← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

ذِكرُ وفاته: بلغ المهديَّ أنَّه هجاه، وشهد قومٌ عليه بالزندقة، فأمر المهديُّ بضربه، فضُرب ضربَ المتلف، فمات وقد بلغ نيِّفًا وتسعين سنة. وقيل: سعى به يعقوبُ بن داودَ إلى المهديِّ وقد هجا أخاه صالحًا لَما ولَّاه المهديُّ البَطِيحةَ والأهوار فقال: [من الطَّويل] همُ حملوا فوق المنابرِ صالحًا … أَخاك فضجَّت من أخيك المنابرُ (١) وبلغ يعقوب، فدخل على المهديِّ فقال: إنَّ هذا الأعمى الزنديقَ قد هجاك، فقال: وما الذي قال: فقال: أَوَ تُعفيني؟ فقال: لا بدّ، فقال: قال: [من السريع] خليفةٌ يزني بعمَّاته … يلعب بالدُّفِّ وبالصَّولجانْ أَبدلنا اللهُ به غيرَه … ودسَّ موسى في حِرِ (٢) الخَيزُرانْ وكان بشارٌ لما استولى يعقوبُ على المهديِّ وولَّى الزيديةَ نفائسَ الأعمالِ هجاه فقال: [من البسيط] بني أُميةَ هبُّوا طال نومكمُ (٣) … إنَّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ داودِ ضاعت خلافتكمْ يَا قومُ فاطَّلبوا … خليفةَ الله بين النارِ والعُودِ فقال المهدي: عليَّ به. فخاف يعقوبُ أن يَقدَمَ على المهديِّ فيمدحَه فيعفوَ عنه، وكان بشارٌ بالبَطِيحة، وقيل: بالبصرة، فأرسل يعقوبُ غِلمانًا ليُحضروه إلى المهديِّ وقال لهم: غرِّقوه في الخرَّارة بالبَطِيحة. وقيل: إن المهديَّ قتله ودفنه على حمَّاد عَجْرد على تلّ. فإن صحَّت هذه الرواياتُ فقد تقدَّمت وفاتُه؛ لأن المهديَّ نكب يعقوبَ في سنة ستٍّ وستِّين ومئة، وعلى قول مَن يقول: إنه دُفن على قبر عَجْرد، فقد تأخَّرت وفاته؛ لأنَّ عَجْردًا هلك سنةَ ثمانٍ وستِّين ومئة، والله أعلم. الحسنُ بن صالحِ بن حَيّ أبو عبدِ الله الكُوفيّ، من الطَّبقة السادسة. كان ناسكًا عابدًا فقيهًا وَرِعًا، كان يسمَّى

стр. 5812

حيَّةَ الوادي؛ لأنَّه ما كان ينام الليلَ ولا يقبل بِرَّ أحد، وكان يُفطر على خُبز الشعير. وقال: فتَّشنا على الورع فلم نجدْه في شيءٍ أعزَّ منه في اللسان. وقام ليلة بـ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١] يردِّدها ويبكي ويغشى عليه، ثم يُفيق فيردِّدها إلى الصباح. وكان يصلِّي الليل كلَّه ثم يجلس في مصلاه، ويجلس أخوه عليٌّ يبكي في حجرته، وتجلس أمُّهما تبكي في غرفتها. وقال خَلَف بنُ تميم: لما مات عليٌّ وماتت الأمُّ ومات حسن، رأيتُه في المنام، فقلت: ما فعلت الوالدة؟ فقال: بُدِّلت واللهِ بذاك البكاءِ سرورَ الأبد. قلت: وعليٌّ وأنت؟ فقال: وهل نتَّكل إلَّا على عفوه. وكان حسنٌ إذا صعد المنارةَ ليؤذِّنَ أَشرف على المقابر، فإذا نظر إلى الشَّمس تحوم على القبور صرخ وغُشي عليه، فيُحمل إلى منزله. وكان إذا خرج في جنازةٍ فنظر إلى اللَّحد فيغشى عليه، فيُحمل على النَّعش إلى بيته. وكان لَمَّا مات ابنَ ستِّين سنة، واتفقوا على أنَّه كان ثقةً صحيحَ السَّماع كثيرَ الحديث. أَسند عن أبي إسحاقَ السبيعي وأعيانِ التابعين، وشغله الخوفُ عن الرواية. صالحُ بن عبد القُدُّوس أبو الفضلِ البَصْرِيّ، مولى الأَزد. كان شاعرًا فصيحًا فاضلًا متكلِّمًا، وله الشعرُ الرائقُ في الزُّهد وغيرِه، وقد اتَّهمه المهديُّ بالزَّندقة فأَمر بحمله إليه، فلمَّا خاطبه أَعجبه غزارةُ علمِه وأدبُه وحُسنُ بيانه، فأَمر بإطلاقه، فلما ولَّى ردَّه وقال له: ألستَ القائل: [من السريع] والشيخُ لا يترك أخلاقَه … حتَّى يوارَى في ثرى رَمْسِهِ إذا ارعوى عادَ إلى جهله … كذي الضَّنَى عاد إلى نُكسهِ قال: بلى، قال: وأنت لا تترك أخلاقَك (١)، ونحن نحكم فيك بحكمك. ثم أَمر به فقُتل وصُلب على الجسر.

стр. 5813

وأوَّل هذه الأبيات: وإنَّ مَن أدَّبتَه في الصِّبا … كالعُود يُسقى الماءَ في غرسهِ حتَّى تراه ناضرًا مُورِقًا … بعدَ الذي أَبصرتَ من يُبسه والقَ أخا الضِّغْن بإِيناسه … ليدركَ الفرصةَ في أُنسه كاللَّيث لا يَفرِس أَقرانَه … حتَّى يرى الفُرصةَ في فَرْسه ما يبلغ الأعداءُ من جاهلٍ … ما يبلغ الجاهلُ من نفسه والشيخُ لا يترك أخلاقَه … حتَّى يوارَى في ثَرَى رَمسه إذا ارعوى عادَ إلى جهله … كذي الضَّنى عاد إلى نُكسه ومن شِعره: [من الكامل] المرءُ يجمع والزمان يفرِّق … ويظلُّ يَرْقع والخطوبُ تمزِّقُ ولَأَن يعاديَ عاقلًا خيرٌ (١) له … من أن يكونَ له صديقٌ أحمق فارغبْ بنفسك لا تصادقْ أَحمقًا … إنَّ الصديقَ على الصديق مصدَّق وزِن الكلامَ إذا نطقتَ فإنما … يُبدي عيوبَ ذوي العقولِ المنطق ومن الرِّجال إذا استوت أخلاقُهمْ (٢) … مَن يُستشار إذا استُشير فيُطْرق حتَّى يُجِيلَ بكلِّ وادٍ قلبَه … فيرى ويعرف ما يقول فيَنطِق وإن امرؤٌ لسعتْه أَفعى مرَّة … تركتْه حين يُجَرُّ حبلٌ يَفْرَق لا أَلقينَّك (٣) ثاويًا في غُربةٍ … إنَّ الغريبَ بكلِّ نَبلٍ يُرشَق ما النَّاسُ إلَّا عاملان فعاملٌ … قد مات من عطشٍ وآخَرُ يَغرق والناسُ في طلب المعاشِ وإنَّما … بالجَدِّ يُرزق منهمُ مَن يُرزق لو يُرزقون على وِزان عقولهمْ … أَلفيتَ أكثرَ مَن ترى يتصدَّق وإذا الجنازةُ والعروسُ تلاقيا … أَلفيتَ مَن تبع العَرائِسَ (٤) يعبق

стр. 5814

ورأيتَ مَن تبع الجنازةَ باكيًا … ورأيت دمعَ جوانحٍ (١) يترقرق لو سار ألفُ مدجَّجٍ في حاجةٍ … لم يقضِها إلَّا الذي يترفَّق إن الترفُّقَ للرفيق موافقٌ … وإذا تسابق فالترفُّق أَسبَق بقي الذين إذا يقولوا يَكذِبوا … ومضى الذين إذا يقولوا يَصْدُقوا (٢) وقال: [من البسيط] إنَّ الغنيَّ الذي يرضى بعيشته … لا مَن يظلُّ على ما فات مكتئبا لا تحقرنَّ من الأيام محتقَرًا … كلُّ امرئٍ سوف يُجزى بالذي كسبا قد يحقر المرءُ ما يَهوى فيركبه … حتَّى يكونَ إلى توريطه سببا إنَّ العدوَّ إذا أَبدى مُكاشرَةً … إذا رأى منك يومًا فرصةً وثبا إذا وترتَ امرأً فاحذرْ عداوتَه … مَن يزرع الشوكَ لا يحصدْ به عِنَبا (٣) وقال: [من الوافر] أَنِستُ بوحدتي ولزمتُ بيتي … وطاب العيشُ لي ونما السرورُ وأدَّبني الزمانُ فصرتُ فردًا … وحيدًا لا أُزار ولا أَزور ولستُ بقائلٍ ما دمت حيًّا … أَسار الجيشُ أم ركب الأَمير ومَن يكُ جاهلًا برجال دهري … فإنِّي عالمٌ بهمُ خبير (٤) وقال: [من الكامل] لا يُعجبنَّك مَن يصون ثيابَه … حَذَرَ الغبارِ وعِرضُه مبذولُ ولربَّما افتقر الفتى فرأيتَه … دَنِسَ الثيابِ وعِرضُه مغسول (٥) وقال: [من الطَّويل] تخيَّرْ من الإِخوان كلَّ ابنِ حُرَّةٍ … يسرُّك عند النائباتِ بلاؤهُ

стр. 5815

وقارِنْ إذا قارنتَ حُرًّا فإنَّما … يَزين ويُزري بالفتى قُرناؤه حبيبًا وفيًّا ذا حِفاظٍ بغَيبةٍ … وبالبِشر والبُشرى يكون لقاؤه أريبًا إذا شاورتَ في كلِّ مُشْكلٍ … أديبًا يسوءُ الحاسدين بقاؤه فلن يَهلِكَ الإنسانُ إلَّا إذا أتى … من الأمر ما لم يرضَه نُصحاؤه تمسَّك بهذا إنْ ظفرتَ بوُدِّه … فيَهنيك منه وُدُّه ووفاؤه (١) قال: [من الطَّويل] تجنَّبْ قرينَ السُّوءِ واصرِمْ حباله … فإنْ لم تجد عنه مَحيصًا فدارهِ ومَنْ يطلب المعروفَ من غير أهلِه … يجدْه وراءَ البحرِ أو في قراره ولله في عَرْض السَّماواتِ جنَّةٌ … ولكنَّها محفوفةٌ بالمكاره وقال: [من السريع] كلٌّ إلى الغاية محثوثُ … والمرءُ موروث ومبعوثُ فكن حديثًا حَسَنًا سائرًا … بعدَك فالدنيا أحاديث (٢) واختلفوا في قتله هل قتله المهديُّ أو عاش بعدَه، فقال الخَطيب (٣): قتله المهديّ، وكان قد هجاه، وبلغه عنه أنَّه عرَّض برسول اللهِ ﷺ في أبيات. وقال أبو اليقظان: كان صالحٌ يناظر أَبا الهُذيل العلَّاف المعتزليَّ ويظهر عليه دائمًا ويحمِّقه ويستجهله، فحمله ذلك على أن صنَّف كتابًا في الزَّندقة وعزاه إلى صالح، وبعث به إلى المهديِّ وقال: هذا تصنيفُ صالح، فقتله المهديُّ في آخر سنةِ ثمانٍ وستِّين ومئة، ومات المهديُّ في المحرَّم أوائلَ سنةِ تسعٍ وستِّين ومئة، فكان بينهما أقلُّ من شهر. وقال أحمدُ بن عبدِ الرَّحْمَن المعبِّر: رأيت صالحًا في منامي ضاحكًا مستبشرًا، فقلت له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: وردتُ على ربٍّ لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمتُ براءتك مما رُميتَ به، فطِبْ نفْسًا وقرَّ عينًا.

стр. 5816

وقال الهيثم: لما طلب المهديُّ صالحًا هرب واستخفى منه، ومات المهديُّ وقام الهادي، فلم تَطُلْ أيامه، فلم يطلبْه، ووَلي الرشيدُ وقدم الرقَّة، فجلس يومًا مجلسَ العامَّة، فدخل عليه صالحٌ وهو لا يعرفه، فأنشد: [من الكامل] لَمَّا رأتكَ الشمسُ طالعةً … سجدتْ لوجهك طلعةُ الشمسِ خيرُ الخلائقِ أَنْتَ كلِّهمِ … في يومك الماضي وفي أمسِ مِن نبعةٍ طالت أَرومتها … أهلِ الوفا ومعادنِ القُدس إنِّي أتيت إليك من جَزَع … كان التوكُّل عنده تُرسي واللهُ يعلم أنَّني رجل … ما إنْ أَضعتُ إِقامةَ الخَمس من أبيات، فقال له هارون: مَن أَنْتَ؟ فقال: عبدُك صالح، قال: قد عفونا عنك. وأمر له بعشرة آلافِ درهم، وكتب له كتابًا إلى عامل البصرةِ يوصيه به (١). والظاهر أن المهدي قتله، والله أعلم. عُتبة بن أَبان بنِ صَمعة (٢) ويلقَّب بعتبة الغلام لصِغَر سنِّه، بل لجِدِّه في العبادة واجتهادِه. وكان كثيرَ التعبُّد والبكاء، يصوم الدهرَ ويُفطر على خبز الشعير والملح الجَرِيش، وكان يَعجِن دقيقَه في الشَّمس ويأكله ويقول: كِسرةٌ وملحٌ حتَّى يُهيَّأ لنا الطعامُ الطيِّب في الدار الأخرى. وكان يَضفِر الخُوصَ ويتقوَّت به. وهو من الطَّبقة السادسةِ من أهل البصرة. بكى في مجلس عبدِ الواحد بن زيدٍ تسعَ سنين، لا يفترُ من البكاء من حينِ ابتداءِ عبد الواحدِ إلى حينِ يقوم، فقيل له: إنَّا لا نفهم كلامَك من بكاء عُتبة، فقال: تبكي عينُه على نفسه وأَنهاه أنا! لَبئس واعظُ قومٍ أنا! ونام عُتبةُ ليلةً على جانب البحرِ وقال: إنْ تعذِّبْني فإنِّي لك مُحبّ، وإنْ رحمتَني فإنِّي

стр. 5817

لك مُحبّ. فلم يزل يردِّدها إلى الفجر. وقال: نأكل الخبزَ والملحَ ونقول: العُرس في الدار الأُخرى. وكان يقول: قَطَعَ ذِكْرُ العَرْضِ على الله أَوصال المحبِّين. وكان يقول: كابدتُ الليلَ عشرين سنة ثم تنعَّمت به عشرين سنة. وقال عبدُ الواحد بنُ زيد: انطلقتُ أنا وعتبةُ في حاجة، حتَّى إذا كنا برَحبة القصَّابين إذا بعُتبةَ يَعرَق عَرَقًا شديدًا، وكان ذلك في يوم شاتٍ شديدِ البرد، فقلتُ له في ذلك، فقال: هذا مكانٌ عصيتُ الله فيه. وكان لعُتبةَ بيتٌ يتعبَّد فيه، فلمَّا خرج إلى الشَّام أَقفله وقال: لا تفتحوه حتَّى يَبلغَكم موتي، فاستُشهد في بعض الغَزَوات، ففتحوه وإذا فيه قبرٌ محفور وغُلٌّ من حديد. وقال قُدامة بنُ أَيُّوب: رأيتُ عتبةَ في المنام بعد موته، فقلت له: يَا عُتبة، ما فعل اللهُ بك؟ فقال: دخلتُ الجنةَ بتلك الدَّعَواتِ المكتوبةِ في حائط بيتك. قال: فلما أصبحتُ نظرت إلى بيتي، فإذا على الحائط مكتوب: يَا هاديَ المضلِّين، ويا راحمَ المذنبين، ويا مُقيلَ عَثَرات العاثرين، ارحمْ عبدَك المسكينَ والمسلمين أجمعين، واجعلنا مع الأحياءِ المرزوقين، مع الذين أَنعمتَ عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداءِ والصالحين، آمينَ يَا ربَّ العالمين. عيسى بنُ موسى ابنِ محمَّد بن عليِّ بن عبدِ الله بن العباس، أبو موسى. هو ابنُ أخي السَّفَّاحِ والمنصور، نشأَ بالبَلقاء، ثم خرج مع أهله إلى العراق، كان جليلًا نبيلًا في أهل بيته، ولي إِمرةَ الموسمِ في خلافة عمَّيه، وولَّاه أبو العباسِ العهدَ بعد أبي جعفر، ومولدُه سنةَ ثلاثٍ أو أربعٍ ومئة، وتوفِّي أبوه موسى غازيًا في بلاد الرومِ سنةَ ثمانٍ ومئةٍ وعُمره سبعٌ وعشرون سنة، وكان عيسى طفلًا، فضمَّه إليه إبراهيمُ الإِمام، فكان يتيمَه، ولما أَخذ مروانُ إبراهيمَ ويئس من نفسه، أَوصى مَن حضره من خاصَّته أن الأمرَ بعده لأبي العباسِ ثم لعيسى بنِ موسى (١)، ففعل ذلك أبو العباس مدةَ

стр. 5818

خلافته، وأَوصى إلى أبي جعفرٍ أن يجعلَه بعده، فعاب النَّاسُ على أبي العباسِ مخالفتَه لأخيه إبراهيم، ثم خَلَعَه المنصورُ بعد ذلك، ولَمَّا خلعه أَقام بالكوفة، ومدةُ إقامته في العهد ثلاثٌ وعشرون سنة، ثم خلعه المهديّ، وكان يلقَّب في ولاية العهدِ بالمرتضَى، وهو الذي تولَّى قتال إبراهيمَ ومحمدٍ ابنَي عبدِ الله بنِ حسن، واستعمله أبو العباسِ على الكوفة، فلم يزل واليًا عليها حتَّى عزله أبو جعفرٍ سنةَ سب وأربعين ومئةٍ، وولَّاها محمدَ بن سليمانَ بنِ عليّ. وفي عيسى يقول ابنُ هَرْمة (١): [من المتقارب] قضيتُ اللُّبانةَ من حاجتي … وقلتُ لعبديَ قُمْ فارحلِ أَتتك الرواحلُ والمُلجَمات … بعيسى بنِ موسى فلا تَعجَلِ تأنَّيت أَرجوك إنَّ الرَّجا … ءَ منك على الخير للأفضل (٢) فأنت كريمُ بني هاشمٍ … إذا المجدُ ولَّى إلى المُفْضِل سَبوقٌ إلى قَصَبات العُلى … عَطوفُ اليدين على المُعْيِل (٣) فدونَكَها يا ابنَ ساقي الحَجِيج … فإنِّي بها عنك لم أَبخل توارثتُموها وكنتمْ بها … أَحقَّ وأَوْلى من الجُهَّل من أبيات. وكان عيسى إذا حج حجَّ بأُناس من أهل المدينة، ويتعرَّضون له فيَصِلُهم، فمرَّ بأبي الشدائدِ الفَزاريِّ وهو يُنشد ويقول: [من الرجز] وعُصبةٌ إن حجَّ عيسى حجُّوا … وإنْ أَقام بالعراق دجُّوا والقومُ (٤) قومٌ حجُّهمْ مُعْوَجُّ … ما هكذا كان يكون الحجُّ فسلَّم عليه أبو الشَّدائد، فلم يردَّ عليه وقال: ويحك تهجو حجَّاجَ بيتِ الله! فاعتذر إليه.

стр. 5819

ووُلد لعيسى ابنة، فاغتمَّ وامتنع من الطعام، فبلغ ذلك بُهلولًا، فجاءه فدخل عليه وقال: أيُّها الأمير، بلغني أنَّه ولد لك ابنةٌ فاغتممت، فأيُّما أحبُّ إليك ابنة عاقلة أو ابنٌ مجنون مثلي؟ فقال: لا واللهِ إلَّا ابنةً عاقلة، ودعا بالطعام فأَكل. وبلغ عيسى أنَّ الحسن بنَ قحطبةَ أشار على المنصور يخلعه وولايةِ المهدي، فهدَّده بالقتل، فتمثل المنصور بقول جَرِير: [من الكامل] زعم الفرزدقُ أنْ سيقتل مِرْبعًا … أَبشِر بطول سلامةٍ يَا مِربعُ (١) ذِكْرُ وفاته: كانت وفاتُه بالكوفة لثلاث ليالٍ بقين من ذي الحِجَّة، وكان يومئذٍ على الكوفة رَوحُ بن حاتِم عاملًا للمهدي، فأحضر القضاةَ والشهودَ والقوَّاد وأَشهدهم على وفاته، وحضر جنازتَه، فقيل له: تقدَّم فصلِّ عليه، فقال: ما كان اللهُ ليرى رَوحًا يصلِّي على عيسى بنِ موسى، فليتقدَّم أكبرُ ولده، فأَبَوا عليه وأَبى عليهم، فتقدَّم العباسُ بن عيسى فصلّى عليه. وأَظلمت الدنيا عند موتِه يومًا كاملًا. وبلغ المهديَّ امتناعُ رَوحٍ من الصلاة عليه، فغضب وكتب إليه: قد بلغني ما كان من نُكوصك عن الصلاة على عيسى، أَبنفسك (٢) أم بأَبيك أم بجَدِّك كنت تصلِّي عليه! أوليس (٣) ذلك مقامي لو حضرتُ فإذا غبتُ كنتَ أَولى به لموضعك من السُّلطان! ثم أَمر بمحاسبته، وكان يلي الخَراجَ مع الصَّلاة والأحداث. وتوفِّي عيسى والمهديُّ واجدٌ عليه وعلى ولده، وكان يكره أن يتقدَّمَ عليه لجلالته، وكان لعيسى خمسٌ وستُون سنةً يوم مات. ذِكرُ أولاده: كان له أَحد وخمسون ولدًا: أحدٌ وثلاثون ذَكَرًا، وعشرون أُنثى، فمات من الذكور واحدٌ ومن الإناث سِتّ، فورثه من الذكور ثلاثون ومن النِّساء أربعَ عشرةَ امرأة. * * *

стр. 5820

السَّنة الثامنةُ والستُّون بعد المئة فيها مات زعيمُ الزنادقةِ عمرُ الكَلْوذاني، فأَقاموا عِوضه محمدَ بن عيسى من أهل ميسان، ويلقب حمدويه، وأُتي بجماعةٍ منهم إلى المهديِّ فقتلهم. وفيها نقضت الرومُ الصلحَ الذي كان هارونُ قرَّره، فبعث المهديُّ إليهم عليَّ بن سليمانَ وقيسَ بن يزيدَ بن البدرِ بن البطَّال في جيشٍ كثيف، وكان ابنُ البطال على قِنَّسرينَ وعليُّ بن سليمانَ على الجزيرة (١)، فأَوغلوا في بلاد الرومِ وقتلوا وسَبَوا، وخرج المهديُّ نحو واسط فنزل على نهر، فوصل أهلُه وخواصُّه، فسُمِّي نهرَ الصِّلة لذلك، وهو تحت واسط. وحجَّ بالنَّاس عليُّ بن المهدي، وهو ابن رَيطة. وفيها تُوفِّي الحسنُ بن زيدِ ابن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، أبو محمدِ الهاشميُّ المدنِيُّ. من الطَّبقة الخامسةِ من أهل المدينة، وأمُّه أمُّ ولد. وكان عابدًا ثِقَة، وعنده أحاديث. ولَّاه أبو جعفرٍ المدينة، فوليها خمسَ سنين، ثم غضب عليه وعزله، واستصفى كلَّ شيءٍ له فباعه، وحبسه، وولَّى بعده عبدَ الصمد بنَ علي، فكتب المهديُّ إلى عبد الصَّمد: إياك وحسنَ بنَ زيد، ارفقْ به ووسِّع عليه، ففعل عبدُ الصمد. فلم يزل محبوسًا حتَّى مات أبو جعفر، فأَخرجه المهديُّ فأَقدمه عليه، وردَّ عليه كلَّ شيءٍ ذهب له، ولم يزل مع المهديِّ حتَّى خرج المهديُّ يريد الحجَ سنةَ ثمانِ وستِّين وهو معه، وكان الماءُ في الطريق قليلًا، فخشي المهديُّ على مَن معه من العطش، فرجع من الطريق ولم يحجّ، ومضى حسنُ بن زيدٍ إلى مكَّة، فاشتكى أيامًا ومات بالحاجر، فدُفن هناك.

стр. 5821

وكان من الأَجواد الممدَّحين، وأوَّل ما عُرف من شرفه أنَّ أباه تُوفِّي وهو غلام وخلَّف دَينًا عليه أربعةَ آلافِ دينار، فحلف ألا يُظلَّه سقفٌ حتَّى يقضيَ دَينَ أَبيه، فقضاه، ومات على خمسة أميالٍ من مكَّة، وقيل: بالمدينة، وهو ابنُ خمسٍ وثمانين سنة، وكان له من الولد: محمَّد، والقاسم، وأمُّ كلثوم، تزوَّجها السفَّاح، فوَلدت له غلامَين هلكا صغيريد، وأمُّهم أمُّ سلمةَ بنتُ حسينٍ الأَثرم بنِ حسن بن عليِّ بن أبي طالب، وعليّ، وإبراهيم، وزيد، وعيسى، وأمّهم أمُّ ولد، وإسماعيل، وإسحاق لأمِّ ولد، وعبدُ الله، وأمُّه رَباب بنت بِسطام من بني شيبان. أَسند الحسنُ عن أَبيه وعن عكرمةَ وغيرِهما، وروى عنه محمدُ بن إسحاقَ ومالكُ بن أنسٍ وابنُ أبي ذِئْب وغيرُهم، وكان ثقةً صدوقًا رحمه اللهُ تعالى. حمَّاد بن سَلَمة أبو سلمةَ البَصْرِيّ، مولى بني تميم. من الطَّبقة الخامسةِ من أهل البصرة، وهو ابنُ أخت حُميدٍ الطَّويل، وكانا يقصَّان على النَّاس. وكان حمادٌ زاهدًا عابدًا صالحًا، لو قيل له: إنَّك تموت غدًا، ما زاد في العمل شيئًا. وقال مقاتلُ بن صالح: دخلت على حمَّاد، فإذا هو جالسٌ في البيت على حصيرٍ ليس فيه غيرُه ومصحفٌ يقرأ فيه، وجِرابٌ فيه عِلْمه، ومِطهرةٌ يتوضَّأ فيها. فبينا أنا جالسٌ عنده إذ دقَّ البابَ داقّ، فقال: يَا صَبيَّة، اُخرجي فانظري مَن هذا، فخرجت وعادت، وقالت: رسولُ محمدِ بن سليمان، فأَذن له، فدخل فناوله كتابًا فيه: من محمدِ بن سليمانَ إلى حمادِ بن سَلَمة، سلامٌ عليك، أما بعد: فصبَّحك اللهُ بما صبَّح به أولياءَه وأهلَ طاعته، قد وقعت مسألةٌ فأْتِنا لنسألَك عنها، والسلام. فقال مقاتل: قال لي: اقلبْ الكتاب، فقلبتُه، فقال: اكتب، فكتبت: أمَّا بعد: وأنت صبَّحك اللهُ بما صبَّح به أولياءه وأهلَ طاعته، إنَّا أدركنا العلماءَ وهم لا يأتون أحدًا، فإن كانت وقعت مسألةٌ فأْتنا وسلْ عمَّا بدا لك، ولا تأتِني إلَّا وحدك، ولا تأتني بخَيلك ورَجِلك، فإنِّي لا أَنصح لك، والسلام. قال: فبينا أنا عنده إذ جاء محمدُ بن سليمان، فقال للصَّبية: قولي له لا يَدخل إلَّا وحده، فدخل وسلَّم وجلس بين يديه وقال: ما لي إذا نظرتُ إليك امتلأتُ رعبًا؟! فقال

стр. 5822

حماد: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقول. سمعت أنس بن مالكٍ يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ : "إنَّ العالِمَ إذا أراد بعِلمه وجهَ اللهِ هابَه كلُّ شيء، وإذا أَراد يكتنزُ به الكنوزَ هاب من كلِّ شيء"، فقال: أربعون أنس درهمٍ تأخذها تستعين بها على ما أَنْتَ عليه، فقال: اردُدْها على مَن ظلمتَه بها، فقال: واللهِ ما أعطيتك إلَّا ما ورثتُه، قال: لا حاجةَ لي فيها، ازوها عنِّي زوى اللهُ عنك أوزارَك، قال: فتقسمها، قال: فلعلي لا أَعدلُ فيها فيقول بعضُ مَن يُرزَق منها: لم يَعدِل، ازوها عني زوى اللهُ عنك أَوزارَك (١). وقال موسى بنُ إسماعيل: ما رُئي حمادٌ ضاحكًا قط، كان مشغولًا بنفسه، إمَّا أن يقرأ، وإما أن يصلِّي، وإما أن يسبِّح. وقال حماد: كانت لي جارةٌ ولها بناتٌ يتامى، وكانت ليلةً ممطرة، فوكف عليهم السَّقف، فسمعتُ المرأةَ وهي تقول: يَا رفيقُ ارفقْ بنا، فسكن المطرُ وانقطع الدَّلف، فقلت: هذه امرأةٌ مستجابةُ الدعوة، فأخذتُ في كمِّي دنانيرَ ونزلت، فطرقتُ عليها الباب، فقالت: كن حمادَ بن سَلَمة، فقلت: أنا حمَّاد، ففتحت البابَ وقالت: ما الذي بك؟ قلت: سمعتكِ وأنت تقولين: يَا رفيقُ ارفق بنا، فما بلغ من رِفقه بك، قالت: قطع الدلفَ عنا وأَدفأَ البيت، فنام الصِّغار. فأخرجتُ الدنانيرَ من كمِّي وقلت: أَنفقي هذه الدنانيرَ علي بناتك وأَيتامِك، وإذا بصبيَّة خُماسية -أي: بنتُ خمسِ سنين- قد خرجتْ وعليها جبَّة صوفٍ تستبين حروفها، فقالت: قد علمنا يَا حمادُ أنَّما بعثك إلينا بالدنيا ليطردَنا عن بابه، ردَّ دنانيرَك عافاك الله، فنحن في غِنًى عنها. ثم أَغلقت البابَ ودخلتْ، فانصرفتُ. وقال يونُس بنُ محمَّد: مات حمادٌ في المسجد وهو يصلِّي، وقيل: وهو ساجده وقال أبو عبدِ الله التَّميميُّ عن أَبيه قال: رأيتُ حمادَ بن سلمةَ في المنام بعد موته، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: خيرًا، أَوقفني بين يديه وقال: طال ما كددتَ نفسَك في دار الدنيا، فاليومَ أُطيل راحتَك وراحةَ المتعوبين في الدنيا، بخٍ بخٍ ماذا أَعددتُ لهم! أَسند حمادٌ عن الحسن وابنِ سِيرينَ (٢) والأوزاعيِّ والزُّهري وخَلْقٍ كثير، واتفقوا

стр. 5823

على صدقه وثقتِه وديانته. خارجةُ بن مصعب بن خارجة أبو الحجَّاج. كان من الجوَّالين الرحَّالين في طلب الحديث، فيقال: إنَّه طاف الدنيا، وروى عنه الأئمَّة، ولم يسمع من الزُّهْرِيّ، وسبب ذلك أنَّه رآه يومًا في السُّوق راكبًا وبين يديه الأَعوان، قال: فقلت: مَن هذا؟ فقالوا: الزُّهْرِيّ، ولي شرطةً لبعض بني مروان، فقلت: قبَّح اللهُ هذا مِن عالِم، وانصرفتُ ولم أسمع منه، ثم ندمت، فقدمتُ على يونُس، فروى لي عن الزّهري. وقد ضعَّفه بعض الأئمَّة لأنه كان يقول بالإِرجاء (١). عُبيد (٢) الله بنُ الحسن ابنِ الحُصين بن أبي الحُرِّ العنبري. قاضي البصرة، طُلب للقضاء بعد وفاةِ سوَّار بنِ عبد اللهِ فهرب، فقال له أبوه: يَا بُني، إن كنتَ هربت طلبًا لسلامة دِينك فقد أحسنت [وإن كنتَ هربت ليكونَ أحرصَ لهم عليك فقد أحسنْت] (٣) أَيضًا. فاستُقضي بعد سوَّار. وكان يقول: لأَن أكونَ ذَنَبًا في الحقِّ أحبُّ إليَّ من أن أكونَ رأسًا في الباطل. وكتب المهديُّ إليه كتابًا وهو قاضي البصرة، فقرأه وردَّه، فاستقدمه المهديُّ وقال: رددتَ كتابي! فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، لم أردَّ كتابك، ولكنَّ الكتابَ الذي ورد عليَّ كان ملحونًا، وأميرُ المُؤْمنين لا يكتب كتابًا ملحونًا. فأَعجبه ووصله وردَّه إلى عمله. وكان عُبيد الله فقيهًا عاقلًا عفيفًا، وكان كثيرَ المَزح، فقال له رجل: إنَّك لا تعاب بشيءٍ إلَّا بالمزح، فقال: إنِّي لأَمزح ولا أَقول إلَّا حقًّا. ثم قال: لو قلتُ لك: إنَّ في داري عيسى بنَ مريمَ الساعةَ أكنتَ تصدِّقني؟ فقال الرَّجل: هذا من ذاك، وكان في

стр. 5824

داره رجلٌ جصَّاص يعمل فيها، فصاح به: يَا عيسى، قال: لبَّيك، قال: ابنُ مَن أَنْتَ؟ قال: ابنُ مريم، فقال عبد الله للرجل: إذا اتَّفق لي مثلُ هذا فما أصنع؟! وشتمه رجل، فقبض على لحيته وقال: شيبي يمنعني أن أردَّ عليك. ولي القضاءَ سنةَ سبعٍ وخمسين ومئة، ومات سنةَ ثمانٍ وستِّين، وكان ثِقَةً صدوقًا. محمدُ بن ميمون أبو حمزةَ السُّكَّري. سُمِّي بذلك لحلاوة كلامه، وكان فاضلًا جَوَادًا سَمْحًا عالمًا. أراد جارٌ له بيعَ داره فقال: كم ثمنُها؟ فقال: ألفًا دينار، ألفٌ لثمن الدار، وألف لجوار أبي حمزة (١). وبلغه، فأرسل إليه بأربعة آلافِ دينًارٍ وقال: لا تبعْ دارَك. وقال: ما شبعتُ منذ ثلاثين سنةً إلَّا أن يكونَ عندي ضيف. وقال ابنُ مَعين: كان من ثقات النَّاس، وقدم بغدادَ في حَداثته، وكان مجابَ الدَّعوة، وكان الحسينُ بن واقدٍ قاضيًا، فأتى أَبا حمزةَ فأَخبره بقضيَّة قضى فيها، فقال له: قضيتَ بالجَور (٢)، أَنْتَ لا تعرف القضاءَ فلم دخلتَ فيه؟ فبكى ابنُ واقدٍ وقال: اللهم ابتلِ أَبا حمزةَ بما ابتليتَني به، فقال أبو حمزة: اللهم إن ابتليتَني بما ابتليتَه به فأَعمِ بصري، فما مضت الأيامُ حتَّى استُقضي أبو حمزةَ وذهب بصرُه بعد أيام، فاستُجيب لهما جميعًا. ومات في سنة ثمانٍ وستِّين ومئة، وقيل: سنةَ سبعٍ وستين. أَسند عن أبي إسحاقَ السبيعي والأعمشِ وغيرِهما، وروى عنه ابنُ المبارك وغيرُه، وكان صَدوقًا ثِقَة، احتج بحديثه البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما وغيرُهما. مِنْدَل (٣) بنُ علي أبو عبدِ الله العَنَزي. كان فاضلًا صدوقًا. وقال معاذُ بن معاذ: دخلت الكوفةَ فلم أجد

стр. 5825

بها أحدًا أَورعَ من مِنْدَل. ومرَّت جاريةٌ ومعها سلَّة فيها رُطَب بمِنْدل في حَلْقته، وأصحابُ الحديث حوله، فوقفت تسمع كلامَه، فظنَّ أنَّ السلَّة قد أُهديت إليه، [فقال: قدِّميها قدِّميها، وقال لمن حوله: كلوا، فأَكلوا ما فيها، وانصرفت الجاريةُ إلى سيِّدها وقد احتبست، فقال لها: ما أسرعَ ما جئتِ! فقالت: وقفت أَسمع من هذا الشيخِ فقال: قدِّمي السلَّة، ففعلت، فأكل الذي حولَه ما فيبها، وكان سيدُها رجلًا من العرب] (١)، فقال لها: أنتِ حرَّة لوجه اللهِ تعالى. حدَّث مِنْدل عن الأَعمش وغيرِه، وقال ابن مَعين: لا بأسَ به، وقال مرَّة: هو ضعيف، رحمه اللهُ تعالى. * * *

стр. 5826

السَّنة التاسعةُ والستُّون بعد المئة فيها في أوَّلها خرج المهديُّ من بغدادَ يريد ماسَبَذان، واستخلف الربيعَ الحاجبَ على بغداد، وسببُ خروجه أنَّه رأى تقديمَ هارونَ على موسى، فأَرسل إلى موسى وهو بجُرْجان يستدعيه إلى بغدادَ وقد علم بذلك، فامتنع، فأَرسل إليه بعضَ الموالي فلم يُجِب، فسار المهديُّ يريده، فمات في طريقه. وحدُّ ماسَبَذان من باهندف إلى الماهكي إلى القَرْمِيسين إلى حُلْوان، هذا كلُّه يسمَّى ماسَبَذان، وكان موسى الهادي بجُرْجان، فهلك المهديُّ بقريةٍ من قُرى ماسَبَذان. البابُ الرابع في ذِكْر موسى الهادي إلى الله أبي محمَّد وُلد بالرَّيِّ سنةَ ستٍّ وأربعين ومئة، وبويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوه، وهو يومُ الجُمُعة، ثانيَ عشرين المحرَّم، وهو ابنُ أربع وعشرين سنة، وكان مقيمًا بجُرْجانَ يحارب أهلَ طَبَرستان. وكان مع المهدي -لَمَّا مات- ولدُه هارونُ ومولاه الربيعُ ويحيى بنُ خالد، فاجتمع الموالي والقوَّاد وعمرُ بن بزيعٍ ونُصيرٌ والمفضَّل وأَشاروا على هارونَ بأن يرجعَ إلى بغدادَ ويحملَ المهديَّ معه؛ فإنَّه متى علم الجندُ بموته شَغَبوا وطلبوا أرزاقَهم، فقال هارون: ادعُوا لي أَبي يحيى بنَ خالد، وكان المهديُّ لما ولَّى ابنَه هارونَ من الأَنبار إلى إِفريقيةَ فوَّض أمورَ البلاد إلى يحيى بنِ خالد، فكان عند هارونَ بمنزلة الوالد، فلمَّا حضر يحيى عند هارونَ قال له: إنَّ الموالي والموَّادَ قد أشاروا بأن يُحملَ أميرُ المُؤْمنين إلى بغداد، وذكروا كذا وكذا، فقال يحيى: ليس هذا برأي، قال: ولمَ؟ قال: لأنَّه أمر لا يخفى، وربما تعلَّقوا بمَحْمِله إذا سار وشغبوا وطلبوا رزقَ ثلاثِ سنينَ وأكثروا، ولكن أرى أَن يوارَى ها هنا، وتوجِّهَ نُصيرًا الوصيفَ بالخاتَم والقضيبِ والتعزية والتهنئةِ إلى أمير المُؤْمنين الهادي على البريد؛ فإنَّ الجندَ لا ينكرون ذلك، وتُعطيَ الجندَ كلَّ واحدٍ مئتين مئتين، وتناديَ فيهم بالقُفول، فإذا قبضوا العطاءَ لم يبقَ لهم همَّة سوى أوطانِهم وأهاليهم، ففعل هارونُ ذلك، وتقدَّموا إلى بغدادَ وتأخَّر هارون، ولما علموا

стр. 5827

ببغدادَ بموت المهديّ شغبوا وطلبوا من الرَّبيع الحاجبِ أرزاقَهم، فاعتذر، فأَحرقوا بابَه وأَطلقوا الحبوس، وكان نائبَ المهديِّ ببغداد، وقدم هارونُ بغداد، فطلب الجندُ أرزاقَهم، فبعثت الخَيزُرانُ إلى الرَّبيع، فدخل عليها، فأما يحيى فلم يدخل؛ لعلمه بشدَّة غَيرة موسى، وأَشار عليها الربيعُ بالإِنفاق في الجند لسنتين، فقبلتْ رأيَه، فسكتوا. وقيل: إنّما أَنفق فيهم رزقَ ثمانيةَ عشَرَ شهرًا، وذلك قبل قدومِ هارون، فلمَّا قدم هارونُ أخذ البَيعةَ لأخيه موسى، وضبط أمورَ بغداد، وبلغ الهادي دخولُ الربيعِ على الخَيزران، فعزَّ عليه، وكتب إلى الرَّبيع يتهدَّده بالقتل، وكتب إلى يحيى يشكره ويأمره أن يستمرَّ على حالة في أمر أخيه هارون. واجتمع الربيعُ بيحيى بنِ خالد وكان بينهما مودَّة، فأَخبره بكتاب موسى إليه وقال: لا صبرَ لي على القتل وجَرِّ الحديد، فقال: أرى أن تبعث ابنَك الفضلَ يستقبله بالهدايا والأَلطاف، فإنِّي أرجو أن تُكْفى شرَّه، فبعث ابنَه بالهدايا، ومع هذا فإنَّه أَيقن بالهلاك، وكتب وصيَّته وأَوصى إلى يحيى، فقال: لا أحبُّ أن أنفردَ بشيء، وأرى أن يكونَ معي الفضلُ وأمُّ الفضل، فأَجابه الرَّبيع إلى ذلك. وأما نُصيرٌ الوصيفُ فإنَّه وصل إلى جُرجانَ بالخاتَم والبَيعة والقضيب، فسار الهادي من فوره ذلك على خَيل البريد، فتلقَّاه الفضلُ بالهدايا إلى هَمَذان، فأَدناه وقرَّبه، وسأل الرَّبيع فقال: كيف مولاي؟ وأَظهر [أنَّه] إنَّما نقم عليه لكونه فرَّط في الأموال، ولم يُمكِنه أن يُظهِرَ أن ذلك لأجل اجتماعِ الرَّبيع بالخَيزُران، فلمَّا قرب من بغدادَ استقبله الرَّبيع، وعاتبه على إِخراج الأموال، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، شغب الجندُ وخفتُ على دار الخلافة، فقبل عذرَه وولَّاه الوزارةَ مكانَ عُبيدِ الله (١) بنِ زياد بنِ أبي ليلى، وكانت موافاةُ الهادي إلى بغدادَ عاشرَ صَفَر، وكان خروجُه من جُرجانَ في العشرين من المحرَّم، ولا يُعرف خليفةٌ ركب خيلَ البريدِ سواه، فقال شاعر (٢): [من السريع] لَمَّا أتتْ خيرَ بني هاشمٍ … خلافةُ اللهِ بجُرْجانِ

стр. 5828

شَمَّر للحرب (١) سَرَابيلَه … برأيِ لا غُمْرٍ ولا وانِ وخرج لتلقِّيه هارونُ أخوه والأشرافُ ووجوهُ النَّاس، ونزل بالخُلد، ثم جلس للتَّعزية والتهنئة، فأَنشده مروانُ بن أبي حفصةَ وقال (٢): [من الطويل] لقد أَصبحتْ تختال في كلِّ بلدةٍ … بقبر أميرِ المُؤْمنين المقابرُ طَوَى طَوْدَ عزٍّ هاشميٍّ لمدَّة … وأَشرفَ طودَ عزَّةِ الدهرِ قادرُ (٣) ولَمَّا جلس الهادي في مستقرِّ الخلافةِ واستقامت له الأمورُ، جدَّ في طلب الزنادقة، وكان أبوه قد وصَّاه فقال: إن أَفضى إليك هذا الأمرُ فتجرَّدْ لهذه العصابةِ أصحابِ ماني الزِّنديق؛ فإنَّها فرقةٌ تدعو النَّاسَ إلى ظاهرٍ حسن، كاجتناب الفواحشِ والزُّهد في الدنيا والعملِ للآخرة، ثم يخرجون من هذا إلى تحريم اللُّحوم، ثم إلى عبادة اثنين: النُّور والظُّلمة، ثم إلى نكاح الأمهاتِ والبناتِ والأَخوات، وسَرِقةِ الأطفال من الطُّرقات، فجرِّدْ فيهم السيفَ وتقرَّبْ إلى الله بقتلهم. فكان أوَّلُ ما شرع فيه طَلَبَهم، ونصب ألفَ جِذعٍ ببغداد، وصلب مَن قَدَرَ عليه منهم، وكتب إلى الآفاق بذلك، وكان فيمن قتل عليُّ بن يَقطين، وذُكر عنه أنَّه حجَّ فرأى النَّاسَ في الطَّواف حول الكعبةِ فقال: ما أَشبهَهم ببقرٍ تدرس في البَيدر، فقال العلاءُ بن الحدادِ يخاطب الخليفة: [من السريع] أيا (٤) أمينَ اللهِ في خلقه … ووارثَ الكعبةِ والمنبرِ ماذا ترى في رجلٍ كافرٍ … يشبِّه الكعبةَ بالبَيدر ويجعل النَّاسَ إذا ما سَعَوا … حُمْرًا تدوس البُرَّ في الدَّوْسر وقتل الهادي من بني هاشمٍ يعقوبَ بن الفضلِ بن عبد الرَّحْمَن بن عبَّاس بن ربيعةَ بن الحارثِ بن عبد المطَّلب، وكان المهديُّ قد بلغه عن يعقوبَ وابنٍ لداودَ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباس أنَّهما زنديقان، فخلا بهما في مجلسٍ متفرّقَين، وأَقرَّا له بالزندقة، وقال له يعقوبُ بن الفضل: أما أنا فأُقرُّ بها بيني وبينك سرًّا، ولو قرضتَ لحمي

стр. 5829

بالمقاريض ما أُقرُّ بها ظاهرًا. فقال له: ويلك لو كُشفت لك السماوات وكان الأمرُ كما تقول، لكنتَ حقيقًا أن تغضبَ لمحمد ﷺ ، فلولاه مَن كنتَ من النَّاس؟! أَمَا واللهِ لولا أنِّي جعلتُ عليَّ عهدَ اللهِ تعالى إنْ أنا وليت هذا الأمرَ ألا أقتلَ هاشميًّا لَقتلتك. ثم قال كما سنذكره. وكان المهديُّ قد عهد إلى الهادي: أَقسمتُ عليك إنْ وليتَ هذا الأمرَ بعدي ألا تناظرَهما ساعةً واحدة. وحبسهما المهدي، فمات ابنُ داودَ بن عليٍّ في الحبس قبل وفاةِ المهدي، وأما يعقوبُ فعاش محبوسًا حتَّى مات المهدي. وقدم الهادي من جُرْجان، فذكر وصيةَ أَبيه، فأرسل إلى يعقوبَ مَن ألقى على وجهه فراشًا وغمَّه حتَّى مات وانتفخ، فأُلقي في دجلة (١). وكان ليعقوبَ بنِ الفضل أولاد، فمنهم فاطمة، فلمَّا مات أبوها اعترفت بأنَّها حاملٌ منه، وقالت: أَكرهني، فبعث بها الهادي إلى رَيطةَ بنتِ أبي العباس، فرأتها مخضوبةً مكحَّلة، فقالت لها: فهبْ أنكِ كنت مكرَهة، فما بالُ الخِضاب والكُحل! ولعنتْها، فماتت فَزَعًا. وقيل: إنَّما دخلت فاطمةُ وخديجة زوجةُ الفضل على الهادي، فضربهما على رؤوسهما فماتتا. وفيها خرج الحسينُ بن عليِّ بن الحسنِ (٢) بن الحسن [بن الحسن] بن عليّ ﵇، فقُتل بفَخّ، اسم مكان، وفيها هلك الربيعُ الحاجب. وحجَّ بالنَّاس سليمانُ بن أبي جعفرٍ المنصور، وكان على المدينة عمرُ بن عبدِ العزيز العُمَري، وعلى مكةَ والطائفِ عبيدُ الله بن قُثَم، وعلى اليمن إبراهيمُ بن سَلْم (٣) بنِ قتيبة، وعلى البحرين سويدٌ الخُرَاسَانِيّ، وعلى الكوفة موسى بنُ عيسى، وعلى البصرة محمدُ بن سليمان، وعلى خراسانَ والبلادِ الشَّرقية جماعةٌ من الموالي.

стр. 5830

فصل وفيها تُوفِّي إبراهيمُ بن عثمان أبو شيبة، قاضي واسط، مولى بني عَبْس. وكان كاتبَه يزيدُ بن هارون. وقال يزيد: ما قضى على النَّاس رجل كان أعدلَ منه. حدَّث عن هشام بنِ عروةَ وغيرِه، وروى عنه يزيدُ بن هارونَ وغيرُه، ﵀. إلَّا أنَّه روى أن النَّبِيّ ﷺ وكان يصلي في رمضانَ كلَّ ليلةٍ عشرين ركعةً والوتر، وروى أنَّه شهد صِفِّين مع عليٍّ ﵇ سبعون من أهل بدر (١)، وقد أَنكر عليه الإمامُ أَحْمد بنُ حنبل رحمةُ الله عليه وابنُ مَعين ذلك، وقالا: ما صلَّى النبيُّ ﷺ عشرين ركعة، ولا شهد صفين من أهل بدرٍ سوى خزيمةَ بنِ ثابت (٢). إدريسُ بن عبدِ الله ابن حسنِ بن حسن بن عليّ ﵇ (٣). كان قد خرج مع الحسين صاحبِ فَخّ، فلما قُتل الحسينُ هرب إلى مِصر، وكان على بريدها واضحٌ مولى صالحِ بن منصور، وكان يميل إلى [آلِ] (٤) أبي طالب، فحمله على البريد إلى المغرب، فوصل إلى أرضِ طنجة، فنزل بمدينةٍ يقال لها: وليلى (٥)، فاستجاب له مَن بها وبنواحيها من البربر، وبلغ الهاديَ فقتل واضحًا وصلبه. ويقال: إنَّ هارونَ هو الذي قتله، ودسَّ موسى أو هارونُ إلى إدريس الشمَّاخَ اليماميَّ (٦) مولى المهدي، فدخل المغربَ وأَظهر أنَّه طبيب، فأَحضره إدريس، وأقام عنده وأَنِس به، فشكا إليه مرضًا في أسنانه، فأَظهر سَنُونًا (٧) مسمومًا، وقال له: إذا

стр. 5831

طلع الفجرُ فاستنَّ به، وهرب الشماخُ من ليلته ولم يعلم به إدريس، فلمَّا طلع الفجر استنَّ به وجعل يردِّده في فيه، فسقط فوه ومات، وطلب الشماخ فلم يقدرْ عليه، وخرج إلى إِفريقيةَ وبها إبراهيمُ بن الأغلب عاملُ الهادي، فأَقام عنده، وكتب إلى هارون يُخبره بموت إِدريس، فبعث له صلَةً سَنِيَّة، وولَّاه بريدَ مصر، فقال بعضُ الشعراء، ويقال: إنَّه الهادي أو الرشيد (١): [من الكامل] أَتظنُّ يَا إدريسُ أنك مُفْلِتٌ … كيدَ الخلافةِ أو يقيك فِرارُ إنَّ السيوفَ إذا انتضاها سَخْطةً … طالت وقصَّر دونها الأَعمار مَلِكٌ كأنَّ الموتَ يَتْبع أمرَه … حتَّى تخال تُطيعه الأَقدار ولَمَّا هلك إدريس ولي مكانَه ابنُه إدريسُ بن إدريس، وأَقام أولادُهم بالمغرب مدَّة. الحسيُن بن عليِّ ابن الحسن [بنِ الحسن بن الحسن] (٢) بن عليّ ﵇، صاحبُ فَخّ، ﵀، خرج في هذه السَّنة بالمدينة، وكان عليها عمرُ بن عبدِ العزيز بنِ عبد الله بن عبد الله بن عمرَ بن الخطَّاب ﵁، وكان قبله على المدينة إسحاقُ بن عيسى بنِ علي، فاستعفى، فأعفاه الهادي وولَّى العُمَري. وسببُ خروجِ الحسين أنَّ العمريَّ أخذ الحسنَ بن محمَّد بنِ عبد الله بن حسن -وكُنيته أبو الزفت- وجماعةً، فحدَّهم في شرابٍ زعم أنَّهم شربوه، وطاف بهم المدينةَ وحبسهم، فجاء إليه الحسينُ بن عليٍّ صاحبُ فَخّ، فلامه وقال: إنَّ أهلَ العراق لا يرون بهذا الشرابِ بأسًا، وقد حددتَهم فأَطلِقْهم. وكان العمريُّ يخاف خروجَ الحسن بن محمَّد المحدود، فاختفى الحسن، وكان صاحبُ فخَّ ويحيى بنُ عبد اللهِ بن حسنٍ قد كفلاه، فطلبه العُمَري منهما، فأَجمعوا على الخروج في تلك الليلة: الحسينُ بن عليّ، والحسنُ ويحيى ابنا عبدِ الله بن حسن، وإدريس بن عبدِ الله بن حسن، وجماعة من بني هاشمٍ وشيعتِهم، فأصبح الحسين بن عليٍّ وقد لبس البَياض وصعد منبرَ رسولِ الله ﷺ

стр. 5832

وصلَّى بهم الفجر، وبايعه النَّاسُ على الكتاب والسُّنة، وقال: أيها النَّاس، أنا ابنُ رسولِ الله ﷺ وفي مسجد رسوله، وأنا أَدعوكم إلى كتاب اللهِ وسنَّةِ رسوله، فإنْ وفيتُ وإلا فلا بيعةَ لي في أعناقكم، واختفى العُمَري، وكان في بيت المالِ عشرون ألفَ درهم، وقيل: سبعون ألفَ دينار، فأخذوها، وثار بنو العباسِ وخالدٌ البربري، وكان يومئذٍ على الصَّوافي بالمدينة في جمعٍ كبير، وقد ظاهر بين دِرعين وبيده السيفُ صَلْتًا وهو يقول: يَا حسين، قتلني اللهُ إنْ لم أقتلْك. وحمل عليهم، فانتدب له يحيى وإدريس ابنا عبدِ الله بنِ حسن، فضربه يحيى على أنفه، فهشم البيضةَ ونفذ السيفُ في رأسه، وضربه إدريس من خلفه، فوقع، فتعاونا عليه فقتلاه وسلباه، وجرَّا برجله إلى البَلاط، فولَّى مَن كان معه منهزمين، وأقبل الليلُ فتفرَّقوا، وأغلق أهلُ المدينة أبوابَهم. فلما طلع الفجرُ اجتمعت شِيعةُ بني العباس ومَن تبعهم من أهل المدينة، فاقتتلوا إلى آخِر النهار، وفشت الجِراحاتُ في الفريقين، ووصل الخبرُ في ذلك النهارِ أن مباركًا التُّركي قد قدم من بغدادَ حاجًّا فنزل بئرَ المطَّلب، فخرج إليه العباسيُّون وشيعتهم وكلَّموه في القتال معهم، فجاء من الغد، فنزل الثَّنيَّة في دار عمرَ بن عبد العزيز، ووعد النَّاسَ بالقتال، فلمَّا غَفَلوا عنه، ركب رواحلَه وانصرف. وأقام الحسينُ بالمدينة أحدَ عشرَ يومًا، ثم خرج منها لستٍّ بقين من ذي القَعدة، وجعل يشتم أهلَ المدينة وهم يقولون: لا ردَّك اللهُ إلينا. ثم وجدوا مسجدَ رسولِ الله ﷺ قد ملأه أصحابُه بولًا وقذَرًا، فغسلوه، ثم دخل الحسنُ مكَّة، فأخذ أصحابُه ستورَ الكعبة ونادى مناديه: أيُّما عبدٍ أتانا فهو حُرّ، فجاءه عبيدُ أهلِ مكة، فقال النَّاس: أَيُعتِق هذا عبيدَ غيرِه! أكفارٌ نحن مثلَ أهلِ الطائف! وكان الحسينُ قد واعد شيعتَه الخروجَ بمِنى، وإنما حثَّه على الخروج ما بدا من العُمَري، وبلغ الهاديَ الخبر، فانعزل في بيتٍ صغير وحده، وتغيَّر حاله، ولم يتجاسرْ أحدٌ أن يدنوَ منه، فأرسل إليه خواصُّه وأهلُه خادمًا صغيرًا وقالوا: قِفْ قريبًا منه لعلك أن تظفرَ منه بشيء، فوقف، ففَطِنَ الهادي فقال: [من الكامل] رَقَدَ الأُلى ليس السُّرى من شأنهم … وكفاهم الإِدلاجَ مَن لم يَرقُدِ (١) وكان قد حجَّ في هذه السَّنةِ رجالٌ من بني العباس، منهم محمدُ بن سليمانَ بنِ علي،

стр. 5833

والعباسُ بن محمَّد، وموسى بنُ عيسى، وكان على الموسم سليمانُ بن أبي جعفر، فكتب الهادي إلى محمَّد بن سليمانَ بتوليته على حرب الحسينِ بن عليّ، فقيل له: عمُّك العباس بُن محمَّد أَولى، فقال: دعوني لا أُخدع عما بي، فلقيهم الكتابُ وقد انصرفوا من الحجّ، وكان محمدُ بن سليمانَ قد خرج في عِدَّة من الرجال وعُدَّة من السلاح؛ لأن الطريقَ كان مَخوقًا من الأَعراب، ولم يحتشدْ لهم حسين، فأتاه خبرُهم وهم (١) بصَوبه، وكان قد خرج بخَدَمه وإِخوته، وانتهى عيسى بنُ موسى (٢) إلى بطن نخلٍ على ليلتين (٣) من المدينة، وانتهى إليه الخبرُ ومعه أهلُه وخواصُّه وخدمه، وبلغ الخبرُ إلى العباس بن محمدٍ وهو بالرَّبَذة ومعه أهلُه وخدمه، فكاتبوا محمدَ بن سليمانَ وواعدوه مكَّة، فاجتمعوا بذي طُوى ومعهم سليمانُ بن المنصور، وانضمَّ إليهم مَن وافى الموسمَ من شِيعة بني العباسِ ومواليهم، وجاء الحسينُ بن عليّ وأصحابه واصطفُّوا للقتال، فنادى محمدُ بن سليمان: مَن جاء برأسٍ فله خمسُ مئةِ درهم، وحملوا على حسينٍ ومعه نساؤه وأهلُه في المحافل، فعرقبوا الإِبل، فوقعت المحامل، وهزموا أصحابَه وقتلوهم وفرغوا منهم، ورجعوا إلى مكَّة ولم يشعروا ما فعل يحيى بنُ عليّ، فبينما هم كذلك إذا برجلٍ من أهل خراسان يصيح: لي البِشارة، هذا رأسُ حسينِ بن عليّ، وإذا في جبهته ضربةٌ وفي رأسه أخرى، وجاء الحسنُ بن محمَّدٍ المكنى بأبي الزفت وقد أُصيبت إحدى عينيه، فوقف خلف محمدِ بن سليمانَ والعباسِ بن محمد، واستدار به موسى بنُ عيسى وعبدُ الله بن العباس بنِ محمدٍ وأَمرا به فقتل، فغضب محمدُ بن سليمانَ وقال: تقتلان مَن استجار بي! ودخل مكَّة مغضبًا، وجُمعت الرؤوس فكانت مئةَ رأس، منها رأسُ الحسينِ بن عليّ، ورأسُ أبي الزفت، ورأس سليمانَ بن عبدِ الله بنِ حسن، وذلك يومَ التَّروية، وكانت فاطمةُ بنت عليٍّ مع أخيها، فأخذت فتُركت عند زينبَ بنتِ سليمان، ولَمَّا قدم موسى بنُ عيسى على الهادي قال أول: هِيه، تقتل أَسيري! يعني أبا الزفت، ولم يُقتل صبرًا غيرُه (٤)، فقال: خفت أن

стр. 5834

تشفعَ فيه عائشةُ وزينبُ إلى أمِّ [أمير] (١) المُؤْمنين فتُطْلقه، ولما بلغ الهاديَ أن مباركًا التركيَّ لم يقاتلْ غضب عليه، وأَمر بقبض أموالِه وتصييره في سياسة الدوابّ. وكان مباركٌ لما وصل المدينةَ أرسل إلى حسين بنِ على يقول: واللهِ لأَن أسقطَ من السماءِ فتخطَفَني الطيرُ أو تهويَ بي الريحُ في مكانٍ سحيق أَيسرُ عليَّ من أن أشوكَك بشوكة، ولكن لا بدَّ من الإِعذار، وإني إذا التقيتُك انهزمتُ. فخرج إليه حسينٌ فاقتتلا، فانهزم مباركٌ عنه، فلحق موسى بنَ عيسى، وغضب الهادي على موسى بنِ عيسى لقتله أَبا الزفت، وأَمر بقبض أمواله، وأفلت إدريسُ إلى المغرب، وقد ذكرناه، وهرب يحيى بنُ عبد الله بنِ حسن، وكان العمريُّ مستخفيًا بالمدينة، فلما بلغه مقتلُ الحسينِ بن عليّ أَحرق دارَه ودارَ جماعةٍ من أهل بيته ومَن خرج معه، وقطع نخيلَهم وأخذ أموالهم. ولما قُتل الحسينُ بن عليٍّ بعثوا برأسه مع يقطين بنِ موسى، فوضعه بين يدي الهادي، فقال: كأنَّكم قد جئتم برأس طاغوتٍ من الطواغيت، إنَّ أوَّل ما أَفعل بكم أن أَحرمَكم جوائزَكم، فلم يُعطِهم شيئًا، ثم تمثَّل: [من الرجز] قد أَنصفَ القارَةَ مَن راماها (٢) الأبيات. وقال الهيثم: اجتمع بمكَّة إلى بني العباسِ أربعةُ آلافِ أَلْف (٣)، وجاء الحسينُ بن عليٍّ فنزل بفَخَّ في نفرٍ يسير، وكانوا عُراة، وذلك في ليلة الجُمُعة، فشدُّوا على المحامل فقتلوا أهلَه وقتلوه. وقال سعيدُ بن مسلم: قد كان الهادي يودُّ لو جيءَ بالحسين بنِ عليٍّ حيًّا ليمرَّ به على أهله ويتألَّفَهم بذلك. وقُتل سليمانُ بن عبدِ الله بن حسنٍ صبرًا، وعبدُ الله بن الحسنِ بن عليٍّ أمَّنوه ثم قتلوه، وقتلوا إسحاقَ بن إبراهيمَ بن الحسنِ بن الحسن بن عليٍّ ﵇، ولما

стр. 5835

ألقَوا الرأسَ بين يدي الهادي ارتجل أبياتًا، وهي: [من الرمل] إنَّ هذا الدهرَ جمٌّ عَجَبُه … غادياتٌ رائحاتٌ نُوَبُهْ قطع الأرحامَ فيما بيننا … طالبًا أمرًا بعيدًا مَطلبُه كنتُ أَهوى أَسْره لا قتلَه … وكفى لو قد كفاهمْ هَرَبه كيف قتلي مثلَه لو قد أتى … شافعًا فيما حباه نَسَبُه وقال أَيضًا: [من البسيط] في كلِّ يومٍ لنا من أهلنا حسدٌ … لأَنْ ملكْنا وصرنا سادةَ البشرِ سلَّى همومي وأَطفا نارَ مَوجِدتي … عونُ الإِله على الأَعداء بالظَّفَر (١) ولم يُدفَن من قتلى فَخَّ أحد، بل تُركوا في البرِّية، فأكلتهم السِّباعُ والطيور، فاجتاز بهم بعضُ محبِّيهم فقال: [من مجزوء الكامل] ولأَبكينَّ على الحسيـ … ـنِ بعَوْلةٍ وعلى الحسنْ وعلى ابن عاتكةَ الذي … أَثوَوه ليس له كَفَن تركوا بفخَّ عظامه (٢) … في غير منزلةِ الوطن كانوا كِرامًا سادةً (٣) … لا طائشين ولا جُبُن غَسَلوا المذلَّةَ عنهمُ … غَسْلَ الثياب من الدَّرن كلُّ العباد تحبُّهمْ (٤) … ولهمْ على النَّاس المِنَن وكان بين وفاةِ المهديِّ وخروجِ الحسين بنِ عليٍّ إلى أن قُتل تسعةُ أشهرٍ وثمانيةَ عشَرَ يومًا، وهرب يحيى بنُ عبد الله بنِ حسنٍ ومعه جماعة. الرَّبيعُ بن يونسَ ابنِ محمَّد بن أَبي فَروة، أبو الفضل، حاجبُ المنصور. واسمُ أبي فروةَ كَيسان، مولى الحارثِ الحفار، والحفارُ مولى عثمانَ بن عفَّان ﵁.

стр. 5836

وأبو فروةَ من أَرْأَسه، بل من سَبيٍ من جبل الخليلِ بالشَّام، وهو جبلُ صيدا. وقيل: أبو فروةَ من سَبي عينِ التَّمر، ابتاعه ناعمٌ الأسدي ودخل به المدينةَ وعليه فروة، فاشتراه عثمانُ رضوانُ اللهِ عليه فأَعتقه، وجعل يحفر القبور، وكان أَلثغ، فلمَّا قام النَّاسُ على عثمانَ كان معهم، فناداه: يَا أُثمان، رُدَّ المدالم، فقال له عثمانُ رضوانُ الله عليه: أَنْتَ أوَّلُها، ابتعتَ من بيت المالِ لتحفرَ قبورَ المسلمين فتركتَ ذلك. ثم ولد أبو فروةَ عبدَ الله، وولد عبد الله محمدًا، وولد مُحَمَّد يونس، وكان يتيمًا في حجر جدَّته، وكان لجدَّته جاريةٌ نفيسة، فواقعها بغير إذن جدَّته، فحملت منه، فولدت الرَّبيع، فجحده يونُس، وجحدته جدتُه، فلما شبَّ باعته، فاشتراه زيادُ بن عبيدِ الله الحارثيُّ فأَهداه إلى أبي العباس، ثم انتقل إلى أبي جعفر، فاستمال ابنُ أبي فروة بالأموال حتَّى شهدوا له بأنه ابنُ يونسَ وأنه أقرَّ به، وكان محمدُ بن أبي فروةَ من أجلِّ موالي المدينة وأَسراهم نفسًا وكَرَمًا ويسارًا، فخطب إلى محمَّد بنِ يوسفَ مولى عثمانَ ﵁ ابنتَه عمارة، فزوَّجه إياها، فولدت له يونسَ بن محمَّد، ونشأ على طريقة أَبيه. وكان المنصورُ صيَّر الربيعَ خليفةَ حاجبِه أبي الحصيب مرزوقٍ مولاه، ثم أَعتقه وصيَّره حاجبَه، ثم بلغه أن الربيعَ يقول: إنه ابنُ يونس، فدعاه وأدَّبه، وقال: يَا ابنَ الخبيثة! أَعتقتُك واصطفيتك وأنت تدَّعي ولاءَ عثمان! ووجَّه المنصورُ إلى يونسَ فقال له: إنَّ الربيعَ يزعم أنَّه ابنُك، فأَنكر ذلك وحلف عليه، فأعجب أَبا جعفرٍ وأَحسن إلى الرَّبيع ووصله، وبهذا كان جعافرُ بن يحيى يُكنى أَبا رَوح؛ لأن أهلَ المدينة يكنون اللقيطَ أَبا رَوح. وقال الصُّولي: ما رأيتُ أحدًا من أهل العلم إلَّا وهو يصحِّح نسبَ الربيعِ أنَّه ابنُ يونسَ بنِ محمَّد، وكان المنتوفُ يطعُن في نسبه ويقول له فيه شبهةٌ من المسيح، يخدعه بذلك، فكان يُكرمه، فأُخبر المنصور بمقالة المنتوفِ فقال للربيع: ويحك، إنَّه يقول: لا أبَ لك، فتنكَّر له بعد ذلك، ودخل فتًى من بني هاشمٍ على المنصور، فسأله عن أَبيه فقال: مرض ﵁ في وقت كذا، وجعل يكثر الترحُّمَ على أَبيه، فاغتاظ الربيعُ فقال: كم تترحَّم على أبيك بين يدي أميرِ المُؤْمنين؟ فقال له الفتى: ما أَلومك؛ لأنك ما ذقتَ حلاوةَ الآباء، فضحك أبو جعفر حتَّى استلقى على ظهره، ولم يُرَ ضاحكًا مثلَ ذلك

стр. 5837

اليوم، ووصل الفتى. يعني أن الربيعَ لقيطٌ لا يُعرف له أب، وفيه يقول الحارثُ بن الدَّيلمي: [من الطَّويل] شهدتُ بإذن اللهِ أنَّ محمدًا … رسولٌ من الرَّحْمَن غيرُ مكذَّبِ وأنَّ ولا كيسانَ للحارث الذي … وَلِي زمنًا حفرَ القبورِ بيثرب (١) وكان الربيعُ فطنًا لبيبًا، دخل المنصورُ دارًا فرأى على حائطٍ مكتوبًا: [من الطَّويل] وما ليَ لا أبكي بعينٍ قريحةٍ (٢) … وقد قُرِّبت للظاعنين حُمولُ وتحتها مكتوب: إيه إيه إيه، فسأل أبو جعفرٍ خواصَّه فلم يفهموا معناه، فقال الرَّبيع: يَا أميرَ المُؤْمنين، لما كتب هذا البيتَ ولم يجد مَن يساعده على حاله بكى، والباكي يقول: إيه إيه، فعجب المنصورُ من فطنته، وأَعتقه واستوزره بعد ذلك. وقال الرَّبيع: رأى المنصورُ على حائط قصرِه مكتوبًا: [من الطَّويل] وما ليَ لا أبكي وأَندُب ناقتي … إذا صدر الرِّعيانُ نحو المناهلِ وكنتُ إذا ما اشتدَّ شوقي رَحَلتُها … فسارت بمحزونٍ طويل البلابل وتحته مكتوب: آه آه، فلم يدرِ ما هو، وفطنتُ فقلت: يَا أميرَ المُؤْمنين، قال هذا الشِّعرَ ثم تأوَّه فكتب تأوهَه وتنفُّسه، فقال لي: يَا غلام، ما أخفَّكَ على قلبي! قاتلك اللهُ قد أَعتقتك ووليتك مكانَ ياسر. وكان شابٌّ من بني هاشمٍ يدخل على أبي جعفرٍ فيسلِّم من بعيدٍ وينصرف، فدخل يومًا، فأَدناه أبو جعفرٍ وقرَّبه وأَمره بالغداء معه، فقال: قد تغدَّيت، والربيعُ واقفٌ على رأس أبي جعفر، فلمَّا خرج الشابّ، لحقه الربيعُ فدفع في قفاه، وفعل الحجَّاب كذلك، فشكا الشابُّ إلى عمومته ذلك، فدخلوا على أبي جعفرٍ وأَخبروه فقال: إنَّ الربيعَ لم يُقدم على هذا جُزافًا، فإن شئتم أَمسكنا عنه، وإن شئتم سألناه، فقالوا: سَلهْ، فدعاه وقال له: لِمَ فعلتَ بهذا الفتى ما فعلت؟ فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، إن هذا الجاهلَ كان يأتي كلَّ يومٍ فيسلِّم من بعيدٍ وينصرف، فلمَّا كان بالأمس أَدناه أميرُ المُؤْمنين وقرَّبه

стр. 5838

وقال: تغدَّ معي، فامتنع، فدلَّ على سوءِ أدبه، وظنَّ أن طعامَ أميرِ المُؤْمنين للعلف، ونسي أنَّه للشَّرف، فقال له: أَحسنت. وكان أبو جعفرٍ يقول: إنِّي لأَضنُّ بالربيع عن الولاية، هو أكبرُ منها. وقال المنصورُ يومًا: سَلْني ما تريد، فقد سكتَّ حتَّى أَبرمت، وخفَّفت حتَّى ثقلت، وأَكثرتَ حتَّى قللت، فقال له: يَا أميرَ المُؤْمنين، واللهِ لا أغتنم مالك، ولا أستقصر عُمرَك، ولا أستصغر فِعلَك، وإنَّ يومي بفضلك عليَّ لأَحسنُ من أمسي، وغدًا في تأميل رجائي أحسنُ من يومي، فقال له المنصور: علمي بهذا منك أَحلَّك هذا المحل مني، فسلني ما شئت، قال: أسألك أن تحبَّ ابني الفضلَ وتقرِّبَه، فقال: أما الحبّ، فليس بمالٍ يوهب، ولا بزينة تُبذَل، وإنما تؤكِّده الأسباب، وأما تقريبُه، فقد أَجزتُه بألف ألفِ درهم، ولم أَصِلْ بها غيرَ عمومتي. وكان المنصورُ يقول: واللهِ ما من أحدٍ قريب أو بعيد يُطيف بي إلَّا وقد غفرتُ له ذنوبًا، إلَّا الرَّبيع، فإنّه ما أذنب إليَّ ولا أخطأَ في شيءٍ قط. ولَمَّا شرع المنصورُ في بناء بغدادَ وخرج عليه محمدٌ وإبراهيم، جعل المنصورُ يدور في بستان، وإذا بشجرة خلافٍ قد نبتت، ولم يكن أبو جعفر يعرفها قبل ذلك، فقال: يَا ربيع، ما هذه؟ فكره أن يقول: شجرةُ الخلاف، فقال: هذه شجرةُ الوِفاق، فأُعجب أبو جعفرٍ به. ذكر وفاته: كان الهادي في قلبه عليه، فقال لسعيد بنِ سَلْم: أريد قتلَ الربيعِ وما أدري كيف أَصنع، فقال له: أَقعِد له رجلًا في الطريق ومعه سكِّين مسمومةٌ ومُرْه بقتله، فأَقعد له في الطريق رجلًا وأَمره بقتله، فخرج الربيعُ من عنده ليلًا، فلم يمرَّ على ذلك الرَّجل، وسلك غيرَ الطريقِ الذي كان فيها، ثم علم الربيعُ بعد ذلك، فانصدع قلبُه فمات بعد ثمانيةِ أيام. وقيل: إنَّه كانت للرَّبيع جارية، فأَهداها إلى المهديِّ فوهبها لابنه الهادي، فكانت أعزَّ الخلقِ عليه، فوشى بعضُ أعداءِ الرَّبيع إلى الهادي وقال: إنَّه يقول: ما وضعتُ بيني وبين الأرضِ مثلَ أَمَةِ العزيزِ، يعني الجارية، فغار الهادي غَيرةً شديدة، ودعا به

стр. 5839

يومًا، فأكل معه وناوله بيده قَدَحًا مسمومًا، فشربه خوفًا لا يقتله، ثم قام إلى داره فقال لأهله: إن موسى سقاني كأسًا مسمومًا، ومات من ساعته. وكانت وفاةُ الربيع في هذه السَّنة، وقيل: في أوَّل سنةِ سبعين قبل موت الهادي بأشهر، وله ستُّون سنة. ذِكرُ أولاده: كان له من الأَولاد الفضل، ويعقوب، وعبدُ الله، والقاسم، وجعفر، ويونُس، وإِبراهيم، وعبيدُ الله، ومحمَّد، وموسى، وكلُّهم أَعقبوا إلَّا موسى، ولم يرَ في الحجابة أعرفُ من الرَّبيع وولدِه، حجب الربيعُ للمنصور وللمهديّ، وحجب ابنُه الفضلُ هارونَ [و] (١) الأمين، وحجب ابنُه العباسُ بن الفضل للأمين، فعباسٌ حاجبُ بن حاجبِ بن حاجب، وفيه يقول أبو نُوَاس: [من الكامل] ساد الرَّبيعُ وساد فضلٌ في العُلا … وعلتْ بعباس الكريمِ فروعُ عبَّاسُ عباسٌ إذا شهد الوغى … والفضلُ فضلٌ والربيعُ ربيع (٢) ووُلد العباسُ بن الفضلِ في آخر خلافةِ أبي جعفر، وأما يعقوبُ بن الرَّبيع، فكان شاعرًا ماجنًا خَليعًا، اشترى جاريةً فأُعطي فيها مئةَ ألفِ دينارٍ فلم يبعها، فماتت عنده، فقال فيها الأَشعار، فمنها: [من الكامل] أَضحَوا يصيدون الظِّباءَ وإنني … لأَرى تصيُّدَها عليَّ حرامًا أَشبهنَ منكِ سوالفًا وشمائلًا (٣) … فأَرى بذاك لها عليَّ ذِماما أَسند الربيعُ عن أبي جعفرٍ وعن جعفر الصادقِ وغيرِهما، وروى عنه ابنُه الفضل وغيرُه. المهديُّ محمدُ بن عبدِ الله ابنِ محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بنِ العباس. كان حسنَ الأخلاق كثيرَ الحياء، جَوَادًا

стр. 5840

سَمْحًا حليمًا، عارفًا بأيَّام النَّاس. دخل ابنُ الخياط المكِّي عليه فقبَّل يدَه ومدحه، فأَمر له بخمسين ألفَ درهم، فلمَّا قبضها فرَّقها على النَّاس وقال: [من الطَّويل] لمستُ بكفِّي كفَّه أَبتغي الغنى … ولم أدرِ أن الجُودَ من كفِّه يُعدي فلا أنا منه ما أَفاد ذَوو الغنى … أَفدتُ وأَعداني فضيَّعتُ ما عندي (١) وبلغه فأعطاه عوضَ كلِّ درهمٍ دينارًا. وقال المهديّ: ما توسَّل أحدٌ إليَّ بوسيلة ولا تذرَّع بذريعةٍ هي أقربُ إلى وأحبُّ من أن يذكرَني يدًا سلفت مني إليه أُتبِعها بأُختها؛ لأن منعَ الأواخرِ يقطع شكرَ الأوائل. وقال حسنٌ الوصيف: جلس المهديُّ جلوسًا عامًّا، فدخل عليه رجل في يده نعلٌ في منديل، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، هذه (٢) نعلُ رسولِ الله ﷺ أَهديتها لك، فأخذها منه وقبَّل باطنَها ووضعها على عينيه، وأَمر للرجل بعشرة آلافِ درهم، فلما خرج الرجلُ قال المهديُّ لجلسائه: أَتروني أنِّي [لم] (٣) أعلمْ أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يرَها فضلًا عن أن يكونَ لبسها؟ ولو كذَّبناه قال للنَّاس: أتيت أميرَ المُؤْمنين بنعل رسولِ الله ﷺ فردَّها عليّ، وكان مَن يصدِّقه أكثرَ ممن يدفع خبرَه؛ إذ كان من شأن العامَّةِ الميلُ إلى أشكالها والنُّصرةُ للضعيف على القويِّ وإن كان ظالمًا، فاشترينا لسانَه وقبلنا هديَّته وصدَّقنا قولَه، ورأينا الذي فعلنا أنجح وأرجح. وقال سليمانُ بنُ علي: دخل الربيعُ يومًا على المهديِّ وبيده قطعةٌ من جراب فيها كتابةٌ برماد وخاتمٌ من طين قد عُجن بالرَّماد وهو مطبوعٌ بخاتم الخلافة، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، أعرابيٌّ على الباب ينادي: مَن يدلُّني على الرَّبيع؟ هذا كتابُ أمير المُؤْمنين، فأخذه المهديُّ وضحك وقال: هذا واللهِ خطِّي وخاتَمي، وصدق، ثم شرع يحدِّث فقال: خرجت أمسِ إلى الصيد في غِبِّ سماء، فلما أصبحت هاج علينا ضبابٌ شديد،

стр. 5841

وفقدتُ أصحابي حتَّى ما أَرى منهم أحدًا، وأصابني من الجوع والبردِ والعطشِ ما اللهُ به عليم، وتحيَّرت، فذكرت دعاءً سمعتُه من أبي يحكيه عن أَبيه عن جدِّه عن ابنَ عباسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال إذا أَصبح وأَمسى: بسم الله وبالله ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله، اعتصمتُ بالله وتوكَّلت على الله، حسبي اللهُ [ولا حولَ] (١) ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم، وُقي وكُفي وشُفي من الحرق والغرقِ والهدم وميتةِ السُّوء" فلما قلتُها رُفع لي ضوءُ نار، فقصدتُها، وإذا بأعرابيٍّ في خيمةٍ له يوقد نارًا، فسلَّمت عليه وقلت: هل من ضيافة؟ قال: اِنزل، فنزلت، فقال لزوجته: اِطحني ذاك الشعير، فأخذتْ في طحنه، فقلت: اِسقني ماء، فأتاني بسقاءٍ من لبنٍ فيه مَذْقة، فشربتُ منه شربةً ما شربت قطُّ شربةً إلَّا وهي أطيبُ منه وألذّ، وأَعطاني حِلْسًا، فنمت نومةً ما نمت عمري ألذَّ منها، ثم انتبهتُ وإذا به قد ذبح شُويهةً لم يكن له سواها، وإذا بامرأته تقول: قتلتَ نفسَك وصِبيتَك، إنَّما كان معاشُكم من هذه الشاةِ وقد ذبحتَها، فبأيّ شي؟ تعيش؟! قال: فقلت لها: لا عليك، هاتِ الشاة، فشققتُ جوفَها واستخرجتُ كَبِدها، وأخرجت سكِّينًا من خفِّي، فشرحتها وشويتُها على النَّار وأَكلتها، فما أكلتُ أطيبَ منها. ثم قلت: هل عندكَ ما أَكتب لك فيه؟ فجاء بهذه القطعة، فأخذتُ عُودًا من الرَّماد الذي كان بين يدي، فكتبتُ هذا الكتابَ وختمته بهذا الخاتمَ، وأمرته أن يجيءَ ويسألَ عن الرَّبيع فيدفعَه إليه، ثم قرأ المهديُّ الكتاب، وإذا فيه: خمسُ مئةِ أَلْف درهم، فقال: واللهِ ما أردتُ إلَّا خمسين ألفَ درهم، ولكن خرجت بخمس مئةِ أَلْف، واللهِ لا أَنقص منها درهمًا واحدًا ولو لم يكن في بيت المالِ غيرُها، اِحملوها معه، فما كان إلَّا القليلُ حتَّى كثرت إبلُ الرجلِ وشاؤه، وصار منزلًا من المنازل ينزله النَّاسُ مَن أراد الحجَّ من الأَنبار إلى مكَّة، وسمِّي مضيف أمير المُؤْمنين. واعترضته امرأةٌ وقالت: يَا عصبةَ رسولِ الله ﷺ انظر في حاجتي، فأَعجبه كلامُها وقال: ما سمعتُها من أحدٍ قبلها، اقضوا حاجتَها وأعطُوها عشرةَ آلافِ درهم. وقدم المهديُّ البصرة، فكان يصلِّي بالنَّاس الصلواتِ الخمسَ في جامع البصرة،

стр. 5842

فأقيمت الصلاةُ يومًا، فقال أَعرابيّ: يَا أميرَ المُؤْمنين، لستُ على طهرٍ وقد رغبتُ إلى الله في الصلاة خلفَك، فوقف في المحراب قائمًا حتَّى توضَّأ الأعرابيُّ وجاء، فأُخبر بمجيئه، فكبَّر وصلَّى، فعجب النَّاسُ من سماحة أخلاقِه. وهاجت ريحٌ في زمن المهديّ، فدخل بيتًا في جوف بيتٍ وأَلصق خدَّه بالأرض، وجعل يمرِّغ وجهَه على التُّراب، ثم قال: اللهم إنه بريءٌ من هذه الجنايةِ كلُّ هذا الخلقِ غيري، فإن كنتُ المطلوبَ من بين خلقِك فها أنا بين يديك، اللهمَّ لا تشمت بي أهلَ الأديان، اللهم احفظ محمدًا في أمَّته، اللهمَّ هذه ناصيتي بين يديك. فلم يزل كذلك حتَّى انجلت الرِّيح. وكان العَوفيُّ على مظالم المهدي، فصلَّى المهديُّ المغربَ بالنَّاس ثم انصرف يتنفَّل، فقام العَوفي فقعد في قِبلَته وجذب بثوبه، فقال: ما لك؟! قال: شيءٌ أَولى بك من النافلة، قال: وما هو؟ قال: سلامٌ مولاك -وسلام قائمٌ على رأسه- غصب قومًا ضَيعتهم، وقد صحَّ ذلك عندي، فمرْه بردِّها، فقال: حتَّى نُصبح، فقال العَوفي: لا واللهِ إلَّا الساعة، فأمر قائدًا أن يذهبَ إلى الضيعة ويُخرجَ منها أصحابَ سلَّام ويردَّها على أَربابها، ففعل. وكان المهديُّ إذا جلس للمظالم يقول: أَدخِلوا عليَّ القُضاةَ والعلماءَ أولًا، فلو لم يكن ردِّي المظالمَ إلَّا حياءً منهم [لكفى] (١). وقال سوَّار بنُ عبد اللهِ القاضي: انصرفتُ يومًا من دار المهديّ، فلمَّا دخلتُ منزلي دعوتُ (٢) بالغداء، فجاشت نفسي، فأمرت بردِّه، ثم دعوتُ جاريةً أُلاعبها، فلم تَطِب نفسي، فدخلتُ للقائلة، فلم يأخذْني نوم، فركبت بغلتي وخرجت، فاستقبلني وكيلي ومعه ألفًا درهمٍ من غَلَّتي، فقلت: اِتبعني، وأَطلقت رأسَ البغلة، وعبرت الجسرَ وصرتُ في شارع بابِ الأنبار، وإذا بدارٍ على باب شجرةٍ وعلى الباب خادم، وقد عطشت، فاستسقيتُ ماء، فدخل وأَخرج قُلَّةً نظيفة طيبةَ الرائحة، فشربت، وحضر وقتُ العصرِ وهناك مسجد، فدخلت وصلَّيت، وإذا بأعمى قد دخل يلمس بيديه،

стр. 5843

فقلت: ما تريد؟ قال: أَنْتَ، قلت: وما حاجتُك؟ قال: شممتُ منك ريحَ الطِّيب، فعلمتُ أنك من أهل النَّعيم، فأردتُ أن أشرحَ لك قصَّتي. قلت: قل، قال: أَترى هذا القصر؟ قلت: نعم، قال: هذا كان لأبي، فباعه وخرج إلى خُراسان، وخرجتُ معه، فمات وزالت عنا النِّعمة، فجئتُ إلى صاحب القصرِ أسأله أن يَصِلَني وأصيرَ على سوَّار بن عبدِ الله القاضي؛ فإنَّه كان صاحبَ أبي، قال: فقلت: ومَن أبوك؟ فذكر رجلًا كان أصدقَ النَّاس إليّ، فقلت: يَا هذا، إنَّ الله قد أتاك بسوَّار، منعه الأكلَ والنومَ والقيلولةَ حتَّى جاء به فأَقعده بين يديك. ثم قلتُ للوكيل: هاتِ الدراهم، فدفعتُها إليه، ثم قلت: إذا كان غدًا فصِرْ إلى المنزل، وركبتُ بغلتي وعدت، وقلت: ما أُحدِّث أميرَ المُؤْمنين بأطرفَ من هذا، فدخلت عليه فحدَّثته، فعجب وأمر لي بألفَي دينار، ثم قال: عليك دَين؟ قلت: نعم، قال: كم هو؟ قال: خمسون ألفَ دينار، فأَمسكَ وجعل يحدِّثي ساعة، ثم قال: امضِ إلى منزلك، فمضيت، وإذا بخادمٍ قد سبقني ومعه خمسون ألفَ دينار، فقال: أميرُ المُؤْمنين يقول: اقضِ بها دَينك، فلمَّا كان من الغد جاءني رسولُه، فمضيتُ إليه، فقال: يَا سوَّار، فكَّرتُ في أمرك فقلت: هذه يقضي بها دَينه ويحتاج للقَرض، قد أمرتُ لك بخمسين ألفَ دينارٍ أخرى، فقبضتُها وانصرفت، وجاءني المكفوف، فوصلته بأربعة آلافِ دينار (١). وقال الخرائطي: أهدر المهديُّ دمَ رجلٍ كان يسعى في فساد الدَّولة، وجعل لمن يدلُّه عليه مئةَ ألفِ درهم، فخرج يومًا في بعض شوارعِ بغدادَ مستخفيًا، فرآه رجل فعرفه، فلبَّبه وقال: هذا طِلبةُ أميرِ المُؤْمنين، وإذا بمعن بنِ زائدةَ قد أَقبل في موكبه، فصاح: يَا أَبا الوليد، خائفٌ فأَجِره، وميَت فأَحْيه، فقال للرجل: دعْه فقد أجرتُه، فقال: إن أميرَ المُؤْمنين أَوعد عليه بكذا وكذا، فمضى إليه وأَخبره، وأما مَعْن، فبعث بالرجل إلى داره وقال: لا يَخلص إليه أحدٌ وفيكم عينٌ تَطرِف، ودخل معنٌ على المهديِّ فسلَّم عليه، فلم يردَّ وقال: يَا معن، تُجير علي! قال: نعم. قال: ونعم أَيضًا! فقال له معن: قتلتُ في قيام دولتكم في يومٍ واحد أربعةَ آلافِ مصلٍّ ولا يُجار لي رجلٌ واحد قد استجار بي! فأطرق المهدي رأسَه ثم رفعها وقال: قد أَجرنا مَن أجرت.

стр. 5844

فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، إن الرجلَ ضعيفُ الحال، قال: قد أمرنا له بثلاثين ألفَ درهم، فقال: إن جنايتَه عظيمة، وصِلاتِ الخلفاء على قَدْر الجناياتِ من الرعايا، قال: قد أَمرنا له بمئة ألفِ درهم، فقال: أهنأُ المعروف أعجلُه، فأمر بها فحُملت إلى دار معن، فجاء إلى داره وقد سبقه المال، فقال للرجل: ادعُ لأمير المُؤْمنين؛ فقد حقن دمَك، وأَجزل صِلتَك، وأَصلح نيَّتك له فيما يستقبل. وقال شبيبُ بن شيبةَ (١) المِنْقري (٢): حججت، فبينا نحن ببعض الطريقِ جلست أتغدَّى، فجاء أعرابيٌّ وبيده جاريةٌ سوداء، فقلت له: تعال تغدَّ، فقال: إنِّي صائم، وكان يومًا شديدَ الحرّ، فقلت له: أتصوم في هذا الحرّ! فقال: أصوم ليومٍ هو أشدُّ حرًّا منه، ثم قال: هل فيكم مَن يكتب لي كتابًا؟ قلت: نعم، فأخرجتُ له صحيفة، فقال: اكتب: هذا ما أَعتق هلالُ بن عبدِ الله جاريتَه لؤلؤةَ لوجه اللهِ تعالى ولجَوَاز العَقَبة، فكتبتُ وأَعتق الجارية، فحدَّثت المهديَّ حديثَه، فقال: اشترِ لي ألفَ رأسٍ وأَعتقهم على ما أَعتق عليه الأعرابيّ، ففعلت. وقال مالكُ بن أنس: لما حجَ المهديُّ دخلتُ عليه، فقال: يَا مالك، ألكَ دار؟ قلت: لا، وأحدِّثك بحديثٍ حدَّثناه ربيعةُ بن عبدِ الرَّحْمَن أنَّ نسبَ الرجلِ دارُه، فأمر لي بثلاثة آلافِ دينار. ولما حجَّ دخل المدينة، فدخل عليه جماعة، فقال: أَنشِدوني، فأنشده عبدُ العزيز الماجِشون: [من الطَّويل] وللناس بدرٌ في السماءِ يرونه … وأنت لنا بدرٌ على الأرض مُقمِرُ وما البدرُ إلَّا دون وجهِك في الدُّجى … يغيب فيبدو حين غاب فيُقمر فأعطاه خمسين ألفَ دينار (٣). وقدم على المهديِّ بِطريقٌ من الرُّوم يقال له: طاراثُ بن الليث بنِ العيزار بن طريف، وكان أبوه ملكَ الروم أيامَ معاوية، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، ما قدمتُ إلَّا شوقًا

стр. 5845

إليك؛ لأنَّا نجد في كتبنا أن الثالثَ من بني العباسِ يملأ الأرضَ عدلًا كما مُلئت جَورًا، فقال المهدي: قد سرَّني ما قلت، ولك عندنا كلُّ ما تحبَّ، ثم أمر الربيعُ بإنزاله وإِكرامه، فخرج يومًا يتنزَّه، فمر بموضع الأَرحاء التي على نهر عيسى، فقال للربيع: أحبُّ أن أبنيَ ها هنا مستغلًّا يؤدِّي لي في السنة خمسَ مئةِ ألفِ درهم، فأَقرِضني خمسَ مئة ألفِ درهم، فقال: نعم، وأَخبر المهدي، فقال: أَعطِه خمسَ مئة ألفِ دينارٍ (١) وخمسَ مئة ألفِ درهم. وبنى الأَرحاء، فكان المهديُّ يبعث إليه في كلِّ سنةٍ مُغَلَّ الأرحاءِ، فأقام مدَّة ثم مات، فضمَّها المهديُّ إلى مستغلَّاته. وقال الرَّبيع: ظهر رجلٌ يدَّعي النبوَّة، وبلغ المهديَّ فأَرسل إليه، فأَحضره في يومه، فقال: أَنْتَ تزعم أنك نبيّ؟ قال: نعم. قال: إلى مَن بُعثت؟ قال: أنتم تركتموني أَذهب إلى مَن بُعثت إليه! وجِّهتُ بالغَداة وأخذتموني بالعَشيِّ فحبستموني. فضحك المهديُّ من قوله وخلَّى سبيله. وقال عليُّ بن صالح: أذنب رجلٌ من القوَّاد، وكان قد عتب عليه المهديُّ غيرَ مرَّة، فقال له: إلى متى تُذنب؟ قال: ما أبقاك اللهُ لنا، منا الذنبُ ومنك العفو. فاستحيى منه ورضي عنه. وخرج المهديُّ يطوف بالبيت، فسمع أعرابيةً من ناحية المسجدِ تقول: قوم معثَّرون، نبت عنهم العيون، وقرحتهم الدُّيون، وعضَّتهم السِّنون، بادت رجالُهم، وذهبت أموالُهم، وكثرت عيالُهم، أبناءُ سبيل، وأنضاءُ طريق، وصيةُ الله ووصيةُ الرسول، فهل امرؤٌ يُجير كلأه اللهُ في سفره وخلفه في أهله؟ فرقَّ لها ووصلها. ولما أَنشده مروانُ بن أبي حفصةَ قصيدته التي منها: [من الكامل] أنَّى يكون وليس ذاك بكائنٍ … لبني البناتِ ولايةُ (٢) الأعمامِ (٣) أعطاه سبعين ألفَ درهم، فقال: [من الطَّويل] بسبعين ألفًا راشني من حِبائه … وما نالها في النَّاس مِن شاعرٍ قبلي (٤)

стр. 5846

وقال المهدي لعُمارةَ بنِ حمزة: مَن أرقُّ النَّاس شِعرًا؟ فقال: والبةُ بن الحُباب الأسدي، وهو الذي يقول: [من مجزوء الكامل] ولها ولا ذَنْبَ لها … حُبٌّ كأَطراف الرِّماحِ في القلب يقدح والحشا … فالقلبُ مجروحُ النواحي قال: صدقتَ واللهِ يَا أميرَ المُؤْمنين، فما يمنعك من منادمته وهو عربيٌّ شريف، شاعرٌ شريف، شاعرٌ ظريف؟! قال: قولُه: [من السريع] قلتُ لساقينا على خلوةٍ … أَدنِ كذا رأسَك من راسي وادنُ وضَعْ صدرك لي ساعة (١) … إنِّي امرؤٌ أَنكح جُلَّاسي أفتريد أن أكونَ جليسَه على هذا الشَّرط؟ وقال لحاجبه: قد ولَّيتك سَترَ وجهي وكشفَه، فلا تجعلْ بيني وبين خواصِّي سببًا لضَغَنهم بعبوس وجهِك، وقدِّم أبناءَ الدعوة؛ فإنَّهم أولى بالتَّقدمة، واجعل للعامَّة وقتًا بعد وقت. وبلغ المهديَّ عن أهل الشامِ شيء، فجهَّز إليهم جيشًا، فقال له ابنُ خريم: يَا أميرَ المُؤْمنين، عليك بالعفو عن المذنب والتجاوزِ عن المسيء، فلَأن يطيعَك النَّاسُ طاعةَ محبَّة خيرٌ لك من أن يطيعوك طاعةَ مخافة. قال: صدقت، وردَّ الجيش. وأمر المهديُّ بقتل رجلٍ وعنده ابنُ السَّمَّاك، فقال له: إنَّ هذا لا يجب عليه القتل، قال: فما يجب عليه؟ قال: يسعه عفوُك، فإنْ كان أجرًا كان لك، وإن كان وزرًا فعليَّ. فعفى عنه. وجيء المهديُّ برجل يدَّعي النبوَّة، فقال له: متى نبِّئت؟ قال: وما تصنع بالتاريخ؟! قال: ففي أيِّ الأماكنِ أتتك النبوَّة؟ قال: وقعنا معك في صُداع، فإن كنتَ تؤمن بي وإلَّا فدعْني أَذهبْ لعلي أجد مَن يصدِّقني غيرك. ثم قال: أمؤمنٌ أنا عندك أم كافر؟ قال: كافر، قال: فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، فلا تُطِعني ولا تؤذيني، ودعني أذهبْ إلى الضعفاءِ والمساكينِ فهم أَتباعُ

стр. 5847

الأنبياء، وأَدعُ الملوكَ والجبابرةَ فما بُعثتُ إليهم. فضحك المهديُّ وأَطلقه. ورأى المهديُّ في المنام كأنه محا اسمَ الوليدِ بن عبد الملك من مسجد النبيِّ ﷺ ، ثم نسي، فلما حجَّ جلس في المسجد، فرفع رأسَه فرأى اسمَ الوليد، فقال: ذكَّرتَني الطَّعنَ وكنتُ ناسيًا، وأمر أن يُمحى اسمُ الوليد ويكتبَ اسمُ المهدي مكانَه، ففعلوا. ودخل شريكٌ على المهديّ، فقال له: اختر خَصلةً من ثلاث: إما أن تليَ القضاء، وإما أن تعلِّمَ ولدي، وإما أن تأكلَ معي لقمة، فقال: اللقمةُ أهون، فأكل عنده ألوانًا من الطعام، فقال القهرمان: ليس يُفلح هذا الشيخُ بعدها، فولي واللهِ القضاءَ وعلَّم أولادَه، ولقد كتب له رزقَه إلى الجِهبذ فضايقه، فجاء إليه فقال: كم تضايقني؟! فقال له الجِهبِذ: كأنك بعتَهم خزًّا، فقال: بعتُهم واللهِ أعزَّ من الخَزّ، قال: وما هو؟ قال: دِيني. ورأى المهديُّ كأنه مقبلٌ على شريكٍ وهو مُعرِض عنه، فسأل المعبِّرَ عن ذلك، فقال: هذا رجلٌ يطأ بساطَك وهو مخالفٌ لك، فاستدعاه، فلما دخل سلَّم عليه، فقال له المهديّ: لا سلَّم الله عليك، فقال: إنَّ الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، قال: ما تقول في أبي يوسُف؟ فقال: نسأل عنه فإنْ كان عدلًا قبلنا شهادتَه، فاستشاط المهديُّ غضبًا فقال: يَا ابنَ الزانية، فقال: مَهْ مَهْ! واللهِ ما كانت إلَّا صوَّامة قوَّامة، فقال له: يَا فاسقُ يَا زنديق، فقال له شريكٌ وهو يضحك: إنَّ للفسَّاق والزنادقةِ علاماتٍ يُعرفون بها: شربُهم القهوات، واتخاذُهم القَينات، ونومُهم عن العَتَمات. يعرِّض بالمهدي، فقال: رأيتكَ في النَّوم وأنت تُجيبني من قفاك، فواللهِ لأقتلنَّك، فقال: إنَّ رؤياك ليست برؤيا يوسفَ الصِّدّيق، فلا تُباح دماءُ المسلمين بالأَحلام، وقام فخرج، فتبعه ابنُ قَحطبة، فقال له شريك: أرأيت ما قال صاحبُك لنا؟ فقال له ابنُ قحطبة: لله أبوك! فواللهِ ما رأيت مثلَك. وقال عليُّ بن صالح: كنت عند المهديِّ ودخل عليه شريك، فأراد أن يبخِّرَه بعود البَخور، فقال للخادم: هاتِ عودًا للقاضي، فجاء بعود الغناءِ فوضعه في حجر شريك، فقال: ما هذا يَا أميرَ المُؤْمنين! فخجل المهديُّ وقال: هذا أخذه العَسَسُ البارحة، فأحببت أن يكونَ كسرُه على يد القاضي، فقال: جزاك اللهُ خيرًا يَا أميرَ المُؤْمنين،

стр. 5848

فكسره. ثم أَفاضوا في حديثٍ آخَرَ حتَّى نُسي حديثُ العود، ثم قال له المهديّ: ما تقول في رجلٍ أمر وكيلًا له أن يأتيَ بشيءٍ بعينه فأتى بغيره فتلف ذلك الشيء؟ فقال شريك: يضمن يَا أميرَ المُؤْمنين، فقال المهديُّ للخادم: اضمن ما أتلفتَ بقيمته أو مثلِه. وقال أبو مَعشر: جلست الخَيزُران يومًا وحولها بناتُ الخلفاءِ على النَّمارق والوسائد، وتحت الخيزران بساطٌ رومي، وعندها زينبُ بنت سليمانَ بنِ علي، وكانت في القُعْدُد (١) عند أهلِها مثلَ المنصور، فدخل الخادمُ فقال: على الباب امرأةٌ ذات حُسن وجمالٍ وهَيبة في أطمارٍ رَثَّة تستأذن عليك، فأَذنت لها الخَيزُران، فدخلت امرأةٌ لها أُبَّهة وقَدْرٌ وجَلالة، فسلَّمت بأحسنِ سلام، وتكلَّمت بأَفصح بيان، فقلت لها: مَن أَنْتَ؟ فقالت: مُزنةُ امرأة مروانَ بنِ محمَّد، أصارني الدهرُ إلى ما ترون، وهذه الأطمارُ عليّ عارية، ولَمَّا غلبتمونا على هذا الأمرِ لم نأمنْ أن نخالطَ العامَّة، ولمَا نحن فيه من الضَّرر قصدناكم لنعيشَ تحت ظلِّكم، فاغرورقت عينا الخَيزُران، فنظرت إليها زينبُ وقالت: لا خفَّف اللهُ عنك، أتذكرين يومَ دخلتُ عليك وتحتك هذا البساطُ بعينه -وأَشارت إلى البساط الذي تحت الخَيزُران- ونساءُ فراعنتكم على هذه النَّمارقِ والوسائد، فكلمتُك في جُثَّة إبراهيمَ الإِمام فانتهرتِني وأمرتِ بإخراجي، وقلتِ؟ ما للنساء والدخولِ مع الرجالِ في آرائهم، وواللهِ لقد كان مروانُ أرعى للحقوق منك، دخلتُ عليه فسألته فيه، فقال: واللهِ ما قتلته، ولقد كذب، ثم دفع إليَّ جُثَّته، وأعطاني مالًا فلم أَقبلْه، فقالت مُزنة: واللهِ ما أظنُّ الحال التي أدَّتني إلى ما ترين إلَّا ما كان مني إليك، فلمَ حرَّضتِ هذه السيدةَ على حرماني؟! وكان الواجبُ عليك أن تحضِّيها على فعل الخيرِ ومقابلة الشيءِ بضدِّه؛ لتحوزَ نعمتَها وتصونَ دينَها، يا بنتَ عمي، كيف رأيتِ حالنا في العقوق وما صنع اللهُ بنا فأَحببتِ أن تتأسِّي بنا. ثم بكت بكاءً شديدًا وقامت، فأمرت الخيزرانُ الخادمَ فعدل بها إلى مقصورةٍ سرًّا من زينب، ودخل المهديُّ في الحال وأثرُ البكاءِ في وجه الخَيزُران، فسألها، فقصَّت عليه القصَّة، فبكى بكاءً شديدًا وقال: اللهم إنِّي أعوذ بك من زوال نعمتك. ثم قال: وأين المرأة؟ قالت

стр. 5849

الخَيزُران: أمرتُ الخادمَ فعدل بها إلى مقصورة، فقال: واللهِ لو لم تفعلي ذلك ما دخلتُ عليك ولا كلَّمتك أبدًا، ثم أَقبل على زينبَ فوبَّخها وقبَّح فعلَها وأَمضَّها، ثم أَعرض عنها، وقال للخادم: ما قالت مزنةُ عند قيامِها من المجلس؟ قالت: قرأتْ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ الآية [النحل: ١١٢]، فقال المهدي: عليَّ بها، فجاءت، فقرَّبها وأَدناها ورفع منزلتَها فوق منزلةِ زينب، وذاكرها أيامَ النَّاس، فوجدها بارعةً في كلِّ فنٍّ مع حُسن وجمال، فقال لها: يَا بنتَ العمّ، لولا ما تعلمين من أمركم لتزوَّجتك، ولكن لكَّ أَسوة، هؤلاء بناتُ الخلفاء، وأَقطعها ما لمثل واحدةٍ منهن، فأَقامت على أحسن حالٍ حتَّى توفّيت في أيَّام هارون. قِصَّة العَلَوي: انتبه المهديّ ليلةً من منامه فَزِعًا، فاستدعى صاحبَ شُرطته وقال له: صِرْ إلى المُطْبِق واطلب فلانًا العلويَّ الحسيني، وخيِّره بين المُقامِ عندنا والخروجِ إلى أهله، فإن اختار الخروجَ إلى أهله فأَعطِه كذا وكذا من المال، وإن اختار المقامَ عندنا فادفع له كذا وكذا من المال. قال: فجئتُ إلى المطبق، فطلبتُ الفتى وإذا به مثلُ الشَّنِّ البالي، فعرَّفته الحال، قال: لا بل أَخرج إلى أهلي إلى المدينة، فجهَّزته وأعطيته الصِّلَة كما أمرني، فلما عزم على الذَّهاب قلت له: بالذي فرَّج عنك ما كنتَ فيه هل تعلم ما دعا أميرَ المؤمنين إلى إطلاقك؟ قال: نعم، رأيتُ رسولَ الله ﷺ في هذه الليلةِ في المنام، فقال: يَا بُنَيَّ ظلموك؟ قلت: نعم. قال: قم فصلِّ ركعتين وقيل: يَا سابقَ الفوت، ويا سامعَ الصَّوت، ويا كاسيَ العظامِ بعد الموت، صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمَّد، واجعلْ لي من أمري فَرَجًا ومخرجًا، إنَّك تعلم ولا أَعلم، وتقدر ولا أَقدر، وأنت علَّامُ الغيوب، يَا أرحمَ الراحمين. قال: فقمتُ وفعلت ما أمرني به، ولم أزل أكرِّرها حتَّى دعوتَني. قال: وعدتُ إلى المهديِّ فحدَّثته الحديث، فقال: كنت نائمًا، وإذا بزِنجيٍّ بيده عمودٌ من حديدٍ واقفًا على رأسي وهو يقول: أَطلِق فلانًا العلويَّ وإلَّا قتلتك. وقال صالحُ بن بشيرٍ المُرِّي: دخلتُ على المهديِّ ببغدادَ وهو بالرصافة، فقلت: يَا

стр. 5850

أميرَ المُؤْمنين، احتمل ما أكلِّمك به اليومَ لله تعالى؛ فإنَّ أَوْلى الناسِ بالله أحملُهم للنصيحة فيه، وجديرٌ بمن له قرابةٌ من رسول اللهِ ﷺ أن يرثَ أخلاقَه ويأتمَّ بهديه، وقد ورَّثك اللهُ من فهم العلمِ وإِنارة الحجَّة ميراثًا قطع به عُذرَك، فمهما ادَّعيتَ من حجَّة أو ركبت من شبهةٍ لم يتَّضح لك فيها برهانٌ من الله تعالى، حلَّ بك من سَخَطه بقدر ما تجاهلتَه من العلم، أو أَقدمتَ عليه من شُبهة الباطل، واعلم أنَّ رسولَ الله ﷺ خصمُ مَن خالفه في أمَّته، ومَن كان محمدٌ ﷺ خصمَه كان اللهُ خصمَه، فأعدَّ لمخاصمة (١) اللهِ ورسولِه حُجَجًا تضمن لك النَّجاة، أو استسلم للهَلَكة، واعلم أنَّ أبطأَ الصَّرعى نهضةً صريعُ هوًى يدَّعيه إلى الله قُربة، وأنَّ أثبتَ الناسِ قَدَمًا يومَ القيامة آخذُهم بكتاب اللهِ وسنَّة رسولِه ﷺ ، فانتبهْ فقد تصيَّدت الدنيا نُظراءك، فاعملْ بالأمانة فقد أدَّيتُ إليك النصيحة. فبكى المهديّ. ودخل عليه صالحُ بن عبدِ الجليل فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، لَمَّا سهل علينا ما توغَر على العامَّة من الوصول إليك، قمنا مقامَ الأداء عنهم وعن رسول اللهِ ﷺ بإِظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمرِ والنَّهي بانقطاع عُذرِ الكتمان، ولا سيما حيث اتَّسمتَ بميسَم التواضع، وآثرتَ الحقَّ على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد الحقّ، وفي الأثر: مَن حجب اللهُ عنه العلمَ عذَّبه على الجهل، فأقبل يَا أميرَ المُؤْمنين ما نُهدي إليك من ألسنتنا ونؤدّي به إليك نصيحتَنا. وقدم المهديُّ حاجًّا، فلمَّا أخذ في الطواف نَحَّى النَّاسَ عن البيت، فوثب عبد الله بن مرزوقٍ فلبَّب المهديَّ بردائه، ثم هزَّه وقال: مَن جعلك أحقَّ بهذا البيتِ مِمَّن أتاه من بعيدٍ حتَّى إذا صار عنده حُلْتَ بينه وبينه؟ فقال: مَن هذا؟ فقال: ابنُ مرزوق، وكان مولًى من مواليهم، فكره أن يعاقبَه عقوبةً يُشنِّع بها عليه العامَّة، فأخذه معه إلى بغداد، وحبسه في إصطبلِ الدوابِّ مع فرسٍ شَموس ليدوسَه فيقتلَه، فذلَّل اللهُ له الفرس، فكان يمدُّ عنقَه بين يديه، وأُخبر المهدي، فحبسه في بيتٍ عنده مظلم، وأخذ المفتاحَ فخبأه تحت رأسه، فقيل له: إنَّه في البستان يأكل البَقل، فأَحضره وقال: مَن أطلقك؟ فقال:
следующие страницы →