← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

السنة الثامنة والسبعون بعد المائة فيها سار الفضل بن يحيى بن خالد إلى خراسان عاملًا عليها لهارون، فأحسنَ السيرةَ بها، وبَنى المساجدَ والرِّباطات، وغزا ما وراء النهر، وخرجَ معه جماعةٌ منهم مروان بن أبي حفصة، ومدحَه بمقطَّعاتٍ منها: [من الطَّويل] ألم ترَ أنَّ الجود من عهد آدمٍ … تحدَّرَ حتى صارَ في راحةِ الفضلِ إذا ما أبو العباسِ راحتْ سماؤُه … فيا لك من هَطْلٍ ويا لكَ من وَبْلِ (١) قال مروان: فاستفدتُ في سفرتي هذه سبع مئة أَلْف درهم (٢). وخرج معه إبراهيم بن جبريل فولَّاه سِجستان، فجبى من الخراج أربعةَ آلاف أَلْف درهم، وعزلَها إبراهيمُ في ناحيةٍ من داره، وعملَ للفضل دعوةً عظيمة، وقدم له هدايا وألطافًا لم يقدِّمها غيرُه، فقال له الفضل: لم آتك لأسلبك نعمتك، وردَ الجميع، ولم يأخذ غيرَ سوط، وقال: هذا من آلةِ الفرسان، فقال إبراهيم: هذا مالُ الخراج، يأمرُ الأميرُ من يحمله، وكان أربعة آلاف أَلْف درهم، فقال الفضل: أما لكَ بيتٌ يسعُه؟ فأعطاهُ إيّاه. ولما وصل الفضلُ بغداد استقبلَه الرشيد وبنو هاشم، فجعل يصل للرجل بألف أَلْف وأكثر، وبخمس مئة أَلْف (٣). * * *

стр. 5917

السنة التاسعة والسبعون بعد المئة فيها لَمَّا عاد الفضلُ بن يحيى من خراسان ولَّى هارونُ خراسان منصورَ بن يزيد بن منصور الحميري. وعزل هارون محمدَ بن خالد بن بَرْمك عن حجابته، وقلَّدها الفضل بن الرَّبيع. وفيها رجع الوليد الشاري من إرمينية إلى الجزيرة، واشتدت شوكته، وكَثُر تبعُه، ومال النَّاس إليه، وخافَ هارون منه، وجهَّز إليه الجيوشَ مع يزيد بن مزيد الشيباني، وتقاتلا، فبيَّتهُ يزيد على غرَّةٍ فقتلَه وقتلَ معظم أصحابه، وانهزم الباقون، وكان الوليد من الزهَّاد شجاعًا جوادًا، فقالت أخته الفارعة ترثيه -وقيل اسمها ليلى-: [من الطَّويل] أيا شجرَ الخابور ما لك مُورقًا … كأنَّك لم تجزعْ على ابنِ طريفِ فتًى لا يحبُّ الزادَ إلَّا من التُّقَى … ولا المالَ إلَّا من قنًا وسيوفِ خفيفٌ على ظهر الجواد إذا غدا … وليسَ على أعدائِه بخفيفِ (١) وكان هارون قد خاف منه خوفًا شديدًا، ونذرَ إن نجَّاه اللهُ منه أن يعتمرَ في تلك السنة، فاعتمرَ في شهر رمضان شكرًا لله تعالى، فلمَّا قَضى عمرتَه انصرفَ إلى المدينة فأقام بها إلى زمان الحجّ، وفرَّق في الحرمين أموالًا، ثم حجَّ بالناسِ وخرج ماشيًا من مكَّة إلى منى وعرفات، ونسكَ المناسك كلَّها ماشيًا. مالك بن أنس ابن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث (٢) بن غَيمَان بن خُثَيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح بن حِمير، وعِدادُه في بني تَيم بن مُرَّة من قريش إلى عبد الرَّحْمَن بن عثمان بن عبيد الله التَّيميّ، وكنيتُه أبو عبد الله، إمامُ دار الهجرة، من الطَّبقة السادسة من أهل المدينة.

стр. 5918

قال محمَّد بن عمر: سمعتُ مالكَ بن أنس يقول: قد يكونُ الحملُ ثلاثَ سنين، وقد حُمِل ببعض النَّاس ثلاثَ سنين، يعني نفسه (١). ذكر صفته: كان طويلًا عظيمَ الهامة، أصلع أبيضَ الرأس واللحية، شديد البياض إلى الشُّقرة، وكان لباسُه الثياب العدنيَّة الجياد، وكان يكرهُ حلق الشارب، ويراه من المُثَل، وكان نقش خاتمه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقيل له في ذلك، فقال: سمعتُ الله يقول عقيب هذه الآية: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. وكان يتختَّم في يساره، ويحوِّلُه إلى يمينه حين يتوضأ من الغائط والبول، وكان فصُّه حجرًا أسود، ونقشُّه سطران. وكان إذا دخلَ بيتَه أدخل رجلَه وقال: ما شاء الله، فقيل له في ذلك فقال: سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩] وجنته بيته. وقال: ما أفتيتُ حتَّى شهدَ لي سبعون أنِّي أهلٌ لذلك، منهم ربيعة ويحيى بن سعيد (٢)، قيل: فلو نهوك، قال: كنتُ أنتهي، لا ينبغي للرجل أنْ يرى نفسَه أهلًا لشيءٍ حتَّى يسألَ من هو أعلم منه. وقال معن بن عيسى: كان مالك إذا أَرادَ أن يحدِّثَ بحديث رسول الله ﷺ اغتسلَ وتبخَّرَ وتطيَّبَ، فإذا رفعَ أحدٌ صوتَه عنده قال: اغضض من صوتك؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فمن رفعَ صوتَه عند حديث النبيِّ ﷺ ، فكأنمَّا رفعَ صوتَه فوق صوتِ رسول الله ﷺ . وقال ابن مهدي: سأل رجلٌ مالكًا عن مسألة، فقال: لا أحسنُها، فقال الرَّجل: قد ضَرَبْتُ إليك من كذا وكذا لأسألكَ عنها، فقال مالك: إذا رجعتَ إلى أهلك ومكانك فأخبرهم أنِّي قد قلتُ لك: ما أحسنُها. وقال عبد الله بن المبارك: ما رأيتُ رجلًا ارتفعَ مثل مالك بن أنس، ليس له كثيرُ صلاةٍ ولا صيام، إلَّا أن يكون له سريرة (٣) صالحة.

стр. 5919

وقال محمَّد بن عمر: لما دُعِيَ مالك بن أنس، وشُوور، وسُمِعَ منه، وقُبلَ قولُه، شَنِفَ النَّاس له، وحسدُوه، وبَغَوْهُ بكلِّ شيء، فلمَّا وَليَ جعفرُ بن سليمان على المدينة سَعَوْا به إليه، وكَثَّروا عليه عنده، وقالوا: إنَّه لا يرى أيمانَ بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذُ بحديثٍ رواه عن ثابت الأحنف في طلاق المكره أنَّه لا يجوز، فدعا جعفر بمالك، وقد غضب، واحتجَّ عليه بما رُقِيَ إليه عنة، ثم جرَّدَه ومدَّه وضربَه بالسياط، ومُدَّت يدُه حتَّى انخلَعَ كتفاه، وارتكِبَ منه أمرٌ عظيم، فوالله ما زال مالك بعد ذاك في رفعةٍ من الناس، وعلوٍّ من قدره، وإعظام النَّاس له، وكأنَّما كانت تلك السِّياطُ التي ضُرِبها حُلِيًّا حُلِّيَ به. وكان مالك يأتي إلى المسجد، ويشهدُ الصلوات والجمعة والجنائزَ، ويعودُ المرضى، ويقضي الحقوقَ، ويجتمعُ إليه أصحابُه في المسجد، ثم تركَ الجلوس في المسجد، وكان يصلِّي ثم ينصرفُ إلى منزله، وترك شهود الجنائز، فكان يأتي أصحابَها فيعزِّيهم، ثم تركَ ذلك كلَّه، فلم يكن يشهدُ الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحدًا يعزِّيه، ولا يقضي له حقًّا، واحتمل النَّاسُ ذلك كلَّه له، وكانوا أرغبَ ما كانوا فيه وأشدَّه له تعظيمًا حتى مات، وكان إذا تكلَّم في ذلك يقول: ليس كلُّ الناسِ يقدرُ أن يتكلَّم بعذرِه. وكان يجلسُ في منزله على ضجاعٍ له، ونمارق مطروحة يمنةً ويسرةً في سائر البيت لمن يأتيه من قريش والأَنْصار والناس، وكان مجلسُه مجلسَ وَقارٍ وحِلْم، وكان مَهيبًا نبيلًا، ليس في مجلسه شيءٌ من المراءِ واللغَطِ، ولا رفع صوت. وكان له كاتبٌ اسمُه حبيب يقرأ عليه الحديث، وكان قد نَسخَ كتبَه، فكان يقرأُ للجماعة، وليس أحدٌ ممن يحضرُه يدنو ولا ينظر في كتابه ولا يستفهم؛ هيبةً لمالك (١). ولَمَّا خرج محمَّد بن عبد الله بن حسن بالمدينة لزمَ مالك منزله، فلم يخرج منه حتَّى قُتِل مُحَمَّد. وقال زيد بن داود: رأيتُ في المنام كأنَّ القبرَ انفرجَ، وإذا رسول الله ﷺ قاعد،

стр. 5920

والناس مُنْقَصِفون (١) له، فصاح صائحٌ: أين مالك بن أنس؟ فجاءَ مالك حتَّى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأعطاه شيئًا، فقال: اقسِمْ هذا على النَّاس، فخرجَ مالك يَقْسِمُه على النَّاس، فإذا هو مِسْكٌ يعطيهم إيَّاه. وقيل أنْ سُئِل مالكٌ عن شيءٍ إلَّا قال قبل أن يتكلَّم: ما شاء الله. قالوا: فلو قال هذا في أخفى شيء لهُدِيَ فيه إلى الصواب. وقال مالك: لما حجَّ المنصورُ دعاني فدخلتُ عليه، فحادثتُه، وسألني فأجبتُه، فقال: إنِّي قد عزمتُ أن آمر بكتبِك هذه التي وضعتها -يعني "الموطأ"- فتنسخَ نُسخًا، فأبعثَ إلى كل مصرٍ من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدونه إلى غيره، ويَدَعُوا ما سوى ذلك من هذا العلم المُحْدَث؛ فإنِّي رأيتُ أصلَ العلم روايةَ أهل المدينة وعلمهم، فقلت: يَا أمير المُؤْمنين لا تفعل هذا؛ فإن النَّاسَ قد سبقتْ إليهم أقاويل، وسمعُوا أحاديثَ ورَووا روايات، وأخذَ كلُّ قومِ ما سبقَ إليهم، وعَمِلُوا به، ودانوا به من اختلافِ النَّاس، وإنَّ ردَّهم عمَّا اعتقدوه شديد، فدعِ النَّاسَ وما هُم عليه، فقال: لو طاوَعْتَني على ذلك لفعلتُه وأمرتُ به. وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنَّه نورٌ يضعُه الله في القلب. ذكر وفاته: قال إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس: اشتكى مالك أيامًا يسيرةً (٢)، فسألتُ بعضَ أهلنا عما قال عند الموت، فقال: تشهد، ثمَّ قال: لله الأمر من قبلُ ومن بعد، وتوفِّي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة، وصلى عليه عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وهو ابن زينب بنت سليمان بن عليّ، كان يعرف بأمِّه، ودفنَ بالبقيع، وكان يوم ماتَ ابنَ خمسٍ وثمانين سنة، وقيل: مات في صفر وقال معن بن عيسى: رأيتُ الفسطاط على قبر مالك بن أنس. وقيل: صلَّى عليه ابنُ أبي ذئب، ومات عن ستٍّ وثمانين سنة.

стр. 5921

أسندَ مالك عن أئمَّة التابعين، منهم الحسن وابن سيرين (١) والزهريّ والثوريّ (٢) وخلقٌ كثير، وروى عنه الأئمَّةُ الشَّافعيُّ وابنُ المبارك وابن وهب وغيرهم، ومعظمُ مذهبِ الشَّافعيِّ وأقواله القديمة عنه. واتَّفقوا على صدقِه وثقته وأمانته، فقال حنبل بن إسحاق: سألت أَبا عبد الله أَحْمد بن حنبل عن مالك، فقال: سيِّدٌ من ساداتِ أهلِ العلم، إمامٌ في الحديث وفي الفقه، ومن مِثْلُ مالك متبعٌ لآثار السلف مع عقلٍ وأدب. وقال ابن سعد: كانَ مالك ثقةً مأمونًا ثبتًا ورعًا فقيهًا عالمًا حجة (٣). * * *

стр. 5922

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الثالث عشر [١٨٠ - ٢٠٦ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه عمار ريحاوي - رضوان مامو

стр. 5923

السنة الثمانون بعد المئة فيها هاجت الفتنةُ في الشام بين القيسيةِ واليمانية وتفاقم أمرُها، فعظُم ذلك على هارون، فخاف من انتقاضِ الحبل، فقال لجعفرِ بن يحيى: إمَّا أن تخرجَ أَنْتَ أو أنا (١)، فقال: بل أنا يَا أميرَ المُؤْمنين. فتوجَّه إلى الشام بالجنود والقوَّاد، فأطفأ النَّائرة، وسكَّن الفتنة، وأَحسن إليهم، فاتَّفقوا، وصَلَحت الأحوال واستقامت الأمور. فعاد جعفر إلى العراق، وولَّى على البلقاءِ صالحَ بن سليمانَ (٢) بن عليّ، واستخلف على الشام عيسى بنَ العَكِّي، فلمَّا عاد إلى بغدادَ ارتفعت منزلتُه عند هارون، وقال منصورٌ النَّمَري: [من الطَّويل] لقد أُوقِدت بالشَّام نيرانُ فتنةٍ … فهذا أوانُ الشأم تُخمَدُ نارُها إذا جاش موجُ البحرِ من آل بَرْمَكٍ … عليها خبت شُهبانُها (٣) وشَرارها رماها أميرُ المُؤْمنين بجعفرٍ … وفيه تلاقى صَدْعُها وانجبارها رماها بميمون النَّقيبة ماجدٍ … تراضى به قَحطانُها ونِزارها لقد نشأت بالشَّام منه سحابةٌ … يؤمَّل جَدواها ويُخشى دَمارها فإنْ (٤) سالموا كانت سحابة نائلٍ … وغيثٍ وإلَّا فالدماءُ قطارها إذا ما ابنُ يحيى جعفرٌ قَصَدَت له … مُلِمَّاتُ خطبٍ لم تَرْعْه كبارها غدا بنجوم السَّعد مَن حلَّ رحلُه … إليك وعزَّت عُصْبةٌ أَنْتَ جارها من أبيات. وفيها قدم هارون سُور المَوصل لئلَّا يغلبَ عليها الخوارج، وكان قد خرج منهم جماعة. وفيها كانت بمصرَ والإِسكندرية زلازلُ عظيمة، ووقع رأس مَنارة سَكندريةَ في البحر.

стр. 5924

وفيها ولَّى هارونُ جعفرَ بن يحيى خراسان وسِجِسْتان، فولَّى عليها جعفرٌ محمَّد (١) بن الحسن بن قَحْطَبة، ثم عزل جعفرًا عنها وولَّى عليها عيسى بنَ جعفر، فكانت ولاية جعفرِ بن يحيى عليها عشرين ليلة. وفيها توفّي حسانُ بن سِنان ابن أبي أَوفى (٢) بن عوف، أبو العلاء التَّنوخي. ولد سنة ستِّين من الهجرة، وكان يكتب بالأَقلام المختلفة، واستكتبه السفَّاح، فكان يَحُلُّ التراجم التي تَرِد عليه. ورأى جماعةً من الصَّحَابَة، ودعا له أنسُ بن مالك، فخرج من أولاده الفقهاءُ والقضاة والرؤساء والصُّلحاء والكتَّاب والزهَّاد. وعاش مئةً وعشرين سنة. سَلمةُ بن صالح أبو إسحاقَ الجُعفيُّ الكُوفيّ القاضي، ويعرف بالأحمر. ولَّاه هارون قضاءَ واسط، فقدم إليه هُشيمُ (٣) بن بشير المحدِّثُ ومعه خصم له، فتعدَّى هُشيمٌ على الخصم ولَطَمه، فقال سلمة: يا هُشيم أَتظلم خصمَك في مجلس الحكم؟! ثم ضرب هُشيمًا (٣) عشر دِرَر، فعزَّ ذلك على مشيخة واسط، فحجُّوا ولقُوا هارونَ في الطَّواف، وقالوا: لسنا نطعُن في سلمة، إلَّا أنَّه ضرب شيخنا بالدِّرَّة، وسألوه عزلَه عنهم، فعزله، فقدم بغدادَ فأَقام بها حتَّى مات. وقال المعافَى بن زكريا: لما عُزل شريك عن القضاء، ركب يومًا ببغداد، فتعلَّق به رجلٌ فقال: يَا أَبا عبدِ الله، لي عندك ثلاثُ مئةِ درهم، قال: من أين؟ قال: ثمنُ هذا

стр. 5925

البغلِ الذي تحتك. ومشى معه إلى الجسر وعنده الأَعوان، فالتفت شريكٌ إليهم فقال: خذوا هذا فاحبسوه، وإنْ أطلقتموه لأُخبرنَّ صاحب الشُّرطة عبد الله بن مالك، فحبسوه، وقال له رجلٌ منهم: إن هذا تعلَّق بالأمس بالقاضي سلمةَ الأحمر فادَّعى عليه بأربع مئة درهم وأخذها، فقال: احتفظوا به. وأقام في الحبس مدَّة، فأرسل عبد الله صاحبُ الشرطة إلى شريكٍ يقول له: كم تحبس هذا الرَّجل؟ فقال: حتَّى يؤدِّيَ إلى سلمةَ أربع مئةِ درهم. فردَّها على سلمة، فجاء سلمةُ إلى شريكٍ يشكره، فقال له: يَا ضعيف! كلُّ مَن سألك مالك أعطيتَه إيَّاه؟! عافيةُ بن يزيد ابن قيس بن عافيةَ بن شدَّاد بن ثُمامة بن سَلَمة بن كعب بن أَوْد بن صَعْب بن سَعد العشيرة، الكوفيُّ، الأَودي (١). كان من أصحاب أبي حنيفةَ الذين يجالسونه، وكان الذين يذاكرون أَبا حنيفةَ جماعة، فإذا خاضوا في مسألةٍ وعافيةُ حاضر ووافقهم، أَمضَوها، وإنْ كان غائبًا، يقول أبو حنيفة: لا ترفعوها حتَّى يحضرَ عافية، فإذا حضر فإنْ وافقهم أَثبتوها، وإنْ خالفهم يقول أبو حنيفة: لا تُثبتوها. وقال ابن الأَعرابي: خاصم أبو دُلامَة رجلًا إلى عافيةَ في حكومة، فلم يتَّضح لعافيةَ فيها الحكم، فأقام سنةً يتأنَّى فيها، فقال أبو دُلامة: [من المتقارب] لقد خاصمَتْني دهاةُ الرِّجال … وخاصمتُها سنةً وافيه فما أدحض اللهُ لي حُجَّة … وما غيَّب (٢) اللهُ لي قافيه ومَن خفتُ من جَوره في القضا … فلستُ أخافك يَا عافيه وبلغ عافيةَ، فقال لأبي دلامة: هجوتَني لأشكونَّك إلى أمير المُؤْمنين، فقال له: لَئن شكوتني لَيعزلنَّك، قال: ولِم؟ قال: لأنَّك لا تعرف الهجوَ من المدح.

стр. 5926

وقال الأصمعيّ: كنت عند الرَّشيد، فرُفع إليه في عافية، فأُحضر، فجعل الرشيدُ يخاطبه ويوقفه على ما رُفع إليه، وطال المجلس، ثم إنَّ الرَّشيد عطس، فشمَّته مَن كان بالحضرة ممن قرب منه سواه، فقال له: ما بالُك لم تشمِّتني؟ فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، إنَّك لم تحمد الله، وذكر حديثَ النَّبِيّ ﷺ أنَّه عطس عنده رجلان فشمَّت أحدَهما ولم يشمِّت الآخرَ، فقال: يَا رسولَ الله، ما بالُك شمَّتَّ ذلك ولم تشمِّتني؟ فقال: "إنّه حمد الله فشمَّتناه، وأنت لم تحمدْه فلم أُشمِّتك" (١). فقال له الرشيد: اِرجع إلى عملك، فأنت لم تسامِح في عطسةٍ، تسامحُ في غيرها؟ وصرفه مُنصَرفًا جميلًا، وزَبَر القومَ الذي كانوا رفعوا عليه. استعفاؤه من القضاء: كان يتقلَّد القضاء للمهدي، وكان عالمًا زاهدًا، فصار إلى المهدي في وقت الظُّهر وهو خالٍ، فاستأذن عليه، فأذن له، فدخل ومعه قِمَطْره (٢)، فاستعفاه من القضاءِ واستأذن في تسليم القِمَطر إلى مَن يأمره، فظنَّ المهديُّ أن بعض الأولياء قد غضَّ منه وأَضعف يدَه في الحكم، فسأله، فقال: ما جرى شيءٌ من ذلك، قال: فما سببُ استعفائك؟ فقال: تقدَّم إليَّ خصمان موسِران وجيهان منذ شهرين في قضيَّة مشكلة، وكلٌّ يدَّعي بيِّنةً وشهودًا، ويُدلي بحجَّة تحتاج إلى تأمُّل وتثبُّت، فرددتُ الخصوم رجاءَ أن يصطلحوا أو يعنَّ لي وجهُ فصلِ ما بينهما، فوقف أحدُهما من خبري على أنِّي أحبُّ الرُّطَب بالسكَّر، فعمد في وقتنا -وهو أوَّلُ أوقات الرُّطب- إلى أن جمع لي رُطبًا سكرًا لا يتهيَّأ في وقتنا جمعُ مثلِه، ورشا بوَّابي بجملة دراهمَ على أن يُدخلَ الطبق إليّ، فلمَّا دخل بالطبق ووضعه بين يدي، أنكرتُ وسألت بوَّابي، فصدقني فطردتُه، وأمرت بردِّ الطبق، فلمَّا كان اليومُ تقدَّم إلي مع خصمه، فما تساويا في قلبي ولا في عيني، هذا يَا أميرَ المُؤْمنين ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلتُ! وقد فسد النَّاس، ولا آمَن أن يقعَ عليَّ حيلةٌ في ديني فأهلك، فأَقِلْني أَقالك الله، فأَقاله. ومات عافيةُ ببغدادَ، وكان ثِقَة.

стр. 5927

سيبويه النَّحويّ واسمه عَمرو بن عثمانَ بن قنبر (١)، أبو بِشر البَصْرِيّ. وكانت أمُّه ترقِّصه وهو صغير وتقول: سيب وَيْه، ومعناه: يَا رائحةَ التفاح (٢)، وكان طيِّب الرائحة. وقيل: سمّي بذلك لأنَّ وَجْنَتَيه كانتا كأنَّهما تفاحتان. وهو مولى بني الحارث بنِ كعب، وقيل: لآل الربيعِ بن زياد الحارثيّ. وكان يصحب المحدّثين والفقهاء ويطلب الآثارَ في أوَّل زمانه، وكان يستملي على حمَّاد بن سلمة، فلحن في حرف، فعابه حماد، فأَنِف ولزم الخليلَ بن أَحْمد. وكان من أهل فارسَ من البيضاء. وقال نَصر بن عليّ: برز من أصحاب الخليلِ أربعة: سيبويه، والنَّضر بن شُمَيل، وعليُّ بن نصر، والمؤرِّج السَّدوسي. وقال ابنُ عائشة: كنَّا نجلس مع سيبويه في المسجد، وكان شابًّا جميلًا نظيفًا، قد تعلق من كلِّ علم بسبب، وضرب في كلِّ أدب بسهم، مع حداثة سِنِّه، وبراعتِه في النحو وغيرِه، فتذاكرنا حديثَ قتادة، فذكر حديثًا غريبًا وقال: لم يروه إلَّا سعيدُ بن أبي العَروبة -بألفٍ ولام- قيل له: ما هذا؟ فقال: مَن قال: عَروبة، فقد أخطأ، لأنَّ العَروبة يومُ الجمعة. قال ابن سلام: فذكرت ذلك ليونُس، فقال: لله درّه فلقد أصاب. وقال السِّيرافي (٣): أخذ سيبويه اللغاتِ عن أبي الخطَّاب الأخفشِ وغيره، وعمل كتابَه الذي لم يَسبقه أحدٌ إلى مثله ولا يلحق به مَن بعده، وكان كتابُه لشهرته عند النُّحاة عَلَمًا، فكان يقال بالبصرة: قرأ فلانٌ الكتاب، فيُعلم أنَّه كتاب سيبويه. وكان المبرِّد إذا أراد مريدٌ أن يقرأَ عليه كتابَ سيبويه يقول له: هل ركبتَ البحر؟ تعظيمًا له واستصعابًا لما فيه.

стр. 5928

وقال أبو عبد الله المرزُباني: اجتمع أربعون نَفْسًا حتَّى عملوا كتابَ سيبويه، هو أحدُهم، وهو أصولُ الخليل بن أحمدَ ونُكَته، وإنَّ سيبويه ادَّعاه لنفسه. ولمَّا قدم بغدادَ ناظر الكسائيَّ وأصحابه، فلم يظهرْ عليهم، فسأل: مَن يرغب من الملوك في النَّحو؟ فقيل: طلحةُ بن طاهر، فشخص إلى خراسان، فلما انتهى إلى ساوةَ مرض مرضَ الموت، فتمثَّل: [من المتقارب] يؤمِّل دنيا لتبقى له … فمات المؤمِّل قبل الأمَلْ حَثيثًا يروِّي أصولَ الفَسيل … فعاش [الفَسيل] ومات الرَّجُل وتوفي بساوةَ وعمره اثنتان وثلاثون سنة رحمه اللهُ تعالى. مبارك بن سعيدِ بن مَسْروق أخو سفيانَ الثَّوري، من الطَّبقة السادسةِ من أهل الكوفة، وتوفِّي بها، وكانت عنده أحاديث، وكُنْيته أبو عبد الرَّحْمَن. ولد بالكوفة وسكن بغداد، وذهب بصرُه، فكتب إلى أخيه سفيانَ يشكو ذهابَ بصره، فكتب إليه سفيان: وقفتُ على كتابك، وإذا فيه شكايةُ ربِّك، فاذكر الموتَ يَهُن عليك ذلك، والسَّلام. حدَّث عن أخيه سفيانَ وطبقته، وروى عنه الحسنُ بن عَرَفة وغيرُه، وكان ثِقَة. وحكى عن الشَّعبي أنَّه قال: المودَّة بين كرام الناسِ مثلُ الكوز من الفضَّة، بطيءُ الانكسار سريعُ الانجبار، ومَثَلُ المودَّة بين لئام الناسِ مثلُ الكوز من الفخَّار، سريعُ الانكسار بطيءُ الانجبار (١). هشامُ بن عبد الرَّحمن الداخلِ ابن معاويةَ بن هشامِ بن عبد الملكِ بن مروان. واسم أمِّه حَوراء (٢)، بربرية. وَلِي سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ عند وفاة أَبيه، وقام بالأندلس واليًا سبعَ سنين

стр. 5929

وتسعةَ أشهر، ومات في صفر بالأندلس وله تسعٌ وثلاثون سنة. وكان من أحسن الناسِ وجهًا وأشرفِهم نفسًا، كاملَ المروءة، عاملًا بكتاب اللهِ وسنَّة رسوله ﷺ ، متصدِّقًا ظاهرًا وباطنًا، عادلًا في الرعيَّة، رَحومًا حليمًا صالحًا، يعود المرضَى ويشهد الجنائز. ثم ولي بعده ولدُه الحكم بنُ هشام (١). * * *

стр. 5930

السنةُ الحاديةُ والثمانون بعد المئة فيها أَمَر هارونُ أن يصدَّرَ في مكاتباته بعد البسملةِ الصلاةُ على النَّبِيّ ﷺ . وغزا هارونُ بنفسه بلادَ الروم، فنازل حصنًا يقال له: الصَّفصاف، ففتحه عَنوة، وقال مروانُ بن أبي حفصة: [من الرجز] إنَّ أمير المُؤْمنين المصطفى … قد ترك الصَّفصافَ قاعًا كالصَّفا (١) وحجَّ بالنَّاس هارونُ وفي صحبته وزيرُه يحيى بنُ خالد، وقد كان يختل من هارون، وبدت أَمارات تغيُّره عليه، فسأله في الكعبة أن يُعْفيَه من الوزارة وأن يجاورَ بمكَّة، فأَعفاه وأَذن له في المجاورة، وردَّ الخاتمَ إلى هارون، وقفل راجعًا إلى العراق، وأقام يحيى بمكَّة. فصل وفيها تُوفِّي الحسنُ بن قَحْطَبة ابنِ شَبيب الخُرَاسَانِيّ، أخو حُميد، وهما وأبوهما من كبار قوَّاد بني العباس، ومَن اجتهدوا في إِنشاء دولتِهم، وكان لهم عند أبي العباسِ وأخيه قدمُ صدقٍ ومكانةٌ عالية، وولَّوهم الولايات. وكان الحسن شجاعًا جَوَادًا، وتوفِّي في هذه السنةِ وهو ابنُ أربعِ وثمانين سنة (٢). عبد الله بن المُبارك ابنِ واضِح، أبو عبد الرَّحْمَن، المَرْوَزيُّ، الحَنْظَليّ مولاهم، من أهل مَرو (٣). ولد سنةَ ثمان عشرة. وقيل: سنة عشير ومئة. وطلب العلم، وروى رواياتٍ كثيرة،

стр. 5931

وصنَّف كتبًا كثيرة في أبواب العلم وصنوفه، حملها عنه قومٌ وكتبها النَّاسُ عنه. وقال الشِّعرَ في الزهد والحثّ على الجهاد. وقدم العراقَ والحجاز والشَّام ومصرَ واليمن، وسمع علمًا كثيرًا. وكان ثِقَة سيِّدًا زاهدًا عابدًا ورِعًا شُجاعأا جَوَادًا إمامًا حجَّة كثيرَ الحديث. وكان يَتَّجِر ويُنفق على الفقراء والمجاورين بالحَرَمين وغيرِهم، وأقام طولَ عُمره يحجُّ سنةً ويغزو سنة. وكان أبوه تركيًّا مولًى لرجل تاجرٍ من بني حَنْظَلة، وهم بطنٌ من هَمَذان، وكان عبد الله إذا قدم الكوفةَ يخضع لولده (١) ويعظِّمهم، وكانت أمُّه خُوارِزْميَّة، قال: نظر أبو حنيفةَ إليَّ وإلى أبي فقال: أدَّت أُمُّ عبد الله الأمانة. وكان أشبهَ النَّاس بأبيه. سئل عن أوَّل أمره فقال: كنت يومًا في بستان وأنا شابّ مع جماعة من أترابي، فأكلنا وشربنا، وكنت مولَعًا بضرب العود، فأخذت العودَ في الليل لأضربَ به، فنطق العودُ وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] ضربت الأرضَ بالعود فكسرته، وصرفتُ ما كان عندي من الأمور التي تَشغلني عن ذِكر الله وعن الله تعالى، وجاء التوفيقُ من الله. وكانت دارُه بمَرْوَ كبيرة، وكان صحنُها مقدارَ خمسين ذراعًا في مثلها، وكان يأوي إليها أربابُ المروءات والحوائجِ وطلَّابُ العلم، وما دخل حمَّامًا قطّ، ثم قدم الكوفةَ فنزل دارًا صغيرة، فكان لا يأتيه أحد؛ لأنَّهم لم يكونوا يعرفونه، فكان يقول: ما العيشُ إلَّا ها هنا. وكان لا يجالس إلَّا كتبَه، فيقال له: أَلا تستوحش؟! فيقول: كيف أستوحشُ وأنا أجالس الله تعالى والملائكةَ والأنبياء والخلفاءَ والعلماء والأولياءَ والشُّهداء وغيرَهم؟ أفتراني أدع مجالسةَ هؤلاء وأجالسكم؟! وقال ابن مَعين: كان ابنُ المبارك من الربَّانيين في العلم، الموصوفين بالحفظ، المذكورين بالزُّهد، قدم بغدادَ غير مرة، وأثنى عليه علماءُ الشرق والغرب، كأحمد بن

стр. 5932

حنبل وسفيانَ الثوريِّ والفضيلِ بن عياض وبشرٍ الحافي، وربما فضَّلوه على الثَّوريّ، وكان سفيان الثوريُّ يقول: أَشتهي أن أكون مثل ابن المباركِ سنة، لا واللهِ ما أقدر ولا ثلاثةَ أيام، ابنُ المبارك أعلمُ أهل الشرِق والغرب. وقال سفيان بن عُيَينة: نظرت في أمر الصحابةِ وفي أمر ابنِ المبارك، فما رأيتُ لهم عليه فضلًا إلَّا صُحْبَتَهم لرسول اللهِ ﷺ والغزوَ معه. وقال ابن مَعين: ابن المبارك في كلِّ فنٍّ أمير المُؤْمنين، في الحديث وغيرِه. وقال إسماعيل بن عيّاش: ما على وجه الأرضِ مثلُ عبد الله بن المبارك، ولا أعلم خصلةً من خصال الخير إلَّا وقد جعلها اللهُ فيه، ولقد حدَّثني أصحابي أنَّهم صحبوه من مصرَ إلى مكةَ، فكان يطعمهم الخبيصَ (١) وهو صائمُ الدهر. وقال أشعثُ بن شعبةَ المِصِّيصي: قدم هارونُ أميرُ المُؤْمنين الرَّقَّة، وقدم ابنُ المبارك، فانجفل النَّاسُ خلف ابن المبارك، وتقطَّعت النِّعال وارتفعت الغَبرة، وأشرفت أمُّ ولدٍ لهارونَ من قصر، فلمَّا رأت النَّاسَ قالت: ما هذا؟ قالوا: عالمٌ من أهل خراسانَ يقال له: عبد الله بن المبارك، فقالت: واللهِ هذا المُلك، لا ملك هارونَ الذي لا يجمع النَّاسَ إلَّا بالشُّرَط والأعوان. وكان عبد الله يقول: لولا خمسةٌ لما تاجرت: الفضيلُ بن عياض، وسفيان الثَّوريّ، وابن عُيينة، وابن عُلَيَّة، ومحمَّد بن السمَّاك. وكان ينفق على الفقراء في كلِّ سنةٍ مئةَ ألفِ درهم. وكان الثوريُّ وفُضيلٌ ومشيخةٌ جلوسًا في الحرم، فطلع ابنُ المبارك، فقيل: هذا رجلُ أهل المشرق، فقال الفُضيل: وأهلِ المغرب وما بينهما جميعًا. وقال ابن المبارك: استعرتُ قلمًا بأرض الشَّام، فلمَّا قدمتُ مرو، نظرت فإذا هو في أقلامي، فرجعت إلى أرض الشَّام حتَّى رددتُه على صاحبه. وقال الحسينُ بن الحسن: كنا جلوسًا عند ابنِ المبارك، فجاءه سائل، فقال: يَا غلام، أَعطِه درهمًا، فأعطاه، فلما ولَّى السائل، قال له بعضُ أصحابنا: يَا أَبا عبدِ

стр. 5933

الرَّحْمَن، هؤلاء السؤال يتغدَّون بالشِّواء والفالُوذج، كان يكفيه قطعة، فلمَ أَمرتَ له بدرهم؟ فقال: يَا غلام، ردَّه، قد كنتُ أظنُّ أنَّهم يجتزئون بالخلِّ والبقل، فأمَّا إذا كان غداؤهم الشِّواءَ والفالُوذَج، فلا بدَّ من عشرة دراهم، يَا غلام، ادفع له عشرةَ دراهم. وقال الحاكمُ أبو عبد الله: سافر ابنُ المبارك فأطال السفر، فنزل على صاحبٍ له، فقال له: قد طالت علي العُزْبة، فاشترِ لي جاريةً من صفتها كذا وكذا، قال: فاشتريتها له، ودفعتها إلى أَهلي فأَصلحوها، وحملتها إليه، فأَقامت عنده تلك الليلة، ثم ردَها عليَّ وقال: بِعها، وسألها أهلي فقالت: واللهِ ما وضع يده عليّ. قال: فقلت له: طلبتَ الجاريةَ فاشتريتُها وعرضتها عليك، فرضيتَها، وأمرتُ أمَّ بناتي فهيَّأتْها، ولم تضع يدَك عليها؟ قال: إنني محتاجٌ إليها، ولمَّا خلوت بها ذكرت إخواني، فتذمَّمت أن أنال شهوة لا ينالونها، وليس في يدي ما يَسعهم، أَخرجها فبعها. وفي معناه يقول الشَّاعر: [من الطَّويل] وتركي مواساةَ الأخِلَّاءِ بالذي … تنال يدي ظلمٌ لهمْ وعقوقُ وإنِّي لأستحيي من النَّاس أن أُرى … بحالِ اتِّساع والصديقُ مُضيق (١) وقال أبو نُعيم الأَصْبهانِيّ: كان ابنُ المبارك يَتَّجِر ويَقدَم كل سنةٍ مكةَ، فيبعث بالصُّرر إلى أربابها، كفُضَيل بن عياض، وابن عُيينة، وابن عُلَيَّة، وغيرِهم. فقدم سنةً مكةَ فوجد ابنَ عُلَيَّة قد ولي الصَّدقات لهارون، فبعث بالصُّرر إلى أربابها ولم يبعث إلى ابن عُلَيَّة بشيء، وكان يعطيه في كلِّ سنةٍ خمسَ مئة درهم، فركب ابن عُلَيَّة إليه فسلَّم عليه، فلم يرفعْ به رأسًا ولم يكلّمه، فكتب إليه: أَسعدك اللهُ بطاعته، وتولَّاك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنتُ منتظرَ البر والصِّلة منك لأتبرَّكَ بها، وجئتك مسلِّمًا فلم تكلِّمني، فأيُّ شيءٍ بدا مني؟ فعرِّفني حتَّى أعتذرَ منه. فلمَّا قرأها ابنُ المبارك قال: يأبى هذا الرَّجل إلَّا أن أَقْشِرَ (٢) له العصا، وكتب إليه: [من السريع] يا جاعلَ العلم له بازيًا … يصيد أموال المساكينِ

стр. 5934

احتلتَ للدُّنيا ولذَّاتها … بحيلةٍ تذهب بالدِّين فصرتَ مجنونًا بها بعدما … كنت دواءً للمجانين أين رواياتُك في سَرْدها … عن ابن عونٍ وابن سيرين أين أحاديثُك والقول في … لزوم أبوابِ السَّلاطين إنْ قلتَ أُكرهت فما هوْ كذا … زلَّ حمارُ العلم في الطِّين (١) فلمَّا قرأ الأبياتَ بكى، ودخل على هارونَ فاستعفاه، فقال: لعلك التقيتَ ذاك المجنونَ المرْوَزي، فقال له: اِرحم شيبتي، فأَقاله، فبعث إليه ابنُ المبارك برسمه. وقال عليُّ بن الحسن بن شَقيق: كان ابنُ المبارك إذا جاء العامُ الذي يحجُ فيه، اجتمع إليه إخوانهُ من أهل مرو، فيقولون: الصُّحبةَ، فيقول: هاتوا نفقاتِكم، فيأخذها فيجعلها في صُندوق ويُقفل عليه، ثم يكتري لهم من ماله ويجهِّزهم بكلِّ ما يحتاجون إليه من مروَ إلى مكَّة [و] قال لهم: ما الذي طلب منكم عيالُكم من المتاع؟ فيقولون: كذا وكذا، فيشتري لهم من متاع مكَّة ما سمَّوه، فإذا قدم المدينةَ سألهم، فيذكرون له المتاع، فيشتريه، فإذا عادوا إلى بغداد، سألهم كذلك، فإذا قدموا مروَ وضع لهم طعامًا عظيمًا، وأَحضرهم فأكلوا، وفتح الصُّندوق وأَخرج تلك الصُّررَ وعلى كلِّ صرَّةٍ اسمُ صاحبها، وأخرج لهم هدايا مكةَ والمدينةِ وبغداد، فيدفع الجميعَ إليهم، ويبيِّض أبوابَهم (٢). وقال الحاكمُ أبو عبد الله: كان عبد الله بن المبارك يحجُ ومعه أحمال وصناديقُ وخدم كثير، فنزلوا منزلًا عن مرو، وكان مع بعض خدمه قَبَجةٌ (٣)، فماتت، فألقاها الخادمُ على الكُناسة، وشرعوا في الرحيل وتجهيزِ الأثقال، وابنُ المبارك واقفٌ على دابَّة له ينتظر المسير، فنظر إلى جويريةٍ تُخرِج رأسَها من باب صغيرٍ وترجع لعلها ترى فرصةً لكي لا يراها أحد، فتغافل ابنُ المبارك عنها، فخرجت في إِزارٍ ليس عليها

стр. 5935

قميص ولا مِقْنَعة، فحملت القَبجَة ودخلت الدارَ تعدو، فقال عبدُ الله لغلامه: اِذهب إلى هذا البابِ واسأل عن الجارية ولمَ أخذت القبجة، فجاء الغلامُ فطرق الباب، فخرجت الجارية، فسألها، فسكتت، فألحَّ عليها، وجاء ابنُ المبارك فسألها، فقالت: أنا وأخت لي في هذه الدارِ ليس في منزلنا إلَّا إزار واحد إذا لبستُ بَقِيَتْ أختي عُريانة، فهو كسوتُنا وفراشنا، فقال: ليس لكم قيِّم؟ قالت: لا والله، وكان أبونا رجلًا موسِرًا، فظُلمنا وغُصبنا على أموالنا، وبقينا بحالٍ تحل لنا الميتة، فرقَّ لها عبد الله، وقال لغلامه: اِلحق فردَّ الأثقال، وقال لوكيله: ما معك من النَّفقة؟ قال: ألفُ دينار؟ قال: اعزلْ منها عشرين دينارًا تكفينا إلى مروَ وصُبَّ الباقيَ في إزار هذه الجارية، ففعل الغلام، وعاد إلى مروَ، فقيل له: ما الذي ردَّك؟ فقال: استقبلَنا ما هو أفضلُ من الحجّ. وقد رُويت هذه الحكايةُ على وجه آخرَ، فقال عليُّ بن الحسن بن شَقيق: توجَّه ابن المبارك من مَرْوَ إلى الكوفة للحجّ، فرجع بعد ذلك عن قُرب، فسألتُه عن سبب رجوعِه، فقال: خرجتُ إلى موقف الكوفةِ وفي كمِّي خمسُ مئة دينار لأشتريَ بها جِمالًا، فرأيت امرأةً تسارق النَّاسَ من بعيد، وتتقدَّم إلى مزبلةٍ هناك عليها بطَّة ميِّتة تريد أن تأخذَها، فإذا نظر إليها أحدٌ أمسكت، فغفل النَّاس عنها، فأخَذَتها وأنا أُسارقها بالنظر، فتبعتُها وقلت لها: أَتأكلين الميتة؟ فقالت: يَا عبدَ الله، لا تسألْني (١). فوقع كلامُها في قلبي، قال: فأَلححت عليها، فقالت: قد أحوجتَني إلى هتك سِتري وكشف سرِّي، أنا امرأةٌ شريفة، مات زوجي وترك أربعَ بناتٍ يتامى وليس يسترنا إلَّا الحيطان، ولنا أربعةُ أيام ما أكلنا شيئًا، فخرجت أتسبَّب لهنَّ في شيءٍ فلم أجد غيرَ هذه البطَّة، فأخذتها لأُصلحَها وأحملَها إلى بناتي فيأكلْنها. قال: فقلتُ: ويحَكَ يَا ابن المبارك، وأين أَنْتَ عن هذه وبناتِها، فقلت: افتحي حِجْرَك، ففتحته، فصببتُ الدنانير فيه، ونزع اللهُ من قلبي شهوةَ الحجّ في تلك السنة، وعدتُ إلى بلدي وأقمت حتَّى عاد النَّاسُ من الحجّ، فخرجت أتلقَّاهم، فجعلت كلَّ مَن أقول له: قَبِلَ الله حجَّك، يقول: وأنت قبل الله حجَّك، وأكثر عليَّ النَّاس، فبتُ متفكِّرًا، فرأيت رسولَ الله ﷺ في المنام

стр. 5936

فقال لي: يَا ابنَ المبارك، لا تعجبْ، فإنَّك أغثت ملهوفةً من ولدي، فسألتُ الله أن يخلق على صورتك مَلَكًا يحجُّ عنك إلى يوم القيامة، فهو يحجُّ عنك، فإن شئتَ أن تحجَّ وإن شئتَ لا تحجّ. وقال عَبْدَةُ (١) بن سليمان: كنا في سريةٍ مع ابن المباركِ في بلاد الرُّوم، فصادفنا العدوّ، فلما التقى الصفَّان، خرج رجلٌ من العدوِّ فدعا إلى البِراز، فخرج إليه رجل ملثَّم، فطارده ساعة، فطعنه فقتله، ثم خرج آخَرُ من العدوّ، فطعنه فقتله، ثم خرج آخر وآخرُ وهو يقتلهم، فقتل أربعة، فازدحم عليه النَّاسُ وهو ملثَّم بكمِّه، فأخذتُ بطرف كُمِّه فمددته، فإذا هو عبدُ الله بن المبارك، قال: فقال: يَا أَبا عَمرو، وأنت ممَّن يُشَنِّع علينا؟ وقال ابنُ المبارك: حضرت بعضَ الغزوات، فبارزني عِلجٌ وطال القتالُ بيننا، وحضر وقتُ الصلاة، فقلت له: أريد أن أصلِّي، فقال: صلِّ فأنت آمن، فصلَّيت، فجاء وقتُ صلاته، فقال: أريد أن أصلِّي فأمِّني، فقلت: أَنْتَ آمن (٢)، فأخذ في صلاته، وحانت لي منه فرصة، فرفعت السيفُ لأضربَه، فسمعت قائلًا من الهواءِ يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] فوقع السيفُ من يدي، فلمَّا فرغ من صلاته قال: رأيتك رفعتَ السيف، فما أردتَ أن تفعلَ بعد الأمان؟ فقلت: أردت أن أقتلَك فسمعتُ قائلًا من الهواء يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، فبكى وقال: نِعمَ الربُّ ربٌّ يعاتب وليَّه في عدوِّه، ثم أَسلم وعاد معي إلى العسكر، فاستُشهد في بعض المغازي. وقال: خرجنا في بعض الغزواتِ ومعنا فتًى كثيرُ الصلاة والصيام، ففقدتُهُ مدَّة، ثم حاصرْنا حصنًا، فبرز عِلج من الزِّحام فقتل مسلمًا، ثم برز إليه آخَرُ فقتله، حتَّى قتل عشرة من المسلمين، فبرزتُ إليه، فتأمَّلته فإذا به ذلك الفتى، فقلت: فلان؟ قال: نعم،

стр. 5937

قلتُ: ويحك ما هذا؟ قال: بُليت بعشق امرأةٍ من الروم، ففعلَتْ فيَّ ما ترى، فقلت: ويحك عُدْ إلى الإِسلام، فقال: بَعدَ ما وُلد لي أولادٌ منها، قلت: فالقرآنُ الذي كنت تقرؤه؟ قال: نسيتُهُ كلَّه غيرَ آية واحدة، وهي قولُه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] ثم انحرف، فطعنتُهُ فقتلته. وقال: جاء أوانُ الحجّ (١)، فقلت: أُجاهد في هذا العام، وقَويَ عزمي على الجهاد، فنمتُ، فرأيتُ في المنامِ قائلًا يقول: كم تُلِحّ؟ إن غزوتَ العامَ أُسرت، وإن أُسرتَ تنصَّرت. وقال مُحَمَّد بن عيسى: كان ابنُ المبارك كثيرَ الاختلاف إلى طَرَسُوس، وكان ينزل الرَّقة في خان، وكان يختلف إليه شابّ يقوم بحوائجه ويسمع عليه الحديث، فقدم الرقَّة مرَّةً فلم يره، فسأل عنه، فقيل: هو محبوسٌ بدَين، قال: وكم دَينُه؟ قالوا: عشرة آلافِ درهم، فدعا بصاحب الدَّين ليلًا ودفع إليه المال، وسأله ألا يُعلم الفتى. وسافر ابنُ المبارك، وأَخرج الرجلُ الفتى مَن الحبس ولم يعلم مَن قضى دينه، وقيل للفتى: كان ابنُ المبارك ها هنا والبارحةَ سافر، فخرج خلفه فلحقه على مراحل، فقال له: يا فتى، ما الذي أَبطأ بك؟ فقال: كنتُ محبوسًا بدين فجاء رجلٌ فقضاه عنِّي، قال: مَن الرَّجل؟ قال: لا أعلم، فقال ابنُ المبارك: الحمد الله. ولم يَعلم الفتى أنَّ ابن المبارك قضاه، ولم يُخبر صاحبُ الدَّين أحدًا بشيءٍ حتَّى مات ابنُ المبارك. وكان إذا أقام ببغدادَ يتصدَّق كلَّ يوم بدينار. وقال القاسم بن محمَّد (٢): قلت في نفسي: بأيِّ شيءٍ فُضّل هذا الرجلُ علينا حتَّى اشتهر بين النَّاس هذه الشُّهرة؟! إنْ كنا لَنصلِّي كما يصلي، ونصوم كما يصوم، ونحجُّ كما يحجّ، ونغزو كما يغزو. قال: فدخلتُ عليه في بعض الليالي وإذا به في الظّلمة، فخرجت وأتيتُه بسراج، وإذا وجهُه ولحيتهُ قد امتلآ من البكاء والدُّموع، فلعله ذكر ظُلمةَ القبر، فقلت في نفسي: بهذه الخشيةِ فضِّل علينا.

стр. 5938

ذكر نُبذةٍ من كلامه: كان يقول: خرج أهل الدُّنيا ولم يذوقوا طيِّبَ ما فيها، قيل: وما هو؟ قال: معرفةُ اللهِ تعالى. وكان يقول: لَأن أَرُدَّ درهمًا من شُبهةٍ أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّقَ بمئة ألفِ درهم. وقيل له: ما التواضع؟ قال: التكبُّر على الأغنياء. أخذ هذا المعنى شاعرٌ (١) فنظمه فقال: [من البسيط] لم ألقَ مُستَكبِرًا إلَّا تحوَّل لي … عند اللقاءِ له الكِبرُ الذي فيهِ ولا حَلَا لي من الدُّنيا ولذَّتِها … إلَّا مقابلتي للتِّيه بالتِّيه وسُئل: مَن النَّاس؟ فقال: العلماء، قيل: فمَن الملوك؟ قال: الزهَّاد، قيل: فمن السَّفِلة؟ قال: الذين يأكلون الدُّنيا بالدِّين. وعطس رجلٌ عنده فلم يقل: الحمدُ الله، فقال له: إذا عطس الرجلُ أَيشٍ يقول؟ فقال: الحمدُ لله، فقال له: يرحمكَ الله، فعجب النَّاسُ من لُطفه. وقال له رجلٌ: كم تكتب؟! فقال: لعل الكلمةَ التي أنتفعُ بها وفيها نجاتي لم أسمعْها بعد. وقال مُحَمَّد بن إبراهيمَ البَهراني (٢): أملى عليَّ ابنُ المبارك وهو بطَرَسوسَ كتابًا إلى الفُضيل بن عياض وهو بمكَّةَ فيه يقول: [من الكامل] يَا عابدَ الحَرَمَين لو أَبصرْتَنا … لَعلمتَ أنَّك في العبادة تلعبُ مَن كان يَخضِب خدَّه بدموعه … فنحورُنا بدمائنا تتخضَّب أو كان يُتعِبُ خيلَه في باطلٍ … فخيولُنا يوم الكَريهةِ (٣) تتعب ريحُ العَبير لكمْ ونحن عَبيرُنا … رَهَجُ (٤) السَّنابك والغبارُ الأطيب

стр. 5939

ولقد أتانا في مقال نبيِّنا … أخبارُ قول صادق لا يكْذب لا يستوي وغبارُ خيلِ الله في … أنف امرئٍ ودخانُ نارٍ تَلْهَب (١) قال: فأتيتُ بالكتاب إلى الفُضيل، فقرأه وبكى، وقال: صدق أبو عبد الرَّحمنِ ونصح. ولابن المبارك أشعارٌ كثيرة في الزُّهد والحِلم وغيرِ ذلك. وقد مدحه عمارُ بن الحسن (٢) فقال: [من الطَّويل] إذا سار عبدُ الله من مَرْوَ ليلةً … فقد سار عنها نورُها وجماُلها إذا ذُكر الأخيارُ في كلِّ بلدةٍ … فهم أنجمٌ فيها وأنت هِلالُها ذكر وفاته: قال سعيد بن نعيم المَصِّيصي: خرج عبد الله بن المبارك من المصّيصة في شعبانَ سنةَ إحدى وثمانين ومئة، فشيّعه أبو إسحاق المزاريّ ومَخلدُ بن الحسين وعلي بن بكَّار مشاةً إلى باب الشَّام يَبْكون، ثم قدم علينا إسماعيلُ الجعفريُّ الكُوفيّ، فقال لأبي إِسحاق: شهدتُ عبدَ الله بن المبارك قد خرج من سفينةٍ بهِيت، فمات بها ليلةَ الثُّلاثاء لثلاثَ عشرةَ مَضَين من شهر رمضان، فبكى أبو إسحاقَ وعزَّاه النَّاس. وقيل: مرض في السَّفينة ومات، وأخفى أصحابُه موتَه ليحملوه إلى مَرْوَ، فلمَّا كان نصفُ الليل، رأى أهلُ هِيتَ عمودًا من نور قد نزل من السَّماء على السفينة، فثار أهل هيت وقالوا: لا يُخرَجُ هذا الرجلُ الصالح من أرضنا، ونحن أحقّ به، لأن الله ساقه إلينا، فأَخرجوه ودفنوه بهِيت، وقبرُه ظاهرٌ يُزار. ولمَّا احتُضر قال لنصرٍ غلامِه: ضعْ رأسي على التُّراب، فبكى، فقال: ما يُبكيك؟ فقال: ذكرتُ ما كنتَ فيه من النَّعيم، وها أَنْتَ تموت غريبًا فقيرًا، فقال: اسكُت، فإنِّي سألت الله أن يُحييَني حياةَ الأغنياءِ السُّعداء ويميتَني موتَةَ الشُّهداء، ثم فتح عينيه وضحك وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].

стр. 5940

ومات وعُمره ثلاث وستُّون سنة. وقيل: إنَّه مات سنةَ ست وسبعين ومئة. وجاء البريدُ إلى الرَّشيد بوفاته، فقال: مات سيِّد العلماءِ والزهَّاد، ما رأيته قطّ، ولكن أَرعى له بيتًا قاله فينا: [من البسيط] لولا الخلافةُ ما قامت لنا سُبُلٌ … وكان أضعفُنا نَهبًا لأَقوانا (١) يَا غلام، اِئذن للنَّاس يعزُّوني في أبي عبدِ الرَّحمن. وكان ابنُ المبارك قد قدم بغداد، فأتاه هارونُ الرشيد للزيارة، فقعد على باب البيتِ الذي هو فيه فلم يفتحْ له الباب، وقال: أنا عنه في غنىً، فقام هارونُ وانصرف، وبعث إليه يحيى بن خالد يستأذنه في زيارته، فقال له: يَا يحيى، أَمَا يستحيى مثلُك يكون رسولَ مثله؟! ولم يأذنْ له. وقال أبو حاتِم الفِرَبْري: رأيت ابنَ المباركِ في منامي واقفًا على باب الجنَّة وبيده مفتاح، فقلت: ما هذا؟ قال: مفتاحُ باب الجنَّة، دفعه إليَّ رسولُ الله ﷺ حتَّى أزورَ الربَّ سبحانه وقال: كن أميني في السَّماء كما كنتَ أميني في الأرض (٢). وقال صخرُ بن راشد: رأيت ابنَ المبارك في المنام، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: غفر لي مغفرةً أحاطت بكلِّ ذنب. وقال صخر (٣) أَيضًا: رأيت النَّبِيّ ﷺ في المنام، فقلت: يَا رسولَ الله، ما فعل اللهُ بابن المبارك؟ فقال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية. وكان ابنُ المبارك قد طاف الدُّنيا شرقًا وغربًا، وبُعدًا وقُربًا، وأَسند عن كبار الأئمَّة، منهم: هشامُ بن عروةَ وسعيدُ بن عبد العزيز وغيرُهما، وروى عنه جمٌّ غفير. وقال فَضَالة النَّسوي: كنَّا أصحابَ الحديث إذا اختلفنا في مسألةٍ أو في حديثٍ قلنا: مرُّوا بنا إلى الطَّبيب، يعني ابنَ المبارك، وهو أعلمُ من الثوريِّ وأفضل.

стр. 5941

وقال سويد بنُ سعيد: رأيت ابنَ المبارك أتى زمزم، فأخذ شربةً من مائها وقال: اللهم إن نبيَّك ﷺ قال: "ماءُ زمزمَ لما شرب له" (١) وإنِّي قد شربتُها لعَطَشِ يومِ القيامة. واتَّفقوا على فضل ابنِ المبارك، وأَمانته، وصدقِه، وثقته، وزُهده، وجهادِه، واجتهاده، وحِكمته، وكرمِه، وسَخائه، وفصاحته، ونظمه، ونثره، وبلاغته، وأنَّه من أكابر المسلمين والأئمَّة المخلصين. وله التصانيفُ الكثيرة في فنون العلوم، منها كتاب "الزُّهد" وكتاب "الجهاد" وغيرُ ذلك، رحمه اللهُ تعالى. عُفَيْرة (٢) العابدة البصريَّة كانت من العابدات الخائفات. قال محمَّد بن عبيد: دخلنا على عُفيرةَ بالبصرة، فسألناها الدُّعاء، فقالت: لو خَرِس الخاطئون ما تكلَّمت عجوزكم، ولكن المُحْسِن أمر المسيءَ بالدُّعاء، جعل اللهُ قِراكم الجنة، والموت منِّي ومنكم على بال. وكان لها ابنُ أخٍ غائب، فبُشِّرت بقدومه، فبكت وقالت: أَذكرني قدومُه القدومَ على الله تعالى، فقيل لها: فهذا يومُ سرور، فقالت: ما أجد للسُّرور في قلبي موضعًا مع ذِكر الآخرة إذا قدمنا على الله تعالى. وكانت لا تنام الليلَ ولا تهدأ، وتقول: قَطَعَ ذِكرُ العَرْضِ على الله أوصال الخائفين. * * *

стр. 5942

السَّنةُ الثانيةُ والثمانون بعد المئة فيها أخذ هارونُ البيعةَ لابنه المأمونِ بعد الأمين، وأَقطعه خُراسانَ، وضمَّه إلى جعفرِ بن يحيى. وبايعه بنو هاشم: موسى بن عيسى، وجعفرُ بن المنصور، وعبدُ الملكِ بن صالح، وغيرُهم. وقدم الشافعيُّ رحمةُ الله عليه بغداد، فوافق عقدَ الرشيد البيعةَ لابنه المأمونِ بعد الأمين، وجلس النَّاسُ في دار العامَّة ينتظرون الإِذن، وقالوا: كيف ندعو لهما؟! إنْ دعونا لهما بالبقاء كان دعاءً على أبيهما، وإن سكتنا كان تقصيرًا، فأُذن للنَّاس، فقام الشافعيُّ رحمةُ الله عليه فقال: [من الكامل] لا قَصَّرا عنها ولا بَلَغَتْهما … حتَّى يطولَ على يديك طِوالُها (١) وغزا الصَّائفةَ عبدُ الرَّحمن بن عبد الملك فبلغ أُفْسوسَ (٢) مدينةَ دقيانوس ومكانَ الكهف، وكان قُسطنطين بن أليون ملكُ الروم قد بدا منه جَوْرٌ وفساد، فسَمَلَتْه الروم (٣)، وملَّكت أمَّه، واسمُها رينى (٤)، وقدم يحيى بنُ خالد من مكةَ إلى الرقَّة. وفيها: حُملت ابنة خاقان ملكِ الخَزَر إلى الفضل بنِ يحيى وهو بخُراسان، فماتت ببَرْذَعَة، وكان على إرْمِينِية سعيدُ بن سَلْم بن قُتيبةَ الباهليّ، وأُخبر ملكُ الخزر أنَّ ابنته قُتلت غِيلة، فاستعدَّ لحرب المسلمين.

стр. 5943

وحجَّ بالنَّاس موسى بنُ عيسى بن موسى بنِ محمَّد بن عليّ. فصل وفيها تُوفِّي عامر بن عُمارة ابن خُرَيْم الناعم، أبو الهَيذام، من بني مُرَّة (١). كان زعيم قيسٍ في الفتنة التي وقعت بين قيس والحمانيةِ وأطفأها جعفرُ بن يحيى بنِ خالد، وله فيها أشعارٌ كثيرة. قال المَرزُباني: نزل أبو الهيذام الشاميُّ سِجِستان، فقتل عاملٌ لهارونَ بها أخًا لأبي الهَيذام، فحزن عليه حُزنًا كثيرًا، وقال فيه الأَشعار، فمن ذلك: [من الطَّويل] سأبكيكَ بالبِيضِ الرِّقاق وبالقَنا … فإنَّ بها ما يُدرِكُ الطَّالبُ الوِتْرا ولسنا كمَنْ يبكي أخاه بعَبْرَةٍ … يُعَصِّرُها من ماء مُقْلَتِه عَصْرا وإنَّا أُناسٌ ما تَفيض دموعُنا … على هالكٍ منَّا وإنْ قَصَم الظَّهرا ولكنَّنا نشفي الفؤادَ بغارةٍ … تُلَهِّبُ في قُطْرَي كتائبها جَمْرا (٢) ثم قوي أمرُ أبي الهيذام، واشتدَّت شوكتُه، وضَرَّب بين القيسية واليمانية، فأَعيت على هارونَ الحيلُ فيه، فاحتال عليه بأخٍ له وأرغبه، فاغتاله وقيَّده، وبعث به إلى هارونَ وهو بالرقَّة، فلمَّا دخل عليه قال: [من الطَّويل] وأَحسِنْ أميرَ المُؤْمنين فإنَّه … أبى اللهُ إلَّا أن يكونَ لك الفضلُ (٣) فأطلقه وأَحسن إليه ومَنَّ عليه. وقال المدائنيّ: كان سببُ هذه الفتنة أنَّ رجلًا من بَلْقَين مرَّ على مَبطَخةٍ بالبَلْقاء، فأخذ منها بِطِّيخة، فنهاه صاحبها، فشتمه، وكانت لرجل من جُذام، فقام إليه الجُذاميّ فقتله،

стр. 5944

فهاجَت الحربُ سنين بين القيسية واليمانية، قُتل من الفريقين خلقٌ عظيم، وكانت الحربُ بالبَلقاء والرُّبَّة والبَثَنيَّة (١)، وتَعَدَّوا إلى الغوطة، فأحرقوا ضِياعها، منها داريَّا، فكان رأسَ الفتنة أبو الهيذام، ثم اصطلحوا على يد جعفر. ومن شعر أبي الهَيذام: [من البسيط] لمَّا رأيت حُماةَ القوم قد وَكَفوا (٢) … وقدَّموا رايتَي عَنْسٍ وخَوْلانا (٣) وجالت الخيلُ أم كادت تجول بنا … ناديتُ مُسْتَنْجِدًا يَا قيسَ عَيلانا فبات جَمْعُهمُ حولي كأنهمُ … غُلْبُ الأُسود التي تعدو بخَفَّانا (٤) وقلت لا يَغْلِبَنْكمْ مَعْشرٌ قُزُمٌ … صُفرُ الوجوه بنو الشَّيطان قحطانا فجالِدوهم بأسيافٍ مصفَّحةٍ … وراثةً عن أبينا الشيخِ عَدنانا ومات أبو الهَيذامِ في هذه السَّنة. عبد الله بن عبد العزيز ابن عبدِ الله بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵁، أبو عبد الرَّحمن العُمَرِيّ (٥). من الطَّبقة السَّابعة من أهل المدينة، وأمُّه أَمَة الحميد بنتُ عبد الله بنِ عياض من الأَوس. كان عبد الله ناسكًا عالمًا عابدًا، تعبَّد وسكن المقابر، وكان لا يُرى إلَّا وفي يده كتابٌ يقرؤه، وترك مجالسةَ النَّاس، فقيل له في ذلك، فقال: لم أرَ أوعظَ من قبر، ولا آنسَ من كتاب، ولا أسلمَ من الوَحْدة، فقيل له: قد جاء في الموحدة ما جاء، فقال: لا

стр. 5945

تُفسد إلَّا جاهلًا. وكان من الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر؛ قال: إنَّ من غفلتك عن نفسك إِعراضَك عن الله، بأن ترى ما يُسخِطُه فتُجاوزَه، ولا تأمرَ ولا تنهى خوفًا ممَّن لا يملك لك ضرًّا ولا نفعًا، ومَن ترك الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر مخافةَ المخلوقين، نُزعت منه هيبةُ الله، فلو أمر ولدَه أو بعض مواليه بأمرٍ لاستخفَّ به. وقال سعيد بن سليمان: كنت بمكَّة وإلى جانبي عبد الله بن عبد العزيز العُمريّ، وقد حجَّ هارون، فقال له إنسان: هذا أميرُ المُؤْمنين يسعى وقد أُخلي له السَّعْيُ (١)، فقال العمريُّ: لا جزاك اللهُ عني خيرًا، كلَّفتَني أمرًا كنت عنه غنيًّا. ثم علَّق نعليه وقام، فتبعتُه، وأقبل هارونُ من المروة يريد الصَّفا، فلمَّا نظر إليه صاح: يَا هارون، فقال: لبَّيك يَا عم، قال: اِرقَ الصفا، فلمَّا رَقِيَه قال: اِرمِ بطَرْفِك إلى البيت، فقال: قد فعلت، قال: كم هم؟ قال: ومَن يُحصيهم؟ قال: فكم في النَّاس مثلُهم؟ قال: خلق لا يُحصيهم إلَّا اللهُ تعالى، فقال: اِعلم أيها الرَّجل أنَّ كلَّ واحد منهم يُسأل عن خاصَّة نفسه، وأنت تُسأل عن كلِّ واحدٍ منهم، هؤلاء كلُّهم خُصماؤك يومَ القيامة، فانظر أيَّ رجل تكون. فبكى هارونُ وجلس، وجعلوا يعطونه منديلًا منديلًا للدُّموع. قال: وأخرى أقولها لك، قال: قل يَا عمِّ، قال: إنَّ الرَّجل لَيُسرع في ماله فيستحقُّ الحَجْرَ عليه، فكيف بمن أَسرع في مال المسلمين؟ وهارونُ يبكي، وهو يقول له: يَا هارون، فعلتَ وفعلت، فقال له: فماذا تريد؟ قال: تفعلُ كذا وكذا، فقال له هارون: نَعَم يَا عمّ، نعم يَا عم. فكان هارونُ يقول: إنِّي لأُحبّ أن أحجَّ في كلّ سنة، ما يمنعني إلَّا رجل من ولد عمر ﵁ ثَمَّ يُسمعني ما أكره. وذكر الطبريُّ أنَّ الرشيد أرسل إليه كيسًا فيه ألفُ دينار (٢) مع الأمينِ والمأمون، فاعترضاه بمكَّة وقالا: يَا عمّ، أميرُ المُؤْمنين يقول لك: خذها وانتفع بها أو فرِّقها (٣)، فقال: هو أعلمُ بمَن يفرِّقها لهم. ثم أخذ من الكيس دينارًا واحدًا وقال: كرهتُ أن

стр. 5946

أجمعَ على هارونَ سوءَ القول وسوءَ الفعل. ثم إنَّ العُمريَّ بعد ذلك خرج إلى هارون ليَعِظَه، فلما نزل الكوفةَ رجف العسكر، حتَّى لو كان نزل بهم مئةُ أَلْفٍ من العدوِّ ما زادوا على هَيبته، ثم رجع ولم يَصِل إليه. وقال الطبري: وبلغ الرشيدَ، فجمع العُمَريّين وقال: ما لي ولابن عمِّكم؟! احتملتُه بالحجاز فشَخَص إلى دار مُلكي يريد أن يُفسد على أوليائي، ردُّوه عني، قالوا: ما يَقبل. فكتب إلى الكوفة إلى موسى بنِ عيسى أن يردُّوه برفقٍ، فدعا موسى ببُنيٍّ له صغيرٍ عشرِ سنين قد حفظ الخطبَ والمواعظ، فذكر ما لم يسمع العمريُّ بمثله، فأخذ نعلَيه وقام وهو يقول: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ (١) [الملك: ١١]. وقال الطبريّ: قال الرشيد: واللهِ ما أدري ما آمرُ في أمر هذا العُمَريّ، أكره أن أقدَمَ عليه وله خَلَفٌ أكرههم، وإنِّي لأحبُّ أن أعرفَ طريقته ومذهبه، وما أثق بأحدٍ أبعثه إليه، فقال له عمرُ بن بَزيع والفضل بن الرَّبيع: فنحن، قال: فأنتما. وكانوا بطريق مكة، وكان العمريُّ يسكن بالبادية بخلْص (٢)، فأتيا إليه في زِيّ الملوك والطِّيبُ يفوح من ثيابهم، وإذا به في مسجد، فدخلا عليه وسلَّما، وقالا: يَا أَبا عبدِ الرَّحمن، نحن رسلُ مَن خلفنا من أهل المشرق، يقولون لك: اتَّقِ الله ربَّك، وإذا شئتَ فقم. فأَقبل عليهما وقال: ويحكما (٣)، والله ما أحبُّ أن ألقى الله بمَحْجَمَةِ دمِ امرئٍ مسلم وأنَّ لي ما طلعت عليه الشمس. فلمَّا يئسا منه قالا: إنَّ معنا شيئًا تستعين به على دهرك، فقال: لا حاجةَ لي فيه، أنا في غنًى عنه، فقالا: إنَّها عشرون ألفَ دينار، قال: لا حاجةَ لي فيها، قالا (٤): فأَعطِها مَن رأيت، فقال: اِفعلَا ذلك أنتما، فما أنا بخادمٍ ولا عَوْن. فلمَّا يئسا منه عادا إلى هارونَ فأخبراه، فقال: ما أبالي ما أَصنع بعد هذا. وقال العمريُّ عند موته: بنعمة ربِّي أحدِّث، إنِّي أصبحتُ لا أملك سوى أربعةٍ أو

стр. 5947

سبعة دراهم من لِحاء شَجَرٍ فَتَلْتُه بيدي، ولو أنَّ الدنيا أصبحت تحت قدمَيَّ لا يمنعني عن أخذها إلَّا أن أُزيل قدميَّ عنها ما أزلتُهما. وقال له رجل: عِظْني، فأخذ حصاة من الأرض وقال: زِنَةُ هذه من الوَرَع تدخل قلبَك خيرٌ لك من صلاة أهل الأرض، قال: زدني، قال: كما تحبُّ أن يكونَ اللهُ لك غدًا فكن له اليوم. وكان يأكل من فتل الشَّريط بيده. ومات في هذه السَّنة، وقيل: مات بالمدينة سنةَ أربعٍ وثمانين ومئةٍ (١) وهو ابنُ ستٍّ وستين سنة. أَسند الحديثَ عن أَبيه وإبراهيمَ بن سعد وغيرِهما، وأدرك خلقًا من التابعين، وكان سيِّدًا لم يكن في عصره مثلُه رحمةُ الله عليه. مروانُ بن سليمان ابن يحيى بنِ أبي حَفْصَة، أبو السِّمط، وقيل: أبو الهَيذام، الشَّاعر (٢). كان أبو حفصةَ مولى مروانَ بن الحكم، أعتقه يومَ الدار لأنَّه أبلى بلاءً حسنًا في ذلك اليوم. ويقال: إنَّ أَبا حفصةَ كان يهوديًّا أسلم على يد مروان، وقيل: على يد عثمان، ويُزْعَم أنَّه من موالي السَّمَوْءَل [بن] عادياء اليهودي، وقيل: إنّه سُبي من إِصْطخر وهو غلام، فاشتراه عثمانُ ووهبه لمروان، فأَعتقه. وُلد مروانُ في سنة خمسٍ ومئة، وفد على الوليد بن يزيدَ ومدحه، وكان شاعرًا مُجيدًا، مدح خلفاءَ بني أمية وغيرهم، ومن مديحه في الوليد بن يزيدَ وأهله: [من الخفيف] إنَّ بالشام بالمُوَقَّر عِزًّا … وملوكًا مباركينَ شهودا سادةً من بني يزيدَ كرامًا … سبقوا النَّاس مَكرُماتٍ وجُودا هانَ يَا ناقتي عليَّ فسيري … أن تموتي إذا لقيتِ الوليدا

стр. 5948

وكان مروانُ قد قدم بغدادَ ومدح المهديَّ وهارون، وكان يتقرَّب إلى هارونَ بهجو العَلَويَّة، وقد مدح مَعْنَ بن زائدةَ ورثاه بقصائد، ودخل على المهديِّ ولم يعرفْه، فمدحه، فقال: مَن أَنْتَ؟ فقال: شاعرُك مروان بن أبي حفصة، فقال: أَلست القائل: أَقمْنا باليمامة بعد مَعْنٍ … مُقامًا لا نُريد به زِيالا وقلنا أين نذهبُ بعد معنٍ … وقد ذهب النَّوالُ فلا نَوالا وإذا ذهب النَّوال، فأيَّ شيءٍ جئتَ تطلب عندنا؟ جُرُّوا برجله، فجرُّوا برجله وأُخرج، فلمَّا كان في العام المقبل تلطَّف حتَّى دخل مع الشُّعراء، فلمَّا مَثُل بين يديه أنشده قصيدَته التي يقول في أوَّلها: [من الكامل] طَرَقَتْك زائرةً فحيِّ خَيالها … بيضاءُ تَخلِطُ بالحَياءِ دَلالها هل تَطْمِسونَ من السماء نجومَها … بأكفِّكم أو تسْترون هِلالها أو تدفعون مقالة من ربِّكمْ … جبريلُ أَبلغها الرسولَ فقالها شَهِدَت من الأنفال أولَ (١) آيةٍ … بتراثهمْ فأردتمُ إِبطالها فزحف المهديُّ من مصلَّاه حتَّى صار على البِساط إِعجابًا بما سمع، ثم قال: كم الأبيات؟ قال: مئة، فأمر له بمئة ألفِ درهم، وهي أوَّل مئة أَلْف أُعطيت لشاعر في أيَّام بني العبَّاس، فلمَّا ولي هارونُ الرشيد دخل عليه مروانُ، فقال: ألستَ القائلَ في معن .. ؟ وذكر البيتين، وأَخرجه. ودخل عليه بعد ذلك فأنشده قصيدة، فأمر له بعدد أبياتها ألوفًا، فمنها: [من الطَّويل] لَعَمرُك لا أنسى غداةَ المُحَصَّبِ … إشارةَ سلمى بالبَنان المُخَضَّبَ وقد صدر الحُجَّاج إلَّا أقلَّهمْ … مصادرَ شتَّى مَوْكِبًا بعد موكب قال المصنِّف ﵀: وأوَّل القصيدةِ التي رثى بها معنَ بن زائدة: [من الوافر] مضى لسبيله مَعْنٌ وأبقى … محامدَ لن تَبيدَ ولن تُنالا كأنَّ الشمسَ يوم أُصيبَ معنٌ … من الإِظلام مُلْبَسةٌ جِلالا

стр. 5949

هوى الجبلُ (١) الذي كانت نزارٌ … تَهُدُّ من العدوِّ به الجبالا وكان النَّاس كلُّهمُ لمعنٍ … إلى أن زار حفرتَه عِيالا ولم يكُ طالبُ المعروف ينوي … إلى غير ابنِ زائدةَ ارتحالا وما نزل الوفودُ بمثل معنٍ … ولا حَطُّوا بساحته رِحالا مضى لسبيله مَن كنتُ أرجو … به عَثَرات دَهْري أن تُقالا فلستُ بمالكٍ عَبَراتِ عيني … أَبتْ بدموعها إلَّا انْهِمالا وفي الأحشاءِ منك عليك (٢) حُزنٌ … كحرِّ النَّار يَشتَعِلُ اشتعالا من أبيات. وقال لمَّا ولدت زبيدةُ محمَّدًا الأمين: [من الكامل] لله درُّكِ يَا عَقيلَةَ جعفرٍ … ماذا وَلَدتِ من النَّدى والسُّؤدَدِ إنَّ الخلافة قد تبيَّن نورُها … للنَّاظرين على جَبينِ محمَّد إنِّي لَأَعلم أنَّه لَخليفةٌ … إنْ بَيعةٌ عُقِدت وإنْ لم تُعقَد (٣) فأعطاه هارونُ مئةَ ألفِ درهم، وحَشَت زبيدةُ فاه جوهرًا قيمتُه مئةُ ألفِ درهم. وقال (٤): [من الطَّويل] ما بال مَن أسعى لأجْبُرَ عَظْمَه … حِفاظًا ويَنوي من سَفاهته كَسري أعود على ذي الذَّنب والجهل منهمُ … بِحلمي ولو عاقبتُ غرَّقهم بَحري أناةً وحِلمًا وانتظارًا بكمْ غدًا … فما أنا بالواني ولا الضَّرَعِ الغُمْر (٥) أظنُّ صروفَ الدَّهر والجهل منهمُ … ستحملهم منِّي على مَرْكبٍ وَعْر

стр. 5950

ألم تعلموا أني تُخافُ عَزائمي … وأنَّ قناتي لا تَلين على القَسْر وإنِّي وإيَّاهم كمَن نبَّه القَطا … ولو لم تُنتبَّه باتت الطيرُ لا تَسري ولم يكن لمروانَ علمٌ بالعربية، وكان مولَّدًا، وقال الشعرَ وهو ابنُ عشرين سنة، وكان بخيلًا ساقطَ النفس، خرج يومًا من عند المهديِّ ومعه ثمانون ألفَ درهم، فمرَّ بفقير زَمِن، فسأله، فأعطاه ثلثَي درهم، فقيل له: هلَّا أعطيتَه درهمًا؟! فقال: لو أُعطيت مئةَ أَلْفٍ لأَتممتُ له درهمًا. وكان لا يأكل اللحمَ بُخْلًا، فإذا قَرِمَ أرسل غلامَه فاشترى له رأسًا فأكله، فقيل له في ذلك، فقال: أعرف سِعْرَه، وليس بلحمٍ يطبخه الغلام فيأكلُ منه، ثم إنَّني آكل منه ألوانًا: عينَيه لونًا، وأُذنيه لونًا، ولحمَ خدَّيه لونًا، ولسانَه لونًا، ودماغَه لونًا، وأُكفى مؤونةَ طبخه، فقد اجتمعت لي فيه مرافق. وخرج يومًا يريد المهديّ، فقالت له امرأتُه: ما لي عليك إنْ رجعتَ بجائزة؟ فقال: إنْ أعطاني مئةَ ألفِ درهم، أعطيتُك درهمًا. فأعطاه ستِّين ألفًا، فدفع إليها أربعةَ دوانق. وكانت وفاة مروانَ ببغداد، ودُفن في مقبرة عبدِ الله بن مالك (١). هُشَيم بن بَشير ابن أبي خازم القاسمِ بن دينار، أبو معاويةَ الواسطيّ، مولى بني سُليم، وهو بخاريُّ الأصل. وكان ثِقَة كثير الحديث ثَبْتًا، يُدَلِّس كثيرًا. وكان أبوه سُوقيًّا صاحبَ صَحْناةٍ وكَواميخ (٢)، فطلب ابنه الحديث، فكان أبوه ينهاه، فجالس أَبا شَيبةَ القاضي، وكان يُناظره في الفقه، ومرض هشيم، فقال أبو شيبةَ: ما فعل ذلك الغلام؟ قالوا: مريض. فجاء القاضي ومعه أهلُ المجلس يعودونه، فقيل لبشير ويدُه في الصَّحناة والكامَخ: اِلحق ابنَك فقد جاء القاضي يَعودُه، فجاء فقال: يا بنيّ، قد كنتُ أمنعك من طلب الحديث، أمَّا إذا جاء القاضي إلى بابي، لا

стр. 5951

أمنعك، متى طلبتُ أنَّ القاضي يجيء إلى بابي!! وقال الإمام أحمدُ ﵀: لزمتُ هشيمًا خمسَ سنين، فما سألته عن شيء هيبةً له، إلَّا مرتين، وكان هُشيمٌ يُكثر التسبيحَ بين الحديث ويقول: لا إله إلَّا الله، يمدُّ بها صوتَه. وأقام يصلِّي الفجرَ بوضوء العشاءِ الآخرةِ مدَّة سنين. وتوفِّي ببغدادَ يومَ الأربعاءِ لعشرٍ مَضَين من رمضانَ أو شعبان، سنةَ اثنتين وثمانين ومئة (١). وأَسند عن كبار الأئمَّة، كعَمرو بن دينارٍ وغيرِه. وروى عنه مالكُ بن أنسٍ والثوريُّ والإمام أحمدُ بن حنبل وابنُ المبارك وخلقٌ كثير من التّابعين. وكان ثقةً صدوقًا، لم يُعَب بشيء إلَّا بالتدليس. القاضي أبو يوسفَ يعقوبُ بن إبراهيم [بنِ حبيب (٢)] بن سعد بن بَحير (٣) بن معاويةَ الجُشَمي (٤). وسعد بن بَحير من الصّحابة، أُتي به يومَ الخندق إلى النبيِّ ﷺ ، فدعا له ومسح على رأسه، فتلك المَسْحةُ في أبي يوسفَ وولدهِ إلى الآن. وكان يحضر الحديثَ فيحفظ خمسًا وستِّين حديثًا، ويقوم فيُمليها على النَّاس، ثم لزم أبا حنيفةَ وتفقَّه عليه، وغلب عليه الرأيُ، فجفا أصحابَ الحديث. وكان يحفظ التفاسيرَ والفقهَ والأحاديثَ وأيَّام العرب والسِّيَر. وكان ورده في كلِّ يومٍ وليلة مئتَي ركعة. وهو أوَّل مَن دُعي بقاضي القضاةِ في الإسلام.

стр. 5952

وقال أبو يوسُف: مات أبي وأنا صغير، فلمَّا ترعرعت، كنت أحضر حلقةَ أبي حنيفةَ فأسمعُ ما يقول، فكانت أمِّي تأخذ بيدي وتذهب بي إلى قصَّار أَسلمتني إلْيه، وكان أبو حنيفة يُعنَى بي لما يرى من حرصي على التعلُّم، فلمَّا كَثُرَ ذلك على أمِّي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبيِّ فسادٌ غيرك، هذا صبيٌّ يتيم لا شيءَ له، وأنا أُطعمه من مِغزل، وآمُل أن يكتسبَ دانقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: هوذا يتعلَّم أكل الفالُوذجِ بدُهن الفُسْتُق، فانصرفت وقالت: أنت شيخٌ قد ذهب عقلُك. قال: فلزمتُ أبا حنيفة، فنفعني اللهُ بالعلم ورفعني حتَّى تقلَّدت القضاء، كنت أجالس الرشيدَ وآكل معه على مائدته، فلمَّا كان في بعض الأيَّام، قدَّم إليَّ فالوذجةً وقال: كُل يا يعقوبُ منها، فليس كلَّ يوم يُعمل لنا مثلُها، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، وما هذه؟ فقال: فالوذجةٌ بدُهن الفستق، فضحكتُ، فقال: ممَّ ضحكت؟ فقلت: خيرًا، فألحَّ عليَّ، فأخبرته بالقصَّة، فعجب وقال: لَعمري إنَّ العلمَ يرفع وينفع في الدُّنيا والآخرة، يرحم اللهُ أبا حنيفةَ فلقد كان ينظر بعقله ما لا يراه بعين رأسِه. وقال المُحَسِّن التَّنوخي (١): كان سببُ اتِّصال أبي يوسفَ بالرشيد أنَّه قدم بغداد، فحَنِث بعض القوَّاد في يميني، فطلب فقيهًا يستفتيه، فجيء بأبي يوسُف، فأفتاه فيها أنَّه لم يَحْنَث، فوهب له دنانير، وأَنزله بالقرب منه، فدخل القائدُ يومًا على الرَّشيد فوجده مغمومًا، فسأله عن سبب غمِّه، فقال: شيءٌ من أمر الدِّين قد أَحزنني، فاطلبْ لي فقيهًا أَستفتيه، فجاءه بأبي يوسف. قال أبو يوسف: فلمَّا دخلت إلى ممرِّ ما بين الدُّور، رأيت فتًى حسنًا عليه آثارُ الملك، وهو في حُجرةٍ محبوس، فأومأ إليَّ بإِصبعه مستغيثًا، فلم أفهم إرادتَه، فأُدخلت إلى الرشيد، فلمَّا مثُلتُ بين يديه سلَّمت عليه، فقال: ما تقول في إمامٍ رأى رجلًا يزني هل يحدُّه؟ قلت: لا يجب ذلك، فحين قلتُها سجد الرَّشيد، فوقع أنَّه رأى بعضَ أهله على ذلك، وأنَّ الذي أشار هو الزَّاني. ثمَّ قال الرشيد: ومن أين قلتَ هذا؟ قلت: من قول النبيِّ ﷺ "اِدرؤوا الحدود

стр. 5953

بالشُّبهات" (١) وهذه شبهةٌ يسقط الحدُّ معها، فقال: وأيُّ شبهةٍ مع المعاينة؟ قلت: ليس توجب المعاينةُ لذلك أكثرَ من العلم بما جرى، والحدودُ لا تكون بالعلم، وليس لأحدٍ أخذُ حقِّه بعلمه، فسجد أُخرى وأمر لي بمالٍ جزيل، فلم أزل أترقَّى حتَّى ولَّاني القضاء. وقال أبو يوسُف: مَن قال: إنَّ القرآنَ مخلوق، فحرامٌ كلامُه، وفرضٌ مباينتُه. وخوصم موسى الهادي أميرُ المؤمنين إلى أبي يوسفَ في بستانٍ له، فكان الحكمُ في الظَّاهر للهادي، وكان الأمرُ على خلاف ذلك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الخصم سألني أن أحلِّف شهودَ أميرِ المؤمنين أنَّهم شَهدوا على حقّ (٢)، فقال له: وترى ذلك؟ قال: كان ابنُ أبي ليلى يراه، قال الهادي: فأردُّ البستَانَ إليه. وإنَّما احتال أبو يوسفَ عليه. وقال: ولِّيت هذا الحكمَ وانغمست فيه، وليس في قلبي منه شيءٌ، وأرجو ألا يسألَني اللهُ عن جَور ولا ميل منِّي إلى أحد، إلَّا يومًا واحدًا، فإنَّ في قلبي منه بعضَ ما فيه. قيل: وما ذاك؟ قال: جاءني رجلٌ يومًا فقال: لي بستانٌ قد اغتصبني إيَّاه أميرُ المؤمنين. فدخلتُ على أمير المؤمنين فأخبرتُه، فقال: هذا البستانُ اشتراه لي أبي المهدي، فقلت: إن رأيتَ أن تحضرَ بخصمك فأَسمعَ منكما الدَّعوى، قال: نعم. فدخل الرجل فادَّعى، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما تقول؟ فقال: البستانُ لي وفي يدي، فقلت للخصم: ما تقول؟ فقال: خذ لي يمينَه، فقلت: أتحلِف؟ قال: لا، فقلت: أَعرض عليك اليمين ثلاثًا، فإن حلفتَ وإلَّا حكمت عليك، فعرضتُها عليه ثلاثًا، فأبى أن يَحلف، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، قد حكمت عليك بردِّ البستان، قال: لا أسلِّمه،

стр. 5954

وأَمر بالرجل فأُخرج. قال أبو يوسُف: فإني خائفٌ حيث لم أسأله أن يقعدَ مع خصمه، أو يأذنَ لخصمه أن يقعدَ معه على السَّرير. قال: بينا أنا قد أَويتُ إلى فراشي، وإذا بداقٍّ يدقُّ الباب دقًّا عنيفًا، فأزعجني ومَن عندي، فخرجت، فإذا هَرْثَمَةُ بن أَعيَن، فقال: أَجِب أميرَ المؤمنين، فقلت: أَمهِلْني حتَّى أغتسلَ وأتحنَّط وأتكفَّن؛ فما طلبني في هذا الوقتِ لخير. ففعلتُ وخرجت معه، فأتينا دارَ الخليفةِ ومسرور قائم، فقال: اُدخل، فدخلت، وإذا به جالسٌ وعن يمينه عيسى بنُ جعفر، فسلَّمت، فردَّ وقال: أظنَّنا روَّعناك، قلت: إِي والله، ولمَن خلفي، قال: اِجلس، فجلستُ وسكن رَوْعي، ثم قال: أتدري لمَ دعوتك؟ فقلت: لا، قال: هذا -وأشار إلى عيسى بنِ جعفر- عنده جارية، وقد سألته أن يبيعَني إيَّاها أو يهبَها لي، واللهِ لئن لم يفعْل لأَقتلنَّه، فقلت لعيسى: وما قَدرُ جاريةٍ حتَّى تَمنعَها أميرَ المؤمنين؟ فقال: عجلتَ عليَّ بالقول قبل أن تعرفَ ما عندي، إنِّي حلفت بالطلاق والعِتاق وصدقةِ ما أملك ألا أبيعَها ولا أهبَها، فقلت: تهبُ نصفَها وتبيع نصفَها، فتكون لم تبعْها ولم تهبْها، قال: أَوَ يجوز ذلك؟ قلت: نعم، قال: فإنِّي أُشهدك أنِّي قد بعتُه نصفَها بمئة ألفِ دينارٍ ووهبته نصفَها، قلت: فتحضر الجارية، فحضرت وحضر المال، فقبضه عيسى وانصرف. فقال لي الرَّشيد: يا يعقوب، هي مملوكةٌ ولا بُدَّ أن تُستبرأ، وواللهِ لئن لم أَبِت ليلتي معها إنِّي لأظنُّ أنَّ نفْسي ستخرج، فقلت: أَعتقْها وتزوَّجها؟ فإنَّ الحرَّة لا تُستبرأ، قال: فإنِّي عتقتها، فمن يزوِّجني إيَّاها؟ فقلت: أنا. فدعا بمسرورٍ وحسين، وزوَّجته إيَّاها على عشرين ألفِ دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها، وقال: انصرفْ، فانصرفت. فبعث في آثاري بمئتَي ألفِ درهمٌ وعشرين تختًا (١) من الثِّياب، وبعثَتْ إليَّ الجاريةُ بعشرة آلافِ دينار، وقالت: واللهِ ما عندي غيرُها، والنصفُ الآخَر أصرفه فيما لا بدَّ لي، فقلت: أَخرجتُها من الرِّقِّ وزوَّجتها بأمير المؤمنين وتقابلني بمثل هذا؟! فلم تزل تشفع إليَّ حتَّى قبلتُها.

стр. 5955

وقال يَحْيَى بن مَعين: كنت عند أبي يوسفَ وعنده جماعةٌ من أصحاب الحديثِ وغيرهم، فوافته هديةٌ من أمِّ جعفرٍ احتوت على تُخوت، دَبِيقيٍّ (١)، ومُصْمَت (٢)، وطِيب، وتماثيلَ نِدّ (٣)، وغيرِ ذلك. فذاكَرَني رجل بحديث النبِّي ﷺ : "مَن أتته هديةٌ وعنده قومٌ جلوس، فهم شركاؤه فيها" (٤) فسمعه أبو يوسفَ فقال: أَبِي تُعرِّض؟ إنَّما قال النَّبيُّ ﷺ ذلك والهدايا الأقِطُ والتمر والزَّبيب، لا ما ترون، ارفعه إلى الخزائن. وقتل مسلمٌ ذمِّيًّا عمدًا، فحبسه أبو يوسفَ ليُقيدَه به، فرُفعت إليه رقعةٌ مختومة فيها: يا قاتلَ المسلمِ بالكافر … جُرْتَ وما العادلُ كالجائرِ يا مَن لبغدادَ وأقطارِها … مِن علماء النَّاسِ أو شاعر جَارَ على الدِّين أبو يوسفٍ … بقتله المسلمَ بالكافر فاسترجِعوا وابكوا جميعًا معًا … واصطبروا فالحكمُ للصَّابر (٥) فدخل على هارونَ وأَخبره، فقال: اِذهب فاحتَلْ. فجلس أبو يوسف، وجاء وليُّ الدم وادَّعى وقامت البيِّنة، فقال لوليِّ الدم: أَقِم البينةَ عندي أنَّ صاحبك كان يؤدِّي الجزية، فلم يُقم بيَنة، فامتنع القَوَد. وحجَّ أبو يوسفَ معادلًا لهارون، فلمَّا دخل هارونُ الرشيد مكةَ صلَّى بالنَّاس الظهرَ ركعتين، فلمَّا سلَّم قام أبو يوسفَ فقال: يا أهلَ مكَّة، أتمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْر، أشار إلى الحديث (٦)، فقال رجلٌ من أهل مكةَ كان معهم في الصَّلاة: نحن أفقهُ من أن نُعلَّم مثلَ هذا، فقال له أبو يوسف: يا ابنَ أخي، لو كنت فقيهًا لما تكلَّمت في صلاتك.
следующие страницы →