← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

[حدَّثنا جدِّي عن عمرَ بنِ ظفرٍ بإِسناده إلى] ذي النُّون [قال] (١): رأيت سعدونَ في المَقبُرة في يومٍ حارّ، وهو يُناجي ربَّه بصوتٍ عالٍ ويقول: أَحَدٌ أَحد، فسلَّمت عليه وقلت: بحقّ مَن تناجيه إلَّا ما وقفتَ لي، فوقف وقال: قل وأَوجز، قلت: أَوصِني بوصيَّة [أَحفظها عنك، أو تدعو لي بدعوة] فقال: [من المنسرح] يا طالبَ العلمِ من هنا وهنا … ومَعدِنُ العلمِ بين جنْبَيكا إنْ كنت تبغي الجِنانَ تسكنُها … فاذْرِفِ الدَّمعَ فوق خدَّيكا وقمْ إذا قام كلُّ مُجْتَهِدٍ … وادعُ لكيما يقولَ لبَّيكا (٢) ثم مضى وقال: يا غياثَ المستغيثين أَغِثني، فقلت له: اُرفقْ بنفسك، فلعلَّه يَلْحَظُك لَحْظةً فيغفر لك، فنفض يدَه من يدي وقال: أَنِست به فلا أَبغي سواه [وذكر البيتين وقال: أواه. وروى الخطيبُ عن] الأصمعيِّ [قال] (٣): مررتُ بسعدون، وإذا هو جالسٌ عند رأس شيخٍ سكرانَ يَذُبُّ عنه، فقلت: ما لي أراك جالسًا عند رأسِ هذا؟! فقال: إنَّه مجنون، فقلت: أنت أو هو؟ قال: بل هو، قلت: ولم؟ قال: لأنّي صلَّيت الظهرَ والعصرَ جماعة، وهذا ما صلَّى جماعةً ولا فُرادى، قلت: فهل قلتَ في هذا شيئًا؟ قال: نعم، ثم قال: [من المتقارب] تركتُ النبيذَ لأهل النَّبيذ … وأصبحتُ أشرب ماءً قَراحا فإنَّ النبيذَ يُذلُّ العَزيزَ … ويكسو الوجوه النّضار الصباحا (٤) فإنْ كان ذا جائزًا للشَّباب … فما العُذرُ فيه إذا الشَّيب لاحا فقلت: صدقت.

стр. 6057

[وروى الخطيبُ عن] صالح المُرِّي [قال]: قرأتُ بين يدي سعدون: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨] فصفَّق وقال: مِلاحٌ والله، ثم قال: [من مجزوء الخفيف] إنَّ في الخُلْد جاريه … هي حُسْنٌ كما هيه لو تراها على النَّما … رِقِ بالغُنْج ماشيه لتمنَّيت أَنها … لك ما عشتَ باقيه كَتَبَتْ في شقائق الـ … ـخدِّ سطرًا بغاليه أنا للزَّاهد الذي … عينُه الدهرَ باكيه (١) [وذكر جدي في "المنتظم" أنه مات في هذه السنة، ولم أقف على تاريخ وفاته في غير "المنتظم". وفيها توفِّي] يحيى بنُ خالد بنِ بَرمَك أبو جعفر، وقيل: أبو الفضل، وقيل: أبو عليّ (٢) [وقد ذكرنا ترجمةَ أبيه خالدٍ وجدِّه برمك وبدايةَ يحيى. وذكره الخطيبُ فقال:] كان المهدي قد ضمَّ إليه هارونَ وجعله في حِجْره، ومات المهديُّ ولقي من الهادي ما ذكرنا، فلمَّا استخلف هارون، فوَّض إليه الأمور، وكان يسمِّيه أبي، ثم نكبه، وقتل ابنَه جعفرًا، وحبس يحيى وأهلَه حتى مات في حبسه. [ذكر طرفٍ من أخباره: قال علماءُ السِّيَر:] كان [يحيى] من عقلاءِ الرِّجال، الموصوفين بالجُود والنَّوال، والإِحسان والإِفضال، معدودًا في الأَجواد المُمَدَّحين، والوزراءِ المُحْسنين، حسنَ التأتِّي، ميمونَ النَّقيبة، فصيحَ الكلام، حليمًا متجاوزًا سيّدًا، عديمَ النظيرِ في الدنيا. [وحكى الصوليُّ أنه] لم يُطلِق أحدٌ وهو راكبٌ على دابته ألفَي ألفِ في رهمٍ سوه [أركب يومًا إلى دار الخليفة إلى منزله وقد اجتمع ببابه أربابُ الرواتبِ والقُصَّاد،

стр. 6058

فقاموا إليه، فقال. مَن هؤلاء؟ فقا لوا: أربابُ الرواتب، تأخَّرت الرواتب، قال: ومَن أخَّرها؟ قيل: البوَّاب، فاسترجع، قال: تُطلَق] وتسمَّى إطلاقَ الهُويّ؛ لأنَّه أَطلقها وهو يَهوي من دابَّته للنزول [فكانت ألفَي ألفِ درهم] (١). [وحكى الصوليُّ أيضًا قال: مدح شاعرٌ يحيى بنَ خالد] فقال (٢): [من الطويل] سألتُ النَّدى هل أنت حرٌّ فقال لا … ولكنني عبدٌ ليحيى بنِ خالدِ فقلت شراءً قال لا بل وراثةً … توارثني من والدٍ بعدَ والد (٣) فأعطاه مئةَ ألفِ درهم، وكان كلَّما مرت بخاطره أعطاه مئةَ ألفٍ حتى نُكب. [وحكى الخطيبُ (٤) عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ قال: كانت صلةُ يحيى بنِ خالد] إذا ركب (٥) لمن يتعرَّض له مئتي درهم، فركب ذاتَ يوم، فتعرض له [أديب] شاعرٌ فقال: يا سَمِيَّ الحَصورِ يحيى أُتيحت … لك من فضل ربِّنا جنَّتانِ كلُّ من مرَّ في الطريق عليكمْ … فله من نوالكمْ مئتان مئتا درهمٍ لمثلي قليلٌ … هي منكمْ للقابس العَجْلان فقال له يحيى: صدقت، وأَمر بحمله إلى داره، فلمَّا رجع من دار الخليفةِ سأله عن حاله، فقال: تزوَّجتُ امرأة، وقد خيِّرت بين أن أؤدِّيَ مهرَها وهو أربعةُ آلافِ درهم، وإما أن أطلِّق، وإمَّا أن أقيمَ بالمرأة حتى يتهيَّأ نقلُها إلى منزل، وليس لي منزل. فأَمر له يحيى بأربعة آلافٍ للمهر، وأربعة آلافٍ لشراء منزل، وأربعةِ آلافٍ لما يحتاج إليه المنزل، وأربعةِ آلافٍ للدُّخول بها، وأربعةِ آلافٍ يستظهر بها، فانصرف وقد أعطاه عشرين ألفًا. وقال إِسحاقُ الموصليّ: أضقتُ إضاقةً شديدة، فأتيتُ يحيى بنَ خالد، فذكرتُ له ذلك، فقال: ما حضر عندي في هذا الوقتِ شيء، ولكن قد جاءني خليفةُ صاحبِ

стр. 6059

مصرَ يسألني أن أستهديَ صاحبَه شيئًا، وأَبيتُ عليه، وقد لحّ، وقد جاءك يطلب منك جاريتَك، فلا تَنقصها من ثلاثين ألفَ دينار، فإنِّي سأستهديه إيَّاها. قال: فخرجتُ من عنده، فما شعرت إلَّا بالرَّجل قد جاءني وساومني الجارية، فقلت: لا أَنقصها عن ثلاثين ألفَ دينار، فاشتراها بعشرين ألفَ دينار، وكانت تساوي ألفَ دينار. ثم حملها إلى يحيى، فاستدعاني وقال: كم دفع لك في الجارية؟ قلت: بعتُها بعشرين ألفَ دينار، فقال: إنَّك لَخسيس، خذ جاريتَك، فهذا خليفةُ صاحبِ فارسَ قد جاء [في] مثل هذا، فلا تنقصْها من خمسين ألفَ دينار. فأخذتُها وخرجت، وإذا خليفةُ صاحبِ فارسَ قد جاء فساومني إيَّاها، فبعتها منه بثلاثين ألفَ دينار، ثم أتيتُ يحيى فأخبرته، وقال: ويحك، ألم تؤدِّبك الأولى عن الثانية! خذ جاريتَك، فقلت: جارية أَفادتني خمسين ألفَ دينارٍ ثم أملكها! لا والله، أُشهدك أنها حرَّة وقد تزوَّجتُها. ولما تنكَّر الرشيدُ للبرامكة، بعث صالحًا صاحبَ الموصلِ (١) إلى منصور بنِ زيادٍ يقول له: قد وجب عليك عشرةُ آلافِ ألفِ درهم، فاحملها إليَّ اليوم، فإنْ فعل إلى قبلَ غروبِ الشَّمس وإلَّا فأتِني برأسه من غيرِ مراجعة. قال صالح: فخرجتُ إلى منصورٍ فعرَّفته، فقال: ذَهَبتْ واللهِ نفسي، واللهِ ما أَملك ثلاثَ مئةِ ألفِ درهم فضلًا عن عشرة آلافِ ألف درهم. ثم قال: يا صالح، اِحملني إلى أهلي حتى أُوصي، فلمَّا دخل على الحَرَم، أَوصى، وارتفع صُراخ الحرمِ والجوار. ثم قال منصورٌ لصالح: امضِ بنا إلى يحيى بن خالدٍ لعل اللهَ أن يأتي بالفَرَج على يده، فدخلا على يحيى، فبكى منصور، فقال: ما لَك؟! فقصَّ عليه القصَّة، فأطرق مفكِّرًا، ثم دعا جاريتَه فقال: كم عندكِ من المال؟ فقالت: خمسةُ آلافِ ألفِ درهم، فقال: أعديها (٢)، ثم بعث إلى ابنه الفضلِ قال: يا بُنيّ، كنتَ أَخبرتني أنَّك تريد أن تشتريَ ضيعةً بألفَي ألفِ درهم، وقد وجدتُ لك ضيعةً تُغِلّ الشُّكر، وتبقى على ممرِّ الدهر، فابعث إليَّ بالمال، فبعث به إليه، وبعث إلى جعفرٍ فقال: يا بنيّ، ابعث لي

стр. 6060

بألفِ ألفِ درهمٍ (١) لحقٍّ قد لزمني، فبعث به إليه، ثم فكَّر ساعة، ثم قال لخادمٍ على رأسه: اُدخل إلى دنانيرَ فقل لها: هاتِ العِقدَ الذي وهبه لك أميرُ المؤمنين، فجاءَ به فقال: هذا عقدٌ ابتعتُه لأمير المؤمنين بمئة ألفِ دينارٍ وعشرين ألفِ دينار، فوهبه لدنانير، وقد قومناه عليك بألفَي ألفِ درهمٍ ليتم المال، فخلِّ عن صاحبنا. قال صالح: فأخذتُ المال ورددتُ منصورًا معي، فلما صرنا إلى الباب تمثَّل منصور وقال: [من الوافر] فما بُقْيا عليَّ تركتماني … ولكن خِفْتُما صَرَدَ النِّبالِ قال صالح: فقلتُ في نفسي: ما أحدٌ أكرمَ من يحيى، ولا أحدٌ أردأَ من هذا النَّبَطي؛ إذ لم يشكرْ مَن أَحيا نفسَه، وصرتُ إلى الرشيد، فعرفته ما جرى إلَّا إِنشادَ البيت؛ خوفًا على منصورٍ أن يقتلَه، فقال الرشيد: قد علمتُ أنَّه لا يَسلم إلا بأهل هذا البيت، فاقبض المال وردَّ العِقد، فما كنت لأهبَ هبةً ثم أرتجعها. قال صالح: وحملني غيظي من منصورٍ أنَّني عرَّفت يحيى ما أَنشد، فأَقبل يحيى يتحمَّل له العُذرَ ويقول: إنَّ الخائفَ لا يبقَى له لُب، وربَّما نطق بما لا يعتقد. فقلت: واللهِ ما أدري من أيِّ فعلَيك أَعجب، من فعلك معه أو من اعتذارِك عنه؟ لكني أعلم أنَّ الزمانَ لا يأتي بمثلك أبدًا. وقال بعضُ عمومةِ الرشيدِ ليحيى قبل نكبتِه: إنَّ هارونَ قد أحبَّ جمعَ المالِ لولده، وقد كثروا عليك وعلى أولادك وأصحابِك عنده، فلو نظرتَ إلى ضِياع أصحابِك وأموالهِم فتقرَّبت بها إلى ولده أَمِنت غائلَتَه، فقال: هيهاتَ هيهات، والله لَأَن تزولَ نعمتي عني أحبُّ إليَّ من أن أُزيلَها عن قومٍ كنتُ سببًا في إِيصالها إليهم، وكلُّ كائنٍ مَقضيّ. وفيه يقول أبو قابوس الحِميَري: [من البسيط] رأيتُ يحيى أتمَّ اللهُ نعمتَه … عليه يأتي الذي لم يأتِه أَحدُ يَنسى الذي كان مِن معروفهِ أبدًا … إلى الرّجال ولا ينسى الذي يَعِدُ (٢)

стр. 6061

وقال العُتْبي: مرض يحيى، فكان إسماعيل بن صبيحٍ إذا عاده جلس عند رأسِه، ودعا له، ثم يخرج فيسأل الخادمَ عن نومه وأكلِه وشرابِه ولا يسأل يحيى، فلمَّا بريء قال: ما عادني (١) إلَّا إسماعيلُ بن صبيح. [وحكى الخطيبُ (٢) عن محمَّد بنِ يحيى النَّديمِ قال:] قال يحيى: ثلاثةُ أشياءَ تدلُّ على عقول أربابِها: الهديَّة، والكتاب، والرسول. [قال:] وقال لولده: اكتبوا أحسنَ ما تسمعون، واحفظوا أحسنَ ما تكتبون، وتحدَّثوا بأحسنِ ما تحفظون. و [قال عليُّ بن عيسى:] كان يقول: إذا أَقبلت الدنيا فأَنفق؛ فإنَّها لا تفنى، وإذا أَدبرت فأَنفِق، فإنَّها لا تبقى. وقال: حاجبُ الرجلِ عاملُه على عِرضه. ومَن بلغ رتبةً فتاهَ بها، كان محلُّه دونها. وقال: يدلُّ على حِلم الرجلِ سوءُ أدبِ غلمانه. وقال لابنه: خذ من كلِّ شيءٍ طرفًا؛ فإنَّ مَن جهل شيئًا عاداه. وقال [الأصمعيّ: كان يحيى يقول] (٣): الدنيا دُوَل، والمالُ عارية، ولنا بمَن كان قبلَنا أُسوة، وبمن بعدنا عِبرة. واختطَّ جعفرٌ دارًا، فقال له أبوه: يا بُنيّ، هي قميصُك، فإن شئتَ فضيِّق، وإن شئت فوسِّع. وكتب إلى هارونَ من الحبس رُقْعةً يقول فيها: لأمير المؤمنين وخليفة ربِّ العالمين، من عبد أَسلمتْه ذنوبُه، وأَوْبَقتْه عيوبُه، وخذله شقيقُه، ورفضه صاحبُه ورفيقه، فعَثَر به الزمان، ونزل به الحَدَثان، فحلَّ في الضِّيق بعد السَّعة، والبؤسِ بعد الدَّعة، ولبس البلاءَ بعد الرَّخاء، وافترش السخط بعد الرِّضا، واكتحل السُّهادَ وعَدِمَ الرُّقاد، فساعتُه شهر، وشهرُه دهر (٤)، جَزَعًا يا أميرَ المؤمنين -قدَّمني اللهُ قَبلَك- على ما فات من قُربك، لا على شيءٍ من المواهب؛ لأنَّ الأهلَ والمال كانا عارية، والعارِيةُ

стр. 6062

مردودة، وأمَّا ولدي فأُصيب بذنبه وحقِّه، وما أخشى عليك الخطأ في أمره، ولا أنَّك جاوزتَ به فوق حدِّه، فتفكَّر في أمري، واذكرْ حالي، واعفُ عن ذنبٍ مِن صاحبه الزَّللُ ومنك الإِقالة، وإنَّما أعتذر إليك حتى ترضى، فإذا رضيتَ، لم يتعاظمْ ذنبي عندك غفرانُه. ثم كتب في أَسفلها: [من مجزوء الكامل] قلْ للخليفة ذي الصَّنا … ئعِ والأيادي العاليهْ وابنِ الخلائفِ من قُريـ … شٍ والملوكِ الهاديه مَلِكَ الملوكِ وخير مَن … ساسَ البرايا الماضيه إنَّ البرامكةَ الذيـ … ن رُموا لديك بداهيه عمَّتهمُ لك سَخطةٌ … لم تُبقِ منهمْ باقيه فكانَّهمْ في حالهم … أَعجازُ نخلٍ خاويه صُفْرُ الوجوه عليهمُ … خِلَعُ المذلَّة باديه بَعدَ الوزارة والإِما … رةِ والأمورِ الساميه أضْحَوا وجُلُّ رضاهمُ (١) … منك الرِّضا والعافيه يا لهْفَ نفسي حَسْرةً … ما للزَّمان ومالِيه يا عطفةَ المَلِكِ الرِّضا … عُودي علينا ثانيه فلمَّا وقف هارونُ عليها، وقَّع على رأسها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ الآية [النحل: ١١٢]، وكتب في أسفلها: يا آلَ برمكَ إنَّكمْ … كنتمْ ملوكًا عاتيهْ فطَغَيتمُ وبَغَيتمُ … وكفرتمُ نَعمائيَه أَجرى القضاءُ عليكمُ .. ما خنتموه علانيه مِن تركِ نصح إِمامكمْ … عند الأمورِ الباديه هذي عقوبةُ مَن عصى … مَعبودَهُ (٢) وعصانيه

стр. 6063

وقال الفضلُ لأبيه (١): يا أَبَة، بعد الأمرِ والنَّهي والأموالِ العظيمةِ أَصارنا الدهرُ إلى القيود ولُبسِ الصوفِ والحبوس! فقال له: يا بُني، دعوةُ مظلوم، سَرَت بليل، غَفَلْنا عنها ولم يغفُل اللهُ عنها، ثم قال يُنشد: [من الرمل] ربَّ قومٍ قد غدَوا في نعمةٍ … زَمَنًا والدَّهرُ ريَّانُ غَدَقْ سكت الدهرُ زمانًا عنهمُ … ثم أَبكاهم دمًا حينَ نَطَقْ [ذكر دخول زوجة يحيى على هارون: حكى العُتبيُّ والهيثمُ بن عَدي عن] الفضلِ بن الرَّبيع [قال] (٢): كانت أمُّ جعفرِ بن يحيى، وهي فاطمةُ بنت محمَّد بن الحسين بن قَحْطَبة، وقيل: اسمُها عُبادة، وليست أمَّ الفضل [التي أَرضعت الرشيدَ بلِبانها] وكان هارونُ يُكرمها كما يفعل بأمِّه الخَيزُران، ويتبرَّك برأيها ولا يحجبها عنه، ويسمّيها: أمِّي، فلمَّا نكب البرامكةَ حجبها عنه، فطلبت الإذنَ عليه، فحُجِزَت عنه، فلمَّا طال ذلك عليها، خرجت كاشفة وجهَها، حاسرة حافية، واضعةً لِثامها، فوقفت ببابه، فأعظم الناسُ ذلك، فدخل الحاجبُ فقال: أمُّ أميرِ المؤمنين في حالٍ تَسرُّ الشامتَ وتسوء الصَّديق، فأَذن لها، فدخلت، فلمَّا رآها على تلك الحال، قام حافيًا فتلقَّاها من باب المجلس، وأكبَّ يقبِّل رأسَها ومواضعَ يديها، وأَقعدها معه في فراشه، فبكت وقالت: يا أميرَ المؤمنين، أَيعدو علينا الزَّمان، ويخوِّفنا الأَعوان (٣)، ونجرُّ ذيل الهوان، وقد ربَّيتك في حِجري، وأخذتُ بذلك الأمانَ من دهري!؟ فقال: وما ذاك يا أماه؟ قالت: ظِئرُك يحيى وأبوك بعد أبيك، فقال لها: أمرٌ سبق وقضاءٌ نفذ، فقالت: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] قال: فهذا أمرٌ لم يمحُه، فقالت: الغيب محجوبٌ عن النبيِّين، فكيف عنك يا أميرَ المؤمنين. فأَطرق ساعةً ثم رفع رأسَه وقال: [من الكامل]

стр. 6064

وإذا المنيَّةُ أَنشبت مِخلابَها … أَلفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تَنفعُ (١) فقالت: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الآية، [فأطرق هارونُ مليًّا، ثم] (٢) أَنشد: [من الطويل] إذا انصرَفَت نفسي عن الشيءِ لم تَكَدْ … إليه بوجهٍ آخِرَ الدهرِ تُقْبِلُ فقالت: وهو القائل: ستُقطَع في الدُّنيا إذا ما قطعتَني … يمينُك فانظر أيَّ كفٍّ تبدَّلُ (٣) فقال: قد رضيت. فلم تزل تُرَقِّقه (٤)، وأَنشدت: [من الكامل] وإذا افتَقَرْتَ إلى الذَّخائر لم تجدْ … ذُخْرًا يكون كَصالح الأَعمالِ (٥) فقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] فلما آيسها، أخرجت حُقًّا (٦) من زمرُّد أخضر، فوضعته بين يديه وفتحت عنه قُفلًا من ذهب، فأخرجت منه ثناياه وذؤابتَه وخَفْضَتَه، وقد غَمَست الجميعَ في المِسك، وقالت: هذه ثناياك وذؤابتُك، وأنا أتشفَّع بها إليك في يحيى، فلثمه هارونُ واستعبر باكيًا، وبكى أهلُ المجلس، ولا يُظنُّ ذلك البكاءُ إلا رحمةً ليحيى، وسبق البشيرُ إلى يحيى، ثم أعاد هارونُ الجميعَ إلى الحُقِّ وقال لها: بحسن ما حفظتِ الوديعة، فقالت: وأنت أهلٌ للخير والمكافأة، فأَعاد إليها الحُقَّ ثم قال: أَشتريه منك؟ قالت: نعم، قال: بكم؟ قالت: بعفوك عمَّن لم يُسخطْك قطّ، فقال: أما لي عليك من الحَقِّ مثلُ الذي لهم، قالت: بلى، لكن أنت أعزُّ عليَّ منهم وهم أحبُّ إليَّ منك، قال: فتسلِّي بثمن الحُقِّ مهما أردتِ عنهم، فوَجَمَتْ، ورَمَت الحُقَّ بين يديه وقالت: قد وهبتُه لك، وقامت فخرجت، وبقي مبهوتًا لا يُحير جوابًا.

стр. 6065

قال: فواللهِ ما عادت إليه، ولا سُمعت لها أنَّة، ولا رُئيت لها عَبرة. و [قال سهلُ بن هارون:] (١) كتب يحيى إلى هارونَ ورقةً وأرسلها إلى زبيدة، فناولَتْه إيَّاها وقتَ لذَته، فكتب في أسفلها: عِظَمُ ذنبِك أَمات خواطرَ العفو عنك. فلمَّا قرأها يئس منه. ذِكر وفاتِه: [قال الخطيب:] (٢) توفِّي [يحيى بنُ خالد] في حبس هارونَ بالرَّافقة لثلاثٍ خَلَون من المحرَّم سنة تسعين ومئة، وهو ابنُ سبعين سَنَة، وصلَّى عليه ابنُه الفضل، ودُفن على شاطئ الفراتِ في رَبَض هَرْثَمَة. ووجدوا في جُبَّته رقعة فيها مكتوبٌ بخطِّه: قد تقدَّم الخصمُ، والمدَّعى عليه على الأَثر، والقاضي هو الحاكمُ العَدْلُ الذي لا يَجور ولا يحتاج إلى بيِّنة (٣)، فحُملت الرُّقعة إلى الرَّشيد، فقرأها، فلم يزل يبكي يومه، وبقي أيامًا يتبيَّن الأَسى في وجهه [وفي رواية: وفي آخرها: وستعلم فتندم]. و [يقال: إنَّ الرشيد] لمَّا قرأ الرقعةَ قال [وكتب]: الحاكمُ الذي رضيتَ به في الآخرة هو الذي أَعدى عليك الخصمَ في الدنيا، وهو ممَّن لا يُتَّهم في قضائه. [قالوا: وليس هذا بجوابٍ ليحيى، لعدم التَّساوي في الدنيا] (٤). وكان ليحيى من الولد الفضلُ وجعفرٌ وموسى ومحمَّد وغيرُهم، فولَّى المأمونُ موسى بنَ يحيى المدينة، وهو شقيقُ جعفر، وولَّى الفضلَ دمشق. وكان المأمونُ محسنًا إلى أَولاد يحيى [وسنذكر ذلك،] ويثني عليهم وعليه ويقول: أهلُ بيتٍ خُصُّوا بالفضل والجودِ ومكارمِ الأخلاق ما لم يوجدْ ذلك في غيرهم، وينشد: [من الطويل] إذا قَدِموا بطحاءَ مكَّةَ أَشرقت … بيحيي وبالفضل بنِ يحيى وجعفرِ

стр. 6066

فما خُلقتْ إلَّا لجودٍ أكفُّهمْ … وأَقدامُهمْ إلَّا لأَعوادِ منبر (١) و [حكى القاضي يحيى بنُ أكثمَ قال] كان [المأمون] (٢) يقول: لم يكن كيحيى وولدِه في الكفاية والجودِ والبلاغة والشَّجاعة نظير، ولقد صدق القائل: [من مجزوء الرجز] أولادُ يحيي أربعٌ … كالأَربع الطبائعِ فهم إذا اختبرتهم … طبائع الصَّنائع فقال له ابن أكثم: الكفايةُ والجودُ والبلاغة [نعرفها]، ففيمن (٣) الشَّجاعة؟ فقال: هي واللهِ في الكلّ، خصوصًا في موسى، وقد عزمتُ على أن أولِّيَه ثَغْرَ السِّند. وكان يحيى يُجري على سفيانَ بنِ عيينةَ في كلِّ شهرٍ ألفَ درهم، فسُمع سفيان يقول في سجوده: اللهمَّ إنَّ يحيى قد كفاني أمرَ دنياي فاكفِه أمرَ آخرته. فلمَّا مات يحيى، رآه بعضُ إِخوانه في المنام، فقال: ما صنع اللهُ بك؟ فقال: غفر لي بدعوة سفيان. [وقد ذكرناه بمعناه في ترجمة جعفرِ بن يحيى، إلَّا أنَّه ليس فيه ذِكرُ المنام] (٤). حكاية جرت في أيَّام المأمون [تتعلق بالبرامكة: حدَّثنا غيرُ واحدٍ عن محمَّد بنِ عبد الباقي البزَّاز بإِسناده عن] مَسْرورٍ الخادم قال (٥): استدعاني المأمونُ فقال لي: قد أَكثر عليَّ أصحابُ [أخبار] السِّرِّ أنَّ شيخًا يأتي خرابَ البرامكة، فيبكي وينتحبُ طويلًا، ثم يُنشد شعرًا يَرثيهم وينصرف، فاركب أنت ودينارُ بن عبد اللهِ واستترْ بالجدران، فإذا جاء وشاهدتماه وسمعتما ما يقول، فأتياني به. فركبنا مُغَلِّسين، وأتينا المكان فاختفينا، فلمَّا طلع الفجر، جاء خادمٌ أسودُ وبيده كرسيٌّ من حديد، فطرحه، وجاء على أَثَره كَهْل، فجلس عليه وتلفَّت فلم يَر أحدًا، فبكى وانتحب، حتى قلتُ: فارق الدُّنيا، وأَنشد: [من الطويل]

стр. 6067

ولما رأيتُ السيفَ خالطَ جعفرًا الأبيات المتقدمة (١). فلمَّا قام قبضنا عليه، فقال: ما تريدان منِّي؟ قلنا: أميرُ المؤمنين يستدعيك، وهذا دينارُ بن عبدِ الله وأنا مسرور، فأَبلس وقال: إنِّي لا آمنه على نفسي، فأَمهِلني حتى أُوصي، قلت: شأنك. فسرنا معه، فوقف على دُكَّان رجلٍ واستدعى دواةً وبيضاء، وكتب فيها وصيَّته ودفعها إلى خادمه، وسرنا به، فلمَّا مَثُل بين يدي الخليفة زَبَره وقال: مَن أنت؟ وبم استحقَّ الرامكةُ منك ما تصنع؟ فقال غيرَ هائبٍ ولا مُحْتَشِم: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ للبرامكة عندي أياديَ خَضِرة، فإنْ أمر أميرُ المؤمنين حدثتُه ببعضها، فقال: هات، فقال: أنا المنذرُ بن المغيرةِ الدِّمشقي، نشأتُ في نعمة، فزالت عني حتى أَفضيتُ إلى بيع داري، وأمْلَقتُ إلى الغاية، فأُشير عليَّ بقصد البرامكة، فخرجتُ إلى بغدادَ ومعي نيِّفٌ وعشرون امرأةً وصبيًّا، فدخلتُ بهم إلى مسجد ببغداد، ثم خرجت وتركتهم جِياعًا لا نفقةَ لهم، فمررتُ بمسجدٍ فيه جماعة عليهم أحسنُ زِيّ، فجلست معهم أُردِّد في صدري ما إخاطبهم به، فتجد نفسي عنده ذلَّ السؤال (٢)، وإذا خادم قد أزعج القوم، فقاموا وقمت معهْم، فدخلوا دارًا كبيرةً ودخلت، فإذا بيحيى بن خالدٍ جالسٌ على دَكَّةٍ وسطَ بستان، فجلسنا، وكنا مئةَ رجلٍ ورجل، فخرج مئةُ خادمٍ وخادم، في يد كلِّ واحدٍ مِجْمَرةٌ من ذهبٍ فيها قطعةُ عَنْبَر، فسَجَروا العود، وأقبل [يحيي] على القاضي وقال: زوِّج ابنَ عمِّي هذا بابنتي عائشة، فخطب وعقد النّكاح، وأخذ بالنُّثار من فُتات المسكِ وبنادقِ العنبر وتماثيلِ النَّدّ، والتقط الناسُ ولقطت، ثم جاءنا الخدمُ في يد كلِّ واحدٍ صينيةٌ فيها ألفُ دينارٍ مخلوطة بالمسك، فوضع بين يدي كلِّ واحدٍ صينية، فأَقبل كلُّ واحدٍ يأخذ الدنانيرَ في كمِّه والصينيةَ تحت إِبطه ويخرج، وبقيتُ أنا وحدي لا أَجسر أَفعلُ ذلك، فغمزني بعضُ الخدمِ وقال: خذها وقم، فأَخذتها وقمت، وجعلت أمشي وأَلتفت خوفًا من أن تؤخَذَ مني، ويحيى يلاحظني من حيث لا أَفطُن.

стр. 6068

فلما قاربت السِّتر، رُددتُ، فيئستُ من الصينية، فجئت، فأمرني بالجلوس وسألني عن حالي، فحدَّثته بقصَّتي، فبكى ثم قال: عليَّ بموسى، فجاءه، فقال: يا بُنيّ، هذا رجلٌ من أولاد النِّعم قد رمته الأيامُ بصرفها، فخذه واخلطْه بنفسك، فأخذني فخلع عليّ، وأمرني بحفظ الصِّينية، فكنتُ في العيش يومي وليلتي، ثم استدعى أخاه العباسَ وقال: إنَّ الوزير سلَّم إليَّ هذا وأريد الرُّكوبَ إلى دارِ أميرِ المؤمنين، فلْيكن عندك اليوم، فكان يومي مثلَ أمسي، وأَقبلوا يتداولوني وأنا قَلِقٌ بأمر عيالي، ولا أتجاسر أن أذكرَهم، فلمَّا كان اليومُ العاشر، أُدخلت على الفضل، فأقمتُ عنده يومي وليلتي، فلمَّا أصبحت جاءني خادمُه فقال: قم إلى عيالك وصبيانك، فقلت: إنا لله، ذَهَبَت الصينية وما فيها، فليت هذا كان من أوَّل يوم، وقمت مع الخادمِ أمشي، فأخرجني من الدار، فازداد يأسي، ثم أَدخلني إلى دارٍ كأنَّ الشمسَ قد طلعت من جوانبها، وفيها من صنوف الآلاتِ والفُرُش، فلما توسَّطتها، رأيت عيالي يرتعون في الدِّيباج والحريرِ وفنونِ الأَطعمة، وقد حملت إليهم مئة ألفِ درهمٍ وعشرة آلافِ دينار، وسلَّم إليَّ الخادمُ صكًّا بضيعتَين جليلتين وقال: هذه الدارُ وما فيها والضَّيعتان لك. فأقمتُ مع البرامكة في أَخفضِ عيشٍ إلى الآن، ثم قصدني عَمرو بنُ مَسعدةَ في الضَّيعتين، وأَلزمني من خَراجهما ما لا يفي [به] دخلُهما، فكلَّما لحقتني نائبة، قصدتُ دورَهم فبكيتُهم، فاستدعى المأمونُ عَمرَو بن مسعدةَ وأمره أن يردَّ عليه ما استخرج منه، ويقرِّرَ خراجه على ما كان عليه في أيَّام البرامكة، فبكى الرجلُ بكاءً شديدًا، فقال له المأمون: أَلم أستأنفْ بك جميلًا! قال: بلى، ولكن هذا من بركةِ البرامكة، فقال (١): امضِ مصاحَبًا؛ فإن الوفاءَ مبارك، وحسن العهدِ من الإِيمان [انتهت ترجمته واللهُ أعلم، والحمدُ لله وحده، وصلَّى اللهُ على محمَّد]. * * *

стр. 6069

السَّنة الحادية والتِّسعون بعد المئة فيها استفحل أمرُ رافعِ بن اللَّيثِ بسَمَرْقَند، فكتب إليه أهلُ نَسَفَ يعطونه الطاعةَ، ويسألونه أن يبعث إليهم مَن يُعينهم على عيسى بنِ علي، فوجَّه صاحب الشاش في عسكره، فقُتل عيسى بنُ عليِّ بن ماهان، وكان واليًا عليهم. ولمَّا بلغ الرشيدَ قتلُ عيسى وتفريطُ عليٍّ في أمر خراسان، عزله وولَّى هَرْثَمةَ بن أَعْيَن، وكان علي بن عيسى لما قُتل ابنُه عيسى ببَلْخَ خرج (١) منها، فأتى مَرْوَ خوفًا أن يقصدَه رافعُ بن الليث، وكان عيسى بنُ عليٍّ قد دَفن ببلخ في بستان دارِه أموالًا عظيمة، قيل: مبلغُها ثلاثون ألفَ ألفِ درهم، ولم يُعلِم بها عيسى سوى جاريةٍ كانت له، فلمَّا شخص عليٌّ عن بلخ، أَطلعت الجاريةُ بعص الخدم، وتحدَّث به الناس وشاع الخبر، فاجتمع أهلُ بلخ ودخلوا البستانَ واستخرجوا الأَموال، ونهبها العامَّة، وبلغ الرشيدَ الخبر، فقال: خرج عليٌّ من بلخ بغير أمري وبها هذه الأموالُ، وهو يزعم أنه باع حُلِيَّ نسائه وأَنفقه في محاربة رافع! فعزله وولَّى هرثمة، فاستصفى أموال عليِّ بن عيسى، فبلغت ثمانين ألفَ ألفِ درهم. وحكى بعضُ موالي الرشيدِ فقال: كنَّا بجُرْجان مع الرشيدِ وهو يريد خُراسان، فوصلت خزائن عليِّ بن عيسى على ألفٍ وخمس مئةِ بعير. ولما عزم الرشيدُ على عزل علي بن عيسى، دعا هَرْثمةَ مُسْتَخليًا فقال: إنِّي لم أشاورْ فيك أحدًا ولم أُطلعه على سِرِّي فيك، وقد اضطرب عليَّ ثَغْرُ المشرق، وإنَّ عليَّ بن عيسى أمرهُ مختلف، وقد نبذ عهدي وراءَ ظهره، وقد خالف أمري، وقد كتب إلي يستمدّ، وأنا كاتبٌ إليه، أخبره بأنِّي قد بعثتك مَددًا له، وأنِّي قد بعثت معك منَ الأموال والسِّلاح والعددِ ما يطيب به قلبُه ويطمئنُّ إليه، وقد كتبت كتابًا بخطِّ يدي، فلا تَفُضَّه حتى تصلَ إلى نَيْسابور، فإذا نزلتَها فاعمل بما فيه ولا تجاوزْه، وإنِّي موجِّه معك رجاءً الخادمَ بكتابٍ أكتبه إلى علي بن عيسى بخطِّي ليتعرَّفَ ما يكون منك ومنه، فتأهَّبْ

стр. 6070

للمسير، وأَظهِر أنَّك إنَّما وجَّهتُك مددًا لعلي بن عيسى. ثم كتب كتابًا بخطِّه إلى عليِّ بن عيسى يشتمه ويقذف أمَّه ويقول: رفعتُ من قدرك، ونوَّهت باسمك، وأوطأتُك سادةَ العرب، وجعلت أبناءَ الملوكِ العجم خَوَلك وأَتباعَك، فكان جزائي أن خالفتَ عهدي، ونبذتَ وراءَ ظهوك أمري، حتى عِثْتَ في الأرض وظلمتَ الرَّعية، وقد ولَّيتُ هَرْثَمةَ بن أَعيَنَ مولاي ثغرَ خراسان، وأمرتُه أن يشدَّ وطأتَه عليك وعلى ولدك وكتَّابك وعمَّالك، ولا يتركَ وراء ظهرِكم درهمًا واحدًا، ولا حقًّا لمسلمٍ ولا معاهدٍ إلَّا أخذكم به، حتى يردَّ الحق إلى أهله. وذكر كلامًا هذا معناه. وكان أهلُ خراسان قد كتبوا إلى هارونَ أنَّ رافعًا لم يَخلع ولا خرج عن الطاعة، وإنَّما السببُ الموجبُ لخروجه وخروجِ أهل خراسانَ معه ظلمُ عليِّ بن عيسى، فإنَّه قد سامهم العَسف. ولما سار هرثمة، شيَّعه هارونُ إلى النَّهروان وأَوصاه بما يعتمد عليه. وفيها وقع الثلجُ بمدينة السلامِ [وحكاه جدِّي في "المنتظم" (١) وزاد بأن قال: فكان] مقدارَ أربعِ أصابعَ مفرَّجة. [قلت: وإنَّما يُستعظم هذا ببغدادَ لأنَّ الثلجَ قليلُ الوقوعِ بها، وإلا فهو في غيرها قامات. وحجَّ بالناس الفضلُ بن العباسِ بنِ محمَّد بنِ علي وهو أمير على مكَّة] (٢). فصل وفيها توفي عيسى بنُ يونسَ ابنِ أبي إسحاقَ السَّبيعي، أبو عَمرٍو الكوفي (٣). من الطبقة السابعةِ من أَهل الكوفة. انتقل إلى الشَّام ونزل ثَغرَ الحَدَث، فأَقام به

стр. 6071

مرابطًا. وكان زاهدًا عابدًا، تُعرض عليه الأموالُ فلا يقبل شيئًا. حجَّ الرشيد ومعه الأمينُ والمأمون، فلمَّا نزل الكوفة قال لأبي يوسفَ القاضي: قل للمحدِّثين يحدِّثونا. فجاؤوا، فلم يتخلَّف من شيوخ الكوفةِ إلَّا اثنان: عبدُ الله بنُ إِدريس، وعيسى بنُ يونس. فركب الأمين والمأمونُ إلى ابن إِدريس، فحدَّثهما بمئة حديث، فقال له المأمون: يا عمّ، أتأذنُ لي أن أُعيدَها عليك من حفظي؟ قال: نعم، فأَعادها كما سمعها، فعجب ابنُ إدريسَ من حفظه، فقال له المأمون: يا عم، إنَّ إلى جانب مسجدِك دارًا، أتأذن لي أن نشتريَها وتوسِّع بها مسجدَك؟ قال: لا، قد أَجزأَ هذا مَن كان قبلي، وهو يُجزئني. فنظر المأمون إلى قَرحٍ في ذراع ابنِ إدريس فقال: يا عمّ، أتأذن لي أن أبعثَ إليك مَن يداويك؟ قال: لا، قد ظهر بي مثلُ هذا وبرئ، فأمر له بمالٍ فلم يقبلْه. ثم صارا إلى عيسى، فحدَّثهما، فأمر له المأمونُ بعشرة آلافِ درهم، فردَّها، فظنَّ أنَّه استقلَّها، فأَمر له بعشرين ألفًا، فقال: لا واللهِ ولا لشربة ماء على حديث النبيّ ﷺ . وقال جعفرُ بن يحيى بنِ خالد (١): ما رأينا مثلَ عيسى بنِ يونس، أَرسلنا إليه، فأتانا بالرقَّة، فاعتلَّ قبل أن يرجع، فقلت: يا أبا عَمرو، قد أُمر لك بخمسين ألفًا، فقال: لا حاجةَ لي فيها، فقلت: هي مئةُ ألف، فقال: لا واللهِ لا يتحدث أهل العلمِ أنِّي أكلت للسُّنَّة ثمنًا، أَلَا (٢) كان ذا قبل أن تُرسلوا إليّ، فأمَّا على الحديث فلا واللهِ ولا لشربة ماءٍ ولا إهلِيلَجة (٣). ومات بالحَدَث في هذه السنة، وقيل: مات سنةَ تسعٍ (٤) وثمانين، وقيل: سنةَ إِحدى وثمانين، وقيل: سنةَ ثمانٍ وثمانين ومئة. وغزا خمسًا وأربعين غَزاة، وحجَّ خمسًا

стр. 6072

وأربعين حجَّة. أَسند عن هشام بنِ عروةَ وغيره، وروى عنه الإمامُ أحمدُ ﷺ وغيرُه. وكان ثقةً ثبتًا صَدوقًا حجَّة، أخرج عنه البخاريّ ومسلم وغيرهما. مَخلَد بنُ الحسين (١) أبو محمَّد البصريّ. تحوَّل من البصرة فنزل المَصِّيصة، فأَقام بها مرابطًا. وكان عالمًا، زاهدًا، وَرِعًا، خائفًا، حافظًا للسانه، لا يتكلَّم فيما لا يَعنيه، قال: منذ خمسين سنةً ما تكلَّمت بكلمةٍ أريد أن أعتذرَ منها. أَسند عن هشام بنِ حسَّان وغيرِه. * * *

стр. 6073

السَّنة الثانيةُ والتِّسعون بعد المئة فيها نزل هَرْثَمَةُ بن أَعيَن نيسابورَ ومعه الأموالُ والسِّلاح والخِلَع، وأَظهر أنَّه إنَّما جاء مُوِدًّا لابن ماهان، وكتب عهودَ جماعةٍ على كُوَر خراسانَ ونَسَا وسَرْخَسَ وجُرْجان وغيرِها، واستكتمهم الحال إلى يومٍ معلوم، وسار إلى مَرو، فلمَّا بقي بينه وبينها مرحلة، كتب أساميَ أولادِ علي وأهلِه وأصحابِه وخواصِّه وعمَّاله في رِقاع، ودفع إلى كلِّ رجلٍ من ثقاته رقعةً وقال: احتفظ بمَن اسمُه معك، خوفًا أن يهربوا. فلمَّا صار على ميلَين من مروَ، تلقَّاه (١) عليُّ بن عيسى في ولده وأهلِ بيته وقوَّاده وخواصّه، فلمَّا وقعت عينُ هرثمةَ عليه، أَومأ إلى النُّزول خدمةً لعليِّ بن عيسى، فصاح به عليّ: واللهِ لَئن نزلتَ لأَنزلنّ، فاعتنقا وقَبَّل كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، وسارا يتحدَّثان حتى وصلا إلى قنطرةٍ لا يجاوزها إلَّا فارس، فتأخَّر هرثمةُ وقال لعليّ: سر على بركة الله، فامتنع، فأَقسم عليه هرثمة، فسار، ودخلا مروَ ونزلا منزلَ عليّ، ورجاءٌ الخادمُ مع هرثمةَ لا يفارقه، وقُدِّم لهم الطعام، فأكلوا، ثم دفع رجاءٌ الخادمُ كتابَ الرشيدِ إلى عليِّ بن عيسى، فلمَّا قرأ أوَّله سُقِط في يده، وتيقَّن أنَّه قد حلَّ به ما كان يتوقعه، ثم أمر هرثمةُ بتقييده وتقييدِ ولده وكتَّابه وعمَّاله، فلمَّا استوثق منهم، صعد المنبرَ في جامع مروَ، وأخبر الناسَ بإنكار أميرِ المؤمنين لِمَا بدا من عليِّ بن عيسى، وأنَّه لم يأمرْه بالظُّلم بل بالعدل، وقرأ عليهم عهدَه وطيَّب قلوبَهم، فعلت أصواتُهم بالتكبير والدعاءِ للرَّشيد. ثم نزل ونادى في المسلمين وأهلِ الذِّمَّة: مَن كانت له مطالبة أو وديعةٌ فلْيَحْضُر، فحضر الناسُ وأَحضروا الودائع، إلَّا رجلًا من أبناء مجوسِ مروَ يقال له: العلاءُ بن ماهيار (٢)، وكان لعليٍّ عنده مال، فأَرسل إليه سرًّا يقول: لكَ عندي مال، فإن أمرتَني بحمله حملتُه، وإلَّا صبرتُ للقتل فيك؛ إيثارًا للوفاء، وطلبًا لجميل الثَّناء، فقال: لو

стр. 6074

اصطنعتُ مثلَك ألفَ رجل ما طمع فيَّ السُّلطان، ثم قال: احفظْه عندك، فإنْ هلكتُ فهو لك، وإن بقيتُ رأيتُ فيه رأيي، وكان مالًا عظيمًا، فيه جواهرُ وطيب كثير، فاستصفى هَرْثمةُ جميعَ أموالِ عليّ، حتى نسائهم وسقوف منازلهم، وكان الرجالُ يفتِّشون بواطنَ النساء، ويجعلون ذلك وسيلةً إلى أغراضهم. ولمَّا فرغ هرثمةُ من استصفاءِ الأموال، أقام عليًّا وولدَه وكتَّابه لمظالمِ الناس، فكل مَن ادَّعى عليه بمالٍ أو بحقّ يقول له هرثمة: اُخرج من حقِّه، ثم يقول لصاحب الحق: ترى أن تؤجِّلَه؟ فيقول: نعم. ولم يَسلَم لعليٍّ من المال سوى ما كان عند المجوسيّ، فكان المجوسيّ يجتمع بصاحب الحق ويُرضيه من ذلك المال، وزعم رجل أنَّ عليًّا أخذ منه دَرَقةً قيمتها ثلاثةُ آلافِ درهمٍ ومَطَلَه، فوقف له يومًا يطلب ثمنَها، فقذف أمَّه وشتمه، فطلب قَذْفَ أمِّه وثمنَ دَرَقته، فقال له هرثمة: ألك بيِّنة؟ قال: نعم، وأَحضر شهودًا، فقال هرثمةُ لعليّ: وجب عليك الحدّ، فقال له عليّ: هذا من فهمك وعلمِك! أَشهد أنَّ أمير المؤمنين قذفك غيرَ مرَّة، وأَشهد أنَّك قذفت أولادَك غيرَ مرة، فمَن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك! ومَن يأخذ من مولاك! فقال هرثمةُ لصاحب الدَّرقة: اُطلب ثمنَ دَرَقتِك الآن، ودعْ قذفَ أمِّك. وكتب هرثمةُ إلى هارونَ يُخبره بما صنع، فكتب إليه يشكره ويصوِّب آراءه فيما فعل. وفيها قدم الرشيدُ من الرقَّة إلى بغدادَ في السُّفن لخمسٍ بقين من ربيعٍ الأول، واستخلف ابنَه القاسمَ على الرَّافقة، وضم إليه خُزَيْمةَ بن خازم، وسار من بغدادَ لخمسٍ خلونَ من شعبان، فنزل النَّهروان، واستخلف على بغدادَ محمدًا الأمين. وقال ذو الرِّياستين: قلتُ للمأمون لمَّا عزم هارونُ على المسير إلى خراسانَ لحرب رافعِ بن الليث: لستَ تدري ما يحدث بأبيك، فإنْ أقمت ببغداد، فأَحسنُ ما يُصنع بك أن تُخلعَ من العهد؛ لأنَّ محمَّدًا ابنُ زبيدة، وأخواله بنو هاشم، وقد عرفتَ زبيدةَ وأموالها. فسأله أن يكونَ معه، فأذن له بعد امتناع منه (١). وقال ابنُ الصباح الطبريُّ مولى عيسى بنِ جعفر الهاشمي: شيَّع أبي هارونَ حتى

стр. 6075

خرج إلى خراسانَ، ومضى معه إلى النَّهروان، فجعل يحادثه في الطَّريق، إلى أن قال له: يا صباح، لا أَحسبك تراني بعدها أبدًا، قال: فقلت: بل ردك الله سالمًا قد فتح اللهُ عليك، وأَراك في عدوِّك ما تحبّ، فقال: يا صباح، لعلك لا تدري ما أَجد، قلت: لا والله، قال: تعال حتى أُريَك، فعدل عن الطريق قدرَ مئةِ ذراعٍ واستظلَّ بشجرة، وأَومأَ إلى خدم الخاصَّة فتنحَّوا، ثم قال: بأمانة اللهِ يا صباحُ أن تكتمَ علي، فقلت: أنا عبدُك، فكشف عن بطنه، فإذا عِصابةٌ من حريرٍ حوالي بطنِه وظهرِه قد عَصَبها، وكلُّ بَدَنه نِقاباتٌ وقروحٌ عليها المَراهم، فقال. هذه حالي الباطنةُ منذ سنةِ تسع وثمانين، واللهِ ما علم بها إلَّا ابنُ بختيشوع عينٌ عليَّ لمحمَّد، ومسرورٌ عين علي لعبد الله، وقد بلغني أنَّهما أَخبراهما بمرضي، وليس فيهم إلَّا مَن يُحصي أنفاسي، ويعدُّ أيَّامي، ويستطيل دَهري، فإن أردتَ أن تعرفَ ذلك فالساعةَ أدعو بدابَّة فيجيؤونني ببِرذونٍ أَعجفَ قَطُوف (١)؛ ليزيدَ في عِلَّتي. ودعا ببِرذون، فجاؤوه ببرذونٍ كما وصف، فركب ونظر إليَّ وقال: أَلمْ أقلْ لك؟ فدعوتُ له، فقال: اِرجع إلى أشغالك غيرَ مودع، فنزلت فقبَّلت رِكابه، فكان آخرَ العهدِ به. وفيها توفي إسماعيلُ بن جامعِ ابن إسماعيلَ بن عبدِ الله بن المطَّلب بنِ وَداعة، أبو القاسم المكّي. كان قد قرأ القرآنَ وسمع الحديث، فترك ذلك وتعلم الغناءَ. [وقد ذكره أبو الفَرَجِ الأصبهانيُّ وذَكَرَ من أخباره] قال: لحقتني ضائقةٌ شديدةٌ بمكَّة، فانتقلت إلى المدينة، فخرجتُ ذاتَ يومٍ وما أملك إلَّا ثلاثةَ دراهم، وإذا بجاريةٍ على رقبتها جرَّةٌ تريد الرَّكِي (٢) وهي تقول: [من الطويل] شَكَونا إلى أَحبابِنا طولَ ليلِنا (٣) … فقالوا لنا ما أَقصرَ الليلَ عندنا

стр. 6076

وذاك لأنَّ النومَ يَغشى عيونَهمْ … سِراعًا ولا يَغشى لنا النومُ أَعيُنا إذا ما دنا الليلُ المُضِرُّ بذي الهوى … جَزِعنا وهم يستبشرون إذا دنا فلو أنَّهمْ كانوا يُلاقون مِثلَما … نلاقي لَكانوا في المَضاجع مِثلَنا [قال]: فأخذ الغناءُ بقلبي، فلم يَدُرْ لي منه حرف، فقلت: يا جارية، ما أدري أوجهُك أحسنُ أم غناؤك! فلو شئتِ أَعدتِ، فقالت: مرحبًا وكرامة، ثم أَسندتْ ظهرَها إلى جدارٍ، وابتعثت تغنِّيه، فما دارَ لي منه حرف، فقلت: لو تفضَّلتِ مرَّةً أخرى، فَقطَّبت وكَلَحت، وقالت: ما أعجبَ أمرَكم! يجيءُ الواحدُ منكمِ إلى الجارية عليها الضريبةُ فيشغلها عن ضريبتها، فرميتُ إليها بالثَّلاثة الدراهم، فأخَذتْها وقالت: أَحسبك تأخذ بهذا الصوتِ ألفَ دينارٍ وألفَ دينارٍ وألفَ دينار، [ثم افترقنا وقد حفظتهُ، وعنَّ لي الخروجُ إلى بغداد، فدخلتها ولا أدري أين آخُذ، فدخلتُ مسجدًا قريبًا من دار الفضلِ بن الربيع، وإذا رجل يصلِّي آخرَ الناس والخدمُ ينتظرونه، فلمَّا فرغ من صلاته، نظر إليَّ وقال: أَحسبك غريبًا، قلت: نعم، قدمتُ الساعةَ ولا أعرف أحدًا، ولا صناعتي ممَّا يرغب فيها أهلُ الخير، فقال: وما صناعتُك؟ قلت: مغني، فوثب ووكَّل بي رجلًا ومضى، فقلت للرجل: مَن هذا؟ قال: سَلَّام الأبرش. ثم حُملت إلى دار الضيافة وأُحضر لي طعام، فأكلت، وخِلعةٌ فلبست، وجيء بي إلى دار فيها أسِرَّة، فأجلسوني على سريرٍ منها، وهناك جَوارٍ في حجورهنَّ العيدان، وستارةٌ مضروبة، ورجل جالس بين الجوراي في حجره عود، فخرج خادم، فقال الرَّجل للجواري: غنِّين، فغنَّين بصوت لي، فغيَّرنه، فقال لي الخادم: غنِّ، فغنَّيت بصوت لي: [من الكامل] عوجِي عليَّ فسلِّمي جَبْرُ … فيم الوقوفُ وأنتمُ سَفْرُ ما نلتقي إلَّا ثلاثَ مِنًى … حتى يفرِّقَ بيننا الدهرُ فتزلزلت الدار، وخرج الخادمُ وقال: ويحك لمن هذا الصَّوت؟! قلت: لي. فدخل ثم خرج فقال: كذبتَ، هذا لابن جامع، فقلت: أنا ابنُ جامع، فما أحسستُ إلَّا بالرشيد وقد خرج من وراء السِّتارة ومعه جعفرُ بن يحيى وقال: ابنُ جامع؟ فقلت: نعم، قال: ومتى قدمتَ؟ فحدَّثته الحديث، فعجب وأمر لي بدار، وقال: أَبشِر وابسُط أَمَلَك، غنِّ،

стр. 6077

فغنَّيته بأبيات الجارية، فدعا بكيسٍ فيه ألفُ دينار فأعطاني إياه، ثم قال: أَعِدْه، فأَعدته، فأعطاني ألفَ دينار، ثم قال أَعِده، فأعدته، فأَعَّطَاني ألفًا أخرى، فتبسَّمت، فقال: ممَّ تتبسَّم؟ فحدَّثته الحديث، فعجب، وأمر لي بدارٍ وفرس وخيلٍ وخدم وأثاثٍ ووصائف، فأصبحت أغنى الناس. قلت: حكايةٌ طويلة اختصرتُها] (١). بُهلول المجنون (٢) من أهل بغداد، كان يأوي إلى المقابر [ووعظ الرشيدَ في سنة ثمانٍ وثمانين وهو يريد الحجّ، وقد ذكرناه. وكان له كلامٌ حسن وإشاراتٌ عجيبة. حدثنا جدِّي ﵀ بإِسناده عن] سريٍّ السَّقطي قال (٣): خرجتُ يومًا إلى المقابر، فرأيتُ بُهلولًا قد دلَّى رجلَيه في قبرٍ وهو يلعب بالتُّراب، فقلت له: أيَّ شيءٍ تصنع هاهنا؟ فقال: أنا عند قومٍ لا يؤذونني، وإن غبتُ عنهم لا يغتابونني، فقلت له: لا تكون جائعًا؟ فقال: [من الطويل] تجوَّع فإنَّ الجوع من عَلَم التُّقى … وإنَّ طويل الجوعِ يومًا سيشبعُ فقلت له: إنَّ الخبز قد غلا، فقال: واللهِ ما أبالي ولو بلغَتْ كلُّ حبةٍ مثقالًا، علينا أن نعبدَه كما أَمر، وعليه أن يرزقَنا كما وعد، ثم ولَّى وهو يقول: [من الرمل] أُفٍّ للدنيا فليست لي بدارٍ … إنما الراحة في دار القرارِ أبَتِ الساعات إلا سرعةً … في بِلَى جسمي بليكٍ أو نهار وفي رواية: أَنشد (٤): [من البسيط] يا مَن تمتَّع بالدنيا وزينتِها … ولا تنام عن اللذَّات عيناهُ أَفنيتَ عمْرك فيما ليس تدركهُ … تقول لله ماذا حين تلقاه [فيها توفي

стр. 6078

صَعصَعَةُ بن سلَّام (ويقال:) (١) ابنُ عبدِ الله، أبو عبدِ الله الدِّمشقي. ذكره أبو عبد الله الحُميديُّ في تاريخ الأندلس (٢) وقال: هو أندلسي. والأصح أنَّه دمشقي. دخل الأندلس، وهو أوَّل مَن دخلها من الفقهاء أصحابِ الأوزاعي، وهو أوَّل مَن غرس الشجرَ بجامع قُرْطُبة، وكان في زمان هشامِ بن عبد الرحمن الداخلِ مقيمًا بها إلى أن مات بها في هذه السَّنة. وقال الحُميديُّ: مات في سنة اثنتين وتسعين ومئة. وذكره أبو سعيد بنُ يونسَ فيمن قدم مصر، قال: وتوفِّي في سنة ثمانين ومئة (٣)، ودُفن بجزيرة الأندلسِ في ولاية الحكمِ بن هشام بنِ عبد الرحمن]. عبدُ الله بن إدريسَ ابنِ يزيدَ بن عبدِ الرَّحمن، أبو محمَّد الأَوْدي (٤). من الطبقة السابعةِ من أهل الكوفة. ولد سنةَ خمسَ عشرةَ ومئة، وقيل: سنةَ عشرين. وتوفِّي بالكوفة في عشر ذي الحِجَّة. وكان ثقةً إمامًا عالمًا زاهدًا عابدًا وَرِعًا مأمونًا حجَّة، كثيرَ الحديث، صاحبَ سنَّة وجماعة، لا يستقضي أحدًا يسمع عليه الحديثَ حاجة. قال الحسنُ بن ربيع: كنت عند عبد الله بنِ إدريس، فلمَّا قمت قال لي: سل عن سعر الأُشنان (٥)، فلمَّا مشيت ردَّني وقال: لا تسأل؛ فإنَّك تكتب مني الحديث، وأنا أكره أن أسألَ من سمع مني الحديث. وكان الإمام أحمدُ رحمة اللهِ عليه يقول: عبد الله بن إدريس نَسيجُ وَحْدِه.

стр. 6079

وأقدمه هارونُ إلى بغدادَ ليولِّيه القضاء، فامتنع وعاد إلى الكوفة، فأَقام بها حتى توفِّي. وقال فلان (١): سألت وكيعًا عن مَقدَمه هو وابنُ إدريس وحَفْصُ بن غياث على الرشيد، فقال: ما سألني عن هذا أحدٌ قبلك، قَدِمنا على هارونَ فأَقعدنا بين السَّريرين، وكان أوَّل مَن دعا به أنا، فقال: يا وكيع، قلت: لبَّيك يا أميرَ المؤمنين، قال: إن أهل بلدِك طلبوا مني قاضيًا وَسمَّوك لي فيمن سمَّوه، وقد رأيت أن أشركَك في أمانتي وصالحِ ما أَدخل فيه من أمر هذه الأمَّة، فخذ عهدَك وامض، فقلت: أنا شيخٌ كبير، وإِحدى عينَيَّ ذاهبة والأخرى ضعيفة، فقال هارون: اللهم غُفرًا، خذ عهدَك أيها الرجلُ وامضى، فقلت: واللهِ لئن كنتُ صادقًا إنه لينبغي أن تقبلَ مني، ولئن كنتُ كاذبًا فما ينبغي لك أن تولِّي القضاءَ كاذبًا، فقال: اخرج، فخرجت ودخل ابنُ إدريس، وكان قد وُسِمَ له منه وَسْم، أي: خُشونة، فسمعنا صوتَ رُكبتَيه على الأرض حين بَرَك، وما سمعناه يسلّم إلّا سلامًا خَفيفًا، فقال له هارون: أتدري لمَ دعوتك؟ قال: لا، قال: إنَّ أهل بلدِك طلبوا مني قاضيًا، فقال ابنُ إدريس: لا أَصلح للقضاء، فنكت هارونُ بإصبعه وقال: وددت أنِّي لم أكن رأيتك، فقال له ابنُ إدريس: وأنا واللهِ وددت أنِّي لم أكن رأيتك، فقام وخرج، ودخل حفصُ بن غياث، فقال له كما قال لنا، فقبل عهدَه وخرج، وأتانا خادمٌ ومعه ثلاثةُ أكياسٍ في كلِّ كيس خمسةُ آلافِ درهم، فقال: أميرُ المؤمنين يُقرئكم السلام ويقول: قد لزمتكم مؤنةٌ في شخوصكم، فاستعينوا بهذه على سفركم. قال وكيع: فقلت له: أَقرِئ أميرَ المؤمنين السلامَ وقل له: قد وَقَعَتْ مني بحيث يحبُّ أمير المؤمنين، وأنا عنها مُسْتَغنٍ، وفي رعيَّة أميرِ المؤمنين مَن هو أحوجُ مني إليها، فإنْ رأى أميرُ المؤمنين أن يصرفَها إلى مَن أحبّ. وأمَّا ابن إدريس، فصاح به: مُرَّ من ها هنا. وأمَّا حفص، فقبلها. وخرجت الرقعةُ لابن إدريسَ من بيننا: عافانا اللهُ وإياك، سألناك أن تدخل في أعمالنا فلم تفعل، ووصلناك من أموالنا فلم تقبل، فإذا

стр. 6080

أتاك ابني المأمونُ فحدِّثه إن شاء الله. فقال للرسول: إذا جاءنا مع الجماعةِ حدَّثناه إن شاءَ الله. ثم مضينا، فلمَّا سِرنا إلى الياسرية (١) حَضَرَت الصلاة، فنزلنا نتوضأ. قال وكيع: فنزل إليَّ شرطيٌّ محمومٌ نائم في الشمس عليه سوادُه، فطرحت كسائي عليه وقلت: يدفأ إلى أن أتوضأ، فجاء ابنُ إدريس فاستلبه ثم قال لي: رَحِمتَه لا رحمك الله! في الدنيا أحدٌ يرحم مثلَ هذا! ثم التفت إلى حفصٍ فقال: يا حفص، قد علمتُ حين دخلتَ إلى سوق أَسَدٍ، وتهيَّأتَ، ودخلت الحمام، وخَضَبتَ لِحيتك؛ أنَّك ستلي القضاء، واللهِ لا أكلِّمك حتى تموت، فما كلَّمه حتى مات. وقال الإمام أحمدُ ﵁: رأيتُ على عبد اللهِ بن إدريس جُبَّةَ لُبُودٍ وقد أتت عليها الدُّهور والسِّنون. وكان ابنُ إدريس يقول: لو انقطع رجلٌ إلى رجل لَعرف له ذلك، فكيف بمَن له السماواتُ والأرض. ولمَّا نزل الموتُ به بكت ابنتُه، فقال: لا تبكي، فقد ختمتُ القرآنَ في هذا البيتِ أربعةَ آلاف ختمة. أَسند عن أبيه وعن الأعمش وغيرِهما، وجمع بين العلم والزهد، وروى عنه مالكُ بن أنس (٢) وغيرُه، وأثنَوا عليه الأئمَّة. وقال له ولدُه (٣): إنَّ هذا البقَّال الذي في المَحَلَّة يُغلي علينا الحوائج، أَفلا نشتري لك (٤) من السوق؟ قال: لا، إنَّما جاوَرَنا ليربحَ علينا، رحمةُ الله عليه. عليُّ بن ظَبْيان أبو الحسن العَبْسيُّ الكوفي. كان عالمًا، متواضعًا، جليلا، نبيلا، زاهدًا، عابدًا،

стр. 6081

عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة. وكان حَسَنًا في الحكم، تقلَّد الشرقية (١)، ثم تقلَّد قضاءَ القضاة عن الرشيد، وكان يجلس على باريَّة (٢)، فقيل له: قد كان مَن قبلك من القضاة يجلسون على الوطاء ويتَّكئون، فقال: إني لأَستحيى من الله أن يجلسَ بين يدَيَّ حُرَّان مسلمان على باريَّة وأجلسَ أنا على وطء، واللهِ لا جلست إلَّا على ما يجلس عليه الخصوم. وكان الرشيد إذا سافر يُخرجه معه، فلما خرج إلى خراسان في هذه السنة، أخرجه معه، فتوفِّي بقَرْمِيسين. حدَّث عن عُبيد الله (٣) بن عمر العُمري وغيره، وروى عنه داودُ بن رُشَيد وغيره، وكان ثقة، وضعَّفه بعضهم (٤). الفضلُ بن يحيى بنِ خالد البَرمَكيّ كان متكبِّرًا جدًّا، عَسِرَ الخُلق، وكان أجودَ من جعفرٍ وأندى راحة، ومولدُه في ذي الحِجَّة سنَة سبع وأربعين ومئة، ومولد هارونَ أوَّل يوم من المحرَّم سنةَ ثمانٍ وأربعين، فأَرضعت الخَيزُرانُ الفضلَ، وأرضعت أمُّ الفضل هارونَ أيامًا، وأمّ الفضل زُبيدةُ بنت منين (٥)، بربريةٌ من مولَّدات المدينة. وفي الرَّضاع يقول مروانُ بن أبي حَفْصَةَ يمدح الفضلَ من قصيدة: [من الطويل] كفى لك فضلًا أنَّ أفضلَ حُرَّةٍ … غَذَتْك بثديٍ والخليفةَ واحدِ لقد زان (٦) يحيى في المشاهد كلِّها … كما زان يحيى خالدًا في المشاهد

стр. 6082

ووهب الفضلُ لطبَّاخه مئةَ ألف درهم، فعوتب في ذلك، فقال: إنَّ هذا صَحبني ولم يكن لي شيء، واجتهد في خدمتي ونُصحي، وقد قال الشاعر: [من البسيط] إنَّ الكرامَ إذا ما أَيسروا ذَكَروا … مَن كان يَعتادهم في المنزل الخَشِنِ (١) ووهب لبعض الأدباءِ عشرة آلاف دينار، فبكى الأديب، فقال: أَتبكي استقلالًا لها؟ فقال: لا والله، ولكن أبكي كيف تواري الأرضُ مثلَك. وقال الجَهْم: أضَقْتُ إضاقةً شديدة، فأصبحتُ ذات يوم وليس عندي ما آكل، لا أنا ولا غلامي ولا دابَّتي، فقلت للغلام: أَسرِج لي الدابَّة، فأَسرجها وركبت، فلمَّا صرت بسوق يحيى، إذا بالفضل في مَوكبٍ عظيم، فسرت معه، فبينا نحن كذلك، إذا بغلامٍ على رأسه طَبَق، فوقف على بابٍ وصاح: يا فلانة، باسم جارية، فوقف الفضلُ طويلًا يرتاح إلى صوت الغلام، ثم سار وقال: تدري ما سببُ وقفتي؟ قلت: لا، قال: كانت لأُختي جارية، وكنت أحبها حبًّا شديدًا، وأستحيي من أختي أن أطلبَها منها، فلمَّا كان في هذا اليوم، زيَّنتْها أختي، وألبستها أحسنَ الثياب والحُلِي، وبَعَثَتْ بها إلي، فكنتُ معها في ساعة ما مرَّ من عمري ألذُّ منها، فجاءني رسولُ أمير المؤمنين يطلبني، فقطع عليَّ لذَّتي، فركبت، ولمَّا صرت إلى هذا المكان، دعا هذا الغلامُ باسم تلك الجارية، فارتحتُ لندائه. فقلتُ: أصابك ما أصاب أخا بني عامرٍ (٢) حيث يقول: [من الطويل] وداعٍ دعا إذ نحن بالخَيف من مِنى … فهيَّج أشجانَ الفؤادِ وما يدري دعا باسم ليلى غيرَها فكأنما … أَطار بليلى طائرًا كان في صدري فقال: اكتب لي هذين البيتَين، ولم يكن معي ورق، فعدلتُ إلى بعض البقَّالين، فرهنتُ خاتَمي عنده على ورقةٍ وكتبت له البيتين ولحقتُه بهما، فقال: اِرجع إلى منزلك، فرجعت، فقال لي غلاميِ: هاتِ الخاتمَ حتى أَرهَنَه على ما نأكل، فقلت: قد رهنته. فما أمسيتُ حتى بعث إليَّ الفضلُ بثلاثين ألفَ درهمٍ جائزةً، وعشرةِ آلاف سلفًا من رزقٍ رُزقته في كلّ شهر أَجراه لي.

стр. 6083

وقال عبدُ الله بن الحسن (١) العلوي: أتيتُ الفصْلَ بن يحيى، فكلمته في دَين علي ليكلم لي أميرَ المؤمنين، فقال: كم دَينك؟ قلت: ثلاثُ مئة ألفِ درهم، فقال: نعم. فخرجتُ من عنده وأنا مغموم لضعف رده، فمررت ببعض إِخواني مستريحًا له، فما وصلتُ إلي منزلي إلا والمالُ قد سبقني. ومرَّ الفضل بعَمرو بنِ جَميلٍ (٢) التَّميميِّ وهو في مضربه يُطعم الناس، فقال: ينبغي لنا أن نُعينَ عَمرًا على مروءته، فبعث إليه بألف ألفِ درهم. وكان أبانُ بن عبد الحميدِ كاتبُ الفضل فيه تِيهٌ شديد، فكتب إلى الفضل: [من الخفيف] أنا من نعمة (٣) الأميرِ وكنزٌ … من كنوز الأميرِ ذو أَرباحِ كاتبٌ حاسب أديب خطيب … ناصحٌ زائد على النُّصَّاح شاعر مُفلِق أخفُّ من الرِّيـ … شةِ ممَّا يكون تحت الجَناح ليَ في النَّحو فطنة وذكاء (٤) … أنا فيهِ قلادة لِوشاح لو رمى بي الأميرُ أصلحه اللـ … ـه رماحًا صَدَمتُ حدَّ الرِّماح ثم أَروي من ابن سيرينَ في الفِقـ … ـه (٥) بقولٍ منوَّرِ الإيضاح (٦) كم وكم [قد] خَبَأتُ عندي حديثًا … هو عند الأمير كالتُّفَّاح لو دعاني الأميرُ عايَن منِّي … شَمَّرِيًّا كالجُلْجُل الصياح (٧) من أبيات.

стр. 6084

فأعطاه الفضلُ مالًا عظيمًا، ففرَّقه في الشعراء، وبعث منه إلى أبي نُواسٍ بدرهم واحدٍ ناقص، فقيل له في ذلك، فقال: أعطيت كلَّ واحد على قَدْر شعره، وبلغ أبا نُواس فهجاه، وكان قصيرًا طويلَ اللحية كبيرَ الأنف: [من الخفيف] كان أَوْلى بقلَّة الحظِّ مني … المسمَّى بالجُلْجُل الصيَّاحِ لِحيةٌ جَعْدة وأنفٌ طويل … وسوى ذاك ذاهبٌ في الرّياح باردُ القولِ مظلمُ القلبِ تيَّا … هٌ معيدُ الحديثِ (١) سَمجُ المُزاح فبعث إليه أَبانٌ بألف درهمٍ وقال: لا تُظهرْها، فقال: واللهِ لو أعطاني مئةَ ألف درهمٍ ما أخفيتُها، ولا بدَّ من إِظهارها، وبلغ الفضلَ فقال: أعطيناه ألفَ ألفِ درهم، فكان حظُّ أبي نُواسٍ منها أقلَّ من درهمٍ مع طول لسانه! فقيل له: كذب عليه، فقال: أليس قد قيل؟! وقد رماه بخمسٍ لا يتَّصف بواحدةٍ منها إلا جاهل، يعني البيتَ الأخير، وأَبعده عنه. ذِكر وفاته: لمَّا عزم الرشيدُ على خراسان، أَحضر الفضلَ بالرقَّة من الحبس وقال له: ويحك يا فضل، لقد كسبتْ يداك شرًّا طويلًا، وجنى عليك جهلُك (٢) عذابًا وبيلًا، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] فقال له: قتلتَ أخي، ومات أبي في حبسك، وأنا على الأَثر، مع تعزيزِنا لسلطانك، وتشييدِنا لملكك، وبراءةِ ساحتنا، وسترد فتَعلم، وتندم حيث لا ينفعك النَّدم. فردَّه إلى الحبس، فمات في رمضان قبل موتِ هارونَ بشهور. وقيل: مات سنةَ ثلاثٍ وتسعين في المحرَّم قبل موتِ الرشيد بيسير، أصابه ثِقَلٌ في لسانه وشفتِه، وقلَّ نظره. وكان يقول: ما أحبُّ أن يموتَ هارون؛ فإنَّ أمري يَقربُ من أمره (٣). وكانت وفاتُه يومَ السبت، فأُخرجت جنازتُه، فكان يومًا عظيمًا، بكى الناسُ

стр. 6085

عليه وحزنوا وصلَّوا عليه. وكان يعطي السجَّانين في كلِّ شهرٍ عشرةَ آلاف درهم. قال صالح (١) في بني بَرمَك: [من الرمل] يا بني بَرمَكَ واهًا لكمُ … ولأيامكم المقتَبَله كانت الدُّنيا عَروسًا بكم … وهي اليوم ثَكولٌ أَرمَلَه * * *

стр. 6086

السَّنة الثالثة والتِّسعون بعد المئة فيها وصل الرشيدُ إلى جُرْجان في صفر، وحُملت إليه أموالُ علي بن عيسى بنِ ماهانَ على ألف وخمسِ مئة جمل، وكان قد مرَّ في طريقه على شِعب بَوّان، وهو من عجائب الدُّنيا [وكان قد رأى بدمشقَ ديرَ مُرَّان، وكان] (١) على تل وحوله رياضُ الزَّعْفَران، والمياهُ تخترق البساتين، فأعجبه وقال: أربعة منازلَ ليس في الدنيا مثلُهن: دير مُرّان بدمشق، والرقَّة، وشِعبُ بَوّان، وسَمَرْقَند، وقد رأيتُ ثلاثة وبقي الرابع، وهي سمرقند، فلم يصلْ إليها. ولمَّا نزل بطُوْس، بدأ به المرض، وكان قد اتَّهم هَرْثَمة برافع بن الليث، فوجَّه ابنَه المأمونَ قبل وفاتِه إلى مروَ بثلاثٍ وعشرين ليلة، ومعه جماعةٌ من القواد: عبدُ الله بن مالك، ويحيى بنُ معاذ، وأَسَد بن يزيدَ بنِ مزيدَ، والعباسُ بن جعفرِ بن محمد بن الأشعث، والسِّندي، وغيرُهم. وكان هارونُ ضعيفًا عن المسير، فساروا مع هرثمة، وقطعوا النَّهر، وجرت بينهم وبين رافع وقَعاتٌ ظهروا عليه فيها، وافتتحوا بخارى، وأَسروا بشيرَ بن الليث أخا رافع، وعاد رافعٌ إلى سمرقند، وبعث هرثمةُ ببشيرٍ إلى طوسَ وقد ثقل هارونُ في مرضه، فدخلوا به على هارونَ وهو على سريرٍ ينظر في المرآة ويقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثم قال لأخي رافع: يا ابنَ اللَّخْناء، إنّي لَأرجو ألا يفوتَني خامل -يعني رافعًا- كما لم تفتْني أنت، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد كنتُ لك حربًا، وقد أظفرك الله، فافعل ما يحب اللهُ أكن لك سِلمًا، ولعل اللهَ أن يلينَ لك قلبَ رافعٍ إذا علم أنَّك قد مننتَ عليَّ، فغضب هارونُ وقال: واللهِ لو لم يبقَ من أجلي إلَّا أن أحرِّكَ شفتي بكلمةٍ لَقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصَّاب فقال: لا تشحذْ مُدَاك، دعها على حالها، وفصِّل هذا الفاسقَ بنَ الفاسقِ أخا الفاسق، وعجِّل لا يحضرني أجلي وعضوٌ (٢) من أعضائه في جسمه،

стр. 6087

ففصَّله حتى جعله أَشلاء، فقال: عُدَّ أعضاءه، فعدَّها، فإذا هي أربعةَ عشرَ عضوًا، فرفع يديه وقال: اللهمَّ كما مكَّنتني من هذا فمكِّني من أخيه، وغُشي عليه، فتفرَّق مَن كان حوله. وقيل: إنَّه فعل ذلك بابن عمٍّ رافعٍ أيضًا، فقال القاضي التَّنوخي (١): لمَّا سار هارونُ إلى طوسَ واشتدَّت علَّته وبلغ خبره إلى ولده الأمين، استدعى بَكْرَ بن المُعْتَمر، ودفع إليه كتابًا ظاهرًا إلى هارونَ يتضمَّن عيادته والسؤال عنه، وكتبًا باطنةً إلي الفضل بنِ الربيع وإسماعيلَ بن صَبيح وغيرِهما من القوَّاد، يأمرهما إنْ حَدَث بأبيه حدثٌ أن يقفُلوا إلى بغدادَ بما في العسكر من الأموال وغيرِها، وكان هارونُ قد أَشهد عليهم أنَّ الجميع لابنه المأمون، فلمَّا دخل بكر بنُ المعتمر على هارونَ ودفع إليه الكتاب، وقف عليه وقال: وأين الكتبُ التي معك؟ فأنكر، فحبسه، ثم جلس في مَضرب خزٍّ أسود استدارتُه أربعُ مئةِ ذراع، في أركانه قِبابٌ مغشَّاة بخزٍّ أسودَ والحبال من الإِبرِيسَم الأسود، والأوتادُ سود، وهو جالس في مرتبةٍ سوداء، وخادمٌ من خلفه يمسكه، وعليه قَباء خزٍّ أسود، وقد أذن للناس عليه، والفضلُ بن الربيع جالسٌ بين يديه، فقال: علي ببكر بنِ المعتمر، قال: فحضرت، فقال: واللهِ لئن لم تُحضر الكتبَ التي جاءت معك لأقتلنَّك، فقلت: ما جاء معي غيرُ كتابِ أمير المؤمنين. وأَحضر هارونُ أخا رافعِ بن الليث ومعه قرابتُه، فقال هارون: أيتوهَّم رافعٌ أن يغلبَني، فواللهِ لو كان معه عدد نجوم السماءِ لقتلتهم، فقال له أخو رافع: اللهَ اللهَ فيَّ يا أمير المؤمنين؟ فإنَّ الله يعلم وأهلَ خراسان أنَّني بريءٌ من أخي منذ عشرين سنة، ملازمٌ لمسجدي ومنزلي، فاتَّقِ اللهَ فيَّ وفي هذا الرجل، فقال له قرابتُه: قطع اللهُ لسانك، أنا واللهِ منذ كذا وكذا أسأل اللهَ الشهادة، فلما رُزقتُها على يد شرِّ خلقِه أخذتَ في الاعتذار، فاغتاظ هارونُ وأمر بتفصيلهما، ففُصِّلا والرجلُ يقول: يا هارون، نحن قد رُزقنا الشَّهادة، وأنت بين يدي اللهِ في آخر مدَّة، وستعلم. قال: فواللهِ ما فرغ منهما حتى كأنَّه ذُبالةٌ طفئت.

стр. 6088

قال بكر: ورُددت إلى الحبس، ولم أعلمْ بموته، وأقمت أتوقَّع القتل، فبينا أنا كذلك، إذ بعث إليَّ أبو العتاهيةِ غلامَه وقد كتب في راحته: [من مجزوء الوافر] هي الأيامُ والعِبَرُ … وأمرُ الله ينتظرِ أَتيأسُ أنْ ترى فَرَجًا … فأين اللهُ والقَدَر فلا تجزع وإنْ عَظُم الـ … بلاءْ ومسَّك الضَّرر (١) قال: فوثقتُ بالله وقَوِيَت نفسي، ثم سمعت واعية، وإذا بالفضل بنِ الربيع قد دخل عليَّ وقال: قم، فقمتُ معه، فأَدخلني على هارونَ وهو مسجًّى، فكشف عن وجهه، فإذا هو ميِّت، فقال: هاتِ الكتب، فأخرجتها من صناديقِ المطبخ، وخلع عليّ، وعدتُ إلى بغدادَ بالأَجوبة. الباب السادس في خلافة محمَّد بن هارونَ ابن [محمَّد بن عبد اللهِ بن محمَّد بن] (٢) علي بن عبد الله بن عباس. ويلقَّب بالأمين على دِين الله، ويُكنى أبا موسى، وقيل: أبا عبدِ الله. وليس في الخلفاء مَن اسمُه محمَّد (٣) بن هارون سوى ثلاثة: هذا، وأخوه المعتصم، والمهتدي. وليس في الخلفاء مَن أبوه وأمه هاشميان سوى عليّ بن أبي طالبٍ رضوانُ الله عليه والأمين. [وقال الصولي:] (٤) وفيه يقول أبو الهول الحِميَري: [من الكامل] مَلِكٌ أبوه وأمُّه من نبعةٍ … منها سراجُ الأمَّةِ الوهَّاجُ شربوا بمكَّةَ في ذُرى بطحائها … ماءَ النبوَّة ليس فيهِ مِزاج (٥) وأمُّه زُبيدة، وكُنيتها أمُّ جعفر، وهي بنتُ جعفر بن أبي جعفر المنصور، ولقِّبت

стр. 6089

زبيدة لأنَّ المنصورَ كان يرقِّصها لمَّا كانت صغيرةً، وكانت سمينة، فكان يقول: ما أنت إلَّا زبيدة. [ذِكر مولده وصفتِه: قال الصوليُّ في كتاب الأوراق:] (١) وُلد محمَّد الأمينُ سنةَ إحدى وسبعين ومئةٍ برُصافة بغداد، وكان أبيضَ بضًّا سمينًا سَبطًا، صغيرَ العينين، عظيمَ الكراديس، ولم يكن في زمانه أحسن وجهًا مثه، ولا أَحلى شمائل، ولا أشجعُ ولا أقوى، هجم عليه يومًا أسد وهو في بستانٍ وليس عنده سلاح، فوثب على الأسد من خلفه ورَكِبَه وعصر فخذَيه، فأقعى وانقطع ظهرُه فمات. [قال الصولي:] إلا أنه كان سيِّئ السيرة، سفَّاكًا للدماء، ضعيفَ الرأي، مشغولًا بلذَّاته عن النظر في أمور الرَّعيَّة، حتى إنَّه كان يقول: لا أعرف الإِيرادَ والإِصدار، ولكن أشرب الكاسَ، وأَشَمُّ الآس، وأَستلقي من غير نعاس، وذلك أحبُّ إلي من مداراة الناس. [قال:] وكان فصيحًا بليغًا، حتى إنَّ الرشيدَ كان يقول للمأمون: وددتُ أنَّ لك بلاغة محمَّد وأنَّ عليَّ من الغُرم كذا وكذا. ذِكر بَيعته: [قال الصولي وغيره:] (٢) بويع بالخلافة في عسكر أبيه بطوسَ صبيحةَ الليلةِ التي توفِّي فيها أبوه، وذلك يومَ السبت لأربع خلونَ من جُمادى الأولى (٣) سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، وهو ابنُ ثلاثٍ وعشرين سنة، أو اثنتين وعشرين، والمأمون يومئذٍ بمرو، ولم يكن مع هارونَ من ولده إلَّا أبو عيسى وصالح، فتولَّى صالح بيعةَ الأمين، وكتب حمُّويه مولى المهديّ -وكان صاحبَ الخبر- إلى سلام مولاه ببغدادَ يخبره بوفاة هارون، فدخل على الأمين فعزَّاه وهنَّأه، وهو أوَّل مَن فعل ذلك، ثم قدم بعد ذلك رجاء الخادمُ يومَ الأربعاء لأربعَ عشرةَ ليلةً خلت من جُمادى الآخرة من عند صالح بنِ

стр. 6090

الرشيد إلى الأمين، فوافاه بالخُلْد قصرِ أبي جعفر، فأخبره، فتحوَّل إلى قصر أبي جعفرٍ بالمدينة، وأمر الناس يومَ الجمعة بالحضور إلى جامع المنصور، وصعد المنبرَ فنعى هارونَ، وخطب فقال: أيُّها الناس، إنَّ المَنون تراصد ذوي الأنفاسِ حتمًا من الله تعالى، لا يُدفع حلولُها، ولا يُنكر نزولُها، فاسترجِعوا قلوبَكم عن الجَزَع على الماضي إلى النَّهج الباقي، تُعطَوا أجورَ الصابرين وجزاءَ الشاكرين. ووعد الناسَ خيرًا وقال: إنَما ولِّينا لنُفَرِّجَ عن المَكْروبين، ونزيلَ هموم المَهمومين، ونُحسنَ إلى المحسنين، ونتجاوزَ عن المسيئين. وبايعه الخاصَّة والعامَّة، وأعطى الجندَ رزق سنتين، واستوزر الفضلَ بن الربيع، وجعل العباسَ بن الفضلِ على حجابته. وأول مَن أنشده أبو نُواسٍ فقال (١): [من المنسرح] جَرَت جوارٍ بالسَّعد والنَّحس … فالناسُ في وَحْشةٍ وفي أُنْسِ العينُ تبكي والسِّنُّ ضاحكةٌ … فنحن في مَأتَم وفي عُرْس يُضحكها القائمُ الأمين ويُبـ … كيها وفاةُ الرشيدِ في أَمس بدرانِ بدرٌ أَضحى ببغدادَ في الـ … خُلْد وبدرٌ بطوسَ في الرَّمْسِ وولَّى إسماعيلَ بن صَبيحٍ على ديوان الرَّسائل والتوقيعات، وولَّى عيسى بنَ علي بنِ ماهانَ على شرطته، وقيل: عبدُ الله بن خازم، وأوَّل ما بدأ به الأمينُ أنَّه أطلق عبدَ الملك بنَ صالح بن علي من الحبس، وكان حَبَسه هارونُ على ما تقدَّم. ذِكر بدءِ الخلاف بين الأمينِ والمأمون: كان الأمينُ شديدَ البغضِ للمأمون، وقد ذكرنا إِنفاذَه بكرَ بن المعتمرِ وما جرى له، فلمَّا كانت الليلةُ التي مات فيها هارون، قال للفضل بنِ الربيع: قرِّرْ بكرَ بن المعتمر، فإن أقرَّ وإلَّا فاضرب عنقه، فقرَّره الفضل، فلم يُقرَّ بشيء، وغُشي على هارون،

стр. 6091

فأمسك الفضلُ عن قتله، ثم أَفاق هارونُ وقد شُغل بنفسه عن بكرٍ وغيرِه، وعاد الفضل إلى هارونَ ليخبرَه، وإذا بالصياح قد ارتفع، فكتب ابنُ المعتمر إلى الفضل يقول: لا تعجلوا بأمر؛ فإنَّ معي أشياءَ تحتاجون إلى علمها، وكان بكر محبوسًا عند حسينٍ الخادم، فاجتمع الفضلُ وحسينٌ به، فأَخبرهم بالكتب، وأخرجها من قوائم الصناديقِ وسلَّم إلى كلِّ واحد كتابه، وكان فيها كتابٌ إلى المأمون، وكتابٌ إلى صالح بنِ الرشيد، وكتابٌ إلى الفضل بنِ الربيع، وكتابٌ إلى حسين الخادم، وغيرِهم. فأمَّا كتاب المأمون، ففيه: من محمد بن هارونَ إلى أخيه عبدِ الله المأمون، سلامٌ عليك، أمَّا بعد؛ فإذا ورد عليك كتابُ أخيك -أعاذه اللهُ من فقدك عند حلولِ ما لا مردَّ له ولا مدفع، مما نُعِيَتْ عليه الأممُ (١) الماضيةُ والقرونُ الخالية- فعزِّ نفسك بما عزَّاك الله به، واعلم أنَّ الله قد اختار لأمير المؤمنين أفضلَ الدَّارين، وأجزلَ الحَظَّين، فقبضه اللهُ طاهرًا زكيًّا، قد شكر سعيَه وغفر ذنبَهُ إن شاء الله، فقم في أمرك قيامَ ذي العزمِ والحزم، والناظرِ لأخيه وسلطانهِ ونفسه وعامَّة المسلمين، وإيَّاك أن يغلبَكَ الجزع؛ فإنَّه يُحبط الأجر، ويُعقِب الوزر، وصلواتُ الله على أمير المؤمنين حيّا وميِّتًا، وإنَا إليه راجعون، فخذ البيعةَ على مَن قِبَلك من القوَّاد والجندِ والخاصَّة والعامَّة، لأخيك ثم لنفسك ثم للقاسم ابنِ أمير المؤمنين، على الشَّرائط التي جعلها لك (٢) أميرُ المؤمنين، فإنك مقلَّد من ذلك ما قلَّدك الله وأميرُ المؤمنين، ومَن أنكرتَ طاعتَه واتَّهمته، فابعث إليَّ برأسه، واكتب بذلك إلى عمَّالك وولاةِ ثغورك. وذكر كلامًا طويلًا في معناه، وذكر في آخره: فإنَّ أخاك يعرف حُسنَ اختيارك، وصحَّة رأيك، ودقَّةَ نظرك، وهو يسأل اللهَ أن يشدَّ بك عَضُدَه، ويجمعَ بك أمرَه إن شاءَ الله. وكتب إلى صالح: إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوعِ ما قد سبق من علم الله، ونفذ من قضائه في خَلقه (٣) وأوليائه، وجَرَت به السُّنَّة في الأنبياءِ والمرسلين والملائكةِ

стр. 6092

المقربين فقال: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. فاحمد اللهَ على ما صار إليه أميرُ المؤمنين من عظيم ثوابِه ومرافقةِ أنبيائه، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فشمِّر في أمرك، وإيَّاك أن تلقيَ بيديك؛ فإنَّ أخاك قد اختارك لما استنهضك له، فحقِّق ظنَّه فيك، وخذ البيعةَ على مَن قِبَلك من ولد أميرِ المؤمنين وأهلِ بيته ومواليه وخواصِّه وعامَّته لأخيك محمَّد بن أميرِ المؤمنين (١)، ثم لعبد الله بنِ أمير المؤمنين، ثم للقاسم بنِ أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها أميرُ المؤمنين؛ فإنَّ السعادة واليُمنَ في الأخذ بعهده، والمضيِّ على منهاجه، واعلم أنَّ مَن قِبَلك من الخاصَّة والعامَّة قد رأى (٢) في استصلاحهم، ورد مظالِمهم، وإدرار رزقهم، واضممْ إلى الفضل بنِ الربيع ولدَ أميرِ المؤمنين وخدمَه وأهله، ومُرْه بالمسير معهم، وصيِّر إلى عبد اللهِ بن مالكٍ أمرَ العسكر؛ فإنَّه ثقة على ما يلي، مقبولٌ عند العامَّة والخاصة، وأقِرَّ حاتم بنَ هرثمةَ على ما هو عليه، وتوجَّه إليَّ بما في العسكر من الأموال والأثاثِ وغيره. وذكر كلامًا بمعناه، وكتب إلى الفضل بنِ الربيع وحُسينٍ الخادمِ بمثل ذلك. وكان المأمونُ قد خرج من مروَ إلى قصر خالدِ بن حمَّادٍ على فرسخٍ من مروَ يريد سَمَرْقَند، فقدم عليه إسحاقُ الخادم بنَعْي الرشيد، فرجع إلى مرو، ودخل دارَ الإِمارة دارَ أبي مسلم، وصعد المنبر، ونعى الرشيدَ وشقَّ ثوبَه وبكى، وعزَّى نفسه والناسَ واسترجع، وبايع لمحمَّد ولنفسه، وأعطى الجندَ رزقَ سنة. وأما الفضلُ ومَن كان في عسكر الرشيد، فإنَّهم لمَّا قرؤوا كتبَ الأمين تشاوروا في اللَّحاق بالمأمون أو بمحمَّد، فقال الفضلُ بن الربيع: لا أدع ملكًا حاضرًا لآخَرَ لا ندري ما يكون منه. وأمر الناس بالرَّحيل إلى بغداد، وأَنفق فيهم الأموال، وكانوا قد اشتاقوا إلى أهليهم ببغدادَ ومنازلِهم، فساروا، ونسوا العهودَ التي كانت أُخذت عليهم،

стр. 6093

وكان ذلك أوَّلَ ما بدا من الأمينِ من الغدر بأخيه المأمون. ولمَّا رحلت العساكر عن طوس قال قائل: [من السريع] منازلُ العسكرِ مَعْمورةٌ … والمنزلُ الأعظم مهجورُ خليفةُ الله بدار البِلَى … تَسفي على أجداثه المُور (١) أَقبلت العِيرُ تُباهي بهِ … وانصرفت تَندبه العِير ولمَّا بلغ المأمونَ رحيلُ العسكرِ إلى بغدادَ بالأموال أُسقِط في يده، وجمع خواصَّه وقوَّاد أبيه: يحيى بنَ معاذ، وشبيبَ بن حُمَيدِ بن قَحْطَبة، والعلاءَ مولى هارون وكان على حِجابته، والعباس بن المسيَّب بنِ زهير وهو على شُرطته، وأيوبَ بن [أبي] (٢) سمير، وهو على كتابته، وغيرَهم، وفيهم ذو الرِّياستين، وكان عظيمَ القدرِ عنده، فاستشارهم، فأَشاروا (٣) عليه أن يتجهَّزَ بنفسه خلفهم في ألفَي فارس جريدةٍ (٤) يردُّهم، فقال له ذو الرِّياستين: إن فعلتَ ما أشاروا عليك، جعلوك طُعمةً وهديةً لمحمَّد، قال: فما الرأي؟ قال: أن تكتب إليهم كتابًا وتبعثَ رسولًا يذكِّرهم البَيعة، ويسألهم الوفاءَ بالعهد، ويحذِّرهم الحِنْثَ وما يَلزمهم من ذلك في الدِّين والدنيا، فكتب إليهم كتابًا مع سَهْل بنِ صاعد ونَوفلٍ الخادم، وبعث معهما جماعةً من أهل الرأيِ والعقل، فلحقوهم على ثلاث مراحلَ من نَيسابور. قال سهلُ بن صاعد: فأوصلتُ كتابَ المأمون إلى الفضل بنِ الربيع، فقرأه وقال: إنَّما أنا واحد من القوم. قال سهل: وشدَّ عليَّ عبدُ الرحمن بنُ جَبَلَةَ الأنباريُّ بالرمح فأمرَّه على جنبي، ثم قال: قل لصاحبك: واللهِ لو كنت حاضرًا لوضعتُ هذا الرمحَ في فيك، هذا جوابي. ونال من المأمون، فرجعوا إليه وأَخبروه، فقال له ذو الرِّياستين: اِحمدْ ربَّك، فقد أراحك اللهُ من أَعدائك، والرأيُ عندي ما أذكره لك، فافهمه واعملْ به، وأنا زعيمٌ لك بالخلافة، قال: وما هو؟ قال: قرأتَ القرآن، وسمعتَ الحديث،

стр. 6094

وفقهت في الدِّين، والرأيُ أن تبعثَ إلى من بالحضرة من الفقهاء، فتدعوهم إلى الحقّ والعملِ به وإحياءِ السنَّة، وتقعدَ على اللبود، وترد المظالم، وتكرمَ القوَّاد وأبناءَ الملوك، وتحطَّ عن خراسانَ رُبعَ الخراج، فقال: أَفعل ذلك، ففعله، فحسنت حالُه، وسُرَّ به الناس، وقالوا ابنُ أُختنا وابن عمِّ نبيِّنا ﷺ ، نفوسُنا دونه. ومعنى ابن أُختِنا أنَّ أمَّه مراجل كانت تركية من أهل خراسان. وقيل: إنَّ رسلَ المأمون لمَّا عادوا من عسكر هارونَ آيسين، قال له الفضلُ بن سهل: اصبر واثبُت لتنال ما تحب، ثم خلا بالقواد الذين كانوا عند المأمون، مثل يحيى بنِ معاذ ومَن سمَّينا، وعرض عليهم البيعةَ للمأمون، وقال: قد غدر به محمد وأخذ ما كان أَوصى له به الرشيد، فبايعوا له، فأغلظوا له في الكلام، وقالوا: مَن يدخل بين الخليفةِ وأخيه؟ فدخل الفضلُ على المأمون وقال له: إذا كان هؤلاء كذا، فكيف لو رجع الفضلُ بمن معه! قال: فما الحيلة؟ قال: أَظهِر النُّسك، والزم المسجد، وافرش اللُّبود، وصلِّ الصلواتِ الخمس، ودُم على قراءة القرآنِ والصَّدقة على الفقراءِ والمساكين، وأَزِل المنكر، ومُر بالمعروف، وأحْيِ معالمَ الشريعة. ففعل، فمالت قلوبُ الناس إليه، وأشار عليه ألا يقطعَ مكاتباتِ محمَّد، فكتب إليه، وبعث بالهدايا النفيسة، من الطِّيب والرقيقِ والأَمتعة الجليلةِ وطُرَف السند والهند. وكان هارونُ بفراسته يعلم ما يريد أن يجريَ بينهما، فكان يقول: [من الطويل] محمد لا تُبغِضْ أخاك فإنَّه … يعود عليك البغيُ إن كنتَ باغيا فلا تعْجَلَنْ فالدهرُ فيه كفايةٌ … إذا مال بالأقوام لم يُبْقِ باقيا (١) ولم يجاهر المأمونُ أخاه، بل أَقام على طاعته والأمرُ بينهما مستور. وأمَّا الأمين، فلمَّا أَفضت إليه الخلافة، تشاغل باللَّهو واللعب، وأمر ببناء مَيدانٍ حول قصرِ أبي جعفرٍ في المدينة للَّعب بالصَّوالجة، وأمر بعمل خمس حَرَّاقات (٢) في دجلة، واحدة على خِلقة الأسد، والثانيةُ على خلقة الفيل، والثالثة على خلقة العُقاب، والرابعةُ على خلقة الفرس، والخامسة على خلقة الحيَّة، وأمر الشعراءَ فمدحوها،

стр. 6095

وأطلق لهم خمسَ مئة ألفِ دينار، وأمر بشاعرٍ أنشده قصيدًا بثلاث مئةِ ألف دينار، وأسرف إسرافًا كبيرًا. وفيها جهَّز المأمونُ الجيوشَ إلى رافع بنِ اللَّيث مع هَرْثَمة، فنازله بسَمَرْقَند، وأخرب سورَها الظاهر، ولجأ رافعٌ إلى المدينة الداخلة، وراسمل رافعٌ التُّرك، فوافَوه، وبقي المأمونُ بين رافعٍ والتُّرك يقاتل الفريقين، ثم انصرف التركُ إلى بلادهم، وبقي رافع محصورًا، فضعف أمرُه. وفيها قُتل نقفورُ ملك الرومِ في حرب بُرْجان (١)، وكان ملكُ نقفورَ تسعَ (٢) سنين، وملك بعده ولدُه إستبراقُ بن نقفور، وكان قد خرج مع أبيه، فمات بعده بشهرين، وملك ميخائيل بن جُرجس، وكان خَتَنَه على أخته. وأقرَّ الأمينُ أخاه القاسمَ في هذه السَّنة على ما كان عليه من أعمال الجزيرةِ وقِنَّسرين والعواصم، ثم صرفه عن الجزيرة وولَّى عليها خُزَيمَةَ بن خازم، وأقرَّ القاسمَ على الثُّغور والعواصم. وهذا ثاني أمرٍ خالف فيه الأمينُ وصيةَ أبيه، عزلُه لأخيه عن الجزيرة. وفي شعبانَ قدمت زُبيدة [أمُّ الأمين] (٣) من الرقَّة بجميع ما كان فيها من الأموال والخزائن، فخرج الأمينُ لاستقبالها في وجوه الناسِ والأَشراف والعلماء، فلَقِيها من الأنبار. وحجَّ بالناس داودُ بن عيسى بنِ [موسى بن] محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بنِ عباس، وهو والي مكَّة، فمات بعد الموسم. فصل وفيها توفي صالحُ بن محمد ابنِ عَمرو بن حَبيب بن حسَّان، أبو على البغدادي، مولى أسدِ بن خُزَيمَةَ، ولقِّب
следующие страницы →