السَّنةُ الحاديةُ والسبعون بعد المئة
فيها أخرج هارونُ الطالبيِّين من بغدادَ إلى مدينة النبيِّ ﷺ ، ما خلا العباسَ بن الحسنِ بن عبد اللهِ بن العباس بن عليٍّ ﵇.
وخرجت الخَيزُران من بغدادَ في رمضانَ معتمرة، فأقامت بمكَّة إلى وقت الحجّ.
فصل وفيها توفِّي
إسماعيلُ بن محمدِ
ابن يزيدَ بن ربيعة، أبو هاشم، ويلقَّب بالسيّد الحِمْيَري. شاعر مُجيد.
كان بالكوفة قومٌ يذهبون [في] عليٍّ ﵁ مذهب النَّصارى في المسيح، وهم أصحابُ عبدِ الله بن سبأ، وقد حرَّق عليٌّ ﵇ بعضَهم، وفيهم يقول السَّيّد: [من البسيط]
قومٌ غلَوا في عليٍّ لا أبا لهمُ … وأَجشموا أَنفُسًا في حبِّه تَعَبا
قالوا هو اللهُ جلَّ اللهُ خالقنا … من أن يكونَ ابنَ شيءٍ أو يكونَ أبا (١)
وله: [من السريع]
يا بائعَ الأُخرى بدنياهُ … ليس بهذا أَمَرَ اللهُ
مِن أين أبغضتَ عليَّ الرِّضا … وأحمدٌ قد كان يرضاه
من الذي أحمدُ مِن بينهمْ … يومَ غديرِ الخُمِّ ناداه
أَقامه من بين أصحابِه … وهمْ حواليه فسمَّاه
هذا عليُّ بنُ أبي طالبٍ … مولًى لمن قد كنتُ مولاه
فوالِ مَن والاه يا ذا العُلى … وعادِ مَن قد كان عاداه
ومِن شعره: [من الوافر]
إذا ما المرْءُ شابَ له قَذالٌ … وعَلَّلهُ المَواشِطُ بالخِضابِ
فقد ذهبتْ بَشاشتُه وأودَى … فَقُم يا باكِ فابكِ على الشباب
стр. 5882
فليس بعائدٍ ما فاتَ منه … إلى أَحدٍ إلى يوم المآب
إلى يومٍ يؤوب الناسُ فيه … إلى دُنياهمُ قبل الحساب
فإنَّ الله خبَّر عن أُناس … حَيُوا من بعد دَسٍّ في التُّراب (١)
وقال يرثي أخاه: [من الخفيف]
يا ابن أمِّي فدَتْكَ نفسي ومالي … كنتَ رُكني ومَفْزعي وجَمالي
ولَعَمْري لئن تركتُك مَيتًا … رَهْنَ رَمْسٍ ضَنْكٍ عليك مُهالِ
لَوَشيكًا ألقاك حيًّا صحيحًا … سامِعًا مُبْصِرًا على خير حال
مثلَ سَبْعين وافدًا مع مُوسى … عاينُوا هائلًا مع الأهوال
حين رامُوا من جهلهمْ رؤيةَ اللهِ … وأنَّى برؤية المتعالي
فرَماهمْ بصَعْقةٍ أحرقتْهم … ثم أحياهمُ شديدُ المِحال
وكان يقول بالرَّجعة (٢)، ويُفرط في سبِّ السلف، وهو القائلُ في عائشةَ رضوانُ الله عليها في قصَّة الجَمَل: [من السريع]
جاءت مع الأَشقَين في هودجٍ … تُزجي على البصرة أَجنادَها
كأنَّها في فعلها حيَّةٌ … تريد أن تأكلَ أولادَها (٣)
ومات بواسط، ولمَّا احتضر أخذه كَرْب، فجعل يقول: اللهمَّ هذا كان جزائي في حبِّ آلِ محمد! ومات فلم يُدفن؛ لكفره وسبِّه للصحابة، وقيل: إنه مات ببغدادَ واسودَّ وجهُه قبل موته، فأفاقَ من سَكرته وقال: يا أميرَ المؤمنين، تفعل هذا بوليَّك؟! ومات فدُفن بالجُنَينة (٤). وقيل: مات سنةَ تسعٍ وسبعين ومئة (٥).
стр. 5883
حِبَّان (١) بنُ عليٍّ العَنَزي
من الطبقة السادسةِ من أهل الكوفة، توفِّي بها، وكان ضعيفًا في الحديث، وقال ابن مَعين: هو صَدوق.
عيسى بنُ يزيدَ
ابنِ بكر بن داب، أبو الوليدِ اللَّيثي المدني. كان راويةَ العرب، وافرَ الأدب، عالمًا بالنَّسب.
أمر له الهادي بثلاثين ألفَ دينارٍ في بعض الليالي، فلما أصبح وجَّه على الحاجب بالمال، فقال: يحتاج إلى توقيع، فأَمسك ولم يطلبه. فبينا الهادي في مستشرَفٍ له إذ نظر إلى ابن دابٍ قد أقبل وليس معه غلام، فقال لإبراهيمَ الحراني: يا إبراهيم، ألم ترَ إلى ابن داب بررناه بالأمس لنرى عليه أَثرَنا وما غيَّر من حاله! فقال (٢): هو أعلمُ بأمره. فلما دخل ابنُ داب وتفاوضوا في الحديث، عرض له الهادي فقال: أرى ثوبَك غَسيلًا، وهذا شتاءٌ وتحتاج إلى لُبس الجديد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، باعي قصير، ففهم، فأمر بحمل المالِ إليه في الحال، فحُمل (٣). وكانت وفاتُه ببغداد.
المفضَّل بن محمدِ
ابن يَعلى الضَّبِّي (٤). كان أحدَ الأئمَّة الفضلاءِ والثقاتِ الأَثبات، قرأ القراءاتِ على عاصم بنِ أبي النَّجود، وكان علَّامةً في النَّسب وفي أيام العرب.
قال جحظة (٥): اجتمعنا عند الرشيد، فقال للمفضَّل: أَخبِرني بأحسنِ ما قالت
стр. 5884
العربُ في الذئب ولك هذا الخاتمُ وشراؤه ألفٌ وستُّ مئةِ دينار، فقال: [من الطويل]
ينام بإِحدى مُقلتيه ويتَّقي … بأُخرى المنايا فهو يقظانُ نائمُ (١)
فقال الرشيد: ما ألقى اللهُ هذا على لسانك إلَّا لذهاب الخاتَم، ورمى به إليه، وبلغ أمَّ جعفر، فبعثتْ إلى المفضَّل بألف وستِّ مئة دينارٍ وأخذته وبعثتْ به إلى الرشيد، وقالت: كنت أراك تُعجب به، فألقاه إلى المفضَّل وقال: خذْه وخذ الدنانير، فما كنت لأهبَ شيئًا وأرجعَ فيه.
قال المصنِّف ﵀: ورأيتُ في كتاب "الخواصّ" أنَّ العينَ التي (٢) يفتحها الذئبُ إذا نام، إذا عَلِقت على إنسانٍ لا ينام أبدًا، وأن العينَ التي ينام بها إذا علقت على إنسانٍ لا يزال نائمًا.
وعَبَرَ المفضَّل على المهديِّ وهو لا يملك درهمًا وعليه عشرةُ آلافِ درهم، فقال: يا مفضَّل، ما أفخرُ بيتٍ قالته العرب؟ قال: قولُ الخنساء: [من البسيط]
وإنَّ صخرًا لَتأتمُّ الهُداةُ به … كأنَّه عَلَمٌ في رأسه نارُ (٣)
فالتفت إلى إسحاقَ بن بَزيعٍ وقال: فيما قلت لك (٤)، قال المفضَّل: فقلت: الصوابُ مع أمير المؤمنين، ثم قال: يا مفضَّل، كيف حالُك؟ قلت: كيف حالُ مَن لا معه درهمٌ وعليه عشرةُ آلاف درهم؟! فقال: يا إسحاق، أَعطِه عشرةَ آلاف لدَينه، وعشرةَ آلاف يُصلح بها حاله، وعشرةَ آلاف يُعدُّها لدهره.
سمع المفضَّلُ سِمَاكًا وغيرَه، واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وفضله.
أبو عبدِ الله الخُرَيبي البصريُّ الزاهد
يُنسب إلى الخُرَيبة محلَّةٍ بالبصرة. كان صيادًا يتقوَّت من صيده، لا يقبل بِرَّ أحد.
قال إبراهيمُ بن شبيبِ بن شيبة (٥): كنا نتجالس في الجُمُعة، فأتى رجلٌ عليه ثوبٌ
стр. 5885
واحد ملتحِفٌ به، فجلس إلينا، فأَلقى مسألة، فما زلنا نتكلَّم في الفقه حتى انصرفنا، ثم جاءني في الجُمُعة المقبلة، فسألنا فأجبنا، وسألناه عن منزله فقال: أَنزل الخُرَيبة، قلنا: فالكُنية؟ قال: أبو عبدِ الله. فكان يجالسنا، وانقطع عنَّا مدة، فوعد بعضُنا بعضًا أن نمضيَ إلى الخريبة ونستوحشَ له، فأتينا فسألنا عنه، فقال لنا صبيانٌ قد انصرفوا من الكتَّاب: لعلكم تريدون أبا عبدِ الله الصيَّاد؟ قلنا: نعم، قال: الساعةَ يأتي، وهذا وقتُه، وإذا به قد أَقبل مؤتزرًا بخِرقة وعلى كتفه خِرْقة، ومعه أطيارٌ مذبَّحة وغيرُ مذبحة، فلمَّا رآنا تبسَّم وقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: فقدناك وقد كنت عمرتَ مجلسَنا، فما غيَّبك عنا؟ قال: كان لي جار، فكسْت أَستعير منه ثوبًا في كلِّ جمعة، وهو الثوبُ الذي كنت أتيتكم فيه، فسافر الجارُ إلى وطنه، وكان غريبًا، فلم يكن لي ثوبٌ آتيكم فيه، ثم قال: هلمُّوا إلى المنزل، فدخلنا بيتًا ليس فيه سوى قطعةٍ من بارِّية (١)، فقال: اقعدوا، ودفع الأطيارَ المذبَّحة إلى المرأة وقال: أَصلِحيها، وأخذ الأطيارَ الأحياءَ ومضى إلى السوق، فباعها واشترى خبزًا، ثم جاء وقد صنعت المرأة تلك الأَطيار، فقدَّمها إلينا مع الخبز، فأكلنا، وكان يقوم فيأتي بالملح، وتارةً بالماء، فقال بعضُنا لبعض: ألا ترون حال الرجل؟ أما تغيِّرون من حاله وأنتم سادةُ أهل البصرة؟! فقال أحدُهم: عليَّ خمسُ مئة، وقال الآخَر: وعليَّ ثلاثُ مئة، وضمن بعضُهم أن يأخذَ له من غيره، فبلغ الذي جمعوه خمسةَ آلافِ درهم، فقالوا: قوموا بنا نذهب فنأتيه بالمال.
فخرجنا ومررنا بالمِرْبد، وإذا بمحمد بنِ سليمانَ والي البصرةِ في مَنظَرة له، فقال: يا غلام، ائتني بإبراهيمَ بن شبيبٍ من بين القوم، فجئتُ فدخلت عليه، فقال: من أين أقبلتم؟ فصدقته الحديث، فقال: أنا أسبقكم إلى بِرِّه، يا غلام، ائتني ببَدْرة دراهم، فجاء بها، فقال: احملْ هذه إليه. قال: ففرحت وحملها معي فرَّاش، فأتيتُ إلى بابه فسلَّمت، فأجابني أبو عبدِ الله وخرج، فلمَّا رأى الفراشَ والبَدرةَ على رأسه كأنِّي سففتُ في وجهه الرَّماد، وأقبل عليَّ بغير ذلك الوجهِ الأوَّل وقال: ما لي ولك يا هذا! تريد أن تفتنَني! فقلت له: يا أبا عبدِ الله، إنَّ محمد بنَ سليمانَ من الجبَّارين، فاللهَ اللهَ في نفسك، فازداد غيظًا، وقام فدخل منزلَه وأصفق البابَ في وجهي، فرجعت إلى
стр. 5886
محمدٍ وأخبرته، فقال: حَروريٌّ والله، يا غلام، خذ هذا السيفَ واذهب به مع هذا، فإذا خرج إليك الرجلُ فاضرب عنقَه وائتني برأسه، فقلت: اللهَ اللهَ أيها الأمير، واللهِ قد رأينا رجلًا ما هو من الخوارج، ولكني أنا آتيك به، فضمنته، فأتيت بابَه، فسمعت بكاءَ المرأة، فطرقتُ الباب، فقالت: ادخل، فدخلت وإذا به ميِّت مسجًّى، فقلت: ما حالُه؟ قالت لنا: لما دخل توضأ وصلَّى ودعا، فسمعتُه يقول في دعائه: اللهمَّ اقبضني إليك ولا تفتنِّي، ثم تمدَّد واستقبل القِبلة، وما زال يردِّدها حتى مات. فخرجتُ فأتيت محمدَ بن سليمانَ فأخبرته، فقال: أنا أركب وأصلِّي عليه، وشاع حديثُه في البصرة، فشهده عامَّة أهلها ومحمدُ بن سليمان.
* * *
стр. 5887
السَّنة الثانيةُ والسبعونَ بعد المئة
فيها خرج الرشيدُ إلى مَرْج القلعةِ يرتاد منزلًا، وكان قد استوخم بغداد، فلمَّا نزل مرجَ القلعة، مرض فعاد إلى بغداد.
وفيها ولَّى أخاه عُبيدَ (١) الله بنَ المهديِّ بلادَ إرمينية، وعزل عنها يزيدَ بن مزيد، وأغزى الصائفةَ إسحاقَ بن سليمانَ بنِ علي، ووضع عن أهل السَّواد العُشرَ الذي كان يؤخذ منهم بعد مقاسمةِ النِّصف.
وفيها زوَّج الرشيدُ العبَّاسةَ بنت المهديِّ من محمد بنِ سليمانَ والي البصرةِ ونقلها إليها، وهي أوَّل بنتِ خليفةٍ من بني العباسِ نُقلت من بلدٍ إلى بلد.
وفيها ولَّى الرشيدُ معاذَ بن معاذٍ القضاءَ على البصرة، فلم يحمدْ أهلها أمرَه وكرهوه، فصرفه، فأَظهروا السرورَ بعزله، ونحروا الجُزُرَ وتصدَّقوا، فاختفى خوفًا منهم، وقدم بغدادَ فاعتذر، فقبل الرشيدُ عذرَه وأعطاه ألفَ دينار، وكان من الأَثبات الثقات في الحديث.
وحجَّ بالناس يعقوبُ بن المنصور عمُّ الرشيد.
عبدُ الرحمن بن معاويةَ
ابن هشامِ بن عبد الملك بن مروان، أبو المطرِّف، الداخل. وأمُّه بربرية، اسمُها راح (٢).
ولد بدَير حَنِيناءَ من عمل دمشقَ (٣) في سنة ثلاثَ عشرةَ ومئة، ولما زال ملكُ بني أميةَ تفرَّقوا في البلاد هربًا من بني العبَّاس، فدخل عبدُ الرحمن المغربَ في سنة ستٍّ وثلاثين ومئة (٤) في أيَّام أبي جعفر، فبويع بجزيرة الأندلس. وقيل: دخل مصرَ مستخفيًا، ثم خرج
стр. 5888
إلى بُرْقة، فأقام بها خمسَ سنين، ثم خرج يريد الأندلس، فنزل ببيرة المراكب، وكانت البلادُ مفتوحة، فيها يمانيةٌ ومُضَرية يقتتلون على العصبية، وكان معه مولاه بدر، فدخل بينهم يتحسَّس الأخبار، فقال للمضرية: لو وجدتم رجلًا من أهل بيتِ الخلافة أَكنتم تقومون معه وتبايعونه؟ قالوا: وكيف لنا بذلك؟! فاستحلفهم بدر، فلمَّا استوثق منهم قال: هذا عبدُ الرحمن بن معاويةَ من بيت الخلافة، فأتَوا إليه وبايعوه، فأقام واليًا عليهم ثلاثًا وثلاثين سنةً وأربعة أشهر، وهو أوَّل ملوكِ بني أميةَ بالمغرب.
وكان يوسفُ الفِهريُّ يدعو إلى نفسه بالمغرب، فلمَّا دخل عبدُ الرحمن لم يكترثْ له يوسف، ونزل عبدُ الرحمن الأندلس، فأطاعه أهلُها وقالوا: هذا من بيت الخلافة، وفي زمان عمِّه الوليدِ فُتحت الأندلس، واستفحل أمرُه، فقاتله يوسفُ الفهري، وكان أهلُ يوسفَ ومقرُّه بقرطبة، فدخل الفهريُّ طُلَيطلة واستنصر بالفرنج وبملكها، فأَنجدوه على عبد الرحمن، وخرج بالجيوش، فالتقوا على قرطبةَ واقتتلوا، فقال عبدُ الرحمن: مَن أتاني برأس الفهريِّ فله كذا وكذا من المال، فأتاه رجلٌ من أصحابه برأسه، فدخل قرطبةَ وبها عيالُ يوسفَ فلم يَعرِضْ لهم.
وكان المنصورُ يثني على عبد الرحمن، قال يومًا لأصحابه: مَن صقرُ قريشٍ الذي قهر الأعداءَ وساس الملكَ وسكَّن الزلازل؟ فقالوا: أنت، فقال: ما قلتم شيئًا، ولكن ذاك الذي قطع الفيافيَ والقفار، والجزائرَ والبحار، وأَوغل في بلاد المغرب، وقد قُتل قومُه وزال ملكُهم، فدخل بلدًا أعجميًّا مُفرَدًا، فمصَّر الأمصار وجنَّد الأجناد، ودوَّن الدواوين، ولم يزل يضرب العدنانيةَ بالقحطانية، والقحطانيةَ بالعدنانية، والمضريةَ باليمانية، حتى أقام مُلكًا داثرًا بعد انقطاعه، بحسن تدبيرِه وشدَّة شكيمته، ذاك عبدُ الرحمن بنُ معاوية.
وسأل مالكُ بن أنسٍ رجلًا من أهل الأندلسِ عن سيرة عبدِ الرحمن، فقال: يلبس الصوفَ ويأكل خبزَ الشعير، ويجاهد في سبيل الله، وعدَّد مناقبه، فقال مالك: ليت أنَّ اللهَ زيَّن حَرَمنا بمثله. وبلغ عبدَ الرحمن، فسُرَّ بقوله، وجمع أهلَ الأندلس على مذهب مالك، وكانوا قبل ذلك على مذهب الأَوزاعي، فهذا سببُ اجتماعِ المغاربة على
стр. 5889
مذهب مالك.
وثار عليه ثائرٌ بالمغرب، فأُخذ وجيءَ به على بغل مكبَّلٌ بالحديد، فنظر إليه وقال: يا بغل، ماذا تحمل من الشِّقاق والنِّفاق؟! وأَمر بقتله، فقال الثائر -وأشار إلى فوس عبدِ الرحمن-: يا فرس، ماذا تحملين من العفو والرَّحمة، فعفا عنه وأَحسن إليه.
وقال أبو جعفرٍ القَيرواني: مات في سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ وهو ابنُ ستين سنة، وكان ملكُه أربعًا وثلاثين سنةً وخمسةَ أشهر، ثم ولي بعده ابنُه هشامٌ لتسعٍ خلونَ من جُمادى الأولى سنةَ اثنتين وسبعين، وهو ابنُ إحدى وعشرين سنة (١).
وقال الحُميدي (٢): كان عبدُ الرحمن على سيرةٍ جميلة، وأَثنى عليه، قال: ومن قُضاته معاويةُ بن صالحٍ الحضرمي، كان شاعرًا، ومن شعره: [من الخفيف]:
أيها الراكبُ الميمِّم أرضي … أَقْرِ من بعضيَ السلامَ لبعضي
إنَّ جسمي كما علمتَ بأرض … وفؤادي كما علمتَ بأرض
قُدِّر البَينُ بيننا فافترقنا … وطوى البينُ عن جفونيَ غُمضي
قد قضى اللهُ بالفراق علينا … فعسى باجتماعنا سوف يقضي
الفضلُ بن صالحِ
ابن علي بن عبدِ الله بن عباس، أبو العباسِ الهاشمي. ولي إِمرةَ دمشق، وعمل أبوابَ جامعها والقُبَّةَ التي في الصَّحن، وتُعرف بقبة المال، فتوفِّي وهو ابنُ خمسين سنة، وكان شاعرًا فصيحًا، وهو القائل: [من السريع]
عاش الهوى واستُشهد الصبرُ … وعاث فيَّ الحزنُ والضُّرُّ
وسهَّل التوديعُ يومَ النَّوى … ما كان قد وعَّره الهجر (٣)
* * *
стр. 5890
السَّنة الثالثةُ والسبعون بعد المئة
فيها توفِّيت الخَيزُران، ومحمدُ بن سليمانَ والي البصرة.
وفيها حبس هارونُ موسى بنَ جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ ﵇، وحجَّ الرشيدُ في هذه السَّنة، فأَقدمه معه إلى بغداد، فحبسه إلى أن مات.
وقال الصُّولي: أَجرى عليه في كلِّ سنةٍ ثلاثَ مئةِ ألف درهم، ولبركةَ في كلِّ شهرٍ عشرين ألفَ درهمٍ إلى أن مات في حبسه.
وقال النَّوفلي: وضع هارونُ ابنَه محمدًا في حجر جعفرِ بن محمدٍ الأشعث، فساء ذلك يحيى بنَ خالد، وقال: لو مات هارونُ وأَفضى الأمرُ إلى محمدٍ انتقضت دولتُنا وتحوَّل الأمرُ إلى جعفر بنِ محمدٍ وولده، وقد كان يحيى عرف مذهبَ جعفرٍ في التشيُّع، فأَظهر له أنَّه على مذهبه، فأَنِسَ به جعفرٌ وأَطلعه على أمره وذكر له رأيَه في موسى بنِ جعفر، فسعى به إلى هارون، وكان هارونُ يرعى له موضعَ أبيه من الخلافة، فكان يقدِّم في أمره ويؤخِّر، ويحيى لا يألو جهدًا في جعفر، ثم إن هارونَ أمر لجعفرٍ بعشرين ألفَ دينار، فقال يحيى لهارون: إنَّ خُمس ما يصير لجعفرٍ يدفعه إلى موسى بنِ جعفر، وعلم جعفرٌ بسعاية يحيى به، فاحترز، فأرسل هارونُ إلى جعفرٍ يستدعيه، فاغتسل وتحنَّط، ولبس كفنَه تحت ثيابه، فلمَّا دخل على هارونَ شمَّ منه رائحةَ الطِّيب، فقال: ما هذا؟ فقال: قد علمتُ أنه سُعي بي إليك حسدًا لي فقلت: ما طلبني في هذه الساعةِ إلا ليقتلَني، فتحنَّطت كما ترى، فقال: كلَّا، ولكن أُخبرت أنَّك تبعث إلى موسى بخُمس مالِك، فأحببت أن أعلمَ صحَّة ذلك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ابعث بعضَ خدمِك إلى فلانةَ يطلب منها المال، فأرسل الخادم، فأرسلت الجاريةُ العشرين ألفَ دينار بخواتيمها، فأَحضرها بين يدي هارون، فقال هارون: ارفعها، فواللهِ لا سمعتُ فيك كلامَ أحدٍ بعد اليوم، ثم حجَّ هارونُ في هذه السنةِ وأَحرم من بغداد، ودخل مكة والمدينة، ووصل أهلَ الحرمين بأموالٍ عظيمة، ولَمَّا قفل عن المدينة، صحب معه موسى بنَ جعفر إلى بغدادَ لشيءٍ بلغه عنه فخافه، وقيل له: لا بدَّ له من الخروج عليك.
стр. 5891
فصل وفيها توفِّيت
الخَيزُران جاريةُ المهدي أمُّ الهادي والرشيد
وكانت جُرَشية، اشتراها المهديُّ فأَعتقها وتزوَّجها.
وسأل رجلٌ الخيزران حاجةً وبعث إليها بهديَّة، فبعثتْ إليه: إن كان ما بعثتَ به إليَّ من هديَّتك ثمنًا لرأي فيك فقد بخستَني القيمة، وإن كان استزادةً فقد استغششتَني (١) في المودَّة. ثم ردَّت عليه الهدية.
قال الصُّولي: وصاحبُ الهديةِ محمدُ بن سليمان، أهدى لها مئةَ وصيف، بيد كلِّ وصيفٍ جامٌ من ذهبٍ مملوءٌ مِسكًا.
وكانت الخَيزُران عاقلةً لبيبة، صالحةً متصدقة، وغلَّتها في كلِّ سنةٍ ستةُ آلافِ ألفٍ وستَّون ألفَ ألفِ درهم (٢)، فكانت تُنفقها في الصدقات وأبوابِ البِرّ، وكانت وفاتُها ليلةَ الجمعة لثلاثٍ بقين من جُمادى الآخرة، ومشى هارونُ في جنازتها وعليه طَيلسانٌ أزرقُ قد شدَّ به وسطَه، وأخذ بقائمة السريرِ حافيًا يخوض في الطين حتى أتى مقابرَ قريش، فغسل رِجليه وصلَّى عليها، ودخل قبرَها، ثم خرج فتمثَّل بقول متمِّم (٣): [من الطويل]
وكنَّا كنَدمانَي جَذيمةَ حِقبةً
الأبيات: ثم تصدَّق عنها بمالٍ عظيم، ولم يغيِّر على جواريها وحاشيتها شيئًا.
وقالت زينبُ بنت سليمانَ بنِ علي: حدَّثتني الخيزرانُ قالت: حدَّثني أميرُ المؤمنين المهديُّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن اتَّقى اللهَ وقاه اللهُ كل شيء" (٤).
стр. 5892
غادِر، جاريةُ الهادي
كانت بارعةَ الجمال، فبينا هي تغنِّيه يومًا، عرض له فكرٌ فغيَّر لونَه، فسأله مَن حضر عن ذلك، فقال: وقع في خاطري أنَّني أموت ويتزوَّجها أخي هارون. ثم أمر بإحضار أخيه واستحلفه بالأَيمان المغلَّظة من الطلاق والعتاقِ والحجِّ ماشيًا أنه لا يتزوَّجها بعده، واستحلفها كذلك، ولبث أقلَّ من شهرٍ ومات، فأرسل إليها هارونُ يخطبها، فقالت له: وكيف بيميني ويمينك؟! فقال: أكفِّر عن الكلّ. فتزوَّجته، فزاد حبُّه لها على حبِّ أخيه، حتى إنَّها كانت تنام فتضع رأسَها في حجره فلا يتحرَّك حتى تنتبه، فبينا هي ذاتَ يومٍ نائمةٌ ورأسُها على ركبته، انتبهت فَزِعةً تبكي، فقال: ما الذي بك؟ قالت: رأيتُ الساعةَ أخاك وهو يقول: [من مجزوء الكامل]
أَخلفتِ وعدي بعدما … جاورتُ سكَّانَ المقابرْ
ونسيتنِي وحنثتِ (١) في … أَيمانك الكَذِبِ الفواجر
ونكحتِ عامدةً (٢) أخي … صَدَقَ الذي سمَّاكِ غادر
لا يَهْنِكِ الإلفُ الجديـ … ـدُ ولا تَدُرْ عنكِ الدوائر
ولحقتِ بي قبلَ الصَّبا … حِ فصرتِ حيث غدوتُ صائر
ولم تزل تبكي وتضطرب حتى ماتت بين يديه وهو يقول لها: أضغاثُ أحلام، فدفنها، ونغَّصت عليه عيشَه.
محمدُ بن سليمانَ
ابن عليِّ بن عبد اللهِ بن عباس، أبو عبدِ الله الهاشمي. وأمُّه أمُّ حسنٍ بنتُ جعفر بن حسن بن حسن بن عليٍّ ﵇. وكان من وجوه بني العباسِ وأشرافهم، وُلد بالحُمَيمة من أرض البَلقاءِ سنة اثنتين وعشرين ومئة، وكان جليلًا نبيلًا جوَادًا ممدَّحًا، عظيمَ بيته وجليلَ أهله.
ولَّاه أبو جعفرٍ الكوفةَ والبصرةَ مرتين، ووليها للهادي والرشيد، وقدم على الرشيد
стр. 5893
معزِّيًا له في أخيه موسى ومهنِّئًا له بالخلافة، فأنزله الرشيدُ وأكرمه وعظَّمه واحترمه، وفعل في حقِّه ما لم يفعلْه مع غيره، وزاد على ولايته كورَ فارسَ والبحرين وعُمان واليمامةَ والأهوازَ وكور دِجلة، ولم يجمعْ هذا لغيره، ولما أراد الخروجَ إلى البصرة شيَّعه الرشيدُ إلى كَلْواذى. وهو الذي زوَّجه المهديُّ ابنته، ونقلها إلى البصرة إليه، وكان له خاتمٌ من ياقوتٍ أحمرَ لم يُرَ مثله، فسقط ليلةً من يده، فطلبوه فلم يجدوه، فقال: أَطفئوا الشمع، ففعلوا فرأوه. وكان له خمسون ألفَ عبد، منهم عشرون ألفًا عِتاقة، وكانت به رطوبة، فكان يتداوى بالمِسك، يستعمل منه كلَّ يومٍ عشرين مثقالًا ويتركه في عُكَن بطنه، وكانت غلَّته في كلِّ يومٍ مئةَ ألفِ درهم، وكان يصعد المنبرَ في البصرة، وكان له لسانٌ فيأمر بالعدل والإحسانِ مع ظلمه، فيقول أهلُ البصرة: ألا ترون ما نحن فيه مع هذا الظالمِ الجائر وما يأمر به! فاجتمعوا إلى أبي سعيدٍ الضُّبَعي وقالوا: كلِّمه، فلما صعد المنبرَ قام إليه وقال: يا ابنَ سليمان، لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟ يا محمدَ بنَ سليمان، ليس بينك وبين أن تتمنَّى أنك لم تُخلَق إلَّا أن يدخلَ مَلَكُ الموتِ من باب بيتك. فخنقتْ محمدَ بن سمليمانَ العَبرةُ فلم يقدر أن يتكلَّم، فقام أخوه جعفرٌ إلى جانب المنبرِ فتكلَّم عنه، فأحبَّه النسَّاك حين خنقته العَبرةُ وقالوا: مؤمنٌ مذنب.
وقدم عليه جماعةٌ من الشعراء (١)، فأقاموا ببابه مدَّةً ولم يصلوا إليه، فكتب إليه الخليلُ بن أحمد (٢): [من الكامل]
لا تقبلنَّ الشَّعرَ ثم تَعِيفه (٣) … وتنام والشعراءُ غيرُ نيامِ
واعلم بأنَّهمُ إذا لم يُنصَفوا … حكموا لأنفُسهمْ على الحكَّام
وجنايةُ الجاني عليهمْ تنقضي … وهجاؤهمْ باقٍ على الأيَّام
فأَجازهم وأحسنَ إليهم.
стр. 5894
ذِكرُ وفاته:
لَمَّا احتضر كان رأسُه في حجر أخيه جعفرِ بن سليمان، فقال جعفر: واانقطاعَ ظهراه! فقال محمد: واانقطاعَ ظهرِ مَن يلقى الجبَّارَ (١) غدًا! يا ليت أمَّك لم تلدني، وليتني كنت حمَّالًا وأنِّي لم أكن فيما كنت فيه.
وكانت وفاته بالبصرة في اليوم الذي توفِّيت فيه الخَيزُران ببغداد، وهو ابنُ إحدى وخمسين سنةً وأَشهُر.
وقال ابنُ جَرير (٢): بعث الرشيدُ رجلًا يصطفي ما خلَّف من الصامت، ورجلًا يقبض الكسوة والفُرُش، ورجلًا إلى الرقيق والدواب، ورجلًا إلى الطِّيب والجواهر، فأصابُوا له من المال ستِّين ألف ألف درهم، وأخرجوا ما كان يُهدى إليه، حتَّى الدهن والسمك، فوجدوهُ قد تغيَّر، فألقوه في الطرقات، فأنتنت الطُّرقات.
وقال الصوليّ: إنَّ الرشيدَ فضَّ ما خلَّفه، فكان من العين ثلاثةَ آلاف ألف دينار، ولم يعترض الضياعَ ولا الدورَ ولا الجواهرَ ولا الفرشَ ولا الكسوةَ.
قال الطبريّ: إنهم حملوا ما كان يصلحُ للخلافة، ولم يتركوا إلَّا الذي لم يصلح، فلمَّا وصلت السفن إلى بغداد، أمرَ الرشيدُ أن يُدْخَل ذلك خزانته، إلَّا المال -وكان ستين ألف ألف درهم- فإنَّه أمر بصكاك فكُتبت للندماء والمغنِّين، فأخذوا الجميع من السفن، ولم يدخل إلى بيت ماله منها درهمٌ ولا دينار (٣).
وكان له مئة ألف دابَّة ما بين فرشٍ وبغلٍ وجملٍ وحمار، ولم يَتْرُكْ أحدٌ من الأكاسرة وبني أمية وبني العباس وغيرهم مثلَ ما ترك، وكانت الهدايا تأتيه من الهند والسند والصين وكِرْمان، وفارس والأهواز، وخراسان وما وراء النهر، واليمن واليمامة، والحجاز والشام والمغرب، وغير ذلك.
وقيل: إنَّ هارون اصطفى الجميعَ لنفسه، ولم يُعطِ ورثتَه شيئًا.
وقيل: إنَّ هارون أخذَ منه عشرة آلاف فرس، وعشرة آلاف بغل، ومن كل صنفٍ ونوعٍ عشرة آلاف.
стр. 5895
ولما دُفن محمد بن سليمان خرجت جاريةٌ من جواريه، فوقفت على قبره وقالت: [من الكامل]
أمسى التراب لمن هَوِيتُ مَبِيتا … الْقَ الترابَ وقل له حُيِّيتَا
إنَّا نحبُّك يا ترابُ وما بنا … إلَّا كرامةُ من عليه حُثِيتَا (١)
وقد أخرج الخطيبُ له حديثًا قال محمد بن سليمان: حدَّثني أبي، عن جدِّي الأكبر، يعني عبد الله بن عباس، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "امسحْ على رأسِ اليتيم هكذا؛ إلى مُقَدَّمِ رأسِه، ومن له أبٌ؛ هكذا إلى مؤخَّر رأسِه" (٢).
هيلانة جاريةُ الرشيد
كان شديد الحبِّ لها، وكانت قبلَه ليحيى بن خالد، وكان الرشيد قبل الخلافة يَمضي إلى دار يحيى، فلقيَتْهُ في ممرٍّ، فأخذت بكمِّه وقالت: ما لنا فيك نصيب؟ قال: وكيف السبيل إليك؟ قالت: تأخذُني من هذا الشيخ، فطلبها من يحيى، فوهبَها له، فغلبت عليه، وأقامت عنده ثلاث سنين، ثم ماتت، فوجدَ عليها وجدًا شديدًا، وقال فيها: [من السريع]
قد قلت لَمَّا ضمَّنوك الثرى … وجالت الحسرةُ في صدرِي
اذهبْ فلا والله لا سرَّني … بعدَك شيءٌ آخرَ الدهرِ
وقال العباس بن الأحنف يرثيها: [من الكامل]
يا مَنْ تباشَرت القبورُ بموتها … قَصَدَ الزمانُ مَساءتي فرماكِ
أبغي الأنيسَ فلا أرى لي مُؤنسًا … إلَّا التردُّدَ حيث كنتُ أراكِ
مَلِكٌ بكاكِ وطال بعدكِ حزنُه … لو يستطيع بملكِه لفداكِ
يحمي الفؤادَ عن النساءِ حفيظةً … كيلا يحُلَّ حمى الفؤادِ سواكِ
فأعطاه الرشيد أربعين ألفًا، وقال: لو زدتَ لزدناك، يعني عن كلِّ بيتٍ عشرةَ آلاف درهم (٣).
стр. 5896
السنة الرابعة والسبعون بعد المئة
فيها وقعت العصبيَّةُ بالشام وثارت الفتن.
وولَّى هارونُ إسحاقَ بن سليمان بن علي السند ومُكران، واستقضَى هارون يوسفَ بن أبي يوسف القاضي، وأبوه في الحياة.
وفِيها بنى الرشيد قصرًا بقردَى وبازَبْدى، فقال مروان بن أبي حفصة: [من الطويل]
بقِردَى وبازَبْدى مصيفٌ ومَرْبَعُ … وعذبٌ يحاكي السلسبيل بَرُودُ
وبغدادُ ما بغدادُ أمَّا ترابُها … فكحلٌ وأمَّا حرُّها فشديدُ
وأغزى هارونُ الصائفةَ عبد الملك بن صالح بن علي.
وحجَّ هارون على طريق البصرة، ودخلَها ووسَّعَ في جامعها من ناحية القبلة، وجعل طريقَه إلى المدينة، ففرَّق في أهلها أموالًا كثيرةً، وكان قد وقعَ بمكَة وباءٌ، فلم يدخلْها إلَّا يومَ التروية، وطاف طواف القدوم، وخرجَ إلى عرفات، ودخلها فطاف طواف الزيارة وقفلَ راجعًا، وكان قد أفردَ الحجّ (١).
روح بن حاتم
ابن قَبيصة بن المهلَّب بن أبي صُفْرة
كان وأخوه من وجوه دولة بني العباس، ولما مات يزيد (٢) وليَ إفريقيَّة روح.
رآه رجلٌ وهو نائمٌ على باب أبي جعفر في الشمس، فقال: يا روح طال وقوفُك في الشمس، فقال: إنَّما وقفت فيها ليطولَ مقامي في الظل.
وبلغ أبا جعفر فولَّاه البصرة (٣).
منصور
مولى عيسى بن جعفر بن المنصور، ويلقب بزلزل، كان مغنِّيًا، ويُضرَب به المثل في
стр. 5897
الضرب بالعود، وعَمل ببغداد بركةً للسبيل، فقال إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه: [من الطويل]
لو أنَّ زهيرًا وامرأ القيسِ أبصرَا … مَلَاحةَ ما تحويهِ بركةُ زَلْزَلِ
لما وَصفا سَلْمى ولا أُمَّ سالمٍ … ولا أكثرا ذكرَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ (١)
وقال إبراهيم الموصلي: قال لي زلزل: عندي جاريةٌ قد علَّمتها الغناء، وإنَّ من صفتها كذا وكذا. فكنتُ أشتهي أن أراها وأستحي أن أسألَه، فلمَّا مات عرضوها للبيع، فصرتُ إلى ورثته فطلبتُها، فأخرجوها، وإذا جاريةٌ كاد الغزال يكونها، لولا ما تمَّ منها ونقص منه، فقلت لها: غنِّي، فغنَّت وعيناها تذرفان، ثم تنفست وشهقت، وظننتُ أنَّ نفسَها قد خرجت، فقمتُ فدخلتُ على الرشيد، وذكرتُ له حالها، فأمرَ بإحضارها وقال لها: غنِّي، فغنَّت وجعلَ البكاءُ يغلبُها، وهي تمنعه إجلالًا له، فرقَّ لها وقال: أتحبين أنْ أشتريكِ؟ فقالت: يا أميرَ المؤمنين، لقد (٢) عرضتَ عليَّ ما تقصرُ الآمالُ عنه، ولَمَّا خيرتَني وجبَ عليَّ نصحُك، والله لا يشتريني أحدٌ بعد زلزل فِينتفعُ بي، وليس من الوفاء أنْ ينتفع بي أحدٌ بعده، فزادَ رقَّةً عليها، وقال غنِّي، فغنَّت:
العينُ تُظهِر كتماني وتبديهِ … والقلبُ يَكتُمُ ما ضَمَّنتُهُ فيهِ
وكيف يَنْكَتِمُ المكنونُ بينهما … والعينُ تظهرهُ والقلبُ يخفيهِ
فاشتراها وأعتقَها، وأجرى عليها إلى أن توفيت.
* * *
стр. 5898
السنة الخامسة والسبعون بعد المئة
فيها عقدَ الرشيدُ البيعةَ لابنه محمد بن زبيدة، وقدَّمه على المأمون، وكانَ المأمونُ أكبرَ منه بأشهر، ولمحمدٍ يومئذٍ خمسُ سنين، وسببه أنَّ جماعة من بني العباس مدُّوا أعناقَهم إلى الخلافةِ بعد هارون؛ لأنَّه لم يكن له وليُّ عهد، فجاء عيسى بن جعفر بن المنصور إلى يحيى بن خالد (١)، فقال له: ألا تسعى في البيعةِ لابن أختي؟ فقدْ تطاولت أعناقُ بني هاشم إلى الخلافة، فأشارَ يحيى (٢) على هارون بذلك، فعقدَ العقدَ من بعده لمحمد، وسمَّاه الأمين، وبايعَ له القوَّادُ والجند ببغداد، فقال سلم الخاسر: [من الكامل]
قد وفَّقَ الله الخليفةَ إذْ بَنى … بيتَ الخلافة بالأغرِّ الأزهرِ
فهو الخليفةُ عن أبيه وجدِّه … شَهِدا عليه بمنظرٍ وبمخبرِ
قد بايعَ الثقلانِ للمهدي الهدى (٣) … بمحمدِ بن زبيدةَ ابنةِ جعفرِ
ولما عقدَ الرشيدُ البيعةَ لمحمد أنكرَ ذلك بنو هاشمٍ لصغرِ سنِّه.
وقيل: إنَّ عيسى بن جعفر قال للفضل بن يحيى وقد وليَ خُراسان: أَنشدُكَ الله لما عملت في البيعة لابن أختي، فإنَّه ولدُك، وخلافتُه لك، فوعدَه أن يفعل، وتوجَّه الفضلُ إلى خراسان ففرَّق الأموال في أهلها، وبايعَ لمحمد ولقَّبه الأمين، فقال الشاعر: [من البسيط]
قد وكَّدَ الفضلُ عقدًا لا انتقاضَ له … لمصطفًى من بني العباس مُنتخبِ
ببيعةٍ لوليِّ العهدِ أحكَمَها … بالنصحِ منهُ وبالإشفاقِ والحدَبِ
وبلغ الرشيدَ أنَّ أهل خراسانَ والمشرق قد بايعوا محمد، فكتبَ إلى الآفاق بالبيعة له، وأخذَها على أهل بغداد وبني هاشم والخواص والعوام (٤).
стр. 5899
وكان الرشيد يقول: إني لأتعرف في عبد الله حزمَ المنصور، ونسكَ المهدي، وعزَّةَ نفسِ الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابعة فيَّ لنسبتُه، والله إنِّي لأرضى سيرتَه، وأحمدُ طريقتَه، وأستحسن سياستَه، وأرى قوَّته وذهنَه، وآمنُ ضعفَه ووهَنَه، وإنِّي لأقدِّمُ محمَّدًا عليه، وأعلمُ أنَّه منقادٌ لهواه، مبذِّرٌ لما حوته يداه، مشاركٌ للنساءِ والإماء في رأيه، ولولا أم جعفر وميل بني هاشم إليه لقَدَّمتُ عبد الله عليه، فقال: [من الطويل]
لقد بانَ وجهُ الرأي لي غيرَ أنَّني … غُلِبْتُ على الأمر الذي كان أحزَما
فكيفَ يُردُّ الدَّرُّ في الضرعِ بعد ما … توزَّعَ حتى صار نهبًا مقسَّمَا
أخافُ التواءَ الأمرِ بعد استوائِه … وأنْ يُنْقَضَ الحبلُ الذي كان أُبرِمَا (١)
وفيها غزا الصائفة عبدُ الملك بن صالح، فأصابَهم برد شديدٌ سقطَت منه أيديهم وأرجلُهم. وحجَّ بالناس الرشيد.
فصل وفيها توفي
اللَّيثُ بن سعد
ابن عبد الرَّحمن، أبو الحارث الفَهْميُّ المصري، مولى خالد بن ثابت الفهمي، وقيل: مولى قيس. إمامُ أهل مصر وقاضيهم وفقيهُهم وعالمُهم وجوادُهم.
من الطبقة الخامسة من أهل مصر، ولد سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقةً كثيرَ الحديث صحيحَه، وكان قد اشتغلَ بالفتوى في زمانه بمصر، وكان سريًّا من الرجال نبيلًا سخيًّا، له ضيافة.
وولد بقريةٍ أسفلَ مصر يقال لها: قَرْقَشَنْدَة، وكان يَفْضُلُ على الإخوان سخاءً، وعقلًا، وشجاعةً، وحلمًا، وجودًا، وفقهًا، وعلمًا بالقرآن والفقه والحديث والشعر وأيَّام العرب (٢).
وقال أبو صالح: كنَّا على باب مالك بن أنس، فامتنعَ علينا، فقلنا: ليسَ يشبهُ هذا صاحبنا، فسمعَ مالك كلامنا، فأذن لنا، فدخلنا عليه، فقال: من صاحبكم؟ فقلنا:
стр. 5900
الليث بن سعد، فقال: تشبهوني برجلٍ كتبنا إليه في قليل عصفر نصبغُ به ثيابنا، فبعثَ إلينا ما نصبغُ به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا (١)، وبعنا الفضلةَ بألف دينار.
وقال شعيبُ بن الليث: خرجتُ مع أبي حاجًّا، فقدمَ المدينة، فبعثَ إليه مالك بن أنس بطبق فيه رطب، فجعلَ في الطبقِ ألفَ دينار وردَّه إليه.
وكان الليث يستغلُّ كلَّ سنةٍ عشرينَ ألف دينار -وقيل: ثمانين ألف دينار- وكان يفرِّقُها في العلماء والقُصَّاد، وما وجبَ عليه زكاةٌ قط.
وأعطى ابنَ لهيعة ألف دينار، ومنصورَ بن عمار ألفَ دينار، وجاءت إليه امرأةٌ بسُكُرُّجة، فقالت: يا ابا الحارث، إنَّ لي ابنًا عليلًا ويشتهي عسلًا، فقال الليث: يا غلام، أعطِها مرطًا من عسل.
والمرطُ مئة وعشرون رطلًا.
وأقام الليث عشرين سنة لا يتغدَّى ولا يتعشَّى إلا مع الناس، يطعمهم الهرايسَ والحلوى.
وولي القضاءَ بمصر ثلاثينَ سنة، لم يستحلَّ أنْ يغرسَ ريحانةً يشمُّها.
وكان يُطعِمُ في كلِّ يوم ثلاثَ مئة مسكين، ويبعثُ إلى مالك بن أنس في كلِّ سنة بخمس مئة دينار (٢).
وقال منصور بن عمار: قدمتُ مصر، فتكلَّمت في جامعها، فإذا رجلانِ قد وَقَفا على الحلقة فقالا: أجب الليث بن سعد، فقمتُ ومضيتُ معهما، فدخلتُ عليه، ولم أكن رأيته، فقال: أنت المتكلِّم في المسجد؟ قلت: نعم، قال: ردَّ عليَّ الكلامَ الذي تكلَّمت به، قال: فأخذت في ذلك المجلسِ بعينه، فرقَّ وبَكى حتَّى رحمتُه، ثم قال: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ قلت: من بغداد، وأنا منصور بن عمار. قال: أبو السري؟
стр. 5901
قلت: نعم. قال: الحمدُ لله الذي لم يمتني حتَّى رأيتُك، فدفعَ إليَّ ألفَ دينار، وقال: صنْ هذا الكلام أنْ تقف به على أبوابِ السلاطين، ولا تمدحنَّ أحدًا مَن المخلوقين بعد مدحتك لربِّ العالمين، ولكَ عليَّ في كل سنة مثلها، ولا تعلم ابني شعيبًا فتهونَ عليه، فقلت: يرحمك الله، إن الله قد أحسن إليَّ وأنعم عليَّ، فقال: لا تردَّ عليَّ شيئًا أصلُك به، ثم قال: لا تبطئ علي، فأتيتُه في الجمعة القابلة، فقال: اذكر شيئًا، فذكرت، فبكَى كثيرًا، ودفع إليَّ خمس مئة دينار كانت تحت وسادته، فقلت: أريد الحج فقال: إذا عزمت فعد إلي، فأتيتُه فودعته، وتكلَّمت فبكَى بكاءً كثيرًا، وأعطاني ثلاثَ مئة دينار وأَربعين ثوبًا، وقال: هذه بسبب إحرامِك وأصحابك، ودفعَ إليَّ الجاريةَ التي حملت الثياب، فأخذتُها.
قال أبو نعيم: وأعطاه شعيب بن الليث ألفَ دينار إلا عشرة (١)؛ لئلَّا يساوي أباه في العطية.
وكان الرشيدُ قد حلفَ بطلاقِ زوجته زبيدة أنَّه من أهلِ الجنة، فاستفتَى فقهاءَ العراق فلم يجد عندهم فَرَجًا، فاستقدَم الليث وسألَه بمحضر من الفقهاء قال: يا أمير المؤمنين أخلني، فأخلاه، فقال: هل نهيتَ نفسك عن هواها قط؟ قال: نعم، فقرأ الليث: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢) [النازعات: ٤٠ - ٤١]، فقال هارون: أحسنت، ثم أعطاهُ الأموال والتُّحف والخلع، وكان على رأس هارون خادمٌ اسمه لؤلؤ، فقال: وهذا، فأعطاه إيَّاه، وبعثت إليه زبيدة بأضعاف ذلك.
وقال سعيد الآدم: قال الليث بن سعد: اكتب لي أسامي من يلازم المسجد وليس له بضاعةٌ ولا غلة، فأخذتُ القُنْدَاق (٣) وكتبتُ فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم قلت: فلان بن فلان، وفلان بن فلان، ولم أكتب شيئًا، ثم نمت، فأتانى آتٍ في منامي فقال: ويحك يا سعيد، تأتى إلى قومٍ عاملُوا الله سرًّا فتكشفهم لآدميّ؟ مات اللَّيث
стр. 5902
وماتَ شعيب، أليس مرجعُهم إلى الذي عاملوه؟ فقمت من منامي وبكيت بكاءً شديدًا، فلما طلعَ الصباح دخلتُ على الليث والقنداق في يدي، فلمَّا رآني تهلَّل وجهُه، فناولتُه القنداق، وليس فيه شيءٌ سوى البسملة فقط، فقال لي: ما الخبر؟ فأخبرته، فصاح صيحةً عظيمةً، بحيثُ اجتمع عليه الخلق، ثم غشي عليه، ثم أفاقَ وهو يبكي ويقول: صدق؛ مات الليث، ومات شعيب، أليس مرجعهم إلى الذي عاملوه (١)؛ وكان سعيدٌ من الأبدال.
ذكر وفاته:
مات في شعبان لأربعَ عشرة خلت منه سنة خمس وسبعين ومئة، وقيل: سنة أربعٍ وسبعين، وبلغ اثنتين وثمانين سنة.
أسند عن خلقٍ من التابعين حتى قيل: إنَّه أدرك نيِّفًا وخمسين من التابعين، وروى عنه جمٌّ غفير، وأثنى عليه الأئمة.
وقال الشافعيُّ ﵀: ما فاتني أحدٌ تأسَّفت عليه مثل ما أسفت على الليث بن سعد وابن أبي ذئب.
واتفقوا على صدقِه وأمانتِه وثقته وفضله وزهده وكرمه، حتى قال الإمام أحمد ﵁: كانَ الليثُ كثيرَ العلم، صحيحَ الرواية، ثبتًا ثقةً. وكان يفضِّله على أقرانه من الأئمة.
واجتمعَ الليثُ بالمنصور في البيت المقدس، فقال: الحمدُ الله الذي جعلَ في رعيَّتي مثلك، ولقد سرَّني ما رأيت من سداد عقلك، وإني أريدُ أن أقلِّدك مصر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي من الموالي، وأنا ضعيف، قال: فأشر عليَّ لمن أقلدها؟ فقال: لعثمان بن الحكم الجُذَامي، له صلاحٌ وعشيرة، فبلغ ذلك عثمان، فعاهدَ الله أن لا يكلِّم الليث، فلم يكلِّمه حتى مات رحمة الله تعالى عليه.
* * *
стр. 5903
السنة السادسة والسبعون بعد المئة
فيها ظهر يحيى بنُ عبد الله بن حسن بن حسن بالدَّيلم، وقويت شوكتُه، واستفحلَ أمره، وجاءه الناس من الأمصار، فاشتدَّ ذلك على هارون، فجهَّز إليه الفضلَ بن يحيى بن خالد، وولَّاه طبرستان وإرمينية وأذْرَبيجان ودنباوند والجبال، فسارَ في خمسين ألفًا من صناديد القوَّاد (١)، ومعه الأموال والخزائن، وخرج إليه الشعراء والقصَّادُ، فأعطاهم فأكثر، وسارَ إلى الديلم، وكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشدَه الله في نفسه، وحذَّره ما جرى على أهله، ونزلَ الفضل بالطالقان، والرسلُ تتردَّدُ بينه وبين يحيى، وجعل الفضل يكاتبُ صاحبَ الديلم، وجعلَ له ألفَ ألف درهم؛ على أنْ يُسهِّلَ خروجَ يحيى إلى ما قبله، وحُمِلت إليه، فأجابه يحيى إلى الصلح، على أن يكتبَ له هارون كتابًا بخطّه، فكتب [الفضل بن] يحيى إلى هارون، فسُرَّ بذلك وأجابَه، وكتبَ الكتاب بخطه، وأشهدَ عليه القضاةَ والفقهاءَ وجِلَّة بني هاشم وأشرافهم، كعبد الصمد بن عليّ، والعباس بن محمد، [ومحمد] (٢) بن إبراهيم، وموسى بن عيسى وأشباههم، ووجَّه به مع هدايا وألطاف، وعَظُم موقعُ الفضل عنده، فلمَّا وصل الكتاب إلى الفضل بعثَ به إلى يحيى، فقدمَ عليه يحيى، فقدمَ به إلى بغداد، فلقيهُ الرشيدُ بكلِّ ما أحبّ، وأمرَ له بمالٍ كثيرٍ، وأنزلَه فِي منزل يحيى بن خالد، وأمرَ الناس بالتسليم عليه، وأكرمَه الرشيدُ غايةَ الإكرام، فقال مروان بن أبي حفصة: [من الطويل]
ظَفِرتَ فلا شَلَّتْ يدٌ برمكيَّةٌ … رَتَقْتَ بها الفَتْقَ الذي بين هاشمِ
على حينَ [أعيا] الرَّاتقينَ التئامُه … فكَفُّوا وقالوا ليسَ بالمُتلائمِ
فأصبحْتَ قد فازتْ يداكَ بخُطَّةٍ … من المَجْدِ باقٍ ذكرُها في المواسمِ
من أبيات.
وقال أبو ثُمامة: [من الكامل]
стр. 5904
للفضلِ يومُ الطَّالقانِ وقبلَهُ … يومٌ أناخَ به على خاقانِ
ما مثلُ يومَيه اللذينِ تواليا … في غرزتين تواليا سيَّانِ (١)
سدَّ الثغورَ وسدَّ (٢) ألفة هاشمٍ … بعد الشَّتاتِ فشَعْبُها مُتدانِ
عصمَتْ حكومتُه جماعةَ هاشمٍ … من أن يجرَّدَ بينها سيفانِ
تلكَ الحكومةُ لا التي من أجلها … عظُم المِرَا وتفرَّق الحكمانِ
فأعطاه الفضل مئة ألفِ درهم.
ولما قُدِم بيحيى من الديلَم قال له عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن: يَا عمّ، أخبرني خبرَك، فقال: يَا ابن أخي، والله إنْ كنتُ إلَّا كما قال حُيي بن أخطب: [من الطَّويل]
لعمرُك ما لامَ ابنُ أخطبَ نفسَهُ … ولكنَه من يخذُلِ الله يُخذَلِ
يجاهدُ حتَّى أبلغَ النفسَ عذرَها … وقلقلَ يبغي العزَّ كلَّ مُقَلقلِ
ثم إن الرشيد غضب على يحيى بن عبد الله وقيَّدَه وكبَّله بالحديد بعد الإيمانِ والمواثيق.
وفيها هاجت الفتنة بالشَّام بين النزاريَّة واليمانية، ورأسُ النزارية أبو الهيذام، وكان عاملُ الرشيد على الشَّام موسى بن عيسى، وقُتِل من الفريقين جماعةٌ كثيرة، فولَّى الرشيدُ موسى بن يحيى بن خالد، فسار إليها في القوَّاد والعساكر فأصلحَ بينهم، وأقدَمهم بغداد، فردَّ الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى بن خالد، فعفا عنهم، فقال إسحاق بن حسان الخُريمي (٣) من أبيات: [من الكامل]
فلكل ثغرٍ حارسٌ من قلبهِ … وشعاعُ طَرْفٍ ما يُفَتَّرُ سامي
حتَّى تَنَخْنَخَ ضاربًا بجِرَانِه … ورَسَتْ مَراسيهِ بدارِ سلامِي
وفيها عزلَ الرشيدُ موسى بن عيسى عن مصر، وولَّاها جعفر بن يحيى بن خالد.
وسببُه أنَّ الرشيد بلغه أن موسى بن عيسى يريد أن يخلعه، فقال: والله لا عزلتُه إلَّا
стр. 5905
بأخسّ مَن على بابي، فقال لجعفر بن يحيى: ولِّ مصر أحقر من على بابي وأخسّ، فنظر، فإذا عمر بن مِهْران كاتب الخيزران، وكان مشوَّه الخلقة، يلبس ثيابًا خسيسة، ويركبُ بغلًا ويردفُ غلامه خلفه، فقال: أتولَّى مصرَ على أن يكون إذني إذا صلحت البلاد، فقيل له: نعم، فسار، فدخلَها، وخلفَه غلامٌ على بغل الثقل (١)، فقصدُوا دار موسى بن عيسى، فجلسَ في أُخرياتِ النَّاس، فلمَّا تقوَّضَ المجلسُ قال له موسى: ألكَ حاجة؟ فرمى إليه بالكتاب. قال: لعن الله فرعون حيثُ قال: أليسَ لي ملك مصر، ثم سلم إليه مصر، فمهَّدهَا ورجعَ إلى بغداد وهو على حاله.
وفيها عزل الرشيدُ الغطريفَ بن عطاء عن خُراسان، وولَّاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخزاعيّ، وكان حمزةُ يلقَّب بالعروس (٢).
وفيها عقدَ الرشيدُ لابنه عبد الله المأمون العقدَ بعد أخيه الأمين، وولَّاه المشرق، وكتب بينهما كتابًا، وعلَّقه في الكعبة (٣).
وحج بالناسِ سليمان بن المنصور، وحجَّت في هذه السنة زُبيدة، وأمرت ببناءِ المصانع والبرك.
فصل وفيها توفِّي
إبراهيم بن صالح
ابنِ عليّ بنِ عبد الله بن عباس.
وليَ دمشق وفلسطين ومصر للمهدي، والجزيرةَ للهادي، وكان من وجوهِ بني العباس، وكان جوادًا ممدحًا، وفدَ عليه عبَّاد بن عبَّاد الخوَّاص، فقال له: عظني، فقال: إنَّ أعمال الأحياءِ تُعْرَضُ على أقاربهم من الموتى، فانظرْ ماذا يعرضُ على رسول الله ﷺ من عملك، فبكَى إبراهيمُ حتَّى سالت دموعُه على لحيته (٤).
стр. 5906
إبراهيم بن علي
ابن سَلمة بن عامر بن هَرْمة، أبو إسحاق الفهريّ الشَّاعر.
كان الأصمعيّ يقول: خُتِمَ الشعرُ بابن هَرْمة، هو آخر الحُجَج.
وقدم رجلٌ من أهل الشَّام المدينة، قال: فأتيتُ منزل ابن هَرْمة، فإذا ببنيةٍ له صغيرة تلعبُ بالطين، فقلت لها: ما فعل أبوك؟ قالت: وقد إلى بعض الأجواد، فما لنا به علم منذ زمن. قال: فقلت: أنا ضيفُك فانحري لي ناقةً، قالت: والله ما عندنا ناقة. قلت: فشاة، قالت: لا والله ما عندنا شاة. قلت: فدجاجة، قالت: والله ولا دجاجة. قلت: فبيضة، قالت: والله ولا بيضة. قلت: فباطل ما قال أبوك: [من المنسرح]
كم ناقة قد وجأتُ منحرَها … بمُستَهل الشؤبوب أو جَمَلِ
قالت: فذاك الفِعال من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليسَ عندنا شيء (١)
صالح بن بشر القارئ
أبو بشر، من الطَّبقة الخامسة من أهل البصرة.
قال عبد الرَّحْمَن بن مهدي: كنت إذا ذكرتُ صالحًا المُزي لسفيان الثَّوريّ يقول: القَصص القصص، كأنَه يكرهه، وكانت إذا كانت له حاجةٌ بكَّر فيها، فبكَّر يومًا وبكَّرتُ معه، فجعلتُ طريقنا على مسجد صالح، فقلتْ يَا أَبا عبد الله، ندخلُ فنصلِّي في هذا المسجد، فدخلنَا فصلَّينَا، وكان يوم مجلس صالح، فلمَّا صلَّوا ازدحم النَّاس، فبقينا لا نقدرُ أن نقوم، وتكلَّم صالح، فبكَّى سفيان بكاءً شديدًا، فلما فرغَ وقام قلت له: يَا أَبا عبد الله، كيف رأيتَ هذا الرَّجل؟ فقال: ليس هذا بقاصّ، هذا نذير قوم.
وقال عفان بن مسلم: كنَّا نأتي مجلسَ صالح وهو يقصّ، وكان إذا أخذ في قَصصه كأنَّه رجلٌ مذعورٌ من كثرة حزنه وبكائه، يفزعكَ أمرُه، كأنَّه ثكلى، وكان شديدَ الخوف من الله تعالى، كثيرَ البكاء.
стр. 5907
وكان صالح يقول: للبكاء دواعٍ؛ الفكرة في الذنوب، فإن أجابت القلوب، وإلَّا نقلتَها إلى الموقف وتلك الشدائدِ والأهوال، فإن أجابت إلى ذلك، وإلَّا فاعْرِض عليها التقلُّبَ في أطباق النيران، ثم صاح وغُشيَ عليه، وتصايحَ النَّاس من نواحي المجلس.
وعزَّى رجلًا على ابنه فقال: لئن كانت مصيبتك (١) لم تُحدِث لك موعظةً من نفسك، فمصيبتك في نفسك أعظمُ من مصيبتك في ابنك.
وأقدمه المهديُّ إلى بغداد، فدخلَ عليه وهو راكبٌ على حِماره إلى بساط المهدي، فقال لولديه موسى وهارون -وهما وليا العهد-: قوما إلى عمِّكُما فأنزلاه، فلمَّا انتهيَا إليه، أقبلَ صالح على نفسه وقال: ويلك يَا صالح، لقد خبتَ وخسرتَ إنْ كنت عملتَ لهذا اليوم.
وقال صالح: جاورتُ بمكَّة، فبينا أنا بالمسعى إذا برجلٍ قابضٍ على يد جارية حبشيَّة، وهو ينادي عليها: هل من زائدٍ على عشرة دنانير، مع البراءة من كل عيب؟ فنظرتُ إلى جاريةٍ مغمضة العينين، وعليها أنوار المعرفة، فقلت: وما عيبُها؟ قال: لا تأنسُ بأحدٍ، وتصومُ النهار، وتقوم الليل، وتبكي دائمًا، فقلتُ في نفسي: ما أحسنَ هذه العيوب، فاشتريتُها، وأتيتُ بها المنزل، فلمَّا استقرَّ بها الجلوس فتحت عينها وقالت: يَا سيدي الصغير، من أثبت؟ قلت: من العراق، قالت: مرحبًا وأهلًا معدن الزهاد والعُبَّاد، قلت: فمن تعرفين منهم؟ قالت: أعرفُ بشرًا الحافي ومعروفًا الكرخي ورابعة العدوية، وعدَّدت جماعةً، قلت لها: وكيف عرفتيهم؟ قالت: ها أولئك هم الأدلَّاء وأطبَّاء القلوب، فكيف لا أعرفهم؟ ثم قالت: فما الاسم؟ قلت: صالح، قالت: أبو بشر القارئ؟ قلت: نعم، قالت: ما كان أشوقني إلى لقائك، أسألك بالله أن تقرأَ عليّ، فأخذتُ في الاستعاذة، فما أتممتُها حتَّى غُشي عليها، ثم أفاقت، فقالت: اقرأ، فقرأتُ البسملَة، فغُشي عليها، فلمَّا أفاقت قالت: هذا على الصفة، فكيف على المعاينة؟ ثم قرأتُ: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ الآيات [غافر: ٧١ - ٧٢] فقامت قائمة وصاحت: ولم هذا،
стр. 5908
وما قبَّلنا صليبًا ولا شددنا زنارًا، ومن قبل أن يُقْذَف بنا في بطون أمهاتنا وأصلابِ آبائنا اعترفنَا لك بالتوحيد؟ ثم قرأتُ: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ فصاحت: وأين شفيعُ الكلِّ عنهم؟ ثم غُشي عليها، فلمَّا أفاقت قالت: اقرأ، فقرأت: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ فقالت: أي وحياتك، تعبُوا قليلا، واستراحوا طويلًا، ثمَّ بكَتْ وقالت: يَا سيدي الصغير، ألكَ حاجةٌ إلى سيِّدي الكبير؟ قلت: لا تفعلي، ودعيني أتلذَّذُ بخدمتك، فقالت: لا بدّ، قد اشتقتُ إليه، ثم مدَّت يديها ورجليها واستقبلَت القبلة وماتت.
وتوفِّي صالحٌ سنة ست وسبعين، وقيل: اثنتين وسبعين ومئة.
أسند عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، وخلق كثيرٍ من التَّابعين، ورَوى عنه عفَّان بن مسلم، واتفقوا على زهده وورعه وصلاحه.
وكان صالح مولًى لامرأةٍ من بني مُرَّة، فأعتقته، وكان حسن الصوت بالقراءة، واسم أم صالح ميمونة، خراسانية (١).
يحيى بن عبد الله
ابن حسن بن حسن بن عليّ ﵇، من الطبقةِ الخامسة من أهل المدينة.
قال محمَّد بن سماعة: بعث الرشيدُ إلى محمَّد بن الحسن والحسن بن زياد، فدخلا عليه، وأتي برجلٍ من آل أبي طالب يقال له: يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن، وأحضرَ السيفَ والنِّطعَ، والطالبيُّ يناشدُه الله ويقول: أينَ أمانُكَ؟ فأمرَ بدفع كتابه إلى محمَّد بن الحسن، فتأمَّله وقال: أمانٌ صحيح -يرفَعُ بها صوته- ودَمُ هذا الرَّجل حرام، فتغيَّر وجهُ هارون وقال: هذا أمانٌ لم أكتبه، وإنما أمرتُ من كتبه، وأنت تقول: إذا أمرَ إنسانٌ إنسانًا أن يَكتبَ كتابًا لم يلزمه حتَّى يكتبَه بنفسه، فقال محمَّد: إذا كان الأمرُ من العامَّة فنعم، وإن كان من الخاصَّة لزمَه ويحنث؛ لأنَّ كتابَ السلطان هو ما كُتِبَ بأمره، فقال له هارون: إنَّما يقوِّي هذا وأمثاله في الخروج علينا أَنْتَ وأمثالُك، ثم رَمى محمدًا
стр. 5909
بالدواة فشجَّه، فسال الدمُ على وجهه، فقال محمَّد: دمُه حرام، دمُه حرام، فرمَى بالكتاب إلى الحسن بن زياد، فنظرَ فيه وقال بصوت خَفيّ: أمانٌ صحيح، ودخلَ أبو البختري القاضي، فرمى إليه هارون بالكتاب، فنظرَ فيه، وقال: ليس هذا بأمانٍ صحيح، ودمُ هذا حلال، فاقتله ودمُه في عنقي، فصاح الطالبيُّ: يَا هارون، يقول لك محمَّد والحسن، وهما عالما الدنيا: هذا أمان صحيح، ولا تقبلُ منهما، ويقول لك هذا الفاسق الكذَّاب المدَّعي نسبًا لم يقره أبوه عليه وتسمعُ منه؟! وأمر هارون بقتل الطالبيِّ فقتل، وقام محمدٌ فخرج، قال الحسن بن زياد: فجعلَ يبكي في الطريق وينتحب، فقلت: أتبكي من الشجَّة؟ فقال: لا والله، بل على قربي منهم وتقصيري في حقِّ الطالبيّ، وحيث لم أحقق في الحال فيه مع أبي البختري، قال: فقلت: لقد قمتَ مقامًا لم يقم أحدٌ على وجه الأرض أشرفَ منه.
وقال ابن سعد: يحيى (١) رجعَ إلى المدينة، ومات بها، وأمه قُرَيبة بنت ركيح (٢) بن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد، فولدَ يحيى محمدًا، وأمُّهُ خديجة بنت إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد (٣) الله بن معمر.
* * *
стр. 5910
السنة السابعة والسبعون بعد المئة
فيها غزا الصائفة عبدُ الرَّزّاق بن عبد الحميد التغلبي.
وولَّى هارون مصرَ إسحاقَ بن سليمان بن عليّ، وعزل عنها جعفر بن يحيى، وعزل حمزة بن مالك عن خراسان وولاها الفضلَ بن يحيى مع سجستان والري.
وهبَّت ريحٌ شديدةٌ، وجاءت ظلمة عظيمةٌ فيها حمرة، وذلك ليلةَ الأحد لأربع بقين من المحرم، ثم عادت ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا منه، ثم عادتْ لليلة خَلَتْ من صفر (١).
وتحرَّكت الخوارجُ على هارون بالجزيرة.
وحجَّ هارونُ بالنَّاس.
شَريك بن عبد الله
ابن أبي شريك، أبو عبد الله القاضي النخَعيّ، من الطبقةِ السادسة من أهل الكوفة.
قال: كنت أضربُ اللبنَ بالكوفة، وأشتري دفاترَ أكتب فيها العلم.
وقال: أُكرِهتُ على القضاء، فقال له بعض أصحابه: أفأُكرِهت على أخذ الرِّزق.
وحجَّت الخيزران وهو على الكوفة، فخرجَ يتلقَّاها، فأبطأت عليه، فأقامَ بمكان يقال له شاهي، ويبسَ خبزُه، فجعل يبلُّه بالماء ويأكله، فقال العلاء بن المنهال: [من الوافر]
فإن كان الذي قد قلت (٢) حقًّا … بأنْ قد أكرهوكَ على القضاءِ
فما لك مُوْضِعًا في كلِّ يومٍ … تلقَّى من يحجُّ من النِّساءِ
مقيمًا في قرى شاهي ثلاثًا … بلا زادٍ سوى كِسَرٍ وماء
ولما ولي شريكٌ القضاءَ أُكرِهَ على ذلك، وأُقْعِدَ معه جماعة من الشُّرَط، ثم طابَ الشيخ من نفسه فقعد وحدَه، وبلغَ سفيان الثَّوريّ، فجاءَ فتراءى (٣) له، فلمَّا رآه قام له
стр. 5911
وأكرمَه وعظَّمه، وقال: يَا أَبا عبد الله، هل من حاجة؟ قال: نعم مسألة. قال: أو ليسَ عندك من العلم ما يُجزيك؟ قال: أحببت أن أذكرك فيها. قال: قل. قال: ما تقولُ في امرأةٍ جاءت فجلسَت في باب رجل، ففتح الرجلُ البابَ واحتملَها فأدخلها وفجرَ بها، على من يجب الحدُّ منهما؟ فقال: على الرَّجل دونها. قال: ولم؟ قال: لأنها مكرهة. قال: فلمَّا كان من الغد جاءت فتزيَّنت وتطيَّبت وجلست على الباب، ففتحَ الرجلُ الباب واحتملَها ففجرَ بها، على من الحد؟ قال: عليهما جميعًا. قال: ولم؟ قال: لأنها جاءت بنفسها وقد عرفت الخبرَ بالأمس. قال: وأنت كذا، كان عذرُك واضحًا حيث كان الشُّرَط يحفظونَك بالأمس، أيُّ عذرٍ لك اليوم؟ فقال: يَا أَبا عبد الله، أسمع أكلمك، فقال سفيان: ما كان الله ليراني أكلمك أو تتوب، فلم يكلِّمه حتَّى مات.
وكان سفيان الثَّوريّ يقول: أي رجل هو لو لم يفسدوه!
وكان لا يجلس للقضاء حتَّى يتغدَّى، ثمَّ يأتي المسجد فيصلي ركعتين، ثم يخرج من جيبه رقعةً فينظر فيها، وفيها مكتوب: ويحك يَا شريك، اذكر الصراط ودقَّته، والوقوفَ بين يدي الله تعالى.
وقال عمر بن الهيَّاج (١): أتت امرأةٌ شريكًا وهو في مجلسِ الحكم، فقالت: أنا باللهِ، ثمَّ بالقاضي، أنا امرأةٌ من ولد جرير بن عبد الله صاحب رسول الله ﷺ ، قال: وما الذي بك؟ قالت: ظلمَني الأمير موسى بن عيسى، وكان لي بستان على شاطئ الفرات، فيه نخلٌ، ورثتُه عن آبائي، فقاسمتُ إخوتي، وبنيتُ بيني وبينهم حائطًا، وجعلتُ فيه فارسيًّا في بيت يحفظُه، ويقوم بالبستان، فاشترى الأميرُ من إخوتي حصَّتهم، وساومني في حصَّتي فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة بعثَ بخمس مئة فاعل، فقلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرفُ من نخلي شيئًا، واختلطَ بنخلِ إخوتي، فقال: يَا غلام، طينة فختم، ثمَّ قال لها: خذي هذه واذهبي إلى بابه حتَّى يحضُر معك، فجاءت المرأةُ إلى بابه بالطينة، فأخذها الحاجبُ ودخلَ بها إليه وقال: أَعْدَى شريكٌ عليك، فدعا بصاحبِ شرطته وقال له: امضِ إلى شريك وقيل له: سبحان الله،
стр. 5912
امرأةٌ ادَّعت بدعوى ولم تصح، أعديتَها عليّ؟ فقال: إدن رأى الأمير أن يعفيني فليفعل، فقال: امضِ إليه ويلك، فقام وأمرَ غلمانَه أن يتقدَّموه إلى الحبس بفراشٍ وما يحتاجُ إليه، ثم جاءَ فوقفَ بين يدي شريك وقال: الأمير يقول لك: يَا سبحان الله، ما رأيتُ أعجبَ من أمرك، وأدَّى الرسالة، فقال: يَا غلام، خذ بيده واحملهُ إلى الحبس، فقال: قد عرفتُ والله أنَّك تفعل بي هذا، فقَدَّمت إلى الحبس ما يصلحني، وبلغَ موسى بن عيسى، فأرسلَ الحاجب إلى شَريك يقول: هذا رسول أيشٍ عليه؟ فلمَّا جاء الحاجب وأدَّى الرسالة قال: ألحقُوه بصاحبِه، فحُبِس، فلما صلى الأمير العصرَ بعث إليه بإسحاق بن الصباح الأشعثي وجماعةٌ من وجوه أهل الكوفة من أصدقاء شَريك، وقال: امضوا إليه فأبلغوه السَّلام، وقولوا له: إنَّ هذا ليس كالعامة، وقد استخفَّيت به، فجاؤوا إليه وأبلغوه السلامَ والرسالةَ. قال: من ها هنا من فتيان الحيِّ، فليأخذ كلُّ واحد بيد واحد إلى الحبس، قالوا: جادٌّ أَنْتَ؟ قال: إي والله؟ لئلَّا تحملُوا رسالةَ ظالم، فحُبِسوا.
فركبَ موسى بن عيسى في الليل إلى باب الحبسِ، فأخرجَهم جميعًا، فلمَّا كان من الغد جاء السجَّان إلى شَريك فأخبره، فختم قمطره وقال: يَا غلام الحقني به إلى بغداد، والله ما طلبنا هذا الأمر منهم، ولقد أكرهونَا عليه، وضمنُوا لنا الإعزازَ فيه، وركبَ بغلتَه ومضى حتَّى بلغ القنطرة، فبلغَ موسى فركبَ في موكبه ولحقَه، وجعلَ يناشده الله؟ يَا أَبا عبد الله، تثبَّت تحبسُ إخوانك! دعهم واحبس أعواني، فقال: إنَّما حبستُهم حيث مشوا في الظلم، والله لا أرجعُ حتَّى تردَّهم جميعًا إلى الحبس، فوقفَ مكانه حتَّى ردَّهم جميعًا إلى الحبس، ثم قال شريكٌ لأعوانه: خذُوا بلجامِ بغلةِ موسى إلى مجلس الحكم، فأخذُوا بلجامِه، وأتى المسجد فدخل وجلس للحكم، وقال: أين المتظلمة؟ فحضرت، فسوَّى بينهما في المجلس وقال: هذا خصمُك قد حضرَ، وهو جالسٌ معها بين يديه، فقال: أولئكَ يخرجونَ من الحبس قبل كلِّ شيء، قال شريك: أمَّا الآن فنعم، ثم قال: ما تقولُ فيما تدَّعيه هذه؟ قال: صَدَقَتْ. قال: فتردُّ عليها بستانها؟ قال: نعم. قال: وتعيدُ حيطانَها كما كان؟ قال: نعم أفعل، فقالت المرأة: وبيتُ الفارسيّ تبنيه، وتردُّ قماشه؟ قال: نعم. فقالت لشريك: جزاك الله من قاضٍ
стр. 5913
خيرًا، فقال لها: هل بقي شيء؟ فقالت: لا، فقام شريك من مجلسه، وأخذ بيد موسى، وقال: السلام عليك أيُّها الأمير، وأجلسَه معه، وقال: أتأمرُني بشيء، فضحكَ موسى: وأيّ شيء آمر؟! وانصرفَ (١).
وقال عمر بن الهيَّاج: كنت في صحابة شَريك، فأتيتُه يومًا، فخرج إليَّ في فروٍ وليس تحتَه قميص، وعليه كساء، فقلت له: قد أصبحت (٢) عن مجلس الحكم! فقال: غسلتُ أمس ثيابي، فلم تجفّ، وأنا أنتظرُ جفافها، اجلس، فجلستُ وجعلنا نتذاكرُ باب العبد يتزوَّجُ بغير إذن مولاه، ما تقول فيه؟ وكانت الخيزران قد وجَّهت على الطِّراز رجلًا نصرانيًّا، وكتبت إلى موسى بن عيسى: لا تعصي له أمرًا، فكان مطاعًا بالكوفة، وإذا بالنصرانيِّ قد خرجَ من زُقاقٍ، وبين يديه أعوانه وعليه جبَّةُ خزٍّ وطيلسان خَزّ، وهو على برذونٍ فاره، وبين يديه رجل مكتوفٌ وهو يصيح: واغوثاه بالله، أنا رجل مسلم، أنا بالله وبالقاضي، وإذا آثارُ السياط في ظهره، فصاحَ شَريك بالنصرانيِّ: دعه، فنزل وجاء، فجلس إلى شريك، فقال شريك للمسلم: ما الذي بك؟ فقال: أنا رجل أعمل الوَشيَ، وكراءُ مثلي في الشهر مئةُ درهم، أخذَني هذا فحبسني أربعةَ أشهر في طراز، وقد ضاعَ عيالي، ولم يعطني شيئًا، وطلبتُ منه اليوم أجرتي، فمدَّني وضربني (٣)، وكشف عن ظهره، فإذا فيه آثار السياط، فقال شريك للنصراني: قم فاجلس مع خصمك، فقال: يَا أَبا عبد الله، أصلحكَ الله أنا خادم السيدة، مُرْ به إلى الحبس، فقال له: قم ويلك فاجلس مع خصمِك، فقام فجلسَ معه، فقال شريك: ما هذه الآثار التي في ظهره؟ فقال: أنا ضربتُه بيدي، فألقى شريكٌ كساءه فدخل دارَه وأخرج سوطًا ربذيًّا، ثم ضربَ بيده إلى مجامع ثوب النصرانيّ، فألقاه، ثم جعل يضربُه بالسوط ويقول: والله لا ضربتَ بعدها مسلمًا، فهمَّ أعوانُه أن يخلّصوه، فقال شريك: مَنْ ها هنا من صبيان الحي، خذوا هؤلاء إلى الحبس، فهربوا، والنصرانيُّ يبكي ويعصر عينيه، والسوط يأخذه، ويقول: يَا ملعون، والنصرانيُّ يقول: ستعلم، ثم ألقَى السوط
стр. 5914
من يده في الدهليز وقال: يَا أَبا حفص، خُذْ فيما كنَّا فيه، ما تقول في العبد يتزوج بغير إذن مولاه؟ كأنَّه لم يصنع شيئًا، وقام النصرانيُّ إلى برذونه ليركبَه، فاستعصَى عليه، ولم يكن أحد يأخذ بركابه، فجعلَ يضربُه وشريك يقول له: ويحك ارفق به، فإنَّه أطوعُ لله منك، فقلت له: سيكون لهذا عاقبةٌ مكروهةٌ، فقال: أَعِزَّ أمرَ الله يعزُّكَ الله.
ودخل النصرانيُّ على موسى بن عيسى فقال: من فعل بك هذا؟ فقال: شريك، فقال: لا والله ما لي على شَريك اعتراض، ولا أتعرَّض له بشيء، ومضى النصراني من فوره ذلك إلى بغداد فلم يعد.
وقال الأصمعيّ: كان الرَّبيع يحملُ المهديَّ على شَريك، ويقول: هو فاطميّ، فدخلَ شريك يومًا على المهدي، فقال له: يَا أَبا عبد الله، أنتَ فاطميّ؟ فقال: يَا أمير المُؤْمنين، أعيذُك بالله أن تكونَ غيرَ فاطميّ، فقال: معاذ الله، والله إنَّني أحبُّ فاطمة بنت محمَّد ﷺ ، قال: ما تقول فيمن يبغضها؟ قال: لعنه الله، قال: فهذا يبغضها، وأشار إلى الرَّبيع، فقال الرَّبيع: لا والله، فقال شريك: ماجن فلم تذكرُ سيدةَ نساءِ العالمين في مجالس الرجال، فقال المهدي: أَنْتَ والله يَا أَبا عبد الله خيرٌ من الذي حملنِي عليكَ (١).
وقال المهدي: يَا شريك خنتَ في مال الله، فقال: يَا أمير المُؤْمنين لو خنتُ فيه لأتاكَ سهمك.
ودخلَ شريك على المهديّ، فقال: لا ينبغي لمثلك أن يقلَّد الحكم بين المسلمين، قال: ولم؟ قال: لخلافِك الجماعةَ وقولِك بالإمامة، فقال: أما قولك: إنَّني أخالفُ الجماعةَ، فعنهُم أخذتُ ديني، فكيف أخالفُهم؟ وأما قولك: لا ينبغي أن أقلَّدَ الحكم بين المسلمين فهذا أمرٌ ما طلبتُه، أنتم فعلتموه، فإنْ كان خطأً فاستغفرِ الله منه، وإنْ كان صوابًا فأمسكوا عليه. قال: فما تقول في عليّ؟ قال: ما قال فيه جدُّك العباس وابنه عبد الله، قال: فما قالا فيه؟ قال: أما العباس فمات وعليٌّ عنده أفضلُ الصَّحَابَة، وقد كان يرى كبراءَ المهاجرين يسألونَه عن النوازل، وما احتاج إلى أحدٍ قط، وما زالوا
стр. 5915
محتاجين إليه، حتَّى لحقَ بربِّه، وأما عبد الله فكان يضرب بين يديه بسيفين، وكان في حُروبه كلِّها رأسًا متَّبعًا، وقائدًا مطاعًا، فلو كانت إمامةُ عليٍّ جورًا لكانَ جدُّك أول من بعد عنها؛ لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله، فأطرقَ المهديُّ ولم يجبه.
ذكر سبب عزله:
تقدَّم إليه وكيلٌ لمُؤنسة جاريةِ المهدي مع خصمٍ له، فجعلَ الوكيلُ يستطيلُ على خصمه إدلالًا بمكانه من مؤنسة، فقال له شريك: كُفَّ لا أَبا لك، فقال: إليَّ تقول هذا وأنا وكيلُ مؤنسة؟ فأمر به فضرب عشر درر (١)، وبلغَ مؤنسة فقالت للمهدي: لا أنا ولا شريك، فعزلَه.
ذكر وفاته:
توفِّي بالكوفة يوم السبت مستهلَّ ذي القعدة سنة سبعٍ وسبعين ومئة، فشهدَ جنازته موسى بنُ عيسى وصلَّى عليه.
أسندَ شريك عن خلقٍ كثيرٍ من التابعين، ورَوى عنه ابن المبارك وغيره، وقد تكلَّموا فيه، فقال ابن سعد: كان شريك ثقةً مأمونًا كثير الحديث، إلَّا أنَّه كانَ كثير الغلط (٢).
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀: كان شريك من كبارِ العلماء الثِّقات، إلَّا أن قومًا قدحُوا في حفظه (٣).
وقال ابن المبارك: شريك أحفظُ بحديث الكوفيين من سفيان الثَّوريّ.
وقد أخرجَ عنه البخاريُّ ومسلم (٤).
* * *
стр. 5916
السنة الثامنة والسبعون بعد المائة
فيها سار الفضل بن يحيى بن خالد إلى خراسان عاملًا عليها لهارون، فأحسنَ السيرةَ بها، وبَنى المساجدَ والرِّباطات، وغزا ما وراء النهر، وخرجَ معه جماعةٌ منهم مروان بن أبي حفصة، ومدحَه بمقطَّعاتٍ منها: [من الطَّويل]
ألم ترَ أنَّ الجود من عهد آدمٍ … تحدَّرَ حتى صارَ في راحةِ الفضلِ
إذا ما أبو العباسِ راحتْ سماؤُه … فيا لك من هَطْلٍ ويا لكَ من وَبْلِ (١)
قال مروان: فاستفدتُ في سفرتي هذه سبع مئة أَلْف درهم (٢).
وخرج معه إبراهيم بن جبريل فولَّاه سِجستان، فجبى من الخراج أربعةَ آلاف أَلْف درهم، وعزلَها إبراهيمُ في ناحيةٍ من داره، وعملَ للفضل دعوةً عظيمة، وقدم له هدايا وألطافًا لم يقدِّمها غيرُه، فقال له الفضل: لم آتك لأسلبك نعمتك، وردَ الجميع، ولم يأخذ غيرَ سوط، وقال: هذا من آلةِ الفرسان، فقال إبراهيم: هذا مالُ الخراج، يأمرُ الأميرُ من يحمله، وكان أربعة آلاف أَلْف درهم، فقال الفضل: أما لكَ بيتٌ يسعُه؟ فأعطاهُ إيّاه.
ولما وصل الفضلُ بغداد استقبلَه الرشيد وبنو هاشم، فجعل يصل للرجل بألف أَلْف وأكثر، وبخمس مئة أَلْف (٣).
* * *
стр. 5917
السنة التاسعة والسبعون بعد المئة
فيها لَمَّا عاد الفضلُ بن يحيى من خراسان ولَّى هارونُ خراسان منصورَ بن يزيد بن منصور الحميري.
وعزل هارون محمدَ بن خالد بن بَرْمك عن حجابته، وقلَّدها الفضل بن الرَّبيع.
وفيها رجع الوليد الشاري من إرمينية إلى الجزيرة، واشتدت شوكته، وكَثُر تبعُه، ومال النَّاس إليه، وخافَ هارون منه، وجهَّز إليه الجيوشَ مع يزيد بن مزيد الشيباني، وتقاتلا، فبيَّتهُ يزيد على غرَّةٍ فقتلَه وقتلَ معظم أصحابه، وانهزم الباقون، وكان الوليد من الزهَّاد شجاعًا جوادًا، فقالت أخته الفارعة ترثيه -وقيل اسمها ليلى-: [من الطَّويل]
أيا شجرَ الخابور ما لك مُورقًا … كأنَّك لم تجزعْ على ابنِ طريفِ
فتًى لا يحبُّ الزادَ إلَّا من التُّقَى … ولا المالَ إلَّا من قنًا وسيوفِ
خفيفٌ على ظهر الجواد إذا غدا … وليسَ على أعدائِه بخفيفِ (١)
وكان هارون قد خاف منه خوفًا شديدًا، ونذرَ إن نجَّاه اللهُ منه أن يعتمرَ في تلك السنة، فاعتمرَ في شهر رمضان شكرًا لله تعالى، فلمَّا قَضى عمرتَه انصرفَ إلى المدينة فأقام بها إلى زمان الحجّ، وفرَّق في الحرمين أموالًا، ثم حجَّ بالناسِ وخرج ماشيًا من مكَّة إلى منى وعرفات، ونسكَ المناسك كلَّها ماشيًا.
مالك بن أنس
ابن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث (٢) بن غَيمَان بن خُثَيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح بن حِمير، وعِدادُه في بني تَيم بن مُرَّة من قريش إلى عبد الرَّحْمَن بن عثمان بن عبيد الله التَّيميّ، وكنيتُه أبو عبد الله، إمامُ دار الهجرة، من الطَّبقة السادسة من أهل المدينة.
стр. 5918
قال محمَّد بن عمر: سمعتُ مالكَ بن أنس يقول: قد يكونُ الحملُ ثلاثَ سنين، وقد حُمِل ببعض النَّاس ثلاثَ سنين، يعني نفسه (١).
ذكر صفته:
كان طويلًا عظيمَ الهامة، أصلع أبيضَ الرأس واللحية، شديد البياض إلى الشُّقرة، وكان لباسُه الثياب العدنيَّة الجياد، وكان يكرهُ حلق الشارب، ويراه من المُثَل، وكان نقش خاتمه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقيل له في ذلك، فقال: سمعتُ الله يقول عقيب هذه الآية: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤].
وكان يتختَّم في يساره، ويحوِّلُه إلى يمينه حين يتوضأ من الغائط والبول، وكان فصُّه حجرًا أسود، ونقشُّه سطران.
وكان إذا دخلَ بيتَه أدخل رجلَه وقال: ما شاء الله، فقيل له في ذلك فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩] وجنته بيته.
وقال: ما أفتيتُ حتَّى شهدَ لي سبعون أنِّي أهلٌ لذلك، منهم ربيعة ويحيى بن سعيد (٢)، قيل: فلو نهوك، قال: كنتُ أنتهي، لا ينبغي للرجل أنْ يرى نفسَه أهلًا لشيءٍ حتَّى يسألَ من هو أعلم منه.
وقال معن بن عيسى: كان مالك إذا أَرادَ أن يحدِّثَ بحديث رسول الله ﷺ اغتسلَ وتبخَّرَ وتطيَّبَ، فإذا رفعَ أحدٌ صوتَه عنده قال: اغضض من صوتك؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فمن رفعَ صوتَه عند حديث النبيِّ ﷺ ، فكأنمَّا رفعَ صوتَه فوق صوتِ رسول الله ﷺ .
وقال ابن مهدي: سأل رجلٌ مالكًا عن مسألة، فقال: لا أحسنُها، فقال الرَّجل: قد ضَرَبْتُ إليك من كذا وكذا لأسألكَ عنها، فقال مالك: إذا رجعتَ إلى أهلك ومكانك فأخبرهم أنِّي قد قلتُ لك: ما أحسنُها.
وقال عبد الله بن المبارك: ما رأيتُ رجلًا ارتفعَ مثل مالك بن أنس، ليس له كثيرُ صلاةٍ ولا صيام، إلَّا أن يكون له سريرة (٣) صالحة.
стр. 5919
وقال محمَّد بن عمر: لما دُعِيَ مالك بن أنس، وشُوور، وسُمِعَ منه، وقُبلَ قولُه، شَنِفَ النَّاس له، وحسدُوه، وبَغَوْهُ بكلِّ شيء، فلمَّا وَليَ جعفرُ بن سليمان على المدينة سَعَوْا به إليه، وكَثَّروا عليه عنده، وقالوا: إنَّه لا يرى أيمانَ بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذُ بحديثٍ رواه عن ثابت الأحنف في طلاق المكره أنَّه لا يجوز، فدعا جعفر بمالك، وقد غضب، واحتجَّ عليه بما رُقِيَ إليه عنة، ثم جرَّدَه ومدَّه وضربَه بالسياط، ومُدَّت يدُه حتَّى انخلَعَ كتفاه، وارتكِبَ منه أمرٌ عظيم، فوالله ما زال مالك بعد ذاك في رفعةٍ من الناس، وعلوٍّ من قدره، وإعظام النَّاس له، وكأنَّما كانت تلك السِّياطُ التي ضُرِبها حُلِيًّا حُلِّيَ به.
وكان مالك يأتي إلى المسجد، ويشهدُ الصلوات والجمعة والجنائزَ، ويعودُ المرضى، ويقضي الحقوقَ، ويجتمعُ إليه أصحابُه في المسجد، ثم تركَ الجلوس في المسجد، وكان يصلِّي ثم ينصرفُ إلى منزله، وترك شهود الجنائز، فكان يأتي أصحابَها فيعزِّيهم، ثم تركَ ذلك كلَّه، فلم يكن يشهدُ الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحدًا يعزِّيه، ولا يقضي له حقًّا، واحتمل النَّاسُ ذلك كلَّه له، وكانوا أرغبَ ما كانوا فيه وأشدَّه له تعظيمًا حتى مات، وكان إذا تكلَّم في ذلك يقول: ليس كلُّ الناسِ يقدرُ أن يتكلَّم بعذرِه.
وكان يجلسُ في منزله على ضجاعٍ له، ونمارق مطروحة يمنةً ويسرةً في سائر البيت لمن يأتيه من قريش والأَنْصار والناس، وكان مجلسُه مجلسَ وَقارٍ وحِلْم، وكان مَهيبًا نبيلًا، ليس في مجلسه شيءٌ من المراءِ واللغَطِ، ولا رفع صوت.
وكان له كاتبٌ اسمُه حبيب يقرأ عليه الحديث، وكان قد نَسخَ كتبَه، فكان يقرأُ للجماعة، وليس أحدٌ ممن يحضرُه يدنو ولا ينظر في كتابه ولا يستفهم؛ هيبةً لمالك (١).
ولَمَّا خرج محمَّد بن عبد الله بن حسن بالمدينة لزمَ مالك منزله، فلم يخرج منه حتَّى قُتِل مُحَمَّد.
وقال زيد بن داود: رأيتُ في المنام كأنَّ القبرَ انفرجَ، وإذا رسول الله ﷺ قاعد،
стр. 5920
والناس مُنْقَصِفون (١) له، فصاح صائحٌ: أين مالك بن أنس؟ فجاءَ مالك حتَّى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأعطاه شيئًا، فقال: اقسِمْ هذا على النَّاس، فخرجَ مالك يَقْسِمُه على النَّاس، فإذا هو مِسْكٌ يعطيهم إيَّاه.
وقيل أنْ سُئِل مالكٌ عن شيءٍ إلَّا قال قبل أن يتكلَّم: ما شاء الله. قالوا: فلو قال هذا في أخفى شيء لهُدِيَ فيه إلى الصواب.
وقال مالك: لما حجَّ المنصورُ دعاني فدخلتُ عليه، فحادثتُه، وسألني فأجبتُه، فقال: إنِّي قد عزمتُ أن آمر بكتبِك هذه التي وضعتها -يعني "الموطأ"- فتنسخَ نُسخًا، فأبعثَ إلى كل مصرٍ من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدونه إلى غيره، ويَدَعُوا ما سوى ذلك من هذا العلم المُحْدَث؛ فإنِّي رأيتُ أصلَ العلم روايةَ أهل المدينة وعلمهم، فقلت: يَا أمير المُؤْمنين لا تفعل هذا؛ فإن النَّاسَ قد سبقتْ إليهم أقاويل، وسمعُوا أحاديثَ ورَووا روايات، وأخذَ كلُّ قومِ ما سبقَ إليهم، وعَمِلُوا به، ودانوا به من اختلافِ النَّاس، وإنَّ ردَّهم عمَّا اعتقدوه شديد، فدعِ النَّاسَ وما هُم عليه، فقال: لو طاوَعْتَني على ذلك لفعلتُه وأمرتُ به.
وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنَّه نورٌ يضعُه الله في القلب.
ذكر وفاته:
قال إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس: اشتكى مالك أيامًا يسيرةً (٢)، فسألتُ بعضَ أهلنا عما قال عند الموت، فقال: تشهد، ثمَّ قال: لله الأمر من قبلُ ومن بعد، وتوفِّي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة، وصلى عليه عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وهو ابن زينب بنت سليمان بن عليّ، كان يعرف بأمِّه، ودفنَ بالبقيع، وكان يوم ماتَ ابنَ خمسٍ وثمانين سنة، وقيل: مات في صفر وقال معن بن عيسى: رأيتُ الفسطاط على قبر مالك بن أنس. وقيل: صلَّى عليه ابنُ أبي ذئب، ومات عن ستٍّ وثمانين سنة.