أمنعك، متى طلبتُ أنَّ القاضي يجيء إلى بابي!!
وقال الإمام أحمدُ ﵀: لزمتُ هشيمًا خمسَ سنين، فما سألته عن شيء هيبةً له، إلَّا مرتين، وكان هُشيمٌ يُكثر التسبيحَ بين الحديث ويقول: لا إله إلَّا الله، يمدُّ بها صوتَه. وأقام يصلِّي الفجرَ بوضوء العشاءِ الآخرةِ مدَّة سنين.
وتوفِّي ببغدادَ يومَ الأربعاءِ لعشرٍ مَضَين من رمضانَ أو شعبان، سنةَ اثنتين وثمانين ومئة (١).
وأَسند عن كبار الأئمَّة، كعَمرو بن دينارٍ وغيرِه.
وروى عنه مالكُ بن أنسٍ والثوريُّ والإمام أحمدُ بن حنبل وابنُ المبارك وخلقٌ كثير من التّابعين.
وكان ثقةً صدوقًا، لم يُعَب بشيء إلَّا بالتدليس.
القاضي أبو يوسفَ
يعقوبُ بن إبراهيم [بنِ حبيب (٢)] بن سعد بن بَحير (٣) بن معاويةَ الجُشَمي (٤). وسعد بن بَحير من الصّحابة، أُتي به يومَ الخندق إلى النبيِّ ﷺ ، فدعا له ومسح على رأسه، فتلك المَسْحةُ في أبي يوسفَ وولدهِ إلى الآن.
وكان يحضر الحديثَ فيحفظ خمسًا وستِّين حديثًا، ويقوم فيُمليها على النَّاس، ثم لزم أبا حنيفةَ وتفقَّه عليه، وغلب عليه الرأيُ، فجفا أصحابَ الحديث.
وكان يحفظ التفاسيرَ والفقهَ والأحاديثَ وأيَّام العرب والسِّيَر.
وكان ورده في كلِّ يومٍ وليلة مئتَي ركعة. وهو أوَّل مَن دُعي بقاضي القضاةِ في الإسلام.
стр. 5952
وقال أبو يوسُف: مات أبي وأنا صغير، فلمَّا ترعرعت، كنت أحضر حلقةَ أبي حنيفةَ فأسمعُ ما يقول، فكانت أمِّي تأخذ بيدي وتذهب بي إلى قصَّار أَسلمتني إلْيه، وكان أبو حنيفة يُعنَى بي لما يرى من حرصي على التعلُّم، فلمَّا كَثُرَ ذلك على أمِّي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبيِّ فسادٌ غيرك، هذا صبيٌّ يتيم لا شيءَ له، وأنا أُطعمه من مِغزل، وآمُل أن يكتسبَ دانقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: هوذا يتعلَّم أكل الفالُوذجِ بدُهن الفُسْتُق، فانصرفت وقالت: أنت شيخٌ قد ذهب عقلُك.
قال: فلزمتُ أبا حنيفة، فنفعني اللهُ بالعلم ورفعني حتَّى تقلَّدت القضاء، كنت أجالس الرشيدَ وآكل معه على مائدته، فلمَّا كان في بعض الأيَّام، قدَّم إليَّ فالوذجةً وقال: كُل يا يعقوبُ منها، فليس كلَّ يوم يُعمل لنا مثلُها، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، وما هذه؟ فقال: فالوذجةٌ بدُهن الفستق، فضحكتُ، فقال: ممَّ ضحكت؟ فقلت: خيرًا، فألحَّ عليَّ، فأخبرته بالقصَّة، فعجب وقال: لَعمري إنَّ العلمَ يرفع وينفع في الدُّنيا والآخرة، يرحم اللهُ أبا حنيفةَ فلقد كان ينظر بعقله ما لا يراه بعين رأسِه.
وقال المُحَسِّن التَّنوخي (١): كان سببُ اتِّصال أبي يوسفَ بالرشيد أنَّه قدم بغداد، فحَنِث بعض القوَّاد في يميني، فطلب فقيهًا يستفتيه، فجيء بأبي يوسُف، فأفتاه فيها أنَّه لم يَحْنَث، فوهب له دنانير، وأَنزله بالقرب منه، فدخل القائدُ يومًا على الرَّشيد فوجده مغمومًا، فسأله عن سبب غمِّه، فقال: شيءٌ من أمر الدِّين قد أَحزنني، فاطلبْ لي فقيهًا أَستفتيه، فجاءه بأبي يوسف.
قال أبو يوسف: فلمَّا دخلت إلى ممرِّ ما بين الدُّور، رأيت فتًى حسنًا عليه آثارُ الملك، وهو في حُجرةٍ محبوس، فأومأ إليَّ بإِصبعه مستغيثًا، فلم أفهم إرادتَه، فأُدخلت إلى الرشيد، فلمَّا مثُلتُ بين يديه سلَّمت عليه، فقال: ما تقول في إمامٍ رأى رجلًا يزني هل يحدُّه؟ قلت: لا يجب ذلك، فحين قلتُها سجد الرَّشيد، فوقع أنَّه رأى بعضَ أهله على ذلك، وأنَّ الذي أشار هو الزَّاني.
ثمَّ قال الرشيد: ومن أين قلتَ هذا؟ قلت: من قول النبيِّ ﷺ "اِدرؤوا الحدود
стр. 5953
بالشُّبهات" (١) وهذه شبهةٌ يسقط الحدُّ معها، فقال: وأيُّ شبهةٍ مع المعاينة؟ قلت: ليس توجب المعاينةُ لذلك أكثرَ من العلم بما جرى، والحدودُ لا تكون بالعلم، وليس لأحدٍ أخذُ حقِّه بعلمه، فسجد أُخرى وأمر لي بمالٍ جزيل، فلم أزل أترقَّى حتَّى ولَّاني القضاء.
وقال أبو يوسُف: مَن قال: إنَّ القرآنَ مخلوق، فحرامٌ كلامُه، وفرضٌ مباينتُه.
وخوصم موسى الهادي أميرُ المؤمنين إلى أبي يوسفَ في بستانٍ له، فكان الحكمُ في الظَّاهر للهادي، وكان الأمرُ على خلاف ذلك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الخصم سألني أن أحلِّف شهودَ أميرِ المؤمنين أنَّهم شَهدوا على حقّ (٢)، فقال له: وترى ذلك؟ قال: كان ابنُ أبي ليلى يراه، قال الهادي: فأردُّ البستَانَ إليه. وإنَّما احتال أبو يوسفَ عليه.
وقال: ولِّيت هذا الحكمَ وانغمست فيه، وليس في قلبي منه شيءٌ، وأرجو ألا يسألَني اللهُ عن جَور ولا ميل منِّي إلى أحد، إلَّا يومًا واحدًا، فإنَّ في قلبي منه بعضَ ما فيه. قيل: وما ذاك؟ قال: جاءني رجلٌ يومًا فقال: لي بستانٌ قد اغتصبني إيَّاه أميرُ المؤمنين.
فدخلتُ على أمير المؤمنين فأخبرتُه، فقال: هذا البستانُ اشتراه لي أبي المهدي، فقلت: إن رأيتَ أن تحضرَ بخصمك فأَسمعَ منكما الدَّعوى، قال: نعم. فدخل الرجل فادَّعى، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما تقول؟ فقال: البستانُ لي وفي يدي، فقلت للخصم: ما تقول؟ فقال: خذ لي يمينَه، فقلت: أتحلِف؟ قال: لا، فقلت: أَعرض عليك اليمين ثلاثًا، فإن حلفتَ وإلَّا حكمت عليك، فعرضتُها عليه ثلاثًا، فأبى أن يَحلف، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، قد حكمت عليك بردِّ البستان، قال: لا أسلِّمه،
стр. 5954
وأَمر بالرجل فأُخرج. قال أبو يوسُف: فإني خائفٌ حيث لم أسأله أن يقعدَ مع خصمه، أو يأذنَ لخصمه أن يقعدَ معه على السَّرير.
قال: بينا أنا قد أَويتُ إلى فراشي، وإذا بداقٍّ يدقُّ الباب دقًّا عنيفًا، فأزعجني ومَن عندي، فخرجت، فإذا هَرْثَمَةُ بن أَعيَن، فقال: أَجِب أميرَ المؤمنين، فقلت: أَمهِلْني حتَّى أغتسلَ وأتحنَّط وأتكفَّن؛ فما طلبني في هذا الوقتِ لخير. ففعلتُ وخرجت معه، فأتينا دارَ الخليفةِ ومسرور قائم، فقال: اُدخل، فدخلت، وإذا به جالسٌ وعن يمينه عيسى بنُ جعفر، فسلَّمت، فردَّ وقال: أظنَّنا روَّعناك، قلت: إِي والله، ولمَن خلفي، قال: اِجلس، فجلستُ وسكن رَوْعي، ثم قال: أتدري لمَ دعوتك؟ فقلت: لا، قال: هذا -وأشار إلى عيسى بنِ جعفر- عنده جارية، وقد سألته أن يبيعَني إيَّاها أو يهبَها لي، واللهِ لئن لم يفعْل لأَقتلنَّه، فقلت لعيسى: وما قَدرُ جاريةٍ حتَّى تَمنعَها أميرَ المؤمنين؟ فقال: عجلتَ عليَّ بالقول قبل أن تعرفَ ما عندي، إنِّي حلفت بالطلاق والعِتاق وصدقةِ ما أملك ألا أبيعَها ولا أهبَها، فقلت: تهبُ نصفَها وتبيع نصفَها، فتكون لم تبعْها ولم تهبْها، قال: أَوَ يجوز ذلك؟ قلت: نعم، قال: فإنِّي أُشهدك أنِّي قد بعتُه نصفَها بمئة ألفِ دينارٍ ووهبته نصفَها، قلت: فتحضر الجارية، فحضرت وحضر المال، فقبضه عيسى وانصرف.
فقال لي الرَّشيد: يا يعقوب، هي مملوكةٌ ولا بُدَّ أن تُستبرأ، وواللهِ لئن لم أَبِت ليلتي معها إنِّي لأظنُّ أنَّ نفْسي ستخرج، فقلت: أَعتقْها وتزوَّجها؟ فإنَّ الحرَّة لا تُستبرأ، قال: فإنِّي عتقتها، فمن يزوِّجني إيَّاها؟ فقلت: أنا. فدعا بمسرورٍ وحسين، وزوَّجته إيَّاها على عشرين ألفِ دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها، وقال: انصرفْ، فانصرفت. فبعث في آثاري بمئتَي ألفِ درهمٌ وعشرين تختًا (١) من الثِّياب، وبعثَتْ إليَّ الجاريةُ بعشرة آلافِ دينار، وقالت: واللهِ ما عندي غيرُها، والنصفُ الآخَر أصرفه فيما لا بدَّ لي، فقلت: أَخرجتُها من الرِّقِّ وزوَّجتها بأمير المؤمنين وتقابلني بمثل هذا؟! فلم تزل تشفع إليَّ حتَّى قبلتُها.
стр. 5955
وقال يَحْيَى بن مَعين: كنت عند أبي يوسفَ وعنده جماعةٌ من أصحاب الحديثِ وغيرهم، فوافته هديةٌ من أمِّ جعفرٍ احتوت على تُخوت، دَبِيقيٍّ (١)، ومُصْمَت (٢)، وطِيب، وتماثيلَ نِدّ (٣)، وغيرِ ذلك. فذاكَرَني رجل بحديث النبِّي ﷺ : "مَن أتته هديةٌ وعنده قومٌ جلوس، فهم شركاؤه فيها" (٤) فسمعه أبو يوسفَ فقال: أَبِي تُعرِّض؟ إنَّما قال النَّبيُّ ﷺ ذلك والهدايا الأقِطُ والتمر والزَّبيب، لا ما ترون، ارفعه إلى الخزائن.
وقتل مسلمٌ ذمِّيًّا عمدًا، فحبسه أبو يوسفَ ليُقيدَه به، فرُفعت إليه رقعةٌ مختومة فيها:
يا قاتلَ المسلمِ بالكافر … جُرْتَ وما العادلُ كالجائرِ
يا مَن لبغدادَ وأقطارِها … مِن علماء النَّاسِ أو شاعر
جَارَ على الدِّين أبو يوسفٍ … بقتله المسلمَ بالكافر
فاسترجِعوا وابكوا جميعًا معًا … واصطبروا فالحكمُ للصَّابر (٥)
فدخل على هارونَ وأَخبره، فقال: اِذهب فاحتَلْ. فجلس أبو يوسف، وجاء وليُّ الدم وادَّعى وقامت البيِّنة، فقال لوليِّ الدم: أَقِم البينةَ عندي أنَّ صاحبك كان يؤدِّي الجزية، فلم يُقم بيَنة، فامتنع القَوَد.
وحجَّ أبو يوسفَ معادلًا لهارون، فلمَّا دخل هارونُ الرشيد مكةَ صلَّى بالنَّاس الظهرَ ركعتين، فلمَّا سلَّم قام أبو يوسفَ فقال: يا أهلَ مكَّة، أتمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْر، أشار إلى الحديث (٦)، فقال رجلٌ من أهل مكةَ كان معهم في الصَّلاة: نحن أفقهُ من أن نُعلَّم مثلَ هذا، فقال له أبو يوسف: يا ابنَ أخي، لو كنت فقيهًا لما تكلَّمت في صلاتك.
стр. 5956
فطرب هارونُ وقال: ما يسُرُّني بها حُمْرُ النَّعم، ولم يُعِدْ في معادلته للرشيد حكايةً ولا خبرًا، ولا وصل إلى مكانٍ إلَّا وأَخبره باسمه.
وصل كتابٌ من بعض الأطرافِ أن قاضيًا اختصمت إليه جاريتان في جرَّتين، استقتا ماءً من تُرعةٍ ثم جلستا تستريحان، فسقطت إحدى الجرَّتين على الأخرى، فانكسرتا، فادَّعت كلُّ واحدةٍ أنَّ جرَّة الأخرى انكسرت، فلم يكن عند القاضي علمٌ من ذلك، فقال للقيِّم: اذهب واشترِ لهما جرَّتين وأَرِحني منهما.
ثم قال القاضي لصاحبٍ له بعد أيَّام: ما يقول النَّاس؟ قال: يقولون: إنَّ القاضي لا يُحسن أن يحكمَ في جرَّتين حتَّى غَرِمهما، فقال: سبحانَ الله! أَلَا ترضَون مني أن أحكمَ فيما أُحسن وأَغرمَ فيما لا أحسن. فقال هارونُ لأبي يوسف: ما تقول فيه؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هذا رجلٌ عاقل، فزِدْه في رِزقه لأجل الغرامات، فزاده في كلِّ شهرٍ ألفَ درهم.
وكان يجلس إلى أبي يوسفَ رجلٌ فيطيل الصَّمت، فقال له: ألا تتكلَّم؟ فقال: متى يُفطر الصائم؟ قال أبو يوسُف: إذا غابت الشَّمس، قال: فإن لم تَغِب إلى نصف الليل، فضحك أبو يُوسُف وقال: أصبتَ في صمتك، وأخطأتُ أنا في استدعاءِ نُطْقِك، وأنشد: [من الطَّويل]
عجبتُ لإزراء العَييِّ بنفسه … وصمتِ الذي قد كان بالقول أَعلَما
وفي الصَّمت سترٌ للعييِّ وإنَّما … صحيفةُ لُبِّ المرء أنْ يتكلَّما (١)
وقال أبو يوسف: ثلاثةٌ لا يَسلَمون من ثلاثة: مَن طلب النجومَ لم يسلمْ من الزَّندقة، ومن طلب غرائبَ الحديثِ لم يسلم من الكذب، ومن طلب الكيمياءَ لم يسلم عن الفقر.
وكان يكتب كتابًا وعنده رجل، فتطلَّع فيه، فلمَّا فرغ منه أبو يوسفَ قال للرجل: فيه خطأ؟ قال: لا ولا حرف، قال: كفيتنا مَؤونةَ النظرِ فيه، ثم أنشد: [من السريع]
стр. 5957
كأنَّه من سوءِ تأديبه … أسلم في كُتَّاب سوءِ الأدبْ (١)
ووقف على المزنيِّ رجلٌ فقال: ما تقول في أبي حنيفة؟ وفياى، سيِّد أهلِ العراق، قال: فأبو يوسف؟ قال: أَتبعُهم للحديث، قال: فمحمَّد بن الحسن؟ قال: أشدُّهم تفريعًا، قال. فزفَر؟ قال: أحدُّهم قياسًا.
ذِكر وفاته:
قال أبو يوسف: صحبتُ أبا حنيفةَ سبعَ عشرةَ سنةً، ثم انصبَّت على الدُّنيا سبعَ عشرةَ سنة، فما أظنُّ أجلي إلَّا قد قَرُب. فما كان إلَّا القليلُ حتَّى مات.
وقال عند موتِه: يا ليتني لم أَدخلْ في القضاء، حتَّى إنِّي بحمد اللهِ ما تعمَّدت جَورًا، ولا حابيتُ خصمًا على خصم، من سلطانٍ أو سُوقة. اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنِّي لم أَجُرْ في حكمٍ حكمتُ به بين عبادك متعمِّدًا، ولقد اجتهدتُ في الأحكام بما يوافق كتابَك وسنَّةَ نبيِّك ﷺ ، وما أشكل عليَّ جعلتُ أبا حنيفةَ فيه بينى وبينك، وكان أبو حنيفة ممَّن يعرف أمرَك ولا يخرج عن حكمك، اللَّهم إنَّك تعلم أني لم أطأ فرجًا حرامًا، ولم آكل درهمًا حرامًا.
وكان يومُ جنازتِه يومًا مشهودًا لم يتخلَّف عنه من أهل بغدادَ خاصٌّ ولا عامّ، ودُفن يمقابر قريش، وسنُّه تسعٌ وستُون سنة. وقيل: إنَّه مات سنةَ إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة. وقال عبَّاد بن العَوَّام: ينبغي لأهل الإِسلام أن يُعَزِّي بعضُهم بعضًا في أبي يوسف.
وبعث معروفٌ الكرخيُّ مع عبد الرَّحمن القوَّاس (٢) يسأل عن مرض أبي يوسف، فوافى جنازتَه وهي خارجة، فمشى معها حتَّى دُفن، ثم عاد فأَخبر معروفًا، فاشتدَّ حزنُه عليه، فسأله عن ذلك، فقال معروف: رأيتُ في المنام كأنِّي دخلت الجنَّة، فإذا بقصرٍ عظيم، ووصف عن حُسنه، فقال: قلت: لمَن هذا؟ فقيل: لأبي يوسفَ القاضي، قلت: وبمَ ذاك؟ قال: بتعليمه النَّاسَ الخيرَ وحرصه عليه، وبأذى النَّاسِ له.
وقال محمَّد بن سَمَاعة: شهدت جنازتَه -أي جنازةَ أبي يوسف- فسمع النَّاسُ قائلًا
стр. 5958
يقول: [من السريع]
يا ناعيَ الفقهِ إلى أهله … أنْ مات يعقوبُ وما تدري
لم يمت الفقهُ ولكنَّه … حُوِّل من صدرٍ إلى صدر
ألقاه يعقوب إلى يوسفٍ … فزال من طُهرٍ (١) إلى طهر
فهو مقيمٌ فإذا ما ثوى … حلَّ وحلَّ الفقهُ (٢) في قبر
قال المصنِّف ﵀: هذا الشِّعرُ لإسحاقَ بن حسانَ بن قوهي، وأصلُهُ من الشَّاهجان (٣)، قدم العراق، وكان شاعرًا سهلَ المأخذِ حلوَ المنطق، قيل له: ما بالُ شعرِك لا يسمعه أحدٌ إلَّا استحسنه وقَبِله طَبْعُه؟ فقال: لأنِّي [لا] أجاذِبُ الكلامَ إلَّا أن يُساهِلَني عَفْوًا، فمَن سمعه سَهُل عليه استحسانُه.
فمن شِعره في مرثيَّة في ولده (٤): [من الطَّويل]
ولو شئتُ أن أبكي دمًا لبكيتُهُ … عليه ولكنْ ساحةُ الصَّبرِ أوسعُ
وأَعددْتُهُ ذُخرًا لكلِّ عظيمةٍ … وسهمُ المنايا بالذَّخائر مولَع
وإنِّي وإنْ أَظهرتُ منِّي جَلادةً … وصانعتُ أعدائي عليك لَموجَع
وله فيه: [من الطَّويل]
أعاذلُ كم من مؤنسٍ (٥) قد رُزِئْتُه … وفارقني شخصٌ عليَّ كريمُ
أرى الصبرَ منِّي جَمرةً مُسْتكنَّة … لها لَهَبٌ في القلب ليس يَرِيمُ
وآثارُه في البيت حيث توجَّهَتْ … بيَ العينُ حُزنٌ في الفؤاد مُقيم
خططتُ له في التُّرب بيتَ إقامةٍ … إلى الحشر فيه والنشورِ مقيم
стр. 5959
وكان سرورًا لم يَدُم لي وغبطةً … وأيُّ سوورٍ في الحياةِ يدوم
على حيث فارقتُ الشبابَ وقارَبَتْ … خُطاي قيودَ الشَّيب حين أقوم
وفارقتُ حلوَ العيش إلا صَبابةً … عليها خطوبُ الحادثاتِ تحوم
أَلَا كلُّ عيشٍ بعد فُرقة أحمدٍ … وكل سرورٍ ما حَيِيتُ ذَميم
فهل كان يعقوبُ النبيُّ بحُزنه … مُليمًا وما يُزري عليه (١) حكيم
كوى قلبَه حزنٌ كأنَّ لهيبَه … توقُّد نيرانٍ لهنَّ ضَريم
فما عيَّر اللهُ النبيَّ بحزنه … أبي ذاك ربُّ العالمين رحيم
فلولا رجاءُ الأجرِ فيك وأنَّه … ثوابٌ وإنْ عزَّ المُصاب عظيم
وأنَّك قربانٌ لدى اللهِ نافع … وحظٌّ لنا يومَ الحسابِ جسيم
لأضعف حزني يا بُنيَّ وأوشَكَتْ … عليَّ البواكي بالرَّنين تقوم
سمع أبو يوسفَ يَحْيَى بنَ سعيدٍ وسليمانَ الأعمشَ وهشامًا وغيرهم، وروى عنه محمد بن الحسن وبِشر بن الوليد والإمامُ أحمدُ رحمة اللهِ عليه وغيره.
وقال طلحةُ بن محمَّد بن جعفر: وأبو يوسفَ مشهورُ الأمرِ ظاهرُ الفضل، وهو صاحبُ أبي حنيفة، وأفقهُ أهلِ عصره، ولم يتقدَّمه أحدٌ في زمانه، وكان النهايةَ في العلم والحُكمِ والرِّئاسة والقَدر، وأوَّل مَن وضع الكتبَ في أصول الفقهِ على مذهب أبي حنيفةَ في أقطار الأرض، وكان صاحبَ سنَّة.
يزيد بن زُرَيع
أبو معاويةَ العَيشيّ، من بكر بنِ وائل. من الطبقة السادسةِ من أهل البصرة. كان ثقةً، كثير الحديث، عالمًا، فاضلًا، صدوقًا.
كان أبوه واليَ البصرة، مات فلم يأخذْ من ميراثه شيئًا؛ قال [أبو (٢)] سليمانَ الأشقر: تنزَّه يزيدُ بن زُريع عن خمس مئةِ ألف درهمٍ من ميراث أبيه لم يأخذْ منها درهمًا. وكان يتقوَّت من سَفِّ الخُوصِ بيده.
стр. 5960
وكان الإمام أحمدُ رحمةُ الله عليه يُثني عليه ويقول: تنزَّه عن مال أبيه زُريع، وما أتقنَه وأحفظَه وأصدقَه.
سمع من أيوبَ السَّختيانيِّ (١) وابنِ أبي العَروبة وغيرِهما.
قال ابنُ سعد: توفِّي بالبصرة في شوَّال سنةَ اثنتين وثمانين (٢). وقيل: سنةَ سبعٍ وسبعين ومئة.
يعقوبُ بن داود
ابن عمرَ بن طَهْمان، أبو عبدِ الله، مولى عبدِ الله بن خازمٍ السُّلمي.
قال: حبسني المهديُّ في بئر، وبُنيت علي قُبَّة، فمكثت فيها خمسَ عشرةَ سنة، وكان يُدلَى إليَّ كلَّ يوم رغيفٌ وكوزُ ماء، وأُوذَن بأوقات الصَّلاة، فلمَّا كان في رأس ثلاثَ عشرةَ حِجَّة، أتاني آتٍ في منامي فقال: [من البسيط]
حنا على يوسفٍ ربِّ فأخرجهُ … من قعرِ جُبٍّ وبيتٍ حوله غُمَمُ (٣)
قال: فحمدت اللهَ وقلت: أتاني الفَرَج، فمكثتُ حولًا لا أرى شيئًا، فلمَّا كان رأسُ الحولِ، أتاني ذلك الآتي فقال: [من الوافر]
عسى الهمُّ الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فَرَجٌ قريبُ
فيأمنَ خائفٌ ويُفكَّ عانٍ … ويأتي أهلَه النائيّ الغريب
أَلَا ليت الرِّياحَ مُسَخَّراتٌ … لحاجتنا تُبَكِّر أو تؤوب
فتُخبِرَنا الشَّمال إذا أتتنا … وتُخبِر أهلَنا عنَّا الجَنوب (٤)
فلمَّا أصبحتُ نوديت، فظننت أنِّي أُوذن بالصلاة، فدُلِّيَ (٥) لي حبلٌ أسود، وقيل لي: اُشدد به وسطَك، ففعلت، فأَخرجوني، فلما تأمَّلت الضوءَ عشا بصري، فانطلقوا بي فأَدخلوني على الخليفة، فقالوا: سلِّم على أميرِ المؤمنين، فقلت: السلامُ عليك يا
стр. 5961
أميرَ المؤمنين المهديّ، فقال: لستُ به، فقلت: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين الهادي، قال: لستُ به، قلت: الرَّشيد؟ قال: نعم يا يعقوب، إنَّه واللهِ ما شفع فيك إليَّ أحد، غيرَ أني حَملتُ الليلةَ صبيةً لي على عنقي، فذكرتُ حملَك إيَّاي على عنقك، فرثيتُ لك من المحلِّ الذي كنتَ فيه فأخرجتُك. ثم أَكرمني وقرَّب مجلسي.
ثم إنَّ يَحْيَى بن خالدٍ تنكَر لي، كأنَّه خاف أن أَغلبَ على الرَّشيد دونه، فخفتُه، فاستأذنتُ في الحجّ، فأذن لي.
قال ابنهُ عبد الله بن يعقوب: فلم يزل مقيمًا بمكَّة حتَّى مات سنةَ اثنتين وثمانين ومئة.
وقيل: إنَّ المهديَّ سلَّم مفتاحَ البيتِ الذي كان فيه يعقوبُ محبوسًا إلى خادمٍ له، وأَوصاه ألا يُقرَّ لأحدٍ أنَّه في الحياة، فلمَّا ذكره الرَّشيدُ سأل عنه، فدُل على الخادم، فأَحضره وسأله عن يعقوب، فأَنكره، فضربه بالمَقارع، فأَقرّ، فأُخرج من المَطْمورةِ وهو أعمى.
ذِكر طرفٍ من أخباره:
كان داودُ أبو يعقوبَ وولدُه كتَّابًا لنصر بنِ سيَّار، فلمَّا قُتل يَحْيَى (١) وظهر بعد ذلك أبو مسلمٍ الخُراساني، جاءه داودُ مطمئنًا إليه، فأمَّنه أبو مسلمٍ على نفسه، ثم أخذ أموالهَ وعقارَه وما استفاده من نصرِ بن سيار.
ثم مات داود، فنظر يعقوبُ وإخوتُه فلم يجدوا لهم عند بشيء العبَّاس مكانة، فالتجؤوا إلى آلِ أبي طالب. فكان يعقوبُ يتقلَّب في الأمصار، تارةً مع إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حسن، وتارةً مع محمَّد بن عبدِ الله بن حسنٍ، يأخذ البيعةَ لهما، فلمَّا ظهر محمَّد على المدينة واستولى عليها، كتب عليُّ بن داود -وكان أسنَّ من يعقوب- لإبراهيمَ بن عبد الله، فلمَّا قُتل محمَّد وإبراهيم، جدَّ أبو جعفرٍ في طلب آلِ داود، فأُخذ يعقوبُ وعليٌّ ابنا داودَ فحُمِلا إليه، فحبسهما في المُطْبق أيامَ خلافته، فلمَّا ولي المهديُّ مَنَّ عليهما وأَطلقهما، وكان معهما في الحبس إسحاقُ بن الفضل بنِ عبد الرَّحمن الهاشمي، وكان إسحاقُ يقول: إنَّ الخلافةَ في صالحي بني هاشم، وهي للأكبرِ من ولد عبد المطَّلب، وإنَّه أحقُّ بها من المهديّ، فحبسه.
стр. 5962
وكان الحسنُ بن إبراهيمَ بنِ عبد الله وعيسى بن زيدٍ قد هربا من المهديّ وبطلبهما، فقال المهديّ: لو وجدتُ كان يدخل بيني وبينهما، فقيلَ له: هذا يعقوبُ بن داود خصيصٌ بآل أبي طالب، فاستدعاه فكلَّمه، فرآه كاملًا، فسأله عن [الحسن] بن (١) إبراهيمَ وعيسى، فوعده أن يدخلَ بينهما، وقال: عَدِّ عن ذِكرهما فإنَّهما قد خافاك. فاستوزره المهديُّ وفوَّض إليه أمورَه، وحجَّ المهدي، فتلطَّف يعقوبُ حتَّى جمع بينه وبين الحسنِ بن إبراهيم، فسُرَّ به وأعطاه مالًا وأَقطعه قطائع.
وقيل: إنَّه حبسه بعد ذلك، وبعث يعقوبُ إلى الزَّيدية، فجاؤوه كان الأقطار، فولَّاهم الولاياتِ الجليلة، وكان قد غلب على المهديّ بحيث إنَّه خلِّد في الدواوين توقيعٌ باسمه فيه أنَّه أخو أميرِ المؤمنين، فلمَّا استولى يعقوبُ وجمع الزيديةَ وولَّاهم الدّنيا، حسده الموالي وشنَّعوا عليه عند المهديِّ وغيَّروه عليه، وكان لمَّا سلَّم الحسنَ بن إبراهيم إلى المهدي، تغيَّرت عليه الزيدية وقالوا: إنَّما فعل ذلك تقرُّبًا إلى المهديّ، وكثرت عليه الشَّناعات أنَّه يريد أن يولِّي الخلافةَ إسحاقَ بن الفضل الهاشميّ، وقيل للمهدي: لا تأمنْ أن تثورَ النَّاسُ عليك في ساعةٍ واحدة.
ودخل يعقوبُ يومًا على المهديّ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّك أمرتني أن ألتمسَ لك رجلًا تولِّيه مصر، وما أرى غيرَ إسحاقَ بن الفضل، فتغيَّر وجهُ المهدي، وقام يعقوبُ فخرج، فأَتبعه المهديُّ بصرَه وقال: قتلني اللهُ إن لم أقتلْك. وما زال الموالي يسعَون به إلى المهديِّ حتى نكبه.
وكان المهديُّ قد بنى قصرًا بعيساباذَ أنفق عليه خمسين ألفَ ألفِ درهم، فقال يعقوب: أَتلفَ هذه الجملةَ من بيت المالِ لا لفائدةٍ إلَّا اللَّعب (٢). وبلغ المهديَّ فازداد حَنَقًا.
وقيل: إنَّ يعقوبَ أَنكر على المهدي [، وكان المهدي] لا يشرب النبيذَ لأنَّ مزاجَه لم يكن يقبله، فكان يُحضر النُّدماء فيشربون بين يديه، فقال يعقوب: ما على هذا وَزَرتُ لك، أَبعدَ الصلواتِ الخمسِ في المساجد وقراءةِ القرآن يُشرب النبيذ بين
стр. 5963
يديك؟! فحقد عليه، فقال بعضُ الموالي: [من الطَّويل]
فدعْ قولُ يعقوب بن داود جانبًا … وأَقبِلْ على صَهباءَ طيِّبةِ النَّشرِ (١)
والأصحُّ أنَّ سببَ نكبته ميلُه إلى آل أبي طالب. وقال أبو اليقظان: إنَّ المهديَّ جلس يومًا في مجلسٍ وفرش فيه الفُرُش والآلاتِ والأواني والجواهر ما لم يُرَ مثلُه، وأحضر جاريةً فائقةَ الجمال، فقال: يا يعقوب، ما تقولُ في هذا المجلس؟ فقال: أَمتعَ اللهُ أميرَ المؤمنين، فقال: هو لك بما فيه.
ثم قال له: لي إليك حاجةٌ وأنا أحبُّ أن تقضيَها، قال يعقوب: أنا عبدُ أمير المؤمنين، قال: تقوم تضع يَدك على رأسي وتحلف أنَّك تقضيها. ففعل ما أَمره به المهديُّ واستوثق منه، فأَخرج إليه شابًّا من ولد آلِ أبي طالبٍ وقال: هذا تريحني منه عاجلًا (٢)، وأمر له بمئة ألفِ درهم.
قال يعقوب: فقمتُ وقد حمل معي ما كان في المجلس والمالِ وأتيتُ منزلي، ومن شَغَفي بالجارية تركتها في مِخدعٍ لأفرغَ من العلويُّ: وأعودَ إليها. قال: وجلست على كرسيٍّ وأحضرت السيفَ والنَّطع، فقال لي العلويُّ: يا يعقوب، اللهَ اللهَ في دمي؛ فإنَّ جدِّي رسولُ الله ﷺ ، وعليٌّ أبي، وفاطمةُ أمِّي، وهما خصماؤك يومَ القيامة. فوقفتُ عليه وبكيت، وقلت: لا تخف، أيُّ الطرق أحبُّ إليك؟ فقال: الطريقُ الفلاني. وأحضرتُ جماعةً ممَّن أثق منهم وأعطيتُهُ من ذلك المال، وواعد أولئك الجماعةَ مكانًا يلتقي بهم فيه.
قال: وإذا الجاريةُ تسمع ما أقول ولم أعلم، فبعَثَت خادمًا إلى المهديِّ فأَخبره، فأرسل جماعةً في الليل إلى ذلك المكانِ فأخذ العلويَّ والذين معه والمال، ثم استدعاني في الحال، وقال: ما فعل الرَّجل؟ فقلت: قد أراحك اللهُ منه، فقال: اُنظر ما تقول، فقلت: نعم، فقال: ضع يدَك على رأسي واحلف، ففعلت، وإذا قد فُتح بابٌ
стр. 5964
وأُخرج منه العلويُّ والرِّجال والمال، فأُسقط في يدي، فقال: قد أباح اللهُ لي دمَك، ولكن لا أُريقه، إلَّا أنني أَحبسك حبسَ الأبد، فحفر لي في المُطْبَق بئرًا وأُلقيت فيها، وأقمتُ مدَّة لا أدري ما النَّاسُ فيه، وذهب بصري.
وبلغ المهديّ أنَّ إسحاقَ بن الفضل بنِ عبد الرَّحمن الهاشميَّ يقول: أنا أحقُّ بالخلافة من المهديّ، فاستدعاه المهديُّ من المطبق وقال: تزعم أنَّكم الكُبْرُ من ولد عبدِ المطلب لأنَّ أباكم الحارثَ كان أكبرَ ولد عبدِ المطلب، فقال: إنْ صحَّ هذا عنِّي فاقتلني، فقال: حكاه لي عنك يعقوبُ بن داود. قال إسحاق: وقد بلغني أنَّ يعقوبَ قُتل في الحبس، فقلت: إنْ قال يعقوبُ هذا عنِّي فاقتلني، فأُحضر يعقوبُ في الحال، فلمَّا رأيته مقيَّدًا مكبَّلًا بالحديد أَيقنت بالقتل، ولم أشكَّ أن يَبهتني لعله يَخلص. فقال له: يا يعقوب، ألستَ القائلَ عن إسحاق كذا وكذا؟ قال: لا واللهِ ما قلت قطّ، قال: بلى، قال: لا والله، فغضب المهديّ، فقال يعقوب: يا أميرَ المؤمنين، الأمرُ على خلاف هذا، أَتذكر يومَ شاورتَني مَن تولِّي مصرَ فأشرتُ عليك بإسحاقَ فقلتَ: ذاك يزعم أنَّه أَولَى بالخلافة مني. وقد كان مباركٌ التركيُّ حاضرًا، فسأله فتذكَّر المهديُّ ذلك، فقال: صدقت.
وأقبل المهديُّ على يعقوبَ يوبِّخه ويعدِّد أفعالهَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اُذكر إذ أعطيتَني عهدَ اللهِ وميثاقَه وذمَّةَ الله ورسولهِ وذمةَ آبائك أنَّك لا تؤذيني ولا تحبسني ولو قتلتُ موسى وهارون، فقال: يا يعقوب، قال: لبَّيك يا أمير المؤمنين تلبيةَ مَكروبٍ لمَوْجِدَتِك، [قال:] أَلم أرفعْ من قَدرك إذ كنتَ وضيعًا؟ وأنوِّه بِذكرك إذ كنت خاملًا؟ فقال: إنْ كانت عقوبتي منك فبذنب مُعْتَرِف، وإن كانت من تخرُّص الوُشاة فالعبدُ عائذٌ بفضل مولاه، فقال: لولا سابقُ خدمتِك لأَلبستُك قميصًا من دمك لا تشدُّ عليه زِرًا. ثم أَمر بإِعادته إلى حبسه، فانصرف وهو يقول: الوفاءُ كرم، والمودَّة رَحِم، وأنتَ يا أميرَ المؤمنين بهما جدير (١).
وقيل: إنَّه قال له: يا يعقوب، أَلم تُخبرني أنَّ هذا وأهل بيته يزعمون أنَّهم أحقُّ
стр. 5965
بالخلافة منا؟ فقال: لا واللهِ ما قلتُه، فقال: أتكذِّبني؟! وأمر بضربه فضرب اثني عشر سَوطًا، ثم قال المهديُّ لإِسحاق: ما تقول أنت؟ قال: كيف أقولُ هذا وقد مات جدِّي في الجاهلية كافرًا وأبوك الباقي بعد رسولِ الله ﷺ وهو وارثُه، فقال له المهديّ: صدقت. وأَطلقه وردَّ يعقوبَ إلى محبسه.
وكان يعقوبُ سَمْحًا جوادًا، كثيرَ البِرِّ والصَّدقة واصطناعِ المعروف؛ جاءت امرأةٌ من اليمامة جَعْديَّةٌ مملوكةٌ لبني جعدةَ يقال لها: وحشية، قد كاتبت على ولدها وأختِها وأهلِ بيتها بألف دينار، فوقَفَت بين يدي يعقوبَ بنِ داود وقالت: [من الوافر]
أَمَا ومعلِّمِ التوراةِ موسى … ومُرسي البيتِ في حَرَم الإلالِ (١)
وباعثِ أحمدٍ فينا رسولًا … يعلِّمنا الحرامَ من الحلال
لَشهرًا نحو يعقوبٍ سَرَينا … فأدَّاني له وقتَ الهلال
أَغِثْني يا فداك أبي وأمِّي … وعمِّي لا أُحاشيه وخالي
يُبَشِّرني بنُجحي كلُّ طيرٍ … جَرَتَ لي عن يميني أو شِمالي
فقال يعقوب: صَدَقَت طيرُك، وأعطاها ألفَ دينار وقال: اِذهبي فاشتري أهلَك وولدَك وأَقدِميهم عليّ، ففَعَلَت، فما زالت في عيال يعقوبَ هي وأهلُها حتَّى ماتت.
وكان يعقوبُ ممدَّحًا، مدحه سَلْمٌ (٢) الخاسر وأبو الشِّيص وأبو حَنَش وغيرُهم.
* * *
стр. 5966
السَّنة الثالثةُ والثمانون بعد المئة
فيها خرج من الخَزَر خلقٌ عظيمٌ من باب الأبواب، وكانوا مئةَ ألف وملكهم، وكان قد زوَّج ابنتَه من الفضل بنِ يَحْيَى (١)، فماتت في طريقها قبلَ وصولها، فقيل لخاقان: إنَّ المسلمين قتلوها غِيلة، فخرج بهذا السَّبب.
وقيل: إنَّ سعيد بن سَلْم (٢) بن قتيبةَ كان على إِرمينية، فقتل المنجِّمَ السُّلمي، فدخل ابنُه إلى الخَزَر فاستنصرهم على سعيد، فخرجوا إلى سور بابِ الأبوابِ فثلموه، ودخلوا إلى بلادِ المسلمين، فأغاروا عليها، وقُتل من المسلمين وأهل الذِّمَّة مئة ألف، ونكحوا المسلماتِ وبقروا بطونَ الحَبَالى، وذبحوا الأطفال في المهود، وسَبَوا خلقًا عظيمًا، وفعلوا فعلًا لم يُسمع في الإِسلام بمثلهِ، وهرب سعيدُ بن سَلْم، وبلغ الرَّشيد، فجهز الجيوشَ مع خزيمةَ بن خازم، وولَّى يزيدَ بن مَزْيَدٍ أرمينيةَ وأَذربيجان، فساروا، فوجدوا العدوَّ قد رجع إلى بلاده بالغنائم والسَّبايا، فسدُّوا الثُّلْم وأَصلحوا ما أفسد القوم، ورجع خزيمةُ فأقام بنصيبين رِدءًا ليزيدَ بن مَزْيَد، وحجَّ بالنَّاس العباسُ بن موسى الهادي.
فصل وفيها توفي
إبراهيم بن سعد
ابن إِبراهيمَ بن عبد الرَّحمنِ بن عوف، أبو إسحاقَ الزُّهريّ.
من الطبقة السادسةِ من أهل المدينة. وأمُّه أَمَةُ الرَّحمنِ (٣) من بني عبد بنِ زَمْعَة، من بني عامر بن لؤيّ.
стр. 5967
فوَلَدَ إبراهيمُ سعدًا ومحمَّدًا لأمِّ ولد، وإسماعيلَ لأمِّ ولد، ويعقوبَ.
وروى عن الزُّهريِّ، وصالحِ بن كَيسانَ، والحارثِ وعبدِ الله ابني عكرمةَ وغيرِهم، وكان ثقةً كثير الحديث، وسكن بغداد، وكان على بيتِ المال.
وقال الخطيب (١): وُلد سنةَ ثمانٍ ومئة. وقَدِم العراقَ على هارون، فأَكرمه، وسأله عن الغناء، فأَفتاه بتحليله، وكان قد انفرد بأحاديثِ الزُّهري، فأتاه بعضُ أصحاب الحديثِ ليسمعَ منه، فوجده يغنِّي، فدخل عليه فقال: لقد كنتُ حريصًا أن أسمعَ منك، فأمَّا الآنَ فلا أسمعُ منك حديثًا أبدًا، فقال له إِبراهيم: فإذن لا أفقد إلَّا شَخصَك، ثم حلف وقال: عليَّ كذا وكذا إنْ حدَّثتُ ببغدادَ -ما أقمت- حديثًا حتَّى أغنِّيَ قبله.
وبلغ الرشيدَ خبرُه، فاستدعاه وسأله عن المخزوميةِ التي قطعها رسولُ اللهِ ﷺ في سرقة الحُلِيّ (٢)، فقال: عليَّ بعود، فقال هارون: عودُ المِجْمَر؟ قال: لا، عودُ الضَّرب، فتبسَّم الرشيد، فقال: لعلك يا أميرَ المؤمنين بلغك حديثُ السفيهِ الذي أَلجأني إلى اليمين، قال: نعم، ودعا له لعُود، فأَخذه ووضعه، وغنَّى فقال: [من البسيط]
يا أمَّ طلحةَ إنَّ البَينَ قد أَزِفا (٣) … قلَّ الثَّواءُ لئن كان الرَّحيلُ غدًا
فقال له هارون: مَن كان من فقهائكم يكره السَّماع؟ فقال: مَن ربطه اللهُ تعالى، قال: فهل بلغك عن مالكِ بن أنسٍ فيه شيء؟ قال: لا، ولكن حدَّثني أبي أنَّهم اجتمعوا في دعوةٍ لبني يربوع، وهم يومئذٍ جِلَّة وفيهم مالك، فتغنَّى وقال: [من مجزوء الوافر]
سُليمى أَجمعت بَيْنا … فأَين لقاؤها أينا
وقد قالت لأَترابٍ … لها زُهرٍ تلاقَينا
تعالينَ فقد طاب … لنا العيشُ تعالينا (٤)
стр. 5968
وضحك هارونُ ووصله بمالٍ عظيم.
أَسند إبراهيمُ عن أبيه سعد، وكان أبوه قاضيًا على المدينة. وروى عنه شعبةُ بن الحجَّاج (١) وغيرُه. وأَجمعوا على أنَّه كان ثقة. ودُفن بباب التِّبْن.
عليُّ بن الفُضيل بنِ عياض (٢)
مات في حياة أبيه، وكان عالمًا، ديِّنًا، صالحًا، خائفًا على حداثة سِنِّه لم يبلغ عشرين سنة، وكان يدقِّق في الورع، ويبالغُ في المطعم، وكان يصلِّي حتَّى يزحفَ إلى فراشه زحفًا، ثم يلتفتُ إلى أبيه فيقول: يا أَبة، سبقني العابدون.
وبكى يومًا، فقال له أبوه: ما يُبكيك يا بُنيّ؟ فقال: أخاف ألا تجمعَنا القيامةُ غدًا.
وقال سفيانُ بن عُيينة: ما رأيت أخوفَ لله من الفضيل وابنهِ عليّ.
وكان الفضيلُ إذا علم أنَّ ابنه عليًّا خلفه -يعني في الصَّلاة- مرَّ ولم يَخَف ولم يحزن، وإذا علم أنَّه ليس خلفه تنوَّق في القراءة وحزن وخوَّف. فظنَّ يومًا أنَّه ليس خلفه، فأَتى على هذه الآية: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] فخرَّ مغشيًّا عليه، وقيل لأمِّه: أَدركيه، فجاءت فرشَّت الماءَ على وجهه، وجاء الفضيلُ فجلس عند رأسِه، فقالت له أُمُّه: قد علمت أنَّك قاتلُ هذا الغلام. فأَفاق، فمكث حينًا، فظنَّ يومًا أنَّه ليس خلفه، فقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] فخرَّ ميِّتًا.
وقال الخطيب: الآيةُ التي مات فيها هي قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧] الآيةَ. وفي رواية ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
وخرج الفُضيل في جنازته وهو متبسِّم، ولم يُرَ متبسمًا إلَّا في ذلك اليوم، فقيل له: يموت عليٌّ وتتبسَّم؟! فقال: إنَّ الله تعالى أراد أمرًا فأحببتُه. وكانت وفاتهُ بمكَّة. أَسند عن أبيه وسفيانَ بن عيينةَ وعبدِ العزيز بن أبي روَّادٍ وغيرِهم.
стр. 5969
محمَّد بن صَبيح
أبو العباس المُذَكِّر، مولى بني عِجْل، ويعرف بابن السَّمَاك (١). من الطبقة السابعةِ من أهل الكوفة. له المقاماتُ عند الخلفاءِ وغيرهم.
كان يقول: يا ابنَ آدم، إنَّما تغدو وتروحُ في كَسْب الأَرباح، فاجعل نفسَك ممَّا تكسبه، فإنَّك لن تكسبَ مثلها.
وقال المغيرةُ بن شُعيب: حضرتُ يَحْيَى بنَ خالدٍ البرمكيَّ [وهو يقول] لابن السمَّاك: إذا دخلتَ على هارونَ أميرِ المؤمنين، فأَوجِز ولا تكثر عليه. فلمَّا دخل عليه، قام بين يديه وقال: إنَّ لك بين يدي اللهِ مقامًا، وإنَّ لك من مقامك مُنْصَرَفًا، فانظر إلى أين يُنصَرَفُ بك، إلى الجنَّة أم إلى النَّار؟ فبكى هارونُ حتَّى كاد أن يموت.
وقال ابن السمَّاك: مَن امتطى الصبرَ قَوِي على العبادة، ومَن أجمع اليأسَ استغنى عن النَّاس، ومَن أهمَّته نفسُهُ لم يولِّ مؤنتَها غيرَه، ومَن أحبَّ الخير وفِّق له، ومَن كره الشرَّ جُنِّبه، ومَن رضي الدُّنيا من الآخرة حظًّا فقد أخطأَ حظَّ نفسه.
وكتب إلى أخٍ له: أمَّا بعد، فإنِّي أُوصيك بتقوى اللهِ الذي هو نجيُّك في سريرتك، ورقيبُك في علانيتك، فاجعله من بالك [على (٢)] حالك، وخَفْه بقدر قُربِه منك وقدرته عليك، وأعلم أنَّك بعينه ليس تَخرج من سلطانه إلى سلطان غيرِه، فلْيَعظُم منه حذرُك، وليكثر منه وَجَلُك، وأعلم أنَّ الذنبَ من العاقل أَعظمُ منه من الأحمق، ومن العالم أَعظمُ منه من الجاهل، وقد أصبحنا بزعمنا أَدِلَّاء، والدَّليلُ لا ينام في المَفازة، وقد كان عيسى ﵇ يقول: إلى متى تصفون الطريقَ للدَّالجين وأنتم تُقيمون في محلَّة المتحيّرين، تُصفُّون البعوضَ من شرابكم وتسترطون (٣) الجِمال بأحمالها. يا أخي، كم [من] مذكِّرٍ بالله ناسٍ لله، وكم من مخوِّف بالله جريءٌ على الله، وكم من داعٍ إلى الله فارٌّ من الله، وكم [من] تالٍ لكتاب الله مُنْسَلخٌ من آيات الله. والسَّلام.
стр. 5970
وكان يقول: سَبُعُك بين لَحْيَيك، تأكل به كلَّ مَن مرَّ عليك، قد آذيتَ أهلَ الدُّور في دورهم، وأهلَ القبورِ في قبورهم، ما تَرثي لهم وقد جرى عليهم البِلى وأنت تَنْبُشُهم، إنَّما نرى نبشَهم أخذَ الخِرَق عنهم، إذا ذكرتَ مساوئَهم فقد نبشتَهم، إنَّه ينبغي أن يدلَّك على ترك القولِ في أخيك ثلاثُ خِلال: أمَّا واحدة، فلعلك أن تذكرَه بأمرٍ هو فيك، فما ظنُّك بربِّك إذا ذكرتَ أخاك بأمرٍ هو فيك؟ ولعلَّك تذكره بأمرٍ هو فيك أعظم، فذلك أشدُّ استحكامًا لمقته إيَّاك. ولعلك تذكُره بأمرٍ قد عافاك اللهُ منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك الله؟! أما سمعتَ: اِرحم أخاك وأحمد الذي عافاك؟
وكان يقول: مَن أذاقته الدُّنيا حلاوتَها لميله إليها، جرَّعته الآخرةُ مَرارتها لتجافيه عنها.
ومات لهارونَ ولد، فحزن عليه حزنًا شديدًا حتَّى كاد أن يموتَ، وامتنع من الطَّعام والشَّراب، فدخل عليه ابنُ السَّماك فقال: [من مجزوء الكامل]
أَفنيتَ عُمْرَك باغترارِكْ … ومُناك فيهِ بانتظاركْ
ونسيتَ ما لا بدَّ منـ … وكنت أَوْلى بادِّكارك
لك ساعةٌ تأتيك من … ساعات ليلِك أو نهارِك
فاخترْ لنفسك قبل أن … تقضي وتُزعَج من قرارك (١)
ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، حدَّثني صديقٌ لي كان يسافر إلى بلاد الصِّين، وكان صديق ملكِ الصين، قال: جمعتُ له هديةً فاخرة وألطافًا كثيرة، ثم دخلت الصِّين، فوافيته قد مات ولدُه، فدخلتُ عليه، فلم أرَه يكترث ولا يُزعَج لموت ولدِه، فلمَّا خرجَت الجنازةُ إلى الصحراء، إذا بعشرة آلافِ وَصيفٍ ووَصيفة، على أيديهم أطباقُ الذهبِ والفضَّة مغطَّاة بالسُّندس، مُمَنْطَقين بمناطق الذهبِ والفضَّة، قد أحدقوا بالجنازة يُزَمْزِمون حولها، وإذا بعشرة آلافٍ من الرُّهبان والزهَّاد عليهم المُسوحُ والشَّعر، بأيديهم الأناجيلُ وهم يقرؤونها، فأَحدقوا بالجنازة، وإذا بعشرة آلافِ فارس، كلُّ واحدٍ يُعَدُّ بألوف، وهم على الخيول السَّوابق، مدرَّعين بأحسنِ العُدَد
стр. 5971
والسِّلاح، فأَحدقوا بالجنازة.
وخرج الملكُ يمشي في خواصِّه وأصحابهِ إلى المقابر، فلمَّا دفن رجع الملكُ إلى قصره، فجلس واستدعاني، فقال لي: أرأيت ما رأيت؟ قلت: نعم، فقال: أما الوصائف والوصفاء، فحملوا ما في خزائني من الجواهر واليواقيتِ واللآلئ المثمنةِ التي لا توجد إلَّا في خزائني، فلمَّا أَحدقوا به، زمزموا وقالوا: يا سيِّدَنا، لو أن الذي قبض روحك يقبل رِشوة، لكان فيما معنا من الجواهر واللآلئِ واليواقيت والأموالِ كفاية، ولكن الذي قبض روحَك لا يقبل الرُّشا. أرأيت أصحابَ المُسوحِ والشَّعر؟ أولئك عبَّاد بلادِنا ورهبانُهم وعلماؤنا، قالوا: يا ابنَ الملك، لو كان الذي قبض روحَك يقبل شفاعة، لشفعنا إليه فيك، ولكنّه لا يقبل، أرأيتَ أصحاب الدُّروع والسِّلاح؟ هؤلاء قوَّاد الملكِ وخواصُّهم، ركبوا خيولَهم وحصلوا سلاحَهم وقالوا: لو كان الذي قبض روحَك ممَّن يحارب لَحاربناه، ولكن ممَّن لا يحارب. ثم قال لي: يا مسلم، هل أبقينا بقيَّة؟ قلت: لا.
قال ابن السَّماك: فلمَّا فرغت من حديثي، قال هارون: لله درُّه من كافرٍ ما كان أحسنَ يقينَه! ثم بكى هارونُ حتَّى غُشي عليه، فقال بعض خواصِّه لابن السمَّاك: اُرفق بأمير المؤمنين، فقال: دَعه فليمت حتَّى يقال: خليفةُ اللهِ مات من مخافة اللهِ تعالى.
ونظر ابنُ السمَّاك إلى أقوامٍ عليهم الصوفُ فقال. لَئن كان لباسُكم موافقًا لسرائركم، لقد أَحببتم أن يطَّلعَ النَّاسُ عليها، ولَئن كان مخالفًا لها، لقد هلكتم.
وكان يقول: الذُّباب على العَذِرة أحسنُ منَ القرَّاءِ على أَبواب الملوك.
وقال أحمدُ بن أبي الحَوَاري: مرض ابن السمَّاك، فحملنا ماءً إلى طبيب نصرانيِّ بالحِيرة، فبينا نحن بين الكوفةِ والحِيرة، استقبَلَنا رجلٌ حسن الوجهِ طيِّب الرِّيح نقيُّ الثياب، فقال: أين تريدون؟ فأَخبرناه، فقال: سبحان الله! تستعينون بعدوِّ اللهِ على وليِّ الله! اِضربوا به الأرضَ وارجعوا إلى ابن السمَّاك وقولوا له: ضع يدَك على موضع الوجعِ وقل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] ثم غاب عنَّا. فعدنا إلى ابن السمَّاك فأخبرناه، فوضع يدَه على المكانِ وقرأ الآية، فعوفي من ساعته، فقلنا: مَن ذلك الرَّجل؟ فقال: الخَضِرُ ﵇.
стр. 5972
ذِكر وفاتِه:
قال لمَّا احتُضر: اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنِّي وإنْ كنت أَعصيك فإنِّي أحبُّ مَن يطيعك، اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنِّي لم أجلسْ مجلسًا إلَّا بدأت بالثَّناء عليك وبالصَّلاة على رسولك، وأُحبِّبك إلى خلقك.
قَدِم بغداد، فوعظ هارونَ ثم عاد إلى الكوفةِ فمات بها. وسببُ موته أنَّه رأى الحقَّ تعالى في منامه، فقال له: يا مشعث، إلى متى تدعو النَّاسَ إلى بابي ولا تحضُرُ أنت بنفسك؟! أَمَا لولا أنَّك جلست يومًا فمرَّ بك وليٌّ من أوليائي فبكى ثم سألني فيك لعذَّبتك. فانصدع قلبهُ فمات.
أَسند عن عدَّة من التّابعين، منهم هشامُ بن عروةَ والأعمشُ وغيرُهما، وروى عنه الإِمام أحمدُ بن حنبل -رحمةُ اللهِ عليه- وغيرُه، وكان ثقةً صالحًا.
موسى بنُ جعفر (١)
ابن محمَّد بن عليِّ بن الحسينِ بن علي ﵇، أبو الحسن، ويلقَّب بالكاظم، والطيِّب، والمأمون، ويُدعى بالعبد الصالح؛ لعبادته واجتهادِه، وأَشهرُ ألقابِه الكاظم؛ لأنَّه كان حليمًا. وأمُّه أمُّ ولدٍ أندلسية، وقيل: بربرية، واسمُها حميدة.
وُلد بالمدينة سنةَ ثمانٍ أو تسعٍ وعشرين ومئة، وهو من الطبقة السابعةِ من أهل المدينة.
وكان سيِّدًا عَالمًا فاضلًا، مجابَ الدَّعوة، جوادًا، إذا بلغه عن أحدٍ أنَّه يؤذيه بعث إليه بمال، بلغه عن رجلٍ كلامٌ يؤذيه، فبعث إليه بألف دينار. وأَهدى له بعضُ العبيد عَصِيدة (٢)، فاشترى الضَّيعة التي فيها ذلك العبدُ والعبدَ بألف دينار، وأَعتقه ووهبها له. وكان كثيرَ العبادة والتهجُّد.
وقال شَقيقٌ البَلْخي: خرجت حاجًّا في سنة تسعٍ وأربعين ومئة، فنزلتُ القادسية،
стр. 5973
فبينا أنا أَنظر إلى النَّاسِ في زينتهم وكثرتِهم، إذ نظرتُ إلى فتًى حسن الوجه، شديدِ السُّمْرَة، فوق ثيابه ثوبٌ من صوف، مُشتَمِلٍ بشَمْلَة، في رجليه نعلان، وقد جلس منفردًا، فقلتُ في نفسي: هذا الفتى من الصُّوفية يريد أن يكون كَلًّا على الناس في طريقهم، والله لأَمضينَّ إليه ولأُوبِّخنَّه، فدنوتُ منه، فلمَّا رآني مُقبلًا قال: يا شقيق ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] و ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ الآية [الحجرات: ١٢]، ثم تركني ومضى.
فقلتُ في نفسي: قد تكلَّم على ما في نفسي ونطق باسمي، وما هذا إلَّا عبدٌ صالح، لأَلحقنَّه ولأَسألنَّه أن يحالَّني، فأسرعتُ في طلبه، فلم أره، وغاب عن عيني، فلمَّا نزلنا واقِصة (١)، إذا به قائمٌ يصلِّي وأعضاؤه تضطرب ودموعُه تجري، فقلت: هذا صاحبي أَمضي إليه وأَستحلُّه، فصبرتُ حتَّى جلس، وأقبلتُ نحوه، فلمَّا رآني مقبلًا قال: يا شقيق، اُتل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢] ثم تركني ومضى. فقلت: إنَّ هذا الفتى لَمن الأَبدال، فقد تكلَّم على سرِّي مرتين.
فلمَّا نزلنا زُبَالة، إذا بالفتى قائمٌ على البئر وبيده رَكْوَةٌ يريد أن يستقيَ ماء، فسقطت الرَّكوةُ من يده في البئر وأنا أَنظر إليه، فرأيتُه قد رَمَقَ إلى السَّماء وقال: [من الخفيف]
أنت رَبِّي إذا ظَمِئتُ من الما … ءِ وقوتي إذا أردتُ الطَّعاما (٢)
اللَّهمَّ سيِّديَ ما لي سوها، فلا تَعْدِمْنيها.
قال شقيق: فواللهِ لقد رأيتُ ماءَ البئرِ وقد ارتفع، فمدَّ يَده فأخذ الرَّكوة فملأها ماء، وتوضَّأ وصلَّى أربعَ ركعات، ثم مال إلى كَثيبٍ من الرَّمل، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الرَّكوة ويحرِّكه ويشوب، فأَقبلت إليه وسلَّمت عليه (٣)، فردَّ السَّلام، فقلت: أَطعمني من فضل ما أنعم اللهُ به عليك، فقال: يا شقيق، لم تزل نعمةُ اللهِ علينا ظاهرةً وباطنة، فأَحسِن ظنَّك بربِّك.
ثم ناولني الرَّكوة، فشربتُ منها، فإذا سَويقٌ وسُكَّر، فواللهِ ما شربت قطُّ ألذ منه ولا
стр. 5974
أطيبَ ريحًا، فشبعتُ ورَويت، وأَقمت أيَّامًا لا أشتهي الطعامَ والشراب. ثم لم أره حتَّى دخلنا مكَّة، فرأيتُه ليلة إلى جنب قُبَّة الشرابِ نصفَ الليل يصلِّي بخشوع وأنينٍ وبكاء، فلم يزل كذلك حتَّى ذهب الليلُ وطلع الفجر، فجلس في مصلَّاه يسبِّح الله، ثم قام فصلَّى الغَداة، وطاف بالبيت أُسبوعًا (١) وخرج، فتبعتُه، وإذا حاشيةٌ ومَوَالٍ، وهو على خلاف ما رأيتُه في الطَّريق، ودار به النَّاسُ من حوله يسلِّمون عليه، فقلتُ لبعض مَن رأيته تقرَّب منه: مَن هذا الفتى؟ قال: موسى بنُ جعفرِ بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن علي ﵇، فقلت: قد عجبتُ أن تكونَ هذه العجائبُ إلَّا لمثل هذا السيِّد.
وقال عبدُ الرَّحمن بنُ صالح الأَزْدي: حجَّ هارون، فأتى قبرَ النبيِّ ﷺ زائرًا له وحوله قريشٌ وأفياءُ القبائلِ وموسى بنُ جعفر، فلمَّا انتهى إلى القبر، قال هارون: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ يا ابنَ العمّ. افتخارًا على مَن حوله، فدنا موسى من القبرِ وقال: السلامُ عليك يا أَبَة، فتغيَّر وجهُ هارونَ وقال له: هذا هو الفخرُ يا أبا الحسنِ حقًّا. ثم اعتمر هارونُ في رمضانَ سنة تسعٍ وسبعين ومئة، وحمل موسى معه إلى بغداد، فحبسه بها، فتوفِّي في هذه السَّنة (٢).
وقال الزَّمخشري: كان هارونُ يقول لموسى: خذ فَدَكًا. وهو يمتنع عليه، فلمَّا كثَّر عليه قال: ما آخُذها إلَّا بحدودها، قال: وما حدودُها؟ قال: الحدُّ الأوَّل من فَدَك إلى عَدَن، فتغيَّر وجهُ هارون، قال: والحدُّ الثَّاني؟ قال: سَمَرْقَنْد، فاربدَّ وجهُ هارون، قال: والحدُّ الثالث؟ قال: إِفريقية، فاسودَّ وجهُ هارون، قال: والحدُّ الرابع؟ قال: سِيفُ البحرِ ممَّا يلي الخَزَرَ وإرمينيةَ والشام، قال هارون: فتحوَّلْ إلى مجلسي فلم يبقَ لنا شيء، فقال موسى: قد أَعلمتك بحدودها، فحينئذٍ أخذه وحبسه.
ولمَّا طال حبسُه كتب إلى هارون: إنَّه لن ينقضيَ عني يومٌ من البلاء إلَّا انقضى عنك معه يومٌ من الرَّخاء، حتى نُفضيَ جميعًا إلى يومٍ ليس له انقضاءٌ يخسر فيه المبطلون (٣).
стр. 5975
ذِكر وفاته:
توفِّي لخمسٍ بقين من رجب سنةَ ثلاثٍ وثمانين بالحبس ببغداد، ودُفن بمقابر قريش، وقبرُه ظاهرٌ يزار، وأهلُ العراق يسمُّون قبرَه بابَ الحوائجِ إلى الله تعالى.
وقال الحسنُ بن إبراهيم: ما أهمَّني أمرٌ فقصدت قبرَ موسى بنِ جعفرٍ فتوسَّلت به، إلَّا سهَّل اللهُ لي ما أُحبّ.
وقيل: مات سنةَ ثمانٍ وثمانين ومئة. والأوَّل أشهر.
ذِكر أولادِه:
كان له أربعونَ ولدًا (١) ما بين ذكرٍ وأنثى: عليُّ بن موسى الرِّضا، والنَّسل له، وزيد، وهو الخارجُ على المأمون، فعفا عنه، وإِبراهيم، وعقيل، وهارون، والحسن، والحسين، وعبدُ الله، وعُبيد الله، وإِسماعيل، وأحمد، وعُمر، وجعفر، ويحيى، وإِسحاق، والعبَّاس، وحمزة، وعبد الرَّحمن، والقاسم، وجعفر الأَصغر، ومحمَّد. ومن البنات: خديجة، وأمُّ فَروة، وأَسماء، وعُلَيّة، والفواطمُ أربع، وأمّ كلثوم، وآمنة، وزينب: كُبرى وصُغرى، وأمُّ عبد الله، وأمُّ القاسم، وحليمة، وأسماءُ الصُّغرى، ومحمودة، وأُمامة. والكلُّ -الذكورُ والإِناث- لأمَّهات أولادٍ شتَّى.
مات وسنُّه سبعٌ وخمسون سنة، وقيل: ستُّون، وقيل: إحدى وستُّون سنة، وقيل: ثلاثٌ وخمسون سنة (٢).
أسند الحديثَ عن أبيه وجدِّه (٣) عن آبائه الطَّاهرين ﵃ أجمعين.
موسى بنُ عيسى
ابن موسى بن محمَّد بن عليِّ بن عبد اللهِ بن عباس.
وَلِيَ الحرمين واليمن ومصرَ والكوفةَ ودمشق. وحجَّ بالنَّاس سنةَ ثمانين أو اثنتين
стр. 5976
وثمانين ومئة.
ووعظه ابن السمَّاك وقال: لَتواضُعُك في شَرَفك أحبُّ إلينا من شرفك.
وكانت وفاته في رجب هذه السنةَ وله خمسٌ وخمسون سنة. وقيل: ما سنةَ اثنتين وثمانين، وقيل: سنةَ تسعٍ (١) وثمانين ومئة، رحمه اللهُ تعالى.
يَحْيَى بنُ حمزة بنِ واقِد
أبو عبد الرَّحمنِ الحَضْرَميّ. قاضي دمشق. أصلُه من بيت لَهْيا (٢). ولد سنةَ اثنتين أو ثلاثٍ أو ثمانٍ ومئة.
وهو من الطبقة الخامسةِ من أهل الشام، وكان كثير الحديث صالحَه، ولمَّا قدم أبو جعفرٍ دمشقَ سنة ثلاثٍ وخمسين، استعمله على القضاءِ، وقال له: يا شابّ، إنِّي أرىَ أهلَ بلدك قد أَجمعوا عليك، فإيَّاك والهديَّة. فلم يزل قاضيًا عليها حتَّى مات.
وقيل: تأخَّرت وفاتُه عن هذه السَّنة.
أسند عن الأوزاعيِّ والثوريِّ وغيرِهما، وروى عنه الوليدُ بن مسلم وهشامُ بن عمار وغيرُه، واتَّفقوا على صِدقه وثقتِه ووَرعه.
* * *
стр. 5977
السنة الرابعةُ والثمانون بعد المئة
فيها قَدِم هارونُ إلى بغدادَ من الرَّقَّة في الفرات في السُّفن وأثقالُه وأصحابُه على البَرّ. وكان سببُ قدومِه خروجَ أبي عَمرٍو الشاري (١)؛ فإنَّه نزل شَهْرَزورَ، واستفحل أمرُه، ومال إليه النَّاس، فجهَّز إليه هارونُ زهيرًا القصَّاب (٢)، فالتقَوا على شَهرزورَ واقتتلوا، فظهر الشاري، ثم كانت الدَّبَرة عليه، فقُتل ومعه جماعةٌ من أصحابه، وانهزم الباقون.
وكان عليُّ بن عيسى قد توجَّه لقتال أبي الخَصيب، فطلب من عليِّ بن عيسى (٣) الأَمان، فأمَّنه، وقدم عليه أبو الخصيبِ وهو بمَرْو، فالتقاه وأَكرمه ووفى له.
وحجَّ بالنَّاس إِبراهيمُ بن المهديّ، وهو ابنُ شَكْلة (٤).
فصل وفيها توفي
أحمدُ بن هارونَ الرَّشيدِ المعروفُ بالسَّبتي
قال عبدُ الله بن الفَرج العابد: احتجتُ إلى صانعٍ يصنع لي شيئًا من أمر الرُّوزْجاريين (٥)، فأتيتُ السُّوق، فإذا في آخرهم شابٌّ مُصْفَرٌّ بين يديه زِنبيل كبير ومَرّ (٦)، وعليه جُبَّة صوف ومئزرُ صوف، فقلتُ له: تعمل؟ قال: نعم، قلتُ: بكم؟ قال: بدِرهمٍ ودانِق، قلت له: قُم حتَّى تعمل، فقال: على شريطة، قلتُ: وما هي؟ قال: إذا كان وقتُ الظُّهر وأذَّن المؤذِّن، خرجتُ فتطهَّرت وصلَّيت في المسجد جماعة ثم رجعت، فإذا كان وقتُ العصر فكذلك، قلتُ: نعم.
فقام معي، فجئنا المنزل، فوافقتُه على ما ينقله من موضع، فشدَّ وسطَه وجعل يعمل
стр. 5978
ولا يكلِّمني حتَّى أذَّن الظُّهر، فقال: يا عبدَ الله، قد أذَّن المؤذِّن، فقلت: شأنك. فخرج فصلَّى وعاد، فعمل عملًا جيِّدًا إلى العصر، فلما أذَّن المؤذِّن، خرج فصلَّى ثم رجع، فعمل إلى آخر النَّهار، فوزنتُ له أُجرتَه، فانصرف.
فلمَّا كان بعدَ أيَّام، احتجنا إلى عمل، فقالت لي زوجتي: اُطلب لنا ذاك الصَّانعَ الشابّ؛ فإنَّه قد نصحنا في عملنا. فجئتُ إلى السُّوق فلم أرَه، فسألتُ عنه، فقالوا: تسأل عن ذاك المصفرِّ المشؤومِ الذي لا نراه إلَّا من سبتٍ إلى سبت، لا يجلس إلَّا وحده في آخِر النَّاس! فانصرفت. فلمَّا كان يومُ السبت، أتيتُ السوقَ فصادفته، فقلت له: تعمل معي؟ فقال: قد عرفتَ الأُجرة والشَّرط، فقلت: استَخِر اللهَ تعالى، فقام فعمل على النَّحو الذي كان يعمل، فلمَّا وزنتُ له الأجرة زِدتُه، فأبى أن يأخذَ الزِّيادة، فأَلحَحْت عليه، فضَجِر وتركني ومضى. فغمَّني ذلك، فاتَّبعته وداريته حتَّى أخذ أُجرتَه فقط.
فلمَّا كان بعد مدَّة، احتجنا إلى صانع، فأتيت السوقَ يومَ السبت، فلم أصادفْه، فسألتُ عنه، فقيل لي: هو عَليل. وقال لي مَن يَخبُرُ أمرَه: إنَّما كان يجيءُ إلى السُّوق من سبتٍ إلى سبت، يعمل بدرهمٍ ودانق، يتقوَّت كلَّ يوم بدانق، وقد مرض، فسألتُ عن منزله، فأَتيته وهو في بيت عجوز، فقلت لها: الشابُّ الرُّوزجاري؟ قالت: هو عليلٌ منذ أيَّام. فدخلتُ عليه، فوجدتُه لِمَا به وتحت رأسه لَبِنة، فسلَّمت عليه وقلت: لكَ حاجة؟ قال: نحم إنْ قبلت، قلت: أَقبل إن شاءَ الله، فقال: إذا أنا متُّ، فبعْ هذا المَرَّ، واغسل جبَّتي هذه الصوفَ وهذا المئزرَ وكفِّنِّي بهما، وافتُقْ جيبَ الجبَّة فإنَّ فيها خاتَمًا، وانظر يوم يركب هارونُ الخليفة، فقِف له في موضعٍ يراك، فكلِّمه وأَرِه الخاتم؛ فإنَّه سيدعو بك، فسلِّم إليه الخاتم، ولا يكونُ هذا إلَّا بعد دفني، قلت: نعم.
فلمَّا مات: فعلتُ به ما أمرني، ثم نظرتُ اليومَ الذي يركب فيه الخليفة، فجلست له على الطريق، فلمَّا مرَّ ناديتُه: يا أميرَ المؤمنين، لك عندي وديعة، ولوَّحت بالخاتم، فأُخذت وحُملت إلى داره، ثم دعاني ونحَّى جميعَ مَن كان عنده وقال: مَن أنت؟ قلت: عبدُ الله بن الفَرج، قال: مِن أين لك هذا الخاتَم؟ فحدَّثته قصَّة الشاب، فجعل يبكي حتَّى رحمتُه، فلمَّا أَنِس قلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن هو منك؟ قال: ابني، قلت:
стр. 5979
كيف صار إلى هذه الحال؟ قال: وُلد لي قبل أن أَبتلَى بالخلافة، فنشأَ نشوءًا حسنًا، وتعلَّم القرآنَ والعلم، فلمَّا وليت الخلافة، تركني ولم ينَل من دنياي، فدفعتُ إلى أمِّه هذا الخاتمَ وهو ياقوتٌ يساوي مالًا كثيرًا، فقلت: تدفعينه إلى ابنك -وكان بارًّا بها- وتسألينه أن يكون معه، فلعله أن يحتاجَ إليه يومًا من الأيّام فينتفعَ به، وتوفِّيت أمُّه، فما عرفتُ له خبرًا إلَّا ما أخبرتني به أنت.
ثم قال: إذا كان الليلُ فأخرج معي إلى قبره، فلمَّا كان الليلُ خرجت معه وحده، حتَّى أَتينا قبرَه وهو يمشي، فجلس فبكى بكاءً شديدًا، فلمَّا طلع الفجرُ قمنا، فرجع ثم قال: تعاهدْتي في هذه الأيَّامِ حتَّى أزورَ قبرَه. فكنت أَتعاهده في اللَّيل، فيخرج يزوره ثم يرجع.
قال عبدُ الله بن الفَرَج: ولم أعلمْ أنَّه ابنُ الرشيد حتَّى أَخبرني الخليفةُ أنَّه ابنُه (١).
وقيل (٢): إنَّ عبد اللهِ بنَ الفَرَج نقله إلى منزله، وإنَّه لمَّا احتُضر، دفع إليه الخاتَمَ وقال: إذا متُّ ودفنتني فخذ هذا الخاتَمَ وادفعه إلى أَمير المؤمنين هارون، وقل له: يقول لك صاحبُ هذا الخاتم: احذَر أن تموتَ على سَكرتك؛ فإنَّك إن متَّ عليها ندمتَ.
فلمَّا دفنته وقفت لهارونَ وأخرجت الخاتَم، فلمَّا نظر إليه عرفه وقال: مِن أين لك هذا؟ فقلت: دفعه إليَّ رجل طيَّان، فقال: طيَّان طيَّان؟! فقرَّبني منه، وقلت: إنَّه أوصاني بوصيَّة وقال: إذا رفعتَ إليه الخاتم قل له: أحذر أن تموتَ على سكرتك هذه؛ فإنَّك إن متَّ عليه، ندمت. فلمَّا سمع لك، قام قائمًا على رجلَيه وضرب بنفسه على البساط، وجعل يتقلَّب ويقول: يا بنيّ، نصحتَ.
ثم جلس، وجاؤوا بماءٍ فمسحوا وجهَه، وقال: هيه. فحدَّثته الحديثَ وهو يبكي، فقال: هذا أوَّل مولودٍ ولد لي، بَصُرت بأمِّه فتزوَّجتُ بها سرًّا من أبي، فأَولدتها هذا المولود، وأَحدرتُها إلى البصرة، وأعطيتُها هذا الخاتمَ وأشياء، وقلت: اكتُمي نفسك، فلمَّا وليت الخلافةَ سألت عنهما، فذُكر لي أنَّهما ماتا، ولم أعلم أنَّه باق، فأين دفنتَه؟
стр. 5980
فقلت: في مقابر عبدِ الله بن مالك، فقال: إذا كان وقتُ المغربِ فقف لي على الباب، فوقفتُ، فخرج لي مُتَنكِّرًا، فجئت به إلى قبره، فما زال يبكي ليلَه ويُدير رأسَه ولحيتَه على قبره ويقول: يا بنيّ، نصحتَ أباك؛ حتَّى طلع الفجر، فقلت: أصبحتَ يا أميرَ المؤمنين، فقال: قد أمرتُ لك بعشرة آلافِ درهم، واكتُب عيالك مع عيالي؛ فقد وجب عليَّ حقُّك بدفنك ولدي، وأَخذ بيدي ومشينا إلى القصر، فلمَّا بلغ البابَ قال: انظر ما أُوصيك به، إذا طلعت الشَّمسُ فقِفْ لي حتَّى أدعوَك فتحدِّثَني حديثَه، قلت. إن شاءَ الله. فما عدتُ إليه بعد ذلك.
محمَّد بن يوسفَ بنِ مَعْدان (١)
أبو عبد اللهِ، الأَصفهاني. كان ابنُ المبارك يسمِّيه عروسَ الزُّهَّاد. وقال ابن مَهديٍّ ويحيى بنُ سعيد: ما رأينا مثلَه. وما كان يشتري حاجَته -زادَه وما يحتاج إليه- من خبَّازٍ واحد، ولا من بقَّال واحد، ويقول: لعلَّهم يعرفوني فيُحَابُوني، فأكونُ ممَّن يكون يعيش بدِينه. ولم يكن يضع جَنْبَه إلى الأرض، وإذا نام نام قاعدًا.
وكان يسكن السَّواحلَ والمَصِّيصة، وكان عابدًا ورعًا، خرج في جنازة بالمصِّيصة، فنظر إلى قبر أبي إسحاقَ الفَزاريِّ ومَخْلَدِ بن الحسينِ وبينهما موضعُ قبرٍ فقال: لو أنَّ رجلًا مات فدُفن بينهما، فما أتت عليه إلَّا عشرةُ أيامٍ حتَّى توفِّي فدُفن بينهما، ولم يبلغ أربعين سَنَة.
أَسند عن الثوريِّ والأَعمش وغيرِهما، وشغلته العبادةُ عن الرِّواية.
المُعافى بنُ عِمران
أبو مسعودٍ، المَوْصليِّ، الأَزْدي (٢). رحل إلى البلادِ في طلب الحديث، وجالس العلماءَ، وجمع بين الورعِ والعقل والسَّخاء والزُّهد في الدُّنيا ومحبَّة الصالحين
стр. 5981
وزيارتِهم، لزم سفيانَ الثوريَّ وتفقَّه عليه وتأدَّب بآدابه، وكان يقول له: أنت معافًى كاسمك. وكان صاحبَ سُنَّة.
وكان بشرٌ الحافي مغرًى به، ويزوره في بلدِه بالموصل ويغشاه. قال رجلٌ لبشر الحافي: أراك عاشقًا للمعافى بنِ عمران! فقال: وما لي لا أَعشقُه وقد كان سفيانُ يسمِّيه ياقوتةَ العلماء؟! ولقد قُتل ابناه بالموصل فما رأيتُه حلَّ حَبْوَته، وقال: ظالمَين أو مظلومَين؟ قالوا: مظلومَين، فحلَّ حَبوتَه وخرَّ ساجدًا، وما رُئي عليه أثرُ الحزن، وما سُمع من داره صوت. كان صاحبَ كمدٍ، فجاء إخوانه يُعَزُّونه، فقال لهم: إنْ كنتم جئتم تعزُّونني فلا تعزوني، وإنْ كنتم تهنِّئونني فنَعم. فما برحوا حتَّى غدَّاهم وغلَّفهم بالغالية. وكان ابناه قُتلا في وقعةِ الموصل.
وطرق بابَه بِشرٌ، فقالت له ابنةٌ له خماسية: مَن بالباب؟ فقال: بشرٌ الحافي، فقالت: لو اشتريتَ نعلًا بدانقَين لَذهبت عنك هذه الشُّهرة.
وكان المعافَى يقول: كتابةُ حديثٍ واحد أحبُّ إليَّ من قيام ليلة.
مات سنة أربعٍ وثمانين ومئة بالموصل. وقيل: سنةَ خمسٍ أو ستٍّ وثمانين. وصلَّى عليه عَمرو بن الهيثم.
أَسند عن الثوريِّ ومالكِ بن أنس واللَّيث بنِ سعد وخلقٍ كثير، وروى عنه ابنُ المبارك وغيره، وكان يقول: حدَّثني ذاك الرجلُ الصالح.
وصنَّف كتبًا في الزُّهد والسُّنن والآداب. واتَّفقوا على صِدقه وثقتِه وووعه.
* * *
стр. 5982
السَّنة الخامسةُ والثمانونَ بعد المئة
فيها خرج حمزةُ الشاري بخُراسان، فعاث بنواحي باذَغِيس، فخرج إليه عليُّ بن عيسى بنِ ماهان (١)، فقتل من أَصحابه خلقًا كثيرًا، فانهزم حمزةُ حتَّى بلغ كابُل وزابُلِستان.
وقد ذكرنا أنَّ أبا الخصيبِ طلب الأمانَ من عليِّ بن عيسى، فأمَّنه، وأنَّه غَدَر في هذه السَّنة، وغلب على طُوسَ ونَيسابورَ ونازل مَرْوَ وأَحدق بها، فخرج إليه عليُّ بن عيسى فهزمه إلى سَرْخَس.
وفيها خرج الرشيدُ إلى الرقَّة على طريق المَوْصلِ والجزيرة، وحجَّ بالنَّاس منصورُ بن المهديّ، وكان يَحْيَى بنُ خالد قد استأذن الرشيدَ في العُمرة، فخرج في شعبان، فأقام بمكَّةَ واعتمر في رمضان، وخرج إلى جُدَّة، فأَقام بها على نيَّة الرِّباط إلى زمن الحجِّ، فحجَّ وعاد إلى العراق، ووقعت في المسجد الحرامِ صاعقةٌ فقتلت رجلَين.
فصل وفيها توفي
عبدُ الصَّمَد بن عليِّ
ابن عبدِ الله بن عباس، أبو محمَّد الهاشمي (٢).
ولد بالحُمَيمة سنةَ خمسٍ أو ستٍّ ومئة (٣). وأمُّه أمُّ ولد، ويقال: أمُّه كَثيرة التي شبَّب بها عُبيد الله بن قيس الرُّقَيات فقال: [من المنسرح]
عادَ له من كثيرةَ الطَّربُ … فعينُهُ بالدُّموع تَنسكبُ
كوفيّةٌ نازحٌ مَحَلَّتُها … لا أَمَمٌ دارُها ولا صَقَب (٤)
стр. 5983
وقيل: هي غيرُ هذه.
وولي إِمرةَ دمشقَ والموسمِ والمدينةِ والبصرةِ لأبي جعفرٍ والرشيد، وكان أَقعدَ الهاشميين في النَّسب. وكان فيه خِلالٌ لم تجتمع في غيره:
منها: أنَّ يزيدَ بن معاويةَ حجَّ بالنَّاس سنةَ خمسين، وحجَّ عبدُ الصَّمد سنةَ خمسين ومئة، بينهما مئةُ سنة، وهما في القُعْدُد إلى عبد منافٍ (١) سواء؛ لأنَّ عبدَ الصَّمد بنُ عليِّ بن عبد اللهِ بن عباس بن عبد المطَّلب بن هاشمِ بن عبد مناف.
ومنها: أنَّه أَدرك أبا العباسِ وهو ابنُ أخيه (٢)، ثم أدرك المهديَّ وهو عمُّ أبيه، ثم أدرك الهاديَ وهو عمُّ جده، ثم أدرك الرشيدَ وهو عمُّ جدِّه.
ومنها أنَّه قال للرشيد: يا أميرَ المؤمنين، هذا مجلسٌ فيه أميرُ المؤمنين [وعمُّ أميرِ المؤمنين (٣)] وعمُّ عمِّه وعمُّ عمِّ عمِّه؛ وذلك لأنَّ سليمانَ بن أبي جعفرٍ عمُّ الرشيد، والعباسَ بن محمَّد عمُّ سليمان، وعبد الصَّمد عمُّ العباس.
ومنها: أنَّه استخرج عمَّه حمزةَ ﵁ عامَ السَّيل، ووضع رأسَه في حِجْره، ووضع عليه أكفانًا وَأَعاده إلى حُفْرَته.
ومنها: أنَّه مات وليس على وجه الأرضِ عباسيةٌ من بيت الخلافةِ إلَّا وهو مَحْرَمٌ لها.
ومنها: أنَّه كان هائلَ الخِلْقَة، عظيمَ الجُثَّة، كانت يداه ذراعًا، وأسنانُه وأضراسُه قطعةً واحدة، دخل القبرَ ولم يُثْغَر له سنٌّ قط، بل أُدخل القبرَ بأسنان الصِّبا.
ومنها: أنَّ ريشةً طارت إلى عينه فذهب بصرُه.
ومنها: أنَّه أعمى ابنُ أعمى ابنِ أعمى ابنِ أعمى ابنِ أعمى، خمسَ مرات؛ لأنَّه عمي هو وأبوه عليٌّ وجدُّه عبد الله والعباسُ وعبدُ المطلب.
وقال سيفُ بن محمَّد ابن أختِ سفيانَ الثوري: مرض خالي سفيانُ بمكَّة، فجاء عبدُ
стр. 5984
الصَّمد يعوده، فقال: لا تأذنوا له، قالوا: كيف يمكن؟! فدخل عبدُ الصَّمد، فحرَّك سفيانُ وجهَه إلى الحائط، فسلَّم عبد الصَّمد، فلم يردَّ عليه، فقال عبدُ الصَّمد: يا سيف، أظنُّ أبا عبد اللهِ نائمًا، فقلت: أَحسبُ ذلك، فقال سفيان: لا تكذبْ، لستُ بنائم، فقال عبدُ الصَّمد: يا أبا عبدِ الله، هل من حاجة؟ قال: نعم، لا تَعُدني إذا مرضت، ولا تَشهدْني إذا متّ، وإذا ذُكرت عندك فلا تترحَّم علي، فخجل عبد الصَّمد فقام وخرج.
وذكر ابنُ عساكر (١) بمعناه، وفيه أنَّ سفيانَ لما استأذن عبدُ الصَّمد، قام فدخل مِخْدَعًا، فدخل عبدُ الصَّمد فقال: أين أبو عبدِ الله؟ قالوا: دخل لحاجة، وخرج سفيان فقعد، فقال عبدُ الصَّمد له: يا أبا عبد الله، بلغني قدومُك، وأنت عالمُ أهل المشرقِ ورَجلُهم، فأتيتُ إليك زائرًا، قال: فقال له: أَلَا أدلُّك على خير مما جئتَ له؟ قال: وما هو؟ قال: تعتزلُ ما أنت فيه، فتغيَّر وجهُ عبدِ الصَّمد وقال: يا أبا عبدِ الله، إن أبا جعفرٍ ما يرضى منِّي بهذا. ثم قام فخرج.
ذِكر وفاتِه:
حبسه هارونُ في سِرْدابٍ فيه ريش، فطارت ريشةٌ فدخلت في عينيه فذهبتا، ثم ثار به جُدَريّ، فمات وله تسعٌ وسبعون سنة، وقيل: إحدى وثمانونَ سنة، وصلَّى عليه هارونُ ليلًا، ودُفن في مقبرة بابِ البَرَدان.
أَسند عن أبيه وغيرِه، وروى عنه المنصورُ وابنُه المهديُّ وغيرهما.
ومن مسانيده: قال محمَّد بن إبراهيمَ الإِمام -وكان يجلس لولده وولدِ ولدِه في كلِّ خميسٍ يعظهم ويحدِّثهم- قال: أرسل إليَّ المنصورُ بكرةً واستعجلني الرَّسول، فدخلنا، فإذا الربيعُ واقفٌ عند السِّتر، والمهديُّ وليُّ العهد في الدِّهليز جالس، وإذا عبدُ الصَّمد بن عليٍّ وإسماعيلُ بن علي وجعفرُ بن محمَّد بن عليِّ بن الحسينِ بن عليِّ بن أبي طالبٍ وعبدُ الله بنُ حسنِ بن حسن، والعباسُ بن محمد، فقال الرَّبيع: اجلسوا مع بني عمِّكم، فجلسنا، فدخل الربيعُ وخرج، وقال للمهديّ: اُدخل أَصلحك الله،
стр. 5985
فدخل، ثم قال: اُدخلوا جميعًا، فدخلنا فسلَّمنا وأَخذنا مجالسَنا، فقال للربيع: دواةً وما يكتبون فيه، فوضع الربيعُ بين أيدي كل واحدٍ منا دواةً وورقًا، ثم التفت إلى عبد الصَّمد به. عليّ فقال: يا عمّ، حدِّث ولدك وإخوتَك وبني أخيك بحديث "البِرُّ والصِّلة لَيُطيلان الأَعمارَ، وَيعْمُران الدِّيار، ويُثريان الأموال، ولو كان القومُ فجَّارًا" (١).
ثم قال أبو جعفر: يا عمّ، الحديثَ الآخرَ. فقال عبدُ الصَّمد: حدَّثني أبي، عن جدِّي عبدِ الله بن عباس قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "البِرُّ والصِّلة لَيخفِّفان سوءَ الحسابِ يومَ القيامة" ثم تلا رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١].
فقال المنصور: يا عمّ، الحديثَ الآخر، فقال عبدُ الصَّمد: حدَّثني أبي، عن جدِّي عبدِ الله بن عبَّاس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "كان في بني إِسرائيلَ مَلِكان أَخوان على مدينتين، وكان أحدُهما بارًّا برَحِمه عادلًا على رعيَّته، وكان الآخَر عاقًّا برَحِمه جائرًا على رعيَّته، وكان في عصرهما نبيّ، فأَوحى اللهُ إلى ذلك النَّبيُّ أنَّه قد بقي من عُمر هذا البارِّ ثلاثُ سنين، وبقي من عُمر هذا العاقِّ ثلاثون قال: فأَخبر النبيُّ رعيةَ هذا ورعيةَ هذا، فأَحزن ذلك رَعية العادل، وأحزن ذلك رعيةَ الجائر قال: ففرَّقوا بين الأطفالِ والأمَّهات، وتركوا الطعامَ والشراب، وخرجوا إلى الصَّحراء يدعون اللهَ تعالى أن يمتِّعَهم بالعادل ويزيلَ عنهم الجائر، فأَقاموا ثلاثًا، فأَوحى اللهُ إلى ذلك النبيِّ أنْ أَخبِر عبادي أنِّي قد رحمتهم وأَجبتُ دعاءهم، فجعلتُ ما بقي من عُمر البارِّ لذلك الجائرِ، وما بقي من عمر الجائرِ لهذا البارّ قال: فرجعوا إلى بيوتهم، ومات العاقُّ لتمام ثلاثِ سنين، وبقي العادلُ ثلاثين سنةً فيهم" ثم تلا رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) [فاطر: ١١].
ثم التفت المنصورُ إلى جعفرِ بن محمَّد فقال: يا أبا عبدِ الله، حدِّث بني عمِّك وأخوتَك بحديث أميرِ المؤمنين عليٍّ عن النبيِّ ﷺ في البِرِّ والصِّلة، فقال جعفر:
стр. 5986
حدَّثني أبي محمَّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليِّ بن أبي طالب، عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "ما من مَلِكٍ يصل رَحِمَه وذا قرابتِه ويعدل على رعيَّته، إلَّا شيَّد اللهُ مُلْكَه، وأَجزل له ثوابَه، وأَكرم مآبَه، وخفَّف حسابَه".
وكان عمرُ بن حبيبٍ القاضي على قضاء الشَّرْقية، فاستعدى إليه رجلٌ على عبد الصَّمد، فأَرسل إليه رسولًا، فلم يحضرْ إلى مجلس الحكم، فختم عمرُ قِمَطرَه وقعد في بيته، وبلغ هارونَ فقال: واللهِ لا مشى عبدُ الصَّمد إلى مجلس الحكمِ إلَّا حافيًا (١)، وكان شيخًا كبيرًا، فبُسطت له اللُّبود ومشى مسافةً بعيدة، وجعل يقول: أَتعبني أميرُ المؤمنين.
فلمَّا صار إلى مجلس القاضي، أراد أن يجلسَ إلى جانبه، فصاح عليه عمرُ بن حبيب: اِجلس مع خصمِك، فساواه وحكم عليه لخصمه، فقال عبدُ الصَّمد: لقد حكمتَ عليَّ بحكمٍ لا يجاوز أصلَ أُذنك، فقال له عمر: لقد طوَّقتُك بطوقٍ لا يفكُّه عنك الحدَّادون.
ومن مسانيده: عبدُ الصَّمد، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أكرموا الشُّهود؛ فإنَّ اللهَ يستخرج بهم الحقوق، ويدفعُ بهم الظُّلم" (٢).
محمَّد بن إبراهيمَ الإمام
ابنِ محمِّد بن عليِّ بنِ عبد اللهِ بن عباس، أبو عبدِ الله الهاشميّ.
وَلَيَ إمرةَ دمشقَ للمنصور والمهديّ (٣)؛ وأقام للنَّاس الحجَّ عدةَ سنين، ووُلد سنةَ اثنتين وعشرين ومئة. وكان عاقلًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، جاءه العَنْبَرِيُّ الشاعر فقال: [من الرمل]
اقضِ عنِّي يا ابنَ عمِّ المصطفَى … أنا بالله من الدَّين وبكْ
من غريمٍ فاحشٍ يَرزؤني (٤) … أشوَهُ الوجهِ لعِرضي مُنْتَهِكْ
стр. 5987
أنا والظلُّ وهو ثالثُنا … أين ما زِلتُ من الأرض سَلَكْ
فقضى دَينَه ووصله.
وقال همَّام بن مسلم: مرض سفيانُ الثوريُّ بمكَّة، فجاءه محمد بن إبراهيمَ الإمامِ يَعوده، فما كلَّمه كلمة، فقام ومضى، فلمَّا كان من الغد، أَرسل إلى سفيانَ يقول: كيف تجدُك؟ لولا [أنِّي] أعلم أنَّه ليس بمكَّةَ أحدٌ أَبغضُ إليك منِّي لأَتيتك.
توفِّي لإِحدى عشرةَ بقيت من شوَّال هذه السنةَ ببغداد، وكان هارونُ قد توجَّه إلى الرقَّة، فصلَّى عليه الأمينُ وهو وليُّ العهد، ودُفن بمقبرة باب المَيدان، ويعرف بالعَبَّاسية، وله عَقِبٌ ببغداد.
أَسند عن عمِّه المنصورِ وجعفرِ بن محمَّد بن عليٍّ وغيرِهما، وروى عنه ابنُه موسى وغيرُه.
يزيدُ بن مَزيَد
ابن زائدة، أبو خالدٍ الشَّيباني.
أحدُ الأمراءِ المشهورين والأجوادِ الممدَّحين، ولي إِمارةَ اليمنِ في أيَّام هارونَ الرشيد، ومدحه الشُّعراء، فقال شاعر (١): [من الخفيف]
ما مُقامي على الثِّماد (٢) وقد فا … ضت بحورُ النَّدى بكفَّي يزيدِ
إنَّ لله في البريَّة سيفَيـ … ـن يزيدًا وخالدَ بنَ الوليد
ذاك سيفُ النبيِّ في سالف الدَّهـ … ـرِ وهذا سيفُ الإِمامِ الرشيد
وكانت وفاتُه ببَرْذَعَةَ من أرض أرَّان (٣).
ومدحه أبو الشَّمَقْمَق فقال: [من الكامل]
يوماهُ يومٌ (٤) للمَواهبِ والنَّدى … خَضِلٌ ويومُ دَمٍ وخطفُ مَنيَّهْ
أَعني يزيدًا سيفَ آلِ محمَّد … فرَّاج كلِّ شديدةٍ مخشيهْ
стр. 5988
ولقد أتيتُك واثقًا بك عالمًا … أن لستَ تسمعُ مِدحةً بنسيَّهْ (١)
فقال: صدقتَ، وأَعطاه ثلاثةَ آلافِ دينار.
ورثاه مسلمُ بن الوليدِ فقال: [من الكامل]
قبرٌ ببَرْذَعَةَ استَسَرَّ ضَريحُه … خطرًا تقاصَرُ دونه الأَخطارُ
أَبقى الزَّمانُ على مَعَدٍّ بعده … حُزْنًا لَعَمر الدَّهرِ ليس يُعار
نفضَتْ بك الآمالُ أحلاسَ الغِنى … واسترجَعَتْ نُزَّاعَها الأَمصار
فاذهبْ كما ذهبتْ غوادي مُزْنَةٍ … أَثنى عليها السَّهلُ والأَوعار (٢)
* * *
стр. 5989
السَّنة السادسة والثمانون بعد المئة
فيها التقى عليُّ بن عيسى بنِ ماهانَ أبا الخصيبِ (١) على نَسَا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكانت الدَّبَرة على أبي الخصيب، فقتله عليّ بن عيسى، وسبى نساءه وذراريه، وغَنِمَ أموالهَ وما في عسكره، ومزَّقهم كلَّ مُمَزَّق، واستقامت خراسان. ومات جعفرُ بن أبي جعفر والعباسُ بن محمَّد.
وفيها توجَّه الرشيدُ من الرقَّة إلى مكَّة في رمضانَ عازمًا على الحجّ، واستخلف على الرقَّة إبراهيمَ بن عثمانَ بن نَهيك، وأَخرج معه ولدَيه الأمينَ والمأمون، وبدأ بالمدينة فأعطى أهلَها ثلاثةَ أَعطِية، [كانوا يَقدَمون إليه فيعطيهم عطاءً، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاءً ثانيًا، ثم إلى المأمون] (٢)، فيعطيهم عطاءً ثالثًا، ثم سار إلى مكَّةَ فأعطى أهلَها عطاء، فبلغ مقدارُ ما فرَّق في أهل الحَرَمين من العين ألفَ ألفِ دينارٍ وخمسين ألفَ دينار، وقد ذكرنا أنَّه عقد لابنه الأمينِ ولايةَ العهدِ في شعبانَ سنةَ ثلاثٍ وسبعين ومئة، وضمَّ إليه الشامَ والعراق، وبايع المأمونَ بالرقَّة في سنة ثلاثٍ وثمانين ومئة، وأَعطاه منَ هَمَذان إلى المشرق، فقال سَلْمٌ (٣) الخاسر: [من السريع]
بايَعَ هارونُ إِمامُ الهُدى … لذي الحِجَى والخُلُقِ الفاضلِ
المُخْلِفِ المُتلفِ أَمواله … والضَّامنِ الأثقال للحامل
والعالمِ النَّافذ في عِلمه … والحاكِم الفاضلِ والعادل
والرَّاتقِ الفاتقِ حِلفَ الهدى … والقائلِ الصَّادقِ والفاعل
فتمَّ بالمأمون نورُ الهُدى … وانكشف الجهلُ عن الجاهل
من أبيات.
стр. 5990
وقال الحسنُ (١) بن قريش: وكان للرَّشيد ولدٌ اسُمه القاسمُ في حِجْر عبدِ الملك بن صالح، فكتب عبدُ الملك إلى الرَّشيد: [من مجزوء الكامل]
يا أيُّها المَلِكُ الذي … لو كان نجمًا كان سَعْدا
اعقِد لقاسم بيعةً … واقدحْ له في المُلْكِ زَنْدا
اللهُ فردٌ واحدٌ … فاجعل ولاةَ العهدِ فَرْدا (٢)
فبايع هارونُ للقاسم بعد الأمينِ والمأمون، وأعطاه الجزيرةَ والثُّغورَ والعواصم، ولقَّبه المؤتَمن، فقال عبدُ الملك بنُ صالح: [من البسيط]
حبُّ الخليفةِ حبٌّ لا يَدين به … مَن كان لله عاصٍ يعمل الفِتَنا
اللهُ قلَّد هارونًا سياستَنا … لمَّا اصطفاه فأحيى الدِّينَ والسُّنَنا
وقلَّد الأمرَ هارون (٣) لرأفته … بنا أمينًا ومأمونًا ومؤتَمَنا
ولمَّا قلَّد هارونُ الأمرَ لبنيه الثلاثةِ وقسم الأرضَ بينهم، اختلف الناسُ في القول، فقال بعضُهم: قد أَحكم أمرَ المُلك. وقال بعضهم: بل أَلقى بأسَهم بينهم، وعاقبةُ ما صنع مَخُوفة. فكان كما قالوا وأَبلغَ، وفي ذلك يقول الشَّاعر: [من الوافر]
أقول لغُمَّةٍ في النَّفس مني … ودمعُ العينِ يَطَّرد اطِّرادا
خُذي للقول عُدَّتَه بحَزْمٍ … ستلقَي ما سيمنعُكِ الرُّقادا
فإنَّك إنْ بقيتِ رأيتِ أمرًا … يُطيل لك (٤) الكآبةَ والسُّهادا
رأى المَلِكُ المهذَّبُ شرَّ رأيٍ … بقِسمته الخلافةَ والبلادا
برأيٍ لو تعقَّبه بعلمٍ … لبيَّض مِن مَفارقِه السَّوادا
أَراد به ليَقطعَ عن بنيه … خلافَهمُ ويَبتذلوا الودادا (٥)
فقد غرس العداوةَ غيرَ آلٍ … وأَورث بينهمْ إِلفًا بَدادا (٦)