← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فرعون، ثم اخبزوا فطيرًا، فإنه أسوغ لكم، ثم أَسْرِ بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فقف هناك، حتى يأتيك أمري، ففعل. فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، أخذوا أموالنا، وقتلوا أبكارنا، ثم أرسل ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] فلما اجتمع الناس والسحرة، قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] والشرذمة بقية القليل. قال ابن مسعود: وكانت هذه الشرذمة ست مئة ألف وسبعين ألفًا (١). وقال الجوهري: الشرذمة الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء (٢). ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] أي: أعداء، لمخالفتهم ديننا، وقتلهم أبكارنا، وأخذهم أموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦] قال الفراء: يعني عظامًا من كثرة الأسلحة، ومنه قيل للعين العظيمة: حَدْرَة (٣). ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] ﴿وَكُنُوزٍ﴾ قال مجاهد: سماها كنوزًا لأنها لم تنفق في سبيل الله وطاعته ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] أي مجلس حسن ﴿كَذَلِكَ﴾ كما وصفنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] أي: لحقوهم وقت إشراق الشمس. وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: خرج موسى في ست مئة ألف، وعشرين ألفًا، لا يَعُدُّون ابن العشرين لصغره، ولا ابن السبعين لكبره. وأمر الله موسى أن يأمر قومه أن يوقدوا المصابيح في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم، وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط (٤)، كل واحد منهم إلى أبيه. ودعا موسى عليهم حين خرج، فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] فصارت دراهمهم ودنانيرهم وحبوبهم حجارة، حتى العدس والقمح والحمص والجوز وغير ذلك. ثم ألقى على القبط الموت، فاشتغلوا بدفن موتاهم عن

стр. 632

طلب بني إسرائيل. وأُخبر فرعون بخروجهم آخر الليل فقال: لا يتبعهم أحد حتى يصيح الديك، فما صاح تلك الليلة ديك. ثم ضرب الله على بني إسرائيل الطريقَ في الليل، فلم يدروا كيف يذهبون، فقال موسى: ما منعنا إلا تابوت يوسف ﵇ لندفنه في البيت المقدس عند آبائه الأنبياء، وما أُتينا إلا من قبله. حدثنا أبو اليمن زيد بن الحسن بإسناده عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: مرَّ رسول الله ﷺ بأعرابي فأكرمه، فقال له: "تَعَاهَدْنَا" قال: فأتاه، فقال: "اسأل حاجتك" فقال: ناقة برحلها، وأجير يحلبها، فقال له رسول الله ﷺ : "أَعَجَزتَ أنْ تَكُونَ مِثلَ عَجُوزِ بني إسرائيلَ؟ " فقال له أصحابه: يا رسول الله، وما عجوزُ بني إسرائيل؟ فقال: "إنَّ مُوسى لما أرادَ السَّيْر ببني إسرائيلَ ضلَّ عن الطَّريقِ، فقال لعُلَماء بني إسرائيلَ: ما هذا؟ قالوا: نحنُ نُخبرُك: إنَّ يوسُفَ ﵇ لما حضَرهُ الموتُ أخَذَ مَواثيقَ بني إسرائيلَ أنْ لا يخرجُوا من مِصر حتى يُخرِجُوا عِظامَه معَهُم، فقالَ موسى: أيُّكُم يَدْرِي أينَ قبرُه؟ قالوا: ما يَعلَمُ ذلكَ إلا عجوزٌ من بني إسرائيلَ، فأرسَلَ إليها فجَاءَت، فسَألَها فقالت: واللهِ لا أخبِرُك حتى تُعطِيني حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُك؟ قالت: تأخذُني مَعَك وأكُون رفيقَتَك في الجنَّة، قال: نعم. وفي رواية: "فقَامَ مُوسى مِن بين بني إسرائيلَ يقولُ: أنشُدُ الله مَن عَرفَ موضعَ قَبرِ يُوسُف، فلَم يسمع صوتَه أحدٌ إلا العجوز، وقالَت له: أريدُ مِنك أنْ تَحمِلَني مَعك، فحمَلَها، قالَت: وفي الآخرةِ لا تدخلْ غرفةً من غرف الجنة إلا وأنا مَعك، فقال: نعم. وسَأَل اللهَ موسى تأخيرَ طلوعِ الفَجرِ لهذا السبب، فأتَتْ إلى مُسْتَنْقَع ماءٍ، فقالَت: انضُبوا هذا الماء فنَضَبُوه، فقالت: احفرُوا ها هنا، فحفرُوا فبدَا تابوتٌ مِن مَرْمَرٍ مدْفُون بأرضِ النِّيل، كانوا يتبرَّكون به. فلما أقلُّوه بانَ لهم الطريقُ مثل ضوءِ النَّهار (١). وقال ابن الكلبي: كانت هذه العجوز من ولد إسحاق، وقيل: من ولد يعقوب، عاشت أربع مئة سنة، وبها يضرب المثل فيقال: أكبر من عجوز بني إسرائيل، وسنذكرها في الأمثال.

стр. 633

وقال قتادة: كان يوسف مدفونًا عند مدينة مَنْف، وهناك مسجده، قال: ولما حمله موسى معه، دفنه خارجًا من المغارة التي فيها إبراهيم، وإنما لم يدفن معهم في المغارة لأنه تدنَّس بالدنيا وآباؤه لم يتدنسوا منها بشيء. وقال عكرمة: كان هارون في المقدمة وموسى في الساقة. وخرج فرعون في طلبهم في ألف ألف من القبط، وسبع مئة ألف حصان، منها مئة ألف حصان دهم، وهامان على مقدمته في ست مئة ألف، ولم يكن في خيل فرعون أنثى. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي تقابلا بحيث يرى كلُّ فريق منهما صاحبه ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] هذا البحر بين أيدينا والعدوّ مِنْ خلفنا، فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وكان يوشع بن نون بين يديه، وقيل: مؤمن من آل فرعون، فقال له: يا نبي الله أين أُمِرْتَ أن تنزل؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. فوصل موسى إلى بحر القُلْزُم ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] وأوحى الله إلى البحر أن أطع موسى، فضربه فتوقف، فقال الله: كَنِّهِ، فقال: انفلقْ أبا خالد، فاضطرب البحر وانفلق وقام الماء كأمثال الجبال، وصار في البحر اثنا عشر طريقًا على عدد الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطًا، كل سبط اثنا عشر ألفًا، وكلهم من ولد يعقوب. وقال ابن عباس: صار بين كلِّ طريقين كالطود العظيم من الماء، فكانوا يمرُّون فيه فلا يدري هذا السبط ما حال السبطِ الآخر، فاستوحشوا وخافوا أن يكون قد غرق بنو أعمامهم، فأرسل الله على أرض البحرِ الشمسَ والريح فصارت يبسًا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ ليس فيه ماء ولا طين ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] من البحر، وكان الماء في غاية الزيادة، وصار الماء مثل الشبابيك، فكان بعضهم يرى بعضًا ويأنس بحديث بعض. وسئل ابن عباس عن مكان لم تطلع عليه الشمس إلا مرة واحدة، فقال: المكان الذي انفلق لبني إسرائيل (١).

стр. 634

وقال مقاتل: ولما رأى فرعون أن البحر قد انفلق قال لقومه: خاف البحر فانفلق لأُدرِكَ عبيدي وأعدائي. ولما وصل فرعون وجنده إلى الساحل وجدوا موسى وقومه قد عبروا، فقال للقبط: قد سحر موسى البحر، فقالوا له: إن كنت إلهًا فاعبر خلفه، وكان على حصان أدهم، فهاب الحصانُ أن ينزل، فبعث الله تعالى جبريل على ماذيانة وَدِيق، يعني رَمَكَة (١)، فجاءت بين يدي الحصان، فشمها فتقدَّم، فدخل جبريل البحر وفرعون والقوم خلفه، وميكائيل خلفهم يحثهم ويقول: الحقوا أصحابكم، فلما تكامل أولهم وآخرهم، وهمَّ أولهم بالصعود، أمر الله البحر فانطبق عليهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: قرَّبناهم إلى الهلاك وقدَّمناهم إلى البحر ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ [الشعراء: ٦٥، ٦٦] يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أي: عظة ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧] قال مقاتل: لم يؤمن منهم غير حزقيل وآسيَة والعجوز التي دلَّت على تابوت يوسف ﵇ (٢). ولما انطبق البحر عليهم نادى فرعون ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٥]. حدثنا عبد الرحمن بن أبي حامد الحربي بإسناده عن عكرمة عن أبن عباس قال: قال جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا أدسُّ في فيه حمأة البحر مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتدركه الرحمة. أخرجه أحمد فقال: حدثنا سليمان بن حرب بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قالَ فِرَعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال جبريل: لو رَأيتَني وقد أَخَذتُ مِن حَالِ البَحرِ فدسَستُهُ في فِيه مَخَافةَ أنْ تَنَالَه الرَّحْمَة" (٣). وقال مقاتل: فقال له جبريل: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١]. وقال مقاتل: قال جبريل: ما أبغضت أحدًا مثل ما أبغضت فرعون وإبليس، ذاك

стр. 635

قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وإبليس قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] قال: ولما خرج بنو إسرائيل وأغرق الله فرعون، قال أناس: إن فرعون لم يغرق، فقذفه البحر على نجوة منه، وهي المكان المرتفع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] فلما ارتفع على النجوة قالوا: لم يكن إلهًا، ولو لم يرتفع لقالوا: إنه إله. قال الحسن: فمن هناك أن الغريق يقف على رأس الماء. وذكر مقاتل في "المبتدأ" له وقال: كان جبريل قد وقف لفرعون بمصر في زيّ فقير ومعه رقعة، فاستغاث إليه فقال: ما الذي بك؟ فقال: اشتريت عبدًا وخوَّلته، وكان صغيرًا فربيته وأحسنتُ تربيته، وحكَّمتُهُ في رزقي ومالي، وهو الآن يأنف أن يعترف لي بالعبودية، وقد عصاني وتمرَّد عليَّ وجحد نعمتي، فقال فرعون: ولا يستحيي منك! فقال: لا، هو خبيث، فما حكمك فيه أيها الملك؟ فقال: تأخذ بيديه ورجليه وتلقيه في بحر القلْزُم، فقال: اكتبْ لي خطَّك بهذا، فكتب له على رأس الورقة، فلما كان يوم البحر جاءه جبريل في صورة ذاك الفقير ومعه القصة فقال له: خذ هذه القصة، فظنه بعضَ أصحابه، فقال: ليس هذا وقتَهُ، فقال له جبريل: بلى يا خبيث، أنسيتَ يوم كذا وكذا؟ ففهم المقصود. قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿منه فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٠] الآية، وانقضت أيام فرعون. وقال قتادة: ملك مصر من أول العالم إلى ولادة المسيح اثنان وثلاثون فرعونًا، وكلُّ مَن ملكها يسمى فرعون، كما أن قيصر ملك الروم، وكسرى ملك الفرس. وقد ملكها جماعة من الروم واليونان والعمالقة وغيرهم، وسنذكرهم. (١) فصل في تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر قد ذكرنا أن يعقوب دخل إلى مصر وولده، وهم اثنان وسبعون إنسانًا ما بين ذكر وأنثى، وخرجوا منها مع موسى وهم ست مئة ألف مقاتل سوى الهَرْمَى والزمنى، فكان المجموع من الذرية ألف ألف ومئتي ألف.

стр. 636

وقال الكلبي: لما أهلك الله فرعون عاد موسى إلى مصر فأقام بها يسيرًا ثم أوحى الله إليه: ارجعْ إلى مقرِّ الأنبياء وهو الشام، فإن مصر ليست بأرض الأنبياء، اذهب إلى أرض فلسطين فإنها ميراثكم من آبائكم وهي دار مُلْككم فهاجرَ إلى الشام. وقال وهب: من هبوط آدم من الجنة إلى خروج بني إسرائيل من مصر ثلاثة آلاف سنة وثمان مئة وأربعون سنة. ومن مولد الخليل إلى خروج بني إسرائيل من مصر ألف وخمس مئة وخمسون سنةً. ومن وفاة يوسف إلى خروج بني إسرائيل من مصر أربع مئة سنة، وقيل: خمس مئة سنة. فصل فيما جرى من الحوادث بعد خروج موسى ببني إسرائيل من مصر وقطعهم البحر قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠ والأعراف: ١٣٨] الآية. روى عكرمة والكلبي عن ابن عباس قال: قطع بهم موسى البحر يوم عاشوراء فلهذا عظَّموه وصاموه، وكان ذلك يوم الجمعة ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ وهي التماثيل. واختلفوا في القوم الذين كانوا يعبدون الأصنام وهي التماثيل على أقوال: أحدها: أنهم كانوا من لَخْمٍ وجذام من العرب، قاله قتادة. والثاني: من الكنعانيين، قاله مقاتل. والثالث: من العمالقة، قاله الحسن. فأمر موسى بقتلهم، فقال له قومه: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فغضب موسى وقال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي: نعمة الله عليكم، وقد شاهدتم سلطانه في نجاتكم وإهلاك عدوّكم ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: مُهلَكٌ ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي: زائل مضمحل. حدثنا عبد الله بن أحمد المقدسي ﵀ قال: حدثنا أبو السعادات نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد القزاز بإسناده عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع النبي ﷺ قِبَل حنين، فمرَرنا بسدرةٍ خضراءَ عظيمةٍ يقال لها: ذات أنواط، كان الكفار يعبدونها ويعكفون عليها، فقلنا: يا رسول الله، اجعلْ لنا هذه،

стр. 637

فقال رسول الله ﷺ : "اللهُ أكبَرُ هَذا كَما قالَت بنو إسرائيلَ: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والذي نَفْسِي بيَدِه لتَرْكبُنَّ سَنَنَ من كانَ قَبْلَكُم" (١). وقد ذكرها الجوهري فقال: ذات أنواط بالنون اسم شجرة بعينها، قال: وفي الحديث أنه أبصر شجرة دَفْواءَ تسمى ذات أنواط. وكررها في المعتل أيضًا فقال: الدفواء بالمدِّ شجرة عظيمة، قال: وفي الحديث أنه أبصر شجرةً دفواء تسمى ذات أنواط، لأنه كان يناط السلاح بها وتعبد من دون الله (٢). وقال الزهري: جاء بعض علماء اليهود إلى أمير المؤمنين عليّ ﵇ فناظره في مسائل منها أنه قال له: أنتم ما دفنتم نبيَّكم حتى اختلفتم فيه، فقال له عليّ: ويحك نحن ما اختلفنا فيه وإنما اختلفنا عنه، ولكن أنتم ما جَفَّتْ أرجلكم من ماء البحر حتى قلتم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ فأُفْحِمَ (٣). ومنها حديث الحَجَر وقال مقاتل: لما خرجوا من البحر وقعوا في مفازة ليس فيها ماء فأوحى الله إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ الأعراف: ١٦٠] وكان حجرًا خفيفًا يُقلّه إنسان. واختلفوا في صفته على أقوال: أحدها: أنه كان مقدارَ ذراع في ذراع. والثاني: شبر في شبر. والثالث: أنه كان كبيرًا إذا ضربه انفجرت منه اثنتا عشرة عينًا. وقال ابن عباس: وهو الذي أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] الآية. فإن قيل: فقد قال الله تعالى في هذه الآية: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ وقال في أخرى: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ فما الفرق؟ قلنا: الانبجاس يكونُ أولًا ثم الانفجار بعده.

стр. 638

فقال قوم: إنه كان يضربُ أيَّ حجر كان، والأصح أنه كان حجرًا بعينه لأنه عرَّفه بالألف واللام، وقد نصَّ عليه ابن عباس وابن مسعود، أما ابن عباس فإنه قال: كان حجرًا خفيفًا من الرخام، وقال ابن مسعود: كان من الكذَّان يضعه في مخلاته، وكان فيه اثنتا عشرة حفرة، وكان يسقي كل يوم ست مئة ألف إنسان وزيادة. و ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠، والأعراف: ١٦٠] أي: فلا يقتتلون ولا يتعدَّى أحدٌ على أحد. وقال بعضهم: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه ففرَّ وقال: آدر، وسنذكره. ومنها إنزال التوراة قال ابن عباس: طلبوا من موسى كتابًا يَضبط نادَّهم ويردُّ شاردهم، ويبيِّن لهم فيه الحلال والحرام، فسأل الله تعالى، فأمره أن يصوم ثلاثين يومًا ثم يتمُّها أربعين. واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنها ذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وقيل: ذو الحجة وعشر من المحرم، وهو الأصح، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وكان التكليم يوم عاشوراء، فقال لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢] أي: كن خليفتي، وأصلح، أصلحهم على طاعة الله وعبادته ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] أي: العاصين. ثم توجَّه نحو الميقات وقد صام ثلاثين يومًا، فوجد لفمه خلوفًا فأنكره وقال: كيف أناجي ربي وأنا كذا، فأخذ عود خرنوبٍ فتسوَّك به، وقيل: من لحاء الشجرة، فعاتبه الله تعالى وقال: أما علمت أن خُلوفَ فم الصائم عندي أطيبُ من ريح المسك؟ فقال: إلهي، ما قصدتُ إلا مناجاتك بفم لا رائحة له وما علمت. قال ابن عباس: قالت له الملائكة كنا نشمُّ منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك (١). وقال جدِّي ﵀: قيل لموسى (٢): أيها الصائم عن أمرنا لِمَ أفطرتَ برأيك؟ فقال: وجدتُ لفمي خلوفًا وما قصدت بفعلي خلافًا، قيل له: أما علمتَ أن خلوفَ فم

стр. 639

الصائم عندنا أطيبُ من فأرة المسك. وقال وهب: ولما تسوَّك ذهب بعضُ الخلوف، فأمره الله أن يصوم عشرةَ أيام، ولو ذهب الكلُّ لأمره بصيام ثلاثين يومًا. والميقات: الميعاد. وقال مقاتل: ولما أتى الميقات تطهر ولبس ثيابه، فأوحى الله إليه: يا ابن عمران، اغسلْ قلبك من حبِّ الدنيا، ولسانك من ذكرها. وقف على طورِ سَيْناءَ أربعين يومًا بلياليها فإني أريد أن أناجيك بغير تَرجُمان، ونادى منادٍ من بطنان العرش- أي من وسطه-: يا جبالَ الدنيا، إن الله يريد أن يكلِّم عليكِ عبده موسى بن عمران، فتطاولت الجبال كلها إلا طور سيناء فإنه تواضع واحتقر نفسه، فكلَّم موسى عليه. وقال مجاهد: أول ما قال الله تعالى له: يا موسى، أتدري لِمَ اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟ قال: لا ياربِّ، قال: لأنك لما كنتَ ترعى الغنم لشعيب ندَّت سخلةٌ عن أمها فوقفتَ لها وأخذتها ومسحتَ برأسها وقلت: الحقي بأُمِّك. وقال ابن عباس: قرَّبه الله وأدناه حتى سمعَ صرير الأقلام في اللوح المحفوظ، وأنزل عليه التوراة في عشرة ألواح من الزَّبرجَد، فيها ألف سورة، في كل سورة ألف آية، فيها أمر ونهي ووعد ووعيد وحلال وحرام. وفي الحديث: "أنَّ الله كَتَبَ التَّوراةَ بِيَدِه" (١) وهي خمسة أسفار. قال: وأنزل عليه بعد ذلك مئة صحيفة. قال: وكلَّمه خمس مئة ألف كلمة، كذا روي عن ابن عباس. وقال مجاهد: ألف كلمة. وقال وهب: وكان في جملة كلامه له: يا موسى، إذا رأيت الفقير مقبلًا فقلْ: مرحبًا بشعارِ الصالحين، وإذا رأيت الدنيا قد أقبلت فقلْ: ذنبٌ عُجِّلَتْ عقوبته. يا موسى، لن يتقرَّب إليَّ المتقرِّبون من أعمال البرّ بمثل الرضى بقضائي، ولن تأتي بعمل أحبطَ لحسناتك من النظر إلى المحارم، وإياك أن تجود بدينك لدنياهم، أُغْلِقْ دونك أبواب رحمتي، يا موسى ادنُ من الفقراء وقرِّبْ مجالسهم منك، وإيَّاك والدنيا فإنك لن تلقاني بكبيرة أضرَّ عليك من حبِّ الدنيا والركون إليها. يا موسى، قلْ للمذنبين النادمين: أبشروا، وقلْ للمعجبين المتكبرين: اخسؤوا (٢).

стр. 640

وقال وهب: ولما رجع موسى من التكليم غشَّى وجهه نور عظيم فتبرقع، ولو لم يتبرقع لمات من نظر إليه، ومنذ كلَّمه الله تعالى لم يأتِ النساءَ (١). فإن (٢) قيل: فنور النظر أعظم من نور الكلام وقد رأى نبيُّنا ﷺ ربَّه ليلةَ المعراج، ولما عاد لم يتبرقع، قلنا: موسى كان محبًّا والمحبُّ مشهور، ونبيُّنا ﷺ كان محبوبًا والمحبوب مستور، ولأن نبيَّنا ﷺ كان رحمة للعالمين، والرحمةُ لا تكونُ مستورةً بل عامة للخلائق أجمعين. ومنها تذكارهم بالنعم المذكورة وفي قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] أراد نعمي قال ابن عباس: مِن فَلْقِ البحر، وإنجائهم من فرعون، وإهلاك عدوِّهم، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وظلَّل عليهم الغمام في التيه يقيهم حرَّ الشمس، وجعل عليهم عمودًا يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى. وقال مقاتل: شكوا إلى موسى حرَّ الشمس فأنزل الله عليهم غمامًا أبيضَ رقيقًا وليس بغمام المطر بل أرق وأبرد منه، فقالوا: هذا الظلُّ قد حصل، فأين الطعام؟ فأنزل الله المنَّ والسلوى (٣). واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنه شيء كالصَّمغ يقع على الأشجار وطعمه كالشهد، قاله مجاهد. والثاني: أنه الطَّرَنْجَبين، قاله الضحاك. والثالث: أنه الخبز الرقاق، قاله وهب. والرابع: أنه عسل كان يقع على الشجر من الليل، قاله السدي. والخامس: شيء مثل الرُّبّ الغليظ، قاله عكرمة.

стр. 641

والسادس: أنه الزنجبيل. وقال الزجَّاج: هو جميع ما منَّ الله به من غير تعب ولا نَصَب. والظاهر أنه ما يعرف من هذا المنِّ الأخضر الحلو، كان ينزل على الأشجار كلَّ ليلة مثل الثلج لكلِّ إنسان منهم صاع. فقالوا: يا موسى، قد قتلنا بحلاوته نريد اللحم، فسأل الله فأنزل السلوى (١). واختلفوا فيه أيضًا على أقوال: أحدها: أنه طائر يشبه السُّمانَى، قاله ابن عباس. والثاني: طيور حمر، قاله مقاتل. والثالث: طير أكبر من العصفور يكون بالهند، قاله عكرمة. والرابع: أنه العسل بلغة كِنانة، قاله المُؤرِّج، واحتج بقول الشاعر (٢): وقاسَمَها بالله حقًّا لأنتمُ … ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشُورُهَا والأول أصح، وعليه عامَّة المفسرين. وذكَّرهم الله بما فجَّر لهم من المياه من الحجر، وإنزال التوراة وفيها تبيانُ كلِّ شيء من نعم كثيرة. فإن قيل: فكيف خاطب الحاضرين بقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وعدَّد عليهم النعم، وإنما كان ذلك لأسلاف اليهود المخاطبين؟ قلنا: لأن هؤلاء نجوا بنجاة آبائهم وأجدادهم، ومفاخر الآباء مفاخر الأبناء. وقال ابن عباس: كان يأخذ كلُّ واحد منهم ما يكفيه ليومه وليلته، فإذا كان يومُ الجمعة أخذ ما يكفيه يومين لأنه لم يكن ينزلُ عليهم يومَ السبت. وقيل لهم: لا تدَّخِروا فادَّخَروا ففسد وتغيَّر، فقطع الله ذلك عنهم، وهو قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ أي: ما ضرونا ما عصونا ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] فقطع الرزق عنهم (٣).

стр. 642

وقال الثعلبي: حدثنا ابن حامد وابن شعيب قالا: حدثنا مكيُّ بن عبدان بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا بَنُو إسرائيلَ لم يَخْنز (١) الطَّعامُ ولم يَخْبُثِ اللَّحمُ، ولولا حوَّاءُ لم تَخُن أُنثَى زَوجَها" (٢). وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "قِيلَ لبنَى إسرائيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فبدلوا فدَخَلُوا البابَ يزحفُونَ على أَستاهِهِم وقالوا: حبَّةٌ في شَعَرةٍ" (٣). أخرجاه في الصحيحين. وقال أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، أنتحدَّثُ عن بني إسرائيل؟ قال: "نعم، تَحدَّثُوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرجَ، فإنَّكُم لا تَتحدَّثُون عنهم بِشَيءٍ إلا وقد كَانَ فِيهِم أعجبُ مِنهُ" (٤). ومعنى لا حرج، أي: لا أُضَيِّقُ عليكم في الحديث عنهم. فصل في سؤال موسى الرؤية قرأت على شيخنا الإمام الموفق عبد الله بن أحمد المقدسي ﵀ بدمشق في سنة أربع وست مئة بقاسَيون من كتابه المسمَّى بـ "التوابين" قال: حدثنا أحمد بن المبارك بن ثابت عن جده ثابت بن بندار بإسناده عن وهب بن منبِّه قال: لما سمع موسى كلام ربه استحلاه واشتاق إليه وطمع في رؤيته، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ فقال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وليس لبشر أن يراني، ولا يراني فيها أحد إلا ويموت، ولا يطيق أحد أن يراني، فقال موسى: يا إلهي، لأن أنظر إليك وأموت، أحبُّ إليَّ من أن أعيش ولا أراك (٥). وقال وهب: حدثنا جويبر عن ابن عباس قال: لما رأى الله تعالى حرص موسى على الرؤية قال له: اذهب إلى ذاك الحجر الذي في رأس الجبل- وهو جبل بمدين يقال له: طور سيناء أو طور دبير- فاقعد هناك، ففعل، وأمر الله الملائكة أن تمرَّ عليه،

стр. 643

فنزلت ملائكة السبع سماوات، ولهم أصوات مرتفعة بالتسبيح والتهليل والتقديس على صور شتى، ذوو أجنحة منهم كالأسود والنمور والوحوش، وأقبل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش على صورهم التي خلقهم الله عليها، وجاءت الصواعق والرعد والبرق والأهوال، ففزع موسى وكاد أن ينخلع فؤاده وجعل يبكي ويتضرَّع ويقول: يا ربِّ، ندمتُ على ما سألتُ، فهل أنت منجيَّ من مكاني؟ فناداه بعض الملائكة: يا ابن النساء الحيَّض، اصبر على ما سألت، فقليل من كثير ما رأيت، يا خاطئ، يا ابن الخاطئ، ما الذي جرَّأك على ما طلبت؟ وناداه إسرافيل: يا ابن عمران، والله لنحن رؤساء الملائكة منذ خلقنا الله لم نرفع رؤوسنا نحو العرش خوفًا وفرقًا، فما حملك أيها العبد الضعيف على الإقدام على ذلك؟ فقال موسى: أحببتُ أن أعرف من عظمة ربي ما عرفت. قال وهب: ثم أوحى الله إلى الجبل إني متجلٍّ لك، فارتعدت السماوات والأرض وجميع المخلوقات، ثم خرُّوا لله سجَّدًا، ثم تجلَّى الله للجبل فـ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] من نور ربِّ العزَّة، وانقلب الحجر الذي كان جالسًا عليه فصار مثل القبة. ولولا ذلك لاحترق (١). وقال ابن عباس: أظهر الله من نوره للجبل مثل رأس الإبرة فساخَ واندكَّ، وموسى ينظر إليه، حتى لصق بالأرض فذلك قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مستويًا بالأرض. وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "وصَارَ الجبلُ لعظَمةِ الله سِتَّةَ أجبُلٍ، وقَعَ ثَلاثةٌ مِنها بالمدينَةِ: أُحُد ووَرِقانُ ورَضوَى، ووقعَ بمكةَ ثلاثةٌ: ثورٌ وثَبِيرٌ وحِراءُ" (٢). قلت: ذكر جدي ﵀ في "الموضوعات" أحاديث من هذا الجنس، منها هذا الحديث، وقال: لا يصحُّ، في إسناده عبد العزيز بن عمران يروي المناكير (٣). وحكى عكرمة عن ابن عباس قال: طارت منه قطعة إلى أصبهان فصارت كحلًا للعيون إلى يوم القيامة.

стр. 644

وحكى الحافظ أبو القاسم في "تاريخ دمشق" عن أبي الحسين الرازي أنه قال: الأطوار التي كُلِّم عليها موسى أربعة: طور سيناء، وهو بالقرب من بحر القُلْزُم، والطوو الذي ببيت المقدس، والطور الذي بطبرية عند أكيال، والطور الذي بدمشق، وهو جبل كوكبا موضع الكنيسة الخربة، وكَوكَبا قبلي دارَّيا (١). قلت (٢): والأصحُّ أنما خوطب على جبل الطور الذي بقرب القُلْزُم. وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: غُشِيَ عليه، وقال قوم: مات. والأول أصحُّ، لأنه لو مات ما عاش أبدًا ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ عادت روحه إليه و ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ - وهذا دليل على أنه لم يمت - أي: نزَّهتك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أنك لا تُرَى في دار الدنيا، وأن من رآك مات. وقد روى أبو أحمد بن عدي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما تجلى ربُّه للجَبلِ أشارَ بإِصبَعهِ فمرَّ نُورٌ جَعلهُ دَكًّا" (٣) قال جدي هذا الحديث في "الموضوعات" ولا يصحُّ هذا عن رسول الله ﷺ ، وهو من عمل ابن أبي العوجاء، وكان زنديقًا. وكذا حديث: "إنَّ اللهَ أخرجَ خِنصَرهُ فَضربَ بِهِ عَلى إبهامِهِ فَساخَ الجَبلُ" (٤) من عمل ابن أبي العوجاء. قلت: وقد أخرج هذا الحديث أحمد بن حنبل في "المسند" فقال: حدثنا أبو المثنى مُعاذ بن مُعاذ العنبري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: هَكذا- يعني أنه أخرج طرف الخنصر- قال أحمد: أراناه معاذ- قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدرَهُ ضربةً شديدة وقال: من أنت يا حُميد، أو: وما أنت يا حُميد؟ يُحدِّثنُي به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول: ما تريدُ إليه (٥)!.

стр. 645

قلت: ولم يذكر أحمد بن حنبل أنه ضعيف (١)، ولا ابن أبي العوجاء، ويكره تصحيح الحديث بأن يحمل قوله (٢). وروى الوالبي عن ابن عباس قال: لما قال موسى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ كشف الله تعالى الحجاب عن الجبال، وأبرز له جبل قاف وقال له: انظر، فنظر فإذا مئة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفًا عليهم العباء محرمين ملبِّين، كل منهم يقول: ﴿أَرِنِي﴾. وقال أبو حنيفة بن النُّوبي: رأى ثمانية عشر ألف عالم يقولون: ﴿أَرِنِي﴾. فإن قيل: فكيف أقدم موسى على طلب الرؤية؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه لما سمع الكلام وطاب له طار قلبه شوقًا إلى المتكلم، ولما رأى التكليم يُبْدأ قبل السؤال قال لسانُ طَمَعِهِ: لا عَتْبَ عليَّ إذا سألت من ابتدأني بالتفضل. والثاني: لأنَّ كلَّ جارحةٍ منه أحسَّتْ بحظها من الكلام، فطمعتْ عيناه في نصيبها وقال: هذه لذة الكلام فكيف لذة النظر؟ والثالث: لأن طبع المحبِّ الترقي من حال إلى حال أرفع منها، فلما حصل على الكلام طلب ما هو أعلى. والرابع: ليتميزَ على من تَقَدَّمه من الأنبياء فيجمع بين الكلام والنظر. والخامس: لأنه لما ناجى الله تعالى وسوس إليه إبليس وقال: إن الذي يناجيك شَيطان. ولهذا روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: جاء إبليس وموسى يناجي ربه فوقف قريبًا منه فقال له بعض الملائكة: يا ملعون، ما الذي ترجو منه في هذا الوقت؟ قال: ما رجوتُ من أبيه آدم، فقال: ﴿أَرِنِي﴾ ليزول الوسواس. والسادس: أنه سكر من شراب الكلام، والسكران لا يفيق من خماره إلا بشربة ثانية كما قيل (٣): تداويت من ليلى بليلى عن الهوى قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾.

стр. 646

فإن قيل: فلمَ منعه الرؤية؟ فالجواب من وجوه. أحدها: أنه ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ خرج جوابًا لموسى، لأنه سأل ما لم يكن في الدنيا فأخبره بالمستحيل. والثاني: أنَّ الرؤية غاية الكرامة ومنتهى المنزلة إذ ليس بعدها منزلة فلو حصلت في الدنيا لموسى لم يبقَ لها في الجنة التي هي دار الكرامة معنى، فإذا كان يوم القيامة أكرم الله بها أكرمَ عبادِه، وهو محمد ﷺ ، وقد قال ﷺ : "أنا أوَّلُ مَن يطرقُ بَابَ الجنَّة" (١) و"الجنَّةُ محرَّمة على الأنبِيَاءِ حتى أَدخُلَها" (٢). فكأنه يقول: لن تراني قبل محمد فلا تطمع فيما ليس لك. وقال عبد الله بن المبارك: لما كانت الدنيا فانية، والأبصار فانية، والحق سبحانه باق، لم يحسن أن ينظر الفاني في الفاني إلى الباقي، فإذا كان يوم القيامة، خلق الله لنا دارًا باقية وأبصارًا باقية فننظر بالباقي إلى الباقي في الباقي. وقال سهل بن عبد الله: قيل له: يا موسى، بالأمس تسألني نصف رغيف وتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] واليوم تسألني الرؤية؟ لن تراني. وقال علي بن مهدي: لو كان سؤال موسى الرؤية مستحيلًا لما أقدم عليه مع علمه ومعرفته بالله فدل على الجواز. وقال قوم: لما علَّق الرؤية باستقرار الجبل دل على الجواز، ولأن استقراره غير محال. فإن قيل: فلم صار الجبل دكًا لما رآه، وقلوب المؤمنين تراه دائمًا ولا تندك؟ قلنا: جعل الله الجبل ندًا لموسى لأنه جماد، والقلوب بيوت الحقِّ ، والساكن لا يخرب بيته. فإن قيل: فقد أحاله على الجبل تعليقًا للرؤية بثبات الجبل ولم يثبت فموسى أولى. وجواب من أحيل على مليءٍ ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ وقد تعلق نُفاةُ الرؤية بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وقال: هي للأبد، ونحن نقول: هي للوقت دون الأبد، ألا ترى إلى قوله تعالى

стр. 647

في حقِّ الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] ثم حكى عنهم أنهم يتمنونه بقولهم: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقد يدخل الجنة من لا ينفق مما يحب. وقال أهل المعاني: لما أراد موسى الذهاب إلى الميقات جعل بين ربه وقومه واسطةً بقوله لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] فلما سأل الرؤية جعل الله بينه وبينها واسطة وهو الجبل، فكأنه يقول: إن لم أصلح لخلافتك في قومك دون أخيك فكذا أنت لا تصلح لرؤيتي دون استقرار الجبل. وقال سهل بن سعد الساعدي: أظهر الله نورًا بقدر الدرهم من سبعين ألف حجاب فصار الجبل دكًا. وقال أبو بكر الورَّاق: فَعَذُبَ إذ ذاك كلُّ ماء، وأفاق كل مجنون، وبرأ كل مريض، وزال الشوك عن الأرض، واخضرت الدنيا، وخمدت نيران المجوس، وخرَّت الأصنام سجدًا. وقال سفيان: ساخ الجبل حتى وقع في البحر، فهو يذهب معه تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة. ومعنى قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] من الانبساط على بساط القرب. ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: على من تقدمك من الأنبياء الذين أوحيت إليهم برسالاتي وبكلامي، لا على من يأتي بعدك وهو محمد ﷺ ، فإنه شاركه في الكلام وزاد عليه بالنظر. فصل في قول بني إسرائيل إنه آدر قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر بإسناده عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "كانت بَنُو إِسرائيلَ تَغتَسِلَ عُراةً ينظُرُ بَعضُهم إلى بَعضٍ - أو إلى سوءَةِ بعض- وكانَ مُوسى يَغتَسِلُ وحدَهُ، فقالوا: والله ما يَمنعُه أن يغتَسِلَ معنا إلا أنه آدَرُ. قال: فذهبَ مرةً يغتسِلُ فوضَعَ ثَوبَه على حَجرٍ ففرَّ الحَجرُ بِثوبِهِ فَجَمحَ مُوسى في أَثرِهِ يَقول: ثوبي حجرُ، ثوبي حَجرُ، حتى نَظرتْ بنو إسرائيلَ إلى سَوءتِهِ، فقالوا: واللهِ ما بمُوسى من بَأسٍ،

стр. 648

فقامَ الحَجرُ حتى نَظروا إليه، فأَخذ ثوبَهُ وطفِقَ بالحَجرِ ضَربًا" وقال أبو هريرة: والله إن بالحجر ندبًا ستة أو سبعة من ضرب موسى، فذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] الآية أخرجاه في الصحيحين (١). وللبخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "إنَّ مُوسَى كان حَييًا يَستتِرُ ألَّا يُرى مِن جِلدِه شَيء استحياءً مِن الله، فآذَاهُ من آذَاهُ مِن بنِي إسرَائيلَ وقالوا: ما يَستتِرُ هذا الستر إلا من عَيبٍ بِجلدهِ، إما بَرصٌ وإما أُدرَةٌ وإما آفَةٌ. وإنَّ الله أرادَ أن يبرِّئَهُ مما قالوا، فَخلا مُوسَى يَومًا وحدَهُ ووضَعَ ثيابَهُ على حَجرٍ، ثُم اغتَسلَ، فلمَّا فَرغَ أقبلَ إلى ثيابِه ليأخُذَها، وإنَّ الحجرَ عَدا بِثوبِهِ فَأخذَ مُوسى عَصاهُ وطَلَبَ الحَجرَ، وجَعلَ يَقولُ: ثَوبي ثَوبي، وذكَرَهُ، حتى انتهى إلى ملأٍ من بَني إسرائيلَ فرأَوهُ عُريانًا أحسنَ ما خَلقَ اللهُ، وأَبرأَهُ مما يقُولُونَ فيه، فَطَفِقَ ضَربًا للحَجرِ، فإنَّ فيه من أثَرِ ضَربِهِ ثلاثًا أو أربَعًا أو خَمسًا"، ونزلت الآية (٢). وقال الفراء: الآدر: العظيم الخصيتين، وجمح: أسرع إسراعًا لا يرده شيء. وقال سعيد بن جبير: الحجر الذي وضع عليه ثوبه هو الذي يحمله معه في الأسفار ويضربه فتنفجر منه العيون. وقال مقاتل: إنما نزلت هذه الآية في قصة هارون، وسنذكره هناك. فإن قيل: فكشف العورة حرام في غير حقِّ الأنبياء، فكيف مشى موسى وعورته بادية؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن كشف العورة حرام في شرعنا أما في شرعهم فلا، والدليل أنهم كانوا يغتسلون عراة، وموسى يراهم ولا ينكر عليهم، ولو كان حرامًا لأنكره، واستتار موسى إنما كان من باب الحياء لا أنه يجب عليه ذلك. والثاني: أنه يحتمل أن موسى كان عليه مئزر رقيق فظهر ما تحته لما ابتلَّ بالماء فرأوا أنه أحسن الخلق فزال عنهم ما كان في أنفسهم.

стр. 649

فصل في عبادة قومه العجل قال علماء السِّير: كان السبب في عبادة قومه العجل أنه لما ذهب إلى الميقات وجاء جبريل على فرس يقال له: فرس الحياة، لا يصيب حافرَهُ شيءٌ إلا حيي، وكان جبريل قد أتى ليأخذ موسى إلى الميقات، فرآه السامريُّ، وكان صائغًا. واختلفوا فيه: قال ابن عباس: كان من بني إسرائيل، ولم يزل مع موسى في مصر والشام. وقال سعيد بن جبير: كان من أهل كِرمان. وقيل: من أهل باجَرْما، قريةٍ من قرى دَقُوقا بالعراق. والأول أشهر. واختلفوا في اسمه: فقال ابن عباس: ظفر. وقال مقاتل: اسمه يوسف. وقال الحسن: منجار. وقيل: موسى بن ظفر. وكان منافقًا يظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، وقال ابن عباس: كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها: سامرة، ولكنه نافق لما قطع موسى البحر، وهو كان من الذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. وقال وهب: فلما رأى السامري ذلك الفرس تحت جبريل قال: لهذا الفرس شأن، وأخذ قبضةً من ترابه الذي وطئ عليه. ولما ذهب موسى إلى الميقات قال السامري لبني إسرائيل: إن الحلي الذي أخذتموه من القبط على وجه العارية قد صار غنيمة لا يحلُّ لكم، فاحفروا حفيرة وادفنوه فيها حتى يرجعَ موسى من الميقات فيرى رأيه فيها، ففعلوا، فأخذ السامريُّ تلك القبضةَ فألقاها مع الحلي في الحفيرة فخرج عجلًا من ذهب، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ أي: مجسدًا لا روح فيه، وإنما كان لحمًا ودمًا ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] أي: صوت مثل صوت البقرة. قال ابن عباس: خار خَوْرة واحدة، فزَفَنوا حوله- أي رقصوا- ولم يعدْ إلى مثلها. وقرأ عليٌّ ﵇: "له جؤار"، بالجيم والهمزة، وهو الصوت أيضًا.

стр. 650

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ذهاب موسى إلى الميقات. وقال مجاهد: خار العجل ومشى وهو مرصَّع بالجواهر التي أخذوها من القبط، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى، نسي فتركه هنا ثم خرج يطلبه. وقال مقاتل: عبده منهم عشرة آلاف وهم الذين قالوا يا موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] وكانوا قد عدُّوا اليوم والليلة يومين فلما مضت عشرون يومًا ولم يرجع افتتنوا. وقال مقاتل: إنما سمي عجلًا لأنهم تعجَّلوه قبل رجوع موسى. قوله تعالى: ولما رأوا أنهم قد ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] ندموا على عبادته ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: حزينًا لما فعلوه لأن الله أخبره بما صنعوا ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي بئس الفعل فعلتم ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] غضبًا على قومه، وكان شديد الغضب، قال زيد بن أسلم: كان إذا غضب اشتعلت النار في قلنسوته. قال: وكانت التوراة خمسة أسفار، فرفع أربعة إلى السماء وبقي سفر واحد. وقيل: سُبْعٌ واحد (١). وقال أحمد: حدثنا سُرَيْج بن النعمان بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الخَبرُ كالمُعايَنةِ، إنَّ اللهَ أخبرَ مُوسى بما صَنعَ قومُه في العِجلِ فلم يُلْقِ الألواحَ، فلما عايَنَ ما صَنعَ قومُه ألقاها فانكَسرَت" (٢). وقال مجاهد: وصاغ موسى تابوتًا من ذهب وزنه ستمائة مثقال، ونزَّل فتات الألواح فيه ﴿وَأَخَذَ﴾ موسى ﴿بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ هارون ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقيل: إنما أخذ بأذنيه فعبَّر بالرأس عنهما. وقيل: إنما أخذ بلحيته وكان هارون أحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان ألين وألطف وأكبر سنًا. وقوله تعالى: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ أي: يا ابن أمَّاه، فاعتذر هارون، وقال: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ بعقوبتك وأنا أسنُّ منك وكان قد

стр. 651

استخلفه ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] بعبادة العجل. فلما ظهر لموسى عذره ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف: ١٥١] الآية. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ [طه: ٨٥] أي: ابتليناهم واختبرناهم وكانوا ست مئة ألف، فافتتن منهم عشرة آلاف. وقيل: كلهم عبدوه إلا عشرة آلاف ثبتوا مع هارون، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ لأنهم كانوا الجمَّ الغفير. ولما عاتبهم موسى ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: ونحن نملك أمرنا ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: من حُلِيِّ [آل] فرعون، فجمعناها ودفعناها إلى السامريِّ، فألقاها في النار أو في الحفيرة لترجع فترى فيها رأيك، ففعل ما فعل. وقال ابن عباس: كان هارون قد مرَّ على السامريِّ وهو يصوغ العجل، فقال: ما تصنع؟ فقال: ما يضرُّ ولا ينفع، فقال: اللهم ارزقه ما سأل، فكان كما قال هارون. فنهاهم هارون عن عبادته فقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] أي: مقيمين. فلما عاد موسى سمع الصياح والجلبة، وهم يرقصون حول العجل، فقال: ما هذا؟ فقيل له: صوت الفتنة، فقال: ﴿يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ أي: أخطأوا، ألا تبعت أمري وقبلت وصيتي أو فارقتهم ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣] فراجعه بقوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾. فإن قيل: فهارون أخوه من أبيه وأمه، فلِمَ كرَّر قوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه أراد استعطافه وترقيقه، قاله الكلبي. والثاني: أنه قد قيل: إنه كان أخاه لأمه. والثالث: فلأن الولد من الأم من جهة الحقيقة ومن الأب من جهة الحكم. وإنما خصَّ اللحية والرأس بقوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ لأنهما عضوان يقصد بهما الإكرام من دون سائر الأعضاء ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ إن أنكرت عليهم أن يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضًا ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أي: لم تراقب وصيتي حين قلت: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ (١).

стр. 652

ثم أقبل موسى على السامريِّ وقال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ﴾؟ أي: ما شأنك وما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم يروه ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ يعني: من تراب حافرِ فرس جبريل ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: طرحتها في الحُلي ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] أي: زينت. فقال: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾ ما دمت حيًا ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أي: لا تخالط أحدًا. وأمر موسى بني إسرائيل أن يعتزلوه ولا يخالطوه. قال قتادة: فبقاياهم إلى اليوم يقولون: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ فلو مسَّهم أحد أخذته الحمى في الوقت. فإن قيل: فهلّا قتله موسى؟ قلنا: ذكر مقاتل وقال: أوحى الله إليه لا تقتله فإنه سخيٌّ، وفي رواية: فإن قتلته كان ذلك كفَّارةً له ثم قال موسى: يا سامريُّ ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: بعذابك ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي: لن يخلفك الله إيَّاه ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أي: معبودك بزعمك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أي: مقيمًا ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنار ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] أي: نعفي آثاره. ثم برده موسى بالمبارد وألقاه في اليم. وقال مقاتل: ثم قال موسى: يا إلهي، من صاغ العجل؟ قال: السامري، قال: فمن جعل فيه الصوت حتى خار؟ قال الله: أنا. قال: فأنت فتنتَ قومي؟! قال: يا موسى، إني حكيم بيدي الضلال والهدى، ومصداقه قوله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾. فصل في ذكر توبتهم من عبادة العجل قرأت على شيخنا الموفق المقدسي ﵀، قلت له: أخبركم أحمد بن المبارك بإسناده عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال: سأل موسى ربه أن يتوب على قومه من عبادة العجل فقال: يا موسى، لا توبة لهم إلا أن يقتلوا أنفسهم، فأخبر موسى قومه وقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أي: خالقكم، فقالوا: نصبر لأمر الله، وندم القوم على ما صنعوا، فأخذ موسى عليهم المواثيق ليصبرُنَّ على القتل، فأصبحوا غدوةً بأفنيتهم، كلُّ سبطٍ على باب بيته، وأمر موسى الذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوا مَنْ عبده، وقال موسى: لعنة الله على رجل حلَّ حَبْوَته، فقتلوهم (١).

стр. 653

وقال ابن عباس: جعل الله توبتهم القتل لأنهم ارتدُّوا عن الإسلام، والكفر يبيح الدم، فجلسوا بأفنية البيوت وأصلتوا الخناجر، فكان الرجل يرى ابنه أو أخاه أو قريبه أو جاره أو صديقه فيستحي منه فقالوا: يا موسى، لا نقدر أن نقتل آباءنا وأبناءنا بل وأهلنا وأصدقاءنا، فأرسل الله عليهم ظُلْمةً فكان لا يبصر بعضهم بعضًا، فانكشفت الظلمة عن سبعين ألف قتيل، فبكى موسى وهارون عليهم، فأوحى الله إليهما: قد جعلتُ القتلَ للمقتول شهادةً، وللقاتل توبة وتكفيرًا عن ذنوبه. قالوا: فما آية توبتنا؟ قال: على أن يقوم السلاح فلا يعمل، وترتفع الظلمة. وقال مجاهد: قتلوا حتى خاضوا في الدماء، وصاح النساء والصبيان والشيوخ يا موسى: العفوَ العفوَ، فبكى موسى وتضرَّع، فأنزل الله التوبة، فقتلاهم شهداء وأحياؤهم مغفور لهم (١). فصل في ذهاب السبعين إلى الطور يعتذرون من عبادة العجل قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] ومعناه: من قومه. فلما نزع حرف الصفة نَصَب. واختلفوا في سبب اختيار موسى السبعين: فقال السُّدي: أمر الله موسى أن يأتيه في أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار موسى السبعين، فلما صعدوا الجبل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فإنك قد كلَّمته فأَرِناهُ، فأخذتهم الصاعقة فماتوا. وقال ابن إسحاق: إنما اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا. وقال الكلبي: أمر موسى السبعين أن يتطهَّروا ويطهِّروا ثيابهم ويصوموا، ثم خرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربِّه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه، فلما دنوا من ذلك المكان قالوا: يا موسى، اطلب لنا أن نسمع كلامَ ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشَّى الجبل كله، ودخل موسى حتى غاب فيه،

стр. 654

وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلَّمه ربُّه وقع على جبهته نورٌ ساطع لا يستطيع أحدٌ من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب ودنا القوم فدخلوا في الغمام وسمعوه يكلِّم ربه وربه يكلمه، يأمره وينهاه. فلما فرغ من المناجاة وانكشف الغمام عن موسى أقبل إليهم، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [النساء: ١٥٣] وهي الرجفة فماتوا جميعًا، وأنكر قوم أنهم سمعوا كلام الله، وقالوا: إذ سمعوا كلام الله، فأيُّ ميزة لموسى عليهم. وقال وهب: لم تكن الرجفة موتًا وإنما كانت غَشْيَةً، فخاف موسى عليهم ورقَّ لهم وقال: يا رب، ماذا أقول إذا رجعت إلى بني إسرائيل ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي عبدة العجل؟ فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم (١). فإن قيل: فكيف قال موسى هذا وقد علم أن الله أعدل من أن يؤاخذ بجريرة الجاني غيره؟ قلنا: هذا استعطافٌ من موسى لله تعالى، وتقديره: لا تهلكنا، فكان دعاء، ونظيره قول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]. فصل في قصة أريحا قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]. قال ابن عباس: من كان له بيت وخادم وامرأة صالحة وبُلْغَة فهو ملك، وقد روي هذا المعنى مرفوعًا، فقال أبو إسحاق الثعلبي: حدثنا عبد الله بن حامد بن محمد بإسناده عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : "كانَ بنُو إِسرائيلَ إذا كانَ لأحدِهم خَادِمٌ وامرأةٌ ودَابةٌ يُكْتَبُ ملِكًا" (٢). ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]. واختلفوا فيها: قال ابن عباس: هي أرض فلسطين، والأردن، والطور وما حوله، والغَور وما والاه.

стр. 655

وقال زيد بن ثابت: الشام كله مقدس ويدخل فيه دمشق. وقال ابن عمر: حرم مكة والبيت المقدس. والأول أصح. وقال مقاتل: وإنما قال ذلك موسى لما نزل على أريحا، ومعنى ﴿كَتَبَ﴾ أي: في اللوح المحفوظ. وكانت أريحا قرية الجباربن وهم العمالقة، وقيل: الكنعانيون، وأمر موسى بقتالهم وجهادهم، وكان موسى قد نقَّب على بني إسرائيل اثني عشر نقيبًا بعدد الأسباط، ومن هنا نقَّب النبي ﷺ النقباء ليلةَ العقبة، ومن هؤلاء النقباء يوشع بن نون وكالب بن يوفنَّا، والنقيب: الكفيل عن قومه بالوفاء على ما أمروا به. وقال ابن إسحاق: ولما دنا موسى من أريحا بعث النقباء يتحسسون الأخبار، فلقيهم عوج بن عناق، وقال الثعلبي: قال ابن عمر: كان طوله ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاث مئة وثلاثين ذراعًا، وكان يعتجر بالسحاب ويشرب الماء منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه في عين الشمس ويأكله، وهو ابن بنت آدم (١) - وقد ذكرناه في الطوفان - وأن الماء كان لا يبلغ كعْبَهُ. فالتقى بالاثني عشر نقيبًا وعلى رأسه حزمة حطب فأخذهم وجعلهم في حجزته، وانطلق بهم إلى زوجته فقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت: لا بل خلِّ عنهم ليخبروا قومهم بما رأوا، فأرسلهم؛ فلما خرجوا قال بعضهم لبعض: إن أخبرتم القوم رجعوا عن نبيِّ الله وساروا، فأما كالب ويوشع فإنهما كتما، وأما الباقون فتحدثوا. ولما شاع الحديث جاؤوا إلى موسى وقالوا: يا ليتنا متنا بأرض مصر وبكوا وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] وهم الأقوياء، كان يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان من بني إسرائيل، ويدخل في قشر الرمانة إذا نزع الحب منها خمسة رجال، ويحمل العنقود خمسة رجال من بني إسرائيل فقالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فدعا عليهم موسى وقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] أي: العاصين. وكانت عجلةً من موسى فاستجاب له ربه وقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]

стр. 656

أي: يتحيرون في القفار، فأقاموا أربعين سنة يتيهون في ستة فراسخ، يسيرون كل يوم جادّين حتى إذا ملُّوا إذا هم في الموضع الذي رحلوا منه. ومات النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر ولم يبقَ من النقباء إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنَّا، ومات الذين قالوا لن ندخلها، وكانوا ست مئة ألف، في أربعين سنة. وكان ينزل عليهم المن والسلوى. ولما ذهبت الأربعون سنة وهلكوا، نشأت ذرية أخرى منهم، ففتحوا أريحا على يد موسى، وقيل: على يد يوشع كما يذكر وهب. وموسى هو الذي قتل عوج بن عناق (١). ذكر مقتل عوج بن عناق حكى جدي في آخر "أعمار الأعيان" عن ابن إسحاق قال: عاش عوج بن عناق ثلاثة آلاف سنة وست مئة سنة ولم يعش أحدٌ هذا العمر (٢). وقال أبو جعفر الطبري: عاش ألف سنة (٣). وهو وهم منه، لأن بين موسى وآدم ثلاثة آلاف سنة وزيادة. وولد عوج بن عناق في دار آدم وهو ابن بنته عنَّاق. وقيل: اسم أبيه عناق صهر آدم. وقال الكلبي: جاء عوج إلى نوح أيام الطوفان وقال: احملني معك في السفينة، فقال: اذهب يا عدوَّ الله، فإن الله لم يأمرني بحملك، وطبَّقَ الأرضَ الماءُ وما جاوز كعبيه. وقال وهب: كان عسكر موسى عدة فراسخ لأنهم كانوا ست مئة ألف، فقال عوج لأصحابه: أنا أكفيكم إياهم، فجاء فوقف عليهم وحذرهم، ثم جاء إلى جبل وقوَّر منه صخرة على قدر العسكر وحملها على رأسه ليقلبها على العسكر، فأرسل الله الهدهد وفي منقاره عود، فنقبها حتى تقوَّرت في عنقه فصرعته، وبلغ موسى فجاء ومعه عصاه وطولها عشرة أذرع، فنزا في الهواء عشرة أذرع أخرى حتى أصاب كعبه وهو مصروع فقتله، وأقبل جماعة من أصحابه فحزُّوا رأسه. وقال الثعلبي: ولما قتل وقع على نيل مصر فجَسَرهم سنة (٤).

стр. 657

وقال نوف البكالي: كان طول سرير عوج ثمان مئة ذراع وعرضه أربع مئة ذراع. ولما ضربه موسى خرَّ على نيل مصر فجسره الناس سنة يمرون على أضلاعه وصلبه. قلت: والعجب من الثعلبي ومن نوف كيف يرويان مثل هذا الكلام الذي تنفِر منه العقول السليمة، والواقعة كانت بأريحا وأين نيل مصر؟ وعلى تقدير ما حكى الثعلبي عن ابن عمر أن طوله ثلاثة وعشرون ألف ذراع يكون طوله أقل من فرسخين، لأن الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع وبين أريحا ومصر مئة فرسخ وزيادة. وروي عن بشر الحافي أنه قال: كان التجار في البحر يخافون منه فيعدُّون له كُرَّين من الدقيق فيخبزه مَلَّتَيْنِ فيأكلهما، فهذا كافرٌ يطعمه الله هذا في كلِّ يوم فكيف يُضيعُكَ وأنت تعبده وقوتُك رغيف أو رغيفان. وقال وهب بن منبه: وكانت أمه عناق أول من بغى على وجه الأرض، وكانت كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع في عرض ذراعين، وفي كل إصبع ظفران من حديد مثل المناجل، وكان مكان جلوسها مقدار جريب، ولما استمرت على البغي بعث الله سبحانه عليها أُسودًا وذئابأ فمزقتها (١). فصل في نتق الجبل عليهم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾. قال ابن عباس: لما أنزل الله عليهم التوراة أبَوْا أن يقبلوها لأن أحكامها ثقلت عليهم، فرفع الله عليهم جبلًا بمقدار عسكرهم، وكانوا ست مئة ألف، وقال لهم: إن لم تقبلوها وإلا ألقيتُ عليكم هذا الجبل. ومعنى الظلة: كل شيء أظلك ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: عليهم ﴿خُذُوا﴾ تقديره: وقلنا لهم: خذوا ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١] أي: بجدٍّ واجتهاد. وقال الحسن البصري: فسجد كلُّ واحد منهم على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل مخافةَ أن يسقط عليه، فلذلك ليس في الدنيا يهودي إلا ويسجد على حاجبه الأيسر ويقول: هذه السجدة التي رفع الله بها عنا العذاب.

стр. 658

فصل في التوراة واليهود فأما التوراة: فقال الفراء: فأصلها من وَرَى الزند- بالفتح، ورُوِيَ بالكسر أيضًا- فسميت التوراة توراةً لأن الأحكام ظهرت منها. وأما اليهود فأصله من التهود وهو الميل. وقال الحسن: لما أنزل الله تعالى التوراة لم يبق على وجه الأرض حجرٌ ولا شجر ولا جبل إلا اهتز، فليس على وجه الأرض يهوديٌّ إلا ويهتزُّ عند قراءة التوراة، ويقولون: اهتزت السماوات والأرض. وقال الجوهري: يقال: هاد وتهوَّد إذا صار يهوديًا. قال: والهُوْدُ: اليهود، والتهويد: المشيُ الرُّويد. والتَّهَوُّد: أن يصير الإنسان يهوديًا، ومنه الحديث: "فأبواه يُهَوِّدانه وينصرانه" (١). فصل في بناء ظَفَار وقال ابن الكلبي: وفي زمان موسى بنيت مدينة ظَفَار باليمن، بناها رجل من حمير يقال له: شمر بن الأملوك (٢) الحميري، وهو أول ملوك اليمن من العرب، ونفى العمالقة من اليمن. وقال الجوهري: وظَفَارِ مثل قَطَامِ مدينة باليمن، وجزع ظَفَاري منسوب إليها، وفي المثل: من دخل ظَفَارِ حَمَّر (٣). وسألت شيخنا أبا اليمن الكندي ﵀ عن هذا فقال: سببه أن بعض العرب دخل على ملك ظَفَار فوقف، فقال له الملك: ثِبْ- وهو بلغتهم: اقعد- فلم يفهم الرجل فوثب إلى فوق فوقع وتكسَّر، فقال الملك: من دخل ظفار حمَّر، أي تكلَّم بلغة حمير.

стр. 659

فصل وفي أيام موسى احترق ابنا هارون وقال وهب بن منبه: كان يسرج في البيت المقدس كل ليلة ألف قنديل، يخرج من طور زيتا عينٌ من الزيت حتى تصبَّ في القناديل ولا يُمسُّ بالأيدي، وتنحدر من السماء نار بيضاء فتسرج القناديل، وكان المتولي لذلك ابنا هارون، فأوحى الله إليهما لا تسرجا بنار الدنيا، فأبطأت النار عنهما ليلةً فعمدا إلى نار من نيران الدنيا فأسرجا بها، فانحدرت النار من السماء فأحرقتهما، فجاء الصريخ إلى موسى بالخبر فقال: يا إلهي أحرقت ابنَي أخي، فقال الله تعالى: يا موسى، هكذا أفعل بأوليائي إذا عصوني، فكيف أفعل بأعدائي؟ (١). فصل في قصة البقرة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] الآية. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: وُجد قتيل في بني إسرائيل اسمه عاميل، فلم يعرفوا مَنْ قتله. واختلفوا في سبب قتله على قولين: أحدهما: أنه كان رجلًا كثير المال لا يولد له ولد، وله ابنُ أخٍ فقيرٌ لا وارثَ له غيره، فطالت عليه حياته فقتله ليرثه، فلما قتله احتمله ليلًا فأتى به سبطًا آخر، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح فادَّعاه، فكادوا يقتتلون، فأتوا موسى فأمرهم بذبح البقرة، قاله عطاء وابن سيرين. والثاني: أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له بنت وابن أخ لا مال له، فخطبها من أبيها فغضب أبوها ولم يزوِّجْهُ إياها، فقال: والله لأقتلن عمِّي، ولآخذنَّ ماله، ولأنكحنَّ ابنته، ولآكلنَّ ديته، فأتاه فقال: قد قدم تجارٌ في بعض الأسباط فانطلقْ معي فخذْ لي من تجاراتهم لعلِّي أصيبُ منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني، فخرج معه، فلما بلغا ذلك السبط قتله ابن أخيه، ولما أصبح جاء يطلبُ عمَّه وقال: قتلتموه، ثم

стр. 660

نادى: واعمَّاه، وطلب منهم ديته، ثم أتى موسى فأخبره وقال: يا نبيَّ الله، ما أَجدُ أحدًا يبيِّن لي قاتله سواك، فأمره بذبح البقرة، وذلك قبل أن تنزل القسَامة في التوراة، حكاه السدِّي عن أشياخه. وقال ابن عباس: أوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح البقرة فتنطَّعوا عليه فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] وما صفتها- وقد ذكرنا ذلك في "التفسير"- ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ لا كبيرة ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين الفارض والبكر إلى أن قال: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: شديدةُ الصُّفَرةِ؛ وقال الحسن: أراد بصفراءَ سوداء، والعربُ تسمِّي الأَسودَ أَصفر، وقد أنكروا هذا على الحسن، وقالوا: هو غلط منه، لأن العرب لا تعرف هذا في نعوت البقر، وإنما هو في نعوت الإبل، وإليه أشار الأعشى (١)، وإنما العرب تقول: أصفر فاقع، وأخضر ناصع، وأبيض يَقَق، وأسود فاحم وحالك (٢). وقال الجوهري: وربما سمت العرب الأسود أصفر (٣). و ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] من حسنها وصفاء لونها. وروى الثعلبي عن علي ﵇ أنه قال: من لبس نعلين أصفرين لا يزال مسرورًا، وقرأ هذه الآية. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ومعناه: أعاملة هي أم سائمة؟ وإنما لم يقل: تشابهت لأنه أراد جنس البقرِ تشابه علينا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى وصفها (٤). حدئنا أبو القاسم عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لم يستثنوا- يعني أصحاب البقرة-

стр. 661

لما اهتدوا إلى وصفها أبدًا، ولو عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها أجزأهم، ولكن شدَّدوا فشدَّد الله عليهم" (١). ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ أي: غير مذلَّلة - بالعمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ بالزراعة أي: تقلبها ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ﴾ من العيوب ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: بياض وسواد مختلف اللون ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالبيان التامّ ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لغلاء ثمنها فإنها بلغت مالًا عظيمًا. والثاني: مخافة الفضيحة أن يكون القاتل منهم. والثالث: وما كادوا يفعلون باجتماع أوصافها. وقال ابن عباس: طلبوها فلم يجدوها إلا عند الفتى البار بوالديه (٢)، وكانت له عجلة قد خلَّفها له أبواه في غيضة، وقصتها طويلة، وقد ذكرناها في "التفسير". حاصلها: أنهم اشتروها منه بملء جلدها ذهبًا، وقيل: بوزنها عشر مرات ذهبًا ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ يعني: القتيلَ. واختلفوا في البعض: قال ابن عباس: بلسانها. وقال مقاتل: بعجب ذنبها. وقال مجاهد: بغضروفها، وهو أصل أذنها، والقولان الأولان أصح. أما اللسان فلأنه آلة الكلام، وأما عَجْب الذنب فجميع ما في الحيوان يبلى إلا هو فإنه يبنى منه الجسد كما تبنى السفينة على الخشبة الأولى. فلما ضربوه قام حيًّا تشخب أوداجه فقال: فلان قتلني، ثم وقع ميتًا، فقتلوا قاتله. فإن قيل: فقد قال ابن عباس: أقاموا في طلبها أربعين سنة حتى وجدوها قلنا:

стр. 662

ضربوا قبره فأحياه الله. فإن قيل: فقد كان الله قادرًا على إحيائه من غير ضرب ببعضها، قلنا: فيه إظهار المعجزة دون الشعبذة، وإكرامًا للبارّ بوالديه (١). فصل في مغازيه قال علماء السير: حارب موسى الكنعانيين واليونان والأمم الكافرة وأباد من كان بالشام منهم، وبعث بعثًا إلى الحجاز فقتلوا العمالقة، وكان ملكهم يقال له: الأَرْقَم، بحصن تيماء وَيثْرِب، وأسروا ابنًا له شابًا لم يرَ الناس أحسن منه فلم تَطِبْ نفوسهم أن يقتلوه، وقالوا: نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فاستقبلهم الناس بوفاة موسى فمنعهم بنو إسرائيل أن يدخلوا الشام وقالوا: أمركم موسى أن لا تستبقوا كافرًا وقد أبقيتم هذا، فعادت تلك الطائفة - وهم من بني إسرائيل- إلى الحجاز، وسكنوا خَيبر وَيثرِب وتَيماء، واتخذوا يَثْرِب مزارع، فبنُو قريظة والنَّضير منهم وكذا بنو الكاهن، والكاهن ابن هارون بن عمران، والكاهن: العالم. فصل في اجتماع موسى بالخضر ﵉ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ [الكهف: ٦٠] الآيات. اختلفوا في فتاه (٢): قال ابن عباس: هو يوشع بن نون، وإنما سمِّيَ فتاه لأنه كان يلازمه ويخدمه ويستفيد منه العلم. وقال مقاتل: فتاه هو أخو يوشع بن نون. وقال الكلبي: فتاه عبده. والأول أصح.

стр. 663

ومعنى: "لا أبرح" قال مقاتل: أي: لا أزال أسير، و"مجمع البحرين": ضفتاهما. واختلفوا في مجمع البحرين: قال قتادة: البحر الرومي والشرقي، فالشرقي بحر فارس والرومي هو الغربي، وقال أبيُّ بن كعب: اجتمعوا بإفريقيَّة. والثاني: بطَنْجَة، قاله محمد بن كعب القُرَظيُّ. والثالث: أن المراد بالبحرين موسى والخضر، قاله مقاتل ورواه عن عليّ ﵇. قال ابن عباس: وكان السبب في اجتماع موسى بالخضر أنه لما ظهر موسى وقومه على فرعون وقومه وأورثهم أرضهم وديارهم قام موسى فيهم خطيبًا، فذكّرهم بنعم الله عليهم قال: وكلَّم الله نبيّكم (١) تكليمًا واصطفاني لنفسه وألقى عليَّ محبة منه، فقال رجل: قد علمنا ما تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك؟ فقال: لا، ولم يقل: فيما أعلم، قال مجاهد: فبعث الله إليه جبريل فقال: بلى لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك، وما يدريك أين أضع علمي؟ قال: يا رب وأين هو؟ قال: اطلبه على شاطئ البحر تجده هناك. وقد اختلفت الروايات في القصة، فنبدأ بما ذكر في الصحيح فنقول: قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بإسناده عن ابن عباس أنه تمارى هو والحارث بن قيس بن حِصْن الفَزَارِيُّ في صاحب موسى ﵇ فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرّ بهما أُبيّ بن كَعْب فدعاه ابن عباس فقال له: يا أبا الطُّفيل هلمَّ إلينا فإني قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لُقِيِّه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يقول أو يذكر في شأنه؟ فقال. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينما مُوسى في ملأ مِن بني إِسرائيلَ إذْ جَاءَه رجل فقال: هَلْ تَعلمُ أحَدًا أعلمُ مِنك؟ قال مُوسى: لا، فأَوْحى الله إليه: بَلَى عَبْدُنا الخضِر، فسألَ مُوسى السَّبيلَ إلى لُقْياه فجَعَلَ الله له الحوتَ آيةً"، وفي رواية: "وقيلَ له: إذا فَقَدْتَ الحوتَ فارْجعْ فإنَّك

стр. 664

سَتَلْقَاه، فَسَار مُوسى ما شاءَ الله، ثم قال لفَتَاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ فقالَ فتى مُوسى حين سَأَله الغَدَاءَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] فقالَ مُوسى لفتَاه: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي: يقصان الأثر فوجدا خضرًا، فكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابه. وفي رواية: فكان موسى يتبع الحوت في البحر (١). وفي رواية سعيد بن جبير وهي أتمُّ الروايات، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بإسناده عن سعيد بن جُبير قال: قلتُ لابن عباس: سمعت نَوفًا البِكَاليَّ يزعم أنَّ موسى صاحبُ بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخَضِر وإنَّما هُوَ موسى آخر فقال: كَذَبَ عدو الله، سمعتُ أُبيَّ بن كعب ياقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قَامَ مُوسى خَطِيبًا في بني إسرائيل فَسُئِلَ: أيُّ النَاسِ أَعْلَمُ؟ فقال: أنا، فَعَتِبَ الله عليه حيث لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأَوْحَى الله إليه إنَّ لي عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بمَجْمَعِ البَحْرَيْن هُوَ أعلمُ منكَ، قال مُوسى. يا ربِّ، كَيْف لي به؟ فقيل له: احمل حوتًا فَي مِكْتَلٍ فحيثُ تَفْقِد الحوتَ فهو ثَمَّ. قال: فانطلق هوَ وفتاهُ يُوشَع يمشيان، وقد حَمَل الحوتَ في المِكْتَل حتى أتيا الصخرةَ، فَرَقدَ موسى وفتاهُ، فاضطرب الحوتُ في المِكْتَل حتى خرج منه فسَقَط في البَخرِ، فأمسك الله عنه جِريَة الماءِ حتى كان مثل الطَّاق، فكان للحوت سربًا أي: طريقًا، ولفتاه عجبًا، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ونسي صاحبُ الحوت أن يخبر موسى، فلمَّا أصبح موسى قال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] ولم يجد موسى مشاقَّ النَّصَبِ حتى جاوز المكان الذي أُمِرَ به، فقال فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ إلى قوله ﴿عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]. قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي: يقصَّان الأثر حتى أتيا الصخرةَ - أو انتهيا إليها فإذا برجلٍ مسجًّى بثوبٍ - أو مسجًّى عليه ثوبُه- فسلَّم عليه مُوسى، فقال الخَضِر: أَنَّى بأرضك السلام، فقال: أنا موسى، قال: مُوسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قالَ: إنَّك على علمٍ مِن عِلْم الله علمكَهُ لا أعلمه، وأنا على علمٍ من عِلمِ الله علَّمَنِيه لا تَعلَمُه. فقال له موسى: ﴿هَلْ

стр. 665

﴿أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٧ - ٦٩] قال له الخَضِر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] قال: نعم، فانطلقا يمشيانِ على ساحل البحر فمرَّت بهما سفينةٌ فكلَّماهم أن يَحمِلُوهما فعرفوا الخضر، فحَمَلُوهما بغير نَوْلٍ، فعمد الخَضِر إلى لوحٍ من ألواحِ السَّفينةِ فنَزَعه، فقال له موسى: قومٌ حَمَلُونا بغير نَوْلٍ عمدتَ إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] الآية. ثم خَرَجا من السَّفينةِ فبَيْنَما هما يَمشيانِ على السَّاحِل إذا غلامٌ يلعبُ مع الصبيانِ، فأخَذَ الخَضِر برأسِه فاقْتَلَعه بيده، فقال له: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٤، ٧٥] قال: هذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قال الخَضِر بيده فأقامه [الكهف: ٧٦ - ٧٧] فقالَ له موسى: قومٌ أتيناهم فلم يُضَيِّفونَا ولم يُطْعِمُونَا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] قال رسول الله ﷺ : "يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يُقَصَّ علينا من أَخبارِهما". قال: قال رسول الله ﷺ : "كانت الأولى من موسى نسيانًا". وجاء عُصْفور حتى وقع على حرف السفينة ثُمَّ نَقَر في البحر، فقال له الخضر: ما علمي وعلمَك وعلم الخلائق من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العُصْفُور مِنَ البحر. قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامهم مَلِك يأخذ كلَّ سفينةٍ صالحة غصبًا". وكان يقرأ: "وأما الغلام فكان كافرًا" (١). وفي رواية: "فاضطَرَبَ الحوتُ في الماءِ فجَعَلَ لا يَلْتئم عليه حتى صَار مثلَ الكُوَّة،

стр. 666

فقالَ فتاه: ألا أَلحقُ نبيَّ الله فأخبرَه، فنسي. فلما تجاوَزا قال لفتاه: آتنا، وذكروه فيه؛ فرأى خضِرًا مُستلقِيًا على حُلَاوة القَفَا فقال: السَّلامُ عليكَ، فكشفَ الثوبَ عَن وَجْهه وقال: وعليكَ السَّلامُ، مَن أنتَ؟ فقالَ: موسى، فقال: ما جاءَ بك؟ فقال: جئتُ لِتعلِّمني مما عُلِّمت رُشدًا، فقال: شيءٌ أمرتُ به أنْ أفعَلَه إذا رأيتَهُ لم تصبرْ". ثم قال رسول الله ﷺ عند هذا المكان: "رحمةُ الله علينا وعلى آل مُوسى لولا أنَّه عَجِل لَرَأى العَجَبَ، ولكنَّه أَخَذَتْهُ ذَمَامة من صاحبه". وكان ﷺ إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه. ثم قال: "فانطَلَقا حتى أتيَا أهلَ قريةٍ لئامٍ، فَطَافا المجالسَ فاستَطْعَما أهلَها، إلى قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]. قال: فأخذ بثوبه ثم تلا إلى قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ إلى آخر الآية، وقال: فإذا جاء يُسَخِّرها وجدها منخرقةً فيتجاوز إلى غيرِها فأصلَحُوها بخشبةٍ. وأمَّا الغُلام فطُبعَ كافرًا يومَ طُبع وكانَ أبوَاه قد عَطَفا عليه فلو أنَّه أدرَكَهما أرهَقَهما طُغْيانًا وكُفرًا" (١). وفي رواية: "وفي أصل الشَجَرةِ عينٌ يقالُ لها: الحياة لا يصيبُ من مائها شيءٌ إلا حيي، فأصَابَ الحوتَ مِن تلك العينِ فتَحَرَّك وانسلَّ من المِكْتَل، فدَخَلَ البحرَ" (٢). وفي رواية: قيل له: خُذْ حوتًا مَيْتًا حتى يُنْفَخَ فيه الرُّوح، فدخلَ الحوتُ البَحْر فأمسك الله عنه جِرْيَةِ الماء، ووجَدَ الخَضِر على طِنفِسة خَضْراء على كَبِدِ البحر، وفيه: فقال الخَضر لموسى: أما يَكْفيك أنَّ التَّوراة بيدِك وأنَ الوحي يأتيك" (٣). وفي رواية: إنَّ لكَ علمًا لا ينبغي لي أنْ أعْلَمَهُ، وإنَّ لي عِلْمًا لا يَنْبغي لكَ أن تَعْلَمه" وفيه: "فأضجعَ الغلامَ فَذَبَحَهُ بالسكِّينِ" وفيه: "فخَشينا ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أن يَحْمِلهُمَا حُبُّهُ على أن يُتَابعاه فأُبْدِلا مَكَانه جارية" (٤). هذا قدر ما أخرج البخاري ومسلم في "الصحيحين" وعند البخاري غير مسند. ويزعمون أن الملك: هُدَدُ بن بُدَد، واسم الغلام المقتول: جَيسور (٥)، وكانت

стр. 667

الأولى نسيانًا، والثانية سهوًا، والثالثة عمدًا (١). تفسير غريب الحديث: "هلمَّ" أي: أقبل، قال الجوهري: هلمَّ يا رجل بمعنى تعال (٢). و"نوف": رجل من أهل الشام. وبَكالة- بفتح الباء- قبيلة من حِمْيَر، و"كَذَب": أي: أخطأ، والعرب تضع الكذبَ موضع الخطأ، و"المِكْتَلُ": الزِّنبيل، و"الطَّاقُ": عقد البناء، و"السَّرَب": الطريقُ، و"المُسَجَّى": المُغَطَّى، و"حُلاوة القَفَا": ما أَدْبَر منه، و"الذَّمَامةُ": الحَياءُ، وقيل: القَبَاحةُ، وهي تكون في الخُلُق، والدَّمامة في الخِلْقَة. وقال علماء السّير: لما سأل موسى ﵇ ربَّهُ أنْ يُرِيَه الخَضِر ﵇ قال له: ائت جانب البحر فإنكَ تجدُ على شطّه حوتًا، فخذه وادفعه إلى فتاك، ثم الزم شطَّ البحر، فإذا نسيت الحوت وذهب منك فهناك تجد العبدَ الصالحَ. وفي رواية ابن عباس: فإذا عاش الحوت وجدْتَه. قال: فتزوَّد خبزًا وسمكة مالحة، وقال: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ أي: لا أزال أسير حتى أَجِدَه ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] أي: مدة ثمانين سنة وهو الحُقُب. فلما وصل إلى الصخرة التي عند مَجْمَع البَحرين وعندها عينُ الحياة أصاب الحوت روح الماء وبرده فاضطربَ وخرجَ من المِكْتَل فدخلَ البحرَ، فذلك قوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما قال: نسيَا والحوتُ كان مع يُوشَع لأن الفعل يجوز أن يضافَ إلى اثنين وهو لواحد كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما وهو المالح دون العذب. فجاع موسى فقال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣]. قال وهب: الصخرة دون نهر الزيت بالمغرب ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أنْ أذكره لأنه كان مع الفتى فأخبر عن نفسه فرجعَا إلى الصخرة فوجدَا الخَضر

стр. 668

عندها، والخضر لقب له، وسنذكر اسمه بعد هذا، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] لأنه هو السبب. وقال مقاتل: وجد الخَضِر نائمًا على وجه الماء على طِنْفِسةٍ خَضْرَاءَ، وهو المراد بما ذكر في الحديث على وجه الماء، أي: وسطه، فسلَّم موسى عليه فقال: وعليك السلام يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: ومن أخبرك بي؟ فقال: الذي دلَّك عليَّ، ومن قال الخضر كان نبيًا يقول أوحي إليه ذلك. فإن قيل: فلمَّا ذهب إلى الميقات أقام أربعين ليلةً لم يأكل، ويجوعُ نصفَ يوم فيقول آتنا غداءنا؟ فالجواب: إنَّ في ذهابه إلى الميقات كان وعدُ الانتظار يشغله عن الطعام والشراب، وفي سفر الخَضِر معلمًا فكان سفر تأديب فجاع. ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ [الكهف: ٦٥] أي: نعمة ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من علم الغيب ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أي: صوابًا، وهذا تحريض على طلب العلم والتواضع ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ أي: لن تطيق لأني أعلم علم الغيب وأنت لا تعلمه، فتنكر ظاهر ما ترى ولا تعلم الباطن، وهذا معنى قوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. فإن قيل: فَمَا صَبَرَ؟ قلنا: ظاهر الشرع أوجب له الإنكار عليه، وقد قيَّد الله صبره بالمشيئة، فلما ركبا في السفينة قال أهلها: هؤلاء لصوص أخرجوهم، فقال صاحبها: ما هم بلصوص ولكني أرى وجوه الأنبياء، فأخذ الخَضِر فأسًا فقطع لوحًا منها، وكانوا في اللُّجَّة، فحشا موسى موضع اللوح بثوبه وقال: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: منكرًا ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾. وقال ﷺ : "كانت الأولى من موسى نسيانًا" (١) ولهذا قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ حتى رأى غلامًا فقتله، قال مجاهد: كان اسم الغلام خشن بُود (٢) واسم أبيه ملاس وأمه رحمى (٣)، ولم يبلغ الحلم، قالوا: ومع هذا فكان يقطع الطريق ويفسد في

стр. 669

الأرض، فقال له موسى: "أقتلت نفسًا زاكية"- بألف (١) - وهي التي لم تذنب قط. ومن قرأ ﴿زَكِيَّةً﴾ أراد التي أذنبت ثم تابت، وقيل هما لغتان. فإن قيل: ففي الحديث الذي رويتم أنَّ الغلام الذي قتله الخَضِر طبع كافرًا فكيف قال زاكية؟ قلنا: الزاكية في البدن، أي: سالمة مِنَ العيوب، والزَّكيَّةُ في الدين، ذكره المبرِّد. وقال الحسن: إنما شقَّ ذلك على موسى لأن الخضر أضجعَ الغلام وذبحه. ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير قتل نفس ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا، والنُّكْرُ أشدُّ من قوله إمرًا ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ قال ابن عباس: هي أَنْطَاكِيَة، وقال ابن سيرين: الأُبُلَّة، وقيل: باجَرْوان من أعمال واسِط. قلت: والعجب من هذا، والواقعة كانت بالمغرِب بإفريقِيَّة، وقيل: بطنْجَة، وقيل: عند نهر الزيت وهو أقصى المغرب، فما الذي أتى بها إلى أَنْطَاكِيَة والأبُلَّة؟ وهو من أقصى الدنيا وأبعد الأرض عن السماء، فيحتمل أنها قرية من قرى المغرب. ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ أي: يقروهم، لأنهم كانوا أهل قرية لئامًا ﴿فَوَجَدَا فِيهَا﴾ أي: في القرية ﴿جِدَارًا﴾ أي: حائطًا، قال وهب: كان طوله في السماء مائة ذراع ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقال ابن جبير: مسح الجدار بيده فاستقام فقال له موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وقيل: ضيافة يعني على إقامته وإصلاحه ﴿قَالَ﴾ الخضر ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ﴾ أي: سوف أخبرك ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ثم شرع يشرح له فصلًا فصلًا: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ قال وهب: كانت لعشرة إخوة، خمسة زَمْنَى وخمسة يعملون في البحر ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ووراء بمعنى أمام كقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقيل: معنى وراءهم خلفهم، رجعوا عليه في طريقهم، وقيل: معناه يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا.

стр. 670

واسم الملك جلندى في قول ابن عباس، وكان كافرًا. وقال محمد بن إسحاق: كان اسمه منولة بن جلندا اردى (١) وقيل: اسمه: هُدد بن بُدَد، وقال مقاتل: كان من ثَقِيف، وهو جدُّ الحجاج بن يوسف الثقفي. فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ يدلُّ على أن المسكين من له شيء ولا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة، ويجوز له أخذ الزكاة، وقد قال أبو حنيفة: المسكين من لا شيء له أصلًا، وقال ابن عباس: كانت السفينة تساوي ألف دينار. والجواب: إن أبا حنيفة يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦] وهو الذي لزق بالتراب من فقره. وقال عيسى بن عمر: قلتُ لأعرابي: أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لا والله بل مسكين. وأما أصحاب السفينة فقد روى عطاء عن ابن عباس أنهم كانوا أُجَراءَ، ولم تكن ملكًا لهم. وأما قوله بأن الزكاة تصرف إلى المساكين فنحن نقول به ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الوصية إذا قال: ثلث مالي للمساكين، هل يدخل الفقراء في ذلك أم لا؟ عند أبي حنيفة لا يدخلون وتكون للمساكين، وعند الشافعي يدخلون لما عرف. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ يغشاهما، وقيل: يكلِّفهما ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ قال سعيد بن جبير: خشينا أنْ يَحمِلَهما حبُّه على أنْ يدخلا في دينه ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ صلاحًا وإسلامًا وإيمانًا ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: قرابة. وقال الكلبي: أبدلهما الله جارية فتزوجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم. وروى الثعلبي عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵇ قال: أبدلهما الله جارية فولدت سبعين نبيًّا (٢). ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ واسمهما أصرَم وَصُرَيْم ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ واختلفوا فيه على أقوال:
следующие страницы →