← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

ابنُ جامعٍ إذا سمعها بكى ما دامت تغنِّي، وكان شراؤها على جعفرٍ مئةَ ألفِ دينار، فطلبها الرشيدُ منه، فلم يدفعْها إليه. فلم يكن إلا قليل حتى نزل بهم ما نزل، وأُخذت الجاريةُ في جملة مَن أُخذ وجمع الجواري العوامل. قالت أمية: ثم إنَّ الرشيد جلس لنا، فأُدخلنا عليه وبيد كلِّ واحدةٍ منَّا ما تعمل به، فأَقبلَ يأمر كلَّ واحدةٍ واحدةٍ فتغنِّي، حتى بلغ إلى فنفنة، فقال لها: غنِّي، فامتنعت وقالت: أمَّا بعد السادِة فلا، فقلنا لها ونحن نُرعَد من الخوف: ويحكِ غنِّي، فأسْبَلَتْ دَمعَها، فنظر هارونُ إلى أقبحِ مَن على رأسه -وهو الحارثُ بن سحر (١) - وقال: خذها فقد وهبتُها لك، فأخذ بيدها وأَقامها. فلما ولَّى الحارث، دعاه فأسرَّ إليه سرًّا ألا يَقربَها، عَلِمنا بعد ذلك، ومكثنا أيَّامًا، فاستحضرنا وقال للحارث: أين فلانة؟ فأَحضرها، وقال لها: غنِّي، قالت: أمَّا بعد السَّادة فلا. فأمر بإِحضار السيفِ والنِّطع، وقال للسيَّاف: إذا أشرتُ إليك فاقتلها، وقال لها: غنِّي، فبكت وقالت: أمَّا بعد السادةِ فلا، ولم يبقَ إلَّا أن يشيرَ إلى السياف، فقلنا لها: ويحك غنِّي، وناشدناها الله في نفسها، فأَخذت العودَ واندفعت تقول: [من المنسرح] لمَّا رأيتُ الدِّيارَ قد دَرَسَت … أَيقنتُ أنَّ النَّعيمَ لم يَعُدِ قال: فوثب الرشيدُ قائمًا وأخذ العودَ من يدها، وأَقبل يضرب وجهها ورأسَها حتى تفتَت، وجرت الدِّماءُ على وجهها وثيابِها، وحُملت من بين يديه، فمكثت ثلاثًا ثم ماتت رحمها اللهُ تعالى. وقال محمَّد بن عبد الرَّحمن الهاشمي: دخلتُ على أمِّي في يومِ أَضحى وعندها امرأة بَرْزةٌ في أثوابٍ رَثَّة، فقالت لي: أَتعرف هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه عُبادةُ أمُّ جعفرِ بن يحيى. فسلَّمتُ عليها ورحَّبت بها، وقلتُ لها: حدِّثيني ببعض أمرِكم، فقالت: أَذكر لك جملةً كافية [فيها] (٢) اعتبار لمَن اعتبر، وموعظةٌ لمن فكَّر، لقد هجم على مثلُ هذا العيدِ وعلى رأسي أربعُ مئةِ وصيفةٍ، وأنا أَزعم أنَّ ابني جعفرًا لي عاقّ، وقد أتيتُكم اليومَ أسألكم جِلدَ شاتَين أجعل أَحدَهما شِعارًا والآخَر دِثارًا.

стр. 6022

وكان جعفرٌ مُحْسِنًا إلى العلماءِ؛ مثلِ سفيانَ بن عيينةَ والفضيلِ بن عياضٍ والأصمعيّ، ولمَّا قُتل جعفر، بكى سفيانُ بن عيينةَ وقال: اللهمَّ كان قد كفاني مؤونةَ الدُّنيا فاكفِه مؤونةَ الآخرة. وقال العُتْبي: قال الرشيدُ بعد البرامكة: وَدِدتُ واللهِ أنِّي شوطرتُ عُمري، وغَرِمت نصفَ مُلكي؛ وأنِّي تركتُ البرامكةَ على أمرهم، لعن اللهُ مَن أغراني بهم؛ فإنِّي واللهِ ما وجدتُ راحةً بعدهم ولا رأيت خيرًا. وكان هارونُ قد ولَّى الفضلَ بن يحيى خراسان، ثم عزله بعليِّ بن عيسى بنِ ماهان، وكان عليٌّ زوجَ ابنةِ يحيى بنِ خالد، وكان عدوًا للفضل بنِ يحيى وإخوتِه، فجمع علي أموال خراسانَ واتَّخذ أكياسًا حُمرًا وصُفرًا وخُضرًا، وجعل في كلِّ كيسٍ ألفَ درهمٍ وأَلقاها في دار العامَّة، وخرج هارونُ فنظر إليها فأَعجبته، فقال ليحيى: يا أبي، أين كان أخي الفضلُ عن هذه الأموال؟ فقال له يحيى: إنَّ الفضل وفَّر هذه الأموال على أَربابها وأعطاهم أمواله زيادةً عليها ليتمسَّكوا بطاعتك، ويكونوا عُدَّةً لك على عدوِّك، وهذه أموالُ قومٍ قد ظلموا وعَدَوا، واللهِ لَتُنفقنَّ مكانَ كلِّ درهمٍ دينارًا، ثم لا يُغنيك ذلك حتى تباشرَ الأمرَ بنفسك، ولا يُغني ذلك. فلمَّا خرج رافعُ بن الليثِ على هارونَ بعدما نكب البرامكة، بعث إليه الجيوشَ ورافعٌ يهزمها، وأَنفق مكانَ كلِّ درهمٍ دنانيرَ ولم يُفِده ذلك شيئًا، حتى خرج بنفسِه إلى خراسان، فمات في تلك اللَّيلة، فكان يتأسَّف على البرامكةِ ويقول: لعن اللهُ مَن أَغراني بهم. الفُضَيل بن عِياضِ رحمةُ الله عليه أبو عليٍّ، التَّميميُّ، اليَربوعيّ (١). من الطبقة الخامسةِ من أهل مكَّة. وُلد بخراسان بكُورة أَبِيوَرْد، وقدم الكوفةَ وهو كبير، فسمع بها الحديثَ من منصور بنِ المعتمر وغيرِه، ثم انتقل إلى مكَّة، فأقام يتعبَّد بها إلى أن مات في أوَّل سنةِ سبعٍ

стр. 6023

وثمانين ومئة. وكان ثقةً ثبتًا فاضلًا عابدًا وَرِعًا كثيرَ الحديث، وهو أحدُ العلماءِ الزهَّاد والفتيان. ويقال: إنَّه وُلد بسَمَزقَند، ورأيتُ (١) فيها عشرةَ آلافِ جَوزةٍ بدرهم. ويقال: نهرُ عياض منسوبٌ إلى أبيه عياضِ بن مسعودِ بن بِشر، وبينه وبين مَرْوَ نصفُ فَرْسَخ. وكان الفضيلُ شاطرًا يقطع الطريقَ بين أَبِيوَردَ وسَرخَس. ذِكر توبتِه: قال ابنُ خميس (٢): كان يَهوَى جارية، فبينا هو ذاتَ ليلةٍ يرتقي إليها الجُدران، إذ سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] فقال: بلى قد آن. ورجع، فآواه الليلُ إلى خَرِبة، فإذا فيها رُفْقَةٌ يقولون: إنَّ أمامَكم رجلًا يقطع الطريقَ يقال له: الفُضيل، فسمع الفُضيل، فأُرعِد وقال: يا قوم، أنا الفُضيل، جُوزوا، وواللهِ لأَجهدنَّ ألا أعصيَ الله أبدًا. ورجع عمَّا كان عليه. وقيل: إنَّه سمع امرأةً تقول لابنها في القافلةِ وهو يبكي: اُسكت، لا يسمعك الفضيل، فقال: ويلي! وبلغ من أمري أنَّ النساءَ يعيِّرن أولادهنَّ بي. فتاب ونَسَكَ. ذِكرُ طَرَفٍ من أخبار الفضيل: قال إبراهيمُ بن الأَشعث: سمعت الفضيلَ ليلةً يقرأ سورةَ محمَّد، ويبكي ويردِّد هذه الآية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١] ويقول: إنْ بلوتَ أخبارَنا فضحْتَنا وهتَكْتَ أستارَنا، إنْ بلوتَ أخبارَنا أهلكتنا وعذَّبتنا. وسمعته يقول: تزيَّنتَ للنالس وتصنَّعتَ لهم وتهيَّأت، ولم تزل تُرائي حتى عرفوك، فقالوا: رجلٌ صالح، فقضَوا لك الحوائج، ووسَّعوا لك المجالس، وعظَموك، سَوءةً لك ما أسوأَ حالك إنْ كان هذا شأنَك. وسمعته يقول: إنْ قدرتَ ألا تُعرفَ فافعل، وما عليك ألا تُعرف، وما عليك إنْ لم

стр. 6024

يُثنَ عليك، وما عليك أن تكونَ مَذمومًا عند الناسِ إذا كنت عند اللهِ محمودًا. وقال الفيضُ بن إِسحاق: سمعتُ الفضيلَ يقول: لو قيل لك: يا مُرائي، لغضبتَ وشقَّ عليك، وعساه قال حقًّا، تزيَّنتَ للدنيا من حبِّك لها، وتصنَّعتَ حتى عرفوك الناسُ فأَكرموك، وإنَّما عرفوك بالئه، ولولا ذلك لَهُنتَ عليهم، تَزَيَّنْتَ لهم بالصوف فلم ترهم يرفعون بك رأسًا، فتزيَّنت لهم بالقرآنِ فلم ترهم يرفعون بك رأسًا، فتزيَّنت بشيءٍ بعد شيءٍ، كلُّ ذلك إنَّما لحبِّ الدنيا. وقال منصورُ بن عمار: تكلّمتُ في المسجد الحرامِ فذكرتُ شيئًا من صفة النَّار، فصاح الفضيلُ بن عياضٍ ووقع مغشيًّا عليه. وكان الفضيلُ يقول: لو خُيِّرتُ بين أن أعيشَ كلبًا وأموتَ كلبًا لاخترتُه. وقال مِهران بن عمر (١) الأَسدي: سمعتُ الفضيلَ عشيةَ عرفةَ بالمَوْقف يقول وقد حال البكاءُ بينه وبين الدُّعاء: واسوأَتاه منكَ وإنْ عفوتَ أو غَفرتَ. وقال سعدُ بن زنبور (٢): كنَّا على باب الفضيلِ بن عياضٍ، فاستأذنَّا عليه، فلم يؤذنْ لنا، فقيل لنا: إَّنه لا يخرج إليكم أو يسمعَ القرآن، وكان معنا رجلٌ مؤذِّن، وكان صبيًّا، فقلنا له: اقرأ، فقرأ: ﴿ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ ورفع صوتَه، فأَشرف علينا الفضيلُ وقد بكى حتى بلَّ لحيتَه بدموعه، فقال: [من المتقارب] بلغتُ الثَّمانينَ أو جُزْتُها … فماذا أُؤمِّل أو أَنتظر أَتَى في ثمانونَ من مولدي … وبعدَ الثمانين ما يُنْتَظر عَلَتْني السِّنون فأبْلَينني ثم خنقته العَبْرة، وكان معنا عليُّ بن خَشْرَم، فأتمَّه لنا فقال: فرقَّتْ عظامي وكلَّ البَصرْ وأخذ الفضيلُ بيد سفيانَ بنِ عُيينةَ وقال: إنْ كنتَ تظنُّ أنَّه قد بقي على وجه الأرضِ شرّ مني ومنك، فبئس ما تظنّ.

стр. 6025

وكان يقول: إني لأَعصي الله فأَعرف ذلك في خُلُق حماري وخادمي. ذِكرُ عبادته رحمةُ اللهِ عليه: كان يُلقَى له حَصيرٌ باللَّيل في مسجد، فيصلِّي ويغلبه النَّوم، فينام ساعة، ثم يقوم فيتوضَّا ويصلِّي، فيغلبه النّوم، فيتوضَّأ ويصلِّي، فلا يزال كذلك حتى يُصبح. وكان يختم القرآنَ في كل ليلة. ذِكر قصَته مع هارونَ الرشيد (١): قال الفضلُ بن الرَّبيع: حجَّ أميرُ المؤمنين، فأتاني، فخرجتُ إليه مُسْرعًا وقلت: يا أميرَ المؤمنين، لو أرسلتَ إليَّ لأَتيتُك، فقال: ويحَك يا عبَّاسي، قد دخل في نفسي شيءٌ لا يُخرجه من قلبي إلَّا عالمٌ بالله، فالتمسْ في رجلًا أسأله، فقلت: ها هنا سفيانُ بن عُيينة، فقال: امضِ بنا إليه، فأتيناه، فقرعتُ بابه، فقال: مَن ذا؟ قلت: أَجِب أميرَ المؤمنين، فخرج مُسْرعًا فقال: يا أميرَ المؤمنين، لو أرسلتَ إليَّ لأَتيتك، فقال له: خُذْ لِمَا جئناك له رحمك الله. فحدَّثه ساعةً ثم قال له: عليك دَين؟ قال: نعم، فقال لي: يا عباسيُّ اقضِ دَينَه. فلمَّا خرجنا قال: ما أَغنى عني صاحبُك شيئًا، ولم يُزِل عن قلبي مما حلَّ فيه قليلًا ولا كثيرًا، فانظر لي رجلًا أسألُه، فقلت: هاهنا الفضيلُ بن عياض، فقال: امضِ بنا إليه، فأتيناه فإذا به قائمٌ يصلَي في غرفةٍ له، يتلو آيةً من كتاب اللهِ يردِّدها ويبكي، فقرعتُ الباب، فقال: مَن هذا؟ قلت: أَجِب أميرَ المؤمنين؟! فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟! فقلت: سبحان الله! أَمَا عليك طاعة؟! فنزل ففتح الباب، ثمَّ ارتقَى إلى الغرفة فأَطفأَ المصباح، ثم التجأَ إلى زاوبةٍ من زوايا الببت، فدخلنا، فجعلنا نجولُ عليه بأيدينا، فسبَقَتْ يدُ هارونَ إليه قبل كفِّي، فقال: ما أَلينَها من كفٍّ إنْ نجت غدًا من عذابِ الله! فقلتُ في نفسي: لَيكلِّمنَّه الليلةَ بكلامٍ نقيٍّ من قلبٍ نقيّ. فقال له: خذ لِمَا جئناك له يرحمك الله، فقال الفضيل: إنَّ عمر بنَ عبدِ العزيز لمَّا ولي الخلافةَ، دعا سالمَ بن عبدِ الله بن عمرَ ومحمَّد بن كعب القُرَظيَّ ورَجاءَ بن حَيوةَ

стр. 6026

فقال لهم: إنِّي ابتُليت بهذا البلاءِ فأَشيروا عليّ، فعدَّ الخلافةَ بلاءً، وعَدَدتَها أنت وأصحابُك نعمة، فقال له سالم: إنْ أردتَ النجاةَ من عذاب الله، فليكن كبيرُ المسلمين عندك أبًا وأوسطُهم أخًا وأصغرهم ولدًا، فوقِّر أباك وأَكرِم أخاك وتحنَّن على ولدك (١)، وقال له رجاء: إنْ أردتَ النجاةَ من عذاب الله، فأحبَّ للمسلمين ما تحبُّ لنفسك، ثم مُتْ إذا شئت، وإنِّي أخاف عليك أشدَّ الخوفِ يومًا تَزِلُّ فيه الأقدام، فهل معك رحمك اللهُ ممَّن يشير عليك بمثلِ هذا (٢)؟ فبكى هارونُ بكاءً شديدًا حتى غُشي عليه. قال الفضل: فقلت: يا أبا عليّ، اُرفُق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابنَ الربيع، تقتلُه أنت وأصحابُك وأَرفُقُ به أنا؟ ثمَّ أفاق وقال له: زِدني رحمك الله، فقال: بلغني أنَّ عاملًا لعمرَ بنِ عبد العزيزِ شكي إليه منه، فكتب إليه عمرُ يقول: أمَّا بعد، فإني أذكِّرك طولَ سهرِ أهل النارِ مع خلودِ الأبد، وإيَّاك أن يُنصرفَ بك غدًا من بين يدي اللهِ تعالى، فيكون آخرَ العهدِ وانقطاعَ الرجاء، والسلام. فلمَّا قرأ عاملُه الكتابه، طوى البلادَ حتى قدم على عُمر، فقال له: ما الذي أَقدمك؟ فقال: خلعتَ قلبي بكتابك، لا عُدتُ إلى ولايةٍ حتى ألقَى الله تعالى. فبكى هارونُ بكاءً شديدًا ثم قال: زدني رحمك الله، فقال: إنَّ العباسَ عمَّ رسولِ الله ﷺ سأل رسولَ اللهِ ﷺ فقال: أمِّرني على إِمارة، فقال له النبيُّ ﷺ "إنَّ الإمارةَ حَسْرةٌ ونَدامةٌ يومَ القيامة، فإن استطعتَ ألا تكونَ أميرًا فافعل" (٣). فبكى هارونُ بكاءً شديدًا، ثم قال: زدني، فقال: يا حسنَ الوجه، أنت الذي يسألك اللهُ غدًا عن هذا الخَلقِ يومَ القيامة، فإن استطعتَ أن تقيَ هذا الوجه من النار فافعل، وإيَّاك أن تُمسيَ وتصبحَ وفي قلبك غشٌّ لأحدٍ من رعيَّتك؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن أصبح لهم غاشًّا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة" (٤). فبكى هارونُ وقال له: زدني، فقال: لو سألتَ جميع مَن معك أن يحملوا

стр. 6027

عنك خطيئة من خطاياك لم يفعلوا، وإنَّ أشدَّهم لك حبًّا أشدُّهم منك هربًا، فقال له: زدني، فقال: إنَّ في حكمة آلِ داودَ ﵇: وعلى العاقل ألا يغفُلَ عن ثلاثِ ساعات: ساعة يُناجي فيها ربَّه، وساعة يُحاسب فيها نفسَه، وسماعة يخلو فيها بإخوانه الذين يَصدقونه فيها عن عيوبه. فقال له: هل عليك دَيْن؟ قال: نعم، لربِّي لم يحاسبني عليه، فالويلُ لي إنْ سألني، والويلُ لي إنْ ناقشني، والويلُ لي إن لم أُلهم حجَّتي، فقال هارون: إنَّما أَعني دَينَ العباد، فقال: إنَّ ربّي لم يأمرني بهذا، وأمرني أن أوحِّدَه وأُطيعَ أمره، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فقال: هذه ألفُ دينار، خذها فأَنفِقها على عيالك وتقوَّ بها على عبادتك، فقال: سبحانَ الله! أنا أدلُّك على طريق النَّجاةِ وأنت تُقابلُني بمثلِ هذا، سلَّمك الله ووفَقك. ثم صمت ولم يكلِّمنا، وخرجنا من عنده، فلمَّا صرنا على البابِ قال هارون: يا عبَّاسي، إذا دللتَني على رجلٍ فدلَّني على مثلِ هذا، هذا سيّد المسلمين. قال: فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: يا أبا عليّ، قد ترى ما نحن فيه من ضيقِ الحال، فلو قبلتَ عطيةَ هذا المال فتفرِّجنا به، فقال: مَثَلي ومثلُكم كمثل قومٍ لهم بعيرٌ يأكلون من كَسْبه، فلمَّا كبر نحروه وأَكلوا لحمَه. فلما سمع هارونُ هذا قال: ندخل فعسى أن يقبلَ المال، فدخل، وخرج الفضيلُ فجلس في السَّطح على باب الغرفة، وجاء هارونُ فجلس إلى جنبه، وجعل يكلِّمه وهو لا يُجيبه، فبينما نحن كذلك، إذ خرتجا جارية سوداءُ فقالت: يا هذا، قد آَذيتَ الشيخَ منذ الليلةِ فانصرف، قال: فانصرفنا. وقال سفيانُ بن عُيينة: حجَّ هارونُ فقال لي: أريد أن أَلقَى الفضيلَ لعل الله أن يُحدِثَ في عظةً أنتفعُ بها، فقلت: واللهِ إن ذلك لَحبيب إليّ، ولكنه رجل قد أخذ نفسَه بخدمة الله، فما لأحدٍ فيه حظّ، وأكرهُ أن تراه مشغولًا بنفسه فتتوهَّمَ فيه جفاء، وواللهِ إنه الرجلُ الكريمُ العِشرةِ الحسنُ الخلُق، فقال: واللهِ ما عزمتُ على لقائه حتى وطَّنت نفسي على احتمال أخلاقِه، ويحك يا سفيان، إنَّ شرفَ التقوى شرفٌ لا يُزاحَم عليه بإمرةٍ ولا خلافة.

стр. 6028

قال سفيان: فأتينا الفُضيل، فأَبلغته ما قال، فقال: إنَّه يُحسن العقلَ لولا ما مُني نه من فتنة هذه العاجلة، وإني لَيسرُّني أن ألقاه ويسوءُني أيضًا، أمَّا ما يسرني من لقائه؛ فلِمَا أرجو أن يكونَ فيه بعض [فائدة] (١) كنجاته عن غَيِّه، وأمَّا ما يسوءُني، فإنِّي لم أرَ مثلَه يرفلُ في سوابغ النعم وهو عُريان من الشُّكر، ثم قطَّب بين عينيه وقال: وما قَدرُ مَن كان عاصيًا لله حتى أراه، لا حاجةَ لي في لقائه. قال: فلم أزل أَرفُق به حتى أَذِن، فأخبرتُ هارون، فجاءَ ومعه مسرور، فدخلنا ووقف مسرور بالباب، وسلَّم هارون، فوجد منه رائحةَ المسك، فقال: اللهمَّ إنَي أسألك رائحةَ الخلدِ التي أَعددتَها لأوليائك المتَّقين في جنَّات النَّعيم، ثم تَبادَرَت دموعُه على لحيته وهارونُ واقف، فقلت: يا أبا عليّ، هذا أميرُ المؤمنين واقفٌ يسلِّم عليك، فرفع رأسَه وقال: وإنَّك لَهُوَ يا حسنَ الوجه؟ قال: نعم، قال: اِعلم أنَّ الأحكامَ قد سُلبت فضيلةَ العدل، وظهر في المِلَّة عدوان الأميرين، والكلُّ في صحيفتك يُدْرَج معك في كَفَنك إلى يوم النّشور. ثم نهض واستقبل القِبلةَ وقال: اللهُ أَكبر، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أمَّا إذا دخل في الصَّلاة، فليس فيه لأحدٍ مَطْمَع. وخرجنا، فقال لي هارون: لولا خَجَلي منك لقبَّلتُ ما بين عينَيه، فقلت: لَوددت واللهِ أنَّك فعلت ذلك. وقيل: إنَّ هارونَ لمَّا دخل على الفضيل، قال لابن عُيينة: مَن هذا؟ قال: هو من بني هاشم، وكان ابنُ عيينةَ قد قال لهارون: إنْ علم بك لم يأذنْ لك في الدُّخول عليه، فلمَّا وجد منه رائحةَ الطِّيب عرفه، ثم قال الفضيل: حدَّثني عُبيدٌ المُكْتِب عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، قال: هي القراباتُ والمَودَّات التي كانت بينهم في الدّنيا، فبكى هارون. ولمَّا امتنع الفضيلُ من قَبول المال، قال له هارون: يا أبا عليّ، ما أَزهدك! قال: أعرف مَن هو أزهدُ مني، قال: ومَن هو؟ قال: أنت، قال: ولِم؟ قال: لأنِّي أنا زهدتُ في دنيا فانية، وأنت زهدتَ في الأُخرى الباقية.

стр. 6029

ذِكر نُبذةٍ من كلامه ﵁: كان يقول: لو عُرِضت عليَّ الدُّنيا بحَذافيرها على ألا أُحاسَبَ عليها، لَتقذَّرتُها كما يتقذَّر أحدُكم الجيفةَ إذا مرَّ بها أن تصيب ثوبَه. وقال: لو حلفتُ أنِّي مُراءٍ أحبُّ إليَّ من أن أحلفَ أنِّي لست بمراء. وقال: تركُ العملِ لأجل الناسِ هو الرّياء، والعملُ لأجلهم هو الشِّرك. وقال: مَن جلس مع صاحبِ بِدعة، لم يؤتَ الحكمة. وقال: أحقُّ الناس بالرِّضا عن الله أهلُ المعرفةِ به. وقال: لا ينبغي لحامل القرآنِ أن يكونَ له حاجةٌ إلى أحدٍ من الناس؛ الخلفاءِ فَمن دونَهم، بل ينبغي أن تكونَ حوائجُ الناسِ كلّهم إليه. وقال: ما أدرك عندنا مَن أدرك بكثرة صلاةٍ ولا بصيام، ولكن بسخاء النَّفْس، وسلامةِ الصدر والنُّصح للأمَّة. وقال: مَن عرف الناسَ استراح. وقال: أَشتهي مرضًا بلا عُوَّاد. وقال: تباعَدْ من الناس، فإنَّهم إن أحبُّوك مدحوك بما ليس فيك، وإنْ مقتوك شهدوا عليك بما ليس عندك. وقال: مَن كان بطاعته من اللهِ قريبًا، كان بين الخلقِ غريبًا، ومَن كان لنفسه في صحَّته طبيبًا، كان في مرضه لطبيب الأطبَّاءِ حبيبًا. وقال: جعل الله الشرَّ كلَّه في بيت، وجعل مفتاحهَ حبَّ الدنيا؛ وجعل الخيرَ كلَّه في بيت، وجعل مفتاحَه الزُّهدَ في الدنيا، لأنَّ الراضي لا يتمنَّى فوق منزلتِه منزلة، والزاهد أخير. وقال: الفُتوَّة: الصَّفحُ عن عَثَرات الإِخوان. وقال: إذا أراد اللهُ أن يُتحفَ عبدًا، سلَّط عليه مَن يَظلمه. وقال: لو أنَّ العبدَ أحسن كلَّ الإحسانِ وعنده دجاجةٌ لم يُحسن إليها، لم يُكتَب من المحسنين.

стр. 6030

وقال: لَأَن يصحبَني فاجرٌ حسن الخُلقِ أحبُّ إليَ من أن يصحبَني عابدٌ سيِّئُ الخلق. وقال: ليست الدُّنيا دارَ إقامة، وإنَّما أُهبط آدمُ إليها عقوبةً له، أَلَا ترى إلى ما جرى عليه وعلى ذرِّيته إلى يوم القيامة، تارةً بالعُري، وتارةً بالجوع، وتارة بالحاجة إلى الناس، فاللهُ سبحانه مرمرها عليهم، وجعلها دارَ نَصَب، واللهُ سيصنع بذرِّية آدمَ ما يشاء، كما تصنع الوالدةُ بولدها، تارةً تَسقيه صَبِرًا (١)، وتارةً دواءً غير مُرّ، وإنَّما تريد بذلك ما هو الأنفعُ له. وقال: مَن استحوذت عليه الشَّهوات، انقطعت عنه موادُّ التوفيق. وجلس إليه رجل، فقال: ما الذي أَجلسك إليّ؟ قال: رأيتُك وحدك فجئت لأُؤانسَك، فقال له الفضيل: أنا منذ أربعين سنةً أَستأنس بالوحدة، فإمَّا أن تقومَ عني أو أقومَ عنك، فقال له الرجل: أَوصِني، فقال: أَخفِ مكانَك واحفظ لسانَك. وقيل له: ما لنا لا نرى خائفًا؟! فقال للسَّائل: لو كنتَ خائفًا لرأيتَ الخائفين، إنَّ الثَّكلى هي التي تحبُّ أن ترى الثَّكالى. وقال أبو العباسِ خادمُه: احتبس بولُ الفضيل، فرفع يديه وقال: بحبِّي لك إلَّا أَطلقتَه عني، فما بَرِحنا حتى شُفي. وقال الفضيل: أَقمتُ ثلاثًا لم أَطْعَم، فدخلتُ مسجدًا من مساجدِ الكوفة، فإذا مجنونٌ قد دخل وفي عنقه سلسلةٌ وبيده حَجَرٌ، فقصدني، فخفتُ منه، فقال: [من الطويل] محلُّ بيانِ الصَّبر منك غريزةٌ (٢) … فيا ليت شِعري هل لصَبْرك من أَجرِ قال: فقلت: لولا الرجاءُ لم أصبر، فقال: أين محُّل الصبرِ ومستقرُّ الرجاءِ منك؟ فقلت: موضعُ مستقرِّ همومِ العارفين، فصاحَ وقال: صدقت، ثم قال: أَلَا تسألني عن حالي؟ قلت: بلى، فقال: عرفتُه فاستأنستُ به، وأحببته فارتحلتُ إليه، ثم قال: أَمَا

стр. 6031

علمتَ أنَّ لله عبادًا قطعهم الجَزَعُ عن كَلَف الأَلسُن، فكَلَّت من غير عِيٍّ عن مجالس الوصفِ خوفًا من العقاب، وإنَّ حاجةَ أحدِهم لَتتردَّد في صدره لا يذكرها مخافةَ شرِّ نفسِه، فأصبحوا في الدُّنيا محزونين، وإلى حبيبهم مشتاقين، عقولٌ صحيحة، وأَلسُنٌ ذاكرة، وقلوبٌ بالحبيب متعلِّقة، وأرواحٌ في المَلَكوت الأعلى سارحة، ثم ولَّى وهو يقول: [من البسيط] أَحسنتَ ظنَّك بالأيَّام إذ حَسُنت … ولم تَخَف شرَّ ما يأتي به الحَذَرُ (١) وسالمَتْكَ الليالي فاغتَررتَ بها … وعند صفو الليالي يحدُث الكَدَرُ وقال الفضيل: رأيتُ شابًّا بعرفةَ والناسُ يبكون ويتضرَّعون وهو ساكت، فقلت له: أهذا مَوضعُ السكوت؟! فقال: يا شيخ، وَحْشَة، فقلت: هذا موضعُ العفو عن الذُّنوب، فبسط يَده ووقع ميِّتًا. ومات لبعض العلماءِ ولد، فعزَّاه الناس، فلم يقبل عزاءً، فجاءه الفضيلُ فقال له: ما تقول في رجلٍ كان له ولدٌ محبوسٌ فأُخرج من السجن، أَيفرح أبوه (٢) أم يحزن؟ قال: بل يفرح، قال: فإنَّ ولدَك كان محبوسَّا، وقد أُخرج من السِّجن، وأنت محبوس، فقال: الرجل: تعزَّيتُ واللهِ يا أبا عليّ. ذِكرُ وفْاتِه ﵀: مات في أوَّل سنةِ سبعٍ وثمانين ومئة. وقيل: سنةَ ثمان وثمانين (٣). وقال سفيانُ بن عُيينة: اليومَ مات الحُزنُ من الأرض، ودفن بالمعلَّى، وقبرُه ظاهرٌ يزار. أسند عن جماعةٍ من التابعين، منهم سفيانُ الثوريُّ، وابن عُيينةَ، والإِمام الشافعيُّ، وبِشْرٌ الحافي، وغيرُهم (٤).

стр. 6032

وقال ابنُ المباركْ: رأيتُ أعبدَ الناس وأَورعَ الناس، وأعلمَ الناس، وأَفقهَ الناس، أمَّا أعبدُ الناس فعبدُ العزيز بنُ أبي روَّاد، وأما أورعُ الناس فالفضيلُ بن عياض، وأمَّا أعلم الناس فسفيانُ الثوري، وأما أفقهُ الناسِ فأبو حنيفة. وكان سفيانُ بن عيينةَ يقبِّل يدَ الفضيلِ بن عياض. واتَّفقوا على صِدقه وثقتِه وأَمانته وزَهادته وعبادته. وقال محمَّد بن حسَّان: شهدتُ الفضيلَ بن عياضٍ وقد جلس إليه سفيانُ بن عُيينة، فتكلَّم الفضيل فقال: كنتم معاشرَ العلماءِ سُرُجَ البلادِ يُستضاء بكم، فصرتم ظُلمة، وكنتم نجومًا يُهتدَى بكم فصرتم حَيرة، ثم لا يستحي أحدُكم أن يأخذَ مال هؤلاء الظَّلمةِ ثم يُسندَ ظهرَه ويقول: حدَّثني فلانٌ عن فلان، فقال سفيان: هاه هاه، واللهِ لَئن كنا لسنا بصالحين فإنَّا نحبُّهم. ثم طلب منه سفيانُ الحديث، فأملى عليه ثلاثين حديثًا. وكان للفضيل من الولد عليّ، اشتهر بالزُّهد ومات في حياةِ أبيه. ومحمَّد، وعمر، وأبو عبيدةَ بنُ الفضيل، كوفيٌّ سكن مكَّة وقدم مصرَ وحدَّث بها، ورجع إلى مكَّة فتوفِّي بها في صَفَرٍ سنةَ ستٍّ وثلاثين ومئتين، رحمةُ اللهِ عليه ونفعنا به في الدُّنيا والآخرة.

стр. 6033

السنة الثامنة والثمانونَ بعد المئة فيها أغزى الرشيدُ إبراهيمَ بن جبريلَ الصائفة، فدخل الدَّربَ من ناحية الصَّفْصاف، وخرج إلى لقائه نقفورُ على قوم، فورد على نقفورَ من ورائه أمرٌ صرفه عن لقاءِ إبراهيم، ومرَّ نقفور على قومٍ من المسلمين فقاتلوه، فجُرح ثلاثَ جراحاتٍ وانهزم، وقُتل من الرُّوم -على ما قيل- أربعون ألفًا وسبعُ مئةِ رجل، وأَخذ المسلمون منهم أربعةَ آلافِ دابَّة. ورابط القاسمُ بن هارونَ بدابِق. وقال أبو الشِّيص: [من الطويل] شددتَ أميرَ المؤمنين عُرَى المُلكِ … صَدعتَ بفتح الرومِ أفئدةَ التُّركِ قريْتَ بسيف (١) اللهِ هامَ عدوِّه … وطأطأتَ بالإِسلام ناصيةَ الشِّرك فأصبحتَ مسرورًا ولا زلتَ (١) ضاحكًا … وأصبح نقفورٌ على مُلكه يبكي وفيها حجَّ الرشيدُ بالناس، وهي آخر حجَّةٍ حجَّها، وكان الفضيلُ بن عياضٍ قال له: استكثِر من زيارة هذا البيت، فإنَّه لا يحجُّه خليفةٌ بعدك. وقال أبو بكر بن عياش: لمَّا مرَّ عليه الرشيد بالكوفة مُنْصَرفًا من الحجِّ قال: لا يحجُّ الرشيدُ بعد هذه الحجَّة، ولا يحجُّ بعده خليفةٌ أبدًا، نجد ذلك في بعض الكتبِ القديمة. وفي هذه وعظه بهلول؛ قال الفضلُ بن الرَّبيع: حججتُ مع هارون، فمرَّ بالكوفة، فإذا بهلولٌ المجنون يَهذي، فقلت: اُسكت فقد أقبل أميرُ المؤمنين، فسكت، فلمَّا حاذاه الهوْدَجُ قال: يا أميرَ المؤمنين، حدَّثني أَيمن بنُ نابل، حدثنا قدامةُ بن عبدِ الله العامريِّ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ [بِمنَى] (٢) على جملٍ وتحته رَحْلٌ رثّ، ولم يكن ثَمَّ طَردٌ ولا ضَربٌ، ولا إليك إليك. قال الفضل: فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّه بهلول المجنون، فقال: قد عرفتُه، قل يا بهلول، فقال: يا أميرَ المؤمنين

стр. 6034

هبَ انَّك قد ملكتَ [الأرض] (١) طُرًّا … ودان لك العبادُ فكان ماذا أليس غدًا مصيرُك جوفَ قبرٍ … ويحثو التُّربَ (٢) هذا ثم هذا فقال: أَجدتَ يا بهلول، أَفغيره؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، مَن رزقه اللهُ جَمالًا ومالا وسلطانًا، فعفَّ في جماله، وواسى في ماله، وعدل في سلطانه، كُتب في ديوان المقرَّبين الأَبرار. فظنَّ الرشيدُ أنَّه يريد شيئًا فقال: قد أمرنا بقضاءِ دَينك، فقال: لا تفعلْ يا أميرَ المؤمنين، لا يُقضَ دَين بدَين؛ فإنَّ الذي أعطاك لا ينساني، أَجرى عليَّ الذي أَجرى عليك، لا حاجةَ لي في جرايتك. ثم ولَّى وهو يقول: اُردد الحق إلى أهله واقضِ دَينَ نفسك، ثم قال: توكَّلت على الله، وما أَرجو سوى الله، وما الرِّزقُ من الناس، بل الرِّزقُ من الله. فصل وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيمُ بن محمد ابن الحارث بن أسماءَ بن خارجةَ بن حِصْنِ بن حُذَيفةَ بن بدرٍ الفَزاري (٣). كان عالمًا، صاحب سنَّة وغَزْو، عظيمَ الشأن، صاحبَ حالٍ ولسان، وآياتٍ وكرامات وغزوات، ثقةً فاضلًا. وقال الفضيلُ بن عياض: رأيت النبي ﷺ في المنام وإلى جانبه فُرجَة، فذهبتُ لأجلسَ فيها، فقال: هذا مجلسُ أبي إسحاقَ الفَزاري. وكان الفضيلُ يقول: إنِّي لأَشتاق إلى المِصِّيصة، وما بي فضلُ الغزو ولا الرِّباط، ولكن لأرى أبا إسحاقَ الفَزاري. وكان إبراهيمُ بن أدهمَ وسفيانُ الثوريُّ وابنُ المبارك وغيرُهم يسافرون إلى المِصِّيصة لأجل زيارته، وكان يقول: إنَّ من الناس مَن يحسُن الثناءُ عليه وما يساوي عند اللهِ جناح بعوضة.

стр. 6035

وتوفَّي بالمَصِّيصة في هذه السَّنة. وقيل: في سنة خمسٍ وثمانين ومئة. فلمَّا خرجوا بجنازته، خرج اليهودُ والنَّصاوى وراء جنازته يَحثُون الترابَ على رؤوسهم ويصرخون ممَّا نالهم عليه. أَسند عن الأعمش وهشام وغيرِهما، وروى عنه الثوريّ وغيره. وروى الأوزاعيُّ حديثًا، فقيل له: من حدَّثك بهذا؟ فقال: الصادقُ المَصدوقُ أبو إسحاق الفَزاري. وقال إسماعيلُ بن إبراهيم: أخذ هارونُ زنديقًا ليقتلَه، فقال له: لِمَ تقتلني؟ فقال لأُريحَ العبادَ منك، فقال له: فأين أنت من ألف حديثٍ وضعتُها على نبيِّك؟ فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاقَ الفَزاريّ وابن المبارك؟ فإنهما يتصفَّحانها فيُخرجانها حرفًا حرفًا. واتفق العلماءُ على صِدقه وثقتِه وأمانته وفضلِه وزَهادته. أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن ماهانَ ابن بَهْمَنَ الأرَجاني، المعروفُ بالمَوْصِلي، ويعرف بالنَّديم (١). أصلُه من الفرس، وهو مولى الحَنْظَليِّين، وإنَّما سمِّي الموصليَّ لأن أباه سافر بأمِّه من أرَّجانَ وهي حاملٌ به في سنة خمس وعشرين ومئة، فقدم الكوفة، فوَلَدته، فنشأ بها، وطلب صنعةَ الغِناء، فبرع فيها بالعربية والعجميَّة، وسافر إلى الموصلِ في طلب الغِناء، ثم عاد إلى الكوفة، فقال له أخوالهُ: مرحبًا بالفتى المَوصليّ. وكان فاضلًا أديبًا شاعرًا، وبرع في فنِّه. وصحب الخلفاءَ والملوك، واكتسب مالًا عظيمًا، فيقال: إنَّه وُجد له لمَّا مات من المال أربعةٌ وعشرون ألفَ ألفِ درهم. ولمَّا مرض مَرَضَ الموتِ قال: [من مجزوء الرمل] مَلَّ والله طبيبي … من مقاساةِ الذكر بي سوف أُنعَى عن قريب … لعدوٍّ وحبيب ومات في هذه السَّنة. وقيل: في سنة ثلاثَ عشرةَ ومئتين.

стр. 6036

السَّنة التاسعةُ والثمانونَ بعد المئة فيها توجَّه الرشيدُ إلى الرَّيِّ بسبب علي بن عيسى بنِ ماهان، وكان الرشيدُ قد استشار يحيى بنَ خالدٍ في توليته خُراسان، فأشار ألا يفعل، فخالفه وولاه، فعَسَف الناسَ، وظَلَم وفتَك، وجمع أموالًا عظيمةً وبعث بها إلى هارون، وكان فيها الخيلُ العِتاقُ والرَّقيق والطِّيب والمَتاع، فلم يُرَ هدية أعظم منها، فعُرضت على هارونَ فاستعظمها، وكان يحيى جالسًا عنده، فقال: هذا الذي أشرتَ ألا نولِّيَه، فقال له يحيى: ما أَحسنَ هذا لو لم يكن وراءَه ما تكره، قال: وما هو؟ قال: إنَّ هذه الهدايا ما اجتمعت له حتى ظلم الناسَ، وأخذ أموال الأشرافِ وغيرِهم، وأنا قادرٌ أن أجمعَ لك في هذه الساعةِ من الأموال أكثرَ من هذا، عند فلانٍ سَفَطٌ فيه جوهرٌ يساوي سبعةَ آلافِ ألف، خذه ولا تعطِه شيئًا، وعند فلانٍ كذا وكذا، وعدَّد أشياء، قال: وسترى غِبَّ هذا. وعاث عليُّ بن عيسى بخُراسان، واستخفَّ بأشرافهم وأخذ أموالهم، فكتب إلى الرَّشيد وجوهُ خُراسانَ يشكون سوءَ عِشرته، ورداءةَ مذهبه، ويسألونه الاستبدال به، فاستشار يحيى بنَ خالدٍ مَن يوليه خراسان، فأشار عليه بيزيد بن مَزْيَد، فلم يقبل مشورتَه. وقيل للرَّشيد: إنَّ عليَّ بن عيسى على عزمِ الخلاف، فسار يُريد الرَّي، وعسكر بالنَّهْرَوَان ومعه ابناه المأمونُ والقاسم، ولمَّا وصل إلى قَرمِيسِين استدعى القُضاةَ والشُّهود، وأَشهدهم أنَّ جميعَ ما في عسكره من الأموال والسلاحِ والكُراع وغيرِه لعبد الله المأمون، وبعث هَرْثَمَةَ بن أَعيَن إلى بغداد، فجدَّد البَيعةَ على الأمين لأخيه المأمونِ والقاسمِ بعده على ما تقرَّر بمكَة. وسار الرشيدُ فنزل الرَّي، فأَقام أربعةَ أشهر، حتى قدم عليه ابنُ ماهانَ بالأموال والطُّرَف، والتُّحَف، والهدايا، والجواهرِ وأواني الذهبِ والفضَّة، والخيلِ والسلاح، وغيرِ ذلك، وأَهدى إلى جميع مَن كان معه من ولده، وأهلِ بيته، وكتَّابه، وخدَّامه،

стр. 6037

وقوَّاده على قَدْر طبقاتهم، فرضي عنه هارون، وظنَّ به غيرَ ما كان يظنُّ ممَّا نْقل إليه عنه، فأعاده إلى خراسانَ واليًا، وخرج معه فشيَّعه. وقدم عليه خُزَيمةُ بن خازم -وقيل: سعيد الحَرَشِي- بأربع مئةِ رجلٍ من الكفَّار من أهل طَبرستان، فأسلموا على يد هارون. وولَّى الرشيد وهو بالرَّي عبد الله بنَ مالك طبرستان والرَّيَّ ودُنْباونْد وقُومس وهمَذَان، وولَّى عيسى بنَ جعفرِ بن سليمانَ عُمان، فغزا في البحر، ففتح حصونَ الكفار. وقيل: إئَّه قطع البحرَ من ناحية جزيرةِ ابنِ كاوان (١)، ففتح حصنًا وحاصر آخَر، وعقل عن نفسه وما احترز، فهجم عليه ابنُ مَخلَد الأزديُّ وهو غارّ، فأسره وحمله إلى عُمان. حديث نَخْلَتَي حُلْوان: قال إِسحاق بن إِبراهيمَ المَوْصِليّ: لمَا خرج هارونُ إلى خراسان في سنة تسعٍ وثمانين ومئة، وهي أوَّل خرجاتِه إليها، نزل بحُلْوان، ومرض بطرح الدَّم، وكان على عَقَبة حُلوانَ نخلتان من أَحسن النخيل، فوصف له الأطباءُ الجُمَّار (٢)، فقطعوا إِحداهما، وكانتا توأمَتَين، وأَطعموه من جُمَّارها، فبرئ، فلمَّا عاد من الرَّي، مرَّ على التي لم تقْطَع، فوجد عليها مكتوبًا وهي قائمة وحدها: [من الخفيف] أَسعِداني يا نخلَتَي حُلْوانِ … وفِيَا لي إن كنتما تَفِيَانِ (٣) أسعِداني وأَيقِنا أنَّ نَحْسًا … سوف يأتيكما فتَفْترقانِ فبكى الرشيدُ وقال: واللهِ لو علمتُ أنِّي نَخسُهما لَمَا قطعتُهما ولو مُتُّ. والشِّعر لمطيعِ بن إياسٍ في جاريةٍ فارَقَها، وهو: قال: أسعداني يا نخلتَي حُلْوانِ … وابكيا لي من ريبِ هذا الزمانِ أَسعِداني وأَيقِنا أنَّ نحسًا … سوف يأتيكما فتفترقان

стр. 6038

فلعمري لو ذُقْتُما حُرقَةَ الفُر … قةِ أَبكاكُما الذي أَبكاني كم رَمَتنْي صروفُ هذي الليالي … بفِراق الأَحبابِ والخُلَّان وهذا الشعر قديم؛ فإنَّ المهديَّ مرَّ بهما ونزل عندهما، وقال لجاريته حَسَنة: غني، فغنَّت: [من الطويل] أَيَا نخلتَي وادي بُوَانةَ حبَّذا … إذا نام حرَّاسُ النخيلِ جَناكُما (١) فقال المهديّ: أُريد أن أقطعَ هاتين النَّخْلَتين، فقالت له حَسَنة: أُعيذك بالله أن تكونَ الذي أَشار إليه مُطيع، وأَنشدت البيتين، فقال: لله درك، واللهِ لا تعرَّضت. ووكَّل بهما مَن يَحفظهما ويقوم بأَمرهما. وقد أكثر الشعراءُ في نخلَتي حُلوانَ، قال حمَّاد بنُ إِسحاق: [من الخفيف] أيُّها العاذِلانِ لا تَعْذُلاني … ودَعَاني من المَلامِ دعاني وابكيا لي فإنَّني مُسْتَحِقٌّ … منكما بالبكاءِأن تُسعِداني وأنا منكما بذلك أوْلى … من مُطيعٍ بنخلَتَي حُلْوانِ فهما تجهلانِ ما كان يشكو … من جَواه وأنتما تعلمان (٢) وقال آخر (٣): [من الخفيف] جَعل الله سِدْرَتَي قصرِ شِيريـ … ــــــــــن فداءً لنخلتَي حُلْوانِ جئتُ مُسْتَسعِدًا (٤) فلم يسعداني … ومُطيعٌ بكَتْ له النَّخلتان وفيها رجع الرشيدُ إلى بغدادَ من الرَّيِّ بعد أن أَحسنَ إلى أهلها؛ لأنه وُلد بالرَّيّ. وقال أبو العَتاهِية: [من السريع] إنَّ أمينَ اللهِ في أرضه … حنَّ به البِرُّ إلى مولدِهْ ليُصلحَ الرَّيَّ وأَقطارَها … ويُمطرَ الخير بها من يدهْ (٥)

стр. 6039

ولمَّا انصرف الرشيدُ من الرَّي، أَدركه الأَضحى بقصر اللُّصوص، فضحَّى به، ثم دخل بغدادَ لليلتين بقيتا من ذي الحِجَّة، فلمَّا مرَّ بالجِسْر أَمر بإِحراق جثَّةِ جعفر -وقيل: إنَّه كان أَمر بذلك عند توجُّهه إلى خُراسان- ولم ينزل بغداد، وسار يطلب الرقَّة، فنزل بالسَّيلَحِين، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، طويتَ بغدادَ فلم تنزلْها! فقال: والله إِنِّي لأَعلم أنَّ ما في الشَّرق والغربِ مدينةً مثلَها، وإنَّها لَوطني ودارُ ملكِ بني العباس، وما قال أَحدًا من آبائي بها سوء، لَنِعم الدارُ هي، ولكن لا بدَّ من المُناخ على ناحية أهلِ النِّفاق والشِّقاقِ خوفًا منهم، ولولا ذلك ما خرجتُ منها أبدًا. وفي ذلك يقول العباسُ بن الأَحنف: [من الخفيف] ما أَنخْنا حتَّى ارتحَلْنا فما نَفْـ … ـرُقُ بين المناخِ والارتحالِ ساءَلونا عن حالنا إذ قَدِمنا … فَقَرَنَّا وداعَهم بالسُّؤال (١) وفي هذه السَّنةِ بعث نقفورُ إلى الرَّشيد يطلب الصُّلحَ والفداء، فأَجابه، فلم يبقَ بأرض الرُّومِ من الأُسارى مسلمٌ إلَّا فُودي به، وقيل: إنَّهم بلغوا أربعةَ آلافِ مسلم، فقال مروانُ بن أبي حَفْصَة: [من الطويل] وفُكَّت بك الأَسرى التي شُيِّدت لها … مَحابسُ ما فيها حَميمٌ يزورُها على حينَ أعيا المسلمين فِكاكُها … وقالوا سجونُ المشركين قبورُها (٢) وحجَّ بالناس العباسُ [بن موسى] (٣) … بنِ عيسى بن موسى بنِ محمَّد بن عليِّ بن عبدِ الله بنِ عباس. إسحاق بنُ عبدِ الرَّحمن ابنِ المغيرةِ بن حُميد بن عبدِ الرَّحمن بنِ عَوفٍ الزّهري (٤). من الطبقة الخامسةِ من أهل المدينة، وأبوه عبدُ الرَّحمن هو الذي يقال له: غُرَير.

стр. 6040

سكن بغداد، وكان في صحابة المهديِّ والهادي والرشيد، وكان جوادًا ممدَّحًا، وفيه يقول الشاعرُ (١) وفي أخيه يعقوب: [من الطويل] نفى الجوعَ عن بغدادَ إِسحاقُ ذو النَّدى … كما [قد] نفى جوعَ الحجازِ أَخوهُ وما يكُ من خيرٍ أَتَوه فإنَّما … فِعالُ غُرَيرٍ قبلَهم وَرِثوه فأُقسمُ لو ضاف الغُرَيريَّ بَغْتَةً … جميعُ بني حوَّاءَ ما حَفَلوه هو البحرُ بل لو حلَّ بالبحر رِفدُه … ومَن يَجتديه ساعةً نَزَفوه وكان إسحاق مُعجَبًا بعَبَّادة جاريةِ المُهلبية، وكانت مُنْقَطِعةً إلى الخَيزُران (٢)، ذاتَ منزلةٍ عندها، فركب عبدُ الله بنُ مُصعبِ بن الزبير وإسحاق إلى المهديّ، وكانا يأتيانه في كلِّ عشيةٍ فيقيمان عنده حتى ينقضيَ سَمَرُه، فلقيا في طريقهما عبَّادة، فساق إسحاق دابَّته ومضى فنظر إليها ثم عاد، ودخلا على المهديّ، فأخبره مصعبٌ بخبر إسحاق وما كان منه، فقال المهديّ: أنا أَشتريها لك. وقام من وقتِه فدخل على الخَيزُران، فقال: أين المُهَلَّبية؟ فجاءت، فقال: تبيعيني عَبَّادةَ بخمسين ألف درهم؟ فقالت: إنْ كنتَ تريدها لنفسك، فبها فداكَ الله، فقال: إنَّما أُريدها لإِسحاق بن غُرير، فبكت الجارية، وقالت الخيزران: ما يُبكيك؟! واللهِ لا يقدر عليكِ ابنُ غُرير أبدًا، وصار ابنُ غريرٍ يتعشَّق جواريَ الناس؟! فخرج المهديّ فأَخبر إِسحاق، وأَمر له بخمسين ألف درهم، فأَخذها، وقال أبو العتاهية: [من المنسرح] حبُّك المال لا كحبِّك (٣) عَبَّا … دةَ يا فاضحَ المُحبِّينا لو كنتَ أَخلصتَها الوفاءَ كما … قلت لمَا بعتَها بخمسينا وكانت وفاة إسحاق ببغدادَ في هذه السنة، ورثاه مِكْنَفٌ من ولد زهيرِ بن أبي سُلمى فقال: [من الكامل]

стр. 6041

فلَئن بَكَت (١) جَزَعًا عليه لقد بكت … جَزَعًا عليه مكارمُ الأخلاقِ يا خيرَ مَن بكت المكارمُ فَقْدَه … لم يبقَ بعدَك للمكارم باقِ لو طاف في شرق البلادِ وغربها … لم يَلْقَ إلَّا حامدًا للَّاقي ما بِتَّ من كرم الطبائعِ ليلةً … إلَّا لِعرضِك من نَوالِك واقي بَخِلَت بما حوت الأَكفُّ وإنَّما … [خَلَقَ] (٢) الإلهُ يديك للإِنفاق سعيدُ بن سليمانَ ابن نوفلِ بن مُساحِق (٣). ولي قضاءَ المدينةِ للمهديِّ، ووفد على الرَّشيد. قال نَوْفلُ بن مَيمون: جاء سعيدُ بن سليمانَ إلى عبد اللهِ بن محمَّد بن عمرانَ القاضي، فشهد عنده في شيء، فردَّ شهادته، فلمَّا عُزل عبدُ الله عن القضاءِ وولي سعيد، جاء عبدُ اللهِ فشهد عنده بشهادة، فأخذ شهادتَه، فنظر فيها ساعةً، ثم رفع رأسَه وقال: المؤمنُ لا يَشفي غيظَه، ثم وقع على شهادته. وكانت وفاتهُ بالمدينة. سليمان (٤) بن حَيَّان أبو خالدٍ الأَزْدي، ويعرف بالأحمر. وُلد سنةَ أربعَ عشرةَ ومئة. وكان صديقًا لسفيانَ الثوري، وكان سفيانُ يثني عليه، فلمَّا خرج محمَّد بن عبدِ الله بنِ حسن، خرج معه (٥)، فهجره سفيان. وكان رجلًا صالحًا. قال عثمانُ بن أبي شيبة: دخلتُ على الأَحمر عند موتهِ وليس في بيته إلَّا مِخَدَّةٌ تحت رأسهِ، وهو يقول: اُخرجي يا نفس، اُخرجي، فواللهِ لَخروجُك أَحبُّ من بقائك في بَدَني.

стр. 6042

سمع يحيى بنَ سعيدٍ القطَّان (١)، وامرأتَه (٢)، وروى عنه الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ رحمةُ اللهِ عليه وغيرُه، وكان ثقة. العبَّاس بن الأَحْنَف ابنِ الأَسود بن طَلْحة، أبو الفضلِ الشاعر (٣). من ولد الدِّيل من عَرب خُراسان، ومنشؤه بغداد. كان حُلوًا، ظريفًا، مقبولًا، حسنَ العِشْرة، ومعظمُ شعرِه في الغزل والمديح. وله أخبارٌ مع الخلفاء، قال: حُملْتُ إلى دار الخلافةِ وإذا بيحيى بنِ خالدٍ جالس، فقال: يا عباس، إنَّ ماردةَ الغالبةَ على أمير المؤمنين قد تجنَّت عليه، فهي بدالَّة المعشوقِ تأبى أن تعتذرَ إليه، وهو بعزة الخلافةِ يأبى أن يبتدئَها، فقُلْ شعرًا يسهِّل الأمرَ بينهما، فأخذتُ الدَّواةَ وكتبت: [من الكامل] العاشقانِ كلاهما مُتَعَنِّت … وكلاهما متوجِّد متغضِّبُ صدَّت مُغاضبةً وصدَّ مُغاضبًا … وكلاهما ممَّا يُعَالِجُ مُتْعَب راجع أحبَّتك الذين هجرتَهم … إنَّ المتيَّم قلَّ ما يتجنَّبُ إنَّ التجنُّب إنْ تطاول منكما … دبَّ السُّلوُّ له فعزَّ المَطْلَب (٤) ودفعت الرُّقعة إلى يحيى، فأخذها ودخل على الرشيد، فلمَّا قرأها قال: واللهِ ما رأيت شعرًا أَشبه بما نحن فيه من هذا. ثم أَمَرَ لي بمالٍ عظيم، وبَعَثَت إليَّ ماردةُ بمثله. وقال عبدُ اللهِ بن الربيع: قال هارونُ بيتًا ورام يَشْفَعه بآخَرَ، فامتنع القولُ عليه، فقال: عليَّ بالعبَّاس بنِ الأحنف، فلمَّا طُرق فزع وذُعِر أهلُه، فلمَّا وقف بين يديه قال: وجَّهتُ إليك لبيتٍ قلتُه ورُمت أن أشفعَه بمثله فامتنع القولُ عليّ، فقال: يا أميرَ

стр. 6043

المؤمنين، دعني حتى ترجعَ إليَّ نفسي، فقد طرقني وعيالي حالٌ اللهُ أعلمُ بها، فانتظر هُنيَّةً ثم أَنشد هارون: [من مجزوء الوافر] جنانٌ قد رأيناها … فلم نرَ مثلَها بشرا فقال العبَّاس: يزيدُك وجهُها حُسنًا … إذا ما زدتَه نظرا فقال هارونُ: زدني، فقال: إذا ما الليلُ مال عليـ … ك بالإِظلام واعتكرا ودَجَّ فلم ترى قمرًا … فأَبرِزْها ترى قمرا (١) فقال له هارون: قد ذعرناك وأَفزعنا عبالك، وأقل الواجبِ أن نعطيَك دِيَتَك، فأمر له بعشرة آلافِ درهم. ومن شِعر العبَّاس: [من البسيط] قد سَحَّب الناسُ أذيال الظُّنون بنا … وفرَّق الناسُ فينا قولَهم فِرَقا مكاذب قد رمى بالظنِّ غيرَكمُ … وصادقٌ ليس يدري أنَّه صَدَقا (٢) أخذه من قول العُقيلي: [من الطويل] أَلَا يا سرورَ النَّفسِ ليس بعالمٍ … بك الناسُ حتى يعالموا ليلةَ القدرِ سوى رجمِهم بالظنِّ والظنُّ مخطئٌ … مِرارًا ومنهم مَن يصيب ولا يدري (٣) وقال (٤): [من البسيط] أَفدي (٥) الذين أَذاقوني مودَّتَهم … حتى إذا أَيقظوني في الهوى رَقَدوا

стр. 6044

واستنهضوني فلمَّا قمتُ نحوهمُ (١) … بثِقْلِ ما حمَّلوني منهمُ (٢) قعدوا لأَخرجنَّ من الدنيا وحبُّهمُ … بين الجوانحِ لم يَشْعُرْ به أحدُ وقال (٣): [من المنسرح] إنْ تَشْقَ عيني بهم فقد سَعِدت … عينُ رسولي وفزتُ بالنَّظرِ (٤) وكلَّما جاءني الرسولُ لهم … رددتُ شوقًا في طرفه بصري تظهرُ في وجهه محاسنهم … قد أثَّرت فيه أحسنَ الأَثر خذ مُقْلَتي يا رسولُ عارِيةً … فانظر بها واحتكم على بصري ذِكر وفاتِه: قال عمر بن شَبَّة: مات العباسُ بن الأحنفِ في اليوم الذي مات فيه محمَّد بن الحسن والكسائيُّ سنةَ تسعٍ وثمانين (٥) ومئة، وقيل: سنةَ ثمانٍ وثمانين، وقيل: إنَّ وفاتَه تأخرت بعد وفاة الرشيد. وقال محمَّد بن يزيَدَ الثُّمالي: مات العباسُ وإِبراهيم الموصليُّ في يومٍ واحد، فرُفع خبرُهم إلى الرشيد، فأمر المأمونَ بالصَّلاة عليهم، فوافاهم في موضعِ الجنائز، فقال: مَن قدَّمتم؟ قالوا: إِبراهيم، قال: أَخِّروه وقدِّموا العباس، وصلَّى عليهما. فلمَّا فرغ اعترضه بعضُ الطاهريةِ (٦) فقال: أيها الأميرُ، لمَ قَدَّمت عباسًا؟ فقال: يا فضوليُّ؛ لقوله: [من الكامل]

стр. 6045

أَسماكِ لي قومٌ وقالوا إنَّها … لَهي التي تشقى بها وتكابدُ فجَحَدتُهم ليكونَ غيرَك ظنُّهم … إنِّي ليعجبني المحِبُّ الجاحدَ (١) قلت: والبيتان من أبياتٍ أوَّلُها: قالت مرِضْتُ فعُنتُها فتبَرَّمَت … فهي الصَّحيحة والمريض العائدُ تاللهِ لو أن القلوبَ كقلبها … ما رقَّ للولد الضعيف الوالد كتبت بأن لا تأتِنا فهجرتُها … لتذوقَ طعمَ الهجْرِ ثم أُعاود ماذا عليها أن يُلِمَّ برَبْعها … ذو حلَّةٍ بسَلامةٍ مُتعاهد إنْ كان ذَنْبي في الزِّيارة فاعلمي … أنِّي على كسب الذُّنوب لَجاهد أَسماكِ لي قومٌ وقالوا إنَّها … لَهي التي تَشقى بها وتُكابِدُ فجَحَدتُهم ليكونَ غيرَكِ ظنُّهم … إنِّي لَيُعجبني المُحِبُّ الجاحد إنَّ النساءَ حَسَدنَ وجهكِ حُسنَه … حُسنُ النساءِ لحُسن وجهِك ساجد جال الوِشاحُ على قضيبٍ زانَه … رُمَّان صدرٍ ليس يُقطَفُ ناهِدُ لمَّا رأيتُ الليلَ سدَّ طريقه … عنِّي ولازمني الظلامُ الراكد والنجمُ في كَبِد السماءِ كأنَّه … أعمى تَحَيَّر ما لديهِ قائد ناديتُ مَن طَرَد الرُّقادَ بنَومه … عمَّا أكابِدُ وهو خِلوٌ هاجد يا ذا الذي صَدَع الفؤادَ بصَدِّه … أنت البلاءُ طريفُه والتَّالد ألقيتَ بين جفونِ عيني فُرْقَةً … فإلى متى أنا ساهرٌ يا راقد اردد فؤادي ثم نَم في غِبطةٍ … إنِّي امرؤٌ سهري لنَوْمِكَ حاسد (٢) قلت: وفي هذا نظر؛ لأنَّ وفاةَ العباسِ كانت بالبصرة (٣)، قال الأَصمعي: بينا أنا ذاتَ يومٍ قاعدٌ في مجلسٍ بالبصرة، إذا بغلامٍ من أحسن الناسِ وجهًا، وأنظفِهم ثوبًا، واقفٌ على رأسي، فقال: إنَّ مولاي يريد أن يوصيَ إليك، فقمتُ معه، فأخذ بيدي

стр. 6046

وأَخرجني إلى الصَّحراء، فإذا بالعبَّاس بنِ الأخنَف مُلْقًى على فراشه وهو يجودُ بنفسه ويقول: [من المديد] يا بعيدَ الدارِ (١) عن وَطَنِهْ … مُفرَدًا يبكي على شَجَنهْ كلَّما جدَّ النَّحيبُ بهِ … زات الأَسقام في بَدَنِهْ ثم أُغمي عليه وانتبه بصوت طائرٍ يغرِّد على شجرة، فقال: ولقد زاد الفؤاد جَوًى … طائرٌ يبكي على فَنَنهْ شاقَه ما شاقني فبكى … كلُّنا يبكي على سَكَنهْ ثم أُغمي عليه، فظننتُها مثلَ الأولى، فحرَّكته فإذا هو ميِّت. وقال هاشمُ (٢) بن عبدِ الله الخزاعي: كنَّا بالرقَّة مع هارون، فكتب إليه صاحبُ الخبرِ بموت الكسائيِّ وإبراهيمَ الموصليِّ والعباسِ بن الأحنفِ في يومٍ واحد، فقال لابنه المأمون: اُخرج فصلِّ عليهم. فخرج في وجوه أهلِه وخاصَّته وقوَّاده وقد صفُّوا له، فقالوا للمأمون: مَن ترى أن نقدِّم؟ قال: الذي يقول: يا بعيدَ الدارِ عن وطنهْ … مُفرَدًا يبكي على شَجَنهْ وأَشار إلى العبَّاس، فقدَّموه، فصلَّى عليه. قلت: وهذا خَلَل؛ لاجتماع أَربابِ السِّير على أنَّ الكسائيَّ ومحمَّدَ بن الحسن ماتا بالرَّيِّ في هذه السَّنة، والعباس مات بالبصرة في قولِ الخطيب، ثم كان الكسائيُّ إمامًا وفيه من كلِّ فن، وكان يعلِّم المأمونَ والأمين، فكيف يقدَّم عليه شاعر؟! واللهُ أعلم. عليُّ بن حَمزةَ ابنِ عبد اللهِ بن بَهْمَن بنِ فَيروز، مولى بني أسد، أبو الحسن، المعروفُ بالكِسائي (٣)؛ لأنه أَحرم بكِساء. وقيل: إنَّه دخل مسجدَ السَّبيعِ بالكوفة وهو ملتف بكساء، فسمِّي من

стр. 6047

ذلك اليوم. وكان أحدَ الأئمَّة في القراءة والنحو والعربية، واستوطن بغداد، وكان يعلِّم الرشيد، وبعده الأمينَ والمأمون، وكان إمامًا في كلِّ فنّ. وقال أبو حاتم السِّجستاني: قدم علينا عامل من أهل الكوفةِ لم أرَ في عمَّال السلطانِ بالبصرة أَبَرعَ منه، فدخلتُ مسلِّمًا عليه، فقال: يا سِجِستاني، مَن علماؤكم بالبصرة؟ قلت: الزِّيادي أعلمُنا بعلم الأَصمعي، والمازنيُّ أعلمنا بالنَّحو، وهلالٌ أفقهنا، والشَّاذَكوني أعلمُنا بالحديث، وأنا (١) -رحمك الله- أُنسَب إلى علم القرآن، وابن الكلبي من أكْتَبنا للشروط. فقال لكاتبه: إذا كان غدٌ (٢) فاجمعهم لي، فجمعنا، فقال: أيُّكم المازني؟ قال أبو عثمان: ها أنا ذا يرحمكَ الله، قال: هل يُجزئُ في كفَّارة الظِّهار عتقُ عبدٍ أَعور؟ فقال المازنيّ: لست بصاحب فقهٍ أنا صاحبُ عربية، فقال: يا زياديّ، كيف تكتب بين رجل وامرأةٍ خالعها زوجُها على الثُّلث من صَداقها؟ فقال: ليس هذا من علمي، هذا من علم هلال، فقال: يا هلال، كم أسند ابن عَون عن الحسن؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم الشاذكوني، قال: يا شاذكوني، مَن قرأ: ﴿ألا إنهم تَثْنَوْني صدورهم﴾ (٣)؟ [هود: ٥]. قال: ليس هذا من علمي، هذا من علمِ أبي حاتم، قال: يا أبا حاتم، كيف تكتب كتابًا إلى أميرِ المؤمنين تصف فيه خَصاصةَ أهلِ البصرة وما أَصابهم في الثَّمرة من الجَوائح، وتسأله النَّظِرةَ لهم؟ فقال: لستُ صاحبَ بلاغةٍ وكتابة، أنا صاحبُ قرآن، قال: وما أقبحَ بالرَّجل يتعاطى العلمَ خمسين سنةً لا يعرف إلَّا فنًّا واحدًا، حتى إذا سئل عن غيرِه لم يَجُلْ فيه ولم يَحر، لكنَّ عالمنا الكسائيَّ بالكوفة لو سُئل عن كلِّ هذا لَأَجاب. وقال الفرَّاء: لقيت الكسائيَّ يومًا، فرأيتُه كالباكي، فقلت: ما الذي بك؟ فقال:

стр. 6048

هذا يحيى بنُ خالدٍ يسألني عن الشيء، فإن أبطأت عيَّبَ عليّ، وإنْ بادرتُ لم آمَن الزَّلل، فقلت ممتحنًا له: يا أبا الحسن، مَن يَعترض عليك! قل ما شئتَ فأنت الكسائيّ. فأخذ لسانَه بيده وقال: قطعه اللهُ إذن إن قلتُ ما لا أعلم. ذكر وفاته: مات بالرَّيِّ في قريةٍ يقال لها رَنْبَويه سنةَ تسعٍ وثمانين ومئة، ومات في ذلك اليومِ محمَّد بن الحسن، فقال هارون: دفنتُ الفقة والعربيةَ بالرَّي. وبلغ الكسائيُّ سبعين سنة. وقال أبو مِسْحَل: رأيت الكسائي بعد موتِه في النوم وكأنَّ وجهه البَدر، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: غفر لي بالقرآن، فقلت: فما فعل حمزةُ الزيَّات؟ قال: ذاك في عِليين، وما نراه إلَّا كما يُرى الكوكب الدُّرِّي. قال أبو مسحل: فلم يدع قراءتَه حيًّا وميِّتًا. أَسند الكسائيُّ عن أبي بكر بنِ عيَّاش وسليمانَ بنِ أرقمَ وغيرِهم، وروى عنه القاسمُ بن سلام وغيرُه. محمَّد بن الحسنِ بن فرقَدٍ الشَّيباني صاحبُ أبي حنيفة، ويُكنى أبا عبدِ الله، مولى بني شَيبان (١). والحسنُ من حَرَسْتا قريةٍ بغوطة دمشق، ثم انتقل إلى العراق وسكن واسِطًا، فولد محمَّد بها، وكان أبوه موسِرًا جُنديًّا. قال محمَّد: ترك أبي ثلاثين ألفًا، فأنفقتُ خمسةَ عشرَ ألفًا على النَّحو والشعر، وخمسةَ عشر ألفًا على الفقهِ والحديث. وكان محمَّدٌ إمامًا في جميع العلوم. ولمَّا وُلد حمله أبوه تلك الليلةَ فأَسمعه الحديث، وتفقَّه على أبي حنيفة، وتوفي أبو حنيفةَ وهو ابنُ ثماني عشرةَ سنة. كان أبو حنيفةَ يتكلَّم في مسألة الصبيِّ إذا صلَّى العشاءَ الآخرةَ ثم بلغ قبل طلوعِ الفجر، ومحمَّد قائمٌ في الحلقة وهو صبيّ، فقال أبو حنيفة: يجب الإِعادةُ عليه؛ لبقاءِ الوقت في حقِّه، فمضى محمَّد واغتسل، وعاد فوقف مكانَه، فاستدعاه أبو حنيفةَ

стр. 6049

وقال: اِلزمنا فيوشك أن يكونَ لك شأن، فلَزِمه. وكان لمحمَّد في مسجد الكوفةِ حلقةٌ وهو ابنُ عشرين سنة. وكان حسنَ الصلاةِ كثيرَ الخشوع، يقرأ القرآنَ في ثلاثة أيَّام، مشغولًا بنفسه عن مخالطة الناس، حافظًا لوقته، مستغرقَ الزمانِ في تصانيف الكتبِ وشرحها. وكان الإمام الشافعي ﵀ يُثني على محمَّد بنِ الحسن ويقول: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بالحلال والحرامِ والناسخِ والمنسوخِ من محمَّد، ولولاه ما انفتق لي من العلمِ ما انفتق، وما رأيتُ أعقلَ منه. وكان محمَّدٌ إذا ذُكر عنده الشافعيُّ يقول: مرحبًا بمَن يملأ الأُذن سَمعًا، والقلبَ فَهْمًا، والعينَ رَوْنقًا، وقال الشافعيُّ ﵀: أخذتُ عن محمَّد بن الحسن حِملَ بعيرٍ ذَكَر، وما رأيتُ سمينًا أخفَّ روحًا منه ولا أفصحَ منه. وقال رجلٌ للشافعي: خالفك الفقهاءُ في المسألة الفلانية، فقال: ومَن الفقهاء؟ وهل رأيت فقيهًا قطّ؟ اللهمَّ إلا أن يكون محمَّد بن الحسن، فإنَّه كان يملأ العينَ والقلب. وكان محمَّد يقول لأهله: لا تسألوني حاجةً من حوائج الدُّنيا فتشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنَّه أقلُّ لهمِّي وأفرغُ لقلبي. قال إبراهيمُ الحَرْبي قلت لأحمدَ بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدِّقاق؟ فقال: من كتب محمَّد بن الحسن. وقال هارون لمحمَّد: إنَّ عمرَ بن الخطَّاب صالح بني تَعلِبَ على ألا ينصِّروا أولادَهم، وقد نصَّروا أولادَهم [وحلَّت بذلك دماؤهم، فما ترى؟ قال: قلت: إنَّ عمرَ أمرهم بذلك وقد نصَّروا أولادَهم] (١) بعد عمرَ في أيَّام عثمان، واحتمل لهم ذلك، وهو مذهب ابن عمِّك عليِّ بنِ أبي طالب، وكان من العلم بمكانٍ لا يخفى، ورأيُك أَعلى. فقال: إنَّ الله أمر رسولَه بالمشورة فقال: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ونحن نُجريهم على ما كانوا عليه، ولا نتعرَّض لهم. وكان محمَّد لا يرى صحبةَ السُّلطان وينهى عنها، وكان هارونُ يعترف بفضله ويُثني

стр. 6050

عليه، ويقول: هو أجدرُ بالقضاءِ من غيره، وولَّاه قضاءَ الرقَّة مُكْرَهًا برأي أبي يوسف، فقال لأبي يوسف: إنَّما أشرتَ عليه بذلك حَسَدًا لي، فقال: إنِّي نظرت، فإذا اللهُ قد بثَّ علمَنا في الدنيا إلَّا الجزيرةَ والشامات، فأحببتُ أن تكونَ بها حتى ينشرَ اللهُ بك العلم. ذِكر وفاتِه: خرج مع هارونَ إلى الرَّيِّ في سنة تسعٍ وثمانين ومئة، فتوفِّي هو والكسائى في يومٍ واحدٍ ومحمَّدٌ ابن ثمانٍ وخمسين سنة، فقال هارون: دفنتُ الفقهَ والعربيةَ بالرَّي. وقال هلالٌ الرَّازي: دخلتُ على محمَّدٍ وهو يبكي، فقلت: أَتبكي مع العلم! قال: لا، وإنَّما أبكي على صُحبة هذا الرَّجل، أرأيتَ لو أوقفني اللهُ بين يديه وقال لي: ما الذي أَقدمك إلى الرَّي، الجهادُ في سبيلي وابتغاءُ مرضاتي؟ فما الذي كنتُ أقول له. أَسند عن أبي حنيفَة وغيرِه، وحدَّث عنه الإمام الشافعيُّ وغيرُه. وكان محمَّد إذا قيل له: إنَّ أناسًا يَقَعون فيك، ينشد يقول: [من البسيط] مُحَسَّدون وشرُّ الناسِ منزلةً … مَن عاش في الناسِ يومًا غيرَ محسودِ (١) وقال محمَدُ بن حمُّويه -وكان من الأَبدال- رأيت محمَّد بن الحسنِ بعد موتِه في منامي، فقلتُ له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: غفر لي وقال لي: لم أجعلْك وعاءً للعلم وأنا أريد أن أعذِّبَك، فقلت: فما فعل أبو يوسُف؟ قال: فوقي بدرجات، قلت: فأبو حنيفة؟ قال: فوقي وفوقَ أبي يوسفَ بطبقات. وممَّن اسمُه محمَّد بن الحسنِ: محمَّد بن الحسنِ ابن الحسين أبو عبدِ الله الدِّمشقي. ومن شِعره: [من الطويل] فإنْ عَزم (٢) العُذَّال يومَ لقائنا … وما لهمُ عندي وعندك من ثارِ

стр. 6051

وشنُّوا على أَسماعنا وتكاثروا … وقلَّ جنودي عند ذاك وأَنصاري لقيناهمُ من ناظرَيك ومُهجتي … وأَدْمُعِنا بالسيف والسيل والنار محمَد بن الحسن بن شعبة (١) الحُسَيني (٢) شاعر فصيح، سكن طرابلسَ الشام، ارتجل في صديقٍ له ركب البحرَ إلى الإسكندرية في طرابلسَ فقال: [من الخفيف] شرعوا في دمي بتشريع شُرْعٍ (٣) … تركوني من شَدِّها في وَثاقِ قربوا للنَّوى القواربَ كيما … يقتلوني ببينِهم والفِراق قَلَعوا حين أَقلعوا بفؤادي … ثم لم يَلْبَثوا كقَدْر الفُوَاق (٤) ليتهم حين ودَّعوني وساروا … رَحموا عَبرتي وطولَ اشتياقي هذه وِقفةُ الفراقِ فهل أَحـ … ـيا ليومٍ يكون فيه التَّلاقي محمدُ بن الحسنِ بن الكَفَرْطابي الأديب خلَّف له أبوه عشرةَ آلافِ دينار، فأَنفقها في الأصدقاءِ والصِّلات. وكان من أولاد الشُّهود، وقيل: القُضاة، ومن شعره: [من البسيط] قد عبَّرَتْ عَبرتي عن سرِّ أَجفاني … وحاوَرَتْ حَيرتي من قبل إِعلاني لا تسألوا كيف حالي بعدَ بُعدِكمُ … قد خبَّرَتْكمْ شؤونُ العينِ عن شاني (٥) وتوفِّي بدمشقَ سنةَ ثمان وتسعين وأربعِ مئة. * * *

стр. 6052

السَّنة التّسعون بعد المئة فيها خلع رافعُ بن الليثِ بنِ نصرِ بن سيَّار هارونَ بسَمَرْقَنْدَ وخرج عن الطَّاعة. وسببُه: أنَّ يحيى بنَ الأشعث الطائي كان قد تزوَّج ابنةَ عمٍّ له بسمرقند، ثم قدم بغدادَ فأَقام بها مدَّة، وبلغها أنَّه قد تسرَّى ببغداد، فطلبت الخلاصَ منه، وكان رافعُ بن الليثِ مقيمًا بسمرقند، فطمع في مالها وجمالِها، فدس إليها من قال لها: لا سبيلَ لك إلي الخلاص منه حتى ترتدِّي عن الإِسلام، فتَبِينينَ منه ثم تحلِّين للأَزواج، فارتدَّت ثم أسلمت، فتزوَّجها رافع، وبلغ يحيى بنَ الأشعث، فأَخبر الرشيد، فكتب إلى علي بن عيسى بنِ ماهانَ بأن يفرِّقَ بينهما، وأن يطافَ برافعٍ على حمارٍ مقيدًا في سمرقند؛ ليكونَ نكالًا لغيره، ففعل ذلك عليُّ بن عيسى وحبس رافعًا، فهرب من الحَبْس، وتبعه جماعةٌ ممن صادرهم علي بن عيسى، فسار إليه علي بن عيسى من مَرْو (١)، فالتقيا على سمرقند، فهزمه رافع، فعاد إلى مروَ وأقام يجمع العساكر. وفيها أَسلم الفضلُ بن سَهْل على يد المأمون. وفيها دخل الرشيدُ بلادَ الرُّوم في مئةٍ وخمسة وثلاثين ألفًا من الجند ممَّن يأكل الدِّيوان سوى المطَّوِّعة، وبثَّ العساكرَ في الرُّوم، ونازل هِرَقْلَة، فافتتحها في شوَّال، فهدمها وقتل أهلها، وافتتح شَراحيلُ بن معنِ بن زائدةَ حصنَ الصَّقالِبَة ودَبْسَة (٢)، وافتتح يزيدُ بن مَخْلَد الصَّفصاف، وسَبَوا خلقًا عظيمًا من الروم ومن جزيرة قُبْرُص، فبلغ عددُهم ستَّةَ عشر ألفًا، فقدم بهم الرقَّة (٣)، وتولَّى بيعَهم القاضي أبو البَختري، فبلغ أُسْقُف قبرصَ ألفَي دينار.

стр. 6053

واتَّخذ هارونُ في هذه الغَزاةِ القَلَنسوة، وكتب عليها: حاجٌّ غازٍ، فكان يَلبَسها، وقال أبو المعلَّى (١) الكلابي: [من الوافر] فمَن يَطلبْ لقاءَك أو يُرِدْهُ … فبالحَرمَين أو أَقصى الثُّغورِ ففي أرض العدوِّ على طِمِرٍّ … وفي أرض البَرِيَّة (٢) فوقَ كُورِ ولمَّا عاد الرشيدُ من الرُّوم، بعث إليه نقفورُ بالجزية عن رأسه ورؤس أهله وبَطارِقَتِه وسائرِ أهله وبلدِه خمسين ألفَ دينار، عن رأسه أربعةَ دنانير، وعن ابنه إستبراقَ (٣) دينارين، وعن كلِّ رأسٍ من بطارقته دينارًا (٤). وكانت جارية من أهل هِرَقْلَةَ قد سُبيت، فكتب نقفورُ إلى الرَّشيد: أمَّا بعد: أيُّها الملك، فإن لي إليك حاجة لا تضرُّك في دِينك ودُنياك، هيِّنةً يسيرة، أن تهبَ لي جاريةً من بنات هرقلةَ كنتُ خطبتُها على ابني، فإن رأيتَ أن تُسعِفَني بحاجتي فعلتَ. واستهداه سُرادقًا وطيبا ودِرياقًا (٥). فجهَّز الرشيد الجاريةَ في سُرادق كان نازلا فيه، وأعطاها الحُلِي والحُلَلَ والجواهر والفُرش والطّيب والدّرياق، وبعث إليه هدايا وألطافًا، وشرط عليه ألا يَعْمُرَ هِرَقْلَة، وأن يبعثَ إلى الرشيد في كلِّ سنة ثلاثَ مئة ألفِ دينار. وقال الهيثم: نازل هرَقلةَ فاستصعب أمرُها، فقال في نفسه: الحربُ خَدْعَة، فنادى في الناس: اِقطعوا الصخورَ وابنُوا فهذه دارُ مُقام، فشرعوا في ذلك، فلمَّا رأى أهلُ هرقلةَ ذلك، جعلوا ينزلون من السُّور في الليلِ في الجبال، فلما قلَّ أهلُها، نصب عليها المَجانيق، وجدَّ في القتال، ففتحها عَنوة، ووجد بها جارية فائقةَ الجمال، فاتَّخذها لنفسه، فلمَّا عاد إلى الرَّافِقَةِ، بنى لها حِصْنًا بين الرافقةِ وبالِس (٦)، وسماه هرقلة،

стр. 6054

يحاكي به هرقلة، وقد دَثَر. ولمَّا بعث نقفورُ يطلبها، جهَّزها إليه، فبعث نقفورُ بجزيته وجزيةِ أهلِ بلده، وقال أبو العتاهية: [من الطويل] إِمامَ الهُدى أصبحتَ بالدِّين مَعْنيّا … وأصبحتَ تَسقي كلَّ مُسْتَمْطِرٍ رِيّا إذا ما سَخِطتَ الشيءَ كان مُسخَّطًا … وإِن ترضَ شيئًا كان في الناس مَرضيّا لك اسمانِ شُقّا من رشادٍ ومن هُدى … فأنت الذي تُدعى رشيدًا ومَهدِيّا بَسَطتَ لنا شرقًا وغربًا يدَ العُلا … فأوسعتَ شرقيًّا وأَوسعتَ غربيّا ووشَّيتَ وجهَ الأرضِ بالجود والنَّدى … فأصبح وجهُ الأرضِ بالجود مَوشيّا وأنت أميرُ المؤمنين فتى التُّقى … نَشَرتَ من الإِحسان ما كان مَطويّا قضى اللهُ أنْ صفَّى لهارونَ مُلكَه … وكان قضاءُ اللهِ في الخلق مَقضيّا فأصبحت الدنيا مقرًّا لمُلكه … وأصبح نقفورٌ لهارونَ ذِمِّيّا (١) [وفيها حج بالناس عيسى بنُ موسى الهادي. وفيها توفي] (٢) سَعْدون المَجنون [من عُقَلاء المجانين ببغداد. روى أبو نُعيمٍ الحافظُ بإِسناده عن] الفَتْح بنِ شَخْرَف [قال] (٣): كان سعدون صاحبَ محبَّة لله تعالى، صام ستين سنةً حتى خف (٤) دماغُه، فسمَّاه الناسُ مجنونًا لتردد قولِه في المحبة، فغاب عنَّا زمانًا، فبينا أنا قائم على حلقة ذي النُون المصريِّ، وإذا به عليه جبَّةُ صوف مكتوب عليها: لا تُباع ولا تُشترى، فسمع كلامَ ذي النُّون، فصرخ وقال: [من الطويل] ولا خيرَ في شكوى إلى غيرِ مُشْتَكًى … ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبرُ [وحدَّثنا غيرُ واحدٍ عن محمَّد بنِ أبي منصور بإِسناده إلى يحيى بنِ أيوب قال:]

стр. 6055

خرجتُ يومًا إلى مقابر [باب] (١) خراسانَ، فإذا رجلٌ قد دخل المقابرَ وهو مُقَنَّع، فجعل كلما رأى قبرًا مُنْخَسِفًا وقف عليه، فتأمَّلته، فإذا به سعدون، كلَّما وقف على قبر بكى، وكان يكون في كوخٍ في مقابر عبدِ الله بنِ مالك، فقلت له: يا سعدون، ما تصنع ها هنا؟! فقال: يا يحيي، هل لك أن تجلسَ فتبكيَ على هذه الأبدانِ قبل أن تبلَى فلا يبكي عليها باك. ثم قال: يا يحيى البكاءُ على القدومِ على الله أَولى من البكاءِ عليها، ثم قال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠]. ثم صاح صيحةً عظيمة وقال: واغوثاهُ مما يقابلني في الصُّحف. قال يحيي: فغُشي عليّ، وأَفقتُ وهو جالسٌ يمسح وجهي بكمه ويقول: يا يحيي، مَن أشرفُ منك لو مُتَّ في هذا المقام؟ [وروى ابنُ باكويه الشيرازيُّ عن ذي النون المصريِّ قال:] (٢) خرج الناسُ يَستسقون بالبصرة، فكنت ممَّن خرج، فبينا أنا مع الناس، إذا بيدَين قد قبضتا على رِجلي، فقلت: مَن أنت؟ خلّ عنِّي، فقال: أنا سعدون، أين تريد يا أبا الفَيض؟ قلت: أريد المُصَلَّى أَدعو الله، فقال: بقلب سماوي أو بقلب خاوٍ، قلت: بقلبٍ سماوي، قال: اُنظر ما تقول، لا تُبهْرِجْ؛ فإنَّ النَّاقدَ بَصير. ثم قال: تدعَّوَ وأؤمِّن على دعائك، أو أدعو وتؤمِّن على دعائي؟ قلت: بل تدعو وأؤمِّن على دعائك، فصفَّ قدمَيه ثم قال: إلهي بحقِّ البارحة إلا أَمطرتَنا. قال ذو النُّون: فواللهِ لقد رأيت الغيومَ قد ارتفعت عن اليمين والشّمال حتى التقت، وجاء المطرُ كأفواه العَزَالي (٣)، فقلت له: بحقِّ مَعبودِك، أيُّ شيء كان بينك وبين محبوبِك البارحة؟ قال: لا تدخل بيني وبين قُرَّة عيني، فقلت: لا بدَّ أن تُخبرَني، فأنشأ يقول: [من الوافر] أَنِستُ به فلا أَبغي سواه … مخافةَ أن أَضِلَّ فلا أَراهُ فحسبُك حَسْرةً وضنىً وسُقمًا … بطَرْدِك عن مجالسِ أولياهُ

стр. 6056

[حدَّثنا جدِّي عن عمرَ بنِ ظفرٍ بإِسناده إلى] ذي النُّون [قال] (١): رأيت سعدونَ في المَقبُرة في يومٍ حارّ، وهو يُناجي ربَّه بصوتٍ عالٍ ويقول: أَحَدٌ أَحد، فسلَّمت عليه وقلت: بحقّ مَن تناجيه إلَّا ما وقفتَ لي، فوقف وقال: قل وأَوجز، قلت: أَوصِني بوصيَّة [أَحفظها عنك، أو تدعو لي بدعوة] فقال: [من المنسرح] يا طالبَ العلمِ من هنا وهنا … ومَعدِنُ العلمِ بين جنْبَيكا إنْ كنت تبغي الجِنانَ تسكنُها … فاذْرِفِ الدَّمعَ فوق خدَّيكا وقمْ إذا قام كلُّ مُجْتَهِدٍ … وادعُ لكيما يقولَ لبَّيكا (٢) ثم مضى وقال: يا غياثَ المستغيثين أَغِثني، فقلت له: اُرفقْ بنفسك، فلعلَّه يَلْحَظُك لَحْظةً فيغفر لك، فنفض يدَه من يدي وقال: أَنِست به فلا أَبغي سواه [وذكر البيتين وقال: أواه. وروى الخطيبُ عن] الأصمعيِّ [قال] (٣): مررتُ بسعدون، وإذا هو جالسٌ عند رأس شيخٍ سكرانَ يَذُبُّ عنه، فقلت: ما لي أراك جالسًا عند رأسِ هذا؟! فقال: إنَّه مجنون، فقلت: أنت أو هو؟ قال: بل هو، قلت: ولم؟ قال: لأنّي صلَّيت الظهرَ والعصرَ جماعة، وهذا ما صلَّى جماعةً ولا فُرادى، قلت: فهل قلتَ في هذا شيئًا؟ قال: نعم، ثم قال: [من المتقارب] تركتُ النبيذَ لأهل النَّبيذ … وأصبحتُ أشرب ماءً قَراحا فإنَّ النبيذَ يُذلُّ العَزيزَ … ويكسو الوجوه النّضار الصباحا (٤) فإنْ كان ذا جائزًا للشَّباب … فما العُذرُ فيه إذا الشَّيب لاحا فقلت: صدقت.

стр. 6057

[وروى الخطيبُ عن] صالح المُرِّي [قال]: قرأتُ بين يدي سعدون: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨] فصفَّق وقال: مِلاحٌ والله، ثم قال: [من مجزوء الخفيف] إنَّ في الخُلْد جاريه … هي حُسْنٌ كما هيه لو تراها على النَّما … رِقِ بالغُنْج ماشيه لتمنَّيت أَنها … لك ما عشتَ باقيه كَتَبَتْ في شقائق الـ … ـخدِّ سطرًا بغاليه أنا للزَّاهد الذي … عينُه الدهرَ باكيه (١) [وذكر جدي في "المنتظم" أنه مات في هذه السنة، ولم أقف على تاريخ وفاته في غير "المنتظم". وفيها توفِّي] يحيى بنُ خالد بنِ بَرمَك أبو جعفر، وقيل: أبو الفضل، وقيل: أبو عليّ (٢) [وقد ذكرنا ترجمةَ أبيه خالدٍ وجدِّه برمك وبدايةَ يحيى. وذكره الخطيبُ فقال:] كان المهدي قد ضمَّ إليه هارونَ وجعله في حِجْره، ومات المهديُّ ولقي من الهادي ما ذكرنا، فلمَّا استخلف هارون، فوَّض إليه الأمور، وكان يسمِّيه أبي، ثم نكبه، وقتل ابنَه جعفرًا، وحبس يحيى وأهلَه حتى مات في حبسه. [ذكر طرفٍ من أخباره: قال علماءُ السِّيَر:] كان [يحيى] من عقلاءِ الرِّجال، الموصوفين بالجُود والنَّوال، والإِحسان والإِفضال، معدودًا في الأَجواد المُمَدَّحين، والوزراءِ المُحْسنين، حسنَ التأتِّي، ميمونَ النَّقيبة، فصيحَ الكلام، حليمًا متجاوزًا سيّدًا، عديمَ النظيرِ في الدنيا. [وحكى الصوليُّ أنه] لم يُطلِق أحدٌ وهو راكبٌ على دابته ألفَي ألفِ في رهمٍ سوه [أركب يومًا إلى دار الخليفة إلى منزله وقد اجتمع ببابه أربابُ الرواتبِ والقُصَّاد،

стр. 6058

فقاموا إليه، فقال. مَن هؤلاء؟ فقا لوا: أربابُ الرواتب، تأخَّرت الرواتب، قال: ومَن أخَّرها؟ قيل: البوَّاب، فاسترجع، قال: تُطلَق] وتسمَّى إطلاقَ الهُويّ؛ لأنَّه أَطلقها وهو يَهوي من دابَّته للنزول [فكانت ألفَي ألفِ درهم] (١). [وحكى الصوليُّ أيضًا قال: مدح شاعرٌ يحيى بنَ خالد] فقال (٢): [من الطويل] سألتُ النَّدى هل أنت حرٌّ فقال لا … ولكنني عبدٌ ليحيى بنِ خالدِ فقلت شراءً قال لا بل وراثةً … توارثني من والدٍ بعدَ والد (٣) فأعطاه مئةَ ألفِ درهم، وكان كلَّما مرت بخاطره أعطاه مئةَ ألفٍ حتى نُكب. [وحكى الخطيبُ (٤) عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ قال: كانت صلةُ يحيى بنِ خالد] إذا ركب (٥) لمن يتعرَّض له مئتي درهم، فركب ذاتَ يوم، فتعرض له [أديب] شاعرٌ فقال: يا سَمِيَّ الحَصورِ يحيى أُتيحت … لك من فضل ربِّنا جنَّتانِ كلُّ من مرَّ في الطريق عليكمْ … فله من نوالكمْ مئتان مئتا درهمٍ لمثلي قليلٌ … هي منكمْ للقابس العَجْلان فقال له يحيى: صدقت، وأَمر بحمله إلى داره، فلمَّا رجع من دار الخليفةِ سأله عن حاله، فقال: تزوَّجتُ امرأة، وقد خيِّرت بين أن أؤدِّيَ مهرَها وهو أربعةُ آلافِ درهم، وإما أن أطلِّق، وإمَّا أن أقيمَ بالمرأة حتى يتهيَّأ نقلُها إلى منزل، وليس لي منزل. فأَمر له يحيى بأربعة آلافٍ للمهر، وأربعة آلافٍ لشراء منزل، وأربعةِ آلافٍ لما يحتاج إليه المنزل، وأربعةِ آلافٍ للدُّخول بها، وأربعةِ آلافٍ يستظهر بها، فانصرف وقد أعطاه عشرين ألفًا. وقال إِسحاقُ الموصليّ: أضقتُ إضاقةً شديدة، فأتيتُ يحيى بنَ خالد، فذكرتُ له ذلك، فقال: ما حضر عندي في هذا الوقتِ شيء، ولكن قد جاءني خليفةُ صاحبِ

стр. 6059

مصرَ يسألني أن أستهديَ صاحبَه شيئًا، وأَبيتُ عليه، وقد لحّ، وقد جاءك يطلب منك جاريتَك، فلا تَنقصها من ثلاثين ألفَ دينار، فإنِّي سأستهديه إيَّاها. قال: فخرجتُ من عنده، فما شعرت إلَّا بالرَّجل قد جاءني وساومني الجارية، فقلت: لا أَنقصها عن ثلاثين ألفَ دينار، فاشتراها بعشرين ألفَ دينار، وكانت تساوي ألفَ دينار. ثم حملها إلى يحيى، فاستدعاني وقال: كم دفع لك في الجارية؟ قلت: بعتُها بعشرين ألفَ دينار، فقال: إنَّك لَخسيس، خذ جاريتَك، فهذا خليفةُ صاحبِ فارسَ قد جاء [في] مثل هذا، فلا تنقصْها من خمسين ألفَ دينار. فأخذتُها وخرجت، وإذا خليفةُ صاحبِ فارسَ قد جاء فساومني إيَّاها، فبعتها منه بثلاثين ألفَ دينار، ثم أتيتُ يحيى فأخبرته، وقال: ويحك، ألم تؤدِّبك الأولى عن الثانية! خذ جاريتَك، فقلت: جارية أَفادتني خمسين ألفَ دينارٍ ثم أملكها! لا والله، أُشهدك أنها حرَّة وقد تزوَّجتُها. ولما تنكَّر الرشيدُ للبرامكة، بعث صالحًا صاحبَ الموصلِ (١) إلى منصور بنِ زيادٍ يقول له: قد وجب عليك عشرةُ آلافِ ألفِ درهم، فاحملها إليَّ اليوم، فإنْ فعل إلى قبلَ غروبِ الشَّمس وإلَّا فأتِني برأسه من غيرِ مراجعة. قال صالح: فخرجتُ إلى منصورٍ فعرَّفته، فقال: ذَهَبتْ واللهِ نفسي، واللهِ ما أَملك ثلاثَ مئةِ ألفِ درهم فضلًا عن عشرة آلافِ ألف درهم. ثم قال: يا صالح، اِحملني إلى أهلي حتى أُوصي، فلمَّا دخل على الحَرَم، أَوصى، وارتفع صُراخ الحرمِ والجوار. ثم قال منصورٌ لصالح: امضِ بنا إلى يحيى بن خالدٍ لعل اللهَ أن يأتي بالفَرَج على يده، فدخلا على يحيى، فبكى منصور، فقال: ما لَك؟! فقصَّ عليه القصَّة، فأطرق مفكِّرًا، ثم دعا جاريتَه فقال: كم عندكِ من المال؟ فقالت: خمسةُ آلافِ ألفِ درهم، فقال: أعديها (٢)، ثم بعث إلى ابنه الفضلِ قال: يا بُنيّ، كنتَ أَخبرتني أنَّك تريد أن تشتريَ ضيعةً بألفَي ألفِ درهم، وقد وجدتُ لك ضيعةً تُغِلّ الشُّكر، وتبقى على ممرِّ الدهر، فابعث إليَّ بالمال، فبعث به إليه، وبعث إلى جعفرٍ فقال: يا بنيّ، ابعث لي

стр. 6060

بألفِ ألفِ درهمٍ (١) لحقٍّ قد لزمني، فبعث به إليه، ثم فكَّر ساعة، ثم قال لخادمٍ على رأسه: اُدخل إلى دنانيرَ فقل لها: هاتِ العِقدَ الذي وهبه لك أميرُ المؤمنين، فجاءَ به فقال: هذا عقدٌ ابتعتُه لأمير المؤمنين بمئة ألفِ دينارٍ وعشرين ألفِ دينار، فوهبه لدنانير، وقد قومناه عليك بألفَي ألفِ درهمٍ ليتم المال، فخلِّ عن صاحبنا. قال صالح: فأخذتُ المال ورددتُ منصورًا معي، فلما صرنا إلى الباب تمثَّل منصور وقال: [من الوافر] فما بُقْيا عليَّ تركتماني … ولكن خِفْتُما صَرَدَ النِّبالِ قال صالح: فقلتُ في نفسي: ما أحدٌ أكرمَ من يحيى، ولا أحدٌ أردأَ من هذا النَّبَطي؛ إذ لم يشكرْ مَن أَحيا نفسَه، وصرتُ إلى الرشيد، فعرفته ما جرى إلَّا إِنشادَ البيت؛ خوفًا على منصورٍ أن يقتلَه، فقال الرشيد: قد علمتُ أنَّه لا يَسلم إلا بأهل هذا البيت، فاقبض المال وردَّ العِقد، فما كنت لأهبَ هبةً ثم أرتجعها. قال صالح: وحملني غيظي من منصورٍ أنَّني عرَّفت يحيى ما أَنشد، فأَقبل يحيى يتحمَّل له العُذرَ ويقول: إنَّ الخائفَ لا يبقَى له لُب، وربَّما نطق بما لا يعتقد. فقلت: واللهِ ما أدري من أيِّ فعلَيك أَعجب، من فعلك معه أو من اعتذارِك عنه؟ لكني أعلم أنَّ الزمانَ لا يأتي بمثلك أبدًا. وقال بعضُ عمومةِ الرشيدِ ليحيى قبل نكبتِه: إنَّ هارونَ قد أحبَّ جمعَ المالِ لولده، وقد كثروا عليك وعلى أولادك وأصحابِك عنده، فلو نظرتَ إلى ضِياع أصحابِك وأموالهِم فتقرَّبت بها إلى ولده أَمِنت غائلَتَه، فقال: هيهاتَ هيهات، والله لَأَن تزولَ نعمتي عني أحبُّ إليَّ من أن أُزيلَها عن قومٍ كنتُ سببًا في إِيصالها إليهم، وكلُّ كائنٍ مَقضيّ. وفيه يقول أبو قابوس الحِميَري: [من البسيط] رأيتُ يحيى أتمَّ اللهُ نعمتَه … عليه يأتي الذي لم يأتِه أَحدُ يَنسى الذي كان مِن معروفهِ أبدًا … إلى الرّجال ولا ينسى الذي يَعِدُ (٢)
следующие страницы →