأيتَ أفضل منه؟ فقال: فهل رأى سفيانُ مثلَ نفسه؟ وقد ذكرنا أنَّه لم يكن له ولدٌ إلَّا واحد، وأنَّه مات في حياة أبيه، وكان لسفيان ابنُ أختٍ يقال له: سيف بن محمد، رَوى عنه الحديث. * * *

стр. 5786

السنة الثانية والستون بعد المئة فيها قُتِل عبدُ السلام بن هاشم اليشكُري الخارجيّ، وكان قد خرجَ بالجزيرة، واستفحلَ أمرُه، وقويت شوكتُه، فجهَّز المهدي إليه جيوشًا، وهو يهزمها ويقتلُ قوَّادها، فبعثَ إليه شبيب بن واج المرورُّوذي، فانهزم عبد السلام إلى قِنَّسرين، فلحقه شبيب فقتلَه. وفيها وضع المهدي دواوينَ الأزِمَّة، وولَّى عليها عمرو بن بزيع مولاه، ولم يكن لبني أمية دواوين أزمة، ومعناه أن يكون لكلِّ ديوانٍ زمام، وهو رجلٌ يضبطُه، وقد كانت قبلَ ذلك الدواوين مختلطة. وفيها كتبَ المهديُّ إلى الآفاق بأن يجري على المجذَّمين وأهل السجون. وفيها خرجت الرومُ إلى الحدَث، فهدمُوا سورها. وفيها حبس المهدي موسى بن جعفر. وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن جعفر بن المنصور. وفيها توفِّي أبو عبيدة الخوَّاص واسمه عبَّاد بن عبَّاد، وكانَ من أهل المحبَّة والشوق، وعنه أخذ المشايخُ الطريق. وروى ابنُ باكويه الشيرازي عن عبدِ الأعلي بن سليمان قال: رأيتُ أبا عبيدة الخوَّاص وهو يمشي في الأسواق ويصيح: واشوقَاه إلى من يراني ولا أرَاه. وروى ابن أبي الدنيا عن عقبة بن فضالة قال: سمعتُ أبا عبيدَة بعدما كبر وهو آخذ بلحيته، يبكي ويقول: قد كبرتُ فأعتقني. سمع أبو عبيدة الأوزاعيَّ وأقرانَه (١).

стр. 5787

السَّنةُ الثالثةُ والستُّون بعد المئة فيها ولَّى المهديُّ ابنَه هارونَ المغربَ كلَّه وأَذْرَبيجان وإرْمِينيَة، وجعل كاتبَه على الخَراج ثابتَ بن موسى، وعلى رسائله يحيى بنَ خالدِ بن برْمَك. وحجَّ بالناس علي بن المهدي، وكان على مكةَ والطائفِ والمدينة واليمامة جعفرُ بن سليمان، وعلى الكوفة إسحاقُ بن الصباح، وعلى قضائها شَريك، وعلى البصرة والبحرين وعُمانَ والأهوازِ وفارسَ محمدُ بن سليمان، وعلى خراسانَ المسيَّبُ بن زهير، وعلى السِّند نصرُ بن محمدِ بن الأَشعث. وفيها توفِّي إبراهيمُ بن طَهمان أبو سعيدٍ الخراساني. وُلد بهراة، ونشأ بنَيسابور، ورحل في طلب العلم. وكان حسنَ الخُلق، سخيًّا، واسع النفس، يطعم الطعامَ ويُحسن إلى طلحة العلم. ورد بغدادَ وحدَّث بها، ثم انتقل إلى مكَّة، فسكنها إلى أن مات بها. وروى الخطيبُ عن أبي زُرعةَ قال: سمعت أحمدَ بن حنبل، وذُكر عنده إبراهيمُ بن طهمان، وكان متَّكئًا من عِلَّة، فاستوى جالسًا وقال: لا ينبغي أن يُذكرَ الصالحون فيُتَّكأ (١). ثم قال أحمد: حدَّثني رجل من أصحاب ابنِ المبارك قال: رأيتُ ابنَ المبارك في النوم ومعه شيخٌ مَهيب، فقلت: مَن هذا معك؟ قال: سفيانُ الثوري، قلت: من أين أَقبلتم؟ فقالوا: نحن كلَّ يومٍ نزور إبراهيمَ بن طهمان، قلت: وأين تزورونه؟ قال: في دار الصِّدِّيقين دارِ يحيى بنِ زكريا. وقد ذكرنا أنَّه مات بمكَّة. أَرطاةُ بن المنذرِ بن الأسود أبو عَدِيٍّ السَّكونيُّ الحمصي. كان في أيام عمرَ بنِ عبد العزيز، وفَرَضَ له.

стр. 5788

وقال الحافظُ ابن عساكر (١) بإسناده عن المازنيِّ قال: قال أرطاةُ بن المنذر: أتيتُ عمرَ بن عبدِ العزيز، ففرض لي في جَبَلةَ وقال: أَرطاة، ألا أُحدِّثك بحديثٍ هو عندنا من العلم المخزون؟ قلت: بلى، قال: إذا توضَّأتَ عند البحرِ فالتفت إليه وقل: يا واسعَ المغفرةِ اغفر لي؛ فإنَّه لا يرتدُّ إليك طَرفُك حتى يغفرَ لك ذنوبَك. وقال أحمد: كان ثقة. حَرِيزُ بن عثمانَ الرَّحَبي الحِمصي ولد سنةَ ثمانين، ووفد على عمرَ بنِ عبد العزيز، وكان يُبغض عليًّا ﵇، فروى الخطيبُ (٢) عن يزيدَ بنِ هارونَ قال: رأيتُ ربِّ العزَّة في المنام، فقال لي: يا يزيد، لا تكتبْ عن حَرِيز بن عثمانَ شيئًا، فقلت: يا ربِّ، ما علمتُ منه إلَّا خيرًا! فقال: لا تكتبْ عنه؛ فإنه يسبُّ عليَّ بنَ أبي طالب. وفي رواية: فإنه يُبغض أبا الحسنِ عليَّ بن أبي طالب (٣). أَبغضه الله. وقال جدِّي في "المنتظَم" (٤): اتفق العلماءُ على أنَّه ثقة، لكن اتَّهموه بأنه يُبغض عليَّ بنَ أبي طالب. وكيف يكون ثقةً وهو يُبغض أميرَ المؤمنين! ومَن أَبغض آحادَ الصحابةِ أو سبَّه يكون ملعونًا؛ لقوله ﵇: "لعنَ اللهُ مَن سبَّ أَصحابي" (٥) فكيف بأمير المؤمنين وابنِ عمِّ رسولِ ربِّ العالمين! وإنما كان يُبغض عليا لأنه قُتل جَدَّان له كانا مع معاويةَ بصِفِّين مع مَن قُتل، لا أن عليًّا باشر قتلَهما، صرَّح بهذا الخطيبُ فقال: عن عمران (٦) بن أَبَان: سمعتُ حَرِيزًا يقول: لا أُحبُّه، قتل آبائي. يعني عليًّا. وكذا ذكر الحافظُ ابن

стр. 5789

عساكرٍ وقال: كان حَرِيزٌ منحرفًا عن علي بن أبي طالب (١)، وقد روى ابنُ عيَّاش قال: سألتُ حَريزًا عن هذا فقال: واللهِ ما سببتُه قطّ، رحم اللهُ عليًّا. قاله مئةَ مرَّة. فيحتمل أنَّه رجع عن ذلك. أَسند حَريزٌ عن عبد الله بن بُسرٍ من الصحابة، وروى عن جماعةٍ من التابعين، وروى عنه إسماعيلُ بن عباس وغيرُه. وقال الخطيبُ (٢): قدم بغدادَ وحدَّث بها. فمن رواياته: قال: سمعتُ الوليدَ بن عبدِ الملك يقول على مِنبر دمشق: هذا الذي يرويه الناسُ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال لعليِّ بن أبي طالب: "أنتَ منِّي بمنزلة هارونَ من موسى" إنما هو: أنت منِّي بمنزلة قارونَ من موسى. قلت: وهذا من أدلِّ الدليلِ على أنه كان يُبغض عليًّا، وأما هذا الحديثُ فقد ضعَّفه الرُّواة، وقال الخطيب (٣): في إسناده عبدُ الوهاب بنُ الضحَّاك، كان كذَّابًا. وقد ذكرناه في ترجمة الوليدِ بن عبدِ الملك. وقال الواقدي: توفي حَرِيزٌ سنةَ ثلاثٍ وستين ومئةٍ وله ثلاثٌ وثمانون سنة. وقيل: سنةَ ستٍّ وستِّين ومئة (٤). عيسى بنُ عليِّ ابن عبدِ الله بن عباس، عمُّ أبي العباسِ وأبي جعفرٍ المنصور، وأخو محمدِ بن عليّ، وأخو عبدِ الله وعبدِ الصمد وداودَ وسليمانَ بَني عليّ. وذكره ابنُ سعدٍ في الطبقة الرابعةِ من أهل المدينة، قال: وأمُّه أمُّ ولد، وهي أمُّ داودَ بنِ علي، وكان عيسى بنُ علي من أهل العافية، لم يَلِ لأهل بيتِه عملًا حتى توفِّي في خلافة المهديّ. هذا قولُ ابنِ سعد (٥).

стр. 5790

وذكره الخطيبُ وقال (١): كُنيته أبو العباس، وقيل: أبو موسى. وقال الخطيب: ولد سنةَ ثمانٍ وثمانين، أو ثلاثٍ وثمانين (٢). وأُمُّه بربرية، اسمُها لُبابة. وقيل: ولد سنةَ إحدى وثمانين (٣). وكان معتزلًا للسلطان، وله مذهبٌ جميل، واليه يُنسَب نهرُ عيسى وقصرُ عيسى ببغداد، وكانت وفاتُه في جمادى الآخرةِ بقصره على نهر عيسى، وكان المهديُّ بالبَرَدان يجهِّز الجيوشَ مع ابنه هارون، فصلَّى عليه موسى بنُ المهديِّ ومشى في جنازته، ودخل المهديُّ في اليوم الثاني فصلَّى على قبره، ودُفن في مقابر قريش. ويقال: إنَّه مات في سنة أربعٍ وستين ومئة، أو خمسٍ وستِّين ومئة. * * *

стр. 5791

السنةُ الرابعةُ والستون بعد المئة فيها بنى المَهديُّ قصرَه بعيسى باذَ وسمَّاه قصر السلامة (١). قال الزُّبَيْر بن بكَّار: فحدَّثني عمِّي مصعبُ عبدِ الله عن جدِّي عبدِ الله بن مصعب قال (٢): لما فرغ المهديُّ من بناء هذا القصرِ جلس للناس، ففرَّق في أبناء المهاجرين والأنصارِ ثلاثةَ آلافِ ألف درهم، فأَغنى كلَّ عائل، وجبر كلَّ كسير، وفرَّج عن كل مكروب، وفرَّق في الشعراء والخطباءِ خمسَ مئة ألفِ درهم، فقال الناس: هذا مهديُّ هذه الأمةِ الذي بشّر به رسولُ الله ﷺ . وفيها خرج المهديُّ حاجًّا، فوصل إلى العَقَبة، فعطش الناس وأخذته حُمَّى، فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بنِ موسى حيث لم يُصلح المصانعَ على الوجه، ولاقى الناسُ شدَّة من قلَّة الماء، ولَمَّا عاد المهديُّ إلى العراق، بعث أخاه صالحًا فحجَّ بالناس، وكان العاملُ على مكةَ والطائفِ والمدينةِ جعفرُ بن سليمان. * * *

стр. 5792

السَّنة الخامسةُ والستون بعد المئة فيها جهَّز المهديُّ ابنَه هارونَ إلى الصائفة في بلاد الرومِ غازيًا في جمادى الآخرة، وضمَّ إليه الربيعَ مولاه، فأَوغل فيها، وسار هارونُ في نيِّف وتسعين ألفًا ومعه الخزائنُ والأموال والعُدَد، وكان في خزائنه من الدراهم أَحدٌ وعشرون ألفَ ألفِ درهم وأربعُ مئةِ ألفٍ وزيادة، ومن الذهب مئةُ ألفٍ وسبعٌ وسبعون (١) ألفَ دينارٍ وزيادة، فأَناخ على خليج القُسْطَنطينية وصاحبتُها يومئذٍ امرأةُ أَليون، ولها ابنٌ صغير من أليون، ومات وهو في حجرها، فأَقام هارونُ يَسبي ويقتل، فقتل من الرُّوم نيِّفًا وخمسين ألفًا، وغنم من الدوابِّ عشرين ألفًا، وذبح من البقر والغنمِ مئةَ ألفِ رأس، فأَرسلت إليه المرأةُ تطلب الصلح، فصالحها وشرط عليها في كل سنةٍ سبعين ألفَ دينارٍ وما تيسَّر من العُروض والأُسارى، وأن تُقيمَ لهم الأَدلَّاء؛ فإنهم كانوا قد أَوغلوا في المضائق، ففعلت. ورجع هارونُ غانمًا سالمًا، وبيع البِرذونُ بدرهم، والبغلُ بعشرة دراهم (٢)، والدّرعُ بأقلَّ من درهم، وعشرون سيفًا بدرهم. فقال مروانُ بن أبي حفصة: [من الطويل] أَطفتَ بقُسطنطينة الرُّومِ مُسْنِدَّا … إليها القَنَا حتى اكتسى الذِّلَّ (٣) سورُها وما رِمتَها حتى أَتتك ملوكُها … بجِزيتها والحربُ تَغلي قدورها وفيها عزل المهديُّ خلفَ (٤) بن عبدِ الله عن الرَّي وولَّى عيسى مولى المنصور (٥). وتزوَّج هارونُ زبيدةَ بنتَ جعفرٍ وبنى بها. وحجَّ بالناس صالحُ بن المنصور. وفي هذه السَّنةِ توفي

стр. 5793

داودُ بن نُصير الطائي، أبو سليمان ذكره ابنُ سعد (١) في الطبقة الخامسةِ من أهل الكوفة، وقال: داودُ بن نصير الطائي، ويُكنَى أبا سليمان، وكات قد سمع الحديثَ وتففه، وعرف النحوَ وأيامَ الناس وأمورَهم، ثم تعبَّد، فلم يكن يتكلَّم في شيءٍ من ذلك. قال: وكان له جليسٌ يذاكره في الحديث، فقال له: لا تذاكرني في شيءٍ من ذلك أبدًا. وروى ابنُ سعدٍ عن الفضل بن دُكَين قال: كنتُ إذا رأيت داودَ الطائيَّ لا يُشبه القرَّاء، عليه قَلَنسُوة طويلةٌ مما يلبَس التجار، وجلس في بيته عشرين سنةً أو أقلَّ حتى مات، وحضرتُ جنازتَه مما رأيتها من كثرة الخَلْق. مات سنةَ خمسٍ وستِّين ومئةٍ في خلافة المهدي. وهذا قولُ ابن سعد، واتفقت الأئمَّة عليه، فقالوا: كان كبيرَ الشأن في العلم والورعِ والزُّهد والعبادة. وسمع الحديثَ الكثير وتفقَّه على أبي حنيفة، وعرف أيامَ الناس، وكان مكمَّلًا في حاله. وقال الهيثم: جاءت امرأةٌ إلى حلقة أبي حنيفةَ وداودُ جالس، فسألت مسألةً في الحيض، فأَجابها داود، فقالت: يا داود، هذا العلمُ فأين العملُ به؟ فوقع كلامُها في قلبه فاعتزل. والقولُ الثاني: حديثُ المرأةِ التي اجتاز بها في المقابر، فقال ابنُ عائشة: مرَّ داود الطائيُّ بمَقْبُرة، فسمع امرأةً وهي تقول: يا حبيبي، ليت شعري بأيّ خدَّيك بدأ البِلى، باليمنى أو باليسرى؟ قال: فصَعِق. وقرأتُ على شيخنا الموفَّقِ من كتاب "التوَّابين" (٢) عن الحِمَّاني قال: مرَّ داود بمقبرة على امرأةٍ تبكي وتقول، وذكره ثم قال: إنَّها أنشدت: [من الطويل] مقيمًا (٣) إلى أن يبعثَ اللهُ خَلْقَه … لقاؤك لا يُرجَى وأنت قريبُ

стр. 5794

تَزيد بِلًى في كلِّ يومٍ وليلةٍ … وتُسلَى كما تَبلى وأنت حبيبُ فانقطع داودُ إلى العبادة. ذِكْرُ طَرَف من أخبار داود: روى أبو نُعَيم (١) عن ابن عم لداودَ قال: ورث داودُ من أبيه عشرين دينارًا، فأَنفقها في عشرين سنةً كل سنةٍ دينارًا، ينفق في كلِّ شهرٍ درهمًا، منه يأكل ومنه يتصدَّق، وورث بيتًا، فكان يكون فيه، لا يعمره، كلَّما خرب منه جانبٌ تركه وتحوَّل إلى جانبٍ آخَر، فخرب كلُّه إلا زاويةً منه كان يكون فيها. وروى أبو نُعيمٍ أيضًا (٢) عن حفصِ بن عمرَ الجُعفيِّ قال: ورث داودُ عن أمِّه أربعَ مئةِ في رهم، فمكث يتقوَّت منها ثلاثين عامًا، فلمَّا نفدت جعل ينقض سقوفَ الدُّويرة فيبيع الخشبَ والبواريَ واللَّبِن، حتى بقي نصفُ سقف. قال: وجاءه صديق فقال: لو أعطيتَني هذه فأَبضعتُها لك لعلك أن تستفضلَ منها شيئًا تنتفع به. فما زال حتى دفعها إليه، ثم فكَّر فيها، فلقيه بعد العشاءِ الآخرة، قال: ارددها علي، قال: ولم؟ قال: أخاف أن يدخلَ فيها شيءٌ غير طيِّب. فأخذها منه. وقال إسحاقُ بن منصور: دخلتُ أنا وصاحبٌ لي على داودَ الطائيّ وهو قاعدٌ على التراب، فقلت لصاحبي: هذا رجل زاهد، فقال داود: إنَّما الزاهد مَن قَدَرَ فترك. وقال ابنُ أبي الدنيا: حدَّثني أحمدُ بن عمران: حدَّثني الوليدُ بن عُقبة قال: كان يُخبز لداودَ الطائيِّ ستُّون رغيفًا يعلِّقها بشريطٍ يُفطر في كلِّ ليلةٍ على رغيفَين بملحٍ وماء، فأخذ ليلةً فطرَه فجعل ينظر إليه. قال: ومولاةٌ له سوداءُ تنظر إليه، فقامت فجاءته بشيءٍ من تمر، فأَفطر ثم أحيا ليلَه إلى الصباح، ثم أصبح صائمًا، فلما جاء وقتُ إفطارِه أخذ رغيفًا ومِلحًا وماء، فجعل يعاتب نفسَه ويقول: اشتهيتِ البارحةَ تمرًا فأطعمتكِ إياه، واشتهيتِ الليلةَ تمرًا! لا ذاق داودُ تمرًا ما دام في الدنيا. وروى أبو نُعيمٍ (٣) عن حمَّادِ بن أبي حنيفةَ قال: قالت مولاةٌ لداودَ الطائي: يا داود،

стр. 5795

لو طبختُ لك دسمًا، قال: فافعلي، قال: فطبختْ له شحمًا، ثم جاءته به، فقال لها: ما فعل أيتامُ بني فلان؟ قالت: على حالهم، قال: اِذهبي به إليهم، فقالت: طبختُه لك وأنت إنَّما تأكل الخبزَ بالماء! فقال: إنِّي إذا أكلته كان في الحُشّ، وإذا أكله الأيتامُ كان عند اللهِ مذخورًا. وروى أبو نُعيم عن محمد بن بِشْر (١) العَبدي قال: قال داودُ يومًا لمولاةٍ له: أَشتهي لبنًا، فخذي رغيفًا وائتي البقَّال فاشتري به لبنًا، ولا تُعلمي البقالَ لمن هو. فذهبتْ فجاءته به، فأكل. وفطن البقالُ أنها تريد اللبنَ لداود، فطيّبه له، فقال لها داود: علم البقالُ لمن تشترين اللبن؟ قالت: نعم، قال: اِرفعيه. فما عاد إليه. قال (٢): وجاءه فُضيلٌ يومًا، فلم يفتخ له، فجلس فضيلٌ خارجَ الباب يبكي، وداودُ يبكي من داخل. قيل لمحمد (٣): كيف لم يفتح لهم الباب؟! فقال: كثَّروا عليه فغمُّوه فحجبهم، فمَن جاء منهم كلَّمه من وراءِ الباب. قال (٤): وقالت له أمّه: يا بني، لو اشتهيتَ شيئًا اتخذتُه لك، فقال: يا أُمَّاه، أَجيدي؛ فإني أريد أن أدعوَ إِخواني. قال: فاتخذتْ وأَجادت، فقعد على الباب لا يمرُّ به سائلٌ إلا أَدخله وأطعمه، فقالت له أمُّه: لو أكلتَ منه، قال: فمَن أكله غيري؟ فماتت أمُّه، وكانت موسِرة، فأَخرج جميعَ ما تركتْ حتى لصق بالأرض. وروى أبو نُعيمٍ عن إسماعيلَ بن زبَّان قال: حجم داودَ حجَّامٌ، فأعطاه دينارًا لم يملك غيرَه، فقيل له: هذا إِسراف! فقال. لا عبادةَ لمن لا مروءةَ له (٥). وروى عبدُ الله بن أحمدَ بنِ حنبلٍ قال: قال رجلٌ لداود: لو نحَّيتَ العنكبوتَ عن السَّقف، فقال: أَمَا علمتم أنهم كانوا يكرهون فضولَ النَّظر!

стр. 5796

وروى عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ عن ابن المباركِ أنَّه كان يقول؛ وهل الأمرُ إلَّا ما كان عليه داودُ الطائي. وحكى أبو نُعيم (١) أنَّ امرأةً من أهل داودَ صنعت ثريدةً بسمن، ثم بعثت بها إليه عند إفطاره مع جاريةٍ لها، قالت الجارية: فوضعتُ القصعةَ بين يديه، فشرع يأكل، وإذا بسائل على الباب، فقام فدفعها إليه وجلس معه على الباب حتى أَكلها، ثم دخل فغسل القَصعة، ثم عمد إلى تمرٍ كان بين يديه قد أعدَّه لإفطاره، فوضعه في القصعة ودفعه إليها وقال: أَقرئيها السَّلام. قالت الجارية: فدفع إلى السائل ما جئناه به، ودفع إلينا ما أَعدَّه لإفطاره، وبات طاويًا. وروى الخطيبُ (٢) عن إسماعيلَ بن زَبَّانَ قال: قالت دايةُ داود: يا أبا سليمان، أَما تشتهي الخبز؟ فقال: يا داية، بين مَضغ الخبزِ وشُربِ الفَتيت قراءةُ خمسين آية. وروى أبو نُعيم (٣) عن عبد اللهِ بن صالح العِجلي قال: دخلتُ على داودَ في مرضه الذي مات فيه، وليس في بيته إلَّا دَنٌّ مقيَّر يكون فيه خبزٌ يابس ومِطهرة، ولَبِنة على التُّراب يجعلها تحت وسادة، فهي مِخدَّته، وليس في بيته لا قليلٌ ولا كثير. وقال قَبِيصة: كان يشرب الماءَ السُّخْن، فيقال له: أما نبرِّد لك الماء؟ فيقول: الذي يُبرَّد له الماءُ في الصيف ويسخَّن له الماءُ في الشتاء لا يحبُّ لقاءَ اللهِ تعالى. وقال محمدُ بن حسَّان: قدم محمدُ بن قَحطبةَ الطائيُّ الكوفةَ وكان ابنَ عمِّ داود، فأرسل إلى داودَ ببدْرة (٤)، فردَّها، فأرسل إليه ببَدرتَين مع مملوكين وقال لهما: إنْ قبلهما فأنتما حُرَّان، فأَتيا إليه، فردَّهما، فقالا: إنَّ في قَبولهما عِتقَنا، فقال: إنْ كان في قبولهما عتقُكما من الرِّقّ، ففيه عِتقُ رقبتي من النار. ولم يقبلْهما، وقال: قولا له يردُّهما على مَن أخذهما منه، فهو أَولى.

стр. 5797

وقال طلحةُ القَنَّاد (١): ورث داودُ من ابن عمٍّ له مئةَ ألفِ درهمٍ لم يكن له وارثٌ غيره، فلم يأخذْ منها درهمًا وتصدَّق بالجميع. ذِكر نُبذةٍ من كلامه: ذَكَرَ ذلك ابنُ أبي الدنيا وأبو نُعيم والخطيبُ وصاحبُ "مناقب الأَبرار" وغيرُهم. فمن ذلك ما رواه أحمدُ بن أبي الحَوَاري عنه أنَّه قال: ما أَخرج اللهُ عبدًا من ذُلِّ المعصية إلى عزِّ الطاعةِ إلا أَغناه بلا مال، وأعزَّه بلا جاهٍ وبغير عشيرة، وآنسه من غير جماعة. وقال بكرُ بن محمد: قال لي داود: فرَّ من الناس فرارَك من الأسد. وروى الخطيبُ عن أبي الرَّبيع الأعرجِ أنَّه جاء إلى داودَ من واسط ليسمعَ منه شيئًا ويراه، فأقام على بابه ثلاثةَ أيامٍ لا يصل إليه، قال: كان إذا سمع الإقامةَ خرج، فإذا سلَّم وثب فدخل منزلَه. قال: فجاء فسلَّم يومًا وقد سبقتُه إلى بابه، فلما جاء ليدخلَ قلت: ضيفٌ رحمك اللهُ أتيتك من واسط، وأحبُّ أن تزوِّدَني شيئًا (٢)، فقال: صُم الدنيا واجعلْ فِطرَك الموت، قلت: زدني، قال: فِرَّ من الناس كفرارك من الأسد، غيرَ طاعنٍ عليهم (٣) ولا تاركٍ لجماعتهم. قال: فذهبتُ أَستزيده، فوثب إلى المحراب وقال: الله أكبر. وفي رواية: فقلت له: أَوصني، فقال: إن كان لك والدان فبِرَّهما. وروى أبو نُعيم (٤) عن عبد اللهِ بن إدريسَ قال: قلتُ لداود: أَوصني، فقال: أَقلِل من معرفة الناس، قلت: زدني، قال: ارضَ باليسير من الدنيا مع سلامة الدِّين كما رضي أهلُ الدنيا بالدنيا مع فساد الدِّين، قال: فقلت: زدني، فقال: اجعل الدنيا كيومٍ صمتَه ثم أَفطِر على الموت.

стр. 5798

وروى أبو نُعيمٍ (١) عن صَدَقةَ الزاهدِ قال: خرجنا مع داودَ الطائيِّ في جنازة بالكوفة، فقعد داودُ ناحيةً وهي تُدفن، فجاء الناسُ فقعدوا قريبًا منه، فقال: مَن خاف الوعيدَ قَصُرَ عليه البعيد، ومَن طال أملُه ضعف عملُه، وكل ما هو آت قريب، وكلُّ ما يشغلك عن الله من مالٍ وولد فهو عليك مشؤوم، وإنَّ أهلَ القبور إنَّما يفرحون بما يقدِّمون، ويندمون على ما يخلِّفون. وروى أبو نُعيم عنه أنَّه كان يقول: سبقني العابدون وبقيتُ (٢) وقُطع بي، والهفاه. وروى ابنُ أبي الدنيا عنه أنَّ رجلًا قال له: أَوصني، فقال: إنما الليلُ والنهارُ مراحل، ينزلهما الناسُ مرحلةً بعد مرحلةٍ حتى ينتهيَ بهم ذلك إلى آخر سفرِهم، فإن استطعتَ أن تقدِّمَ في كلِّ مرحلةٍ زادًا لما بين يديها فافعل، فإنَّ انقطاعَ السفر عن قريب، والأمرُ أَعجل من ذلك، فتزوَّد لسفرك، واقضِ ما أنت قاضٍ من أمرك، فكأنَّك بالأمر قد بغتك، إنِّي لَأقول لك هذا وما أَعلمُ أحدًا أشدَّ تضييعًا مني لذلك. وقال أبو نُعيم (٣): قال رجلٌ لداود: أَوصني، فقال: عسكرُ الموتى ينتظرونك. وقال له رجل: أَوصِني، فقال: لا يراك اللهُ حيث نهاك، ولا يفقِدُك حيث أمرك، فاستحيي من قربه منك وقدرته عليك. وقال أبو نُعيم (٤): قال رجلٌ لداود: أرأيتَ لو أنَّ رجلًا دخل على هؤلاء الأمراءِ فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط، قال: إنَّه يقوَى عليه، قال: أَخاف عليه السَّيف، قال: إنَّه يقوى عليه، قال: أَخاف عليه الداءَ الدَّفين، قال: ما هو؟ قال: العجْب. وقال سهلُ بن بكَّار: كان داودُ يقول: يا سوادَ ليلةٍ لا تُضيء، ويا بُعدَ سفرٍ لا ينقضي. قال: وجلس إليه عُقبةُ بن موسى، فقال له: يا عقبة، كيف يتسلَّى عن الحزن مَن

стр. 5799

تتجدَّد عليه المصائبُ كلَّ يوم! فخرَّ عقبةُ مغشيًّا عليه. قال: وقيل له: دلَّنا على رجلٍ نجلس إليه، فقال: تلك ضالَّة لا توجَد. ذِكْر وفاتِه وما يتعلَّق بها: روى أبو نُعيمٍ (١) عن حفص بنِ عمرَ الجُعفي قال: اشتكى داودُ أيامًا، وكان سبب علَّته أنه مرَّ بآية فيها ذِكرُ النار، فكرَّرها مرارًا في الليلة فأَصبح مريضًا، فوجدوه قد مات ورأسُه على لَبِنة. وفي روايةٍ (٢) أنَّه نزع نزعًا شديدًا. وقال حمَّاد بنُ أبي حنيفة: رأى رجلٌ في منامه في الليلة التي مات فيها داودُ أن داودَ يعدو وهو مكشوفُ الرأس، فقال له: إلى أين؟ فقال: الآن تخلَّصتُ من السجن. فانتبه الرجلُ وقد ارتفع الصُّراخ بموت داود. وقد ذكرنا أنَّ ابنَ سعدٍ قال: مات سنةَ خمسٍ وستِّين. وقال الهيثم: سنةَ ستٍّ وستّين ومئة. وقيل: سنةَ ستِّين ومئة. ذِكر ثناء العلماء عليه: قد ذكرنا أن سفيانَ الثوريَّ كان إذا ذُكر عنده داودُ يقول: أَبصر الطائيُّ أمرَه. وقال ابنُ المبارك: وهل الأمرُ إلَّا ما كان عليه داود. وحكى الخطيبُ (٣) عن محارِب بن دِثارٍ أنَّه كان يقول: لو كان في الأُمم الماضيةِ مثلُ داود، لقَصَّر اللهُ علينا خبرَه. وقال عبدُ العزيزِ بن محمد: رأيتُ داودَ الطائيَّ في المنام على المنبر والناسُ حوله، وفي روايه: رأيتُ في المنام قائلا يقول: مَن يحضر؟ فقلت: أنا، فقال: اسمع كلامَ ذاك العالمِ الذي يخطب ويُخبر عن أعلى المراتبِ ومنازلِ الأولياء. قال: فنظرتُ فإذا داودُ الطائي، ففهمت كلامَه: [من البسيط] ما نال عبدٌ من الرحمن في منزلةً … أعلى من الشَّوق إن الشَّوقَ محمودُ (٤) وروى الخطيبُ عن إسحاقَ بن منصورٍ قال: لَمَا مات داودُ الطائي شيَّع الناس

стр. 5800

جنازته، فلما دُفن قام ابن السَّماك على قبره فقال: يا داود، كنت تُسهر نومَك إذا الناسُ [ينامون، فقال القومُ جميعًا: صدقت. وكنت تربح إذا الناسُ] (١) يَخسرون، فقال الناسُ جميعًا: صدقت، حتى عدَّد فضائلَه كلَّها. فلمَّا فرغ قام أبو بكرٍ النَّهْشلي، فحمد الله، ثم قال: يا ربّ، إن الناسَ قالوا ما عندهم ومبلغَ ما علموا، اللهمَّ فاغفر لداودَ ولا تكِلْه إلى عمله. فكان (٢) قولُ النهشليِّ أعجبَ إلى الناس من قول ابنِ السمَّاك. أسند داودُ عن جماعةٍ من التابعين، منهم: أبو حنيفة، والأَعمش، وعبدُ الملك بن عُمَير، وحبيبُ بن أبي عَمرة، وحُميدٌ الطويل، وغيرُهم، ومات بالكوفة. انتهت ترجمتُه. عبدُ الرحمن بنُ ثابت بن ثَوبان أبو عبدِ الله العَنْسيُّ الدمشقي. ذكره ابنُ سعدٍ في الطبقة الخامسةِ من أهل الشام (٣). وكان من الأَبدال، مجابَ الدَّعوة، إذا رأته السِّباعُ خضعت بين يديه. وقد حكى الحافظُ ابن عساكرٍ عنه حكايةً عجيبة رواها عن محمدِ بن حسَّان الجبلي، قال: كان ابنُ ثوبانَ يسكن صَيدا بساحل دمشق، حمل يومًا غِرارةَ قمحٍ على حمارةٍ له، وخرج من صيدا فأَلقاها في الطاحون، وترك الحمارةَ ترعى في المَرْج، فجاء السَّبُعُ فافترس الحمارة، فرأى السبعَ قد افترسها، فصاح به: يا كلب، أَكلتَ حمارتي! تعال فاحمل دقيقَنا، فجاء السَّبعُ فأَلقى على ظهره الغِرارةَ وحملها إلى صيدا، فلمَّا وصل إلى بابها صاح به: قِفْ، فوقف، فأَلقى الغِرارةَ عن ظهره وقال: اذهب يا كلبُ لئلّا يفزعَ الصبيانُ منك، فذهب. وحكى أيضًا (٤) عن ابن ثوبانَ أنه دخل على المهديِّ فأَغلظ له في الكلام، فغضب المهديُّ وقال له: يا ابنَ ثَوبان، واللهِ لو كان المنصورُ حيًّا لما أَقالكَها، فقال له: لا تقلْ هذا، فواللهِ لو كُشف لك عنه حتى يُخبرَك بما عاينَ وما لقي لَما جلستَ مجلسَك

стр. 5801

هذا. فبكى المهديّ. قال (١): ودعاه أخٌ له فقال: تعشَّ عندي اللَّيلة، فما زال ينتظره حتى طلع الفجر، فلقيه فقال: ما الذي أَبطأَ بك عني؟ فقال: كنتُ في الوتر، فعرضتْ لي روضةٌ خضراء، فما زلت أَنظر فيها حتى أصبحت. وكانت وفاةُ ابنِ ثوبانَ في هذه السَّنة، وقد بلغ تسعين سنة، ومولدُه سنةَ خمسٍ وسبعين. أَسند عن أبيه وعطاءِ بن أبي رباحٍ وأبي الزِّناد وهشامِ بن عروةَ وغيرِهم. وقال الخطيب: قدم بغدادَ وحدَّث بها (٢). وكان أحمدُ بن حنبلٍ يُثني عليه ويقول: كان أعبدَ أهلِ الشام. ورُوي عنه أنَّه كان صالحًا عابدًا سليمَ الصدر. وقال أبو داود (٣): كان فيه سلامةُ صدر، ولاه المهديُّ على المظالم ببغداد. ورَّاد العجلي الكوفي من الطبقة السادسةِ من أهل الكوفة، كان من الخائفين البكَّائين. وروى ابنُ أبي الدنيا عن حفص بنِ غياثٍ قال: كنّا عند عمرَ بن ذَرٍّ ذاتَ يوم وهو يتكلَّم، فذكر رواجفَ القيامةِ وزلازلَها، فوثب رجلٌ من بني عِجلٍ يقال له: ورَّاد، فجعل يبكي ويصرخ ويضطرب، فحمل إلى منزله من بين القوم صريعًا، فقال عمرُ بن ذَرّ: يا ليت شعري ما الذي قصَّر بنا وكَلَم قلب ورَّادٍ حتى أبكاه الله! واللهِ إنْ هذا إلَّا من صفاء قلبِه وتراكُم الذنوبِ على قلوبنا. وكان ورَّادٌ يدخل المسجدَ مقنَّعَ الرأس، فيعتزل ناحية، فلا يزال يصلِّي ويبكي ويدعَو ما شاءَ الله. فكان هذا دأبَه، وكان قد عاهد الله ألا يضحك حتى ينظر إليه، وكان يصوم الدهر ويفطر على قُرصَين من شعيرٍ ويقوم الليل، فإذا كان في السَّحر جلس فدعا، وكان من دعائه: إلهي، عبدُك يحبُّ الاتصال بطاعتك، فأَعِنه عليها يا إلهي بتوفيقك أيها المنان، مولاي، عبدك يحب اجتنابَ

стр. 5802

سَخَطك، فأَعِنه على ذلك بتوفيقك، مولاي، عبدُك عظيمُ الرجاءِ لخيرك، فلا تقطع رجاءه يومَ يفرح الصابرون (١). فلا يزال على هذا حتى يُصبح، فلمَّا مات وحُمل إلى قبره، إذا اللحدُ مفروش بالرَّيحان، فأخذ بعضُ الذين نزلوا القبرَ منه شيئًا، فمكث عنده سمبعين يومًا طريًّا لا يتغيَّر، والناسُ يأتون إليه فيشاهدونه بُكرةً وعشيًّا، فخاف الأميرُ أن يفتتنَ الناس، فأَرسل فأخذه، ففقده الأميرُ من منزله فلا يُدرَى أين ذهب. يزيد بن منصورِ بن عبد الله الحِميَري خالُ المهدي. ولَّاه المنصورُ البصرةَ واليمن والولاياتِ العظيمة، وكذا المهديّ، وكان شجاعًا حازمًا جَوَادًا، محترمًا في بني العبَّاس. وقد ذكرنا أنه حجَّ بالناس في سنة تسع وخمسين ومئة، وسنةِ ستِّين مع المهدي (٢)، وكانت وفاتُه بالبصرة في هذه السَّنة بالاتفاق، واللهُ أعلم. * * *

стр. 5803

السَّنة السادسة والستُّون بعد المئة فيها عقد المهديُّ البَيعةَ لابنه هارونَ بعد موسى. ولقَّبه الرَّشيد، وكان هارونُ قد عاد من القُسطنطينية سالمًا غانمًا ومعه من المال ما كان تقرَّر بينه وبين المَلِكة، فقدم بغدادَ في المحرَّم. وفيها غضب المهديُّ على وزيره يعقوبَ بنِ داودَ وحبسه في المُطْبِق، فأقام سبعَ عشْرةَ سنةً محبوسًا، ثم أُخرج في أيَّام هارون، وسنذكره في سنة اثنتين وثمانين ومئة. وفيها اعتمر المهديُّ في رمضان، ومضى إلى المدينة فصلَّى بالناس صلاةَ الفِطر وخطب، وأَطلق المهديُّ عبدَ الصمد بنَ عليٍّ من حبسه. وفيها أَجدبت البلاد، فأمر المهديُّ الناسَ أن يَستسقوا، فذكر مصعبُ بن عبدِ الله الزُّبيريُّ عن الفضل بنِ الربيع قال: قُحِطَ الناسُ في سنة ستٍّ وستين ومئة، فنادى المهديُّ في الناس بأن يصوموا ثلاثةَ أيامٍ ويخرجوا في اليوم الرابعِ للاستسقاء، فصاموا ثلاثةَ أيامٍ وخرجوا في اليوم الرابعِ فسُقوا. وقيل: إنَّ الثلجَ نزل في الليلة الثالثة، فقال لَقيطُ بن بُكيرٍ (١) المحاربيُّ في ذلك هذه الأبيات: [من الخفيف] يا إِمامَ الهدى سُقينا بك الغيـ. … ـــــثَ وزالت عنَّا بك اللَّأواءُ بتَّ تدعو الإلهَ والناسُ نُوَّا … مٌ (٢) عليهم من الظَّلام غِطاءُ رقدوا حيث طال ليلُك فيهم … لك خوفٌ تضرُّعٌ (٣) وبكاءُ فسُقينا وقد قُحِطنا وقلنا … سنَةٌ قد تنكَّرت (٤) شهباءُ بدعاءٍ أَخلصته في ظلام الـ … ــــــليلِ لله فاستُجيب (٥) الدُّعاءُ بثلوجٍ تحيا بها الأرضُ حتى … أَصبحتْ وهي زهر خضراءُ

стр. 5804

وفيها أمر المهديُّ بإِقامة البريدِ من اليمن إلى مكَّة، ومن مكَّةَ إلى بغداد، ولم يكن قبل ذلك. وفيها أُتي المهديُّ بجماعةٍ من الأَعيان اتُّهموا بالزَّندقة، فاستتابهم المهديُّ وأطلقهم، وكان منهم داودُ بن رَوح بنِ حاتم، وكان أبوه روحُ بن حاتِمٍ عاملًا عَلى البصرة، فمنَّ المهديُّ على داود، ثم أَرسله إلى أَبيه وقال له: أَدِّب ولدَك. وحجَ بالنَّاس إبراهيمُ بن يحيى بنِ محمدٍ وهو على المدينة، واللهُ أعلم. وفيها توفِّي خالدُ بن بَرْمَك، أبو العباس ولد سنةَ تسعين، وكان يختلف إلى محمَّد بنِ عليٍّ (١) بالحُمَيمة، فلما مات محمدٌ اختلف إلى إبراهيمَ الإِمام، ولما قُتل أبو سَلَمةَ الخلَّالُ أمره أبو العباسِ أن يقرأَ الكتبَ عليه ويُجيبَ عنها، ولم يزل أمرُه يعلو حتَّى تُوفِّي السفَّاح وهو كاتبُه (٢)، وكان يكره هو والعقلاءُ أن يقال: الوزير؛ لقول سليمانَ بنِ مهاجرٍ في قتل أبي سَلَمة: [من الكامل] إنَّ الوزيرَ وزيرَ آلِ مُحَمَّدٍ … أَودَى فمَن يشناك كان وزيرًا وأمُّ خالد بنتُ يزيدَ امرأةُ خالدِ بن بَرْمكَ أَرضعت ريطةَ بنتَ السَّفَّاح بلِبان أمِّ يحيى بنتِ خالد، وأَرضعت أمُّ سلمةَ المخزوميةُ زوجةُ السفَّاح أمَّ يحيى بنتَ خالدٍ بلِبان ابنتِها ريطة، فدخل خالدٌ يومًا على السفَّاح، فقال له: يَا خالد، أَمَا رضيتَ حتَّى استخدمتَي؟ ففزع خالد وقال: كيف وأنا عبدُك؟! فضحك وقال: ريطة ابنتي تنام مع ابنتك أمِّ يحيى في مكانٍ واحد، فأَنتبهُ بالليل وقد انكشفتا، فأَقوم فأمدُّ اللِّحافَ عليهما، فقبَّل خالدٌ يديه وقال: مولًى يؤجَر في عبده وأَمَته. وأمُّ خالدِ بن بَرْمك أَمَةُ الله بنتُ صُول. ولما تُوفِّي أبو العباسِ أقرَّه أبو جعفرٍ على وزارته مُدَيدة، ثم استوزر أَبا أيوبَ المورياني، وكان أبو جعفرٍ يأنس بخالد، وكان أبو أيوبَ يحسُده، فأراد أن يُبعدَه عنه،

стр. 5805

فاتفق هجومُ الأكرادِ على فارس، فاشتدَّ ذلك على أبي جعفر، فاستشار أَبا أيوبَ وقال: انظر رجلًا أولِّيه فارس، فقال: ما أعرفُ رجلًا يقوم بها مثلَ خالد، فقال: صدقت. وعقد له على فارسَ وولَّاه حربها وخَراجها، وإنما كان يلي الحربَ واحدٌ والخراجَ آخَر، فكان خالدٌ أولَ مَن جُمع له الحربُ والخراج في دولة بني العباس، فسار إلى فارسَ ومعه وجوهُ النَّاس، وانتجعه الشعراءُ ومدحوه. وقال أبو عمرٍو العمراوي: أَجمع النَّاسُ ممن عرفناه من السادات والملوك والعلماءِ أنَّه ما بلغ مبلغَ خالدِ بن بَرمكَ أحدٌ من ولده، وأنَّ الفضائل التي (١) تفرَّقت فيهم اجتمعت فيه، كان فوق يحيى في رأيه وحِلمه، وفوق الفضلِ في سَخائه وكرمه، وفوق جعفرٍ في كتابته وفصاحته، وفوق محمدٍ في حُسن أُبَّهته، وفوق موسى في بأسه وشجاعته. ثم تصرَّفت الولاياتُ بخالد، وجرت له مع أبي جعفرٍ قِصص، وأَغرمه ثلاثةَ آلافِ أَلْف درهم، وولَّاه الموصل، فمات أبو جعفرٍ وهو عليها وابنُه يحيى على أَذْرَبيجان. ولما مات المنصورُ أقرَّه المهديُّ على الموصل وزاد فارسَ وأعمالها، فبعث ابنَه يحيى إليها، ثم ولي الرَّي، وكان مع المهديِّ بطَبَرِسْتان. وخالدٌ أوَّل مَن سمّى المنتجِعين الزوَّار، وكانوا يسمَّون السؤَّال، فقال ابنُ حُبيباتٍ (٢) يزيدُ بن خالدٍ الكُوفيّ (٣): [من الطويل] حذا خالدٌ في جُوده حَذْوَ بَرْمَكٍ … فمجدٌ له مستطرَفٌ وأَثيلُ فسمَّاهم الزُّوَّارَ سَترًا عليهمُ … وذلك مِن فعل النَّبيلِ نبيلُ ومِن مدحه في خالد: [من البسيط] لم يبقَ إلَّا الذي شيرازُ منزلُه … أَعني ابنَ برمكَ مِمَّن يُرتجى أَحدُ إنْ أَنْتَ لم تنقلب من خالدٍ بغنًى … فاقعدْ فقد مُلك المعروفُ والصُّعدُ وما أحدٌ من أهل خراسانَ إلَّا ولخالدٍ عليه مِنَّة ويد، وعلى غيرهم، وما كان له

стр. 5806

صاحبٌ وله دارٌ إلَّا وهي من نعمة خالد، ولا بستانٌ ولا قريةٌ ولا ابنٌ إلَّا وأمُّ ولدِه من خالد، ولا نعمةٌ إلَّا وخالدٌ أصلُها، وأَوقف على أبنائهم الأَوقاف. وخرج خالدٌ مع قَحطبةَ لمحاربة ابنِ ضبارة (١)، فنزلوا بعيدًا منه ولم يستعدُّوا للقائه، فجلس قحطبةُ وخالدٌ يومًا على سطح في قرية، وإذا بقطيعٍ من الوحش والظِّباء قد خالطت العسكر، فصاح خالد: اِلبسوا السلاحَ فقد دهمكم العسكر، فلبسوا، وإذا بابن ضبارةَ قد أَقبل في جيوشه، والتقَوا فاقتتلوا، فقُتل ابنُ ضبارة وغنموا عسكرَه، فقال قحطبةُ لخالد: من أين علمت؟ فقال: رأيت قُطعانَ الوحش والظباءِ قد أَقبلت خالطت العسكر، ومن صفتها أن تنفِر، فعلمتُ أنَّه قد دهمها جيشٌ عظيم، فخالطت الإنسَ من خوفها منه. وهجا أبو سَمَاعةَ المُعَيطيُّ خالدًا ويحيى فقال: [من الخفيف] زرتُ يحيى وخالدًا مخلِصًا للَّه … [دِيني] (٢) فاستصغرا بعضَ شاني ولو أنِّي أَلحدتُ في الله يومًا … ولو أنِّي عبدتُ ما يعبدانِ ما استخفَّا فيما أظنُّ بشأني … ولأَصبحتُ منهما في مكانِ إنَّ شَكلي وشكلَ مَن يجحد … الله وآياتِه لَمختلفانِ وبلغ خالدًا فلم يقل شيئًا، وكان حليمًا، وبقيت في قلب يحيى، فلما مات خالدٌ وولي يحيى الوزارةَ دخل عليه المُعَيطي، فلما رآه يحيى قال: مَن القائل: زرتُ يحيى وخالدًا مخلصًا لله؟ قال: ما أعلم. فاستحلفه بالله وبطلاق زوجتِه وصدقةِ ماله أنَّه ما يعلم مَن قاله، فحلف، فالتفت يحيى إلى أصحابه وقال: نحتاج نجدِّد لأبي سَمَاعةَ منزلًا وزوجة، يَا غلام، أَعطِه عشرةَ آلافِ درهمٍ وتختًا من الثياب، فأَعطاه، وخرج المعيطيُّ فقال: ما أَصنع بابن الزانية [أبي] (٣) إلَّا كرمًا، وبلغت يحيى، فاستدعاه فقال: ما الذي قلت؟

стр. 5807

فأَنكر وقال: حسدوني، فقال يحيى: لا أَعدمك اللهُ ما جبلك عليه من لؤم طباعِك ومذمومِ أخلاقك، وما هو إلَّا كما قال عمرُ بن الخطاب ﵁: المؤمنُ لا يَشفي غيظَه. ثم إن المُعَيطيَّ هجا سليمانَ بنَ أبي جعفر، وكان محسِنًا إليه، فضربه مئة سَوطٍ وحلق رأسَه ولحيتَه (١). ذِكْر وفاةِ خالد: كان المهديُّ قد أَشخصه إلى الغزو لبلاد الرومِ مع ابنه هارون، فمات أخوه الحسنُ بن برمكَ في تلك الغَزاة، فجزع عليه ومرض، ودخل بغدادَ وهو مريض، فبعث إليه المهديُّ من عنده أَكفانًا وحَنُوطًا، وبعث ابنَه موسى بنَ المهدي فصلَّى عليه، وذلك في جمادى الأُولى من هذه السَّنةِ (٢) وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة. * * *

стр. 5808

السَّنة السابعةُ والستُّون بعد المئة فيها جدَّ المهديُّ في طلب الزَّنادقة، وكتب إلى الآفاق بسببهم، وقتل صالحَ بن عبدِ القُدُّوس، وأُحضر بين يديه آدمُ بن عبدِ العزيز بنِ عمرَ بن عبدِ العزيز -وكان شاعرًا ماجنًا خَليعًا ثم تنسَّك، وكان يُرمى بالزَّندقة- فقال له المهديّ: زعموا أنك زِنديق، فأَنكر، فضربه ثلاثَ مئةِ سَوط، فقال: واللهِ ما أشركتُ بالله طَرْفَة عين، ولو قطعتَني إِرْبًا إربًا ما أَقررتُ على نفسي بباطل، قال: ألستَ القائل: [من مجزوء الرمل] اسقني واسق خليلي … في مدى الليلِ الطويلِ قهوةً صفراءَ (١) صِرْفًا … سُبيتْ من نهر بِيلِ (٢) قل لمن يلحاكَ فيها … من فقيهٍ أو نبيلِ أَنْتَ دعْها وارجُ أخرى … من رَحيق السَّلسبيلِ فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، كنتُ فتًى من فِتيان قريشٍ أَمجُن مع الفتيان بلساني، واعتقادي مع ذلك التوحيدُ والإيمانُ بالله، فلا تؤاخذني بما أَسلفت، فالتوبة تَجبُّ ما قبلها، واحفظْ فيَّ عُمَر، فخلَّى سبيلَه. وبات آدمُ ليلةً ببغداد فأَكلته البراغيث، فقال: [من الطَّويل] تطاولَ في بغدادَ ليلي ومَن يَبِت … ببغدادَ يلبث [ليلَه] غيرَ راقدِ بلادًا (٣) إذا زال النهارُ تقافزت … براغيثُها من بين مثنَى وواحدِ دَيازِجةٌ (٤) شُهْبُ البطونِ كأنها … بِغالُ بريدٍ سُرِّحت في مواردِ وهذه الأبياتُ من قصيدةٍ يمدح فيها الرَّيّ، أولُها: هنيئًا لَأهل الرَّيِّ طِيبُ بلادِهم … وواليهم الفضلُ بن يحيى بنِ خالدِ

стр. 5809

وفيها أمر المهديُّ يقطينَ بن موسى بزيادةٍ في المسجد الحرام، وكان ضيِّقًا، فقدم يقطينُ فاشترى دُورًا كثيرةً وأَدخلها في المسجد، فمات المهديُّ ولم يتمَّ بناؤه. وفيها (١) أَظلمت الدنيا ظلمةً شديدة لليالٍ بقينَ من ذي الحِجَّة، وأَمطرت السماءُ رملًا أَحمر، ودام ذلك، ثم وقع عقيبَه وباءٌ شديد هلك معظمُ أهلِ بغدادَ والبصرة، وأقامت الْظُّلمة من السَّحر حتَّى ارتفع النهار. وفيها توفِّي عيسى بنُ موسى. وحجَّ بالنَّاس إبراهيمُ بن يحيى بن محمدٍ وهو على المدينة، ولَمَّا عاد إلى المدينة توفِّي بعد الحجِّ بأيام، وولَّى المهديُّ المدينةَ إسحاقَ بن عيسى بنِ علي. وفيها توفِّي بشَّارُ بن بُرْد أبو معاذٍ العُقَيلي الشَّاعر، مولى بني عُقَيل، ويقال له: المرعَّث؛ لقوله: [من مجزوء الخفيف] مَن لظَبْيٍ مرعَّثٍ (٢) … فاتنِ الطَّرْفِ والنظرْ قال لي لستَ نائلي (٣) … قلتُ أو يَغلب القَدَرْ وُلد وهو أَعمى، وكان يأتي من التَّشبيهات بما لا يقدر أن يأتيَ بمثله البُصَراء، مثل قولِه: [من الطَّويل] كأنَّ مَثارَ النَّقْع فوق رؤوسِنا (٤) … وأَسيافَنا ليلٌ تَهاوَى كواكبُهْ وكان بشارٌ شاعرًا خطيبًا، صاحبَ منثورٍ ومِزْواجٍ (٥) وسَجْع ورسائل، وهو المقدَّم في الشعراء المحدَثين، وهو بصريٌّ قدم بغداد، وشهد له أبو تَمَّامٍ بالفضل، وقال الشِّعرَ ولم يبلغ عشرَ سنين، وقال ثلاثةَ عشَرَ ألفَ بيتٍ جيِّد، فمنه: [من الخفيف]

стр. 5810

ولها مِيسَمٌ كثَغر (١) الأَقاحي … وحديثٌ كالوَشي وشيِ البُرودِ نزلتْ في السَّواد من حَبَّة القلـ … ـبِ وزادت زيادةَ المستزيدِ (٢) عندها الصبرُ عن لقائي وعندي … زَفَراتٌ تأكلن صبرَ الجليدِ ومنه: [من مجزوء البسيط] قالوا العَمَى منكرٌ قبيحٌ … قلت لفقدي لكمْ يهونُ واللهِ ما في الأَنام شيءٌ … تأسَى على فقده العيونُ (٣) أخذه أبو العلاءِ المعرِّيُّ فقال: [من السريع] أَبا العَلَا يَا ابنَ سليمانا … إنَّ العَمَى أَولاك إِحسانا لو عاينتْ عيناك هذا الورى … لم يرَ إنسانُك إنسانًا (٤) وكان أبوه يضربه ويقول: كفَّ لسانَك عن النَّاس، فقال له: يَا أَبَة، لا تضربْني، وقيل لهم إذا شكَوني إليك: ليس على الأَعمى حَرَج. فقال لهم ذلك، فقالوا: فِقهُ بُرْدٍ أضرُّ علينا من شِعر بشار. ومن شِعره في ابن هُبَيرةَ من أبيات: [من الطَّويل] إذا كنت في كلِّ الأمورِ (٥) معاتبًا … خَليلَك لم تلقَ الذي لا تعاتبُهْ إذا أَنْتَ لم تشربْ مِرارًا على القَذَى … ظمئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُهْ فعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاك فإنَّه … مقارِفُ ذنبٍ (٦) مرَّةً ومجانبُهْ أخوك الذي إنْ تدعُه لمُلِمَّة … يُجِبْك وإنْ عاتبتَه لانَ جانبُهْ إذا كان خرَّاجًا أخوك من الهوى … توجِّهُه في كلِّ إِرْبٍ ركائبُهْ فخَلِّ له وجهَ الفراقِ ولا تكن … مطيَّةَ رحَّالٍ بعيدٍ مذاهبُهْ فأعطاه ابنُ هُبيرةَ أربعين ألفًا. وقيل: إنها للمتلمِّس.

стр. 5811

ذِكرُ وفاته: بلغ المهديَّ أنَّه هجاه، وشهد قومٌ عليه بالزندقة، فأمر المهديُّ بضربه، فضُرب ضربَ المتلف، فمات وقد بلغ نيِّفًا وتسعين سنة. وقيل: سعى به يعقوبُ بن داودَ إلى المهديِّ وقد هجا أخاه صالحًا لَما ولَّاه المهديُّ البَطِيحةَ والأهوار فقال: [من الطَّويل] همُ حملوا فوق المنابرِ صالحًا … أَخاك فضجَّت من أخيك المنابرُ (١) وبلغ يعقوب، فدخل على المهديِّ فقال: إنَّ هذا الأعمى الزنديقَ قد هجاك، فقال: وما الذي قال: فقال: أَوَ تُعفيني؟ فقال: لا بدّ، فقال: قال: [من السريع] خليفةٌ يزني بعمَّاته … يلعب بالدُّفِّ وبالصَّولجانْ أَبدلنا اللهُ به غيرَه … ودسَّ موسى في حِرِ (٢) الخَيزُرانْ وكان بشارٌ لما استولى يعقوبُ على المهديِّ وولَّى الزيديةَ نفائسَ الأعمالِ هجاه فقال: [من البسيط] بني أُميةَ هبُّوا طال نومكمُ (٣) … إنَّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ داودِ ضاعت خلافتكمْ يَا قومُ فاطَّلبوا … خليفةَ الله بين النارِ والعُودِ فقال المهدي: عليَّ به. فخاف يعقوبُ أن يَقدَمَ على المهديِّ فيمدحَه فيعفوَ عنه، وكان بشارٌ بالبَطِيحة، وقيل: بالبصرة، فأرسل يعقوبُ غِلمانًا ليُحضروه إلى المهديِّ وقال لهم: غرِّقوه في الخرَّارة بالبَطِيحة. وقيل: إن المهديَّ قتله ودفنه على حمَّاد عَجْرد على تلّ. فإن صحَّت هذه الرواياتُ فقد تقدَّمت وفاتُه؛ لأن المهديَّ نكب يعقوبَ في سنة ستٍّ وستِّين ومئة، وعلى قول مَن يقول: إنه دُفن على قبر عَجْرد، فقد تأخَّرت وفاته؛ لأنَّ عَجْردًا هلك سنةَ ثمانٍ وستِّين ومئة، والله أعلم. الحسنُ بن صالحِ بن حَيّ أبو عبدِ الله الكُوفيّ، من الطَّبقة السادسة. كان ناسكًا عابدًا فقيهًا وَرِعًا، كان يسمَّى

стр. 5812

حيَّةَ الوادي؛ لأنَّه ما كان ينام الليلَ ولا يقبل بِرَّ أحد، وكان يُفطر على خُبز الشعير. وقال: فتَّشنا على الورع فلم نجدْه في شيءٍ أعزَّ منه في اللسان. وقام ليلة بـ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١] يردِّدها ويبكي ويغشى عليه، ثم يُفيق فيردِّدها إلى الصباح. وكان يصلِّي الليل كلَّه ثم يجلس في مصلاه، ويجلس أخوه عليٌّ يبكي في حجرته، وتجلس أمُّهما تبكي في غرفتها. وقال خَلَف بنُ تميم: لما مات عليٌّ وماتت الأمُّ ومات حسن، رأيتُه في المنام، فقلت: ما فعلت الوالدة؟ فقال: بُدِّلت واللهِ بذاك البكاءِ سرورَ الأبد. قلت: وعليٌّ وأنت؟ فقال: وهل نتَّكل إلَّا على عفوه. وكان حسنٌ إذا صعد المنارةَ ليؤذِّنَ أَشرف على المقابر، فإذا نظر إلى الشَّمس تحوم على القبور صرخ وغُشي عليه، فيُحمل إلى منزله. وكان إذا خرج في جنازةٍ فنظر إلى اللَّحد فيغشى عليه، فيُحمل على النَّعش إلى بيته. وكان لَمَّا مات ابنَ ستِّين سنة، واتفقوا على أنَّه كان ثقةً صحيحَ السَّماع كثيرَ الحديث. أَسند عن أبي إسحاقَ السبيعي وأعيانِ التابعين، وشغله الخوفُ عن الرواية. صالحُ بن عبد القُدُّوس أبو الفضلِ البَصْرِيّ، مولى الأَزد. كان شاعرًا فصيحًا فاضلًا متكلِّمًا، وله الشعرُ الرائقُ في الزُّهد وغيرِه، وقد اتَّهمه المهديُّ بالزَّندقة فأَمر بحمله إليه، فلمَّا خاطبه أَعجبه غزارةُ علمِه وأدبُه وحُسنُ بيانه، فأَمر بإطلاقه، فلما ولَّى ردَّه وقال له: ألستَ القائل: [من السريع] والشيخُ لا يترك أخلاقَه … حتَّى يوارَى في ثرى رَمْسِهِ إذا ارعوى عادَ إلى جهله … كذي الضَّنَى عاد إلى نُكسهِ قال: بلى، قال: وأنت لا تترك أخلاقَك (١)، ونحن نحكم فيك بحكمك. ثم أَمر به فقُتل وصُلب على الجسر.

стр. 5813

وأوَّل هذه الأبيات: وإنَّ مَن أدَّبتَه في الصِّبا … كالعُود يُسقى الماءَ في غرسهِ حتَّى تراه ناضرًا مُورِقًا … بعدَ الذي أَبصرتَ من يُبسه والقَ أخا الضِّغْن بإِيناسه … ليدركَ الفرصةَ في أُنسه كاللَّيث لا يَفرِس أَقرانَه … حتَّى يرى الفُرصةَ في فَرْسه ما يبلغ الأعداءُ من جاهلٍ … ما يبلغ الجاهلُ من نفسه والشيخُ لا يترك أخلاقَه … حتَّى يوارَى في ثَرَى رَمسه إذا ارعوى عادَ إلى جهله … كذي الضَّنى عاد إلى نُكسه ومن شِعره: [من الكامل] المرءُ يجمع والزمان يفرِّق … ويظلُّ يَرْقع والخطوبُ تمزِّقُ ولَأَن يعاديَ عاقلًا خيرٌ (١) له … من أن يكونَ له صديقٌ أحمق فارغبْ بنفسك لا تصادقْ أَحمقًا … إنَّ الصديقَ على الصديق مصدَّق وزِن الكلامَ إذا نطقتَ فإنما … يُبدي عيوبَ ذوي العقولِ المنطق ومن الرِّجال إذا استوت أخلاقُهمْ (٢) … مَن يُستشار إذا استُشير فيُطْرق حتَّى يُجِيلَ بكلِّ وادٍ قلبَه … فيرى ويعرف ما يقول فيَنطِق وإن امرؤٌ لسعتْه أَفعى مرَّة … تركتْه حين يُجَرُّ حبلٌ يَفْرَق لا أَلقينَّك (٣) ثاويًا في غُربةٍ … إنَّ الغريبَ بكلِّ نَبلٍ يُرشَق ما النَّاسُ إلَّا عاملان فعاملٌ … قد مات من عطشٍ وآخَرُ يَغرق والناسُ في طلب المعاشِ وإنَّما … بالجَدِّ يُرزق منهمُ مَن يُرزق لو يُرزقون على وِزان عقولهمْ … أَلفيتَ أكثرَ مَن ترى يتصدَّق وإذا الجنازةُ والعروسُ تلاقيا … أَلفيتَ مَن تبع العَرائِسَ (٤) يعبق

стр. 5814

ورأيتَ مَن تبع الجنازةَ باكيًا … ورأيت دمعَ جوانحٍ (١) يترقرق لو سار ألفُ مدجَّجٍ في حاجةٍ … لم يقضِها إلَّا الذي يترفَّق إن الترفُّقَ للرفيق موافقٌ … وإذا تسابق فالترفُّق أَسبَق بقي الذين إذا يقولوا يَكذِبوا … ومضى الذين إذا يقولوا يَصْدُقوا (٢) وقال: [من البسيط] إنَّ الغنيَّ الذي يرضى بعيشته … لا مَن يظلُّ على ما فات مكتئبا لا تحقرنَّ من الأيام محتقَرًا … كلُّ امرئٍ سوف يُجزى بالذي كسبا قد يحقر المرءُ ما يَهوى فيركبه … حتَّى يكونَ إلى توريطه سببا إنَّ العدوَّ إذا أَبدى مُكاشرَةً … إذا رأى منك يومًا فرصةً وثبا إذا وترتَ امرأً فاحذرْ عداوتَه … مَن يزرع الشوكَ لا يحصدْ به عِنَبا (٣) وقال: [من الوافر] أَنِستُ بوحدتي ولزمتُ بيتي … وطاب العيشُ لي ونما السرورُ وأدَّبني الزمانُ فصرتُ فردًا … وحيدًا لا أُزار ولا أَزور ولستُ بقائلٍ ما دمت حيًّا … أَسار الجيشُ أم ركب الأَمير ومَن يكُ جاهلًا برجال دهري … فإنِّي عالمٌ بهمُ خبير (٤) وقال: [من الكامل] لا يُعجبنَّك مَن يصون ثيابَه … حَذَرَ الغبارِ وعِرضُه مبذولُ ولربَّما افتقر الفتى فرأيتَه … دَنِسَ الثيابِ وعِرضُه مغسول (٥) وقال: [من الطَّويل] تخيَّرْ من الإِخوان كلَّ ابنِ حُرَّةٍ … يسرُّك عند النائباتِ بلاؤهُ

стр. 5815

وقارِنْ إذا قارنتَ حُرًّا فإنَّما … يَزين ويُزري بالفتى قُرناؤه حبيبًا وفيًّا ذا حِفاظٍ بغَيبةٍ … وبالبِشر والبُشرى يكون لقاؤه أريبًا إذا شاورتَ في كلِّ مُشْكلٍ … أديبًا يسوءُ الحاسدين بقاؤه فلن يَهلِكَ الإنسانُ إلَّا إذا أتى … من الأمر ما لم يرضَه نُصحاؤه تمسَّك بهذا إنْ ظفرتَ بوُدِّه … فيَهنيك منه وُدُّه ووفاؤه (١) قال: [من الطَّويل] تجنَّبْ قرينَ السُّوءِ واصرِمْ حباله … فإنْ لم تجد عنه مَحيصًا فدارهِ ومَنْ يطلب المعروفَ من غير أهلِه … يجدْه وراءَ البحرِ أو في قراره ولله في عَرْض السَّماواتِ جنَّةٌ … ولكنَّها محفوفةٌ بالمكاره وقال: [من السريع] كلٌّ إلى الغاية محثوثُ … والمرءُ موروث ومبعوثُ فكن حديثًا حَسَنًا سائرًا … بعدَك فالدنيا أحاديث (٢) واختلفوا في قتله هل قتله المهديُّ أو عاش بعدَه، فقال الخَطيب (٣): قتله المهديّ، وكان قد هجاه، وبلغه عنه أنَّه عرَّض برسول اللهِ ﷺ في أبيات. وقال أبو اليقظان: كان صالحٌ يناظر أَبا الهُذيل العلَّاف المعتزليَّ ويظهر عليه دائمًا ويحمِّقه ويستجهله، فحمله ذلك على أن صنَّف كتابًا في الزَّندقة وعزاه إلى صالح، وبعث به إلى المهديِّ وقال: هذا تصنيفُ صالح، فقتله المهديُّ في آخر سنةِ ثمانٍ وستِّين ومئة، ومات المهديُّ في المحرَّم أوائلَ سنةِ تسعٍ وستِّين ومئة، فكان بينهما أقلُّ من شهر. وقال أحمدُ بن عبدِ الرَّحْمَن المعبِّر: رأيت صالحًا في منامي ضاحكًا مستبشرًا، فقلت له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: وردتُ على ربٍّ لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمتُ براءتك مما رُميتَ به، فطِبْ نفْسًا وقرَّ عينًا.
следующие страницы →