فأمسك الفضلُ عن قتله، ثم أَفاق هارونُ وقد شُغل بنفسه عن بكرٍ وغيرِه، وعاد الفضل إلى هارونَ ليخبرَه، وإذا بالصياح قد ارتفع، فكتب ابنُ المعتمر إلى الفضل يقول: لا تعجلوا بأمر؛ فإنَّ معي أشياءَ تحتاجون إلى علمها، وكان بكر محبوسًا عند حسينٍ الخادم، فاجتمع الفضلُ وحسينٌ به، فأَخبرهم بالكتب، وأخرجها من قوائم الصناديقِ وسلَّم إلى كلِّ واحد كتابه، وكان فيها كتابٌ إلى المأمون، وكتابٌ إلى صالح بنِ الرشيد، وكتابٌ إلى الفضل بنِ الربيع، وكتابٌ إلى حسين الخادم، وغيرِهم.
فأمَّا كتاب المأمون، ففيه: من محمد بن هارونَ إلى أخيه عبدِ الله المأمون، سلامٌ عليك، أمَّا بعد؛ فإذا ورد عليك كتابُ أخيك -أعاذه اللهُ من فقدك عند حلولِ ما لا مردَّ له ولا مدفع، مما نُعِيَتْ عليه الأممُ (١) الماضيةُ والقرونُ الخالية- فعزِّ نفسك بما عزَّاك الله به، واعلم أنَّ الله قد اختار لأمير المؤمنين أفضلَ الدَّارين، وأجزلَ الحَظَّين، فقبضه اللهُ طاهرًا زكيًّا، قد شكر سعيَه وغفر ذنبَهُ إن شاء الله، فقم في أمرك قيامَ ذي العزمِ والحزم، والناظرِ لأخيه وسلطانهِ ونفسه وعامَّة المسلمين، وإيَّاك أن يغلبَكَ الجزع؛ فإنَّه يُحبط الأجر، ويُعقِب الوزر، وصلواتُ الله على أمير المؤمنين حيّا وميِّتًا، وإنَا إليه راجعون، فخذ البيعةَ على مَن قِبَلك من القوَّاد والجندِ والخاصَّة والعامَّة، لأخيك ثم لنفسك ثم للقاسم ابنِ أمير المؤمنين، على الشَّرائط التي جعلها لك (٢) أميرُ المؤمنين، فإنك مقلَّد من ذلك ما قلَّدك الله وأميرُ المؤمنين، ومَن أنكرتَ طاعتَه واتَّهمته، فابعث إليَّ برأسه، واكتب بذلك إلى عمَّالك وولاةِ ثغورك.
وذكر كلامًا طويلًا في معناه، وذكر في آخره: فإنَّ أخاك يعرف حُسنَ اختيارك، وصحَّة رأيك، ودقَّةَ نظرك، وهو يسأل اللهَ أن يشدَّ بك عَضُدَه، ويجمعَ بك أمرَه إن شاءَ الله.
وكتب إلى صالح: إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوعِ ما قد سبق من علم الله، ونفذ من قضائه في خَلقه (٣) وأوليائه، وجَرَت به السُّنَّة في الأنبياءِ والمرسلين والملائكةِ
стр. 6092
المقربين فقال: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨].
فاحمد اللهَ على ما صار إليه أميرُ المؤمنين من عظيم ثوابِه ومرافقةِ أنبيائه، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فشمِّر في أمرك، وإيَّاك أن تلقيَ بيديك؛ فإنَّ أخاك قد اختارك لما استنهضك له، فحقِّق ظنَّه فيك، وخذ البيعةَ على مَن قِبَلك من ولد أميرِ المؤمنين وأهلِ بيته ومواليه وخواصِّه وعامَّته لأخيك محمَّد بن أميرِ المؤمنين (١)، ثم لعبد الله بنِ أمير المؤمنين، ثم للقاسم بنِ أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها أميرُ المؤمنين؛ فإنَّ السعادة واليُمنَ في الأخذ بعهده، والمضيِّ على منهاجه، واعلم أنَّ مَن قِبَلك من الخاصَّة والعامَّة قد رأى (٢) في استصلاحهم، ورد مظالِمهم، وإدرار رزقهم، واضممْ إلى الفضل بنِ الربيع ولدَ أميرِ المؤمنين وخدمَه وأهله، ومُرْه بالمسير معهم، وصيِّر إلى عبد اللهِ بن مالكٍ أمرَ العسكر؛ فإنَّه ثقة على ما يلي، مقبولٌ عند العامَّة والخاصة، وأقِرَّ حاتم بنَ هرثمةَ على ما هو عليه، وتوجَّه إليَّ بما في العسكر من الأموال والأثاثِ وغيره.
وذكر كلامًا بمعناه، وكتب إلى الفضل بنِ الربيع وحُسينٍ الخادمِ بمثل ذلك.
وكان المأمونُ قد خرج من مروَ إلى قصر خالدِ بن حمَّادٍ على فرسخٍ من مروَ يريد سَمَرْقَند، فقدم عليه إسحاقُ الخادم بنَعْي الرشيد، فرجع إلى مرو، ودخل دارَ الإِمارة دارَ أبي مسلم، وصعد المنبر، ونعى الرشيدَ وشقَّ ثوبَه وبكى، وعزَّى نفسه والناسَ واسترجع، وبايع لمحمَّد ولنفسه، وأعطى الجندَ رزقَ سنة.
وأما الفضلُ ومَن كان في عسكر الرشيد، فإنَّهم لمَّا قرؤوا كتبَ الأمين تشاوروا في اللَّحاق بالمأمون أو بمحمَّد، فقال الفضلُ بن الربيع: لا أدع ملكًا حاضرًا لآخَرَ لا ندري ما يكون منه. وأمر الناس بالرَّحيل إلى بغداد، وأَنفق فيهم الأموال، وكانوا قد اشتاقوا إلى أهليهم ببغدادَ ومنازلِهم، فساروا، ونسوا العهودَ التي كانت أُخذت عليهم،
стр. 6093
وكان ذلك أوَّلَ ما بدا من الأمينِ من الغدر بأخيه المأمون.
ولمَّا رحلت العساكر عن طوس قال قائل: [من السريع]
منازلُ العسكرِ مَعْمورةٌ … والمنزلُ الأعظم مهجورُ
خليفةُ الله بدار البِلَى … تَسفي على أجداثه المُور (١)
أَقبلت العِيرُ تُباهي بهِ … وانصرفت تَندبه العِير
ولمَّا بلغ المأمونَ رحيلُ العسكرِ إلى بغدادَ بالأموال أُسقِط في يده، وجمع خواصَّه وقوَّاد أبيه: يحيى بنَ معاذ، وشبيبَ بن حُمَيدِ بن قَحْطَبة، والعلاءَ مولى هارون وكان على حِجابته، والعباس بن المسيَّب بنِ زهير وهو على شُرطته، وأيوبَ بن [أبي] (٢) سمير، وهو على كتابته، وغيرَهم، وفيهم ذو الرِّياستين، وكان عظيمَ القدرِ عنده، فاستشارهم، فأَشاروا (٣) عليه أن يتجهَّزَ بنفسه خلفهم في ألفَي فارس جريدةٍ (٤) يردُّهم، فقال له ذو الرِّياستين: إن فعلتَ ما أشاروا عليك، جعلوك طُعمةً وهديةً لمحمَّد، قال: فما الرأي؟ قال: أن تكتب إليهم كتابًا وتبعثَ رسولًا يذكِّرهم البَيعة، ويسألهم الوفاءَ بالعهد، ويحذِّرهم الحِنْثَ وما يَلزمهم من ذلك في الدِّين والدنيا، فكتب إليهم كتابًا مع سَهْل بنِ صاعد ونَوفلٍ الخادم، وبعث معهما جماعةً من أهل الرأيِ والعقل، فلحقوهم على ثلاث مراحلَ من نَيسابور.
قال سهلُ بن صاعد: فأوصلتُ كتابَ المأمون إلى الفضل بنِ الربيع، فقرأه وقال: إنَّما أنا واحد من القوم. قال سهل: وشدَّ عليَّ عبدُ الرحمن بنُ جَبَلَةَ الأنباريُّ بالرمح فأمرَّه على جنبي، ثم قال: قل لصاحبك: واللهِ لو كنت حاضرًا لوضعتُ هذا الرمحَ في فيك، هذا جوابي. ونال من المأمون، فرجعوا إليه وأَخبروه، فقال له ذو الرِّياستين: اِحمدْ ربَّك، فقد أراحك اللهُ من أَعدائك، والرأيُ عندي ما أذكره لك، فافهمه واعملْ به، وأنا زعيمٌ لك بالخلافة، قال: وما هو؟ قال: قرأتَ القرآن، وسمعتَ الحديث،
стр. 6094
وفقهت في الدِّين، والرأيُ أن تبعثَ إلى من بالحضرة من الفقهاء، فتدعوهم إلى الحقّ والعملِ به وإحياءِ السنَّة، وتقعدَ على اللبود، وترد المظالم، وتكرمَ القوَّاد وأبناءَ الملوك، وتحطَّ عن خراسانَ رُبعَ الخراج، فقال: أَفعل ذلك، ففعله، فحسنت حالُه، وسُرَّ به الناس، وقالوا ابنُ أُختنا وابن عمِّ نبيِّنا ﷺ ، نفوسُنا دونه. ومعنى ابن أُختِنا أنَّ أمَّه مراجل كانت تركية من أهل خراسان.
وقيل: إنَّ رسلَ المأمون لمَّا عادوا من عسكر هارونَ آيسين، قال له الفضلُ بن سهل: اصبر واثبُت لتنال ما تحب، ثم خلا بالقواد الذين كانوا عند المأمون، مثل يحيى بنِ معاذ ومَن سمَّينا، وعرض عليهم البيعةَ للمأمون، وقال: قد غدر به محمد وأخذ ما كان أَوصى له به الرشيد، فبايعوا له، فأغلظوا له في الكلام، وقالوا: مَن يدخل بين الخليفةِ وأخيه؟ فدخل الفضلُ على المأمون وقال له: إذا كان هؤلاء كذا، فكيف لو رجع الفضلُ بمن معه! قال: فما الحيلة؟ قال: أَظهِر النُّسك، والزم المسجد، وافرش اللُّبود، وصلِّ الصلواتِ الخمس، ودُم على قراءة القرآنِ والصَّدقة على الفقراءِ والمساكين، وأَزِل المنكر، ومُر بالمعروف، وأحْيِ معالمَ الشريعة. ففعل، فمالت قلوبُ الناس إليه، وأشار عليه ألا يقطعَ مكاتباتِ محمَّد، فكتب إليه، وبعث بالهدايا النفيسة، من الطِّيب والرقيقِ والأَمتعة الجليلةِ وطُرَف السند والهند.
وكان هارونُ بفراسته يعلم ما يريد أن يجريَ بينهما، فكان يقول: [من الطويل]
محمد لا تُبغِضْ أخاك فإنَّه … يعود عليك البغيُ إن كنتَ باغيا
فلا تعْجَلَنْ فالدهرُ فيه كفايةٌ … إذا مال بالأقوام لم يُبْقِ باقيا (١)
ولم يجاهر المأمونُ أخاه، بل أَقام على طاعته والأمرُ بينهما مستور.
وأمَّا الأمين، فلمَّا أَفضت إليه الخلافة، تشاغل باللَّهو واللعب، وأمر ببناء مَيدانٍ حول قصرِ أبي جعفرٍ في المدينة للَّعب بالصَّوالجة، وأمر بعمل خمس حَرَّاقات (٢) في دجلة، واحدة على خِلقة الأسد، والثانيةُ على خلقة الفيل، والثالثة على خلقة العُقاب، والرابعةُ على خلقة الفرس، والخامسة على خلقة الحيَّة، وأمر الشعراءَ فمدحوها،
стр. 6095
وأطلق لهم خمسَ مئة ألفِ دينار، وأمر بشاعرٍ أنشده قصيدًا بثلاث مئةِ ألف دينار، وأسرف إسرافًا كبيرًا.
وفيها جهَّز المأمونُ الجيوشَ إلى رافع بنِ اللَّيث مع هَرْثَمة، فنازله بسَمَرْقَند، وأخرب سورَها الظاهر، ولجأ رافعٌ إلى المدينة الداخلة، وراسمل رافعٌ التُّرك، فوافَوه، وبقي المأمونُ بين رافعٍ والتُّرك يقاتل الفريقين، ثم انصرف التركُ إلى بلادهم، وبقي رافع محصورًا، فضعف أمرُه.
وفيها قُتل نقفورُ ملك الرومِ في حرب بُرْجان (١)، وكان ملكُ نقفورَ تسعَ (٢) سنين، وملك بعده ولدُه إستبراقُ بن نقفور، وكان قد خرج مع أبيه، فمات بعده بشهرين، وملك ميخائيل بن جُرجس، وكان خَتَنَه على أخته.
وأقرَّ الأمينُ أخاه القاسمَ في هذه السَّنة على ما كان عليه من أعمال الجزيرةِ وقِنَّسرين والعواصم، ثم صرفه عن الجزيرة وولَّى عليها خُزَيمَةَ بن خازم، وأقرَّ القاسمَ على الثُّغور والعواصم. وهذا ثاني أمرٍ خالف فيه الأمينُ وصيةَ أبيه، عزلُه لأخيه عن الجزيرة.
وفي شعبانَ قدمت زُبيدة [أمُّ الأمين] (٣) من الرقَّة بجميع ما كان فيها من الأموال والخزائن، فخرج الأمينُ لاستقبالها في وجوه الناسِ والأَشراف والعلماء، فلَقِيها من الأنبار.
وحجَّ بالناس داودُ بن عيسى بنِ [موسى بن] محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بنِ عباس، وهو والي مكَّة، فمات بعد الموسم.
فصل وفيها توفي
صالحُ بن محمد
ابنِ عَمرو بن حَبيب بن حسَّان، أبو على البغدادي، مولى أسدِ بن خُزَيمَةَ، ولقِّب
стр. 6096
جَزَرَة -بجيم وزايٍ معجمة وراءٍ مهمَلة- لأنَّه قرأ يومًا على شيخٍ من شيوخ الشام أنه كان لأبي أُمامَة خَرَزةٌ يرقي بها المرضى، فصحَّف.
وُلد سنةَ عشرٍ ومئة (١) بالكوفة، وكان أحدَ أئمَّة العلمِ والحفَّاظ، وممن يُرجَع إليه في علم النَّقل، سافر إلى الأمصار، فسافر وسمع بخُراسانَ والعراقَين والشامِ ومصرَ والحجاز، واستوطن بُخارى، وكان يحدِّث من حفظه، ولم يستصحبْ معه كتابًا، وكان ثقةً صدوقًا حافظًا عارفًا، وكان فيه دُعابة.
اجتاز يومًا ببغدادَ شاعران، أحدُهما صاحب حديثٍ والآخَر مُعْتَزليّ، فقال له المعتزليّ: كم تكتب! يذهب بصرُك، ويَحْدَودب ظهرُك، ويزداد فكرك، ثم أخذ كتابًا من يده وكتب عليه: [من مجزوء الكامل]
إنَّ القراءةَ والتفقُّه … والتشاغلَ بالعلومِ
أصلُ المذلَّة والإِضا … قةِ والمهانةِ والهمومِ
ثم ذهب وجاء الآخَر، فقرأ البيتَين وقال: كذب عدو الله، بل يُرفع ذِكرُك، ويُنشر علمُك، ويبقى اسمُك مع اسم رسولِ الله ﷺ إلى يوم القيامة، وكتب على ظهرِ الكتاب:
إنَّ التشاغلَ بالدَّفا … ترِ والكتابةِ والدِّراسهْ
أصلُ التَّفَقُّه والتزهُّدِ … والرِّئاسةِ والسِّياسه (٢)
توفِّي صالحٌ سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة ببخارى، وقيل: سنَة أربعٍ وتسعين (٣).
أَسند عن عليِّ بن الجَعْد وغيرِه، وروى عنه الجَمُّ الغَفير، واتَّفقوا على صدقه وثقتِه.
[فصل وفيها توفي]
стр. 6097
غُنْدَر
واسمه محمَّد بن جعفر، مولى هُذيل، بصري، أبو عبدِ الله [صاحب سعيدِ بن أبي العَروبة] (١)، من الطبقة السادسة أمن أهل البصرة.
سمع غندرٌ الكثير، وسافر إلى الأمصار. وقال البخاريّ: توفِّي سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة (٢). و] سمع يحيى بنَ سعيدٍ والثوريَّ وحُميدًا الطويلَ وغيرهم (٣).
[وقال الخطيب: جالس شعبةَ نحوًا من عشرين سنة] وروى عنه الجَمُّ الغَفير، وكان إمامًا ثقةً سليمَ الصدر.
[وروى محمَّد بن المَرْزُبان قال: قيل لغندر:] (٤) إنَّ الناس يُعَظِّمون أمرَ السلامة التي فيك، قال: يَكذِبون، فقيل له: حدثنا منها بشيء، قال: صمتُ يومًا، فأكلت ثلاثَ مرَّات ناسيًا، ثم أَتممت صومي.
وقال ابن مَعين: اشترى غندرٌ يومًا سَمَكًا، وقال لأهله: أَصلِحوه، فأَصلحوه وهو نائمٌ وأكلوه، ولطَّخوا يدَه وفمَه منه، فلمَّا انتبه قال: قدِّموا السمك، فقالوا: قد أكلتَ منه، قال: لا، قالوا: فشمَّ يدك، ففعل، فقال: صدقتم ولكن ما شبعت.
[واختلفوا في وفاته، فروينا عن البخاريِّ أنَّه] مات سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، وقيل: سنةَ أربعٍ وتسعين بالبصرة، وكان ثقةً إن شاءَ الله.
[وفيها توفِّي]
هارونُ بن محمَّد
ابن عبد الله بن محمَّد بن عليِّ بن عبد اللهِ بن عباس، أميرُ المؤمنين الرشيد (٥). [وقد
стр. 6098
ذكرنا اختلافَ العلماءِ في مولده، فقال الطبريّ (١): سنةَ خمسٍ وأربعين ومئة، وقال ابنُ أبي الدنيا: سنةَ تسعٍ وأربعين ومئة.
ذِكر طرَف من أخباره:
قد ذكرنا منها جملةً متفرِّقة في الكتاب، رُوي عن الجاحظ أنّه كان يقول:] اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الخلفاء [من جدٍّ وهزل]: وزراؤه البرامكة لم يُرَ مثلُهم شَرَفًا وسخاء، وقاضيه أبو يوسفَ وحفصُ بن غياثٍ ونوحُ بن درَّاج، وشاعرُه مروان بن أبي حَفْصة [كان في عصره مثلَ جَرير]، ونديمُه عم أبيه العباسُ بن محمد [صاحبُ العبَّاسية] وكان عظيمًا، وحاجبُه الفضل بنُ الربيع، أشدّ الناس حزمَّا، ومغنيه إبراهيمُ الموصلي، أوحدُ زمانه في صناعته، وزوجتُه زُبيدة بنت جعفر، أرغبُ الناس في خير وأسرعُهم إلى كل بِرّ، وواعظه محمَّد بن السمَّاك ومنصورُ بن عمار، وأولادُه: الأمين، والمأمون، والمؤتَمَن، والمعتصم.
وقال إبراهيمُ بن محمد [بن عَرَفة] (٢): كان هارونُ يصلي كل يوم وليلةٍ مئةَ ركعةٍ نافلة، ويتصدَّق من صُلب ماله كل يومٍ بألف درهم، وكان إذا حج حج معه بثلاث مئةٍ من العلماء والأَعيان، وفي العام الذي لا يحجُّ فيه يحجُّ أيضًا بثلاث مئة، ولم يَفُتْه الحجُّ إلَّا أعوامًا يسيرة.
[ذِكر حجَّاته:
قال خليفة:] حجَّ [هارونُ في] سنة سبعين، وسنةِ ثلاث وسبعين، وأربعٍ وسبعين، وخمس وسبعين، وتسعٍ وسبعين، وسنةِ ثمانين (٣)، وسنة ستّ وثمانين ومئة.
وحُفظ عنه مِن بعض حجَّابه أنَّه دخل البيتَ، وقام على أصابعه وقال: يا مَن يملك حوائجَ السائلين، ويعلم ضمائرَ الصامتين، لكلِّ سائل منك ردٌّ حاضر أو إِجابة، ولكلِّ صامت منك علمٌ محيط بباطن حالِه، يا ذا المواعيدِ الصادقة، والأَيادي الفاضلة، والرحمةِ الواسعة، صلِّ على سيِّدنا محمَّد وعلى آل محمَّد، واغفر لنا ذنوبَنا، وكفِّر عنا
стр. 6099
سيئاتِنا، يا مَن لا تَضرُّه الذنوب، ولا تخفي عنه الغيوب، اللهمَّ خِر لي في جميع أمري، يا مَن خشعت له الأصواتُ بفنون اللغات، يسألونك الحاجات، إنَّ من حاجتي عندك أن تغفرَ لي إذا توفَّيتني وصرت في لحدي، وتفرَّق عني أهلي وولدي، اللهمَّ أحينا سعداءَ مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياءَ محرومين.
وقال الفضل بنُ الربيع: حججنا مع هارون، فقيل له: في جبال تهامة عابد مجاب الدعوة قد اعتزل الناس، فقال: اِعدل بنا إليه، فجئناه، وإذا به جالس على الأرض، فسلَّم عليه، وجلس بين يديه، وقال له: أَوصِني، فواللِه لا عصيتُك أبدًا. فلم يردَّ عليه جوابًا، فلمَّا انصرف هارون، قيل للعابد: ما منعك أن تأمرَه بتقوى اللهِ وقد قال لك: أوصِني بمهما شئت، وحلف لك. فخطَّ في الرمل خطًّا، فإذا هو: إنِّي أعظمت اللهَ أن يأمُره لأمرٍ فيعصيَه ويطيعَني.
وغزا بلادَ الروم فأَوغل فيها، فكتب إليه ملك الروم: لآتينَّك بكل صليبٍ في مملكتي، فكتب على رأس كتابه: وسيعلم الكافرُ لمن عقبَى الدار. ودخل بلادَ الروم غيرَ مرَّة، وغزا عدَّةَ غزوات، وأَناخ على خليج القُسطنطينية.
وكان جَوَادًا سمْحًا، يحبُّ أهلَ العلم والأدب والفقه، ويُجيز بمئة ألف وألفِ ألف، وكان يتقفَّى آثارَ المنصور إلَّا في العطاء؛ فإنه لم يكن خليفةٌ قبله ولا بعده أكرمَ منه، ثم المأمونُ بعده.
وقال منصورُ بن عمار: ما رأيتُ أسرعَ دمعةً من هارونَ عند الذِّكر (١).
[وروى الخطيبُ (٢) بإسناده عن عليِّ بن المَديني قال:] قال أبو معاويةَ الضرير: أكلتُ مع هارونَ يومًا طعامًا، فصبَّ على يدي رجلٌ لا أعرفه، فلمَّا فرغ قال لي: يا أبا معاوية، هل تدري مَن صبَّ على يدك؟ قلت: لا، قال: أنا، فاسترجعت، فقال: لا بأسَ عليك، إنَّما فعلته إِجلالًا للعلم.
стр. 6100
قال: وما حدَّثتُه بحديثٍ عن النبي ﷺ إلَّا وقال: صلى اللهُ على سيدي محمَّد ﷺ .
وحدثته يومًا بحديث أبي هريرةَ، وأنَّ موسى لقي آدمَ فقال له موسى: أنت الذي أخرجتَنا من الجنة، وعنده بعضُ عمومته، فقال: أين التقيا؟ فأمر هارونُ بقتله، ثم حبسه، [قال:] فدخلتُ عليه الحبسَ ولُمْته، فقال: واللهِ ما سمعتُه من أحد، وإنَّما هو شيءٌ جرى على لساني، قال: فأخبرت هارون، فقال: خفت أن يكونَ بعضُ الزنادقةِ ألقى إليه هذا الكلام، وإلا فأنا أعلم أنَّ القرشيَّ لا يتَزَنْدَق، وأطلقه.
[قلت: وأيُّ إشكالٍ في هذا السؤال، أليس قد ثبت أنَّ الله تعالى أخرج ذرية آدمَ مثل الذَّرِّ بأرض نَعمانَ وقال لهم: "ألست بربكم" قالوا: بلى. وأخذ ميثاقَ الأنبياءِ على تصديق نبيِّنا ﷺ وقد كان موسى في الجملة، فقد عاتبه موسى على اعتبار (١)، ويحتمل أنَّ روحَ موسى وآدمَ اجتمعا بعد المماتِ فعاتبه موسى، وليس في سؤال عمِّ هارونَ ما يُنكَر عليه، وإنَما عظَم القصة سدًّا لهذا الباب على مَن لم يفهم الجواب.]
وقال [أبو معاويةَ الضرير:] (٢) قال لي هارونُ يومًا: ما أجلُّ المراتب؟ فقلت: ما أنت فيه، قال: أجلُّ مني رجلٌ في حلقةٍ يقول: حدَّثنا فلانٌ عن فلان عن النبي ﷺ .
[وكان هارونُ كثيرَ الخوفِ من الله والبكاء] وقال ابنُ المبارك: عشق هارونُ جارية، فراودها عن نفسها، فقالت: إنَّ أباك ألمَّ بي، فتركها، وشُغف بها حتى قال: [من الوافر]
أرى ماءً وبي عَطَشٌ شديدٌ … ولكن لا سبيلَ إلى الورودِ (٣)
وأخبر أبا يوسفَ القاضيَ بشدَّة شغفه بها، فقال: أَوكلَّما قالت جاريةٌ كذا تصدِّق!
فقال هارون: ما فوق الخلافةِ مرتبة.
ثم قال ابنُ المبارك: ما أدري مم أعجب، من عِفَّة الجارية ورغبتِها عن الخلافة، أو من امتناع هارونَ عنها مع شدَّة الشغفِ والعشق والقدرةِ والشَّباب والملك، أو من جرأة أبي يوسفَ حيث أمره بالهجوم عليها؟!
стр. 6101
وقال الأصمعيّ: عارضه بعض الزهَّاد فقال له (١) في الطريق: يا هارون، اتقِ الله، فوقف عليه وقال: ما أنصفتَني، قال الزاهد: ولِم؟ قال: لأنِّ فرعونَ كان أخبثَ مني حيث قال:؟ ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ [القصص: ٣٨] ولا أنت خيرٌ من موسى، ولمَّا بعثه اللهُ إلى فرعونَ قال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] أي: كنِّياه، قال: صدقت، قال: فلمَ عرَّضتَ نفسَك للهوان فخاطبتَني بأغلظِ الألفاظِ، أأمِنْتَ عقوبتي؟! فقال الزاهد: أخطأتُ وأستغفرُ الله، وحلمُك يسعني، فقال هارون: غفر اللهُ لك، وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يقبلَها وقال: مالي واللهِ إليها من حاجة، وانصرف ولم يقبلْها.
و [قال الأصمعيّ:] (٢) اجتاز هارونُ بالبادية، وإذا بكوخٍ فيه عجوز، فسلَّم عليها وقال: ممَّن العجوز؟ فقالت: من طيِّئ، فقال: ما منع طيِّئًا أن يكونَ فيهم مثلُ حاتم، فقالت: الذي منع الخلفاءَ أن يكونَ فيهم مثلُك، فأعطاها مالًا عظيمًا كان معه، فاستكثره بعضُ مَن حضر، فقال: واللهِ لو أعطيتُها الخلافةَ ما أوفيتُها.
وقال الأصمعيّ: دخلتُ عليه يومًا فقال لي: كيف بتَّ؟ فقلت: بليل النَّابغة، فقال: لعلك تريد قولَه: [من الطويل]
فبتُّ كأنِّي ساوَرَتْني ضَئيلةٌ … من الرُّقْش في أنيابها السُّمُّ ناقعُ (٣)
قلت: نعم.
وقال إسحاقُ الموصلي: كان الخلفاءُ إذا عطسوا شُمِّتوا، فعطس هارونُ يومًا، فشمَّته جلساؤه، فقال لهم الفضلُ بن يحيى: لا تكلِّفوا أميرَ المؤمنين بعدها جوابًا. فمُحيت هذه السُّنَّة.
وكان الخلفاءُ إذا مَرِضوا دخل عليهم جلساؤهم فسألوهم عن حالهما، فقال الفضلُ بن يحيى: اِرفعو هذا عن أمير المؤمنين، واجعلوا سؤالكم عنه دعاءً له.
стр. 6102
وقال الأصمعي: خاطبتُ هارونَ يومًا مخاطبةَ مُدِلّ، فقال لي: يا عبدَ الملك، الدالَّة تُفسد الحُرمة، وتُسقط المنزلة.
وقال المُفَضَّل الضَّبِّي: استدعاني هارونُ يومًا، فدخلتُ عليه، والأمينُ جالس عن يمينه والمأمونُ عن شماله والكسائيُّ عنده، فقال: يا مفضَّل، كم في قوله تعالى: ﴿فَسَيَكفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] اسم؟ فقلت: ثلاثةُ أسام: الكافُ لرسول اللهِ ﷺ ، والهاءُ والميمُ للكفار، والياء، وهي لله تعالى. فقال: صدقتَ يا مفضَّل، هكذا أفادنا هذا الشيخ، يعني الكِسائي. ثم قال: يا مفضَّل سَلْ، فقلت: ما معنى قولِ الفرزدق:
أَخَذْنا بآفاق السَّماءِ عليكمُ … لنا قَمراها والنُّجومُ الطَّوالِعُ (١)
فقال: أراد بقوله: لنا قمراها، أي: الشمس والقمر، كما قالوا: سنَّة العُمَرَين [: سُنَّةَ أبي بكر وعمر] (٢). قال المفضَّل: فلمَ استحسنوا هذا؟ يعني قولَهم: سنَّة العُمَرين، فقال: لأنَّه متى اجتمع شيئان من جنسٍ واحد وكان أحدُهما أخفَّ على اللسان، غلَّبوه وسمَّوا الثانيَ باسمه، ولمَّا كانت أيامُ عمرَ أكثرَ من أيام أبي بكرٍ، وفتوحُه أكثَر، واسمُه أخفَّ، غلَّبوه وسمَّوا أبا بكرٍ باسمه. وقال: وأمر لي بمئتَي ألفِ درهم.
وقد اختلفوا في قولهم: سيرةُ العمرين، قال معاذٌ الهَرَّاء: لقد قيل: سيرةُ العمرين قبل عمرَ بن عبدِ العزيز؛ لأنَّهم قالوا لعثمانَ يومَ الدار: نسألك سيرةَ العمرين. وسُئل قتادةُ عن عتق أمَّهات الأولاد [فقال: أَعتق العُمَرَان فما بينهما من الخلفاءِ أمهاتِ الأولاد] (٣). ففي قول قتادةَ أنَّه عمر بن الخطاب وعمرُ بن عبد العزيز؛ لأنَّه لم يكن بين أبي بكرٍ وعمرَ رضوانُ الله عليهما خليفة.
وقال الفضلُ بن الربيع: أحضر هارونُ رجلًا ليولِّيَه القضاء، فقال له: ما أنا فقيه، فقال: فيك ثلاثُ خصال: شرف، والشرفُ يمنع صاحبَه من الدَّناءة، ولك حِلم، وهو يمنعك من العَجَلَة والسَّفَه، ومَن لم يعجل ولم يَسفَه قلَّ خطؤه، وأنت رجلٌ تشاور في
стр. 6103
أمرك، ومَن شاور كثر صوابه، وأمَّا الفقه؛ فسنضمُّ إليك رجلًا تتفقَّه به. ثم ولَّاه، فلم يجدْ فيه مَطْعَنًا.
وجاء رجلٌ يومًا يطلب من الرشيد حاجة، فوافاه وهو يصلِّي ويتضرَّع ويدعو اللهَ تعالى، فخرج الرجلُ وكان قد لَمَحه، فلما سلَّم قال: عليَّ بالرجل، فجيء به، فقال: ما الَّذي أتى بك، وما الَّذي أَعجَلَك؟ قال: جئتُك في حاجة، فوجدتك تسأل غيرَك وتتضرَّع إليه، فقلت: كلُّنا في هذا سواء، وما لي لا أسأل مَن يسأله هذا! فانصرفت لأسألَ الَّذي سألتَه. فبكى هارونُ وسأله عن حاجته، فامتنع الرجلُ من ذِكرها، فقال: لا بدّ، فأَخبره، فقضاها له.
ودخل عليه ابنُ السمَّاك يومًا وهو يأكل بملعقة فضَّة فقال: أُخبرنا عن جدِّك عبدِ الله بن عباسٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. أنَّه أكلُ الرجلِ بيده. فرمى هارونُ بالملعقة وأكل بيده.
[وقال إسحاقُ الموصلي: ما رأى أحدٌ هارونَ يشرب النَّبيذ، وإنما كان يجلس من وراء السِّتارة. وهو أوَّل مَن رتَّب المغنِّين والندماءَ طبقاتٍ ومنازل.
ذِكر قصَّته مع الشيخ الأموي:
ذكرها القاضي التنوخيُّ شيخ الخطيبِ في كتاب "الفرج بعد الشدَّة" (١) مطوَّلةً، وقد اختصرتُها، فقال التَّنوخي:] رُفع إلى هارونَ أنَّ رجلًا بدمشقَ من بقايا أولادِ الخلفاءِ بني أمية، رفيعَ القدر، عظيمَ الجاه، كثيرَ المال والأولادِ والغلمان، يركبون الخيل، ويحملون السَّلاح، ويغزون الروم، وهو في حالٍ يضاهي بها الخلفاءَ والأمراء، جَوَادًا سخيًّا، كثيرَ الصنائع، وافرَ العطاء، [وكتب أصحاب الأخبار إلى هارون أنَّه] لا يؤمَن منه فَتْقٌ يتعذَّر رَتْقُه، وهارونُ يومئذٍ بالكوفة.
قال منارةُ صاحبُ الخلفاء: فدعاني [هارون] وقال لي. يا منارة، قد كثَّر عليَّ أصحابُ الأخبار أنَّ بدمشقَ رجلًا من صفته كذا وكذا، وقد أهمَّني أمره، وقد نَدَبْتُك إليه، فانظر كيف تكون، فإنِّي قد مُنعت النوم، فاخرج الساعةَ على البريد، وخذ هذه القيود، فإذا نزلتَ بالرَّجل، فقيِّده واحمله إليّ، وإنْ أبى، فهذا كتابٌ إلى عامل دمشقَ
стр. 6104
بقبضه، واجعله في شِقِّ مَحْمِلٍ وأنت في الشقِّ الآخَر، وقد أجَّلتك ثلاثةَ عشرَ يومًا: ستَّةً لرَواحك، وستَّةً لعودك، ويومًا لمقامك. واحفظ ما يقول حرفًا حرفًا، وما يصنع، إلى أن تَقدمَ به عليّ.
قال منارة: فخرجتُ على البريد أَسير ليلًا ونهارًا، حتَّى قدمت دمشقَ في اليوم السابعِ، فسألتُ عن داره، فدُللت عليها، فأتيتها، وإذا بحاشية عظيمة، وغاشيةٍ كثيرة، وحِشْمةٍ مثل حشمةِ الملوك، فدخلتها بغير إِذن، فقال أصحابهُ لبعض مَن معي: مَن هذا؟ قالوا: منارة رسولُ أمير المؤمنين إلى صاحبكم، فكفوا، فلمَّا صرت في صحن الدار، رأيتُ مجلسًا بَهْوًا فيه قوم جلوس، فقاموا إليَّ ورحَّبوا بي وأَكرموني، فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: نحن أولادُه وهو في الحمَّام، فقلت: استعجلوه، فمضى بعضُهم فأخبره، وجعلت أتفقَّد أحوالَ الدار والحاشيةِ وهي تموج بأهلها، وإذا بالشيخ قد أَقبل بعد أن أطال وارتبت به وقلت: ربَّما توارى، هاذا حوله كهولٌ وصبيان، وهم أولادُه، وغلمانٌ كثيرة، فجاء فسلَّم سلامًا خفيًّا (١)، وسألني عن أمير المؤمنين، فأخبرتُه بما يجب، وجاؤوا بأَطباق الفاكهة، فقال لي: تَقدَّم يا منارةُ فكل، فقلت: ما لي إلى الأكلِ من حاجة، فلم يعاودْني، وأقبل هو يأكل والحاضرون، ثم غسل يدَه، وجاؤوا بالموائد التي لم أرَ مثلَها إلَّا للخلفاء، فقال: تقدَّم يا منارةُ فكل، فقلت: ما لي إلى الأكل، فتأمَّلتُه، وإذا به يأكل أكلَ الخلفاء، ولا يُرفع من بين يديه شيءٌ إلَّا وُهب (٢)، فقلت في نفسي: هذا جبَّار عنيد، لا يدعوني إلَّا باسمي كما يدعوني الخلفاء، وقد تهاون بي، وربَّما امتنع من الشُّخوص معي، وكيف أَصنع وأنا في منزله!
ثم غسل يدَه، وجاؤوا بالبَخُور، فتبخر وقام إلى الصلاة، فأَطال، ودعا واستغفر وابتهل، وصلَّى صلاةً حسنة، ثم انفتل من محرابه وقال: يا منارة، ما الَّذي أَقدمك؟ فأخرجت إليه كتابَ أمير المؤمنين، فلمَّا قرأه، دعا أولادَه وأهله وخَدَمه وحاشيته، فلم أشكَّ أنَّه يريد أن يوقعَ بي، فلمَّا تكاملوا، حلف بالأَيمان المغلَّظة ألا يجتمعَ منهم اثنان في موضع، وأن ينصرفوا إلى منازلهم، ثم قال لهم: هذا كتابُ أمير المؤمنين
стр. 6105
يدعوني بالمَصير إليه، ولست أُقيم بعد نظري فيه لحظةً واحدة، فاستوصُوا بالحُرَم خيرًا، ولا يتبعْني منكم أحد، هاتِ يا منارة قيودَك، فدعوت بها، فمدَّ رجليه، فقيَّدته، ثم أمرتُ أصحابي فحملوه فألقَوه في شِقِّ محمل، وركبت في الشقِّ الآخر، وسرنا وليس معه أحدٌ من غلمانه، فشرع يحدِّثني بانبساط، وكلَّما مررنا على بستانٍ يقول: هذا لي وفيه من غرائب الأشجارِ والثِّمار كذا وكذا، فاغتظتُ منه وقلت: قد اشتدَّ تعجُّبي منك، ألستَ تعلم أنَّ أمير المؤمنين قد أهمَّه أمرُك حتَّى أرسلَ إليك مَن انتزعك من بين أهلِك وولدك وحَشَمك ومالِك ومن جميع ما كنتَ فيه، وقد بقيتَ فردًا وحيدًا مقيَّدًا ما تدري ماذا تصير إليه، وأنت فارغُ القلب تصف بساتينَك وضِياعك، لقد كنتَ عندي شيخًا فاضلًا!
فاسترجع وقال: لقد أخطأتْ فِراستي فيك، ظننتك رجلًا كاملَ العقل، وأنَّك ما حللت من الخلفاء هذا المحلَّ إلَّا بعد أن عرفوك بذلك، وكلامُك يشبه كلامَ العوامّ، وعقلُك يشبه عقولَهم، واللهِ إنِّي على ثقةٍ من الَّذي ناصيةُ أمير المؤمنين بيده، وأنَّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيره إلَّا بإذن الله، ولا ذنبَ لي عنده أخافه، وإذا عرف سلامتي وطاعتي، وأنَّ الحسَّاد سَعوا بي إليه بالأباطيل، لم يستحلَّ دمي، وردَّني إلى أهلي مكرَّمًا، وإنْ كان قد سبق في علم اللهِ تعالى أن تبدرَ منه إليَّ بادرة وقد حضر أجلي، فلو اجتهد أهلُ السماءِ والأرض أن يصرفوا ذلك عنِّي ما استطاعوا، فلمَ أتعجَّل الهمَّ وأتسلَّف الفكرَ فيما قد فُرغ منه، وإنِّي حسن الظنِّ بالله، وأين الرِّضا والتسليمُ والتفويض لأوامر الله الخالق الرازقِ الضارِّ النافع.
ثم صمت فلم يكلِّمني بعدها كلمة، وأقبل على العبادة وقراءةِ القرآن والذِّكر والتسبيح، حتَّى وصلنا الكوفةَ في اليوم الثالثَ عشر، وإذا النُّجب قد استقبلتني على فراسخَ يتحسَّسون خَبري، فتقدَّمتُه ووصلت إلى أمير المؤمنين، فقال: هيه، حدِّثني حديث الرجلِ كأني حاضر، فحدَّثته الحديثَ، وما خاطبني به لمَّا خرجنا من دمشقَ، وسكوتَه عني وعدمَ اكتراثه، ووجهُه يتربَّد والغضبُ يلوح عليه، حتَّى حدَّثته بمخاطبتي له وما أجابني به واشتغالِه بالعبادة، فرقَّ وقال: صدق والله، هذا رجلٌ محسود على النِّعمة مكذوبٌ عليه، لقد آذيناه وأزعجناه وروَّعناه وأهلَه، بادر فحُلَّ قيودَه وأتني به مسرعًا.
стр. 6106
قال: فخرجتُ فنزعت قيودَه وأدخلتُه، فسلَّم عليه بالخلافة، فما هو إلا أن رآه حتَّى رأيت ماءَ الحياة يجول في وجه أميرِ المؤمنين، وردَّ عليه ردًّا حميلًا، ورحِّب به وأَدناه وأمره بالجلوس، وسأله عن حاله وقال: بلغنا عنك فضلٌ وهيبة، وأمورٌ أحببنا معها أن نراك ونسمعَ كلامَك ونُحسنَ إليك، فاذكر حاجتَك، فأجاب جوابًا جميلًا، وشكر شكرًا كثيرًا، وقال: حاجتي أن تردَّني إلى أهلي وولدي وبلدي، فقال: نفعل ذلك، ولكن سَلْ ما تحتاج إليه من مصالح جاهِك ومعاشك، فقال: عمَّال أمير المؤمنين عادلون منصفون، وقد استغنيت بعدله عن سؤالي غيرَ ذلك، وأموري منتظمة، وأحوالي مستقيمة، وأنا وأهلي وولدي إنما نعيش في ظلِّ أميرِ المؤمنين، فأمر له بمال، فقال: أَوَ يعفيني أميرُ المؤمنين؛ فإنِّي عنه في غنًى، فقال: يا منارة، سِرْ به مكرَّمًا إلى بلده كما أتيتَ به، فإذا أوصلتَه إلى المجلس الَّذي أخذتَه منه، فدعْه وارجع، فقلت: سمعًا وطاعة، وفعلت ذلك.
ذِكر مقامات العلماءِ بين يديه:
[قد ذكرنا اجتماعَه بالفُضَيل بن عياض، وكان الفضيلُ يدعو له ويقول: لو كانت لي دعوةٌ مستجابة لادَّخرتها له أو للإِمام] (١).
وقال عبدُ الرَّزاق بن همَّامٍ الصَّنْعاني (٢): كنا يومًا عند الفضيل، فمرَّ هارونُ في الطَّواف، فقال الفضيل: الناسُ يكرهون هذا وما في الدنيا أعزُّ عليَّ منه، وددتُ أنَّ اللهَ زاد من عُمري في عمره، فشقَّ ذلك على أصحاب الفضيل؛ لم يتجاسروا أن ينطقوا بكلمة، فلمَّا مات هارونُ، وظهرت الفتنُ بعده، والقولُ بخلق القرآنِ، وحملُ المأمون الناسَ على ذلك، قالوا: كان الفضيلُ أعلمَ بما يَحدُث بعده.
[مقام لمنصور بن عمار:
حكى الفضْل بن الربيع قال: دخل عليه منصور فأدناه، حتَّى ألزق رُكبتيه بركبتيه، فقال له منصور: لَتَواضُعك في شَرَفك أحبُّ إلينا وأحسن من شرفك، فقال: يا أبا
стр. 6107
السَّريّ، عِظني وأوجز، فقال: مَن عَفَّ في حاله، وواسى من ماله، وعدل في سُلطانه؛ كتبه الله من الأبرار، فبكى هارون وقال: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين، لو طلبتَ شَربة ماء فلم توجد إلا بنصف الدنيا أكنتَ تشتريها؟ قال: نعم، قال: فلو تعذّرت أكنت تشتري خروجها بالنصف الآخر، قال: نعم، فقال: قبَّح الله دنيا تُباع وتشترى بشربةٍ من ماء وبَوْلة، فبكى هارون.
وقيل: إن ابن السَّمَّاك هو الَّذي قال له هذا.]
وقال الفضل بنُ الربيع: دخل ابن السمَّاك على الرشيد فقال له: اتَّقِ الله، واعلم أنَّك موقوفٌ غدًا بين يدي الله، ثم مَصروفٌ إلى إحدى منزلَتَين لا ثالثةَ لهما، وهما جنَّة أو نار. فبكى هارونُ حتَّى اخضلَّت لحيتُه. قال الفضل: فقلت له: سبحانَ الله! وهل يتخالج في سرِّ أحدٍ أنَّ أمير المؤمنين مَصروفٌ إلَّا إلى الجنَّة إن شاءَ الله؛ لقيامه بحقِّ الله، وعدلِه في عباده! قال: فلم يحفِل ابن السمَّاك بقولي وقال: إن هذا -وأشار إليّ- ليس معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتَّقِ اللهَ وانظر لنفسك.
فبكى هارونُ حتَّى أَشفقوا عليه، وأُنكست فلم أنطقْ بكلمة.
واستسقى الرشيدُ ماء، فأُتي بشربةٍ من ماء، فأهوى إليها ليَشْرَبَها، فقال له ابنُ السمَّاك: على رِسلك، بقرابتك من رسول اللهِ ﷺ ، لو مُنعت من هذه الشَّرْبةِ بكم كنتَ تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، فقال: اشرب، فلمَّا شربها قال: لقرابتك من رسول اللهِ ﷺ ، لو مُنعت خروجَها من بَدَنك بماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي، فقال: إنَّ مُلكًا قيمتُه شربة ماءٍ لَجدير ألا يُنافَس فيه، فبكى هارون (١)،
[مقام لمالك بن أنس الفقيه:]
وقال إِبراهيمُ النَّهاوندي (٢): قدم هارونُ المدينة حاجًّا، فأرسل إلى مالك بن أنسٍ مع البرمكيِّ يقول: احمل "الموطَّأَ" لنسمعَه عليك، فقال مالكٌ للبرمكي: قل له: العلمُ يؤتَى ولا يأتي. فجاء البرمكيُّ فأخبره وعنده القاضي أبو يوسف، فقال له: يا أميرَ
стр. 6108
المؤمنين، يبلغ أهلَ العراق أنَّك بعثت إلى مالكٍ في أمرٍ فخالفك فيه! اعزم عليه.
فبينما هم على ذلك، إذ جاء مالكٌ فدخل وسلَّم وجلس، فقال هارون: يا ابنَ أبي عامر، أَبعث إليك في أمرٍ فتخالفني فيه! فقال مالك: أَخبرَني الزُّهري، عن خارجةَ بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: كنت أكتب الوحيَ بين يدي رسولِ الله ﷺ ، فنزل قولُه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] وابنُ أمِّ مكتوم حاضر، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي رجلٌ ضريرٌ لا أقدر على الجهاد، وقد أنزل اللهُ هذه الآية، قال زيد: وقلمي رَطْبٌ ما جفّ، فأخذ رسولَ الله ﷺ ما كان يأخذه عند نزولِ الوحي، فلمَّا سُرِّي عنه قال: يا زيد، اكتب: ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١)، يا أميرَ المؤمنين، فمن أجل حرفٍ واحدٍ بعث إليه جبريلَ من مسيرة خمسين ألفَ عامٍ أو خمسةِ آلاف عام، أفلا أُجِلُّ أنا العلمَ وأرفعه وقد رفعك اللهُ بحديث ابن عمِّك [رسولِ الله ﷺ ، فلا تكن أوَّل مَن وضعه. فقام هارونُ وأتى بيتَ مالك] (٢) فلمَّا دخل جلس في مَرْتَبة مالك، فقال مالك: أدركنا الخلفاءَ يُعزُّون العلم، فنزل هارونُ وقعد بين يديه وسمع منه الموطَّأ.
[وفي رواية عبدِ الله بن عبدِ الحكم قال: حجَّ هارون، فدخل عليه مالك، فقال له: ينبغي أن تختلفَ إلينا حتَّى تَسمعَ صبيانُنا منك الموطَّأ، قال: فقال له مالك: إنَّ هذا العلمَ منكم خرج، فإن أعزَزْتُموه عزّ، وإن أذللتموه ذلَّ، قال: قال: فاخرج إلى المسجد ليسمعوه منك أو عليك، قال: فخرج مالكٌ، وجاؤوا إليه فسمعوه عليه] (٣).
وقال الأصمعي: حجَّ هارون، فأتى مالكًا ليسمعَ منه الموطَّأ، فحجبه ساعة، فغضب هارون، فلمَّا دخل عليه قال: يا أميرَ المؤمنين، عاهدت الله ألا أحدِّث إلَّا على وضوء، وإني كنت أتوضَّأ، فسُرِّي عن هارون. وقال مالك: لو أرسلتَ إليَّ لأتيتك، فقال هارون: العلمُ يؤتَى ولا يأتي. فأحضر مالكٌ الموطَّأ، فقرأه ابنُ أبي وهب، فأراد هارونُ أن يحملَ الناسَ عليه، فقال له مالك: إنَّ السلطان إذا حمل الناسَ على مذهبٍ تجافاه العوامّ، فسكت هارون.
стр. 6109
[مقام الشافعي عنده:
حكى الفضل بنُ الربيع قال:] (١) رُفع إلى هارونَ أن الشافعيَّ يمنِّي نفسَه الخلافة، فاستدعاه وأراد أن يمتحنَه، فقال له: ما علمُك بكتاب الله؟ قال: عن أبيِّ علمٍ يسأل أميرُ المؤمنين؟ عن تأويله أم عن تفسيره؟ أم عن علم مكِّيِّه أو مدنيِّه؟ أم علمِ ناسخِه أو منسوخه؟ ونحو ذلك. فقال له: ما علمُك بالأحكام؟ فقال: عن أيِّ الأحكامِ تسأل؟ عن الطَّهارة، أو الصلاة، أو الصوم، أو الزَّكاة، أو الحجّ، أو النِّكاح، أو الطلاق، أو البيوع، أو الجنايات، أو الوصايا؟ وعدَّد الأحكام. فقال: ما علمُك بالعربية؟ فقال: تسأل عن فروعها أو أصولِها؟ أو مذاهب العربِ فيها؟ قال: ما علمك بالطِّب؟ فقال: طبِّ الرُّوم أو اليونانِ أو العرب؟ فعجب هارونُ منه وقال: قد ادَّعيتَ دعاوى عريضةً فعِظني، فقال: على شرط رفعِ الحِشْمة، وتركِ الهَيبة، وقَبول النصيحة، قال: نعم، قال: اعلم أنَّ مَن أطال عِنانَ الأمل في الغِرَّة، طوى عِنان الحَذَر في المُهلة، ومَن لم يعوِّل على طريق النَّجاة، خسر يومَ القيامة، إذا امتدَّت إليه يدُ الندامة. فبكى هارون ووصله بمال.
وقال الأصمعي: سُعي بالشافعيِّ إلى هارونَ أنَّه لا يرى إمامته، وأنَّه يرى إمامةَ آل أبي طالب، وكان الشافعيُّ بمكَّة، فأرسل إليه فاستدعاه، فلمَّا دخل عليه قال: بلغني كذا وكذا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، واللهِ لأَن أكونَ مع قومٍ يظنُّون أني من أنْفُسهم، أحبُّ إليَّ من أَن أكونَ مع قومٍ يرون أني عبدٌ لهم.
فاستحسن كلامَه وولَّاه القضاءَ على اليمن، فلبث هناك مدَّة، ثم قدم مكَّة ومعه عشرةُ آلافِ دينار، فضرب خيمةً بذي طُوى خارجَ مكةَ ففرَّقها في فقراء الحرم، فقام ولم يبقَ معه دينارٌ. ولا درهم [وسنذكر معنى قول الشافعيِّ: أحبُّ إليَّ من أن أكونَ مع قومٍ يرون أني عبدٌ لهم، في ترجمة الشافعي.
стр. 6110
مقام رجل من الأبدال:
حكى الفضلُ بن الربيع قال:] (١) خرج خادمٌ من دار سليمانَ بنِ أبي جعفرٍ المنصورِ وبيده عودٌ ليدخلَ به دار هارونَ لجاريةٍ لسليمان، فمرَّ على شيخ يلقط النَّوى، فكسر العود، وتعلَّق به الخادم، وبلغ هارونَ فقال: اقتلوه، فقال له سليمان: ألَا تسمع كلامه (٢)؟ فقال: أَحضِروه، فدخل وفي يده كيسٌ فيه نوًى يلتقطه ويتقوَّت بثمنه (٣)، فقال له هارون: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: رأيتُ منكرًا فغيَّرته، وأنت وآباؤك تقولون على المنابر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الآية، وقد قال ﵇: "مَن رأى منكرًا فليُزِلْه .. " (٤) الحديثَ، فهابه هارونُ ولم يكلِّمه، فقام الرجلُ وخرج، فقال هارون للخادم: الحقه بِبَدرة (٥)، فلحقه بها، فقال: قل له يردُّها على من أخذها منه، ثم ولَّى وهو يقول: [من الوافر]
أرى الدُّنيا لمن هي في يديهِ … بلاءً كلَّما كَثُرت لديهِ
تُهين المُكرِمين لها بصُغرٍ … وتُكرم كلَّ مَن هانت عليه
إذا استغنيتَ عن شيءٍ فدعْهُ … وخذ ما أنت محتاجٌ إليه (٦)
ذِكر مقامات الشُّعراء بين يديه:
قال أحمد بن سيَّار الجُرْجاني: دخلت أنا وأبو محمَّد التيميُّ (٧) وابن رَزين الخُزاعي (٨) وأشجعُ بن عمرٍو السُّلَميّ (٩) على الرشيد بالرقَّة وهو في القصر الأبيض، وقد ضرب أعناقَ قومٍ في تلك الساعة، فتخلَّلنا الدمَ حتَّى صرنا إليه، فأنشده أشجع:
стр. 6111
قصرٌ عليه تحيةٌ وسلامُ … نَشَرَت عليه رداءها الأيامُ
قصرٌ سُقوفُ المُزن دون سُقوفه … فيه لأَعلام الهُدى أعلام
يُثني على أيَّامك الإسلامُ … والشاهدان الحِلُّ والإحرام
فلما بلغ إلى قوله:
وعلى عدوِّك يا ابنَ عمِّ محمَّد … رَصَدان ضوءُ الصُّبحِ والإظلامُ
فإذا تنبَّه رُعْتَهُ وإذا هذا … سلَّت عليه سيوفَك الأحلام
وكان هارونُ متَّكئًا فجلس وقال: أحسنت واللهِ، هكذا تُمدَح الملوك، وكان عنده سعيدُ بن سالم (١) الباهليُّ حاضرًا، فأومأ إلى أشجعَ أن اقطع؛ لعلمه أنَّه لا يأتي بمثل هذين البيتَين، فلم يقطع وأَنشد ما بعدهما، ففتر هارونُ وبَطَل طَرَبُه، وأومأ إلى النَّمَري فأنشده، فقال سعيد بنُ سالم: يا أميرَ المؤمنين، لو خَرِس بعدهما لَكان أشعرَ الناس، وأمر له بمئتي ألفِ درهم.
وقال أشجع: لمَّا فتح الرشيدُ هرقلةَ وذلك في عيد رمضان، أنشدتُه وقلت: [من البسيط]
لا زلتَ تَنْشُر أعيادًا وتَطويها … تمضي بها لك أيامٌ وتَثنيها
العيدُ والعيد والأيامُ بينهما … موصولةٌ لك لا تَفنى وتُفنيها (٢)
ولْيَهْنِكَ الفتحُ والأيام مُقْبِلَةٌ … إليك بالنَّصر مَعْقودٌ نَواصيهما
أمستْ هِرَقْلَهُ تَهوي من جوانبها … وناصرُ اللهِ والأيامِ (٣) يرميها
مَلَكْتَها وملكتَ الناكبين بها (٤) … بنصرِ مَن ملك الدنيا ومَن فيها
ما روعي الدِّين والدُّنيا على قَدَم (٥) … بمثل هارونَ راعيه وراعيها
стр. 6112
وكان أبو نُواس يَحْسُد أشجَع ويدَّعي أنَّه دَعيّ، وهو القائلُ فيه: [من الخفيف]
قل لمن يَدَّعي سُليمًا سَفَاهًا … لستَ منها ولا قُلامةَ ظُفْرِ
إنَّما أنت مُلْصقٌ مثل واوٍ … أُلصِقتْ في الهجاءِ ظُلمًا بعَمرو (١)
ومن شعر أشجع: [من المتقارب]
أتَصبرُ يا قلبُ أم تَجزَعُ … فإنَّ الديارَ غدًا بَلْقَعُ
غدًا يتفرَّق أهلُ الهوى … ويصنع ذو الشَّوق ما يصنع
فها أنت تبكي وهم جِيرةٌ … فكيف يكون إذا وَدَّعوا
أتطمَعُ في العيش بعد الفراقِ … مُحالٌ لَعَمرُك ما تطمع
لَعَمْري لقد قلتَ يومَ الفراق … فأسمعتَ صوتَك مَن يسمع
فما عرَّجوا حين ناديتَهم … وقد قتلوك وما ودَّعوا
ألا إنَّ بالغَور لي حاجةً … تؤرِّق عيني فما تَهْجَع
إذا الليلُ ألبَسَني ثوبَه … تقلَّب فيهِ فتًى مُوجَع
لقد زادني طَرَبًا بالعراقِ … بوارقُ غوريَّةٌ تلمع
إلى جعفرٍ بلغت هِمَّتي … فأيّ فتًى نحوه تَنْزعُ
وما لامرئٍ دونه مَطلَبٌ … وما لامرئٍ دونه مَقْنَعُ
يريد الملوكُ مدى جعفرٍ … وهم يَجمعون ولا يَجمع
وكيف ينالون غاياتِهِ … وما يَصنعون كما يَصنع
وليس بأوسعِهِم في الغنى … ولكنَّ معروفَه أوسع
يَلوذُ الملوكُ بأبوابه … إذا نابَها الحَدَثُ المُفْظِعُ
إذا همَّ بالأمر لم يَثْنِهِ … هُجوعٌ (٢) ولا شادِنٌ أَفرع
стр. 6113
وللجود في كفِّه مَطْلَبٌ … وللسِّرِّ في صدره مَوْضِع
كأن أبا الفضلِ بدرُ الدُّجى … لعَشْرٍ خلَتْ بعدها أربَعُ
من أبيات.
ومنهم منصور بن سلمة [بن] (١) الزِّبْرِقان النَّمَري.
قدم بغدادَ ومدح هارون، فلم يمدح من الخلفاء غيرَه، فمن مدحه له: [من البسيط]
أيُّ امرئٍ بات من هارونَ في سَخَطٍ … فليس بالصَّلوات الخمسِ يَنتفعُ
إنَّ المكارم والمعروفَ أوديةٌ … أحلَّك اللهُ منها حيث تجتمع
إذا رَفعتَ امرأً فاللهُ يرفعه … ومَن وَضعتَ من الأقوام يَتَّضِع
نفسي فداؤك والأبطالُ مُعْلِمةٌ … يومَ الوغى والمنايا بينهمْ شُرَع (٢)
من أبيات.
وقد أجاز العتَّابيُّ هذه الأبياتَ بأبياتٍ يمدح فيها هارون، منها:
إنْ أَخلف الغيثُ لم تُخلِف مخائلُه … أو ضاق أمر ذكرناهُ فيَتَّسعُ
ثم التقى النَّمريُّ العتابيَّ وهو قَلِق، فقال: ما الَّذي بك؟ فقال: تركتُ امرأتي تُطْلَق وقد تعسَّرت الولادةُ عليها، فقال له: أخطأتَ الطريق، قال: وكيف؟ قال: اكتب على فَرْجها: هارون، وقد وضعت، ألست القائلَ:
أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتَّسع؟
وبلغ هارون، فأَمر بقتله، فمات قبل ذلك (٣).
ومنهم: مسلمُ بن الوليد، أبو الوليد الأنصاريّ، مولى سعدِ بن عبادة.
أوَّل ما لقي هارونَ أنشده: [من الطويل]
أديرا عليَّ الكأسَ لا تشربا قبلي … ولا تطلُبا من عند قاتلتي ذَحْلي (٤)
стр. 6114
فما حَزَني أنِّي (١) أموت صَبابَةً … ولكن على مَن لا يحلُّ له قتلي
فَدَيتُ التي صدَّت وقالت لتِرْبها … دعيه الثُّريَّا منه أقربُ من وَصْلي
إلى أن قال:
هل العيشُ إلَّا أن تَروحَ مع الصِّبا … وتغدو صَريعَ الكأسِ والأعيُن النُّجْلِ
فاستحسنها هارونُ وأعطاه لكلِّ بيت ألفَ دينار، وقال: أنت صَريعُ الغَواني.
وقد عارض صاحبُ "العِقد" (٢) هذه الأبياتَ فقال:
أتقتُلُني ظُلمًا وتَجْحَدني قتلي … وقد قام من عينيك لي شاهدا عَدْلِ
أغارَ على قلبي فلمَّا أتيتُه … أُطالبُه فيه أَغارَ على عقلي
بنفسي التي ضنَّت بردِّ سَلامها … ولو سألتْ روحي أَبَحْتُ لها قَتْلي
إذا جئتها صَدَّت حَياءً بوَجْهها … وتَهْجُرني هَجْرًا ألذَّ من الوَصْل
وإن حَكَمَتْ جارت عليَّ بحُكْمها … ولكنَّ ذاك الجَورَ أحلى (٣) من العَدْل
كتمت الهوى جُهدي فأَظهره الأسى … بماء البُكا هذا يَخُطُّ وذا يُملي
وأحببتُ فيها العَذْلَ حبًّا لذِكرها … فلا شيءَ أشهى في فؤادي من العَذْلِ
أقول لقلبي كلَّما ضامَه الهوى … إذا ما أبيتَ العزَّ فاصبر على الذُّلِّ
وجدتُ الهوى نَصْلًا من الموت مُغْمَدًا … فجرَّدتُه ثم اتكأتُ على النَّصل
فإن كُنْتُ مقتولًا على غير ريبةٍ … فإنِّي الَّذي عَرَّضتُ نفسي إلى القتل (٤)
وقال أبو بكرٍ محمَّد بن الأنباري: ثلاثةُ أبياتٍ لصَريع الغَواني أَحسنَ فيها وزاد، وهي أمدحُ بيت، وأهجى بيت، وأرثَى بيت، فالمدح: [من البسيط]
يجود بالنفْس إذ ضَنَّ البخيلُ بها … والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجودِ
والهجاء: [من الكامل]
قَبُحَت مَناظرُه فحين خَبَرتُه … حَسُنت مَناظِرُه لقُبْحِ المَخْبَرِ
стр. 6115
والرِّثاء: [من الطويل]
أرادوا (١) ليُخفوا قبرَه عن عدوِّه … فطِيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبرِ
أوَّل ما بدأ الشَّيب بالمأمون كان يتمثَّل بقول صريعِ الغواني، وهو قولُه: [من البسيط]
نام العواذلُ واستَكفَيْنَ لائمتي … وقد كَفاهنَّ نهضُ البيض في السُّودِ
أمَّا الشبابُ فمَفْقودٌ له خَلَفٌ … والشيبُ يذهب موجودًا بمفقود (٢)
وقال الفضل بنُ الربيع: دخل على الرشيد أعرابيٌّ والأمين عن يمينه والمأمونُ عن يساره، فأنشده شعرًا حَسَنًا، فكأنَّه أنكره أن يكونَ نظمَه، فقال: هذان ولداي، فأَنشدَ فيهما بديهةً البيتين: [من الطويل]
بنيتَ بعبد اللهِ بعد محمَّد … ذُرى قُبَّة الإِسلامِ فاخضرَّ عودُها
هما ظُنُباها بارك اللهُ فيهما … وأنت أميرَ المؤمنين عمودُها
فقال له: احتكم، فقال: الهُنَيدة (٣)، قال: هي لك، وزاده مئةَ ألفِ درهم.
وقال أبو محمَّد اليزيدي (٤): دخلتُ على الرشيد، وإذا به ينظر في ورقةٍ فيها مكتوبٌ بالذهب، فلمَّا رآني تبسَّم، فقلت: أصلح اللهُ أميرَ المؤمنين، فائدة؟ قال: نعم، وجدت هذين البيتين في بعض خزائنِ بني أمية، فاستحسنتهما، وأضفتُ إليهما بيتًا ثالثًا، وأنشدني يقول: [من الطويل]
إذا سُدَّ بابٌ عنك من دون حاجةٍ … فدعْهُ (٥) لأخرى ينفتحْ لك بابُها
فإنَّ قُراب البَطْن يكفيك مَلؤه … ويكفيك سَوءاتِ الأمور اجتنابُها
فلا تكُ مِبذالًا لعِرضك واجتنبْ … ركوبَ المعاصي يجتنبْك عقابها (٦)
стр. 6116
ومدحه داود بنُ رَزين فقال: [من الطويل]
بهارونَ لاح البدرُ في كلِّ بلدة … وقام به في عَدْل سيرته النَهْجُ
إمامٌ بذات اللهِ أصبح شُغْلُه … وأكثرُ ما يُعنَى به الغزوُ والحجُّ
وإنَّ أميرَ المؤمنين بفضله (١) … يُنيل الَّذي يرجوه أضعافَ ما يرجو
وغنِّي بين يدي أميرِ المؤمنين يومًا بهذا الشِّعر: [من الطويل]
ألا هل إلى شمِّ الخُزَامى (٢) ونظرةٍ … إلى قَرْقَرى (٣) قبل المماتِ سبيلُ
ويا أَثَلاتِ (٤) القاع من بَطْن تُوضِحٍ (٥) … حَنيني إلى أَطلالِكُنَّ طويل
ويا أَثلات القاعِ قد ملَّ صُحبتي … رفيقي (٦) فهل في ظِلِّكنَّ مَقيل
أريد رجوعًا نحوكم فيصدُّني … إذا رُمتُه دَينٌ عليَّ ثَقيلُ
أُحدِّث نفسي عندكمْ فيَصُدُّني … غَرامٌ وحُزْنٌ في الفؤاد دَخيل (٧)
فبكى هارونُ بكاء شديدًا، وقال: لمن هذا الشِّعر؟ فقيل: ليحيى بنِ طالب (٨) الحنفيِّ اليَماميِّ (٩)، فقال: وأين هو؟ أحيٌّ أم ميِّت؟ فقال بعض الحاضرين: هو حيٌّ كميِّت، هرب من اليمامة لدَينٍ عليه إلى الرَّي، فهو فيها بأسوأ حال، فكتب الرشيدُ إلى عامل اليمامةِ بقضاء دَينه كائنًا ما كان، وإلى عامل الرَّيِّ أن يدفعَ إليه عشرةَ آلاف درهمٍ، ويحملَه على البريد إلى اليمامة، فلمَّا عاد إلى اليمامة، قال هارون لجلسائه: قد
стр. 6117
قضينا دَينَ اليمامي، ووصلناه وأَعدناه إلى وطنه من غير سعيٍ منه في ذلك (١)،
وقال صَدقة بنُ أبي صَدقة: دعانا الرشيدُ يومًا، فدخلنا، [فأشار] إلى [بن] (٢) جامعٍ وقال: غنِّ، فغنَّى: [من الكامل]
قفْ بالمنازل ساعةً فتأمَّلِ … هل بالدِّيار لرائدٍ من منزلِ
أم لا ففيمَ توقُّفي وتحَيُّري … وَسْطَ الدِّيار كأنَّني لم أعقل
ما بالدِّيار من البِلى ولقد أرى … أنْ سوف يَحْمِلُني البِلى (٣) في مَحْمِل
وأحقُّ مَن يبكي بكلِّ محلَّةٍ … عَرَضَت له في منزلٍ للمُعْول (٤)
عانٍ بكلِّ حمامةٍ سجعت له … وغَمامةٍ بَرَقت بنَوء الأعْزَلِ
يبكي فتفضحه الدُّموع وعينُه … ما عاش دافقةٌ كفَيصْ الجَدْوَل
فلم يطرب الرشيد، فقال خادم السِّتارة للمغنِّين: غنُّوه، فغنَّوه، فلم يطرب، فقال لي الخادم: غنِّ، فغنَّيته، فطرب.
ثم أمر بإِدخالي عليه في السِّتارة، فأُدخلت عليه، وكلَّما غنَّيت طرب، ويقول: أحسنتَ يا صدقة، فلمَّا رأيت ما منحني اللهُ تعالى من استحسانه، قلت: يا أميرَ المؤمنين، لهذا الصوتِ خبرٌ عجيب، ألا أحدِّثك به؟ قال: بلى، فقال: كنت عبدًا لآل الزُّبير، خيَّاطًا أخيط القميصَ بدرهمين والسَّراويلَ بدرهم، وكان لسيِّدي عليَّ كلَّ يومٍ درهمان، فكنت أؤدِّيهما وأخرج إلى العَقيق، إذا بجارية سوداءَ، على رقبتها جرَّةٌ تريد أن تملأَها من العقيق، وهي تغنِّي بهذا الصوتِ أحسنَ غناء، فأخذني من الطَّرب ما لا أقدر أن أصفَه، وقلت لها: جُعلتُ فِداك، ألقي عليَّ هذا الصوت، فقالت: وصاحبِ القبر لا أُلقيه إلَّا بدرهمين، قلت: هذان درهمان، ودفعتهما إليها، فحَدَرت الجرَّةَ عن كتفها ووضعتْها على الأرض، واندفعت تغنِّي وتوقع [على] الجرَّة حتَّى أخذته منها، وقامت وملأت الجرَّةَ وانصرفت.
стр. 6118
فحين غابت أُنسيته كأن لم أكن أسمعه قطّ، فبقيت كئيبًا حزينًا وعُدت إلى المدينة. فقال لي سيِّدي: هاتِ ضَريبتك، فتلَجْلَج لساني، فقلت: أَصدُقُك الحديث، كان من خبري كذا وكذا، فبَطَحني وضربني مئةَ مِقرَعة، وحلق رأسي ولحيتي، ومنعني القُوت، ولم يكن ذلك عليَّ أشدَّ من ذهاب الصوتِ عني، فلقَا أصبحتُ خرجتُ في طَلَبها، وإذا بها قد أَقبلت، فلمَّا رأت ما بي من الوَلَه قالت: مالك، أنسيتَ الصوت؟ قلت: نعم وضُربت مئةَ مقرعة، وحُلق رأسي ولحيتي، ومُنعت القوت. فقالت: دعْ عنك هذا، فواللهِ لا سمَّعتُه لك إلَّا بدرهمين، فرَهَنْتُ مِقَصِّي على درهمين ودفعتهما إليها، فأَخَذَتهما ووضعتهما في فيها واندفعت تغنِّي، فذكرتُه، فقلت: قد ذكرتُه رُدِّي علي الدِّرهمين، فقالت: أي أحمق، واللهِ لئن لم أُعِدْه عليك مئةَ مرة لا حفظتَه أيدًا، فردَّدته عليَّ مئة مرة، فحفظتُه وأتيت إلى دار سيِّدي، فقال: هاتِ الضَّريبة، فتوقَّفت، فقال: ما كفاك ما جرى عليك أمس، فاندفعت أغنِّي بالصوت، فقال: ويحك وأنت تُحسن مثلَ هذا، قد أسقطتُ عنك ضريبتَك، ورددتُ عليك قوتَك، وأَحسنَ إليَّ.
فعجب هارونُ من ذلك، وأطلق للمغنِّين لكلِّ واحد ألفَ دينار، وكان فيهم إبراهيمُ وابنه إسحاقُ المَوْصِلي وإسماعيلُ بن جامع وسليمانُ بن سلام (١)، وأعطاني ألفَي دينار، وقال: ألفٌ واسيتك بها، والألفُ الأخرى لضربك مئةَ مقرعة، لكلِّ مقرعة عشرةُ دنانير.
جفا الرشيدُ العَتَّابيَّ، فكتب إليه: [من الطويل]
أَخِضْني المقامَ الغَمْرَ إن كان غرَّني … سَنا خُلَّبٍ أو زَلَّتِ القَدَمانِ
أتَتْرُكُني جَدْبَ المَعيشَةِ مُقْفِرًا (٢) … وكفَّاك من ماء النَّدى تَكِفَان
وتَجْعَلُني سَهْمَ المَطامعِ بعدما … بَلَلْت يديَّ بالنَّدى وبَناني
فرضي عنه.
ودخل ابنُ أبي حَفص الشِّطْرنجي -واسمهُ عمر بن عبدِ العزيز (٣) - على هارون
стр. 6119
وعنده جماعةٌ من الشعراء، فقال: مَن أتى ببيتٍ في خاطري فله عشرةُ آلاف درهم، فقال ابنُ أبي حفصٍ: [من الخفيف]
مَجْلسٌ يألَفُ المَسَرَّة والشَّو … قَ مُحُبٌّ رَيحانُه ذِكراكِ (١)
فقال: أحسنتَ والله، يا فضلُ أَعطه عشرةَ آلاف درهم، فقال ابنُ أبي حفص: قد حضر بيتٌ آخَر، قال: قل، فقلت:
كلَّما دارت الزُّجاجة زادَتْـ … ـه حَنينًا ولَوْعَةً فبَكاكِ
فقال: أحسنتَ والله، يا فضلُ أَعطِه عشرة آلافِ درهمٍ أخوى، فقال ابنُ أبي حفص: قد حضر بيتٌ آخر، فقال له: قل، فقلت:
لم يَنَلْكِ المُنى بأنْ تَحْضُريني … وتَجافَتْ أُمنيَّتي عن سواكِ
فقال: أَعطِه عشرةَ آلاف أخرى، ثم قال هارون: قد حضر بيتٌ رابع، فأنشد:
فتمنَّيت أن يُغشِّيَني اللهُ … نعاسًا لعلَّ عَيني تراكِ
فقال ابنُ أبي حفص: يا أميرَ المؤمنين، أنت واللهِ أشعرُ مني، فخذ الجائزة، فقال: خذ جائزتك.
وغنَّى بين يدي الرشيدِ إسحاقُ بن إبراهيمَ الموصليُّ وهو يقول (٢): [من الطويل]
ألم ترَ أنَّ الشَّمسَ كانت مَريضةً … فلمَّا أتى هارونُ أشرق نُورُها
تلبَّست الدنيا جَمالًا بمُلْكه … فهارونُ واليها ويحيى وزيرها
فأعطاه مئَة ألف درهم، وأعطاه يحيى بنُ خالدٍ خمسين ألفَ درهم.
وقال الأصمعيّ: قال الرشيدُ لإسحاق: أَنشِدني من شعرك، فأَنشده: [من الطويل]
وآمِرَةٍ بالبُخل قلت لها اقصُري … فذلك شيءٌ ما إليه سبيلُ
أرى الناسَ خُلَّانَ الجَوَاد ولا أرى … بخيلًا له في العالمين خليل
стр. 6120
عطائي عطاءُ المكثِرين تجمُّلًا … وما لي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقرَ أو أُحرَمُ الغنى … ورأيُ أميرِ المؤمنين جميل (١)
فطرب الرشيدُ وقال له: لله درُّ هذه الأبياتِ ما أحسنَ أصولَها، وأوقعَ نصولَها، وأجوَد فصولَها، وأقلَّ فضولها. وأمر له بعشرين ألفِ درهم، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، كلامُك واللهِ أحسنُ من شعري. فأمر له بمئة ألفِ درهم، قال الأصمعي: فعلمت أنَّه أَصيدُ لدراهمهم مني.
ودخل على الرشيد العباسُ بن الأَحْنَف، فقال له: أَنشدني أرقَّ بيتٍ قالت العرب، فقال: قد أكثر الناسُ في بيت جَميلٍ حيث قال: [من الطويل]
أَلَا ليتني أعمى أصمُّ تَقودُني … بُثينةُ لا يَخفى عليَّ كلامُها (٢)
فقال له هارون: أنت والله أرقُّ حيث تقول: [من البسيط]
[طاف الهوى في عباد اللهِ كلِّهمِ … حتَّى إذا مرَّ بي من بينهمْ وَقَفا
قال العباس: أنت يا أميرَ المؤمنين أرقُّ قولًا منِّي ومنه حيث تقول،: [من الوافر]
أما يَكفيكِ أنك تَملكيني … وأنَّ الناس كلَّهمُ عَبيدي
وأنَّكِ لو قطعتِ يدي ورجلي … لَقلتُ من الهوى أحسنتِ زيدي
فأمر له بمئة ألفِ درهم (٣).
وكانت عِنانُ جاريةُ النَّاطِفيِّ أديبةً شاعرة حاذقة ظريفة، عارفةً بأصوات الغناء، استعرضها الرشيدُ ثم لها عن شرائها، ثم جلس ليلةً معنا، فغنَّاه بعضُ مَن حضر أبياتَ جرير: [من الكامل]
إنَّ الذين غَدَوا بلُبِّك غادروا … وَشَلًا بعينِكَ لا يزال مَعينا
غيَّضن (٤) من عَبَراتهنَّ وقلْنَ لي … ماذا لقيتَ من الهوى ولَقِينا
стр. 6121
فطرب وقال: أيُّكم يُجيزه بمثله وله عشرةُ آلاف درهم؟ فما أَجازه أحد، وكان على رأسه خادمٌ واقف، فدخل على عنانَ فأخبرها، فقالت في الحال:
هيَّجتَ بالقول الذي قد قلتَه … داءً بقلبي لا يزال دَفينا
قد أَينَعَتْ ثَمرَاتُه وتضاعفَتْ … وسُقينَ من ماء الهوى فرَوينا
كذَبَ الذين تقوَّلوا يا سيِّدي … إنَّ القلوبَ إذا هَوينَ هوينا
فقال: قد أجازه شخص، وأَنشده الأبيات، فقال: وَيحَك لمن هذا؟ قال: لعِنان، فبعث فاشتراها في الحال بمئة ألفِ درهم (١).
وكان الرشيدُ قد هجر عنان، فكتبت إليه تقول: [من الخفيف]
كُنْتُ في ظلِّ نعمةٍ بهواكا … آمِنًا منك ما أخاف جَفاكا
فسعى بيننا الوُشاةُ فأقْرَرْ … تَ عيون الوشاةِ بي فهَناكا
ولَعَمري بغير ما كان أولى … بك في الحقِّ ما جُعلتُ فداكا
فرضي عنها.
ومن شِعر الرشيد: [من السريع]
ملكتُ مَن أصبح لي مالكًا … لكنَّه في مُلْكه ظالمُ
لو شئت لاجتاحَتْه (٢) لي قُدرةٌ … لكن حكمَ الحبِّ لي لازم
أحببتُه من بين هذا الورى … وهو بحبِّي عارفٌ عالم
ودخل أبو العَتاهِية على الرشيد، فقال له: يا أبا العتاهية، أنشِدني، فأنشده: [من البسيط]
لا تأمَنِ الموتَ في طرفٍ وفي نَفَسِ … ولو تستَّرتَ (٣) بالحجَّاب والحَرَسِ
واعلمْ بأنَّ سهام الموت قاصِدَةٌ … لكلِّ مُدَّرع منَّا ومُتَّرِس
ترجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ مسالكَها … إنَّ السفينة لا تجري على اليَبَس
стр. 6122
فبكى هارونُ وأدخل رأسَه في قميصه.
ودخل عليه يومًا فأَنشده: [من البسيط]
أفنيتَ عُمْرك إدبارًا وإِقبالًا … تَبغي البَنين وتبغي الأهلَ والمالا
لِلموت أنت فكن ما عشتَ مُلْتَمِسًا … من حيلةٍ يا أخي إنْ كنت محتالا (١)
ولستَ حقًّا بهَوْل الموتِ مُنْقَلبًا … حتَّى تُعاينَ بعد الموتِ أهوالا
[وقد ذكر له الطبري صاحب التاريخ حكايات وواقعات، منها ما حكاه (٢) أن العباس بن محمد أهدى له غالية وكان عنده ابن أبي مريم الَّذي قال له لما قرأ الرشيد: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، فقال ابن مريم: ما أدري والله! وكان خَصيصًا به، فلما قدّم العباس بن محمد الغالية -وكانت في بَرْنِيَّة من فضَّة- فقال ابن أبي مريم: يا أمير المؤمنين هَبْها لي، فقال: خذها، فاغتاظ العباس وقال: ويلك، عَمَدتَ إلى شيء منعتُه نفسي، وخَصَصْتُ به أمير المؤمنين فأخذتَه؟! فقال ابن أبي مريم: أمُّه فاعلة إن دَهَن به إلا استَه، ثم وثب فألقى قميصه على رأسه، وأدخل يده في البَرْنيَّة، وجعل يُخرج منها ويطلي استَه وأرفاغه ومثانته ويُسوِّد بها وجهه، والرشيد يضحك، ثم قال لغلامه: اذهب بهذه البرنية إلى فلانة امرأته، وقل لها: ادهني بها حِرَك إلى أن آتي فأفعل وأصنع، وذكر النون. ثم ذكر في آخر هذه الحكاية أن الرشيد وصل ابن أبي مريم بمئة ألف درهم.
ومنها ما حكاه ابن أبي مريم هذا قال: أراد الرشيد أن يشرب دواء فقلتُ: هل لك أن تجعلني غدًا حاجبك وكل شيء أكسبه بيني وبينك؟ قال: نعم. فأرسل هارون إلى الحاجب: الزم غدًا منزلك فإني وَلَّيتُ حجابتي اليوم ابن أبي مريم، وشرب الدواء، وجلس ابن أبي مريم على الباب، وجاء رسول أم جعفر ورسول يحيى بن خالد ورسول جعفر والفضل بن يحيى، فأخبرهم أن هارون ولّاه حاجبًا، فأرسلوا إليه بأموال وصِلات بلغت ستين ألف دينار، فلما فرغ الرشيد من شرب الدواء استدعاه وقال: ما
стр. 6123
صنعتَ في يومك؟ [قال: يا سيدي] حصل لي ستون ألف دينار، فقال: وأين حاصلي؟ قال: مَعْزول، قال: قد سوَّغناك الجميع (١).
ومنها أن الرشيد] مرض مرضًا شديدًا، فعالجه الأطبَّاء، فلم يُفِق من علَّته، فوُصف له رجلٌ بالهند يقال له: مَنْكه، وكان من أحذق الأطبَّاء، مع دينٍ وعبادة وفلسفة، فبعث الرشيدُ من جاء به إليه، فعالجه فبرئ، فأقام عنده مدَّة، وأجرى عليه رزقًا واسعًا وأموالًا كثيرة، فخرج يمشي يومًا في بغداد، وإذا برجلٍ قد بسط كساءه على الأرض وألقى عليه عقاقيرَ كثيرة، وقام يصف دواءً عنده مَعْجونًا ويقول: هذا دواءٌ للحمَّى الدائمة والرِّبْع والغِبِّ والمُثَلَّثة (٢)، ولوَجَع الظَّهر والرُّكَب والمفاصل، والبواسير، ووجعِ العينين والبطن، والصُّداع، وقطرِ البول، والفالج، والارتعاش.
فلم يدعْ علَّة في البدن إلَّا ذكر أنَّ في ذلك الدواءِ شفاءً منها، فقال مَنكَه لتَرجُمانه: ما يقول هذا؟ فترجم له ما سمع، فتبسَّم مَنْكَه وقال: على [كل] (٣) حال ملكُ العرب جاهل؛ وذاك لأنَّه إن كان الأمرُ على ما قال هذا، فلمَ حَمَلني من بلادي، وقطعني عن أهلي، وتكلَّف لي مؤنةً، وهو يجد هذا نُصبَ عينيه؟! فإنْ كان الأمرُ بخلاف هذا، فلمَ لا يقتله؟! لأنَّ الشريعة قد أباحت دمه ودمَ مَن أشبهه، لأنَّه إذا قتله، فإنَّما هي نفسٌ يحيا بقتلها خلقٌ كثير، فإنَّه إن تُرك بهذا الجهل قتل كلَّ يومٍ نفسًا أو اثنين أو ثلاثةً أو أربعة، وهذا فسادٌ في التدبير ووَهْنٌ في المملكة.
وسأل الرشيدُ عبدَ الله بن مصعبٍ الزُّبيريَّ (٤) عن الذين طعنوا على عثمانَ رضوان الله عليه، فقال له: طعن عليه ناسٌ وكان معه ناس، فأمَّا الذين طعنوا عليه فتفرَّقوا، فمنهم أنواعُ الشِّيع والخوارج، وأما الذين كانوا معه، فأهلُ الجماعةِ إلى اليوم، فقال له: ما أحتاج أن أسألَ عنها أحدًا بعدك. وسأله عن منزلة أبي بكرٍ وعمرَ رضوانُ الله عليهما كيف كانت من رسول اللهِ ﷺ ، فقال: كانت منزلتُهما في حياته مثلَ منزلتهما في مماته (٥).
стр. 6124
وقال العباسُ بن الحسن بنِ عبد الله بن العبَّاس بن [عليِّ بن] أبي طالب: قال لي الرشيد: أراك تُكثر من ذِكر يَنْبُع، فصِفْها لي وأَوجِزْ، فقلت: [بكلامٍ أو بشعر؟ فقال:] (١) بكلامٍ وبشعر، فقلت: جِدَتُها (٢) في أصل عِذْقِها، وعِذْقُها مُسَرَّح بانِها (٣)، فتبسَّم، فقلت: [من البسيط]
يا واديَ القصر نِعْمَ [القصر] (٤) والوادي … في منزل حاضرٍ إن شئتَ أو بادي
تُرفَى (٥) قَراقيرُه (٦) والعِيسُ واقِفَةٌ … والضَّبُّ والنُون والملَّاح والحادي
[حديث الرجل الَّذي ادَّعى النبوة:
حكى محمَّد بنُ غياث قال:، (٧) رأيت بالرقَّة رجلًا يدَّعي النبوَّة، فأُحضر إلى هارون، فقال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم، فقال الفضل بنُ الربيع: ما علامة نُبوَّتك؟ قال: أنَّك ولد زِنى، فضربه الفضلُ بقائم سيفِه فشجَّه، فرفع رأسَه إلى السماء وقال: ما فعلتَ معي خيرًا حيث أرسلتَني إلى أولاد الزِّنى. فضحك هارونُ واستتابه وأَطلقه.
[حكايةٌ ذكرها القاضي التنوخيُّ في كتاب "الفرج بعد الشدَّة" (٨)
وقال: أمر هارونُ بعضَ خَدَمه وقال: إذا كان الليل فصِر إلى الحُجْرَة الفلانية، فافتحها وخذ مَن فيها فأتِ به موضعَ كذا وكذا من الصحراء، فإنَّ ثَمَّ قَليبًا مَحفورًا،
стр. 6125
فارمِ به فيه وطُمَّه بالتراب، وليكن معك فلانٌ الحاجب، فجاء الخادمُ ففتح الحُجرة، وإذا فيها غلامٌ كأنه الشمسُ الطالعة، فجذَبَه جَذْبًا عَنيفًا، فقال له: اتَّقِ اللهَ في دمي؛ فإني ابنُ رسولِ الله ﷺ ، فاللهَ اللهَ أن تلقى الله بدمي. فلم يلتفت إليه، فأخرجه إلى الصَّحراء ومعه الحاجب، وجاء به إلى القَليب المحفور، فلمَّا أيقن الغلامُ بالتلف قال: دعْني أصلِّ ركعتين، قال: صلِّ، فصلَّى ومجَّد وقال: يا خفيَّ اللُّطف، أَغثني في وقتي هذا والْطُف بي بلُطفك الخَفيّ.
قال الخادم: فواللهِ ما استتمَّ حتَّى هبَّت ريحٌ عاصف أَلقتنا على وجوهنا، وكدنا نَتْلَف، واشتَغَلْنا بحالنا عن الغلام، ثم سكنت الريحُ وظهرت الكواكب، وطلبنا الغلامَ فلم نجده، ورأينا قيودَه مُلْقاة، فقال الحاجب: هلكنا، سيقع له أنَّا أطلقناه، وإنْ حَلَفنا له لم يصدِّقنا، ولكنَّ الصدقَ أَنجى، فجاء الخادمُ والحاجب فدخلا على هارون، فقال: فعلتما ما أمرتكما؟ فحدَّثاه الحديث، فقال: لقد تداركه اللُّطفُ الخَفيّ، لأَجعلنَّها في مُقدِّمات دعائي.
حديث الحكماء:
قال إسحاقُ المَوْصِليّ: اجتمع عند هارونَ أربعةٌ من الحكماء: عراقي، ورومي، وهندي، ويوناني. فقال لهم: ما الدواءُ الَّذي لا داءَ معه؟ فقال العراقي: حَبُّ الرَّشاد الأشقر، وقال الرومي: الماء الحارّ، وقال الهندي: الإهلِيلَج (١) الأسود. فقال اليوناني -وكان أطبَّهم-. حَبُّ الرشاد يولِّد الرطوبَة في المَعدة، والماء الحارُّ يُرخيها، والإِهلِيلَج الأسود يُرِقُّها، ولكن الدواءَ الَّذي لا داء معه أن تقعدَ على الطعام وأنت تشتهيه].
ذِكر وفاة الرشيد:
[واختلفوا فيها] (٢) فقال الفضلُ بن الربيع: نَغِلَ (٣) جسمُه من النِّقابات (٤) التي كانت
стр. 6126
فيه، فتقطَّع ومات.
وقال الأصمعي: كان حارَّ المِزاج، وكان يُكثر الحركةَ في الصيف، ويُكثر من الجِماع، فنحَل جسمُه وتَلِفَ.
وقال ابن بَخْتِيشوع: كنت مع الرشيد بالرقَّة، وكنت أوَّل مَن يدخل عليه في كلِّ غَداة، فأتعرَّف حاله في ليلته، فإن كان أنكر شيئًا وَصَفَه، ويحدِّثني بحديث جواريه وما كان في ليلته، فدخلتُ عليه ذات يوم فسلَّمت عليه، فلم يكد يرفع طرفَه، ورأيته عابسًا مفكِّرًا مَهمومًا، فوقفت بين يديه مليًّا من النَّهار وهو على تلك الحال، فلمَّا طال عليَّ [أقدمتُ عليه و] (١) قلت: يا سيِّدي، جعلني اللهُ فداك، أَخبرْني بحالك، فإن كانت علَّةً فلعل يكون عندي دواؤها، أو من حادثٍ في بعض مَن تُحبّ، فذلك لا مَدْفَعَ له إلا بالرِّضا والتَّسليم، وإن كان من فَتْقٍ وَرَد عليك في مُلكك، فلم تَخْلُ الملوكُ من هذا، فقال: وَيْحك يا جبريل، ليس غمِّي من شيء مما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتُها في ليلتي قد أفزعَتْني، وملأَتْ صدري رُعْبًا، وأَقرَحَتْ قلبي، قلت: أَوكلُّ هذا الفكرِ لرؤيا لعلها من بخاراتٍ رديئة أو من تهاويل السَّوداء، وإنَّما هي أضغاثُ أحلام، قال: رأيت كأنِّي جالسٌ على سريري هذا في بستان، إذ بدت من تحتي ذراعٌ وكفٌّ أعرِفُهما، إلَّا أنِّي لا أفهم اسمَ صاحبهما، وفي الكفِّ تربةٌ حمراء، وقائلٌ أسمع صوته ولا أرى شخصَه يقول: هذه التُّربة التي تُدفن فيها، قلت: وأين هي؟ فقال: بطُوْس، وغابت اليدُ وانقطع الكلامُ وانتبهت. قال: فقلت له: لعلك بتَّ مفكِّرًا في خراسانَ وحروبِها وانتقاضِ أمرها، فولَّد لك الخَلْطُ هذه الرؤيا. وما زلت أُسَكِّنه وأُسَلِّيه حتَّى سكن وانبسط، ومرَّت الأيام ونسي ونسينا [وما خطرت تلك الرؤيا لأحدٍ منا على بال].
ثم قُدِّر خروجُه إلى خراسانَ لمَّا تحرَّك رافع، فلمَّا صِرنا في بعض الطريق، ابتدأت به العلَّة، فلم تزل تتزايد حتَّى دخلنا طوس، فنزل في منزلٍ لحميد بن عبد الحميد (٢) في ضيعةٍ له تعرف بسَنَاباذ، فبينا هو يُمَرَّض في بستانٍ في ذلك القصر، إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملًا يقوم ويسقط، فقلت: يا سيِّدي مالك؟ قال: يا جبريل، تذكر رؤياي
стр. 6127
بالرقَّة؟ ثم رفع رأسه إلى مَسرورٍ وقال: جئني من تُربة هذا البستان، فمضى [مسرورٌ] وأتى بالتُّربة في كفِّه حاسرًا عن ذراعه، فلمَّا نظر إليه قال: هذه واللهِ الذراعُ التي رأيتها في منامي، وهذه الكفُّ بعينها، وهذه التُّربة الحمراء، ما خَرَمَت شيئًا، ثم أقبل على البكاء والنَّحيب، ثم مات واللهِ بعد ثلاثةٍ ودُفن في ذلك البستان.
[وروي أنَّه رأى في المنام امرأةً وقفت عليه، وأخذت كفًّا من ترابٍ وقالت: هذه تربتُك عن قليل، فأصبح فَزِعًا، فقصَّ رؤياه على أصحابه، فهوَّنوا عليه. فبينما هو يسير يومًا، إذ نظر إلى امرأةٍ قائمة تنظر إليه، فقال: هذه واللهِ المرأةُ التي رأيت، ولو رأيتها من بين ألف امرأةٍ ما خَفِيَتْ علي، ثم أمرها أن تأخذَ كفًّا من تراب فتُناولَه (١)، فضربت بيدها الأرضَ وناولته، فقال: هذه واللهِ التربةُ التي رأيتها، وهذه المرأةُ بعينها. ومات هناك].
وقيل: إنَّ جبريلَ بن بختيشوع غلط عليه [في عِلَّته] في علاجٍ كان سبب منيَّته، فهمَّ الرشيد أن يفصِّلَه كما فصَّل أخا رافع، فقال له جبريل: يا أميرَ المؤمنين، أَنظرني إلى غد؛ فإنَّك ستصبح في عافية، وسقاه دواءً في الليل، فمات من ليلته [وخلص منه جبريل.
وقال الصُّولي: حدَّثني الحسين بنُ يحيى، قال. سمعت هبةَ الله بنِ إبراهيمَ بن المهدي يحدِّث عن أبيه قال:] (٢) أحبَّ الرشيد أن يعلمَ حقيقةَ علَّته، وعلم أنَّ [ابن] بختيشوع يكتمه، فواطأَ إنسانًا من أهل طوس، وسأله أن يلاطفَ ابنَ بختيشوع، ففعل، ثم أعطى الرجلَ ماءه وقال: اذهب به إلى ابن بختيشوعَ وقل له: هذا ماءُ مريضٍ عندي، فلما رآه، قال [ابن بختيشوع] لبعض من معه: كأنه واللهِ ماءُ الرجل، ففطن الذي جاء بالماء (٣)، وقال لابن يختيشوع: اتَّقِ الله، فإنَّ بيني وبين هذا الرجلِ معاملات، فإن كان يعيش لم أستقصِ عليه، وإن كان يموت فرغت ممَّا بيني وبينه، فقال: تريد أن أَصدُقَك؟ قال: نعم، قال: صاحب هذا الماءِ لا يعيش إلا أيامًا. فرجع الرسولُ فأخبر هارون، وعلم ابن بختيشوع بالأمر بعد ذلك، فاختفى إلى أن مات الرَّشيد.
стр. 6128
وقال مسرور: لمَّا سار هارونُ إلى خُراسان، مرَّ في طريقه على قصرٍ خَراب، فنزل يَستظِلُّ به، فإذا على حائطه مكتوبٌ [هذه الأبيات] (١): [من الكامل]
هل أنت مُعْتَبِرٌ بمَن خَابَتْ … منه غَداةَ مضى دَساكِرُهُ (٢)
وبمَن خَلَت منه أَسِرَّته … وبمَن خَلَت منه مَنابره
وبمَن أذلَّ الدَّهرَ مَصْرَعُه … فتَبرَّأت منه عَساكره
يا مؤثِرَ الدُّنيا للَذَّتِه … والمُسْتَعِدَّ لمَن يُفاخِرُه
أين الملوكُ وأين جُندُهمُ … صاروا مَصيرًا أنت صائره
نَلْ ما بدا لك أن تَنال … من الدُّنيا فإنَّ الموتَ آخِرُه
فبكى وانكسر وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] فمات بعد أيَّام.
[وقال الهيثم:] (٣) لمَّا احتُضِرَ قال للعبَّاس بنِ موسى بنِ عيسى: يا عباس، إنِّي أجد في علمنا المُنْدَرِس: [من المجتث]
إنِّي بطُوسٍ مُقيمُ … ما لي بطوسٍ حَميمُ
أرجو إلهي لِمَا بي … فإنَّه بي رَحيم
لقد أتى بيَ طوسًا … قضاؤه المَحْتوم
وليس إلَّا رضائي … والصَّبرُ والتَّسليم (٤)
ثم قال: اِحفروا لي قبرًا قبل أن أموت، فحفروا له في البستان وحملوه في مِحَفَّة (٥)، فجلس على شفيره، ونظر في قعره وقال: ويحك يا ابنَ آدمَ تصير إلى هذا! ثم أمر قومًا فختموا فيه القرآن.
[وفي رواية:] أَلبِسوني المُسوح، فألبسوه، فقال: يا مَن لا يزول مُلْكُه، ارحم مَن
стр. 6129
قد زال ملكه. ثم جعل يبكي ويقول. واسوءتاه من رسول الله ﷺ ، وجعل يقبِّل أكفانَه ويبكي ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] اللهمَّ ارحم غُربتي، وأَعنِّي على صَرعتي، وأنشد يقول: [من الخفيف]
أنا مَيْتٌ وعزَّ مَن لا يموتُ … قد تيقَّنتُ أنَّني سأموتُ
ليس مُلْكٌ يُزيلُه الموتُ مُلْكًا … إنَّما المُلك مُلكُ مَن لا يموت (١)
وقال سَهْلُ بن صاعد: كنت عند الرشيدِ وهو يَجود بنفسه ويقاسمي ما يقاسي، فنهضت، فقال: اقعُدْ يا سهل، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما يتَّسع قلبي أن أرى أميرَ المؤمنين يعاني ما يعاني، فقال: إنِّي لأَذكر في هذا الحالِ قولَ الشاعر: [من الطويل]
وإنِّي لمن قومٍ كرامٍ يَزيدهم … شِماسًا وصَبْرًا شِدَّةُ الحَدَثانِ (٢)
وحضر وفاتَه الفَضْلُ بن الربيع وإسماعيلُ بن صَبِيح، ومِن خدمه مَسرورٌ وحسينٌ ورشيد، وصلَّى عليه ابنُه صالح، ودُفن في بستان حميد (٣)، ويقال للمكان: المثقَّب.
[واختلفوا في وفاته، فقال الواقدي:] (٤) ليلةَ السبت لثلاثٍ خَلَون من جُمادى الآخرةِ سنة ثلاثٍ وتسعين ومئة. [وقال هشام:] (٥) ليلةَ الأحد غُرَّةَ جُمادى الآخرة. وقيل: غُرَّةَ جمادى الأولى.
[واختلفوا في سِنِّه على أقوال: أحدُها: أنَّه] عاش سبعًا وأربعين سنة [وخمسةَ أشهرٍ وخمسة أيام. والثاني خمسًا وأربعين سنة. والثالث: ستةً وأربعين سنة. والرابع: تسعًا وأربعين سنة] والاعتماد في هذه الأقوالِ على تصححيح مولِده. [وقد ذكرناه عند ولايتِه الخلافة.
стр. 6130
واختلفوا في مدَّة خلافته على أقوال: أحدها: أنَّه أقام خليفة ثلاثة وعشرين سنةً وستة أشهر وثمانيةَ عشرَ يومًا. والثاني: ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وستةَ عشر يومًا. والثالث: ثلاثًا وعشرين سنة وستةَ أشهر] (١).
ورثاه أبو الشِّيص فقال: [من مجزوء الرمل]
غَرَبت في الشَّرق شمسٌ … فلها العينانِ تَدْمعْ
ما رأينا قطُّ شمسًا … غَرَبت من حيث تَطْلُعْ (٢)
[قلت: واسمُ أبي الشِّيص محمَّد بن رَزين (٣)، وكُنيته أبو سليمان (٤)، وله ديوانٌ مشهور، وذهب بصرُه قبل موته، وكانت وفاتُه في سنة ست وتسعين ومئة. وقال الجوهري (٥): الشِّيص: التَّمر الَّذي لم يشتدَّ نواه].
ذِكر ما خلَّف من المال:
مات (٦) وفي بيت المالِ تسعُ مئة ألفِ ألف دينار، ومن الدراهم أضعافُها، ومن الجواهر واليواقيتِ مئةُ حِمْل لا تُقَوَّم، ومن الدوابِّ ثلاثون ألفَ رأس (٧)، ومن الموالي والجواري عشرون ألفًا.
وقال هشام: خلَّف من العَين والجواهرِ والدوابِّ والأثاثِ ما قيمتُه -سوى الضِّياع- مئةُ ألفِ ألف دينارٍ وخمسةٌ وثلاثون ألفَ ألف دينار.