← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

حدَّثني أبي محمَّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليِّ بن أبي طالب، عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "ما من مَلِكٍ يصل رَحِمَه وذا قرابتِه ويعدل على رعيَّته، إلَّا شيَّد اللهُ مُلْكَه، وأَجزل له ثوابَه، وأَكرم مآبَه، وخفَّف حسابَه". وكان عمرُ بن حبيبٍ القاضي على قضاء الشَّرْقية، فاستعدى إليه رجلٌ على عبد الصَّمد، فأَرسل إليه رسولًا، فلم يحضرْ إلى مجلس الحكم، فختم عمرُ قِمَطرَه وقعد في بيته، وبلغ هارونَ فقال: واللهِ لا مشى عبدُ الصَّمد إلى مجلس الحكمِ إلَّا حافيًا (١)، وكان شيخًا كبيرًا، فبُسطت له اللُّبود ومشى مسافةً بعيدة، وجعل يقول: أَتعبني أميرُ المؤمنين. فلمَّا صار إلى مجلس القاضي، أراد أن يجلسَ إلى جانبه، فصاح عليه عمرُ بن حبيب: اِجلس مع خصمِك، فساواه وحكم عليه لخصمه، فقال عبدُ الصَّمد: لقد حكمتَ عليَّ بحكمٍ لا يجاوز أصلَ أُذنك، فقال له عمر: لقد طوَّقتُك بطوقٍ لا يفكُّه عنك الحدَّادون. ومن مسانيده: عبدُ الصَّمد، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أكرموا الشُّهود؛ فإنَّ اللهَ يستخرج بهم الحقوق، ويدفعُ بهم الظُّلم" (٢). محمَّد بن إبراهيمَ الإمام ابنِ محمِّد بن عليِّ بنِ عبد اللهِ بن عباس، أبو عبدِ الله الهاشميّ. وَلَيَ إمرةَ دمشقَ للمنصور والمهديّ (٣)؛ وأقام للنَّاس الحجَّ عدةَ سنين، ووُلد سنةَ اثنتين وعشرين ومئة. وكان عاقلًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، جاءه العَنْبَرِيُّ الشاعر فقال: [من الرمل] اقضِ عنِّي يا ابنَ عمِّ المصطفَى … أنا بالله من الدَّين وبكْ من غريمٍ فاحشٍ يَرزؤني (٤) … أشوَهُ الوجهِ لعِرضي مُنْتَهِكْ

стр. 5987

أنا والظلُّ وهو ثالثُنا … أين ما زِلتُ من الأرض سَلَكْ فقضى دَينَه ووصله. وقال همَّام بن مسلم: مرض سفيانُ الثوريُّ بمكَّة، فجاءه محمد بن إبراهيمَ الإمامِ يَعوده، فما كلَّمه كلمة، فقام ومضى، فلمَّا كان من الغد، أَرسل إلى سفيانَ يقول: كيف تجدُك؟ لولا [أنِّي] أعلم أنَّه ليس بمكَّةَ أحدٌ أَبغضُ إليك منِّي لأَتيتك. توفِّي لإِحدى عشرةَ بقيت من شوَّال هذه السنةَ ببغداد، وكان هارونُ قد توجَّه إلى الرقَّة، فصلَّى عليه الأمينُ وهو وليُّ العهد، ودُفن بمقبرة باب المَيدان، ويعرف بالعَبَّاسية، وله عَقِبٌ ببغداد. أَسند عن عمِّه المنصورِ وجعفرِ بن محمَّد بن عليٍّ وغيرِهما، وروى عنه ابنُه موسى وغيرُه. يزيدُ بن مَزيَد ابن زائدة، أبو خالدٍ الشَّيباني. أحدُ الأمراءِ المشهورين والأجوادِ الممدَّحين، ولي إِمارةَ اليمنِ في أيَّام هارونَ الرشيد، ومدحه الشُّعراء، فقال شاعر (١): [من الخفيف] ما مُقامي على الثِّماد (٢) وقد فا … ضت بحورُ النَّدى بكفَّي يزيدِ إنَّ لله في البريَّة سيفَيـ … ـن يزيدًا وخالدَ بنَ الوليد ذاك سيفُ النبيِّ في سالف الدَّهـ … ـرِ وهذا سيفُ الإِمامِ الرشيد وكانت وفاتُه ببَرْذَعَةَ من أرض أرَّان (٣). ومدحه أبو الشَّمَقْمَق فقال: [من الكامل] يوماهُ يومٌ (٤) للمَواهبِ والنَّدى … خَضِلٌ ويومُ دَمٍ وخطفُ مَنيَّهْ أَعني يزيدًا سيفَ آلِ محمَّد … فرَّاج كلِّ شديدةٍ مخشيهْ

стр. 5988

ولقد أتيتُك واثقًا بك عالمًا … أن لستَ تسمعُ مِدحةً بنسيَّهْ (١) فقال: صدقتَ، وأَعطاه ثلاثةَ آلافِ دينار. ورثاه مسلمُ بن الوليدِ فقال: [من الكامل] قبرٌ ببَرْذَعَةَ استَسَرَّ ضَريحُه … خطرًا تقاصَرُ دونه الأَخطارُ أَبقى الزَّمانُ على مَعَدٍّ بعده … حُزْنًا لَعَمر الدَّهرِ ليس يُعار نفضَتْ بك الآمالُ أحلاسَ الغِنى … واسترجَعَتْ نُزَّاعَها الأَمصار فاذهبْ كما ذهبتْ غوادي مُزْنَةٍ … أَثنى عليها السَّهلُ والأَوعار (٢) * * *

стр. 5989

السَّنة السادسة والثمانون بعد المئة فيها التقى عليُّ بن عيسى بنِ ماهانَ أبا الخصيبِ (١) على نَسَا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكانت الدَّبَرة على أبي الخصيب، فقتله عليّ بن عيسى، وسبى نساءه وذراريه، وغَنِمَ أموالهَ وما في عسكره، ومزَّقهم كلَّ مُمَزَّق، واستقامت خراسان. ومات جعفرُ بن أبي جعفر والعباسُ بن محمَّد. وفيها توجَّه الرشيدُ من الرقَّة إلى مكَّة في رمضانَ عازمًا على الحجّ، واستخلف على الرقَّة إبراهيمَ بن عثمانَ بن نَهيك، وأَخرج معه ولدَيه الأمينَ والمأمون، وبدأ بالمدينة فأعطى أهلَها ثلاثةَ أَعطِية، [كانوا يَقدَمون إليه فيعطيهم عطاءً، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاءً ثانيًا، ثم إلى المأمون] (٢)، فيعطيهم عطاءً ثالثًا، ثم سار إلى مكَّةَ فأعطى أهلَها عطاء، فبلغ مقدارُ ما فرَّق في أهل الحَرَمين من العين ألفَ ألفِ دينارٍ وخمسين ألفَ دينار، وقد ذكرنا أنَّه عقد لابنه الأمينِ ولايةَ العهدِ في شعبانَ سنةَ ثلاثٍ وسبعين ومئة، وضمَّ إليه الشامَ والعراق، وبايع المأمونَ بالرقَّة في سنة ثلاثٍ وثمانين ومئة، وأَعطاه منَ هَمَذان إلى المشرق، فقال سَلْمٌ (٣) الخاسر: [من السريع] بايَعَ هارونُ إِمامُ الهُدى … لذي الحِجَى والخُلُقِ الفاضلِ المُخْلِفِ المُتلفِ أَمواله … والضَّامنِ الأثقال للحامل والعالمِ النَّافذ في عِلمه … والحاكِم الفاضلِ والعادل والرَّاتقِ الفاتقِ حِلفَ الهدى … والقائلِ الصَّادقِ والفاعل فتمَّ بالمأمون نورُ الهُدى … وانكشف الجهلُ عن الجاهل من أبيات.

стр. 5990

وقال الحسنُ (١) بن قريش: وكان للرَّشيد ولدٌ اسُمه القاسمُ في حِجْر عبدِ الملك بن صالح، فكتب عبدُ الملك إلى الرَّشيد: [من مجزوء الكامل] يا أيُّها المَلِكُ الذي … لو كان نجمًا كان سَعْدا اعقِد لقاسم بيعةً … واقدحْ له في المُلْكِ زَنْدا اللهُ فردٌ واحدٌ … فاجعل ولاةَ العهدِ فَرْدا (٢) فبايع هارونُ للقاسم بعد الأمينِ والمأمون، وأعطاه الجزيرةَ والثُّغورَ والعواصم، ولقَّبه المؤتَمن، فقال عبدُ الملك بنُ صالح: [من البسيط] حبُّ الخليفةِ حبٌّ لا يَدين به … مَن كان لله عاصٍ يعمل الفِتَنا اللهُ قلَّد هارونًا سياستَنا … لمَّا اصطفاه فأحيى الدِّينَ والسُّنَنا وقلَّد الأمرَ هارون (٣) لرأفته … بنا أمينًا ومأمونًا ومؤتَمَنا ولمَّا قلَّد هارونُ الأمرَ لبنيه الثلاثةِ وقسم الأرضَ بينهم، اختلف الناسُ في القول، فقال بعضُهم: قد أَحكم أمرَ المُلك. وقال بعضهم: بل أَلقى بأسَهم بينهم، وعاقبةُ ما صنع مَخُوفة. فكان كما قالوا وأَبلغَ، وفي ذلك يقول الشَّاعر: [من الوافر] أقول لغُمَّةٍ في النَّفس مني … ودمعُ العينِ يَطَّرد اطِّرادا خُذي للقول عُدَّتَه بحَزْمٍ … ستلقَي ما سيمنعُكِ الرُّقادا فإنَّك إنْ بقيتِ رأيتِ أمرًا … يُطيل لك (٤) الكآبةَ والسُّهادا رأى المَلِكُ المهذَّبُ شرَّ رأيٍ … بقِسمته الخلافةَ والبلادا برأيٍ لو تعقَّبه بعلمٍ … لبيَّض مِن مَفارقِه السَّوادا أَراد به ليَقطعَ عن بنيه … خلافَهمُ ويَبتذلوا الودادا (٥) فقد غرس العداوةَ غيرَ آلٍ … وأَورث بينهمْ إِلفًا بَدادا (٦)

стр. 5991

وأَلقح بينهم حربًا عَوَانًا … وسلَّس لاجتنابهم القِيادا فويلٌ للرَّعية عن قليلٍ … لقد أَهدى لها الكُرَبَ الشِّدادا وأَلبسها بلاءً غيرَ فانٍ … وأَلزمها التَّضعضُعَ والفسادا ستجري من دمائهمُ بحورٌ … زواخرُ لا يَرون لها نفادا فوِزْرُ بلائهمْ أبدًا عليه … أغَيًّا كان ذلك أم رَشادا وحجَّ مع هارونَ في السَّنة أولادُه وأهلُه ووزراؤه والأمينُ والمأمون، وأَمر عبدَ الملك بنَ صالحٍ أن ينزلَ الجزيرةَ ومعه القاسم، وبعث معه الجندَ والقوَّاد، فلمَّا قضى هارونُ نُسُكَه، كتب بين محمَّد والمأمونِ كتابَين، أَجهد العلماء والفقهاء والقضاة آراءهم فيهما. ونسخةُ الكتابِ الذي كتبه الأمين: بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم: هذا كتابُ [لعبدِ الله هارون أميرِ المؤمنين] (١) كتبه محمَّد بن هارونَ أميرِ المؤمنين في صحَّةٍ من عقله وجوازٍ [من] أمره، طائعًا غيرَ مُكرَه، إنَّ أمير المؤمنين ولَّاني العهدَ من بعده، وولَّى أخي عبدَ الله العهدَ بعدي، وولَّاه خراسانَ وثغورَها وكُورَها وحربَها وجندَها وخراجَها وعشورَها وبيوتَ أموالِها ونحوَ ذلك، وعليَّ لأخي عبدِ الله الوفاءُ بما عقد له أميرُ المؤمنين من العهد والخلافةِ وأمورِ المسلمين بعدي، وما أَقطعه من قَطيعة وضَيعةٍ وحليٍّ ومالٍ وجواهرَ ومتاع ودوابَّ وأثاثٍ وقليلٍ وكثيرٍ فهو لعبد اللهِ بن أميرِ المؤمنين، وليس لمحمَّد أن يعترضَ عليه في شيءٍ من ذلك، ولا يحوِّلَ عنه قائدًا واحدًا ممَّن ضمَّه إليه أميرُ المؤمنين. وذكر ما يتعلَّق بهذا المعنى ثم قال: فإن أراد محمَّدٌ بن أميرِ المؤمنين خلعَ عبد اللهِ عن خراسانَ وأعمالِها، أو صرفَ أحدٍ من قوَّاده الذين ضمَّهم إليه أميرُ المؤمنين، أو تنقُّضَه قليلًا أو كثيرًا (٢)، فلعبد اللهِ بن أميرِ المؤمنين الخلافةُ بعد أَميرِ المؤمنين، وهو المقدَّم على محمَّد ووليُّ الأمرِ بعد أميرِ المؤمنين، وعلى جميع القوَّاد الطاعةُ له والجهادُ لمن خالفه، وهو في حِلٍّ من البَيعة التي في أَعناقهم لمحمَّد، وليس لمحمَّدٍ

стр. 5992

وعبدِ الله أن يخلعا القاسمَ بن أميرِ المؤمنين، فإن أفضت الخلافةُ إلى عبد اللهِ المأمون، فالأمرُ إليه في ذلك، إنْ شاء أَمضاه وإن شاء جعله فيمن يراه من ولده وإِخوتِه، وعلى المسلمين الطاعةُ بما في هذا الكتاب، فإن خالف أحدٌ أو نكث أو غدر، فبرئت منه ذمَّةُ اللهِ وذمَّةُ رسولهِ والمسلمين، وكلُّ مالٍ هو له أو يستفيده إلى خمسين سَنة، فهو صدقةٌ على المساكين، وعليه المشيُ إلى بيت اللهِ الحرامِ خمسين حِجَّة، وكلُّ مملوكٍ له أو فيما يستقبل إلى خمسين سنةً فهو حُرٌّ، وكلُّ امرأةٍ له فهي طالقٌ ثلاثًا، وكذا كلُّ امرأةٍ يتزوَّجها إلى خمسين سنة (١)، لا مثنويَّةَ فيها. واللهُ شهيدٌ على ذلك، وملائكتُه والمؤمنون مِن خلفه، وكفى بالله حسيبًا. ونسخةُ كتابِ المأمونِ كتبه بيده في الكعبة: هذا كتابٌ لعبد اللهِ بن هارونَ الرشيدِ أميرِ المؤمنين، كتبه عبدُ الله ابنُه في صحَّةٍ من عقلٍ وجواز [من] أمر، إنَّ أميرَ المؤمنين ولَّاني العهدَ والخلافةَ بعد أخي محمَّد بن هارون، وولَّاني خراسانَ وأعمالها، وشرط على أخي محمَّد الوفاءَ بما عقد لي من الأمر، وألا يعرضَ لي في خراسانَ وأعمالها، ولا فيما أعطاني أميرُ المؤمنين من الضِّياع والرِّباعِ والأموالِ والجواهرِ والمتاعِ والدوابِّ والأثاثِ والرَّقيقِ وغيرِ ذلك، ولا يعرضَ لأحدٍ من عمَّالي ولا كُتَّابي، ولا [مَن] ضمَّه أميرُ المؤمنين إليَّ. وذكر بمعنى ما ذكر محمَّد الأمين: وإنْ أراد أخي أن يولِّيَ من بعدي العهدَ أحدًا من ولده، فذلك له، وجعلت لمحمَّد عليَّ الوفاءَ بما شرطتُ على نفسي، وعليَّ بذلك عهدُ اللهِ وميثاقُه، وذمَّةُ اللهِ ورسولِه، وذمَّةُ أميرِ المؤمنين، وذِمَمُ المؤمنين، فإن نقصتُ شيئًا ممَّا شرطتُ عليَّ وسمَّيت في كتابي هذا أو غيَّرت أو بدَّلت أو نكثتُ أو غدرت، فبرئتُ من الله ومن دِين الله ودِين محمَّد ﷺ ، ولقيت اللهَ يومَ القيامةِ كافرًا، وكلُّ امرأةٍ لي اليوم أو أتزوَّجها إلى ثلاثين سَنة، طالقٌ ثلاثًا طلاق الحَرَج، وكلُّ مالٍ لي اليومَ أو أَملكه إلى ثلاثين سَنة صدقة، وكلُّ مملوكٍ لي أو أَملكه إلى ثلاثين سَنة حرٌّ لوجه الله، وعليَّ المشيُ إلى بيت اللهِ الحرام ثلاثين حِجَّة، نذرًا واجبًا، حافيًا راجلًا، وكلُّ مالٍ أَملكه،

стр. 5993

هَدْيٌ بالغُ الكعبة (١). وأشهد جماعةً منهم سليمانُ بن هارون، وكفى بالله طَليبًا (٢) وهو حسبي ونِعمَ الوكيل. وكتب في ذي الحِجَّة سنةَ ستٍّ وثمانين ومئة، وأَشهد هارونُ في الكتابَين مَن شهد الموسمَ من أهله وقوَّاده وصحابتِه وقُضاته وأهلِ مكةَ وحَجَبةِ الكعبة، ومَن حضر من أهل الأَمصار. ولمَّا أَنهى ذلك وهو في داخلِ الكعبة، جمع النَّاسَ بأَسْرهم، وأمر بتعليق الكتابَين في الكعبة، فلمَّا رُفعا ليعلَّقا وَقَعا، فقال النَّاس: هذا أمرٌ لا يتمّ، وينتقض سريعًا قبل إِحكامِه. وتطيَّر هارونُ واسترجع وقال: أردنا أمرًا وأراد اللهُ غيرَه. ثم كتب هارونُ كتابًا إلى الولاة والعمَّال -وغيرِهم- بالأَقطار: أمَّا بعد، فإنَّ أميرَ المؤمنين أَكرمَ اللهُ بخلافته ونسأله إِتمام عوائدِه الجميلة، وقد كان من نِعَم الله عليه وعنده ما تولَّى اللهُ من أمر محمَّد وعبد الله ابنَيه، وتبليغه أحسنَ ما مدَّت إليه الأمَّةُ أعناقَها، وقذف اللهُ محبَّتهما في قلوب العامَّة والخاصَّة … إلى أن قال: فعزم أميرُ المؤمنين على تفويض الأمرِ إليهما، وأكَّد عليهما العهودَ والمواثيق -نظرًا منه لرعيَّته التي استرعاه اللهُ إيَّاها- والجهادَ لعدوِّ المسلمين. وذكر نحوًا من هذا المعنى. وقال إبراهيمُ الموصليُّ في البَيعة: [من مجزوء الكامل] خيرُ الأمورِ مَغبَّةً … وأحقُّ أمرٍ بالتَّمامِ أمرٌ قضى إحكامَه الرَّ … حمنُ في البيتِ الحرام (٣) وعاد المأمونُ إلى الرَّقَّة. فصل وفيها توفي

стр. 5994

سالم (١) بن حمَّاد (٢) وقيل: سَالم بن عَمرِو بن حماد بن عطاءِ بن ياسر، الخاسر، الشَّاعر، البصري. سمِّي الخاسر لأنَّه وَرِث من أَبيه مُصحفًا؛ فباعه واشترى بثمنه طُنْبورًا، وقيل: شِعرَ امرئ القيس، وقيل: شِعرَ الأعشى. وكان سالم من الشُّعراء المُجيدين من تلامذة بشَّار، وصار يقول أرقَّ من شِعره، وكان بشارٌ قد قال: [من البسيط] مَن راقبَ النَّاسَ لم يَظْفَر بحاجته … وفاز بالطَّيِّبات الفاتِكُ اللَّهِجُ (٣) فقال سالم الخاسر: [من مخلع البسيط] مَن راقب النَّاسَ مات غمًّا … وفاز باللذَّة الجَسورُ فغضب بشارٌ وقال: ذهب إلى بيتي (٤) وأخذ معانيَّ التي تعبتُ عليها، فيكسوها ألفاظًا أخفَّ من ألفاظي، لا أَرضى عنه. فما زالوا به حتَّى رضي عنه. قدم سَالمٌ بغداد، ومدح المهديَّ والرشيدَ والبرامكة، واكتسب من البرامكةِ عشرين ألفَ دينار، ومن الرَّشيد مثلَها. وقال اليزيديّ: ورث من أبيه مئةَ ألفِ درهم، وأَصاب من مدائح الملوكِ مِثلَها، فأَنفقها كلَّها على الأدب. وهو ابنُ عمِّ الجمَّازِ الشاعر. ومدح المهديَّ: [من الكامل] حضر الرحيلُ وشُدَّت الأَحداجُ … وحدا بهنَّ مُشَمِّرٌ مِزْعاجُ شَرِبَتْ بمكَّة في ذُرا بَطحائها … ماءَ النُّبوَّة ليس فيه مِزاج (٥)

стр. 5995

وكان المهديّ (١) قد أعطى مروانَ بن أبي حَفْصَةَ على قصيدته التي يقول فيها: طَرَقَتْك زائرةٌ فحَيِّ خيالها (٢) مئةَ ألفِ درهم، فأراد المهديُّ أن يَنْقُصَ سالمًا من المئةِ ألف، فحلف لا يأخذُ إلَّا مئةَ ألفٍ وألفَ درهم، وقال: تُطرح القصيدتان إلى أهل هذا الفنِّ ليُخْبروه بتقدُّم قصيدتي، فأَعطاه المهديُّ مئةَ ألفِ درهمٍ وألف درهم، فلمَّا عاش إلى زمان الرَّشيد، قال قصيدتَه التي يقول فيها: [من الكامل] قد بايع الثَّقلانِ مَهْديَّ الهُدى … لمحمَّد بن زُبيدةَ ابنةِ جعفرِ (٣) فحشت زبيدةُ فاه جوهرًا ودُرًّا، فباعه بعشرة آلافِ دينار. ذكر وفاته: مات وخلَّف مالًا بقيمة ستَّةٍ وثلاثين ألفَ دينار، وقيل: خمسون ألفَ دينار، ولم يكن له وارث، فأَودعها أبا السَّمْراء الغسَّاني، فبقيت عنده، فغنَّى إبراهيمُ الموصليُّ الرشيدَ يومًا، فأَطربه، فقال له: سَلْ ما شئت، فقال: أسألكُ شيئًا لا يَرْزَؤك، قال: وما هو؟ قال: مات سَالمٌ وله عند أبي السمراءِ كذا وكذا دينارًا، أُريدها، فدفعها إليه، وكان الجمَّاز وأبوه يدَّعيان أنَّهما وارثاه، فقدما بعد ذلك يطلبان الميراث. العباسُ بن محمَّد ابن عليِّ بن عبد اللهِ بن عباس، أبو الفضلِ، الهاشمي، أخو السفَّاح [و] المنصور لأبيهما، وأمُّه أمُّ ولد. وُلد سنةَ ثماني عشرة. وقيل: سنةَ إحدى وعشرين، أو اثنتين وعشرين ومئة. ولَّاه أبو جعفرٍ دمشقَ والشَّامَ كلَّه، ووَلي المَوْسِمَ ومكةَ لهارون، وولَّاه الجزيرة، وكان من رجالاتِ بني هاشم.

стр. 5996

وكان هارونُ يثني عليه ويقول: عمِّي العباسُ يُعدُّ في أَسلافنا، وكان يعظِّمه ويبجِّله، وكان يقول لهارون: إنَّما مالُك ما تزرع به مَن أَصلحتْه نعمتُك، وسيفُك تحصد به مَن كَفرها. وكان أَجودَ النَّاس، وفيه يقول ربيعةُ الرَّقي: [من الكامل] لو قيل للعبَّاس يا ابنَ محمَّد … قل لا وأنت مخلَّدٌ ما قالها إنَّ السَّماحةَ لم تنزل مَعْقولةً … حتَّى حلَلْتَ براحتيك عِقالها وإذا الملوكُ تسايرت في بلدةٍ … كانت كواكبَها وكنتَ هلالها (١) وغضب العباسُ على سعيدِ بن سليمانَ المُساحقيّ، فكتب إليه سعيد: [من البسيط] أَبلِغْ أبا الفضلِ يومًا إن عرضْتَ له … من دائم العهدِ لم يخشَ الذي صَنَعا ما بالُ ذي حرمةٍ صافي الإخاءِ لكمْ … أمسى بجَفْوَتكمْ (٢) من ودِّكم فَجِعا من غير نائرةٍ إلَّا الوفاء لكمْ … ما مثلُ حبلِك من ذي حُرمةٍ قُطِعا ما تمَّ ما كنتُ أَرجو من مَودَّتكمْ … حتى تبايَنَ شِعْبُ الوُدِّ فانصدعا أَمَا وربِّ مِنًى والعامدين (٣) لها … والدَّافِعين بجَمْعٍ يوضِعون معًا لو كان غيرُك يَطوي حبلَ خُلَّته … دوني ويَلْبَس ثوبَ الهجرِ ما انتفعا (٤) فرضي عنه. وقال له رجل: أَتيتُك في حُوَيجة، فقال: اُطلب لها رُجَيلًا. وتوفِّي بالعبَّاسية وله خمسٌ وستُّون سنةً وستةُ أشهرٍ وعشرون يومًا (٥)، وأهلُه يزعمون أنَّ الرشيد سمَّه، فسقى بطنُه فمات.

стр. 5997

يزيدُ بن هارون أبو خالد، مولى بني سُليم. ولد سنةَ ثماني عشرةَ ومئة، وكان من العابدين الخائفين، وإذا صلَّى العَتمةَ لا يزال قائمًا حتَّى يصلِّيَ الغداةَ بذلك الوضوءِ نيِّفًا وأربعين سنة. وقال له رجل: كم جزؤك من اللَّيل؟ فقال: وأنام من اللَّيل شيئًا! إذن لا أَنامَ اللهُ عيني. وقال الحسنُ بن عَرَفة: رأيت يزيدَ بن هارونَ بواسطٍ من أَحسن النَّاسِ عينين، ثم رأيته بعدُ بعينٍ واحدة، ثم رأيتُه وقد ذهبت عيناه، فقلت: يا أبا خالد، ما فعلت تلك العينانِ الجميلتان؟ فقال: ذهب بهما بكاءُ الأَسحار. وقال يزيدُ بن هارون: مَن طلب الرِّئاسة في غير أَوانها، حرمه اللهُ إياها في أوانها. ومات في سنة ستِّ وثمانين. وقيل: سنة سبع، أو ثمانٍ وثمانين ومئة (١). أسند عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ (٢) الأنصاريّ وغيره، وروى عنه الإمامُ أحمد ﵁ وطبقتهُ. وكان ثبتًا ثقةً صدوقًا، كثير العلمِ والحديث، قال عليُّ بن المَديني: ما رأيت أحفظَ منه. وقال أبو نافعٍ بنُ بنتِ يزيدَ بن هارون: كنت عند الإمامِ أحمدَ بن حنبلٍ وعنده رجلان، فقال أحدُهما: يا أبا عبدِ الله، رأيتُ يزيدَ بن هارونَ في المنام، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ قال: غفر لي وشفَّعني وعاتبني، قلت: بماذا عاتبك؟ قال: قال لي: يا يزيد، أَتحدِّث عن حَرِيز بن عثمان؟! قال: قلت: يا ربّ، ما علمتُ إلا خيرًا، فقال: إنَّه كان يُبغض أبا الحسن عليَّ بن أبي طالب، أَبغضه الله. وقال الآخَر: رأيت يزيدَ بن هارونَ في المنام، فقلت: هل أتاك مُنكر ونَكير؟ قال:

стр. 5998

إِي والله، وسألاني: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ فقلت: أَلِمثلي يقال هذا وقد كنتُ أعلِّمه النَّاسَ في الدُّنيا؟! فقالا: صدقتَ، فنَمْ نومةَ العروس لا بؤسَ عليك. يَقطين بنُ موسى (١) أحدُ دعاةِ بني العبَّاس، ومَن قرَّر أمرهم، وكان داهيةً حازمًا شجاعًا. ولمَّا حبس مروانُ بن محمَّد إبراهيمَ الإمام، تحيَّرت الشيعةُ لا يدرون مَن الإِمامُ بعده، فقال لهم: أنا أُخبركم. فغيَّر زِيَّه وأتى حرَّان، فوقف لمروانَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، أنا رجلٌ غريبٌ تاجر، قدمتُ بمَتاع، فبعث إليَّ إبراهيمُ فاشتراه وماطلني بثمنه، وقد حبستَه، فإن رأيتَ أن تجمعَ بيني وبينه وتأخذَ لي بحقِّي منه، فقال مروانُ لبعض خدمِه: اِذهب معه إلى إبراهيمَ وقل له يَخرج من حقِّ هذا الرجل، فمضى معه، فلمَّا دخل عليه قال له: سبحانَ الله! إلى متى تَمْطُلني؟ وإلى مَن أوصيتَ أن يدفعَ إليَّ مالي؟ فقال: إلى ابن الحارثيَّة. فعاد إلى الشِّيعة فأخبرهم أنَّ أبا العباسِ هو الإِمامُ بعده. وكان يقطينُ عظيمًا عند بني العبَّاس، ولَّاه السفَّاح والمنصورُ والمهديُّ الولايات. واطلع المهديُّ (٢) على ابنه عليِّ بن يقطين بالزَّندقة فقتله. * * *

стр. 5999

السَّنة السابعةُ والثَّمانون بعد المئة فيها أَوقع الرشيدُ بالبرامكة، وقتل جعفرَ بن يَحْيَى، وحبس يَحْيَى وأهلَه. واختلفوا في سبب ذلك على أقوال (١): قال ثُمامَةُ بن أَشرَس: كتب محمَّد بن اللَّيث إلى هارونَ يَعِظُه ويقول: إنَّ يَحْيَى لا يُغني عنك من اللهِ شيئًا، وقد جعلتَه فيما بينك وبين الله، فكيف بك إذا وقفتَ غدًا بين يدي اللهِ تعالى فسألك عمَّا فعلت في بلاده وعبادِه، فتقول: ياربّ، إنِّي استكفيتُ بيحيى في ذلك. مع كلامٍ كثيرٍ فيه توبيخٌ وتقريع. فدعا الرشيدُ يَحْيَى وقد علم، فقال: أَتعرف محمَّد بن اللَّيث؟ قال: نعم، قال: أيُّ رجل هو؟ قال: متَّهم على الإِسلام. فأمر بمحمَّد فحُبس في المُطْبَق دهرًا، فلمَّا تنكَّر الرشيدُ للبرامكة ذكره، فأمر بإحضاره، وقال له: يا محمَّد، أَتحبُّني؟ قال لا والله، كيف أحبُّك وقد قيَّدتني وكبَّلتني بالحديد! وحُلتَ بيني وبين عيالي من غير ذنبٍ أتيتُ ولا حدثٍ أحدثت! سوى قولِ حاسدٍ يكيد الإسلامَ وأهلَه! فكيف أحبُّك؟! فأمر بإِطلاقه، وأعطاه مئةَ ألفِ درهم، وقال له: انتقمَ الله لك ممَّن ظلمك، وأخذ بحقِّك ممَّن حملني عليك. فقال الناسُ في البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أولَ ما ظهر من تغيُّر حالهم. والثاني: أنَّه نُقل إلى هارونَ أنَّ البرامكةَ يرون رأيَ المجوس، وأنهم يُبطنون ذلك ويميلون إلى مذاهبهم. والثالث: أنَّ الفضلَ بن الربيعِ كان عدوَّهم يَحْسِدهم ويُكثِّر عليهم عند هارون، دخل الفضلُ يومًا على يَحْيَى بنِ خالدٍ في حاجة، فلم يرفعْ له رأسًا، ولا قضى حاجتَه، مخرج مُغْضَبًا، فقال يَحْيَى لبعض خاصَّته: اِتْبعه واسمعْ ما يقول، فتبعه الرَّجل، فلمَّا استوى على سرجه عضَّ على شفتيه وقال: [من الطَّويل]

стр. 6000

عسى وعسى يَثني الزَّمان عِنانَه … بعَثْرَةِ دهرٍ والزمانُ عَثورُ فتُدرَك آمالٌ وتُقضى مآربٌ … ويَحدث من بعد الأمورِ أمورُ (١) وأُخبر يَحْيَى بقوله، فردَّه وقضى حاجتَه، فما مضت إلَّا أيامٌ يسيرةٌ حتَّى سَخِط هارونُ على البرامكة واستوزرَ الفضلَ بن الرَّبيع. والرابع: أنَّ هارونَ نُقل إليه أنَّ البرامكةَ يميلون إلى آل أبي طالبٍ، ويبعثون إليهم بخُمس أموالهم، وأنَّهم على عزم نقل الخلافةِ إليهم. وقال جبريلُ المُتَطبِّب: أول ما بدا من أمر هارونَ في حقِّ البرامكةِ: أنَّ يَحْيَى بن خالدٍ كان يدخل على هارونَ ولو كان في فراشه لا يُحجب عنه. قال جبريل: فدخل يَحْيَى يومًا وأنا قاعدٌ عند الرشيد، فسلَّم، فردَّ عليه هارونُ ردًّا ضعيفًا، والتفت إليَّ هارونُ وقال: يا جبريل، أَيدخل عليك أحدٌ بغير إذن؟ قلت: لا، قال: فما بالُنا يُدخَل علينا بغير إِذن؟! فقال له يَحْيَى: قد كنت أدخل عليك وأنت متجرِّد في فراشك بغير إِذن، وكنت أظنُّ أنَّ ذلك شيءٌ خصصتَني به، وأمَّا إذا كره أميرُ المؤمنين ذلك، فأكونُ في الطبقة الثانيةِ أو الثالثة، فخجل هارونُ منه وأَطرق ما يرفع إليه طرفَه وقال: ما أَردتُ ما تكره، ولكنَّ النَّاس يقولون. ثم قام يَحْيَى وخرج. وقال محمَّد بنُ الفضل: دخل يَحْيَى بعد ذلك على الرَّشيد، فقام إليه الغِلمان، فقال هارونُ لمسرورٍ الخادم: مُر الغلمانَ إذا دخل يَحْيَى لا يقوموا له. فدخل فلم يَقُمْ إليه أحد، فارْبَدَّ لونُه. وكان الغلمانُ والحجَّاب إذا رأوه بعد ذلك أَعرضوا عنه، وكان إذا عطش يستسقي شربةً من ماءٍ فلا يسقونه، وبالحَرى أن يسقوه بعد أن يدعوَ بها مرارًا. وما زال كذلك حتَّى قَتل هارونُ ولدَه جعفرًا وقبض عليه. وقال موسى بنُ يَحْيَى: طاف أبي بالبيت في السَّنة التي أُصيب فيها وأنا معه دون ولدِه، فتعلَّق بأستارِ الكعبة، وجعل يردِّد الدُّعاء ويقول: اللَّهم إنْ كنتَ تعاقبني بذنوبي فهي جَمَّة لا يُحصيها غيرُك، فاجعل عقوبتي في الدُّنيا وإنْ أحاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي، حتَّى يبلغَ رضاك عَنِّي، ولا تجعلْ عقوبتي في الآخرة.

стр. 6001

وفيها (١) غزا هارونُ بلادَ الرُّوم، فأوغل فيها، وفتح هِرَقْلَة، وولَى ابنَه القاسمَ الصَّائفة، وأَعطاه العواصم، فنازل حصنَ سنان، فبعث إليه قيصر، وسأله أن يرحلَ عنه ويعطيَه ثلاثَ مئةٍ وعشرين أسيرًا من المسلمين، ففعل. وفيها غضب هارونُ على عبد الملكِ بن صالحِ بن عليٍّ وحبسه، وكان قد سعى به كاتبُه وولدُه عبدُ الرَّحمن بنُ عبد الملكِ وقالا: إنَّه يروم الخلافة، فأحضره الرشيدُ وقال له: أكُفرًا للنِّعمة وجُحودًا لجليل المِنَّة؟! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لقد بُؤتُ بالنَّدم، وتعرَّضتُ لاستحلال النِّقَم، وما ذاك إلا بغيُ حاسد، نافَسَني فيك مودَّة القرابةِ وتقديمَ الولاية، إنَّك يا أميرَ المؤمنين خليفةُ اللهِ وخليفةُ رسولهِ في أمَّته، وأَمينُه على عِتْرَتِه، لك عليها فرضُ الطاعة وأداءُ النصيحة، ولها عليك العدلُ في حكمها، والتثبُّت في حادثها، والغفرانُ لذنوبها. فقال له الرَّشيد: أَتَضَعُ لي من لسانك وترفعُ من جَنانك؟! هذا كاتبُك قُمامةُ يُخبر بفعلك (٢)، فقال: إنَّه أعطاك ما ليس في عَقْده، ولعلَّه لا يقدر أن يبهتَني بما لم يعرفْه مني. فأُحضر قُمامة، وقال له الرَّشيد: تكلَّم غيرَ هائبٍ ولا خائف، فقال: أَقول: إنَّه عازمٌ على الغدر بك والخلافِ لك، فقال: كيف لا يكذب على مِن خلفي وهو يَبهتني في وجهي؟ فقال له الرَّشيد: هذا ابنُك عبدُ الرَّحمن أيضًا، أَخبَرني بفساد نيَّتك، ولو أردتُ أن أحتجَّ عليك لم أجد أعدلَ من هذين، فقال: أمَّا عبدُ الرَّحمن، فهو إمَّا مأمورٌ أو عاقّ، فإن كان مأمورًا فهو مَعْذور، وإنْ كان عاقًّا فهو فاجرٌ كفور، وقد أَخبر اللهُ بعداوته وحذَّر منه بقوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. فنهض الرَّشيدُ وهو يقول: أمَّا أمرُك فقد وَضَحَ، ولكنِّي لا أَعجل حتى أعلمَ الذي يُرضي الله فيك، فإنه الحَكَمُ بيني وبينك، فقال عبدُ الملك: رضيتُ بالله حَكَمًا، وبأمير المؤمنين حاكمًا؛ لعلمي أنَّه يؤثر كتابَ اللهِ على هواه، وأمرَه على رضاه. وجرت لعبد الملكِ مع الرَّشيدِ مُناظرات، منها: أَمر بإِحضاره، فدخل عليه فسلَّم،

стр. 6002

فما ردَّ هارونُ وفاتَحَه الكلام، فقال عبدُ الملك: هذا يومٌ لا أجاذِبُ فيه منازعًا ولا خصمًا، قال: ولم؟ قال: لأنَّ أولَه جرى على غير السُّنَّة، فأنا أخاف آخرَه، قال: وما ذاك؟ قال: لأنَّك لم تردَّ عليَّ فيه السَّلام، فقال الرشيد: السلامُ عليك، اقتداءً بالسنَّة، وإِيثارًا للعدل، واستعمالًا لردِّ التحيَّة. ثم التفت إلى سليمانَ بنِ أبي جعفرٍ وأَنشد يقول: [من الوافر] أُريد حياتَه ويُريد قَتْلي (١) ثم قال: لكأنِّي واللهِ أنظر إلى شُؤبوبها (٢) قد همَع، وإلى عارِضِها قد لَمَع، وكأنِّي بالوعيد قد أَورى نارًا تَسْطَع، فأَقْلَعَ عن بَراجِمَ بلا مَعاصِم، ورؤوسٍ بلا غَلاصِم، فمهْلًا مهلًا، فبي واللهِ سَهُل لكم الوَعر، وصفا لكم الكَدَرَ، وأَلقت إليكم الأمورُ أَثناءَ (٣) أزمَّتها، ونَذارِ لكم نذار قبل حلولِ داهيةٍ خَبوطٍ باليد، لَبوطٍ بالرِّجل. فقال له عبدُ الملك: اتَّقِ الله فيما ولَّاك، ولا تجعل الكفرَ موضعَ الشُكر، ولا العِقابَ موضعَ الثَّواب، فقد نَخَلتُ لك النصيحة، ومَحَضْتُ لك الطاعة، وشَدَدتُ أَواخيَ مُلكِك بأثقلَ من ركنِ يَلملَم، وسهَّلت لك الوعور، وذللت لك الأمور، وجمعتُ على طاعتك القلوبَ في الصدور، فكم ليل تَمامٍ فيك كابَدْتُه، ومَقامٍ ضيق لك قُمتُه، كنتُ كما قال أخو بني جعفرِ بن كتاب (٤): [من الرمل] ومقامٍ ضَيِّقٍ فَرَّجتُه … ببَيانٍ ولسانٍ وجدلْ لو يقوم الفيلُ أو فائلُهُ … زلَّ عن مثل مَقامي وزَحَل فالله الله في رِيٍّ أن تقطعَه بعد أن بَلَلْتَه، بسعي سباعٍ تَنْهسُ اللَّحم، وبغيِ باغٍ يبالغ في الذَّمِّ (٥). فقال الرَّشيد: أَمَا واللهِ لولا الإِبقاءُ على بني هاشم لضربتُ عنقَك.

стр. 6003

ومنها (١). أنه لمَّا حبس الرشيد عبدَ الملك، قال له عبدُ الله بن مالكٍ الخُزاعي -وكان على شرطته: يا أميرَ المؤمنين، ما علمتُ عبدَ الملك إلَّا ناصحًا، فلمَ حبستَه؟ قال: بلغني عنه ما أَوحشني، ولم آمنْه أن يضربَ بين ابنيَّ الأمين والمأمون، فإنْ رأيتَ أن تُطلقَه أَطلقناه، فقال: أمَّا إذ حبستَه، فلستُ أرى إِطلاقة في قريب المدَّة، ولكن تحبسُه مَحْبَسًا كريمًا، يشبه محبسَ مثلِك لمثله، قال: نعم. ودعا الفضلَ بن الربيع (٢) وقال له: اِمضِ إلى عبدِ الملكِ إلى محبسه، وقل له: انظر ما تحتاجُ إليه في محبسك فأمُرْ به. ومنها: أنَّ هارونَ قال له يومًا في بعض ما كلَّمه به: ما أنت لصالح، قال: فلمَن أنا؟ قال: لمروانَ الجَعديّ، قال: ما أبالي أيُّ الفَحْلَين غلب عليّ، فحبسه الرَّشيد عند الفضلِ بن الرَّبيع، فلم يزل محبوسًا حتى توفِّي الرشيد، فأَطلقه محمَّد وعقد له على الشَّام، فكان مُقيمًا بالرقَّة، وجعل لمحمَّد عهدَ اللهِ وميثاقَه إنْ أصيبَ محمَّد وهو حيّ لا يعطي المأمونَ طاعةً أبدًا، فمات قبل محمَّد، فدُفن في دارٍ من دُور الإِمارة بالرَّقة، فلمَّا خرج المأمونُ يريد الرُّوم، أَرسل إلى ابنٍ له: حوِّل أباك من داري، فنُبشت عظامهُ وحوِّلت. ومنها: أنِّ الرشيد بعث إلى يحيى ينِ خالدٍ وهو محبوس يقول له: إنَّ عبد الملكِ بن صالحٍ أراد الخروجَ عليّ، وأن يُنازعَني في الملك، وقد علمتَ ذلك، فأَخبرني واصدُقْني، فإنْ صدقتَني أُعدتَ إلى حالك، فقال يحيى: واللهِ ما اطَّلعتُ منه على شيءٍ من هذا، وكيف يكون ذلك وملكُك مُلكي وسلطانُك سُلطاني؟! وهل كان يفعل بي لو وافقتُه أكثرَ من فعلك؟! فأُعيذك بالله من ذلك أن تظنَّ بي هذا الظنّ، ولكنَّه كان رجلًا محتملًا، يسرُّني أن يكونَ في أهلك مثلُه، فولَّيتُه لِمَا حَمدتُ من مذهبه، وملتُ إليه لاحتماله وأدبِه. فلمَّا أتاه الرسولُ بهذا قال له: إن أنت لم تقرَّ عليه قتلتُ ابنَك الفضل، فقال: قل له: أنت مسلَّط علينا فافعل ما بدا لك، فقال الرَّسول: لا بدَّ من إنفاذ [أمر] (٣) أميرِ

стр. 6004

المؤمنين، ولم يشكَّ أنه قاتلُه، فودَّع الفضلُ أباه وقال: ألستَ راضيًا عني؟ قال: بلى. فغاب عنه ثلاثةَ أيام، ثم اعاده إليه لمَّا لم يجد عندهما شيئًا من ذلك. وقيل: إنَّ الرسول كَان مَسْرورًا الخادم. ومنها: أنَّ الرشيدَ بينما هو يسير في مَوْكِبه وعبدُ الملك معه يسايره، هتف به هاتف: يا أميرَ المؤمنين، طأطِئْ من إِشرافه، وقصِّر من عِنانه، واشدُد من شكائمه، وإلَّا فَسَدتْ عليك ناصيتُه. فقال الرشيدُ لعبد الملك: ما يقول هذا؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، مقال باغٍ ودَسيسَ حاسد، فقال هارون: صدقتَ، نَقَصَ القومُ وفَضَلْتَهم، وتخلَّفوا وتقدَّمتَهم، حتى برز شأوُك، وقَصَّر عنه غيرُك، ففي صدورهمِ جَمَراتُ التخلُّف، وحَزازاتُ النَّقص، فقال عبدُ الملك: لا أَطفأها الله (١)، وأَضْرَمَها عليهم حتى يورثَهم كَمَدًا دائمًا. وكان عبدُ الملك يسكن مَنْبج، فمرَّ به هارون، فقال له: هذا منزلُك؟ قال: هو لك يا أميرَ المؤمنين، وهو لي بك. فقال: كيف هو؟ قال: دون بناءِ أهلي، وفوق منازلِ مَنْبج، فقال: كيف لينُها؟ فقال: سَحَرٌ كلُّه. وفيها: نقض نقفورُ ملكُ الرومِ الصلحَ الذي كان بينه وبين المسلمين، كانت ملكةُ الرومِ التي يقال لها: ريني قد صالحت المسلمين على ما ذكرنا، وأنَّ الرومَ وثبت عليها فخلعتْها وملَّكت نقفور، والرومُ تزعم أنَّه من أولاد جَفْنَةَ من غسَّان. وماتت ريني بعد خمسةِ أشهرٍ من خلعها. ولمَّا استقام أمرُ نقفورَ واستولى على البلاد، كتب إلى الرَّشيد كتابًا يقول في أوَّله: باسم الأبِ والابنِ ورُوح القُدس (٢)، من نقفور ملكِ الرُّوم إلى هارونَ ملكِ العرب، أمَّا بعد: فإنَّ الملكةَ التي كانت قبلي أَقامتْك مقامَ الرُّخّ، وأقامت نفسَها مقامَ البَيدَق، فحملَتْ إليك من أموالها ما كنتَ حقيقًا بحمل مثلِه إليها، ولكن ذاك ضعف النساءِ وحُمقُهنّ، فإذا قرأتَ كتابي هذا، فاردُدْ ما حصل قِبَلك من أموالها، وافتدِ نفسَك بما

стр. 6005

تقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك، والسَّلام. فلما قرأ هارونُ الكتاب، استشاط غضبًا بحيث تفرق عنه جلساؤه، فلم يقدر أحدٌ أن يدنوَ منه، وكتب به على رأس الكناب (١): "الله الرَّحمن الرحيم: من هارونَ أميرِ المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأتُ كتابك يا ابنَ الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تقرؤه، والسلام. ثم سار من يومه حتى أَناخ بباب هِرَقْلَة، ففتح الحصونَ، وغنم وسَبَى وقتل، فأَرسل إليه نقفورُ يطلب الموادَعَةَ على خراجٍ يؤدِّيه في كلِّ سنة، فصالحه ورجع إلى الرقَّة، فنقض نقفور العهدَ ونزل البَلْخ، فيئس من من جعة هارونَ إليه، ولم يتجاسر أحدٌ أن يخبر هارونَ بما فعل نقفور، فاحتيل له بشاعرٍ من أهل جُدَّة (٢)، واسمُه عبدُ الله بن يوسف، فأَنشده: [من الكامل] نَقَضَ الذي أَعطاكَه نقفورُ … وعليه دائرةُ البَوارِ تدورُ أَبشِر أميرَ المؤمنين فإنَّه … غنْم أَتاك به الإلهُ كبير فلقد تَباشَرَتِ الرَّعيةُ أن أتى … بالنَّقض عنهُ وافِدٌ وبَشير أَعطاك جِزيتَه وطأطأَ خدَّه … حَذَرَ الصَّوارمِ والرَّدى مَحذور فأَجرتَه من وَقْعِها وكأنَّها … بأكفِّنا شعَلُ الضِّرام تَطير فصَرَفْتَ بالطَّول العساكرَ قافلًا … عنه وجارُك آمن مسرور نقفورُ إنَّك حين تَغدِر إن نأى … عنك الإِمامُ لَجاهل مغرور أظننتَ حين غَدرتَ أنّك مُفلَتٌ … هبِلَتْك أمُّك ما ظننتَ غُرور ألقاك حَينُك في زَواخِرِ بحرِه … فطَمَت عليك من الإِمام بُحور إنَّ الإمام على اقْتِسارك قادرٌ … قَرُبَت ديارُك أم نأتْ بك دُور ليس الإِمامُ وإنْ غفَلْنا غافلًا … عمَّا يَسوسُ بحَزْمِه ويُدير

стр. 6006

مَلِكٌ تجرَّد للجهاد بنفسه … فعدوُّه أبدًا به مَقهور نصحُ الإِمامِ على الأَنام (١) فريضةٌ … ولأهلها كفَّارةٌ وطهورِ فلمَّا فرغ من إِنشادها، قال: أَوَ قد فعلها؟! فكرَّ راجعًا من فوره، فأناخَ على هِرَقْلَة، فأَرسل إليه نقفورُ وصالحه على ما أَراد هارون. وقال أبو العتاهية: [من الوافر] أَلَا نادَتْ هِرَقْلَةُ بالخَراب … من المَلِك المُوَفَّق للصَّواب غدا هارونُ يَرعُدُ بالمنايا (٢) … وَيبرُقُ بالمُذكَّرة (٣) القِضاب (٤) وراياتٍ يَحُلُّ النصرُ فيها … تمرُّ كأنَّها قِطَعُ السحاب أميرَ المؤمنين ظَفِرتَ فاسْلَم … وأَبشِر بالغَنيمَةِ والإِياب فصل: وفيها قُتل إبراهيمُ بن عثمانَ بن نَهيك. كان بعد قتل هارونَ لجعفرِ بن يحيى يبكي عليه ويحزن لِمَا جرى على البرامكة، فكان إذا أخذ منه الشرابُ يقول لغلامه: هات سيفي ذا المنيَّة، فيسلُّه ويقوم قائمًا، ويصيح: واجعفراه، واسيِّداه، واللهِ لآخذنَّ ثأرَك ولأقتلنَّ قاتلَك. وكان له ابنٌ اسمُه عثمان، فجاء الفضلَ بن الربيعِ فأَخبره، فأخبر الفضلُ الرَّشيد، فقال الرَّشيد: أَدخله، فدخل، فقال له: ماذا يقول [الفضل بن] الرَّبيع؟ قال: صدق، قال: فهل سمع منه هذا أحدٌ غيرك؟ قال: نعم، خادمُه نوال. فدعا نوالًا فسأله، قال: نعم قد قاله غيرَ مرة، فقال هارون: ما يحل في أن أقتلَ وليًّا من أوليائي بقولهما، ولعلَّهما تواصيا على هذا؛ بمنافسة الابنِ على المرتبة ومعاداةِ الخادمِ لطول الصُّحبة. فترك ذلك أيَّامًا، ثم قال للفضل بنِ الربيع أريد أنْ أمتحنَ إبراهيمَ لأزيل الشكَّ عن خاطري، والوهمَ عن قلبي، فاستدعاه على الشَّراب، وقال للفضل: اِذهب وخلِّني وإياه، فلمَّا أخذ منه الشرابُ قال له: يا إِبراهيم، كيف أنتا وموضعُ السِّرِّ منك، فقال: إنَّما أنا عبدُك، فقال: إنَّ في نفسي أمرًا أريد أن أُودِعَك إيَّاه، وقد ضاق صدري به

стр. 6007

وسهرتُ له ليلي، فقال: إذن أُخفيه عن نفسي، فقال: قد ندمتُ على قتل جعفرِ بن يحيى ندامةً لا أَقدرُ أن أَصفَها، ووددت أنِّي خرجتُ من ملكي وأنَّه بقي، فما وجدت طعمَ النومِ ولا لذَّة العيشِ منذ قتلتُه. فبكى إبراهيمُ وقال: رحم اللهُ أبا الفضلِ وتجاوَزَ عنه، فلقد أخطأتَ واللهِ في قتله، وأين يوجد في الدُّنيا مثلُه، فقال له الرشيد: قم لعنك اللهُ يا ابنَ اللَّخْناء، فقام وهو لا يَعقِل، فدخل على أمِّه فقال: يا أُماه، ذهبَتْ واللهِ نفسي. وأَخبرها الخبرَ وقال: إنَّ الرشيدَ قد امتحنني بمحنةٍ لو كان في ألف نفسٍ لم أَنجُ منها بواحدة، فدخل عليه ابنُه بعد ليالٍ فقتله. جعفرُ بنِ يحيى ابن خالدِ بن بَرْمَك، أبو الفضلِ البرمكي. كان من علوِّ القدر، ونفاذِ الأمرِ، وعِظَم المنزلة، وجَلالةِ المَحَلِّ عند هارونَ بحالةٍ لم يشاركْه فيها أحد، وكان جميلًا وسيمًا، معتدلَ القامة، ذا وَفْرة، طويلَ العُنق جدًّا، وهو أوَّل مَن زاد في زِيقه ليَستُرَ عُنُقَه، فقيل: زيقٌ برمكي. وكان حسنَ الأخلاق، طلقَ الوجه، جودُه وعطاؤه أشهرُ من أن يخفَى، وكان من الفصاحة والبراعةِ والبلاغةِ على حظٍّ وافر. وكان أبوه قد ضمَّه إلى القاضي أبي يوسُف، ففهَّمه وعلَّمه. نظر بحضرة الرشيدِ ليلةً في ألف قصَّة، فوقَّع على جميعها، فعرضت على الحكَّام، فلم يجدوه أخطأ ولا في واحدةٍ منها، ولم يخرجْ عن الفقه. ورُفعت إليه قصة من مُتَظَلِّم من عامل، فكتب عليها: بئس الزادُ ليوم المعادِ ظلمُ العباد. وهو أوَّل ص ضرب الدنانيرَ الجعفرية، ضرب أوَّلًا في كلِّ دينارٍ مئةَ دينارٍ ودينار (١)، فكان يُطلق المئةَ منها، وكان على أحد جانبَي كلِّ دينارٍ مكتوب: [من المتقارب]

стр. 6008

وأَصفرَ من ضَربِ دارِ الملوك … يلوحُ على وجهه جعفرُ يزيدُ على مئة واحدًا … إذا ناله مُعْسِرٌ يوسر (١) ثم ضرب في كلِّ دينارٍ ثلاثَ مئةِ دينار، وكان يطلق المئة منها. وأراد الركوبَ إلى دار هارونَ من داره على شاطئِ دجلة، فأخذ الأَسطُرلاب، فمرَّ ملَّاحٌ على سفينةٍ وهو يقول: [من الوافر] يدبِّر بالنُّجوم وليس يدري … وربُّ النَّجم يفعلُ ما يشاءُ (٢) فضرب بالأَسطرلاب الأرضَ، فكسره وركب. وكان ينظر إلى الكاتب وهو يكتبُ من بعيد، فيعلم ما يجري به قلمُه، وكذا كان أبوه يحيى. قال سليمانُ بن الحارث: كنتُ في موكب جعفرِ بن يحيى، إذ اعترضه بهلولُ هاربًا من صبيان الكرخِ وبيده حجران، فألقاهما وأخذ بلجام بغلةِ جعفرٍ وقال: [من البسيط] يا جعفرَ الجودِ والمعروفِ والكرمِ … يا كعبةَ الفضلِ والإِفضالِ والنِّعمِ يا مَن إذا السُّحب لم تَسمح بدِرَّتها … كانت أناملُهُ أَندَى من الدِّيَم ما لي إليك شفيعٌ أَستعين به … إلَّا العلاءَ وطيبَ الأصلِ والشِّيَم لله دَرُّك من حرٍّ أخي كرمٍ … مُعطي الكثير بلا منٍّ ولا سأَم فقال له جعفر: تمنَّ، فقال: تردُّ عليَّ عقلي، قال: لا أَقدر على ذلك، قال: فتؤمِّنِّي من الموت، قال: وهذه أَصعب، قال: فتكفيني أولادَ الزِّنى، فقال: هذا مُتَعَذِّر، فقال بُهلول: فما تظن أنَّني أطلب منك؟! كسوةً تفنَى وثوبًا يَبلَى، وقد بذلتُ لك ما يبقى؟! إنِّي إذن لَقليلُ الخبرةِ بالتِّجارة. ثم ترك لجامَ بغلتِه ومضى وهو يقول: [من السريع] ظنَّ ابنُ يحيى أَنني راغبٌ … في ماله مالي وللمالِ واللهِ ما أَنصفَ مَدحي له … مَن لم يُبَلِّغنيَ آمالي

стр. 6009

يفنَى الذي يُعطي ويبقَى له … حُسنُ أماديحي وأَقوالي فأتبعه جعفرُ بصرَه وقال: صدقتَ يا أبا محمَّد. ذِكر مقتله: واختلفوا في سببه على أقوال: قال الطَّبري (١): كان الرشيدُ لا يصبر عن أخته العبَّاسةِ بنت المهديّ، وكان يُحضرها إذا جلس للشُّرب، فقال لجعفر: أُزوِّجك إياها ليحلَّ لك النظر، فزوَّجها منه، ثم كان يُحضرهما مجلسَ الشراب، ثم يقوم عن مجلسه ويخلِّيها فيه وهما ثَمِلان، فيجامعها جعفر، فحبلت منه وولدت غلامًا، فخافت على نفسِها من الرَّشيد، فبعثت بالغلام إلى مكَّةَ مع الحواضن من جواريها، وأَرسلت معه بالأموالِ والجواهر، ولم يزل الأمرُ مستترًا عن هارونَ حتى وقع بين العباسة وبعضِ جواريها، فوشت بها إلى الرَّشيد ودلَّته على مكان الصبي بمكَّة، فحجَّ هارون، وأَرسل فأَحضر الحواضن، وسألهنَّ فأخبرنَه الخبر، فأراد قتلَ الصَّبي، ثم تخوَّف من ذلك، ولمَّا عاد من حجَّته قتل جعفرًا. وقال أحمدُ بن زهير: إنَّ الرشيدَ لمَّا زوَّج أختَه من جعفر، اجتنبها مدَّةً ومنع نفسَه عنها، وأَحبَّته، فدخلت على أمِّه فشكتة إليها، وحملت إليها الجواهرَ والهدايا، فوعدتها أن تجمعَ بينهما، فاحتالت عليه أمُّه وقالت: قد اشتريتُ لك جارية روميةً من بنات الملوك، ووصفَتْها له. فجاء وهو سكران، فواقعها ولم يعلم، فقالت له: كيف رأيتَ حيلَ بناتِ الملوك؟ وأَخبرته أنَّها العبَّاسة. فأَفاق من سُكره، ودخل على أمِّه وقال لها: لقد بعتيني بثمنٍ بَخسٍ، وحملتيني على المركب الوَغر، وسوف ترين. ووضعت العباسةُ غلامًا فبعثَتْ به إلى مكَّة. وكان يحيى ينهى زُبيدةَ عن صحبة الخدَّام، فشكته إلى الرشيدِ وقالت له: هلَّا غار على حَرَمك، فقال: واللهِ ما أَتَّهمه في حرمي، فقالت: بلى، قد حملَتْ أختُك من جعفرٍ بغلامٍ وبعثت به إلى مكَّة، فقال: اكتُمي هذا، وحجَّ في هذه السَّنة، فقتل الصبيَّ

стр. 6010

والحواضن، وكان يحيى وأولادُه معه، فلم يُطْهر لهم شيئًا. القولُ الثاني: قال أبو محمَّد اليزيدي (١): دفع الرشيدُ يحيى بنَ عبد الله بنِ حسن بنِ حسنٍ إلى جعفر، فحبسه عنده، ثم دعا به ليلةً فسأله عن شيءٍ من أمره، فأَجابه، إلى أن قال له: اتَّقِ الله في أمري، ولا تتعرَّض لأن يكونَ خصمَك غدًا محمَّد ﷺ ، فوالله ما أحدثتُ حَدَثًا، ولا آويت مُحدِثًا. فرقَّ له جعفرٌ وقال: اذهب حيث شئتَ من بلادِ الله، فقال: كيف أَذهب ولا آمن أن أؤخذَ بعد قليل، فوجَّه معه مَن أدَّاه إلى مأمنه، وبلغ الخبرُ إلى الفضل بنِ الربيع، فأَخبر الرَّشيد، فزبره فقال: لا أمَّ لك، أين أنت وهذا الأَمر، فانكسر الفضل، وجاء جعفر فدخل على الرشيد فتغدَّى عنده، ثم تفاوضا الحديث، فقال له: ما فعل يحيى بنُ عبدِ الله؟ قال: في الحبس والقيدِ الثَّقيل، قال: بحياتي؟ فأَحجم جعفر وهجس في نفسه أنّه قد علم بشيء، فقال: لا وحياتِك، ولكنِّي أَطلقته وعلمتُ أنَّه لا مكروهَ عنده، فقال: نِعمَ ما فعلت، ما عَدَوتَ ما كان في نفسي، فلمَّا خرج أَتبعه بصرَه وقال: قتلني اللهُ إنْ لم أقتلْك. وقال إدريس بن بدر: فعرض للرَّشيد بعد هذه الواقعةِ رجلٌ وقال: عندي نصيحةٌ لأمير المؤمنين، فأَرسل إليه يقول: ما نصيحتُك؟ فقال: هي سرٌّ من أسرارِ الخلافةِ لا أَذكرها إلَّا له، فقال: عليَّ به، فأُدخل عليه، وقال: أَخلِني، فأُخلي المجلس، فقال: رأيتُ يحيى بنَ عبد الله بنِ حسنٍ بحلوانَ في خان، عليه دُرَّاعة صوفٍ وهو قائم يصلي، ومعه جماعة يُظهرون أنَّهم ليسوا معه، فقال: أَوَ تعرفه؟ قال: نعم، قال: صِفْه لي، قال: مربوع، أسمرُ رقيق السُّمرَة، كبيرُ البطن، قال: صدقت. فأعطاه ألفَ دينارٍ وقال: اكتُم هذا. والثالث: قال الهيثم: كان سببُ قتلِ جعفرٍ أنَّ الرشيدَ أخذ بيده يومًا، ثم اخترق به حُجَرَ نسائه حتَّى انتهى إلى باب مجلس، فأَخرج مفتاحًا من تِكَّته وفتح الباب، وإذا في صدره بابٌ صغير، فنقره، قال جعفر: فسمعتُ غناءً على عود ما سمعتُ أَطيبَ منه، ثم قمنا وأغلق الباب، وقال لي: يا جعفر، أسمعتَ غناءً كذا، قلت: لا والله، قال: هذه

стр. 6011

عُلَيَّة أختي بنت المهدي، واللهِ لئن نطقتَ بهذا لأَقتلنَّك، وجاء جعفرٌ فحدَّث أباه، فقال: واللهِ ليقتلنَّك، وكان هارونُ قد حجر على عُلَية، وأظهر أنَّها قد هلكت؛ لأجلَ معاشرتها للخدَّام، فتحدَّث بذلك جعفر، فقتله. والرابع: قال الحسنُ بن عليِّ بنِ عيسى: [الشَّرَه] (١) قَتَلَ جعفرًا، فقيل له: الناسُ يقولون: إنَّ ذَنبه أمرُ بعضِ أخوات الرشيد! فقال: هذا من رواية الجهَّال، مَن كان يَجسُر على الرشيدِ بهذا! إنَّما كان جعفرٌ قد حاز ضِياع الدُّنيا لنفسه، وكان الرشيدُ إذا سافر لا يمرُّ بضيعةٍ أو بستانٍ إلَّا قيل: هذا لجعفر، فبقي ذلك في نفسه، ثم جنى على نفسه بأن وجَّه برأس بعض الطالبيين في يوم نوروزَ من غير أن يأمرَه الرشيدُ بقتله، فاستحلَّ بذلك دمَه. الخامس: أنَّ أحدًا لم يعلم ذنبَ جعفر. قالت عُلَية بنت المهدي للرشيد: ما رأيت لك يومَ سرورٍ منذ قتلتَ جعفرًا، فلأيِّ شيءٍ قتلته؟ فقال: لو علمتُ أنَّ قميصي يعلم السببَ الذي قتلتهُ لأجله لأَحرقته، وكان يحيى بنُ خالدٍ يكره مداخلةَ جعفرٍ للرَّشيد وينهاه عن مُنادَمَته، ويقول: يا أمير المؤمنين، إنِّي واللهِ أَكره ذلك، ولست آمن أن ترجعَ العاقبةُ عليَّ فيه منك، فلو أَعفيتَه، واقتصرتَ به على ما يتولَّاه من جسيم أعمالِك، كان ذلك واقعًا بموافقتي، فقال له الرَّشيد: ليس بكَ هذا، وإنَّما تريد إن تقدِّم عليه الفضلَ ابنَك. وكان يحيى يحبُّ الفضلَ حبًّا شديدًا. فحكى الطبريّ (٢) أنَّ يحيى حجَّ تلك السنة وتعلَّق بأستار الكعبةِ وقال: اللهمَّ إن كان رضاك في أن تْسلبَني أهلي وولدي، فأسلبني إلَّا الفضل. وكان الرشيدُ عاتبًا على الفضلِ لتركه الشُّربَ معه، وكان يقول: لو علمتُ أنَّ الماءَ يَنْقُص من مروءتي لَمَا شربته. وكان جعفر يتوقَّى مخالفةَ الرشيد. واختلفوا في كيفية قتله؛ فقال الفضلُ بن سليمانَ بنِ على: لمَّا رجع الرشيدُ من

стр. 6012

الحجِّ نزل العمرَ بناحية الأَنبار، فلمَّا كان ليلةُ السبتِ لانسلاخ المحرَّم، أَرسل مَسْرورًا الخادمَ ومعه أبو عصمةَ وجماعةٌ من الجند، فأَحاطوا به، ودخل مسرورٌ وعنده ابنُ بختيشوع المتطبِّب، وأبو زكَّار الأعمى يغنِّيه، قال: [من الوافر] فلا تَبْعَد فكلُّ فتًى سيأتي … عليه الموتُ يَطْرُق أو يُغادي (١) وقال مسرورٌ: فقلت: يا أبا الفضل، قد طرقك [و] الله الذي جئتُ له، أَجِب أميرَ المؤمنين. قال: فوقع على رِجلَيَّ يقبِّلهما ويقول: حتى أدخلَ أُوصي، فقلمت: أمَّا الدخولُ فلا سبيلَ إليه، ولكن أَوصِ بما شئت. فأوصَى وأعتق مماليكَه، وأتتني رسلُ أميرِ المؤمنين تستحثُّني، فمضيت به إليه، وأَعلمته وهو في فراشه، فقال: ائتني برأسه. فخرجتُ فأَخبرت جعفرًا، فقال: يا أبا هاشم، الله الله في أمري، ما أَمرك إلَّا وهو سكران، فدافِع بي حتى يطلعَ الصَّباح، وآمِرهُ فيّ، فعلتُ إلى الرَّشيد لأُؤامرَه، فقال: يا ماصّ، ائتني برأسه. فخرجتُ إلى جعفرٍ فأخبرته، فقال: عاوده بالله. فعاودتُه، فحذفني بعمودٍ ثم قال: نُفيتُ من المهديِّ لَئن لم تأتِني برأسه، لأُرسلنَّ إليك مَن يأتيني برأسك. فخرجتُ إليه فأتيتُه برأسه. وقال أبو زكَّار: كنتُ [عند] (٢) جعفرٍ وهو يتغنَّى بهذا الشِّعر: [من الوافر] فلا تَبْعد فكلُّ فتًى سيأتي … عليه الموتُ يَطْرُقُ أو يُغادي وكلُّ ذَخيرةٍ لا بدَّ يومًا … وإنْ بَقِيت تصير إلى نَفادِ فلو فُوديتَ من حَدَث الليالي … فديتُك بالطَّرائف والتِّلاد فقلت له: يا سيِّدي، ممن أخذتَ هذا الشِّعر؟ فقال: من أحسنِ الناسِ شعرًا، مِن حَكَمِ الوادي (٣). فما قام من موضعه حتى جاءَ مَسْرورٌ غلام الرشيدِ فأخذ برأسه. وقال أبو معشر: لمَّا نزل الرشيدُ بالعُمْر، نزل جعفرٌ عند المأمون، وخرج الرشيدُ في اليوم الذي قتل جعفرًا في ليلته إلى الصيد وجعفرٌ معه، فجاءَ به وغلَّفه بالغالية بيده وعانقه وقال: قد عزمتُ الليلةَ على الجلوس مع النِّساء، فاخلُ أنت الليلةَ مع نسائك

стр. 6013

ولذَّ واطرب؛ لتكونَ مثلَ حالي. ومضى هارونُ إلى الصَّيد، وعاد إلى المنزل وجعل يبعث بالهدايا والألطافِ إلى جعفرٍ عامَّةَ الليل، ثم بعت إليه مسوورًا في آخر الليلِ فقتله. وقال أبو حسَّان الزِّيادي: إنَّما قتل جعفرًا ياسر الخادم، جلس هارون على كرسيٍّ وقال لياسر: اِذهب فأتِني بجعفر، فجاء وعنده أبو زكَّارٍ الأعمى وهو يغنِّيه: [من مجزوء الرمل] ما يُريد الناس منَّا … ما ينامُ الناسُ عنَّا إنَّما همُّهم أن … يُظهروا ما قد دفنَّا (١) فهابه ياسر، فرجع إلى هارونَ، فقال: ويحك أَندُبك لأمرٍ ما ندبتُ إليه أعزَّ مَن عندي وتتوقَّف! واللهِ لَئن لم تأتِني برأسه لأقتلنَّك. فرجع إلى جعفر وجاء به إلى باب الدِّهليز، وقال لياسر: هو سكران، فشاوره في حضوري بين يديه. فدخل فشاوره، فقال: إنْ حضر عندي لم أقتلْه، اُخرج فأتِني برأسه، وسمعه جعفر، فأَخرج منديلًا من كمِّه فعصب به عينَيه ومدَّ عنقَه، فضربه ياسر فأبان رأسَه، ودخل به إليه، فقال هارونُ لبعض غلمانه: اِضرب عنقَ ياسر؛ فإنِّي لا أَقدر أن أنظر إلى مَن قتل جعفرًا، فضرب عنقَه. وكان قتلُه ليلة السبتِ أولَ ليلةٍ من صفر سنةَ سبعٍ وثمانين ومئة، هو ابنُ سبع وثلاثين سنة، وكانت وزارتُه سبعَ عشرة سنة. وقال الأصمعيّ: كنت تلك الليلةَ في المعسكر، فاستدعاني هارونُ في تلك الساعةِ، فدحلت عليه وهو مُطرِقٌ واجمٌ قد ذهب نشاطُه، فرفع رأسَه إليَّ وقال: [من الكامل] لو أنَّ جعفرَ خاف أَسبابَ الردى … لنجا بمهجته طِمِرٌّ (٢) ملْجَم

стр. 6014

ولَكان مِن حَذَرِ المَنون بحيث لا … يرجو اللَّحاقَ به الغرابُ الأَعْصَم (١) لكنَّه لمَّا تقارب يومُه … لم يَدفع الحَدَثان عنه مُنَجِّم ثم أمر بكشف الطَّشت، فإذا فيه رأسُ جعفرِ بن يحيى، فقال: انظره، ثم قال: قُم فاخرج. وقال ثُمامَةُ بن أَشْرَس: بتُّ ليلةً عند جعفرِ بن يحيى، فبكى في منامهِ ثم استيقظ، فسألتُه عن بكائه، فقال: أتاني الساعةَ آتٍ في منامي، فأخذ بعَضَادتَي البابِ وقال: [من الطويل] كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفا … أَنيسٌ ولم يَسمُر بمكَّةَ سامرُ فقال مجيبًا له: بلى نحن كنَّا أهلَها (٢) فأَبادنا … صُروفُ الليالي والجُدودُ العَواثرُ (٣) فما مضت الأيامُ حتى قُتل ﵀. ولمَّا قُتل جعفر، أمر هارونُ في تلك الليلةِ أن يُحتاطَ على يحيى بنِ خالدٍ وولدِه ومواليه ومَن يلوذ به، ويحبَسَ هو وولدُه الفضل، وأخذ ما وجد لهم من مالٍ وضِياع ومتاعٍ ودوابَّ وغيرِ ذلك، ووجَّه من ليلته إلى الرقَّة فقبض ما كان لهم. وقال سهلُ بن هارون: كنت قاعدًا أكتب بين يدي يحيى بنِ خالد، وإذا برجلٍ قد دخل فقال: قَتل هارونُ جعفرًا، فما زاد يحيى على أنْ رمى القلَم من يده وقال: هكذا تقوم الساعةُ بَغْتَةً. وضمَّ هارون من وقته يحيى بنَ خالدٍ والفضلَ ومحمَّدًا وخالدًا بني يحيى، وعبدَ الملك ويحيى وخالدًا بني جعفر، والعاص ومزيدًا وخالدًا بني الفضل، وجعفرًا وزيدًا ابنَي محمَّد بن يحيى، وإبراهيمَ ومالكًا وجعفرًا وعُمر بني خالدِ بن يحيى، وبعث بهم إلى الرَّقة.

стр. 6015

قال سهل: واستدعاني هارونُ في الوقت، فدخلت عليه والسيفُ مَشْهُورٌ في يده، فقال: إيه يا سهلُ، مَن كفر نعمتي وجانب موافقتي أَعجلتُه عقوبتي. قال: فلم أُحِر جوابًا، فقال: ليُفرِخ رَوْعُك، ويَسْكُن جأشُك، وتَطِب نفسُك، وتسكن حواسُّك؛ فإنَّ الحاجةَ إليك ماسَّة. فاقتصرَ على الإِشارة دون العبارة، ثم أَشار إلى مَصْرَع جعفرٍ وقال: [من مجزوء الكامل] مَن لم يُؤدِّبْه الجميـ … ـــــــــل ففي عُقوبته صَلاحُهْ (١) وبعث هارونُ بجيفة [جعفر] إلى بغداد مع هرْثَمةَ بنِ أَعيَن، وقُطِّعت جثَّته، فنُصب رأسُه على الجسر الأَوسط، وقطعةٌ منه على الجسر الأعلى، وقطعةٌ منه على الجسر الأَسفل، وكتب هارونُ إلى السِّنْديِّ فتولى ذلك، وأمر بالنِّداء: لا أمانَ لمن آوى البرامكة، إلَّا لمحمَّد بن خالدٍ وولدِه وحَشَمه؛ لأن محمَّدًا لم يدخل فيما دخل فيه غيرُه من البرامكة، وحمل يحيى بنَ خالدٍ وولدَه الفضلَ وبعضَ أهلِه فحبسهم في الدَّير القائمِ بالرَّقة، وجعل عليهم حَفَظَة، وولي أمرَهم هرْثَمَةُ ومسرور. وقتل هارونُ لمَّا قدم الرقَّة أنس بنَ أبي شيخ، وكان أحدَ أصحابِ البرامكة، وكان يُرمى بالزَّندقة، ولما قُتل قال هارون: [من البسيط] تَلَمَّظ السيفُ من شَوقٍ إلى أنسٍ … فالسيفُ يَلْحَظُ والأقدارُ تَنْتَظِرُ (٢) ولم يزل جعفرٌ مَصلوبًا حتى عزم هارونُ على الخروجِ إلى خُراسان، فأمر السِّنديَّ بنَ شاهك أن يحرقَ جثته، فجمع حطبًا وشوكًا وأَحرقه. وذكر الصُّولي فقال: اِفْتَصَد جعفرٌ في يوم الثُلاثاء، فخلع على نُدمائه وخواصِّه خِلَعًا بلغت سبعةَ عشرَ ألفَ دينار، فوجد ذلك في دفاتر الحسابِ، وتحته مكتوب: سبعةُ دراهمَ اشترى بها نفطًا لإِحراق جثَّته، فقال الناسُ: إنَّ في ذلك لَعِبرة. وقال سهلُ بن هارون: دخل الرشيدُ بغدادَ بعد قتل جعفرٍ وصلبِه، وأنا عن يمينه

стр. 6016

وعبدُ الملك بنُ الفضلِ عن يساره وجعفرٌ مصلوب، فاستقبلنا عينَ الشمس وكأنَّها طلعت من وجه جعفرٍ أو من حاجبه، فاربدَّ وجهُ هارون، فقال له عبدُ الملك: لقد عَظُم ذَنْبٌ لم يَسَعه عفوُ أميرِ المؤمنين، فقال هارون: مَن وَرَد غيرَ مائه صدر بدائه، ومَن يعملْ على شاكلته يوشكْ أن يقومَ على راحلته (١). ثم أمر بالنِّفط، فأُحرق وهو يقول: لَئن ذهب أَثَرُك لقد بقي خَبَرُك، ولَئن حُطَّ قدرُك لقد علا ذِكرُك. وقال هشام: ودخل أبو الهيثمِ على يحيى بنِ خالدٍ وهو يقرأ في المصحف، فوقف على رأسه وقال: إنَّه قتل ولدك، فقال: يُقتل ولدُه، فقال: قد أمر بخراب دارِك، قال: تُخْرَب دورُه. فهتك أبو الهيثمِ السُّتورُ وجمع المتاع، فقال يحيى: هكذا تقومُ الساعة. فعاد أبو الهيثمِ إلى هارونَ فأَخبره بما قال، فأطرق رأسَه مفكرًا وقال: إنَّا لله، واللهِ ما قال شيئًا إلا ورأيتُه كما قال. وقال أبو حسَّانَ الزيادي: كان هارونُ قد احتاط على آل برمكٍ ليلةَ قتل جعفرًا، وأخذهم أخذةً رابية، وحبسهم بالرقَّة، وبلغ يحيى فقال: أنا بقضاءِ اللهِ راض، وبالخيرة منه عالم، ولا يؤاخذ اللهُ العبادَ إلَّا بذنوبهم، وما ربك بظلَّام للعبيد، وما يعفو عنه أكثرُ ولله الحمد. ذِكر أقوالِ النَّاس في البرامكةِ ومراثيهم: قال سعيدٌ الزُّهريُّ: لمَّا صُلب جعفر وقف الرَّقاشي الشاعر فقال (٢): [من الوافر] هدَا الخالونَ مِن شَجْوي فناموا … وعيني ما يَلَذُّ لها المنامُ وهذا جعفرٌ بالجِسْر تَمحو … مَحاسِنَ وجهِه ريحٌ قَتَامُ

стр. 6017

أقول له (١) وقمتُ لديه نَصبًا … إلى أنْ كاد يَفْضَحُني القِيام أَما واللهِ لولا خوفُ واشٍ … وعينٌ للخليفة لا تنام لطُفنا حولَ جِذعِك واستلَمنا … كما للنَّاس بالحَجَر استلام فما أبصرتُ قبلَك يا ابنَ يحيى … حسامًا فلَّه السَّيف الحُسام أمرُّ به فيغلِبُني بكائي … ولكنَّ البكاءَ له اكْتتام على اللذَّات والدُّنيا جميعًا … لدولة آلِ برمكٍ السَّلام وبلغ الرشيد، فأَحضره وقال: ما حَمَلَك على ما صنعت؟ فقال: تحرَّكت نعمتُه في قلبي فلم أَصبر، فقال: كم أعطاك؟ فقال: كان يُعطيني في كل سنة ألفَ دينار، فأَمر له بألفَي دينار. وقال مصعبُ بن عبد الله: لمَّا قُتل جعفر وصُلب بباب الجسر، جاءت امرأة على حمارٍ فارِه، فوقفت عليه وقالت بلسانٍ فصيح: أَمَا واللهِ لَئن صرتَ اليومَ آية، لقد كنتَ في المكارم الغاية، ولَئن زال مُلكُك وخانَك دهرُك، لقد كنتَ المَغْبوطَ حالًا، الناعمَ بالًا، ولقد استعظم الناسُ فَقْدَك، حيث لم يجدوا بعدك مثلكَ، فنسأل الله الصبرَ على عظيم الفجيعة، وجليلِ الرؤَّية، فعليك منِّي السلام، وداعَ غيرِ قالٍ ولا ناسٍ لذكرِك. ثم أنشأتْ تقول: [من الطويل] فلمَا رأيتُ السيفَ خالط جعفرًا … ونادى مُنادٍ للخليفة في يحيى بكيتُ على الدُّنيا وأيقنتُ أنَّما … قُصارى الفتى يومًا مَفارقةُ الدنيا وما هي إلَّا دولةٌ بعد دولة … تُخوِّل ذا نُعمى وتُعقِب ذا بلوى إذا نزلَتْ هذا منازلَ رِفعةٍ … من المُلك حطَّت ذا إلى الغاية القُصوى (٢) ثم حرَّكت حمارَها، فكأنَّها كانت ريحًا لم يُعرف لها أثر. وفيه يقول الرَّقَاشيُّ الشاعر: [من الطويل]

стр. 6018

أيَا (١) سبتُ يا شرَّ السُّبوت صَبيحةً … ويا صَفَرُ المشؤومُ ما جئتَ أشأما أتى السبتُ بالأمر الذي هدَّ رُكْنَنا … وفي صفرٍ جاء البلاءُ مُصَمِّما وله، ويقال إنَّها لأبي نُواس (٢): [من الطويل] الانَ (٣) استَرَحْنا واستراحت رِكابُنا … وأَمسكَ مَن يُجدي ومَن كان يَجتدي فقل للمطايا قد أَمِنتِ من السُّرى … وطَيِّ الفَيافي فَدفَدًا بعد فَدفَدِ وقل للعطايا بعد فَضْلٍ تعطَّلي … وقل للرَّزايا كلَّ يومٍ تَجَدَّدي وقال الرَّقَاشي: [من الكامل] يا آلَ بَرْمَكَ كم لكم من نائلٍ … وندًى كعَدِّ الرِّمْلِ غيرَ مُصَرَّدِ (٤) إن الخليفةَ لا يُشَكُّ أخوكمُ … لكنَّه في برمَك لم يولَدِ نازعتموه رَضاعَ أكرمِ حُرَّةٍ … مَخْلوقةٍ من جوهرٍ وزَبَرجد كانت يدًا للجود حتى غلَّها … قَدرٌ فأضحى الجودُ مَغْلولَ اليد (٥) وقال أبو العتاهِيَة: [من المنسرح] قولا لمَن يرتجي الحياةَ أَمَا … في جعفرٍ عِبرةٌ ويَحْياهُ كانا وزيرَي خليفةِ اللهِ ها … رونَ هما ما هما خليلاه فذاكمُ جعفرٌ برُمَّته … في حالقٍ رأسُه ونصفاه والشيخُ يحيى الوزيرُ أصبح قد … نحَّاه عن نفسِه وأَقصاه شتَّت بعد التجميعِ (٦) شلمَهمُ … فأصبحوا في البلادِ قد تاهوا

стр. 6019

كذاك (١) مَن يُسخط الإلهَ بما … يُرضي به العبدَ يَجزِه الله سبحانَ مَن دانَتِ الملوكُ له … أَشهد أن لا إله إلَا هو (٢) طوبَى لمَن تاب بعد (٣) غِرَّته … فتاب قبلَ المماتِ طوباه ووُجد على قصر علي بن عيسى بنِ ماهانَ بخُراسانَ صبيحةَ اليومِ الذي قُتل فيه جعفرٌ مكتوبًا: [من السريع] إنَّ المَساكين بني بَرْمَكٍ … صُبَّت عليهم غِيَرُ الدَّهرِ إنَّ لنا في أمرهم عِبْرَةً … فلْيتَّعظْ ساكنُ ذا القصر (٤) ووُجد مكتوبًا على قصر الفضلِ بن الربيع: [من الخفيف] ما رعى الدَّهرُ آل برمكَ لمَّا … أنْ رمى مُلْكَهم بأمرٍ فَظيعِ إنَّ دهرًا لم يَرْعَ حقًّا ليحيى … لم يكن راعيًا لآل الرَّبيع (٥) وقال أَشْرَسُ بن ثُمامَة: [من الكامل] في آل برمك عِبرةٌ لكم … لو كان يَعمل فيكم الفِكرُ (٦) مَنَحَتهم الدُّنيا خزائنَها … واختصَّهم بصفائه الدَّهر حتى إذا بلغوا السُّها شرَفًا … عزًّا (٧) وقصَّر عنهم الفخر عزَّ (٨) الزمانُ بهم فجعفرُهم … بعدَ الحِجابِ محلُّه الجِسر وتمزَّقوا من بين مُصطَلَمٍ … ومُكَبَّل قد ضمَّه الأَسْر

стр. 6020

وقال إِسحاقُ الموصلي: خرج هارونُ ليلةً فوقف على الجسر، وأَومأَ إلى جثَّة جعفرٍ وقال: [من المتقارب] تقاضاكَ دهرُك ما أَسْلَفا … وكُدِّر عيشُك بعد الصَّفا فلا تَعْجَبَنَّ فإنَّ الزَّمانَ … رَهينٌ بتفريق ما ألَّفا (١) قال إِسحاق: فلمَّا نظرتُ إلى جعفرٍ على تلك الحال، حرَّكتني أَياديه، فقلت: لَئن أصبحتَ للناس آية، لقد كنتَ في الجود الغاية. فغضب هارون، ونظر وهو كالجَمَل الصَّؤول وقال: [من السريع] ما يعْجَبُ العالمُ من جعفرٍ … ما عايَنوه فبنا كانا مَن جعفر أومَن أبوه ومَن … كانت بنو بَرْمكَ لولانا (٢) وكان هارونُ إذا ذكر قولَ جعفرٍ: [من الخفيف] فاغتبِقْ واصطَبحْ فقد صانني اللهُ إذ صُنتَني من الحَدَثانِ (٣) يقول: واللهِ ما صانه من الحَدَثان، ولقد كَمَنتُ له كُمونَ الأُفْعُوانِ في أُصول الرَّيحان، حتى إذا جاءه الشَّمُّ تلقَّاه بالسَّمّ. وقال سهلُ بن هارون: استصفى الرشيدُ أموال البرامكة، وأُحصيت فكانت ثلاثين ألفَ ألفٍ وستَّ مئة وستيِّن ألفًا، غيرَ الجواهرِ والمتاع والحُلي والثيابِ والدوابّ، وصار حَرمُهم يعيشون في صدقات مَن عاش في صدقاتهم. وقال أبو الفضلِ ميمونُ بن هارون: حَدثتني أميةُ البرمكيةُ قالت: الناسُ يُكثرون في قصَّة البرامكة، وأَوكد الأسبابِ فيما نالهم أنَّ جعفرَ بن يحيى اشترى جاريةً مغنيةً يقال لها فنفنة (٤)، لم يكن لها في الدُّنيا نظيرٌ في الغناء وحُسنِ الخلق وسخاوةِ النَّفس، وكان

стр. 6021

ابنُ جامعٍ إذا سمعها بكى ما دامت تغنِّي، وكان شراؤها على جعفرٍ مئةَ ألفِ دينار، فطلبها الرشيدُ منه، فلم يدفعْها إليه. فلم يكن إلا قليل حتى نزل بهم ما نزل، وأُخذت الجاريةُ في جملة مَن أُخذ وجمع الجواري العوامل. قالت أمية: ثم إنَّ الرشيد جلس لنا، فأُدخلنا عليه وبيد كلِّ واحدةٍ منَّا ما تعمل به، فأَقبلَ يأمر كلَّ واحدةٍ واحدةٍ فتغنِّي، حتى بلغ إلى فنفنة، فقال لها: غنِّي، فامتنعت وقالت: أمَّا بعد السادِة فلا، فقلنا لها ونحن نُرعَد من الخوف: ويحكِ غنِّي، فأسْبَلَتْ دَمعَها، فنظر هارونُ إلى أقبحِ مَن على رأسه -وهو الحارثُ بن سحر (١) - وقال: خذها فقد وهبتُها لك، فأخذ بيدها وأَقامها. فلما ولَّى الحارث، دعاه فأسرَّ إليه سرًّا ألا يَقربَها، عَلِمنا بعد ذلك، ومكثنا أيَّامًا، فاستحضرنا وقال للحارث: أين فلانة؟ فأَحضرها، وقال لها: غنِّي، قالت: أمَّا بعد السَّادة فلا. فأمر بإِحضار السيفِ والنِّطع، وقال للسيَّاف: إذا أشرتُ إليك فاقتلها، وقال لها: غنِّي، فبكت وقالت: أمَّا بعد السادةِ فلا، ولم يبقَ إلَّا أن يشيرَ إلى السياف، فقلنا لها: ويحك غنِّي، وناشدناها الله في نفسها، فأَخذت العودَ واندفعت تقول: [من المنسرح] لمَّا رأيتُ الدِّيارَ قد دَرَسَت … أَيقنتُ أنَّ النَّعيمَ لم يَعُدِ قال: فوثب الرشيدُ قائمًا وأخذ العودَ من يدها، وأَقبل يضرب وجهها ورأسَها حتى تفتَت، وجرت الدِّماءُ على وجهها وثيابِها، وحُملت من بين يديه، فمكثت ثلاثًا ثم ماتت رحمها اللهُ تعالى. وقال محمَّد بن عبد الرَّحمن الهاشمي: دخلتُ على أمِّي في يومِ أَضحى وعندها امرأة بَرْزةٌ في أثوابٍ رَثَّة، فقالت لي: أَتعرف هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه عُبادةُ أمُّ جعفرِ بن يحيى. فسلَّمتُ عليها ورحَّبت بها، وقلتُ لها: حدِّثيني ببعض أمرِكم، فقالت: أَذكر لك جملةً كافية [فيها] (٢) اعتبار لمَن اعتبر، وموعظةٌ لمن فكَّر، لقد هجم على مثلُ هذا العيدِ وعلى رأسي أربعُ مئةِ وصيفةٍ، وأنا أَزعم أنَّ ابني جعفرًا لي عاقّ، وقد أتيتُكم اليومَ أسألكم جِلدَ شاتَين أجعل أَحدَهما شِعارًا والآخَر دِثارًا.

стр. 6022

وكان جعفرٌ مُحْسِنًا إلى العلماءِ؛ مثلِ سفيانَ بن عيينةَ والفضيلِ بن عياضٍ والأصمعيّ، ولمَّا قُتل جعفر، بكى سفيانُ بن عيينةَ وقال: اللهمَّ كان قد كفاني مؤونةَ الدُّنيا فاكفِه مؤونةَ الآخرة. وقال العُتْبي: قال الرشيدُ بعد البرامكة: وَدِدتُ واللهِ أنِّي شوطرتُ عُمري، وغَرِمت نصفَ مُلكي؛ وأنِّي تركتُ البرامكةَ على أمرهم، لعن اللهُ مَن أغراني بهم؛ فإنِّي واللهِ ما وجدتُ راحةً بعدهم ولا رأيت خيرًا. وكان هارونُ قد ولَّى الفضلَ بن يحيى خراسان، ثم عزله بعليِّ بن عيسى بنِ ماهان، وكان عليٌّ زوجَ ابنةِ يحيى بنِ خالد، وكان عدوًا للفضل بنِ يحيى وإخوتِه، فجمع علي أموال خراسانَ واتَّخذ أكياسًا حُمرًا وصُفرًا وخُضرًا، وجعل في كلِّ كيسٍ ألفَ درهمٍ وأَلقاها في دار العامَّة، وخرج هارونُ فنظر إليها فأَعجبته، فقال ليحيى: يا أبي، أين كان أخي الفضلُ عن هذه الأموال؟ فقال له يحيى: إنَّ الفضل وفَّر هذه الأموال على أَربابها وأعطاهم أمواله زيادةً عليها ليتمسَّكوا بطاعتك، ويكونوا عُدَّةً لك على عدوِّك، وهذه أموالُ قومٍ قد ظلموا وعَدَوا، واللهِ لَتُنفقنَّ مكانَ كلِّ درهمٍ دينارًا، ثم لا يُغنيك ذلك حتى تباشرَ الأمرَ بنفسك، ولا يُغني ذلك. فلمَّا خرج رافعُ بن الليثِ على هارونَ بعدما نكب البرامكة، بعث إليه الجيوشَ ورافعٌ يهزمها، وأَنفق مكانَ كلِّ درهمٍ دنانيرَ ولم يُفِده ذلك شيئًا، حتى خرج بنفسِه إلى خراسان، فمات في تلك اللَّيلة، فكان يتأسَّف على البرامكةِ ويقول: لعن اللهُ مَن أَغراني بهم. الفُضَيل بن عِياضِ رحمةُ الله عليه أبو عليٍّ، التَّميميُّ، اليَربوعيّ (١). من الطبقة الخامسةِ من أهل مكَّة. وُلد بخراسان بكُورة أَبِيوَرْد، وقدم الكوفةَ وهو كبير، فسمع بها الحديثَ من منصور بنِ المعتمر وغيرِه، ثم انتقل إلى مكَّة، فأقام يتعبَّد بها إلى أن مات في أوَّل سنةِ سبعٍ

стр. 6023

وثمانين ومئة. وكان ثقةً ثبتًا فاضلًا عابدًا وَرِعًا كثيرَ الحديث، وهو أحدُ العلماءِ الزهَّاد والفتيان. ويقال: إنَّه وُلد بسَمَزقَند، ورأيتُ (١) فيها عشرةَ آلافِ جَوزةٍ بدرهم. ويقال: نهرُ عياض منسوبٌ إلى أبيه عياضِ بن مسعودِ بن بِشر، وبينه وبين مَرْوَ نصفُ فَرْسَخ. وكان الفضيلُ شاطرًا يقطع الطريقَ بين أَبِيوَردَ وسَرخَس. ذِكر توبتِه: قال ابنُ خميس (٢): كان يَهوَى جارية، فبينا هو ذاتَ ليلةٍ يرتقي إليها الجُدران، إذ سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] فقال: بلى قد آن. ورجع، فآواه الليلُ إلى خَرِبة، فإذا فيها رُفْقَةٌ يقولون: إنَّ أمامَكم رجلًا يقطع الطريقَ يقال له: الفُضيل، فسمع الفُضيل، فأُرعِد وقال: يا قوم، أنا الفُضيل، جُوزوا، وواللهِ لأَجهدنَّ ألا أعصيَ الله أبدًا. ورجع عمَّا كان عليه. وقيل: إنَّه سمع امرأةً تقول لابنها في القافلةِ وهو يبكي: اُسكت، لا يسمعك الفضيل، فقال: ويلي! وبلغ من أمري أنَّ النساءَ يعيِّرن أولادهنَّ بي. فتاب ونَسَكَ. ذِكرُ طَرَفٍ من أخبار الفضيل: قال إبراهيمُ بن الأَشعث: سمعت الفضيلَ ليلةً يقرأ سورةَ محمَّد، ويبكي ويردِّد هذه الآية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١] ويقول: إنْ بلوتَ أخبارَنا فضحْتَنا وهتَكْتَ أستارَنا، إنْ بلوتَ أخبارَنا أهلكتنا وعذَّبتنا. وسمعته يقول: تزيَّنتَ للنالس وتصنَّعتَ لهم وتهيَّأت، ولم تزل تُرائي حتى عرفوك، فقالوا: رجلٌ صالح، فقضَوا لك الحوائج، ووسَّعوا لك المجالس، وعظَموك، سَوءةً لك ما أسوأَ حالك إنْ كان هذا شأنَك. وسمعته يقول: إنْ قدرتَ ألا تُعرفَ فافعل، وما عليك ألا تُعرف، وما عليك إنْ لم

стр. 6024

يُثنَ عليك، وما عليك أن تكونَ مَذمومًا عند الناسِ إذا كنت عند اللهِ محمودًا. وقال الفيضُ بن إِسحاق: سمعتُ الفضيلَ يقول: لو قيل لك: يا مُرائي، لغضبتَ وشقَّ عليك، وعساه قال حقًّا، تزيَّنتَ للدنيا من حبِّك لها، وتصنَّعتَ حتى عرفوك الناسُ فأَكرموك، وإنَّما عرفوك بالئه، ولولا ذلك لَهُنتَ عليهم، تَزَيَّنْتَ لهم بالصوف فلم ترهم يرفعون بك رأسًا، فتزيَّنت لهم بالقرآنِ فلم ترهم يرفعون بك رأسًا، فتزيَّنت بشيءٍ بعد شيءٍ، كلُّ ذلك إنَّما لحبِّ الدنيا. وقال منصورُ بن عمار: تكلّمتُ في المسجد الحرامِ فذكرتُ شيئًا من صفة النَّار، فصاح الفضيلُ بن عياضٍ ووقع مغشيًّا عليه. وكان الفضيلُ يقول: لو خُيِّرتُ بين أن أعيشَ كلبًا وأموتَ كلبًا لاخترتُه. وقال مِهران بن عمر (١) الأَسدي: سمعتُ الفضيلَ عشيةَ عرفةَ بالمَوْقف يقول وقد حال البكاءُ بينه وبين الدُّعاء: واسوأَتاه منكَ وإنْ عفوتَ أو غَفرتَ. وقال سعدُ بن زنبور (٢): كنَّا على باب الفضيلِ بن عياضٍ، فاستأذنَّا عليه، فلم يؤذنْ لنا، فقيل لنا: إَّنه لا يخرج إليكم أو يسمعَ القرآن، وكان معنا رجلٌ مؤذِّن، وكان صبيًّا، فقلنا له: اقرأ، فقرأ: ﴿ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ ورفع صوتَه، فأَشرف علينا الفضيلُ وقد بكى حتى بلَّ لحيتَه بدموعه، فقال: [من المتقارب] بلغتُ الثَّمانينَ أو جُزْتُها … فماذا أُؤمِّل أو أَنتظر أَتَى في ثمانونَ من مولدي … وبعدَ الثمانين ما يُنْتَظر عَلَتْني السِّنون فأبْلَينني ثم خنقته العَبْرة، وكان معنا عليُّ بن خَشْرَم، فأتمَّه لنا فقال: فرقَّتْ عظامي وكلَّ البَصرْ وأخذ الفضيلُ بيد سفيانَ بنِ عُيينةَ وقال: إنْ كنتَ تظنُّ أنَّه قد بقي على وجه الأرضِ شرّ مني ومنك، فبئس ما تظنّ.

стр. 6025

وكان يقول: إني لأَعصي الله فأَعرف ذلك في خُلُق حماري وخادمي. ذِكرُ عبادته رحمةُ اللهِ عليه: كان يُلقَى له حَصيرٌ باللَّيل في مسجد، فيصلِّي ويغلبه النَّوم، فينام ساعة، ثم يقوم فيتوضَّا ويصلِّي، فيغلبه النّوم، فيتوضَّأ ويصلِّي، فلا يزال كذلك حتى يُصبح. وكان يختم القرآنَ في كل ليلة. ذِكر قصَته مع هارونَ الرشيد (١): قال الفضلُ بن الرَّبيع: حجَّ أميرُ المؤمنين، فأتاني، فخرجتُ إليه مُسْرعًا وقلت: يا أميرَ المؤمنين، لو أرسلتَ إليَّ لأَتيتُك، فقال: ويحَك يا عبَّاسي، قد دخل في نفسي شيءٌ لا يُخرجه من قلبي إلَّا عالمٌ بالله، فالتمسْ في رجلًا أسأله، فقلت: ها هنا سفيانُ بن عُيينة، فقال: امضِ بنا إليه، فأتيناه، فقرعتُ بابه، فقال: مَن ذا؟ قلت: أَجِب أميرَ المؤمنين، فخرج مُسْرعًا فقال: يا أميرَ المؤمنين، لو أرسلتَ إليَّ لأَتيتك، فقال له: خُذْ لِمَا جئناك له رحمك الله. فحدَّثه ساعةً ثم قال له: عليك دَين؟ قال: نعم، فقال لي: يا عباسيُّ اقضِ دَينَه. فلمَّا خرجنا قال: ما أَغنى عني صاحبُك شيئًا، ولم يُزِل عن قلبي مما حلَّ فيه قليلًا ولا كثيرًا، فانظر لي رجلًا أسألُه، فقلت: هاهنا الفضيلُ بن عياض، فقال: امضِ بنا إليه، فأتيناه فإذا به قائمٌ يصلَي في غرفةٍ له، يتلو آيةً من كتاب اللهِ يردِّدها ويبكي، فقرعتُ الباب، فقال: مَن هذا؟ قلت: أَجِب أميرَ المؤمنين؟! فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟! فقلت: سبحان الله! أَمَا عليك طاعة؟! فنزل ففتح الباب، ثمَّ ارتقَى إلى الغرفة فأَطفأَ المصباح، ثم التجأَ إلى زاوبةٍ من زوايا الببت، فدخلنا، فجعلنا نجولُ عليه بأيدينا، فسبَقَتْ يدُ هارونَ إليه قبل كفِّي، فقال: ما أَلينَها من كفٍّ إنْ نجت غدًا من عذابِ الله! فقلتُ في نفسي: لَيكلِّمنَّه الليلةَ بكلامٍ نقيٍّ من قلبٍ نقيّ. فقال له: خذ لِمَا جئناك له يرحمك الله، فقال الفضيل: إنَّ عمر بنَ عبدِ العزيز لمَّا ولي الخلافةَ، دعا سالمَ بن عبدِ الله بن عمرَ ومحمَّد بن كعب القُرَظيَّ ورَجاءَ بن حَيوةَ
следующие страницы →