← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

وقال المهدي لعُمارةَ بنِ حمزة: مَن أرقُّ النَّاس شِعرًا؟ فقال: والبةُ بن الحُباب الأسدي، وهو الذي يقول: [من مجزوء الكامل] ولها ولا ذَنْبَ لها … حُبٌّ كأَطراف الرِّماحِ في القلب يقدح والحشا … فالقلبُ مجروحُ النواحي قال: صدقتَ واللهِ يَا أميرَ المُؤْمنين، فما يمنعك من منادمته وهو عربيٌّ شريف، شاعرٌ شريف، شاعرٌ ظريف؟! قال: قولُه: [من السريع] قلتُ لساقينا على خلوةٍ … أَدنِ كذا رأسَك من راسي وادنُ وضَعْ صدرك لي ساعة (١) … إنِّي امرؤٌ أَنكح جُلَّاسي أفتريد أن أكونَ جليسَه على هذا الشَّرط؟ وقال لحاجبه: قد ولَّيتك سَترَ وجهي وكشفَه، فلا تجعلْ بيني وبين خواصِّي سببًا لضَغَنهم بعبوس وجهِك، وقدِّم أبناءَ الدعوة؛ فإنَّهم أولى بالتَّقدمة، واجعل للعامَّة وقتًا بعد وقت. وبلغ المهديَّ عن أهل الشامِ شيء، فجهَّز إليهم جيشًا، فقال له ابنُ خريم: يَا أميرَ المُؤْمنين، عليك بالعفو عن المذنب والتجاوزِ عن المسيء، فلَأن يطيعَك النَّاسُ طاعةَ محبَّة خيرٌ لك من أن يطيعوك طاعةَ مخافة. قال: صدقت، وردَّ الجيش. وأمر المهديُّ بقتل رجلٍ وعنده ابنُ السَّمَّاك، فقال له: إنَّ هذا لا يجب عليه القتل، قال: فما يجب عليه؟ قال: يسعه عفوُك، فإنْ كان أجرًا كان لك، وإن كان وزرًا فعليَّ. فعفى عنه. وجيء المهديُّ برجل يدَّعي النبوَّة، فقال له: متى نبِّئت؟ قال: وما تصنع بالتاريخ؟! قال: ففي أيِّ الأماكنِ أتتك النبوَّة؟ قال: وقعنا معك في صُداع، فإن كنتَ تؤمن بي وإلَّا فدعْني أَذهبْ لعلي أجد مَن يصدِّقني غيرك. ثم قال: أمؤمنٌ أنا عندك أم كافر؟ قال: كافر، قال: فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، فلا تُطِعني ولا تؤذيني، ودعني أذهبْ إلى الضعفاءِ والمساكينِ فهم أَتباعُ

стр. 5847

الأنبياء، وأَدعُ الملوكَ والجبابرةَ فما بُعثتُ إليهم. فضحك المهديُّ وأَطلقه. ورأى المهديُّ في المنام كأنه محا اسمَ الوليدِ بن عبد الملك من مسجد النبيِّ ﷺ ، ثم نسي، فلما حجَّ جلس في المسجد، فرفع رأسَه فرأى اسمَ الوليد، فقال: ذكَّرتَني الطَّعنَ وكنتُ ناسيًا، وأمر أن يُمحى اسمُ الوليد ويكتبَ اسمُ المهدي مكانَه، ففعلوا. ودخل شريكٌ على المهديّ، فقال له: اختر خَصلةً من ثلاث: إما أن تليَ القضاء، وإما أن تعلِّمَ ولدي، وإما أن تأكلَ معي لقمة، فقال: اللقمةُ أهون، فأكل عنده ألوانًا من الطعام، فقال القهرمان: ليس يُفلح هذا الشيخُ بعدها، فولي واللهِ القضاءَ وعلَّم أولادَه، ولقد كتب له رزقَه إلى الجِهبذ فضايقه، فجاء إليه فقال: كم تضايقني؟! فقال له الجِهبِذ: كأنك بعتَهم خزًّا، فقال: بعتُهم واللهِ أعزَّ من الخَزّ، قال: وما هو؟ قال: دِيني. ورأى المهديُّ كأنه مقبلٌ على شريكٍ وهو مُعرِض عنه، فسأل المعبِّرَ عن ذلك، فقال: هذا رجلٌ يطأ بساطَك وهو مخالفٌ لك، فاستدعاه، فلما دخل سلَّم عليه، فقال له المهديّ: لا سلَّم الله عليك، فقال: إنَّ الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، قال: ما تقول في أبي يوسُف؟ فقال: نسأل عنه فإنْ كان عدلًا قبلنا شهادتَه، فاستشاط المهديُّ غضبًا فقال: يَا ابنَ الزانية، فقال: مَهْ مَهْ! واللهِ ما كانت إلَّا صوَّامة قوَّامة، فقال له: يَا فاسقُ يَا زنديق، فقال له شريكٌ وهو يضحك: إنَّ للفسَّاق والزنادقةِ علاماتٍ يُعرفون بها: شربُهم القهوات، واتخاذُهم القَينات، ونومُهم عن العَتَمات. يعرِّض بالمهدي، فقال: رأيتكَ في النَّوم وأنت تُجيبني من قفاك، فواللهِ لأقتلنَّك، فقال: إنَّ رؤياك ليست برؤيا يوسفَ الصِّدّيق، فلا تُباح دماءُ المسلمين بالأَحلام، وقام فخرج، فتبعه ابنُ قَحطبة، فقال له شريك: أرأيت ما قال صاحبُك لنا؟ فقال له ابنُ قحطبة: لله أبوك! فواللهِ ما رأيت مثلَك. وقال عليُّ بن صالح: كنت عند المهديِّ ودخل عليه شريك، فأراد أن يبخِّرَه بعود البَخور، فقال للخادم: هاتِ عودًا للقاضي، فجاء بعود الغناءِ فوضعه في حجر شريك، فقال: ما هذا يَا أميرَ المُؤْمنين! فخجل المهديُّ وقال: هذا أخذه العَسَسُ البارحة، فأحببت أن يكونَ كسرُه على يد القاضي، فقال: جزاك اللهُ خيرًا يَا أميرَ المُؤْمنين،

стр. 5848

فكسره. ثم أَفاضوا في حديثٍ آخَرَ حتَّى نُسي حديثُ العود، ثم قال له المهديّ: ما تقول في رجلٍ أمر وكيلًا له أن يأتيَ بشيءٍ بعينه فأتى بغيره فتلف ذلك الشيء؟ فقال شريك: يضمن يَا أميرَ المُؤْمنين، فقال المهديُّ للخادم: اضمن ما أتلفتَ بقيمته أو مثلِه. وقال أبو مَعشر: جلست الخَيزُران يومًا وحولها بناتُ الخلفاءِ على النَّمارق والوسائد، وتحت الخيزران بساطٌ رومي، وعندها زينبُ بنت سليمانَ بنِ علي، وكانت في القُعْدُد (١) عند أهلِها مثلَ المنصور، فدخل الخادمُ فقال: على الباب امرأةٌ ذات حُسن وجمالٍ وهَيبة في أطمارٍ رَثَّة تستأذن عليك، فأَذنت لها الخَيزُران، فدخلت امرأةٌ لها أُبَّهة وقَدْرٌ وجَلالة، فسلَّمت بأحسنِ سلام، وتكلَّمت بأَفصح بيان، فقلت لها: مَن أَنْتَ؟ فقالت: مُزنةُ امرأة مروانَ بنِ محمَّد، أصارني الدهرُ إلى ما ترون، وهذه الأطمارُ عليّ عارية، ولَمَّا غلبتمونا على هذا الأمرِ لم نأمنْ أن نخالطَ العامَّة، ولمَا نحن فيه من الضَّرر قصدناكم لنعيشَ تحت ظلِّكم، فاغرورقت عينا الخَيزُران، فنظرت إليها زينبُ وقالت: لا خفَّف اللهُ عنك، أتذكرين يومَ دخلتُ عليك وتحتك هذا البساطُ بعينه -وأَشارت إلى البساط الذي تحت الخَيزُران- ونساءُ فراعنتكم على هذه النَّمارقِ والوسائد، فكلمتُك في جُثَّة إبراهيمَ الإِمام فانتهرتِني وأمرتِ بإخراجي، وقلتِ؟ ما للنساء والدخولِ مع الرجالِ في آرائهم، وواللهِ لقد كان مروانُ أرعى للحقوق منك، دخلتُ عليه فسألته فيه، فقال: واللهِ ما قتلته، ولقد كذب، ثم دفع إليَّ جُثَّته، وأعطاني مالًا فلم أَقبلْه، فقالت مُزنة: واللهِ ما أظنُّ الحال التي أدَّتني إلى ما ترين إلَّا ما كان مني إليك، فلمَ حرَّضتِ هذه السيدةَ على حرماني؟! وكان الواجبُ عليك أن تحضِّيها على فعل الخيرِ ومقابلة الشيءِ بضدِّه؛ لتحوزَ نعمتَها وتصونَ دينَها، يا بنتَ عمي، كيف رأيتِ حالنا في العقوق وما صنع اللهُ بنا فأَحببتِ أن تتأسِّي بنا. ثم بكت بكاءً شديدًا وقامت، فأمرت الخيزرانُ الخادمَ فعدل بها إلى مقصورةٍ سرًّا من زينب، ودخل المهديُّ في الحال وأثرُ البكاءِ في وجه الخَيزُران، فسألها، فقصَّت عليه القصَّة، فبكى بكاءً شديدًا وقال: اللهم إنِّي أعوذ بك من زوال نعمتك. ثم قال: وأين المرأة؟ قالت

стр. 5849

الخَيزُران: أمرتُ الخادمَ فعدل بها إلى مقصورة، فقال: واللهِ لو لم تفعلي ذلك ما دخلتُ عليك ولا كلَّمتك أبدًا، ثم أَقبل على زينبَ فوبَّخها وقبَّح فعلَها وأَمضَّها، ثم أَعرض عنها، وقال للخادم: ما قالت مزنةُ عند قيامِها من المجلس؟ قالت: قرأتْ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ الآية [النحل: ١١٢]، فقال المهدي: عليَّ بها، فجاءت، فقرَّبها وأَدناها ورفع منزلتَها فوق منزلةِ زينب، وذاكرها أيامَ النَّاس، فوجدها بارعةً في كلِّ فنٍّ مع حُسن وجمال، فقال لها: يَا بنتَ العمّ، لولا ما تعلمين من أمركم لتزوَّجتك، ولكن لكَّ أَسوة، هؤلاء بناتُ الخلفاء، وأَقطعها ما لمثل واحدةٍ منهن، فأَقامت على أحسن حالٍ حتَّى توفّيت في أيَّام هارون. قِصَّة العَلَوي: انتبه المهديّ ليلةً من منامه فَزِعًا، فاستدعى صاحبَ شُرطته وقال له: صِرْ إلى المُطْبِق واطلب فلانًا العلويَّ الحسيني، وخيِّره بين المُقامِ عندنا والخروجِ إلى أهله، فإن اختار الخروجَ إلى أهله فأَعطِه كذا وكذا من المال، وإن اختار المقامَ عندنا فادفع له كذا وكذا من المال. قال: فجئتُ إلى المطبق، فطلبتُ الفتى وإذا به مثلُ الشَّنِّ البالي، فعرَّفته الحال، قال: لا بل أَخرج إلى أهلي إلى المدينة، فجهَّزته وأعطيته الصِّلَة كما أمرني، فلما عزم على الذَّهاب قلت له: بالذي فرَّج عنك ما كنتَ فيه هل تعلم ما دعا أميرَ المؤمنين إلى إطلاقك؟ قال: نعم، رأيتُ رسولَ الله ﷺ في هذه الليلةِ في المنام، فقال: يَا بُنَيَّ ظلموك؟ قلت: نعم. قال: قم فصلِّ ركعتين وقيل: يَا سابقَ الفوت، ويا سامعَ الصَّوت، ويا كاسيَ العظامِ بعد الموت، صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمَّد، واجعلْ لي من أمري فَرَجًا ومخرجًا، إنَّك تعلم ولا أَعلم، وتقدر ولا أَقدر، وأنت علَّامُ الغيوب، يَا أرحمَ الراحمين. قال: فقمتُ وفعلت ما أمرني به، ولم أزل أكرِّرها حتَّى دعوتَني. قال: وعدتُ إلى المهديِّ فحدَّثته الحديث، فقال: كنت نائمًا، وإذا بزِنجيٍّ بيده عمودٌ من حديدٍ واقفًا على رأسي وهو يقول: أَطلِق فلانًا العلويَّ وإلَّا قتلتك. وقال صالحُ بن بشيرٍ المُرِّي: دخلتُ على المهديِّ ببغدادَ وهو بالرصافة، فقلت: يَا

стр. 5850

أميرَ المُؤْمنين، احتمل ما أكلِّمك به اليومَ لله تعالى؛ فإنَّ أَوْلى الناسِ بالله أحملُهم للنصيحة فيه، وجديرٌ بمن له قرابةٌ من رسول اللهِ ﷺ أن يرثَ أخلاقَه ويأتمَّ بهديه، وقد ورَّثك اللهُ من فهم العلمِ وإِنارة الحجَّة ميراثًا قطع به عُذرَك، فمهما ادَّعيتَ من حجَّة أو ركبت من شبهةٍ لم يتَّضح لك فيها برهانٌ من الله تعالى، حلَّ بك من سَخَطه بقدر ما تجاهلتَه من العلم، أو أَقدمتَ عليه من شُبهة الباطل، واعلم أنَّ رسولَ الله ﷺ خصمُ مَن خالفه في أمَّته، ومَن كان محمدٌ ﷺ خصمَه كان اللهُ خصمَه، فأعدَّ لمخاصمة (١) اللهِ ورسولِه حُجَجًا تضمن لك النَّجاة، أو استسلم للهَلَكة، واعلم أنَّ أبطأَ الصَّرعى نهضةً صريعُ هوًى يدَّعيه إلى الله قُربة، وأنَّ أثبتَ الناسِ قَدَمًا يومَ القيامة آخذُهم بكتاب اللهِ وسنَّة رسولِه ﷺ ، فانتبهْ فقد تصيَّدت الدنيا نُظراءك، فاعملْ بالأمانة فقد أدَّيتُ إليك النصيحة. فبكى المهديّ. ودخل عليه صالحُ بن عبدِ الجليل فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، لَمَّا سهل علينا ما توغَر على العامَّة من الوصول إليك، قمنا مقامَ الأداء عنهم وعن رسول اللهِ ﷺ بإِظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمرِ والنَّهي بانقطاع عُذرِ الكتمان، ولا سيما حيث اتَّسمتَ بميسَم التواضع، وآثرتَ الحقَّ على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد الحقّ، وفي الأثر: مَن حجب اللهُ عنه العلمَ عذَّبه على الجهل، فأقبل يَا أميرَ المُؤْمنين ما نُهدي إليك من ألسنتنا ونؤدّي به إليك نصيحتَنا. وقدم المهديُّ حاجًّا، فلمَّا أخذ في الطواف نَحَّى النَّاسَ عن البيت، فوثب عبد الله بن مرزوقٍ فلبَّب المهديَّ بردائه، ثم هزَّه وقال: مَن جعلك أحقَّ بهذا البيتِ مِمَّن أتاه من بعيدٍ حتَّى إذا صار عنده حُلْتَ بينه وبينه؟ فقال: مَن هذا؟ فقال: ابنُ مرزوق، وكان مولًى من مواليهم، فكره أن يعاقبَه عقوبةً يُشنِّع بها عليه العامَّة، فأخذه معه إلى بغداد، وحبسه في إصطبلِ الدوابِّ مع فرسٍ شَموس ليدوسَه فيقتلَه، فذلَّل اللهُ له الفرس، فكان يمدُّ عنقَه بين يديه، وأُخبر المهدي، فحبسه في بيتٍ عنده مظلم، وأخذ المفتاحَ فخبأه تحت رأسه، فقيل له: إنَّه في البستان يأكل البَقل، فأَحضره وقال: مَن أطلقك؟ فقال:

стр. 5851

الذي حبسني، فأَطلقه فعاد إلى مكَّة. وقال المهديُّ لسفيانَ الثَّوريّ: يَا أَبا عبدِ الله، إنِّي أريد أن أستعينَ بك على أَمانتي، فقال: لا أَصلح، فرمى بخاتَمه إليه وقال: اِعمل في هذه الأمَّة بكتاب اللهِ وسنَّة رسوله، فقال: لو عملتُ (١) بذلك لكنت أوَّل ما أبدأ بك، فغضب المهديُّ وقام سفيانُ الثوريُّ فخرج. ودخل عليه محمدُ بن طلحةَ بن مصرِّفٍ وهو جالسٌ في بهوٍ له، فمطرت على النَّاس، فقام مُحَمَّد فقال: أَمن العدلِ يَا أميرَ المُؤْمنين أن تكونَ في الظلِّ ونحن في المطر؟! فقال المهدي: مَن هذا؟ قالوا: محمَّد، وهو مغفَّل، فقال له المهدي: إليَّ يَا عمّ إلى ها هنا، وجعل يردِّدها حتَّى صار قريبًا منه في الكِنّ، فقال: يَا عمّ، لِمَ لا تقول (٢) لأخيك سفيانَ الثوريِّ يأتِنا؟ فقال: إذًا يكون له الحجَّةُ عليّ، قال: فقل أَنْتَ، قال: أرى أن تصعدَ المنبرَ وتسألَ النَّاسَ أن يسوِّغوك (٣) ما في يدك، ثم تستقبل بهم العدل، فقال: مقبولٌ يَا عم، وخرج، فقال المهدي: هذا الذي زعمتم أنَّه مغفَّل! وكان المهديُّ ممدَّحًا يحبُّ الشعر، ومن شعرائه مروانُ بن أبي حفصة، وهو القائلُ من قصيدة: [من الطَّويل] كفاكم بعبَّاسٍ أبي الفضلِ والدًا … فما من أبٍ إلَّا أبو الفضلِ (٤) فاضلُهْ كأنَّ أميرَ المُؤْمنين محمَّدًا … أبو جعفرٍ في كلِّ أمرٍ يحاوله إليك قَصَرنا النِّصفَ من صلواتنا … مسيرةَ شهرٍ بعد شهرٍ نواصله وهو سبعون بيتًا، وأوَّلها: صحا بعد جهلٍ واستراحت عواذلُهْ (٥) فأمر له بسبعين ألفًا، فقال مروان: فقلتُ في نفسي: أنشدتُه هذه الأبياتَ فأمر لي

стр. 5852

بشيءٍ نسيئة، فقلت: فلا نحن نخشى أن يَخيبَ مسيرُنا … إليك ولكنْ أَهنأُ البِرِّ عاجلُهْ فقال المهديّ: عجِّلوها له، فحُملت إليَّ من وقتي. وكان المهديُّ يحتجب أولَ خلافته، فأنشده سَلْمٌ الخاسر: [من مخلع البسيط] مَن راقب النَّاسَ مات غمًّا … وفاز باللذَّة الجَسورُ (١) فظهر لنُدَمائه. وكان يقول بعد ذلك: إنما اللذَّة في مشاهدتها وإدراكِ الحواسِّ إياها، أما مِن وراءَ فليس لها معنى. وكان المهديُّ يشعر، ومن شعره: [من الوافر] أَرى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ … ولكنْ لا سبيلَ إلى الورودِ أَراح اللهُ من جسدي ثيابي … وعجَّلني إلى دار الخلود أَمَا يكفيكِ أنَّك تملكيني … وأنَّ النَّاس كلَّهمُ عبيدي وأنكِ لو قَطَعتِ نياطَ قلبي … لَقلتُ من الهوى أحسنتِ (٢) زيدي وقيل: إنَّها لابنه هارونَ الرشيد (٣). وله: [من مجزوء الرمل] أفِّ للدنيا وللزِّيـ … ـنةِ فيها والأثاثِ إذ حثا التُّربَ على هَيـ … ـلانَ في الحفرة حاثي فلها تبكي البواكي … ولها تُشجَى المراثي خلَّفت حزنًا طويلًا … جعلتْ ذاك تُراثي (٤) وحجَّت الخَيزُران، فكتب إليها المهديُّ وهي بمكَّة: [من الخفيف] نحن في أكملِ السُّرورِ ولكن … ليس إلَّا بكمْ يتمُّ السرورُ

стр. 5853

عيبُ ما نحن فيه يَا أهلَ وُدِّي … أنكم غُيَّب (١) ونحن حضور فأَجِدُّوا في السير بل إنْ قدرتمْ … أَن تطيروا مع الرِّياح فطيروا فكتبتْ إليه تقول: قد أتانا الذي وصفتمْ (٢) من الشَّو … قِ فكدنا من الغَرام نطيرُ ليت أنَّ الرِّياحَ كنَّ يؤدِّيـ … ـنَ إليكم ما قد يُجِنُّ الضمير لم أزل صبَّةً فإنْ كنتَ بعدي … في سرورٍ فدام ذاك السُّرور ذِكرُ وفاته: قال عليُّ بن يقطين: بينا نحن مع المهديِّ بقصره بماسَبَذانَ نام نومة، ثم انتبه وهو يبكي، فقمنا إليه فقلنا: ما الخبر؟ فقال: أَتاني الساعةَ آت، فوقف على باب القصرِ وقال: [من الطَّويل] كأنِّي بهذا القصرِ قد باد آهلُهْ … وأَوحشَ منه رَبْعُه ومنازلُهْ وصار عميدُ القومِ من بعد بهجةٍ … ومُلكٍ إلى قبرٍ عليه جَنادلُه فلم يبقَ إلَّا ذِكرُه وحديثُه … تنادي عليه مُعْولاتٍ حلائلُه فلم يلبثْ سوى عشرةِ أيامٍ ومات (٣). وقال الشافعيُّ ﵀: لما فرغ المهديُّ من بناء قصره، تحوَّل إليه ومعه حَشَمُه، فبينا هو ذات ليلةٍ نائم، إذ سمع صوتًا من زاوية القصرِ يهتف: كأنِّي بهذا القصرِ قد باد آهلُهْ … وأَوحش منه رَبعه ومنازلُهْ (٤) فأجابه المهديُّ وقال: كذاك أمورُ الناسِ يبلى جديدُها … وكلُّ فتًى يومًا ستَبلى فعائلُه فأجابه الهاتفُ وقال: تلبَّثْ ثلاثًا بعد عشرين ليلةً … إلى منتهى شهرٍ وما أَنْتَ كامله

стр. 5854

فما عاش بعدها إلَّا تسعةً وعشرين يومًا ومات (١). وقيل: خرج إلى قريةٍ فنصب الشِّباك على المياه لصيد الغِزلان، فنفرتْ وذهبت، وجاءت في اليوم الثاني وقد أَجهدها العطش، فوقفت عند الشِّباك ورفعت رؤوسَها وعجَّت عجةً واحدةً إلى الله تعالى، وإذا قد ارتفعت سحابةٌ فأَمطرت غُدرانًا، فشربتْ والمهديّ ينظر إليها، فحُمَّ من يومه، فلم يلبثْ أيامًا حتى هلك. وقيل: طردت الكلابُ ظَبيًا وطرد المهديُّ خلفها، فما زال الظَّبْيُ يعدو حتى اقتحم بابَ خَرِبة، فاقتحمت الكلابُ خلفه، واقتحم الفرسُ بالمهدي، فدقَّ بابُ الخربة ظهرَه فوقع ميِّتًا، فنظروا فلم يجدوا ما يحملونه عليه، فقلعوا بابًا من بعض بيوتِ القرية فحملوه عليه إلى معسكره. وقيل: إنَّه مات مسمومًا، فقال الطَّبري (٢): بعثتْ جاريةٌ من جواري المهديِّ إلى ضَرَّة لها بلِبَأٍ (٣) فيه سمّ، فمرَّت بالمهديِّ وهو قاعدٌ في بستان، فدعا به فأكل منه، وفَرِقت الجاريةُ أن تقول: إنَّه مسموم. وقيل: إنَّه كان جالسًا في علّيَّة قصره بماسَبَذَان، مشرفٌ من منظرة، وكانت جاريتُه حَسَنةُ قد عمدت إلى كُمَّثرى فجعلته في صِينيَّة وسمَّت منه واحدة، وهي أحسنُه وأنضجه، ووضعتها في أَعلاه، وأرسلت به مع وصيفةٍ لها إلى جارية للمهديِّ كان يتحظَّاها، تريد بذلك قتلَها، وكان المهديُّ يُعجبه الكُمَّثرى، فلمَّا رأى الوصيفةَ دعا بها إليه وأخذ تلك الكُمَّثرى، فأكلها وصرخ: جوفي جوفي، فسمعت حَسَنةُ الصوت، فجاءت تلطِم وتقول: أردتُ أن أنفردَ بك فقتلتُك، وهلك من يومه. وقال ابنُ عبدوس: كان المهديُّ قد بعث إبراهيمَ بن ذكوانَ الحرَّاني الأعورَ مع ابنه موسى إلى جُرجان، فغلب إبراهيمُ على موسى واختصَّ به، وبلغ المهديَّ عنه أشياءُ تزيَّد أعداؤه عليه فيها، فكتب إلى موسى يطلبه، فتعلَّل عليه، فكتب إليه المهديّ: لئن لم تبعثْ به إليَّ لأخلعنَّك من العهد، فلم يجد بدًّا أن بعث به إليه مكرّمًا مع خادم له

стр. 5855

وقال: إذا قولتَ منه فقيِّده وألبِسه جبةَ صوف، واحمله على بعيرٍ بغير وطاءٍ ولا غطاء، وكان المهديُّ بماسَبَدْان، فوكب للصيد، وإذا بالخادم وإبراهيم، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا إبراهيمُ ومعه خادمُ موسى، فقال: وما حاجتُنا إلى الصيد؟! وهل من صيدٍ أطيبُ من صيد إبراهيم! عليَّ به. قال: فأدنيت منه وهو على فرسه، فقال: إبراهيم؟ قلت: لبَّيك يا أميرَ المؤمنين، فقال: واللهِ لأقتلنَّك، قالها ثلاثًا، ثم قال للخادم: امضِ به إلى المضرب. قال: فيئست من الحياة، فلما صرتُ في المضرب أخذتُ في الصلاة والتضرُّع، وانصرف المهديُّ (١) فأكل من اللَّوزِينَج المشهورِ خبرُه، فمات من وقته وتخلَّصتُ. وتوفِّي في المحرَّم، فقيل: لثمانٍ بقينَ منه ليلةَ الخميس، وقيل: ليلةَ الجمعة لسبعٍ بقين منه، وعاش ثلاثًا وأربعين سنة، وقيل: خمسًا وأربعين سنة، ووُلد سنةَ تسعٍ وعشرين ومئة (٢)، وقيل: سنةَ سبعٍ وعشرين ومئة، وقيل: وخمسةِ أيام، وصلَّى عليه هارون، وكان بجُرجان، ودُفن تحت جَوزة، وكان يجلس عندها. ورثاه جماعةٌ، منهم بكَّار بى رباح، فقال: [من الطويل] أَلا رَحِمَ (٣) الرحمنُ في كلِّ سماعةٍ … على رِمَّةٍ رمَّت بماسَبَذانِ لقد غيَّب القبرُ الذي ثُمَّ سؤدَدًا … وكفَّينِ بالمعروف تبتدران وقال سلم (٤) الخاسر: [من الوافر] وباكيةٍ على المهديِّ عَبرَى … كأنَّ بها وما جنَّت جنونا وقد خمشتْ محاسنَها وأَبدت … غدائرَها وأَظهرت القرونا لئن بليَ الخلافةَ بعد عشرٍ (٥) … لقد أبقى مساعيَ ما بَلينا سلامُ الله غُدوةَ كلِّ يومٍ … على المهديِّ حين ثوى رهينا

стр. 5856

تركنا الدِّينَ والدنيا جميعًا … بحيث ثوى أميرُ المؤمنينا وكانت الخَيزُران قد جاءت إلى ماسَبَذان في مئة قبَّةٍ من الذيباج، فأَقامت عنده أيامًا، فلمَّا عادت إلى بغدادَ أَلبست القِبابَ المُسوح، فقال أبو العتاهية: [من مجزوء الرمل] رُحنَ في الوَشي وأَصبحْـ … ـنَ عليهنَ المُسُوحُ كلُّ نطَّاحٍ من الدَّ هـ … ـرِ له يومٌ نَطوح لَتموتنَّ ولو عُمـ … ـمِرْتَ ما عُمِّر نُوح فعلى نفسك نُحْ … إنْ كنتَ لا بدَّ تنوح (١) ذِكرُ أولاده: كان له من الولد موسى الهادي، وهارونُ الرشيد، وعيسى [و] (٢) البانوقة، وأمُّهم الخَيزُران، وهي بنتُ عطاء، وقيل: كانت جرشيةً مولاةَ المهدي، وإلى عيسى يُنسب عيسى باذ، وكان له عيسى آخر، وعُبيد الله، وأمُّهما رَيطة بنتُ أبي العباس السفَّاح، ومنصور، وأمُّه بنت الأَصْبَهْبَذ صاحبِ طَبَرِستان، ويقال: إنَّها وَلدت للمهديِّ العاليةَ وسليمةَ والعبَّاسةَ لأمِّ ولد، ويعقوبَ وإسحاقَ لأمِّ ولد، وإبراهيم، وأمُّه شَكلة من سبي دُنْباوَند، ومن أولاد المهديِّ عليٌّ وعبدُ الله، فأما عليٌّ فحجَّ بالناس، وولي البصرة، وتوفِّي ببغداد، وأما عيسى فمات صغيرًا، وأما عبيدُ (٣) الله فولي إِرمينيةَ والجزيرة، وأما منصورٌ فولي البصرة وفلسطين، وحجَّ بالناس في فتنة الأمين، ولم يدخل مع الأمينِ ولا مع المأمون، وأما العباسةُ فتزوَّجها هارونُ بن محمدِ بن سليمان، فمات عنها، فتزوَّجها إبراهيمُ بن صالحِ بن علي، وأما البانوقةُ فكان أبوها يحبُّها حبًّا شديدًا، وكان لا يصبر عنها لحظةً واحدة، وكان يركب وهي بين يديه عليها قَباءٌ أسودُ وفي وسطها منطقة (٤)، فتوفِّيت ببغدادَ في سنة خمسٍ وستين ومئة، فجزع عليها المهديُّ جزعًا لم

стр. 5857

يجزعْه خليفةٌ على ابنةٍ قطّ، وجلس بنفسه للعزاء، وكتب إلى الآفاق، فقدم إليه المعزُّون الخطباءُ والشعراء، وأَنشدوه وعزَّوه، وقام شبيبُ بن شبةَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، أعطاك اللهُ ما رُزئتَ به أجرًا لها منك، وأحقُّ ما صُبر عليه ما لا سبيلَ إلى ردِّه، فتعزَّى المهدي. ذِكر وزرائه وحُجَّابه وقضاته: كان له من الوزراءِ أبو عبدِ الله معاويةُ بن عبدِ الله الأشعري، ويعقوبُ بن داودَ، والفيضُ بن أبي صالح، وفي الربيع بنِ يونسَ خلاف، وحاجبُه الفضلُ بن الربيع، وحجبه أبو الرَّبيع وسلَّامٌ الأبرش، وقاضيه عافيةُ بن يزيد ومحمدُ بن عبدِ الله بن عُلاثة وشريكُ بن عبدِ الله، ونَقشُ خاتَمه: العزُّ لله. أَسند المهديُّ عن أبيه وجدِّه وشعبةَ وغيرِهم. وقال الواقدي: خرج على المهديِّ خارجي، فخرج راكبًا يستنفر الناسَ ويقول: حدَّثنا شعبةُ بن الحجَّاج، عن زياد بنِ عِلاقة، عن عَرْفَجةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن خرج على أُمَّتي وهم جميعٌ ليفرِّقَ بينهم، فاضرِبوا رأسَعه بالسَّيف كائنًا مَن كان" (١). فصل: وفي الرُّواة مَن اسمُه محمدُ بن عبدِ الله جماعة، منهم: محمدُ بن عبدِ الله بن رَزِين أبو الشِّيص الشاعر. من بارع شعرِه يمدح هارونَ الرشيدَ عند ورود الخبرِ بهزيمة نقفور مَلِكِ الروم: [من الطويل] شددتَ أميرَ المؤمنين قُوى المُلك … صدعتَ بفتح الرُّوم أفئدةَ التُّركِ قريتَ سيوفَ الله هامَ عدوِّه … وطأطأت بالإِسلام ناصيةَ الشِّرك فأصبحتَ مسرورًا بفتحك ضاحكًا … وأصبح نقفورٌ على مُلكه يبكي (٢) ومنهم

стр. 5858

محمدُ بن عبدِ الله بن شُعيب أبو بكرٍ الشاعر، مولى بني مخزوم، ويُعرف بالأُخيطل. كان ظريفًا مليحَ الشِّعر، فمنه: [من البسيط] رياضُ شِعرٍ إذا ما الفكرُ أَمطرها … فهمًا تروَّى لبُّ الفتى الفَهِمِ فما اقترابُ الهوى من عاشقٍ دَنِفٍ … ألذُّ من ماء شِعرٍ جال في كَرَم (١) ومنهم محمدُ بن عبدِ الله بن يحيى ابن الخبَّازة الحنبلي. له شِعرٌ في الزهد والرَّقائق، عاصر الإمامَ أحمد بنَ حنبلٍ رحمه الله تعالى، ومدحه ورثاه، وقال عبدُ الله بن الإمامِ أحمدَ رحمةُ الله عليه: كنتُ أَدعو ابنَ الخبازة، وكان أبي ينهى عن الشِّعر، فسمعه يومًا وهو يُنشد: [من الطويل] إذا ما خلوتَ الدَّهرَ يومًا فلا تقلْ … خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيبُ (٢) قال عبدُ الله: فخرجتُ لأنظر، فإذا بأبي يترنَّح ذاهبًا وجائيًا، فقال: إذا كان مثلَ هذا فلا بأسَ به. ومنهم محمدُ بن عبدِ الله بن نُمَير البغدادي روى عن الحارث بنِ الحَكَم قال: أَنزل اللهُ في بعض كتبه: أنا اللهُ لا إله إلَّا أنا، قضيتُ السُّوسَ على الطعام، ولولا ذلك لخزنه الملوكُ فغلت الأسعار، ولولا أني قضيت النَّتْنَ على الميِّت لحبسه أهلُه في البيوت، ولولا أني أَسكنت الأملَ القلوبَ لأَخربها الفكر. انتهت سيرةُ المهديِّ ﵀.

стр. 5859

محمدُ بن عبدِ الرحمن بنِ هشام أبو خالد، القاضي المكِّي الأَوقص. ولي قضاءَ مكة، كان قصيرًا دميمًا جدًّا، وكان عُنقه داخلًا في بدنه، ومنكباه خارجان كأنهما زُجَّان، فكان الخصمُ إذا جلس بين يديه لا يزال يُرعَد إلى أن يقوم. سمعتْه امرأةٌ يومًا وهو يقول: اللهمَّ أَعتِق رقبتي من النار، فقالت: وأيُّ رقبةٍ لك! وقالت له أمُّه: يا بُني، إنك خُلقت خِلقةً لا تصلح معها معاشرة الفِتيان، فعليك بالدِّين والعلم، فإنهما يتمِّمان النقائص، ويرفعان الخسائس. قال: فنفعني اللهُ بما قالت، فتعلَّمتُ العلمَ حتى وليت القضاء. أَسند عن خالد بنِ سَلَمةَ المخزومي وغيرِه، وروى عنه معنُ بن عيسى (١) وغيرُه. نافعُ بن عبدِ الرحمن ابن أبي نُعيم، المَديني القارئ، من الطبقة السادسةِ من أهل المدينة. قال اللَّيث بنُ سعد: قدمت المدينةَ سنةَ عشرٍ ومئة (٢)، فوجدتُ نافعًا إمامَ الناس في القراءة، لا يُنازَع فيها. * * *

стр. 5860

السَّنة السَّبعون بعد المئة فيها توفِّي موسى الهادي وولي هارونُ الرشيد. البابُ الخامسُ في خلافته وكُنيته أبو جعفر، وقيل: أبو موسى، وقيل: أبو محمَّد، وُلد سنةَ خمسٍ وأربعين ومئة، وقيل: سنةَ ثمانٍ وأربعين، وقيل: سنة تسعٍ وأربعين ومئة، وقيل: سنة ستٍّ وأربعين، أو سنةَ خمسين (١) ومئة. ووُلد الفضل بنُ يحيى قبله بتسعة أيام أو ثمانيةٍ في ذي الحِجَّة، وولد هارونُ أولَ يوم من المحرَّم، فأَرضعته أمُّ الفضل، وهي زينبُ بنت منير، وفي ذلك يقول سَلْمٌ (٢) الخاسر: [من الخفيف] أَصبح الفضلُ والخليفةُ هارو … نُ رضيعَي لِبان خيرِ النساءِ لا يضلُّ الساري بغير دليلٍ … وبنو بَرْمكٍ نجومُ السماء وأَرضعت الخَيزُران الفضلَ بلِبان هارون، وكان مولدُه بالرَّي، وأمُّه وأمُّ الهادي الخَيزُران، وفيها يقول مروانُ بن أبي حفصة: [من الكامل] يا خَيزُرانُ هَنَاكِ ثم هَنَاكِ … أَمسى يسوس العالمين ابناكِ (٣) فنهاه هارونُ وقال: لا تذكرْ أمِّي بخيرٍ ولا بشرّ. وولي هارونُ الخلافةَ وهو ابنُ إحدى وعشرين سنة، وهذا يؤيِّد قولَه: أنَّه ولد في سنة تسعٍ وأربعين في خلافة المنصورِ لثلاثٍ بقين من ذي الحِجَّة، وبويع يومَ الجمعة ببغدادَ صبيحةَ اليومِ الذي توفِّي فيه الهادي، وقيل: ليلةَ الجمعة، وقيل: ليلة السبتِ لأربعَ عشرةَ بقيت من ربيعٍ الأوَّل.

стр. 5861

وقال سليمانُ بن أبي شيخ: لما كانت الليلةُ التي توفِّي فيها الهادي، أخرج هرثمةُ بن أَعيَنَ هارونَ ليلًا فأَقعده في مرتبة الخلافة، ودعا هارونُ بيحيى بنِ خالد، وكان محبوسًا في حبس الهادي، وقد عزم على قتله وقتلِ هارونَ في تلك الليلة، فحضر يحيى، فاستوزره وأمره بإِنشاء الكتبِ بالبَيعة إلى الآفاق. وقال محمدُ بن هشامٍ المخزومي: لَمَّا مات الهادي، جاء يحيى بنُ خالدٍ إلى هارونَ وهو نائمٌ في فراشه في لحافٍ بغير إزار، فقال له: قُم يا أميرَ المؤمنين، فقال له هارون: كم تروِّعني إِعجابًا منك بخلافتي وقد علمتَ حالي عند هذا الرجل! فإنْ بلغه هذا فكيف يكون حالي عنده؟! فقال: مات أخوك، وهذا خاتمُه، فقام ولبس ثيابَه وقال: واللهِ لا صليتُ الظهرَ إلا ببغداد، وكان بعيساباذ، فصلَّى على الهادي، وقدَّم أبا عِصمةَ فضرب عنقَه، وكان يؤذيه عند الهادي، ودخل بغدادَ الظهرَ ورأسُ أبي عصمةَ بين يديه على قناة. فمن جملة ما آذاه به أن هارونَ ركب يومًا هو وجعفرُ بن موسى الهادي وأبو عصمةَ معهما، فاجتاز بقنطرةٍ من قناطر عيساباذ، فالتفت أبو عصمةَ إلى هارونَ فقال له: مكانَك حتى يعبرَ وليُّ العهد، فقال هارون: السمعُ والطاعةُ للأمير، ووقف حتى عَبَرَ جعفر. ولما وصل هارونُ إلى كرسيِّ الجسرِ ببغدادَ دعا بالغوَّاصين، وقال: كان المهديُّ قد وهب لي خاتَمًا شراؤه مئةُ ألف دينار يسمَّى الجبل، فدخلتُ على أخي موسى وهو في يدي، فلمَّا خرجتُ من عنده لحقني سليمٌ الأسود عند هذا المكانِ وقال: يأمرك أميرُ المؤمنين أن تعطيَه هذا الخاتَم، فرميتُ به في هذا المكان، ووقف حتى نزل الغوَّاصون فغاصوا ساعةً وأخرجوه، فسُرَّ به سرورًا عظيمًا وقال: هذا أولُ البِشارة. وقال محمدُ بن إسحاقَ الهاشمي: كان الهادي قد خلع الرشيدَ وبايع لابنه جعفر، فلمَّا مات الهادي، هجم خزيمةُ بن خازمٍ في تلك الليلةِ في مواليه وجندِه على جعفر بنِ موسى فأَخرجه من فراشه وقال: واللهِ لئن لم تخلعْ نفسَك لأضربنَّ عنقَك، وشهر عليه السَّيف، ولَمَّا كان من الغد أقدمه في علِّية على باب القصر، فجعل ينادي: أيُّها الناس، مَن كانت له في عنقي بَيعةٌ فقد أَحللتُه منها، والخلافةُ لعمِّي هارون، ولا حقَّ لي فيها.

стр. 5862

فحظي خزيمةُ بذلك عند الرشيد، ولَمَّا مات الهادي لم يعلم بموته أحدٌ غيرُ أمِّه الخَيزُران، فأرسلت بخاتمه إلى يحيى بنِ خالد سرًّا وقالت: قد أراح اللهُ من الجبَّار، فجاء إلى هارونَ وهو نائمٌ فأيقظه، وكان هارونُ أبيضَ طُوالًا جسيمًا جميلًا وسيمًا جَعْدًا، لم يمت حتى وخطه الشَّيب، وكان به حَوَلٌ في فردِ عينٍ لا يبين إلَّا لمن تأمَّله. وكان ساخطًا على إبراهيمَ بن ذكوانَ الحرَّاني وسلَّامٍ الأبرش، فأمر بحبسهما وقبضِ أموالهما، فحُبس إبراهيمُ عند يحيى بنِ خالد في داره، فكلَّمه فيه محمدُ بن سليمانَ بن عليٍّ وسأله فيه، وأن ينحدرَ به معه إلى البصرة، فأَجابه إلى ذلك. وفي هذه الليلةِ التي مات فيها الهادي وُلد المأمون. وفي اليوم الذي بويع فيه هارونُ سلَّم عليه بالخلافة جماعةٌ من عمومته، فقال له عبدُ الصمد بنُ علي: هذا مجلسٌ فيه أميرُ المؤمنين وعمُّه وعمُّ أبيه وعمُّ عمِّ عمِّه؛ لأنَّ سليمانَ ابنُ أبي جعفر، والعباسَ بنَ محمدِ بن علي هو عمُّ المهدي، وعبدَ الصمد بنَ على عمُّ المنصور، فسليمانُ عمُّ الرشيد، والعباس عمُّ سليمان، وعبدُ الصمد عمُّ العباس. وفيها عزل الرشيدُ عمرَ بن عبدِ العزيز العُمريَّ عن المدينة وولَّاها إسحاقَ بن سليمانَ بنِ عليّ. وفيها فوَّض الرشيدُ أمورَ الخلافة إلى يحيى بنِ خالد وقال: لقد قلَّدتك أمورَ الرعيَّة وأَخرجتها من عنقي، فولِّ مَن رأيت، واعزل من رأيت، وافعل ما تراه. وسلَّم إليه خاتمَ الخلافة، فقال الشاعر (١): [من الطويل] ألم ترَ أنَّ الشمسَ كانت سقيمةً … فلمَّا ولي هارونُ أَشرق نورُها بيُمْن أمينِ الله هارونَ ذي النَّدى … فهارونُ واليها ويحيى وزيرها وكان الهادي قد حجر على الخَيرران، فردَّها الرشيدُ إلى ما كانت عليه وزادها، وكان يحيى بنُ خالدٍ يشاورها في الأمور ويَصْدُر عن رأيها. وفيها فرَّق هارونُ في أعمامه وأهلِه أموالًا لم يفرِّقها غيرُه من الخلفاء، وأمر بسهم ذي القُربى أن يقسمَ بين بني هاشمٍ بالسويَّة.

стр. 5863

وفيها خرج من الطالبيين إبراهيمُ بن إسماعيل، ويقال له: طباطَبا، وخرج أيضًا عليُّ بن الحسن بنِ إبراهيمَ بن عبد اللهِ بن حسن. وحجَّ الرشيدُ بالناس ماشيًا يمشي على اللَّبُود، كانت تُبسط له من منزلٍ إلى منزل، وسببُ مشيه أنَّه رأىَ رسولَ اللهِ ﷺ في المنام فقال. يا هارون، إنَّ هذا الأمرَ صائرٌ إليك، فحجَّ ماشيًا، واغزُ، ووسِّع على أهل الحَرَمين، فأَنفق فيهم أموالًا عظيمة. وقيل: كان الهادي قد أَحلفه لابنه جعفرٍ أَيمانًا معظَّمة من الطلاق والعتاقِ والحجِّ ماشيًا، ولم يحجَّ خليفةٌ قبلَه ولا بعده ماشيًا، ولا حجَّ بعده خليفة أبدًا. وغزا في هذه السَّنة، فقال داودُ الواسطي: [من الطويل] بهارونَ لاح النورُ في كلِّ بلدةٍ … وقام بها في عَدْل سيرتِه النَّهجُ إمامٌ بذات اللهِ أصبح شغلُه … وأكثرُ ما يُعنَى به الغزوُ والحجُّ فإنَّ أمينَ اللهِ هارونَ ذا (١) النَّدى … يُنيل الذي يرجوه أضعافَ ما يرجو وقيل: إن الحَجَّة التي مشى فيها سنةَ سبعٍ وسبعين ومئة. فصل وفيها توفِّيت جوهرةُ (٢) العابدةُ الزاهدة زوجةُ أبي عبدِ الله البَرَاثيِّ الزاهد. وكان أبو عبدِ الله منقطعًا بقوية بَرَاثا غربيَّ بغداد، فمَّرت به جوهرةُ وكانت من بنات الملوك، فأَعجبها حُسنُ عبادته، فتركت الدنيا وتزوَّجتْه. قال حكيمُ بن جعفر: كنا نأتي أبا عبدِ الله البَرَاثي ببراثا، وكانت له امرأةٌ متعبِّدة يقال لها: جوهرة، وكان يجلس على جُلَّة خوصٍ وجوهرةُ جالسة حذاءه على مثلها، فأتيناه يومًا وهو جالسٌ على الأر ض، فقلنا: ما فعلت الجُلَّة؟ فقال: إنَّ جوهرةَ أيقظتني البارحةَ فقالت: أليس يُقال في الحديث: إنَّ الأرض تقول لابن آدم: تجعلُ بيني وبينك سِترًا وأَنت غدًا فِي بطني! قلت: فقالت: هذه الجِلَالُ لا حاجةَ لنا فيها،

стр. 5864

فأَخرجتها. وقال: رأت جوهرةُ في منامها خيامًا مضروبة، فقالت: لمن ضُربت هذه الخيام؟ فقيل: للمتهجِّدين بالقرآن. فكانت بعد ذلك لا تنام اللَّيل. وقال: قالت لي جوهرة: يا أبا عبدِ الله، أَيُحلَّين نساءُ الجنَّة في الجنة؟ [قلت: نعم] (١) فصاحت ووقعت مغشيةً عليها، فلمَّا أفاقت قلتُ: ما أصابك؟ قالت: ذكرتُ حالي تلك وما قد كنت نلتُ، من الدنيا، فخشيت واللهِ حرمانَ الآخرة. طُرَيح بن إسماعيل ابن عُبيد بن عِلَاج (٢)، أبو الصَّلت الثَّقفي، شاعرٌ مجيد مُكثِر، أَدرك الدولتين، وكان المنصورُ مغرًى بقصيدته الداليةِ التي أوَّلها: [من المنسرح] أَقفر مِمَّن يَحلُّه السَّنَدُ … فالمنحنى فالعقيقُ فالجَنَدُ (٣) لم يبقَ فيها من المعارف بعـ … ـدَ الحيِّ إلَّا الرمادُ والوَتِدُ وعَرْصةٌ نكَّرت معارفَها الر … ريحُ بها مسجدٌ ومُنتضَد لم أَنس سلمى ولا ليالينا … بالحَزْن إذ عيشنا به رَغَد قد كنتُ أبكي من الفِراق وحَيـ … ـيانا جميعٌ ودارُنا صَدَد فكيف صبري وقد تجاورَ (٤) بالـ … ـفُرقة فيها الغرابُ والصُّرَد إذ نحن في مَيعة الشبابِ وإذ … أيامُنا منك غضَّةٌ جُدُد أنت إمامُ الهدى [الذي] (٥) أَصلح اللَّـ … ـهُ به الناسَ بعدما فسدوا لَمَّا أتى الناسَ أنَّ مُلكَهمُ … إليك قد صار أمرُه سجدوا

стр. 5865

وعجَّ بالحمد أهلُ أرضِك حتـ … ـتى كاد يهتزُّ فرحةً أُحُد واستقبل الناسُ عِيشةً رَغَدًا … إن تبقَ فيها لهم فقد سَعِدوا رُزقتَ من وُدِّهم وطاعتِهمْ … ما لم يجدْه لوالدٍ وَلَد كنتُ أرى أن ما وجدتُ من الـ … ـفرحةِ لم يلقَ مثلَه أَحَد حتى رأيتُ العبادَ كلَّهمُ … قد وجدوا مثلَ ما له أَجِد قد صدَّق اللهُ مادحيك فما … في قولهمْ مِريةٌ ولا فَنَد من أبيات. فَتْحُ بن محمدِ بن وشاح أبو محمد، الأَزْديُّ الموصلي، الزاهدُ العابد. قال محمدُ بن الوليد: سمعتُ فتحًا الموصلي الأزديَّ يقول في جوف الليل: ربِّ أَجعتَني وأَعريتني، وفي ظُلَم الليل أَحبستني، فبأيِّ وسيلةٍ أتوسَّل إليك حيث أَكرمتَني بهذه الكرامة. فكان يبكي ساعةً ويفرح ساعة (١). وقال المعافى بنُ عمرانَ الموصلي: دخلتُ على فَتْح، فرأيتُه قاعدًا في الشمس وصبيَّةٌ له عُريانةٌ وابن له مريض، فقلت: ائذنْ لي حتى أكسوَ هذه الصبيَّة، قال: لا، قلت: ولم؟ قال: دعْها حتى يرى اللهُ ضرَّها وصبريَ عليها فيرحمني. قلت: فدعْني أَستدين ما أُنفقه على هذا المريض، قال: لا، اذهبْ فاجلس عند رأسِه واسمعْ ما يقول. فجلستُ عند رأسِه وقلت: حبيبي، ألا تشتهي شيئًا حتى أَحملَه إليك؟ فرفع رأسَه إلى السماء وقال: منِّي الصبرُ ومنك البلاء. وقال أبو غسَّان المؤذِّن (٢): خرجنا حجَّاجًا، فأردنا غسلَ ثيابنا بمكَّة، فأُرشدنا إلى رجلٍ من أهل فارسَ له صلاحٌ يغسل ثيابَ الغرباءِ والفقراء بغير أجر، فأتيناه، فقال:

стр. 5866

من أنتم؟ فقلنا: من أهل الموصل، فقال: أتعرفون فَتْحًا؟ قلنا: نعم، قال: ما فعل؟ قلنا: مات. فتوجَّع وبكى وأَظهر الحزنَ عليه. قلنا: من أين تعرفه وأنت من فارسَ وهو من الموصل؟! فقال: وُصف لي، ورأيتُ في منامي عدَّة ليال: ائتِ فتحًا فإنَّه من أهل الجنة، فخرجتُ من فارسَ وأتيت الموصل، فسألت عنه فقيل: هو على الشَّطّ، فأتيته، فإذا رجلٌ ملتفٌّ على الشطِّ بكِسائه وقد ألقى شِصًّا (١) له في الماء، فسلَّمت عليه، فردَّ عليّ، فقلت له: أتيتك زائرًا، فلفَّ الشصَّ وقام، فدخلنا المسجدَ وغربت الشمس، وصلَّينا، وتفرَّق الناس، فأُتي بطعام، فأكلنا، ثم نودي بالعِشاءِ الآخرة، فصلَّينا وتفرَّق الناس، وقام فَتْحٌ إلى صلاته، ورميتُ بنفسي على الأرض، وإذا برجلٍ قد دخل المسجد فسلَّم وصلَّى ركعتين، وقعد إلى جانب فتحٍ وساءله وقال: متى عهدُك بأبي السَّري؟ قال: ما لي به عهدٌ منذ أيام، فقال: قمْ بنا إليه فإنه معتلّ. قال: فخرجا من المسجد وأنا أَنظر إليهما، فمضيا إلى دِجلةَ يمشيان على الماء، وقعدتُ أنتظر رجوعَهما، فلما كان في آخر الليلِ عاد فتحٌ وحده، فسبقته ودخلت المسجدَ ورميتُ بنفسي على الأرض كأنِّي نائم، فلما أَسفر الفجرُ صلَّينا وتفرَّق الناس، فقمتُ إليه وقلت: يا أبا محمد، قد قضيتُ من زيارتك وَطَرًا، وقد رأيتُ الرجلَ الذي أتاك البارحةَ وما كان منكما، فأخذ يعارضني، فلمَّا علم أني قد علمتُ الخبرَ، أخذ عليَّ العهودَ ألا أُعلِمَ بذلك أحدًا وهو حيّ. قلت: فمَن كان الرجل؟ قال: الخَضِر ﵇. قلت: ومَن أبو السَّري؟ قال: حمزةُ الخَولاني، وهو رجلٌ صالح في هذه القرية. وهما فَتْحانِ مَوصليَّان، فصاحبُ هذه الترجمة مات في هذه السَّنة، وفتحُ بن سعيدٍ أبو نصرٍ الكاري هو صاحبُ الحكاياتِ والإشارات، مات في سنة عشرين ومئتين، وسنذكره هناك إن شاءَ اللهُ تعالى. موسى الهادي إلى الله ابنُ محمدٍ المهديِّ بنِ أبي جعفرٍ المنصور. وكان شرسَ الأخلاق، غَيورًا صعبَ

стр. 5867

المرام، شجاعًا، فيه شهامةٌ شديدة وقلَّة احتمالٍ وسوءُ ظن، مُشربًا حُمرة، في شفته العليا تقلُّص يفتح له فاه، وكان شديدًا، يلبس دِرعَين، ويثب على أعلى فرسٍ يكون ولا يُمسك بيديه شيئًا، ولم يلِ الخلافةَ في سِنِّه أحد، كان حَدَثًا. ذِكرُ طَرَفٍ من أخباره: قال المطَّلب بن عكاشةَ المُزَني: قدمنا على الهادي في شهادةٍ على رجلٍ شتم قرشيًّا وتخطَّى إلى ذِكر رسولِ الله ﷺ ، فجلس مجلسًا أَحضر فيه علماءَ أهلِ زمانه، وأَحضر الرجل، فشهدنا عليه بما سمعنا منه، فتغيَّر وجهُ الهادي ونكس رأسَه، ثم رفعه وقال: سمعتُ المهديَّ يحدِّث عن أبيه المنصور، عن أبيه محمدِ بن علي، عن أبيه عليّ، عن أبيه عبدِ الله بن عباسٍ قال: "مَن أراد هوانَ قريشٍ أهانه اللهُ تعالى"، وأنت يا عدوَّ الله لم ترضَ بأن أردتَ ذلك من قريشٍ حتى تخطَّيتَ (١) إلى ذِكر رسولِ الله ﷺ اضربوا عُنقَه، فقتلوه. وغضب الهادي على رجل، فكلِّم (٢) فيه، فرضي عنه، فأخذ يعتذر، فقال له الهادي: قد كفاك الرِّضا مؤونةَ الاعتذار. ودخل مروانُ بن أبي حفصةَ على الهادي، فأَنشده حتى بلغ إلى قوله: [من الطويل] تشابَه يوما بؤسه ونَوالِه … فما أحدٌ يدري لأيِّهما الفضلُ (٣) فقال له الهادي: أيُّما أحبُّ إليك: ثلاثون ألفًا معجَّلةً أو مئةُ ألف تدوَّر في الدواوين؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنك تُحسن أحسنَ من هذا، ولكنك أُنسيتَه، أفتأذن لي أن أذكِّرَك؟ قال: نعم، قال: تعجِّل الثلاثين الألف وتدوِّر المئةَ الألف في الدواوين، فقال: لا، بل نجعل لك الجميعَ معجَّلًا، فحمل إليه المال. وقال السِّندي بنُ شاهك: كنت مع الهادي بجُرجانَ وقد جاءه نعيُ المهدي، فسار على البريد وسرنا معه، فلمَّا فصلنا عن بيوت جرجانَ سمع من بعض تلك البساتينِ رجلًا يتغنَّى، فقال لصاحب شُرطته: عليَّ بالرجل الساعة، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما

стр. 5868

أشبهَ هذا بقصَّة جرت لسليمانَ بنِ عبد الملك، قال: وما هي؟ قلت: كان جالسًا يومًا مع حرمه، فسمع صوتَ إنسان يتغنَّى، فدعاه وقال: ما حملك على الغناءِ وأنت إلى جنبي ومعي حرمي؟ أما علمتَ أن الرِّماك (١) إذا سمعت صوتَ الفحلِ استودقت (٢)؟! ثم أمر به فجُبّ، فلمَّا كان في العام القابل، خرج سليمانُ إلى ذلك المكان يتنزَّه، فذكر الرَّجل، فقال: عليَّ به، فلمَّا حضر بين يديه رقَّ له، فقال: إمَّا بعتَ فوفيناك، أو سامحتَ فكافيناك، فقال: يا سليمان، اللهُ بيني وبينك، قطعتَ نسلي، وأَذهبتَ ماءَ وجهي، لا واللهِ لا ذا ولا ذاك، حتى أقفَ أنا وأنت غدًا بين يدي اللهِ تعالى فيقتصَّ لي منك، فوجم سليمانُ نادمًا. فصاح الهادي بصاحب شُرطته: دع الرجلَ لا تُزعجه، لا حاجةَ لنا إليه. وقال عليُّ بن صالح: ركب الهادي يومًا يريد عيادةَ الخَيزُران من مرضٍ كان بها، فاعترضه عمرُ بن بزيعٍ وقال: يا أميرَ المؤمنين، ألا أدلُّك على وجهٍ هو أعودُ عليك من هذا؟ قال: وما هو يا عمر؟ قال: المظالمُ لم تنظرْ فيها منذ ثلاثةِ أيام، فمال إلى ردِّ المظالم، وبعث خادمًا إلى أمِّه يقول: إن عمرَ بن بزيع أَخبرنا من حقِّ اللهِ ما هو أَوجبُ علينا من حقِّك، فمِلْنا إليه، ونحن غدًا عائدون إليكِ إن شاء اللهُ تعالى. ودخل عليه إبراهيمُ الحرانيُّ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ العامَّة لا تتقارُّ على هذا. قال: وما هو؟ قال: لم تنظرْ في المظالم منذ ثلاث. قال علي بن صالح: وكنتُ قائمًا على رأسه وأنا غلام، فقال: يا عليّ، اخرج فائذن للناس بالدُّخول عليّ، للحَفَلَى لا للنَّقَرَى. فخرجت ولم أفهمْ كلامَه، فقلت: أَرجع إليه فأسأله فيقول: أَتحجبني ولا تفهمُ كلامي؟ فأرسلتُ إلى أعرابيٍّ وفد علينا، فساءلتُه فقال: الحَفَلى حُفالةُ الناس، والنَّقَرى خواصُّهم. فأذنتُ للناس، فدخلوا عن آخرهم، فنظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوَّض المجلسُ قال لي: خطر في خاطري كذا وكذا، فأخبرتُه وحدَّثته بحديث الأعرابي، فعجب وقال: مئةُ ألفِ درهمٍ تُحمَل إليه، فقلت: إنه أعرابيٌّ جِلْف، وفي عشرة آلافٍ ما يُغنيه ويكفيه، فقال: أَجود أنا وتبخل أنت؟

стр. 5869

وقال عبدُ الله بن مالك: كنت أتولَّى شرطةَ المهدي، وكان يأمرني بضرب ندماءِ الهادي وحبسِهم صيانةً له عنهم، وكان الهادي يُرسل إليَّ يسألني فيهم فلا أَلتفت إليه، فلما ولي الخلافةَ أَيقنتُ بالتَّلف، فأرسل إليَّ يومًا، فدخلتُ عليه وهو جالس على كرسيٍّ وبيده السَّيف، وبين يديه النِّطع، فسلَّمت عليه، فقال: لا سلَّم اللهُ عليك، أَتذكر يوم شفعتُ إليك في فلانٍ وفلان فلم تلتفتْ في أمري؟ قلت: نعم، أَيسرُّك أن تولِّيَني ما ولَّاني أبوك فيبعث إليَّ بعضُ ولدِك بأمرٍ يخالف أمرَك أن أتبعَه وأعصيَك؟ قال: لا، قلت: فكذا أنا لك، وكذا كنتُ لأبيك، فاستدناني، فقبَّلت يده ومضيتُ إلى منزلي، وأفكرت في أمره فقلت: شابٌّ حَدَث، وفي قلب ندمائه منِّي ما فيه، فكأنِّي بهم إذا غلب عليه الشرابُ قد أَزالوه عن رأيه وحملوه على قتلي، فبينا أنا جالسٌ وبين يديَّ بُنيَّة لي، وعندي كانون وخبز رُقاق وأنا أَشطره بكامَخ (١) وأُسخنه وأُطعمه الصَّبية، وإذا بحوافر الخيلِ وكثرةِ الغَوغاء، فقلت: وافاني اللهُ بما كنت أتخوَّفه، وإذا بالباب قد فُتح ودخل الخَدَم والشمعُ بين أيديهم، وإذا بالهادي راكبٌ على حمارٍ بينهم، فقمت وقبَّلت حافرَ الحمارِ ووقعتُ على يديه ورِجليه أقبِّلهما، فنزل وقعد وأَخذ يأكل من الكامَخ والخبز، ثم قال: يا عبدَ الله، فكَّرت في أمرك البارحةَ، وخطر لي ما خطر لك أني إذا أخذ مني الشرابُ وحولي أعداؤك يقولون ما أَوحشك، وها قد أتيتُ إلى منزلك وتحرَّمت بطعامك لترك وحشتِك، فقبَّلت يدَه، فالتفت إلى الخَدَم وقال: هاتمُ الزَّلَّةَ (٢) التي زللتُها لعبد الله، فأَحضروا أربعةَ أَبغُل موقورةٍ دراهم، وقال: هذه زلَّتك، فاستعنْ بها على أمرك، فدعوتُ له. وقال للفضل بنِ الربيع: لا تحجبْ عني الناس؛ فإنَّ ذلك يُزيل عني التزكية، ولا تُلقِ إليَّ أمرًا إذا كشفته وجدته باطلًا؛ فإن ذلك يوهن الملكَ ويضرُّ بالرَّعية. ومات ابنٌ لإبراهيمَ بن سالمِ بن قتيبة، وكان صاحبَ المرتبة عند الهادي، فجاء إليه يعزِّيه وهو راكبٌ على حمارٍ أَشهب، فنزل في رُواقه وقال: يا إبراهيم، سرَّك وهو عدوٌّ وفتنة، وساءَك وهو صلاةٌ ورحمة. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما بقي مني جزءٌ كان فيه

стр. 5870

حزنٌ إلا وقد امتلأ عزاءً. وقال يقطين بنُ موسى: إني لواقفٌ على رأسه ليلةً وعنده ندماؤه، إذ أتاه خادم فسارَّه بشيء، فنهض سريعًا وقال: لا تبرحوا، ثم عاد ومعه خادمٌ يحمل طبقًا مغطًّى بمنديل، وكشفه فإذا فيه رأسا جاريتَين لم أرَ في الدنيا أحسنَ منهما ولا أطولَ من شعورهما، وعلى رؤوسهما الجوهرُ منظوم، وإذا برائحةٍ طيبة تتوح، فأَعظمَ الحاضرون ذلك، فقال: تدرون ما شأنُهما؟ قالوا: لا، قال: بلغنا أنَّهما تَتَحاببان على المعصية، فوكَّلت بهما هذا الخادمَ يُنهي إليَّ أخبارَهما، فجاء فأخبرني أنَّهما قد اجتمعتا، فجئتُ فوجدتهما في لحافٍ واحد على الفاحشة، يا غلام، اذهب فادفنهما، ثم رجع إلى حديثه كأنه لم يصنعْ شيئًا. وقد مدحه سَلْم الخاسر فقال: [من البسيط] تخفَى الملوكُ لموسى عند طلعتِه … مثلَ النجومِ لقَرن الشمس إذ طلعا وليس خَلقٌ يرى موسى (١) وطلعتَه … من البريَّة إلا ذلَّ أو خضعا وقال موسى بنُ سعيد: كان أبي يساير الهاديَ وعبدُ الله بنُ مالك الخزاعيُّ صاحبُ شرطته يمشي بين يديه بالحَربة، فكان كلَّما وضعها على الأرض أَثارت ترابًا، فتحمله الريحُ إلى وجه الهادي، فقال لأبي: ما ترى ما نلقى من ابن مالك؟ فقال أبي: واللهِ ما أَخطأ الصواب، ولكنه حُرم التوفيق؛ لأنَّه لم يعلمْ بوصول الترابِ إلى وجه أميرِ المؤمنين، وقال الهادي: [من السريع] لم يُخطِ عبدُ الله في فعله … لكنَّه فارق توفيقَه قد وضح العُذرُ فأبلغه يا … خيرَ الورى في دنبه ريقه (٢) وقال سعيدُ بن مسلم: صلَّى بنا الهادي فأُرتج عليه، فهِبناه أن نفتحَ عليه، فقرأ: ﴿أَلَيسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨] ففتحنا عليه. وقال محمدُ بن يزيدَ بن عمرَ بن عبدِ العزيز: خرجتُ مع الهادي إلى جُرجان،

стр. 5871

فقال: يا محمد، إمَّا أن تحملَني وإما أن أحملَك، فعلمتُ مرادَه، فأنشدتُه أبياتَ ابنِ صِرمةَ الأنصاري: [من الطويل] فأُوصيكمُ (١) بالله أوَّلَ وهلةٍ … وأَحسابِكمْ والبرّ بالله أوَّلُ فإنْ قومُكمْ سادوا فلا تحسدوهمُ … وإنْ كنتمُ أهل السعادةِ (٢) فاعدلوا وإنْ أنتمُ أَعوزتمُ فتعفَّفوا … وإنْ كان فضلُ المالِ فيكم فأَفضِلوا فأَمر لي بعشرين ألفَ درهم. ودخل على الهادي عُلَيَّان الموسوس وبُهلول، فقال الهادي لعُليان: أَيشٍ معنى عُلَيَّان؟ فقال عُليان: فأَيشٍ معنى موسى؟ فقال: جرُّوا برِجله ابنَ الفاعلة، فالتفت إلى بُهلول وقال: خذْ لك، كنا اثنين صرنا ثلاثة، فضحك الهادي حتى استلقى على ظهره. وكان الهادي يحبُّ العلماءَ وأهلَ الفضل، ويخيِّرهم ويُدني مراتبَهم، استقدم عيسى بن يزيدَ بن بكرِ بن داب، وكُنيته أبو الوليد، وكان عالمًا بأيَّام العربِ وأنسابِهم، صاحبَ فنون، وكان أفضلَ أهلِ الحجاز وأَحلاهم منطقًا، فحظي عنده بحيث أعدَّ له في مجلسه متَّكأ، ولم يفعلْ ذلك بغيره، وكان يقول له: ما استطلتُ بك يومًا وليلةً قطّ، ولا غبتَ عن عيني إلا وتمنَّيتُ أن أراك، ووصله بأموالٍ عظيمة، وكان لا يأكل مع الهادي، فقيل له في ذلك، فقال: ما كنتُ لآكلَ مع مَن لا أغسل يدي عنده، وبلغ الهادي، فأَمر بغسل يدِه دون الناس. ذِكرُ وفاةِ الهادي: واختلفوا فيها على أقوال: أحدها: أن أمَّه كانت سببًا لهلاكه؛ لأنَّها كانت في أوَّل خلافته تفتات عليه وتستبدُّ بالأمر والنَّهي، فأَرسل إليها يقول: لا تخرجي من خَفَر الكفايةِ إلى بذاذة التبذُّل، فإنَّه ليس من قَدْر النساءِ الاعتراضُ في أمر الملك، وعليك بصَلاتك وسُبحتك وتبتُّلك، ولكِ بعد هذا طاعةُ مثلِك فيما يجب لك.

стр. 5872

وكانت المواكبُ تغدو وتروح إلى بابها، فكلَّمته يومًا في حاجةٍ لعبد اللهِ بن مالك، فاعتلَّ بعِلَّة، فلم تقبلْها وقالت: لا بدَّ منها، فغضب وقال: ومالك وابنِ مالكٍ ابنِ الفاعلة؟ برئتُ من قرابتي من رسول اللهِ ﷺ لئن بلغني أنَّه وقف ببابك أحدٌ من قوَّادي أو خاصَّتي، لأضربنَّ عنقه، ولأقبضنَّ ماله، ما هذه المواكبُ التي تغدو وتروح إلى بابك في كلِّ يوم؟ أما لكِ مِغزلٌ أو مصحفٌ تشتغلين به، أو بيتٌ يصونك! إياكِ ثم إياك. فانزجرتْ. ثم إنَّه جمع القوَّاد والخواصَّ وقال: أيُّما خيرٌ أنا أو أنتم؟ قالوا: بل أنت يا أميرَ المؤمنين. قال: فأيُّما خير أمِّي أو أمَّهاتكم؟ قالوا: بل أمُّك. قال: فأيُّكم يحدِّث الرجال بخبر أمِّه فيقولون: ما صنعتْ أمُّ فلان؟ ما قالت أمُّ فلان؟ قالوا: ما نحبُّ ذلك. قال: فما بالُ رجالٍ يأتون أمِّي فيتحدَّثون بحديثها؟! فلمَّا سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتَّة، فشقَّ ذلك عليها، فاعتزلته وحلفتْ لا تكلِّمه، فما دخلتْ عليه حتى حضرته الوفاة. وبعث إليها بأَرُزَّة مسمومةٍ وقال: استطبتُها فأرسلتُ إليكِ منها، وكانت عندها جاريةٌ يقال لها: خالصة، فقالت: أَمسكي حتى تنظري؛ فإنِّي أخاف أن يكونَ فيها شيءٌ تكرهينه، فجاءت بكلبٍ فأكل منها، فتساقط لحمُه، فأَرسل إليها بعد ذلك: كيف رأيتِ الأرزَّة؟ فقالت: طيِّبة، فقال: لو أكلتِ منها لاسترحتُ منك، متى أفلح خليفةٌ له أُمّ! والثاني: أن سببَ وفاته قَرحةٌ خرجت في جوفه فقتلته. والثالث: قال سعيدُ بن مسلم: كنتُ بين يدي الهادي بعيساباذَ في بستان، فنظر إلى فرَّاش يعلِّق سِترًا في آخر البستان وهو على سُلَّم، وبين يدي الهادي قوس، فأخذ سهمًا ففوَّقه، وقال: ترى يصل سهمي إلى الفرّاش؟ فقلت له: أَقسمتُ عليك يا أميرَ المؤمنين ألا تفعل، فأبى ورماه، فأَثبت السهمَ بين كتفيه ونشب في الحائط، ومات الفرَّاشُ مكانَه، وأَطرق الهادي وندم، فواللهِ ما برح من مكانه حتى حكَّ ظهرَ قدمه، فطلعتْ في الحال فيه بَثْرة، فتألَّم منها، ففصد فلم يُغنِ عنه الفِصادُ شيئًا، وبقيت مثلَ اللَّوزة، فعاش ثلاثةَ أيامٍ ووقع في الموت، فجاءت الخَيزُران، فأخذت خاتَمَه من يده وهو ينظرُ إليها وليس له حيلة، وقالت: أخوك هارونُ أحقُّ بهذا الأمرِ منك.

стр. 5873

والرابع: أنَّه لما جدَّ في خلع هارونَ والبيعةِ لابنه جعفر، خافت الخيزرانُ على هارونَ منه، فدسَّت إليه في جواريها لَمَّا مرض مَن جلس على وجهه وغمَّه حتى مات. ذِكرُ قصَّته مع يحيى بنِ خالد: لما أَفضت الخلافةُ إلى الهادي أقرَّ يحيى على ما كان يلي هارون، فلمَّا أراد خلعَه والبيعةَ لابنه جعفرٍ وتابعه على ذلك جماعةُ القوَّاد ودسُّوا إلى الشيعة، فلم يرضَوا بذلك، وأَعرض الهادي عن أخيه هارون، فاجتنبه الناس، وكان يحيى وأولادُه لا يفارقون الرشيد، ويقومون بأمر جندِه، فسُعي بيحيى إلى الهادي، وقيل له: إنَّه ليس عليك من أخيك خلاف، وإنَّما يُفسده عليك يحيى بنُ خالد، فغضب وقال: عليَّ به، فودَّع يحيى أهلَه وتكفَّن وتحنَّط وأَوصى، ولم يشكَّ أنه يقتله، فلمَّا دخل عليه قال له: يا يحيى، ما لي ولك! فقال: أنا عبدُك، وهل يكون من العبد لمولاه إلَّا الطاعة! فقال: لِمَ تدخل بيني وبين أخي وتُفسده عليّ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ومَن أنا حتى أدخلَ بينكما! إنما المهديُّ صيَّرني إليه وأمرني بالقيام بأمره، ثم أمرتَني بذلك، فانتهيتُ إلى أمرك. فطابت نفسُه، وكان هارونُ قد طاب نفسًا بالخَلع، وقال ليحيى: أَستريح وآكل الهناءَ والمريء، وأعيش مع بنت عمِّي، وكان يجد بأمِّ جعفرٍ وجدًا شديدًا، فنهاه يحيى وقال: وأين هذا من الخلافة! لا تفعلْ واصبر. وكان الهادي أَوصى الحاجبَ ألا يدخلَ عليه يحيى إلا آخرَ الناس، فدخل عليه يومًا وعنده عبدُ الصمد بنُ عليٍّ والعباسُ بن محمد وجِلَّة القوَّاد، فأَدناه حتى أجلسه بين يديه وقال: يا يحيى، قد كنت أَظلمك وأَكفرك، فاجعلني في حِلّ، فعجب الناسُ من إِكرامه إياه، وقال له: يا يحيى، مَن القائلُ فيك: [من الخفيف] لو يمسُّ البخيلُ راحةَ يحيى … لَسختْ نفسُه ببذل النَّوالِ لستُ يومًا مصافحًا كفَّ يحيى … إنَّني إن فعلتُ أُتلفُ مالي (١) فقال: تلك راحتُك يا أميرَ المؤمنين. وكلَّمه الهادي في خلع هارون، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّك إن حملتَ الناسَ على

стр. 5874

نَكث الأَيمان هانت عليهم أيمانُهم لابنك، وإن تركتَهم على بَيعة أخيك ثم بايعتَ لابنك بعده كان ذلك آكدَ لبيعته. فقال: صدقتَ ونصحت، ولي في هذا تدبير. وقيل: إنَّ الهاديَ حبس يحيى بسبب البَيعة لابنه جعفر، فأَرسل إليه يحيى: عندي نصيحة، فاستدعاه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أتظنُّ أن الناسَ يرضون بجعفرٍ وهو صبيٌّ لم يبلغ الحُلُم؟! أو يرضَون به لصلاتهم وحجِّهم وغزوهم؟! فقال الهادي: ما أظنُّ ذلك. قال: أفتأمن أن يسموَ إليها كبارُ أهلك وأجلَّتهم مثل فلانٍ وفلان، ويطمعَ فيها غيرُهم فتخرجَ من ولد أبيك؟ فقال: نبَّهتني يا يحيى لأمرٍ لم أتنبَّه إليه. قال يحيى: وقد كان ينبغي لك لو لم يَعقدْ هذا الأمرَ أبوك لأخيك أن تعقدَه أنت؛ لصِغَر سنِّ ابنك، فكيف تَحلُّه وقد عقده أبوك لك؟! ولكن تقرُّه على حاله، فإذا بلغ جعفرٌ أنا آتيك بأخيك هارون، فيخلع نفسَه ويبايع لولدك ويعطيه صفقةَ يمينه، فقال: صدقت، وأَطلقَه. وقال إسحاقُ الموصلي: لَمَّا لجَّ الهادي في خلع هارونَ أَشار عليه يحيى بنُ خالد بالصيد، وقال له: إذا خرجتَ فاستدفع الأيامَ وأَبعِد. فاستأذن الهادي فأذن له، فمضى على قصر ابن مقاتل، فأَقام أربعين يومًا، فأَنكر الهادي ذلك وفهم، فكتب إليه يستدعيه، فتعلَّل عليه، فنال الهادي منه في مجالسه، فلمَّا طال على هارونَ رجع إلى بغداد، فخافت الخَيزُران عليه، فبعثت ظئرًا كانت لهارونَ إلى يحيى، فشقَّت ثيابَها ولطمت وجهَها وبكت، وقالت: تقول لك السيِّدة: اللهَ اللهَ في ابني، لا تقتلْه ودعْه يجيب أخاه إلى ما فيه بقاءُ روحه، فهو أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، فصاح يحيى عليها وقال: قولي لها: ما أنتِ وهذا؟ واللهِ لا يصل إليه حتى أُقتلَ أنا وأولادي وأهلي جميعًا. وقيل: إنَّ الهادي جلس مجلسًا خاصًّا وفيه وجوهُ بني العباس ووزيرُه إبراهيمُ الحرَّاني، فدخل هارونُ فسلَّم عليه وجلس عن يمينه بعيدًا عنه، والباقون عن شماله، فأطرق الهادي ساعةً ثم رفع رأسَه وقال لأخيه: يا هارون، كأني بك تحدِّث نفسَك بتمام الرؤيا وتؤمِّل الخلافة، ودون ذلك خَرْطُ القتاد، فبرك هارونُ على رُكبتيه وقال له: يا موسى، إنَّك إن تجبَّرت وُضعت، وإن تواضعت رُفعت، وإن ظلمتَ حملت (١)،

стр. 5875

وإنِّي لأرجو أن يصلَ الأمرُ إليَّ فأُنصف مَن ظلمت، وأَصل مَن قطعت، وأصيِّر أولادَك أعلى من أولادي، وأزوِّجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حقِّ الإمامِ المهدي، فقال له موسى: هكذا الظنُّ بك يا أبا جعفر، ادنُ مني، فقبَّل يده، وأَجلسه معه في فرشته، والتفت إلى الحرَّاني وقال: يا إبراهيم، احملْ إلى أخي ألفَ ألفِ دينار، واعرضْ عليه ما في الخزائن يأخذ منها ما أراد. ولَمَّا قام قال الهادي: قدِّموا دابَّته إلى البساط ليركبَ منه، فلما خرج هارونُ قيل له بعد ذلك: ما كانت الرُّؤيا؟ فقال: قال أبي المهدي: رأيتُ في منامي كأنِّي دفعت إلى موسى قضيبًا وإلى هارونَ قضيبًا، فأَورق من قضيب موسى أعلاه، وأورق قضيبُ هارونَ من أوَّله إلى آخِره، فسأل المعبِّرين فقالوا: يملكان جميعًا، فأما موسى فتقلُّ أيامه، وأما هارونُ فتطول أيامُه، فلم يلبثْ موسى بعد ذلك إلَّا أيامًا ومات، وولي هارونُ فوفى بكلِّ ما قال. وقيل: إنَّ الهاديَ قد خرج إلى حَديثة الموصل، فمرض بها واشتدَّ مرضُه، فعاد إلى بغداد، وكان قد كتب إلى الآفاق بالقدوم عليه من جميع الدُّنيا إلى عمَّاله وغيرِهم ليبايعَ لابنه جعفرٍ مع مَن بايع من خواصِّه، وكان يحيى محبوسًا، فلمَّا ثقل الهادي قال الذين بايعوا لجعفر: إن صار الأمرُ إلى هارونَ أَشار عليه يحيى بقتلنا ولم يستبقِ منَّا أحدًا، والرأيُ أن الهاديَ إذا أفاق نستأذنه في قتل يحيى، فاتَّفق موتُ الهادي ولم يجتمعوا به. وقيل: كانت الخَيزُران حلفت ألا تكلِّمَ ابنَها موسى، فلمَّا ثقل أُخبرت به، فقالت: وما أَصنع به؟ فقالت لها خالصة: قومي إلى ابنك، فليس هذا وقتَ تعتُّب ولا تغضُّب، فقالت: إنا كنا نحدِّث أنَّه يموت في هذه الليلة خليفةٌ ويلي خليفةٌ ويولد خليفة، فمات موسى وولي هارونُ ووُلد المأمون. وفي روايةٍ أن الخيزُران قالت: ما فعل ابني موسى؟ قالوا: مات، فقالت: إنْ كان مات فقد بقي هارون، وكان عندها زينبُ وأمُّ الحسن وعائشةُ وأحرب (١)، والكلُّ بناتُ سليمانَ بن علي، فقالت الخيزرانُ لخالصة: أَحضري أربعَ مئةِ ألف دينارٍ لساداتي، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟ وكان بعيساباذ، قالوا: حلف ألا يصليَ الظهرَ إلا ببغداد،

стр. 5876

فقالت: قدِّموا الهوادج، ما يُقعدنا هاهنا وقد مضى ابني! فلحقتْه إلى بغداد. وقال هرثمةُ بن أَعيَن: كانت لي من الهادي منزلةٌ رفيعة واختصاصٌ كبير، وكنت شديدَ الحذرِ منه، فأدخلني دارَ الحُرَمِ وأخرج كلَّ مَن كان عنده وقال: قم فأَغلق البابَ وعُدْ إلي، فقلت: يريد أن يقتلَني، فقمت فأغلقت البابَ وعدتُ إليه، فقال: يا هرثمة، إنِّي قد تأذَّيت بهذا (١) الملحدِ الكلب يحيى بن خالد، ليست له فكرةٌ إلا في تضريب الرجال عليّ، واجتذابِهم إلى صاحبه هارونَ وسَوقِ الخلافة إليه، فاسمع ما أقول، تمضي إلى أخي هارونَ الساعةَ فتذبحه وتأتيني برأسه. قال: فورد عليَّ أمرٌ عظيم، وقلت: أتأذن لي في الكلام؟ قال: قل، قلت: أخوك وابنُ أمِّك وأبيك، وله عهدٌ كعهدك، وكيف تكون صورتُنا عند اللهِ وعند الناس؟! فقال: واللهِ لئن لم تفعل لأضربنَّ عنقَك الساعة، فقلت: سمعًا وطاعة. قال: ثم ترحلُ إلى الكوفة بالعساكر فتضرب أعناقَ آلِ أبي طالبٍ وأعداءنا، وكلُّ آفةٍ ترد علينا من جهتهم، قلت: سمعًا وطاعة. ثم قام فدخل دُورَ النساء، ولم أشكَّ أنه يقتلني ويندب لهذا الأمرِ غيري؛ لِمَا أظهرتُ له من الجَزَع عندما قال عن أخيه، وعزمت أنَّني متى خرجتُ من عنده هربت بن علي وجهي وتركت كلَّ ما أَملكه، وغلبني النُّعاس، فنمتُ على باب المجلسِ موقنًا بالهلاك، فما انتبهتُ إلا بخادمٍ قد أيقظني وقال: أَجِب أميرَ المؤمنين، فقلت: إنَّا لله، عمل عليَّ حجَّة ويقول: دخلتَ دارَ حرمي، ويقتلني، وتشاهدت، وإذا بصوتٍ نشأ في الدِّهليز، فوقفت وقلت: واللهِ ما أدخل حتى أسمعَ كلامَ أميرِ المؤمنين، وإذا بامرأةٍ تقول: ويحك يا هَرثمة، أنا الخَيزُران، قد حدث أمرٌ عظيم استدعيتك له، ادخل، فدخلت وإذا بستارةٍ ممدودة، فقالت: هذا موسى ميِّت وراءها، وقد أراحك اللهُ منه وأراح المسلمين، فقلت: وما كان من أمره؟ قالت: إنَّه لما استدعاك وقال لك ما قال من جهة قتلِ ابني والطالبيِّين وحريقِ الكوفة، كنت واقفةً أسمع، فلمَّا دخل، كشفتُ رأسي بين يديه وسألته ألا يفعل، فصاح عليّ، فكشفتُ ثديي وبكيت وتضرَّعت، فقال: واللهِ لأقتلنَّك، فقمتُ إلى المحراب أَدعو عليه وأسأل اللهَ أن يريحَ المسلمين منه، فألقى نفسَه على الفراش وطلب ماء، فشرب فشَرِقَ فمات، فقم فأَخبِر يحيى بنَ خالدٍ وخذ

стр. 5877

البيعةَ على الناس. قال: ففعلت، وقرَّبني هارونُ واختصَّ بي. وقيل: إنَّه أَحضر يحيى وقال له: قد أفسدتَ ما بيني وبين أخي، وواللهِ لأقتلنَّك، ودعا بالسيف والنِّطع، وأَقعد يحيى للقتل، فقال إبراهيمُ الحراني: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ ليحيى عندي يدًا، وأحبُّ أن أكافئَه عليها، فأُحبُّ أن تهبَه لي الليلةَ وترى فيه غدًا رأيَك، فقال: وما الفائدةُ في حياة ليلة؟ قال: لعله يحمل صاحبَه على إجابتك، أو يعهد عهدَه إلى مَن يشاء من ولده، فأجابه إلى ذلك. قيل يحيى: فقمت من بين السيفِ والنِّطع وما اكتحلتُ بالغُمض إلى السَّحَر وأنا محبوس، فسمدت صوتَ القفل يُفتح، فلم أشكَّ في القتل، وإذا بخادمٍ يقول: أَجِب السيِّدة، فقمت، فإذا بالخَيزُران، فقالت: قد أراح اللهُ من الجبَّار، فبايع لهارون. وقيل: إنَّ الهاديَ ناظر يحيى في خلع هارون، ويحيى يحلف له والهادي يكذِّبه ويقول: واللهِ لأقتلنَّك، فانصرف يحيى إلى داره، فكلَّم غلامَه في شيء، فردَّ عليه، فلطمه يحيى، فانقطعت حلقةُ خاتمِه وطاح الفَصّ، فتطيَّر يحيى، فدخل عليه يحيى السيَّاري الشاعر، فأَخبره، فأَنشده بديهًا: [من الكامل] أَخلاكَ من كلِّ الهمومِ سقوطُه … وأتاك بالفَرَج انفراجُ الخاتمِ قد كان ضاق ففكَّ حلقة ضيقه … فاصبر فما ضيقُ الزمانِ بدائم فما أصبح حتى ارتفعت الواعيةُ بموت الهادي، وولي هارون، فأعطى يحيى السياريَّ مئةَ ألفِ درهم (١). ويقال: إنه لمَّا ثقل استدعى الخَيزُران، فجاءت، فقبض على يدِها وقال لها: ما قلتُ لك ما قلت إلا صيانةً لك، والليلةَ أموت. قالت: ومن أين لك ذلك؟ قال: بلى، كذا في مولدي، ومات ويدُه في يدها. ومات بعيساباذَ ليلةَ الجمعةِ النصفَ من ربيع الأوَّل، وقيل: الآخِر، وخلافتُه سَنَةٌ وثلاثةُ أشهر، وقيل: وشهرين وأيامًا، ومات وهو ابنُ ستٍّ وعشرين سنة، وقيل: ابنُ (٢) ثلاثٍ وعشرين سنة، ودُفن ببستانه بعيساباذَ.

стр. 5878

وكان له من الولد سبعةُ ذكورٍ وابنتان: جعفر، وهو الذي رشَّحه للخلافة، والعباس، وعبدُ الله، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى، ولد بعد وفاةِ الهادي أعمى، وكلُّهم لأمَّهات أولاد، وأمُّ عيسى، كانت عند المأمون، وأمُّ العباس، واسمُها فاطمة، تزوَّجها إسماعيلُ بن موسى. ووزر له الربيع، ثم إبراهيمُ الحرَّاني، وحجبه الفضلُ بن الربيع، وكان على قضائه أبو يوسف، وعلى شرطته عبدُ الله بن مالكِ الخُزاعي. معاويةُ بن عُبيد الله (١) ابن يسارِ الأشعري. وزيرُ المهدي، من أهل طَبَرِية، وقيل: من أهل دمشق. ولَّاه هشامُ بن عبد الملك صدقاتِ عُذْرة، وكان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان المهدي يعظِّمه ولا يخالفه، إلى أن أَبعده عنه، وأقام معزولًا في داره يتعبَّد، وقال لمَّا عزله المهدي -وقيل: ابنه-: [من البسيط] لله دهرٌ أضعنا فيه أنفُسَنا … بالجهل لو أنَّه لَمَّا مضى عادا (٢) أفسدتُ دِيني بإِصلاحي خلافتَهمْ … وإن (٣) إصلاحَها للدِّين إفسادا ما قرَّبوا أحدًا إلا ونيَّتهمْ … أن يُعقِبوا قُربَه بالغَدر إبعادا وروى الدَّارَقطنيُّ (٤) أنه أَبلى ثلاثَ مصلَّياتٍ وشرع في الرابع موضعَ الرُّكبتين والوجهِ واليدين لكثرة صلاته، وكان له في كلِّ يومِ كُرُّ دقيقِ يتصدَّق به (٥)، فغلا السِّعر، فقال له مولاه: ألا نُنقص منه، فقال: اجعله كُرَّين، فكان له بعد ذلك كلَّ يومِ كرَّان يخبز فيتصدَّق بهما على المساكين، ولمَّا مات امتلأت جسورُ بغداد، فلم يَعْبُر عليها إلا مَن تبع جنازتَه من مواليه واليتامى والأراملِ والمساكين، وصلَّى عليه عليُّ بن

стр. 5879

المهدي، ودُفن بمقابر قريشٍ وله سبعون سَنَة. أَسند عن عاصم بنِ رجاء بن حَيوة، وعن الزُّهري وغيرِهما، وحكى عن المنصور والمَهدي، وقدم مع المهديِّ إلى الشام وطَبَرِستان، رحمه الله تعالى. يزيدُ بن حاتِم الأَزديُّ الطائي والي إِفريقية، كان شُجاعًا جوَادًا ممدَّحًا. قال: كنت يومًا واقفًا بباب المنصورِ أنا ويزيدُ بن أسيد السُّلَمي، إذ فُتح بابُ القصر وخرج خادمٌ لأبي جعفر، فنظر إلينا ثم انصرف، فدخل وأخرج رأسَه وقال: [من الطويل] لَشتَّانَ ما بين اليزيدَين في النَّدى … يزيدُ سُليمٍ والأغرِّ بن حاتمِ فلا يحسب التَّمتامُ أني هجوتُه … ولكنني فضَّلت أهلَ المكارم فقال له يزيدُ بن أسيد: نعم نعم، على رغم أَنفك وأنفِ مَن أرسلك، فرجع الخادمُ وأبلغها أبا جعفر، فضحك حتى استلقى (١). وهذا الشِّعر لربيعةَ بنِ ثابت الرَّقِّي يمدح يزيدَ بن حاتمٍ ويهجو يزيدَ بن أسيد، ومنه: يزيدُ سُليمٍ سالمُ المال والفتى … فتى الأَزدِ للأموال غير مسالمِ (٢) فهمُّ الفتى الأزديِّ إتلافُ ماله … وهمُّ الفتى القيسيِّ جمعُ الدراهم وهمُّ الفتى القيسيِّ دُفٌّ ولعبة … وهمُّ الفتى الأَزْدي ضربُ الجماجم وفي يزيدَ بن حاتمٍ قال محمدُ بن عبدِ الله بن مسلم -ويقال له: [ابنُ] (٣) المولى، زعموا أنه مولى [بني] عَمرو (٤) بنِ عوفٍ الأنصاريين (٥) -: [من الكامل] وإذا تُباع كريمةٌ أو تُشترَى … فسواك بائعُها وأنت المشتري وإذا توعَّرت المسالكُ لم يكن … منها السبيلُ إلى نَداك بأَوعرِ

стр. 5880

وإذا صنعتَ صنيعةً أتممتَها … بيدين ليس نَداهما بمكدَّر وإذا هممتَ لمُعْتفيك بنائلٍ … قال النَّدى -فأَطعتَه- لك أَكثرِ وإذا الفوارسُ عدَّدت أبطالها … عدُّوك في أبطالهم بالخِنْصِر يا واحدَ العربِ الذي ما إنْ لهمْ … من مذهبٍ عنه ولا من مَقْصَر (١) وقصده ربيعةُ المذكور، فاشتغل عنه، فخرج وهو يقول: [من الطويل] أراني ولا كُفرانَ لله راجعًا … بخُفَّي حُنينٍ من نَوال ابنِ حاتمِ فبلغ يزيد، فردَّه وملأ خُفَّيه دراهم، فقال قصيدتَه المشهورة: [من الطويل] بكى أهلُ (٢) مصرَ بالدموع السَّواجمِ … غداةَ غدا عنها الأغرُّ بن حاتمِ ومات يزيدُ بإفريقيةَ سنةَ سبعين ومئة، واستخلف عليها ولدَه داود، فعزله هارونُ في سنة اثنتين وسبعين وولَّاها عمَّه رَوح بنَ حاتم. * * *

стр. 5881

السَّنةُ الحاديةُ والسبعون بعد المئة فيها أخرج هارونُ الطالبيِّين من بغدادَ إلى مدينة النبيِّ ﷺ ، ما خلا العباسَ بن الحسنِ بن عبد اللهِ بن العباس بن عليٍّ ﵇. وخرجت الخَيزُران من بغدادَ في رمضانَ معتمرة، فأقامت بمكَّة إلى وقت الحجّ. فصل وفيها توفِّي إسماعيلُ بن محمدِ ابن يزيدَ بن ربيعة، أبو هاشم، ويلقَّب بالسيّد الحِمْيَري. شاعر مُجيد. كان بالكوفة قومٌ يذهبون [في] عليٍّ ﵁ مذهب النَّصارى في المسيح، وهم أصحابُ عبدِ الله بن سبأ، وقد حرَّق عليٌّ ﵇ بعضَهم، وفيهم يقول السَّيّد: [من البسيط] قومٌ غلَوا في عليٍّ لا أبا لهمُ … وأَجشموا أَنفُسًا في حبِّه تَعَبا قالوا هو اللهُ جلَّ اللهُ خالقنا … من أن يكونَ ابنَ شيءٍ أو يكونَ أبا (١) وله: [من السريع] يا بائعَ الأُخرى بدنياهُ … ليس بهذا أَمَرَ اللهُ مِن أين أبغضتَ عليَّ الرِّضا … وأحمدٌ قد كان يرضاه من الذي أحمدُ مِن بينهمْ … يومَ غديرِ الخُمِّ ناداه أَقامه من بين أصحابِه … وهمْ حواليه فسمَّاه هذا عليُّ بنُ أبي طالبٍ … مولًى لمن قد كنتُ مولاه فوالِ مَن والاه يا ذا العُلى … وعادِ مَن قد كان عاداه ومِن شعره: [من الوافر] إذا ما المرْءُ شابَ له قَذالٌ … وعَلَّلهُ المَواشِطُ بالخِضابِ فقد ذهبتْ بَشاشتُه وأودَى … فَقُم يا باكِ فابكِ على الشباب

стр. 5882

فليس بعائدٍ ما فاتَ منه … إلى أَحدٍ إلى يوم المآب إلى يومٍ يؤوب الناسُ فيه … إلى دُنياهمُ قبل الحساب فإنَّ الله خبَّر عن أُناس … حَيُوا من بعد دَسٍّ في التُّراب (١) وقال يرثي أخاه: [من الخفيف] يا ابن أمِّي فدَتْكَ نفسي ومالي … كنتَ رُكني ومَفْزعي وجَمالي ولَعَمْري لئن تركتُك مَيتًا … رَهْنَ رَمْسٍ ضَنْكٍ عليك مُهالِ لَوَشيكًا ألقاك حيًّا صحيحًا … سامِعًا مُبْصِرًا على خير حال مثلَ سَبْعين وافدًا مع مُوسى … عاينُوا هائلًا مع الأهوال حين رامُوا من جهلهمْ رؤيةَ اللهِ … وأنَّى برؤية المتعالي فرَماهمْ بصَعْقةٍ أحرقتْهم … ثم أحياهمُ شديدُ المِحال وكان يقول بالرَّجعة (٢)، ويُفرط في سبِّ السلف، وهو القائلُ في عائشةَ رضوانُ الله عليها في قصَّة الجَمَل: [من السريع] جاءت مع الأَشقَين في هودجٍ … تُزجي على البصرة أَجنادَها كأنَّها في فعلها حيَّةٌ … تريد أن تأكلَ أولادَها (٣) ومات بواسط، ولمَّا احتضر أخذه كَرْب، فجعل يقول: اللهمَّ هذا كان جزائي في حبِّ آلِ محمد! ومات فلم يُدفن؛ لكفره وسبِّه للصحابة، وقيل: إنه مات ببغدادَ واسودَّ وجهُه قبل موته، فأفاقَ من سَكرته وقال: يا أميرَ المؤمنين، تفعل هذا بوليَّك؟! ومات فدُفن بالجُنَينة (٤). وقيل: مات سنةَ تسعٍ وسبعين ومئة (٥).

стр. 5883

حِبَّان (١) بنُ عليٍّ العَنَزي من الطبقة السادسةِ من أهل الكوفة، توفِّي بها، وكان ضعيفًا في الحديث، وقال ابن مَعين: هو صَدوق. عيسى بنُ يزيدَ ابنِ بكر بن داب، أبو الوليدِ اللَّيثي المدني. كان راويةَ العرب، وافرَ الأدب، عالمًا بالنَّسب. أمر له الهادي بثلاثين ألفَ دينارٍ في بعض الليالي، فلما أصبح وجَّه على الحاجب بالمال، فقال: يحتاج إلى توقيع، فأَمسك ولم يطلبه. فبينا الهادي في مستشرَفٍ له إذ نظر إلى ابن دابٍ قد أقبل وليس معه غلام، فقال لإبراهيمَ الحراني: يا إبراهيم، ألم ترَ إلى ابن داب بررناه بالأمس لنرى عليه أَثرَنا وما غيَّر من حاله! فقال (٢): هو أعلمُ بأمره. فلما دخل ابنُ داب وتفاوضوا في الحديث، عرض له الهادي فقال: أرى ثوبَك غَسيلًا، وهذا شتاءٌ وتحتاج إلى لُبس الجديد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، باعي قصير، ففهم، فأمر بحمل المالِ إليه في الحال، فحُمل (٣). وكانت وفاتُه ببغداد. المفضَّل بن محمدِ ابن يَعلى الضَّبِّي (٤). كان أحدَ الأئمَّة الفضلاءِ والثقاتِ الأَثبات، قرأ القراءاتِ على عاصم بنِ أبي النَّجود، وكان علَّامةً في النَّسب وفي أيام العرب. قال جحظة (٥): اجتمعنا عند الرشيد، فقال للمفضَّل: أَخبِرني بأحسنِ ما قالت

стр. 5884

العربُ في الذئب ولك هذا الخاتمُ وشراؤه ألفٌ وستُّ مئةِ دينار، فقال: [من الطويل] ينام بإِحدى مُقلتيه ويتَّقي … بأُخرى المنايا فهو يقظانُ نائمُ (١) فقال الرشيد: ما ألقى اللهُ هذا على لسانك إلَّا لذهاب الخاتَم، ورمى به إليه، وبلغ أمَّ جعفر، فبعثتْ إلى المفضَّل بألف وستِّ مئة دينارٍ وأخذته وبعثتْ به إلى الرشيد، وقالت: كنت أراك تُعجب به، فألقاه إلى المفضَّل وقال: خذْه وخذ الدنانير، فما كنت لأهبَ شيئًا وأرجعَ فيه. قال المصنِّف ﵀: ورأيتُ في كتاب "الخواصّ" أنَّ العينَ التي (٢) يفتحها الذئبُ إذا نام، إذا عَلِقت على إنسانٍ لا ينام أبدًا، وأن العينَ التي ينام بها إذا علقت على إنسانٍ لا يزال نائمًا. وعَبَرَ المفضَّل على المهديِّ وهو لا يملك درهمًا وعليه عشرةُ آلافِ درهم، فقال: يا مفضَّل، ما أفخرُ بيتٍ قالته العرب؟ قال: قولُ الخنساء: [من البسيط] وإنَّ صخرًا لَتأتمُّ الهُداةُ به … كأنَّه عَلَمٌ في رأسه نارُ (٣) فالتفت إلى إسحاقَ بن بَزيعٍ وقال: فيما قلت لك (٤)، قال المفضَّل: فقلت: الصوابُ مع أمير المؤمنين، ثم قال: يا مفضَّل، كيف حالُك؟ قلت: كيف حالُ مَن لا معه درهمٌ وعليه عشرةُ آلاف درهم؟! فقال: يا إسحاق، أَعطِه عشرةَ آلاف لدَينه، وعشرةَ آلاف يُصلح بها حاله، وعشرةَ آلاف يُعدُّها لدهره. سمع المفضَّلُ سِمَاكًا وغيرَه، واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وفضله. أبو عبدِ الله الخُرَيبي البصريُّ الزاهد يُنسب إلى الخُرَيبة محلَّةٍ بالبصرة. كان صيادًا يتقوَّت من صيده، لا يقبل بِرَّ أحد. قال إبراهيمُ بن شبيبِ بن شيبة (٥): كنا نتجالس في الجُمُعة، فأتى رجلٌ عليه ثوبٌ

стр. 5885

واحد ملتحِفٌ به، فجلس إلينا، فأَلقى مسألة، فما زلنا نتكلَّم في الفقه حتى انصرفنا، ثم جاءني في الجُمُعة المقبلة، فسألنا فأجبنا، وسألناه عن منزله فقال: أَنزل الخُرَيبة، قلنا: فالكُنية؟ قال: أبو عبدِ الله. فكان يجالسنا، وانقطع عنَّا مدة، فوعد بعضُنا بعضًا أن نمضيَ إلى الخريبة ونستوحشَ له، فأتينا فسألنا عنه، فقال لنا صبيانٌ قد انصرفوا من الكتَّاب: لعلكم تريدون أبا عبدِ الله الصيَّاد؟ قلنا: نعم، قال: الساعةَ يأتي، وهذا وقتُه، وإذا به قد أَقبل مؤتزرًا بخِرقة وعلى كتفه خِرْقة، ومعه أطيارٌ مذبَّحة وغيرُ مذبحة، فلمَّا رآنا تبسَّم وقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: فقدناك وقد كنت عمرتَ مجلسَنا، فما غيَّبك عنا؟ قال: كان لي جار، فكسْت أَستعير منه ثوبًا في كلِّ جمعة، وهو الثوبُ الذي كنت أتيتكم فيه، فسافر الجارُ إلى وطنه، وكان غريبًا، فلم يكن لي ثوبٌ آتيكم فيه، ثم قال: هلمُّوا إلى المنزل، فدخلنا بيتًا ليس فيه سوى قطعةٍ من بارِّية (١)، فقال: اقعدوا، ودفع الأطيارَ المذبَّحة إلى المرأة وقال: أَصلِحيها، وأخذ الأطيارَ الأحياءَ ومضى إلى السوق، فباعها واشترى خبزًا، ثم جاء وقد صنعت المرأة تلك الأَطيار، فقدَّمها إلينا مع الخبز، فأكلنا، وكان يقوم فيأتي بالملح، وتارةً بالماء، فقال بعضُنا لبعض: ألا ترون حال الرجل؟ أما تغيِّرون من حاله وأنتم سادةُ أهل البصرة؟! فقال أحدُهم: عليَّ خمسُ مئة، وقال الآخَر: وعليَّ ثلاثُ مئة، وضمن بعضُهم أن يأخذَ له من غيره، فبلغ الذي جمعوه خمسةَ آلافِ درهم، فقالوا: قوموا بنا نذهب فنأتيه بالمال. فخرجنا ومررنا بالمِرْبد، وإذا بمحمد بنِ سليمانَ والي البصرةِ في مَنظَرة له، فقال: يا غلام، ائتني بإبراهيمَ بن شبيبٍ من بين القوم، فجئتُ فدخلت عليه، فقال: من أين أقبلتم؟ فصدقته الحديث، فقال: أنا أسبقكم إلى بِرِّه، يا غلام، ائتني ببَدْرة دراهم، فجاء بها، فقال: احملْ هذه إليه. قال: ففرحت وحملها معي فرَّاش، فأتيتُ إلى بابه فسلَّمت، فأجابني أبو عبدِ الله وخرج، فلمَّا رأى الفراشَ والبَدرةَ على رأسه كأنِّي سففتُ في وجهه الرَّماد، وأقبل عليَّ بغير ذلك الوجهِ الأوَّل وقال: ما لي ولك يا هذا! تريد أن تفتنَني! فقلت له: يا أبا عبدِ الله، إنَّ محمد بنَ سليمانَ من الجبَّارين، فاللهَ اللهَ في نفسك، فازداد غيظًا، وقام فدخل منزلَه وأصفق البابَ في وجهي، فرجعت إلى
следующие страницы →