← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

فيه، فتقطَّع ومات. وقال الأصمعي: كان حارَّ المِزاج، وكان يُكثر الحركةَ في الصيف، ويُكثر من الجِماع، فنحَل جسمُه وتَلِفَ. وقال ابن بَخْتِيشوع: كنت مع الرشيد بالرقَّة، وكنت أوَّل مَن يدخل عليه في كلِّ غَداة، فأتعرَّف حاله في ليلته، فإن كان أنكر شيئًا وَصَفَه، ويحدِّثني بحديث جواريه وما كان في ليلته، فدخلتُ عليه ذات يوم فسلَّمت عليه، فلم يكد يرفع طرفَه، ورأيته عابسًا مفكِّرًا مَهمومًا، فوقفت بين يديه مليًّا من النَّهار وهو على تلك الحال، فلمَّا طال عليَّ [أقدمتُ عليه و] (١) قلت: يا سيِّدي، جعلني اللهُ فداك، أَخبرْني بحالك، فإن كانت علَّةً فلعل يكون عندي دواؤها، أو من حادثٍ في بعض مَن تُحبّ، فذلك لا مَدْفَعَ له إلا بالرِّضا والتَّسليم، وإن كان من فَتْقٍ وَرَد عليك في مُلكك، فلم تَخْلُ الملوكُ من هذا، فقال: وَيْحك يا جبريل، ليس غمِّي من شيء مما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتُها في ليلتي قد أفزعَتْني، وملأَتْ صدري رُعْبًا، وأَقرَحَتْ قلبي، قلت: أَوكلُّ هذا الفكرِ لرؤيا لعلها من بخاراتٍ رديئة أو من تهاويل السَّوداء، وإنَّما هي أضغاثُ أحلام، قال: رأيت كأنِّي جالسٌ على سريري هذا في بستان، إذ بدت من تحتي ذراعٌ وكفٌّ أعرِفُهما، إلَّا أنِّي لا أفهم اسمَ صاحبهما، وفي الكفِّ تربةٌ حمراء، وقائلٌ أسمع صوته ولا أرى شخصَه يقول: هذه التُّربة التي تُدفن فيها، قلت: وأين هي؟ فقال: بطُوْس، وغابت اليدُ وانقطع الكلامُ وانتبهت. قال: فقلت له: لعلك بتَّ مفكِّرًا في خراسانَ وحروبِها وانتقاضِ أمرها، فولَّد لك الخَلْطُ هذه الرؤيا. وما زلت أُسَكِّنه وأُسَلِّيه حتَّى سكن وانبسط، ومرَّت الأيام ونسي ونسينا [وما خطرت تلك الرؤيا لأحدٍ منا على بال]. ثم قُدِّر خروجُه إلى خراسانَ لمَّا تحرَّك رافع، فلمَّا صِرنا في بعض الطريق، ابتدأت به العلَّة، فلم تزل تتزايد حتَّى دخلنا طوس، فنزل في منزلٍ لحميد بن عبد الحميد (٢) في ضيعةٍ له تعرف بسَنَاباذ، فبينا هو يُمَرَّض في بستانٍ في ذلك القصر، إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملًا يقوم ويسقط، فقلت: يا سيِّدي مالك؟ قال: يا جبريل، تذكر رؤياي

стр. 6127

بالرقَّة؟ ثم رفع رأسه إلى مَسرورٍ وقال: جئني من تُربة هذا البستان، فمضى [مسرورٌ] وأتى بالتُّربة في كفِّه حاسرًا عن ذراعه، فلمَّا نظر إليه قال: هذه واللهِ الذراعُ التي رأيتها في منامي، وهذه الكفُّ بعينها، وهذه التُّربة الحمراء، ما خَرَمَت شيئًا، ثم أقبل على البكاء والنَّحيب، ثم مات واللهِ بعد ثلاثةٍ ودُفن في ذلك البستان. [وروي أنَّه رأى في المنام امرأةً وقفت عليه، وأخذت كفًّا من ترابٍ وقالت: هذه تربتُك عن قليل، فأصبح فَزِعًا، فقصَّ رؤياه على أصحابه، فهوَّنوا عليه. فبينما هو يسير يومًا، إذ نظر إلى امرأةٍ قائمة تنظر إليه، فقال: هذه واللهِ المرأةُ التي رأيت، ولو رأيتها من بين ألف امرأةٍ ما خَفِيَتْ علي، ثم أمرها أن تأخذَ كفًّا من تراب فتُناولَه (١)، فضربت بيدها الأرضَ وناولته، فقال: هذه واللهِ التربةُ التي رأيتها، وهذه المرأةُ بعينها. ومات هناك]. وقيل: إنَّ جبريلَ بن بختيشوع غلط عليه [في عِلَّته] في علاجٍ كان سبب منيَّته، فهمَّ الرشيد أن يفصِّلَه كما فصَّل أخا رافع، فقال له جبريل: يا أميرَ المؤمنين، أَنظرني إلى غد؛ فإنَّك ستصبح في عافية، وسقاه دواءً في الليل، فمات من ليلته [وخلص منه جبريل. وقال الصُّولي: حدَّثني الحسين بنُ يحيى، قال. سمعت هبةَ الله بنِ إبراهيمَ بن المهدي يحدِّث عن أبيه قال:] (٢) أحبَّ الرشيد أن يعلمَ حقيقةَ علَّته، وعلم أنَّ [ابن] بختيشوع يكتمه، فواطأَ إنسانًا من أهل طوس، وسأله أن يلاطفَ ابنَ بختيشوع، ففعل، ثم أعطى الرجلَ ماءه وقال: اذهب به إلى ابن بختيشوعَ وقل له: هذا ماءُ مريضٍ عندي، فلما رآه، قال [ابن بختيشوع] لبعض من معه: كأنه واللهِ ماءُ الرجل، ففطن الذي جاء بالماء (٣)، وقال لابن يختيشوع: اتَّقِ الله، فإنَّ بيني وبين هذا الرجلِ معاملات، فإن كان يعيش لم أستقصِ عليه، وإن كان يموت فرغت ممَّا بيني وبينه، فقال: تريد أن أَصدُقَك؟ قال: نعم، قال: صاحب هذا الماءِ لا يعيش إلا أيامًا. فرجع الرسولُ فأخبر هارون، وعلم ابن بختيشوع بالأمر بعد ذلك، فاختفى إلى أن مات الرَّشيد.

стр. 6128

وقال مسرور: لمَّا سار هارونُ إلى خُراسان، مرَّ في طريقه على قصرٍ خَراب، فنزل يَستظِلُّ به، فإذا على حائطه مكتوبٌ [هذه الأبيات] (١): [من الكامل] هل أنت مُعْتَبِرٌ بمَن خَابَتْ … منه غَداةَ مضى دَساكِرُهُ (٢) وبمَن خَلَت منه أَسِرَّته … وبمَن خَلَت منه مَنابره وبمَن أذلَّ الدَّهرَ مَصْرَعُه … فتَبرَّأت منه عَساكره يا مؤثِرَ الدُّنيا للَذَّتِه … والمُسْتَعِدَّ لمَن يُفاخِرُه أين الملوكُ وأين جُندُهمُ … صاروا مَصيرًا أنت صائره نَلْ ما بدا لك أن تَنال … من الدُّنيا فإنَّ الموتَ آخِرُه فبكى وانكسر وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] فمات بعد أيَّام. [وقال الهيثم:] (٣) لمَّا احتُضِرَ قال للعبَّاس بنِ موسى بنِ عيسى: يا عباس، إنِّي أجد في علمنا المُنْدَرِس: [من المجتث] إنِّي بطُوسٍ مُقيمُ … ما لي بطوسٍ حَميمُ أرجو إلهي لِمَا بي … فإنَّه بي رَحيم لقد أتى بيَ طوسًا … قضاؤه المَحْتوم وليس إلَّا رضائي … والصَّبرُ والتَّسليم (٤) ثم قال: اِحفروا لي قبرًا قبل أن أموت، فحفروا له في البستان وحملوه في مِحَفَّة (٥)، فجلس على شفيره، ونظر في قعره وقال: ويحك يا ابنَ آدمَ تصير إلى هذا! ثم أمر قومًا فختموا فيه القرآن. [وفي رواية:] أَلبِسوني المُسوح، فألبسوه، فقال: يا مَن لا يزول مُلْكُه، ارحم مَن

стр. 6129

قد زال ملكه. ثم جعل يبكي ويقول. واسوءتاه من رسول الله ﷺ ، وجعل يقبِّل أكفانَه ويبكي ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] اللهمَّ ارحم غُربتي، وأَعنِّي على صَرعتي، وأنشد يقول: [من الخفيف] أنا مَيْتٌ وعزَّ مَن لا يموتُ … قد تيقَّنتُ أنَّني سأموتُ ليس مُلْكٌ يُزيلُه الموتُ مُلْكًا … إنَّما المُلك مُلكُ مَن لا يموت (١) وقال سَهْلُ بن صاعد: كنت عند الرشيدِ وهو يَجود بنفسه ويقاسمي ما يقاسي، فنهضت، فقال: اقعُدْ يا سهل، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما يتَّسع قلبي أن أرى أميرَ المؤمنين يعاني ما يعاني، فقال: إنِّي لأَذكر في هذا الحالِ قولَ الشاعر: [من الطويل] وإنِّي لمن قومٍ كرامٍ يَزيدهم … شِماسًا وصَبْرًا شِدَّةُ الحَدَثانِ (٢) وحضر وفاتَه الفَضْلُ بن الربيع وإسماعيلُ بن صَبِيح، ومِن خدمه مَسرورٌ وحسينٌ ورشيد، وصلَّى عليه ابنُه صالح، ودُفن في بستان حميد (٣)، ويقال للمكان: المثقَّب. [واختلفوا في وفاته، فقال الواقدي:] (٤) ليلةَ السبت لثلاثٍ خَلَون من جُمادى الآخرةِ سنة ثلاثٍ وتسعين ومئة. [وقال هشام:] (٥) ليلةَ الأحد غُرَّةَ جُمادى الآخرة. وقيل: غُرَّةَ جمادى الأولى. [واختلفوا في سِنِّه على أقوال: أحدُها: أنَّه] عاش سبعًا وأربعين سنة [وخمسةَ أشهرٍ وخمسة أيام. والثاني خمسًا وأربعين سنة. والثالث: ستةً وأربعين سنة. والرابع: تسعًا وأربعين سنة] والاعتماد في هذه الأقوالِ على تصححيح مولِده. [وقد ذكرناه عند ولايتِه الخلافة.

стр. 6130

واختلفوا في مدَّة خلافته على أقوال: أحدها: أنَّه أقام خليفة ثلاثة وعشرين سنةً وستة أشهر وثمانيةَ عشرَ يومًا. والثاني: ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وستةَ عشر يومًا. والثالث: ثلاثًا وعشرين سنة وستةَ أشهر] (١). ورثاه أبو الشِّيص فقال: [من مجزوء الرمل] غَرَبت في الشَّرق شمسٌ … فلها العينانِ تَدْمعْ ما رأينا قطُّ شمسًا … غَرَبت من حيث تَطْلُعْ (٢) [قلت: واسمُ أبي الشِّيص محمَّد بن رَزين (٣)، وكُنيته أبو سليمان (٤)، وله ديوانٌ مشهور، وذهب بصرُه قبل موته، وكانت وفاتُه في سنة ست وتسعين ومئة. وقال الجوهري (٥): الشِّيص: التَّمر الَّذي لم يشتدَّ نواه]. ذِكر ما خلَّف من المال: مات (٦) وفي بيت المالِ تسعُ مئة ألفِ ألف دينار، ومن الدراهم أضعافُها، ومن الجواهر واليواقيتِ مئةُ حِمْل لا تُقَوَّم، ومن الدوابِّ ثلاثون ألفَ رأس (٧)، ومن الموالي والجواري عشرون ألفًا. وقال هشام: خلَّف من العَين والجواهرِ والدوابِّ والأثاثِ ما قيمتُه -سوى الضِّياع- مئةُ ألفِ ألف دينارٍ وخمسةٌ وثلاثون ألفَ ألف دينار.

стр. 6131

وحكى [الحافظُ ابن عساكر في تاريخه عن أبي زُرعَة الدمشقيِّ] (١) عن أبيه قال: كفي بالرقَّة وبيوتُ الأموال تُنقل إلى هارون، فعددناها أربعةَ آلاف حِملٍ، وستَّ مئة حمل، منها ألف وستُّ مئة حمل ذهبٍ وثلاثةُ آلاف وَرِق. ذِكر أزواجه: [قال علماء السِّيَر:] تزوَّج هارونُ سبعًا من الحرائر: زُبيدة، وهي أمُّ جعفرٍ بنتُ جعفرِ بن المنصور، دخل بها في زمن المهديِّ سنةَ خمسٍ وستِّين [ومئة]، وقيل: سنةَ ستٍّ وستين ومئة (٢)، في دار محمَّد بن سليمانَ ببغداد، [وهذه الدارُ انتقلت إلى العبَّاسة (٣) ثم إلى المعتصم بالله]، وتزوَّج أَمَةَ العزيز أمَّ ولد موسى الهادي بعد الهادي. وتزوَّج أمَّ محمَّد بنتَ صالحٍ المسكين (٤)، ودخل بها بالرقَّة في ذي الحجَّة سنة تسعٍ (٥) وثمانين ومئة، وأمُّها أمُّ عبد الله بنتُ عيسى بنِ علي، وكانت قد تزوَّجت إبراهيمَ بن المهدي، فاختلعت منه قبلَ أن يدخلَ بها، فتزوَّجها هارون. وتزوج العبَّاسة بنت سليمانَ بنِ أبي جعفرٍ المنصور، ودخل بها في ذي الحِجَّة سنةَ سبع وثمانين ومئةٍ بالرقة. وتزوَّج عزيزةَ بنت الغطريف، وكانت قبله عند سليمانَ بنِ أبي جعفر، فطلَّقها، فخلف عليها هارون، وهي ابنةُ أخي الخَيزُران (٦). وتزوَّج العثمانيةَ، وهي ابنةُ عبدِ الله بن محمَّد بن عبد الله بن [عَمرو بن] (٧) عثمانَ بن عفانَ ﵁، وتسمَّى الجُرَشية، لأنَّها ولدت بجُرَش اليمن، وجدَّة أبيها فاطمةُ بنت الحسين بنِ علي، وعمُّ أبيها عبدُ الله بن حسنِ بن حسن، وجدُّها محمَّد بن عبد الله الدِّيباج. فتوفِّي هارونُ عن أربعٍ من الحرائر: زبيدة، وأمُّ محمَّد بنتُ صالح، وعبَّاسة بنت

стр. 6132

سليمان، والعثمانيَّة. وأمَّا من الإِماء، فقد تسرَّى -على ما قيل- بألوف، والمشهوراتُ منهن: هيلانة، وعِنان جارية الناطفي، وضياء. وهنَّ مشهوراتٌ بالأدب والغناء. وماتت ضياء، فخرج هارونُ في جنازتها، فدنا منه إسماعيلُ بن الأزرق المَديني، وكان [ماجنًا] مِضحاكًا، فقال لهارون: يا سيَّدي، لمَ تجزعُ هذا الجزع؟ فقال له: ويحك ما ترى ما ابتُليتُ به، ما أحببتُ أحدًا إلَّا ومات، فقال له: يا سيِّدي، فأحبِبْني، فقال: إن الحبَّ ليس بشيء يُصنع، ولكن تهيِّجه الأسباب، فقال: قل: إني أحبُّك، فقالها، ومضى إسماعيل فحُمَّ ومات. ذِكر أولاده: [قال علماء السير:] كان له من الولد ثمانية وعشرون: أربعةَ عشرَ ذَكَرًا، وأربعَ عشرةَ أنثى، فالذُّكور: محمَّد الأمين، ومحمَّد المعتصم، ومحمَّد، وكُنْيته أبو عيسى، وأمُّه أم ولدٍ يقال لها: عرابة، والرابع محمَّد، وكُنيته أبو يعقوب، وأمُّه شذرة أمُّ ولد، والخامس محمَّد، وكنيته أبو العبَّاس، وأمُّه خُبْث أم ولد، والسابع محمَّد، وكُنيته أبو علي، وأمُّه سِدر (١) أمُّ ولد، فهؤلاء المحمَّدون (٢)، وكان الرشيد لحبِّه هذا الاسمَ يسمِّي أولاده به. وعبدُ الله المأمون، والقاسم المؤتَمَن، وأمُّه قصف أمُّ ولد، مات في سنة ثمانٍ ومئتين (٣)، قال له الرشيد: قد أوصيتُ بك محمَّدًا وعبدَ الله، فقال: أمَّا أنت يا أميرَ المؤمنين، فقد تولَّيت النظر لهما، ووكَّلت النظر إليَّ غيرَك. وعليّ، وأمُّه أَمَة العزيز أمُّ ولد الهادي، وصالح، وأمُّه رثم أمُّ ولد، وأحمد، وهو السَّبتي، مات في حياة أبيه، وقد ذكرناه آنفًا، وأبو محمَّد، هو اسمُه وكنيته، ويلقَّب بكريب، وأمه سَحَرُ أمُّ ولد، وأبو أحمد (٤)، وأمُّه كتمان أمُّ ولد. وأما البنات، فكلُّهن لأمهات أولاد شتى: فسُكينة، أمُّها قصف، وهي شقيقةُ القاسم، وأمُّ حبيب، أمُّها ماردة، وهي شقيقةُ المعتصم، وأروى، أمُّها حَلوب، وأم

стр. 6133

الحسن، أمُّها عرابة، شقيقةُ أبي عيسى، وأمُّ محمَّد، يقال لها: حَمْدونة، فاطمة، أمُّها غُصَص، وأمُّ أبيها [وأمها] سكر (١)، وأمُّ سلمة، أمُّها رحيق، وخديجة، أمها سَحر (٢)، وهي شقيقةُ كُريب، وأمَّ القاسم، أمُّها خرق، ورَملة، وتُكنى أمَّ جعفر، أمُّها حلي، وأمُّ علي [أمها] أنيق، و [أمُّ] الغالية، أمُّها سمندل، وريطة، أمُّها زينة (٣). أَسند هارونُ الحديثَ عن أبيه المهديِّ والمباركِ بن فضالة، وروى عن مالك بن أنسٍ الموطَّأ، وعن إبراهيمَ بنِ سعد الزهري، وغيرِهما، وروى عنه ولداه الأمينُ والمأمون وغيرهما. أبو بكر بن عيَّاش بنِ سالمٍ القارئ [واختلفوا في اسمه على أقوال: أحدُها: شعبة، ذكره سفيانُ الثوري. والثاني: محمَّد، ذكره النَّسائي. والثالث: سالم، ذكره أبو بكر الجَوْزَقي. والرابع: مطرِّف، ذكره الهيثم بن عَدي. والخامس: رؤبة، ذكره دُحَيم. والسادس: عَتيق، ذكره سفيانُ بن عُيينة (٤). وقال الخطيب عن عمرَ بنِ هارون: سألتُه عن اسمه فقال: لا أدري، الغالبُ على اسمي كنيتي. وقد نصَّ أبو داودَ على أنَّ اسمه كنيتُه. وقال البخاري: أبو بكر بن عيَّاش] مولى واصلِ بن حَيَّان الأَسَدي (٥). [وذكر ابن سعدٍ (٦) أبا بكر بن عيَّاش] في الطبقة السابعة من أهل الكوفة [في أوَّلها وقال: وهو من الطبقة التي قبلها -يعني السادسة- ولكنَّه بقي حتَّى عُمِّر وكتب عنه

стр. 6134

الأحداث، و] كان من العبَّاد [قال: و] نظر إليه وكيعٌ يصلِّي يومَ الجمعةِ فقال: أعرفُ هذا الشيخَ بهذه الصلاةِ منذ أربعين سنة. [واختلفوا في مولده على أقوال: أحدُها] سنة سبعٍ وتسعين، وقيل: سنةَ أربع وتسعين، وقيل: سنةَ خمسٍ وتسعين، وقيل: سنةَ ستٍّ وتسعين [في أيام سليمانَ بنِ عبد الملك]. [وذكر الخطيب (١) بإسناده عن] يزيدَ بنِ هارون [وذُكر عنده أبو بكر بن عياشٍ فقال]: كان أبو بكرٍ خيِّرًا فاضلًا، لم يضع جنبَه على الأرض منذ أربعين سنة. [وروى الخطيبُ (٢) بإسناده عن أبي هاشمٍ الرفاعيِّ قال: سمعتُ أبا بكر بنَ عياش يقول:] لي غرفةٌ قد عجزت عن الصُّعود إليها، وما يمنعني من النُّزول منها إلا أني أختم فيها القرآنَ كل يومٍ وليلةٍ منذ ستين سنة. [وروى الخطيبُ أيضًا وقال:] نزل الماءُ في عينيه، فمكث عشرين (٣) لم يعلمْ به أهله. [قال:] وصام ثمانين رمضانًا. [قال:] ولمَّا كبر، كان يأخذ إفطارَه، فَيغْمِسه في جَرَّة في بيت مُظلمٍ ويقول: يا مَلاكَيَّ، قد طالت صُحبتي لكما، فاشفعا لي إنْ كانت لكما عند اللهِ شفاعة. [قال:] وكان له عُكَّاز ينحني عليه إلى الصَّباح. [وقال أبو جعفر بنُ أبي شيبةَ عن أبيه قال: استقدم هارونُ أبا بكر بنَ عيَّاش] من الكوفة (٤) إلى بغداد، وكان قد ضعف بصرُه، فدخل عليه ووكيعٌ يقوده، فرحَّب به وأَدناه، وقال له: يا أبا بكر، قد أدركتَ أيامَ بني أميةَ وأيامنا، فأيُّنا كان أَخيَر؟ قال وكيع: فقلتُ في نفسي: اللهمَّ ثبِّت الشيخ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أولئك كانوا أنفعَ للناس، وأنتم أقومُ بالصلاة. ثم خرجا، فبعث إلى ابن عيَّاش بستَّة آلاف درهم، وإلى وكيعٍ بثلاثة آلافِ درهم، ورجعا إلى الكوفة.

стр. 6135

ودخل ابن عياشٍ على موسى بنِ عيسى وهو عاملُ الكوفة وعنده عبدُ الله بن مصعب الزبيري، فأدناه موسى وقرَّبه، وأَتكأَه متَّكأ، [فاتَّكأ] وبسط رجلَيه، فقال الزبيريُّ لموسى: مَن هذا؟! [قال: هذا فقيه الفقهاءِ والمرأَس عند أهل المصر أبو بكر بنُ عياش، قال الزبيري: فلا كثيرٌ ولا طيِّب، ولا مستحقٌّ لكلِّ ما فعلتَه به، فقال أبو بكر: يا أيها الأمير، مَن هذا الَّذي سأل عني بجهل، ثم تتابع في جهله بسوء قولٍ وفعل؟ فنسبه له] (١) فقال له ابنُ عياش: اُسكت يا زبيري لا سكتَّ، فبأبيك غُدِرَ ببيعتنا، وبقول الزُّبير خرجت أمُّنا، وبابنه هُدمت كعبتُنا واستُحلَّ حَرَمُنا وقُتلت كُماتنا، وبك أَحرى أن يخرجَ الدجَّال فينا، فضحك موسى حتَّى فَحَص برجلَيه الأرض. [وحكى الخطيبُ (٢) عن] ابن عياشٍ [قال:] (٣) أتيتُ زمزمَ ليلةً، فاستقيتُ منها دَلْوًا لَبنًا وعَسَلًا. [وروى أبو نُعيم (٤) عنه أنَّه قال:] قال لي رجل: [خلِّص] رقبتَك (٥) ما استطعتَ في الدنيا من رِقِّ الآخرة؛ فإنَّ أسير الآخرةِ غيرُ مفكوك أبدًا. فواللهِ ما نسيتها. ذكر وفاته: [حكى الخطيبُ عن ابنه] إبراهيمَ بنِ أبي بكر بن عيَّاش [قال:] (٦) شهدتُ أبي عند الموت، فبكيت، فقال: يا بُنيّ، ما يُبكيك؟ فواللهِ ما أتى أبوك فاحشةً قطّ (٧)، [وفي رواية:] صمتُ ثمانين رمضانًا، وختمت القرآنَ ثمانين سنة، ولم أُفطر في نهارها. و [قال ابنُ سعد:] (٨) توفِّي في جُمادى الأولى [سنةَ ثلاثٍ وتسعين] في الشَّهر الَّذي مات فيه هارون. وقيل: توفِّي سنة اثنتين وتسعين ومئة بالكوفة وقد جاوز تسعين سنة.

стр. 6136

و [روى أبو نُعيم (١) الحافظ عن] الهيثم بن خارجةَ [قال:] (٢) رأيت ابن عيَّاش في منامي بعد موتِه وبين يديه طَبَقٌ [فيه] رُطَب وسكَّر، فقلت: ألا تدعونا إليه وقد كنتَ سخيًّا على الطعام! فقال: هذا طعامُ أهل الجنَّةِ لا يأكله أهلُ الدنيا، فقلت: فبمَ نلتَ هذا؟ فقال: تسألني عن هذا وقد مضت عليَّ ستٌّ وثمانون سنةً أختم فيها القرآنَ كلَّ ليلة! أَسند عن خلقٍ كثير من التابعين، منهم الأعمش، وهشامُ بن عروة، وغيرُهما، وروى عنه ابنُ المبارك، والإمام أحمدُ ﵀، وغيرُه. [وأجمعوا على ثقته ودينه وعبادته وورعه واجتهاده، وإنما تكلَّم بعضُهم في حفظه، فقال ابنُ سعد (٣): كان ثقةً صدوقًا عارفًا بالحديث والعلم، إلَّا أنَّه كان كثيرَ الغَلَط. وكذا قال أحمد بنُ حنبل: إنه كثيرَ الخطأ. وقال بِشرٌ الحافي: كان شيخًا قديمًا صاحب قرآنٍ وسنَّة، إلا أنَّ في حديثه اضطرابًا. وقال أبو بكرٍ البيهقيّ: لا خلافَ في عدالته وثقته، وإنَّما لمَّا كبر سنُّه كثر خطؤه، لا أنَّه كان متَّهمًا. وهذا القول أصحّ. وفي الرُّواة مَن يُكنَى بأبي بكر بن عيَّاش ثلاثة: أحدُهم هذا، والثاني حِمصيّ، والثالث سُلَميّ، حدَّث عن جعفر بن بُرْقان.] (٤) * * *

стр. 6137

السَّنة الرابعةُ والتِّسعون بعد المئة فيها عزل الأمينُ أخاه القاسمَ عن الثُّغور والعواصم [وما ولَّاه أبوه من الشام] وولَّى مكانه خُزيمةَ بن خازم، واستدعاه إلى بغدادَ وأمره بالمُقام عنده. وفيها عصا أهلُ حمص، وكان العاملَ عليهم إسحاقُ بن سليمان، فخرج عنهم فأقام بسلَمْيَة، فاستضعفه الأمينُ، وولَّى عليهم عبدَ الله بن سعيدٍ الحَرَشي، فسار إليهم فحصرهم، وضربها بالنِّيران من جوانبها، فسألوه الأمان فأمَّنهم. وفيها أمر الأمين بالدُّعاء لابنه موسى على المنابر. وفيها ظهر الفسادُ بين الأمينِ والمأمون (١)، وكان السببُ في ذلك أنَّ الفضل بن الربيع لما ردَّ المال والمتاع الَّذي أَوصى به هارونُ للمأمون إلى بغداد، قال في نفسه: متى أفضى الأمرُ إلى المأمون لم يُبقِ عليّ، فسعى في الوقيعة بين الأمينِ والمأمون، وأَغرى الأمين، وأشار عليه بصرفه عن ولاية العهدِ إلى ابنه موسى، ولم يكن ذلك رأيَ الأمين، واتفق معه عليُّ بن عيسى بنِ ماهان والسِّنديُّ وغيرُهما موافقةً للفضل، فأزال محمَّدًا عن رأيه الأوَّل، وأجاب الفضلَ إلى خلع المأمونِ والدُّعاءِ لابنه موسى، ثم توقَّف، فحمله الفضل، فكتب إلى الأمصار، فدعا له وبعد المأمونِ لموسى، وأسقط القاسم، ولما بلغ المأمون ذلك، قطع البريد عن محمَّد، وأسقط اسمه من دار الضَّرْب والطِّراز (٢). وكان رافعُ بن الليث -لمَّا انتهت إليه أخبارُ المأمون وحسنُ سيرته- رغب في طاعته، وبعث إلى هَرْثَمَةَ وهو محاصرُه بسَمَرْقَنْدَ يطلب الأمان، فكتب هرثمةُ إلى المأمون يُخبره، فكتب له أمانَّا، وسار رافعٌ من سمرقندَ إلى مَرْو، فقدمها على المأمون، فأكرمه وأدناه وأحسنَ إليه، وأعطاه الأموال وغيرها، فأقام عنده بمرو، وأقام هرثمةُ بسمرقندَ على حاله، ومعه في عسكره طاهرُ بن الحسين، ثم استأذن هرثمةُ

стр. 6138

المأمونَ في القدوم عليه، فأذن له، فسار إلى جَيحون، فوجده جامدًا، فعبر عليه بعسكره، ووصل إلى مرو، فتلقَّاه الناس، وأَكرمه المأمون وولَّاه حَرَسه، وكتب عيونُ محمَّد إليه بذلك فأنكره، وشرع في التدبير على المأمون، وكتب كتابًا إلى العباس بنِ عبد الله بنِ مالك عاملِ الرَّيِّ من قِبَل المأمون يأمره أن يبعثَ إليه بغرائب غَرْسِ الريِّ على اختلاف أنواعه، وكان قصدُه امتحانَه، فأرسل إليه العباسُ بما طلب، وكتم ذلك عن المأمون وذي الرياستَين، وبلغ المأمون فعزل العباسَ عن الرَّيِّ، وولَّى الحسنَ بن عليِّ المأموني. ثم إنَّ محمَّدًا أرسل إلى أخيه المأمونِ رسلًا ثلاثة: أحدُهم العباس بنُ موسى بنِ عيسى، وصالحٌ صاحب المُصَلَّى، ومحمَّد بنُ عيسى بن نَهيك. وكتب معهم كتابًا يسأله تقديمَ (١) موسى عليه، ويخبره أنَّه سمَّاه الناطقَ بالحقِّ، وما نطق حينئذٍ قطُّ لا بحقٍّ ولا بباطل، وكان ذلك برأي الفضلِ وابن ماهانَ والسِّندي. ولمَّا بلغ ذا الرياستين مسيرُهم، كتب إلى العمَّال بالرَّي وقُومِسَ ونَيسابورَ وسَرْخَسَ وغيرِها أن يتلقَّوهم بالعُدَد والفرسان، والسلاحِ التامّ، وإظهارِ الزِّينة، ففعلوا، ثم قدموا مَرْو، فدخلوا على المأمون، فناولوه كتابَ أخيه، وأبلغوه الرِّسالة، فردَّ ذلك المأمون، فقال العباسُ بن موسى للمأمون: وما عليك أيها الأميرُ من ذلك؟! فهذا جدِّي عيسى بنُ موسى قد خُلع وما ضرَّه، فصاح به ذو الرياستين: اُسكت؛ فإن جدَّك كان في أيديهم أسيرًا، وهذا بين أخوالِهِ وشيعته ورجالِه وأمواله وبلاده، فقاموا، وأَنزل ذو الرياستين كلَّ واحدٍ منهم منزلًا، ثم جاء إلى العبَّاس ليلًا وخلا به، وأَرغبه في طاعة المأمون، وقال: أين ذُهب بك في نسبك وفضلِك عن المأمون؟! وأعطاه ولايةَ الموسم، وأقطعه بمصرَ وغيرِها أموالًا، فاجاب وبايع المأمون، فكان بعدُ يطالعهم بأخبار محمَّد، ويشير عليهم بما يعتمدونه. ولمَّا عاد الرسلُ إلى محمَّد وأخبروه بجواب المأمون، ألحَّ عليه الفضلُ وابن ماهان بالبَيعة لابنه موسى وخلعِ المأمون، ففعل، وأَحضنَ ابنَه موسى عليَّ بن عيسى بن ماهان

стр. 6139

بالبيعة وولَّاه العراق، وكان الأمين يشاور قوَّاده وخواصَّه في خلع المأمونِ فيأبون عليه، وقال له خُزيمةُ بن خازم: لا تجرِّئ القوَّادَ على الخَلْع فيخلعوك، ولا تَحْمِلهم على الغَدْر ونَقْص العهود فينقضوا عهدَك ويغدروا بك. فلم يقبل، وخلع أخاه، وبعث إلى الأمصارِ بذلك، وبعث إلى الكعبة وأخذ الكتابَين فمزَّقهما، وأجاز بني شيبةَ بمال كثير، فقال الناس: مُرِّق ملكُه. وكان محمَّد قد كتب إلى المأمون قبل مكاشفتِه يسأله أن ينزلَ له عن كُوَرٍ من خُراسانَ سمَّاها له، وأن يكونَ بها بريد من قِبَله يكتب إليه بأخباره، فشقَّ ذلك على المأمون، واستشار الفضلَ والحسن ابنَي سهل، فأما الفضلُ فقال: الأمر خَطِر، ولك من شيعتك وأهلِ ولايتك بِطانةٌ لهم أُنسٌ بالمشاورة، وفي قطع الأمر دونهم وَحشة، وظهورُ قلَّةِ ثقة، فَرَ رأَيك في ذلك. وقال الحسن: شاورْ في رأيك مَن تثق بنصيحته، وتألَّف العدوَّ فيما لا اكتتامَ له بمشاورته. فأحضر المأمونُ خاصَّته، وشيعته، وأهلَ مودَّته، وأخبرهم الخبر، فقالوا: أيها الأمير، قد سألتَ عن أمرٍ خطير، فاجعل لبديهتنا حظًّا من الرَّويَّة والنَّظَر، فقال: هذا هو الحَزْم، وأجَّلهم ثلاثًا، فتروَّوا، ثم اجتمعوا عند المأمونِ والفضلُ بن سهل حاضر، فكلُّهم أشار بأن يعطيَ للأمين ما سأل، إلَّا أن عباراتِهم اختلفت، فقال بعضُهم: كان يقال: إذا كان الأمرُ خطرًا، فإعطاؤك مَن نازعك طرفًا من بُغيته مع قدرته أمثلُ من أن تصيرَ (١) بالمنع إلى مُكاشفته. وقال آخر: لا تأمن أن يكونَ فسادُ يومِك راجعًا بفساد غدِك. وقال آخَر: لا أرى مفارقةَ منزلة سَلامة، لعل أن تُعطى منها العافية. فقال لهم ذو الرِّياستين: قد اجتهدتم في النصيحة والرأي، غير أنَّ رأيي مخالفٌ لرأيكم، قالوا: ولِم؟ قال: ألستم تعلمون أنَّ محمَّدًا تجاوز إلى طلب شيء ليس له بحقّ؟ قالوا: نعم، قال: فهل أنتم على بيِّنة وثقةٍ أنَّه لا يتجاوز إلى طلب شيءٍ آخر؟ قالوا: لا. ثم قال للمأمون: هل تأمن أن يكونَ أخوك طلب ما طلب ليستظهرَ به غدًا عليك

стр. 6140

ويتقوَّى على مخالفتك؟ قال: لا، قال: فانظر ماذا ترى، فقال: يا فضل، اُكتب إليه: وَرَدَ كتابُ أمير المؤمنين يسألني التجافيَ عن مواضعَ سمَّاها الرشيدُ في عَقده وعَهده، وجعل أمرَها إليّ، ولو لم يكن ذلك مبيَّنًا في عهوده، وأنا على الحال التي أنا عليها من مجاورة الأعداءِ، وجندٍ لا يطيعون إلَّا بالمال؛ لقد كان يجب على أمير المؤمنين أن يقسمَ لي حظًّا من عنايته، ويقطعَ لي طَرفًا من ماله، وإنِّي أعلم أنَّ أمير المؤمنين لو علم ما أنا فيه [لما] (١) كتب إليَّ بما كتب، والسلام. وذكر كلامًا بمعناه. ثم إنَّ المأمون احترز على الطُّرق، وأقام الطَّلائع والبُرُد، وبثَّ الحَرسَ في الأماكن بحيث لا يصل إلى أحدٍ من خراسانَ كتابٌ ولا جواب، فأمن ناحيتَهم، وحَصَرهم من أن يُستمالوا برغبةٍ أو رهبة، وبعث محمَّد جماعةً ليناظروا المأمونَ في منعه ما كان سأله، فلما وصلوا إلى الريِّ وجدوا الحرسَ والطلائع، ومُنعوا من المسير إلى مَرْو، وكتب عاملُ الرَّي إلى المأمون يخبره بهم، فجاء كتابٌ بحملهم إليه، فحُملوا وقد أُحيط بهم واحتُرز عليهم، فلا يصل إليهم خبرٌ ولا يخرج من عندهم خبر، وكان في نيَّتهم بَذْلُ الأموال والولايات للفارقين، فوجدوا ذلك ممنوعًا، فحُملوا إلى المأمون ومعهم كتابُ الأمين، وفيه: أما بعد، فإنَّ الرشيد وإن كان أَفردك بما ضمَّ إليك من كُور الجبال (٢) تأييدًا لأمرك، فإنَّ ذلك لا يوجب لك فَضْلةَ المالِ عن كفايتك، وقد ضمَّ إليك كورًا لا حاجةَ لك إليها، والواجب أن تكونَ مردودةً فَي أهلها. فكتب إليه المأمون: لا تبعثني يا ابنَ أبي على مُخالفتك وقطيعتِك، وأنا مُذْعِنٌ بطاعتك، وعلى ما كُنْتُ من صِلَتك، وارضَ بما حكم به الحقُّ في أمرك، أكُن في المكان الَّذي أنزلني الحقُّ فيما بيني وبينك، والسلام. ثم قال للرسل: أَبلِغوه أنِّي لا أزال على طاعته، إلَّا أن يضطرَّني بترك الحقِّ الواجب إلى مخالفته. فذهبوا يقولون، فقال: أَحسنوا تأديةَ ما سمعتم، ففي مكاتبتي إليه كفاية،

стр. 6141

فرجعوا خائبين ما أمَّلوه، ولقُوا جدًّا غيرَ مَشُوبٍ بهَزل. وقيل: إنَّ المأمون قال لذي الرياستين: إنَّ ولدي وأهلي ومالي بحضرة محمَّد، وكان [مئة] (١) ألفِ ألفِ درهم (٢)، وأنا مُحْتاجٌ إلى ذلك، فما ترى؟ فقال: إنْ أنت كتبت إليه فمنعك، صار إلى خلع عهدِه، فاضطرَّك إلى محاربته، وإنِّي أكره لك أن تكون المُفْتَتِحَ بابَ الفُرقة، ولكن اكتب إليه بتوجيه أهلِك، ومطالبته بحقِّك على وجهٍ لا يتطرَّق إليه المَنْع، فإنْ أجاب فهو العافية، وإن أبي لم يكُنْ سببًا للحرب. فقال: اكتب إليه، فكتب: أمَّا بعد، فإنَّ نظرَ أمير المؤمنين للعامَّة نظرُ مَن لا يقتصر على إعطاءِ النَّصفة من نفسه حتَّى يتجاوزَها إليهم ببرِّه وصِلَته، وإن كان ذلك رأيه في عامته، فأَحرى أن يكونَ في خاصَّيتِه، وقد علم أميرُ المؤمنين ما أنا عليه من ثغور حَللت بين لَهَواتها، وعساكرَ لا تزال مُوقنةً بنَشْر غَيِّها، وبنكْث آرائها، وقلَّةِ الخراج قِبَلي، والأهل والولد والمال قِبَل أمير المؤمنين، والأهل وإن كانوا في كفاية من برِّه وهو لهم كالوالد، غير أنِّي محتاجٌ إلى وصولهم إليَّ؛ لأؤدِّيَ حقَّ الله فيهم، ورأيُ أمير المؤمنين مستخرجٌ في المساعدة على حَمل ذلك إليَّ على يد فلان -رجل سمَّاه- غيرُ مُحرجٍ له إلى ضيقٍ يقع بمخالفته، أو حاملٍ برأي (٣) يكون على غير موافقته، والسلام. وكان للمأمون بالرقَّة مئةُ ألف دينار، وأهلُه وولده وعياله بالرقَّة، فكتب إليه محمَّد: أما بعد، فقد بلغني كتابُك يذكر كذا وكذا، فأمَّا المال، فالأَولى ردُّه في مواضعِ حقِّه، فإنَّ الواجبَ على أمير المؤمنين أن يَستظهرَ لدينه، وهذا مال المسلمين، وأما الأهلُ والولد، فأسيِّرهم إليك مع الثِّقة من رُسُلي. وذكر كلامًا حاصلُه أنه ما أجابه إلى شيءٍ من ذلك. ولمَّا قرأ المأمون كتابَه قال: لَأَظَ (٤) دون حقِّنا، فقال له الفضل: الرأي التمسُّك

стр. 6142

بعُرْوَة الثِّقة، وحَسْمُ مَوادِّ الفُرقة، وعدم المكاشفة، والثباتُ إلى حين. وعلم المأمونُ أنَّه سيحدث بعد هذا أمور، وأنَّه لا بدَّ من مكاتبة الخاصَّة، وأهلِ القَدْر والنَّباهة من الشِّيعة الذين ببغداد، فكتب إليهم كتبًا سرَّا وكتابًا ظاهرًا إلى محمَّد، وانتدب لذلك رسولًا، وقال له: إنْ خَلَعني محمَّد فأوصِل هذه الكتبَ إلى أربابها، وإن لم يفعل فأَمسِك عن إيصالها. وكان في كتاب المأمونِ إلى محمَّد: أما بعد: فإنَّ أَمْرَ المؤمنين كأعضاء البَدَنِ، تحدث العلَّة في بعضها فيكون ذلك سببًا مؤلمًا لجميعها، وكذلك الحَدَثُ في بعض المسلمين يسري إلى الكلِّ، وما اختلف مختلفان وكان أحدُهما مع الله والحقِّ إلَّا تولَّى اللهُ معونته والمسلمون، وأنت -يرحمك الله- من الأمر بمَرأى ومَسْمَع، وبمكانٍ إن قلتَ استُمع لقولك، وقد أوجب اللهُ علينا طاعتَك والإحسان، ولن يضيِّعَ الله ذلك، والسلام. وقدم الرسولُ بغداد، فوافق قدومُه قطعَ الدعاءِ للمأمون على المنابر، فأوصل الكتبَ إلى أربابها، فمنهم مَن أجاب ومنهم مَن سكت، فكتب رسولُ المأمون إليه: أما بعد: فإنِّي قدمت البلدةَ وقد أعلن خَليطُك بتنكُّره، وأمسك عما يجب ذِكرُه بحضرته، ودفعتُ كتبك إلى أربابها، فوجدت أكثرَهم [وُلاةَ السَّريرة] بُغاة العَلانية، [ووجدت المُشرِفين بالرعيَّة] ما يبالون ما احتملوا [فيها] (١)، والقوم على ما وصفت، فلا تجعل للتَّواني في أمرك نصيبًا، والسلام. وكان الأمينُ قد استشار يحيى بنَ سليم الكاتبَ في خلع المأمون، فقال له: كيف بذلك مع ما قد وكَّد له الرشيدُ من البَيعة، وتوثَّق له بالعهود والأيمانِ والشرائط في الكتاب المعلَّق في الكعبة؟! فقال له محمَّد: كان رأيُ الرشيد فيه خطأ، حمله عليه جعفرُ بن يحيى بسحره، واستماله برُقاه، فغَرس لنا غَرْسًا مَكروهًا، لا يُنتفع بما نحن فيه إلَّا بقطعه، ولا تستقيم لنا الأمورُ إلَّا باجتثاثه. فقال له يحيى: أما إذا كان هذا في عَزْمك، فلا تجاهرْه بذلك، فيستنكره الناسُ

стр. 6143

ويستشنعه العامَّة، ولكن استدعِ القائدَ بعد القائد، وآنِسه بالأَلطاف والهدايا، وأَرغبهم ومَن معهم بالأموال، فإذا استملتَهم وَهَنَت قُوَّته، وضَعُف حالُه، وأجابك رجاله، فمُرْه بالقدوم عليك، فإن قدم كان الَّذي تريد منه [وإن أبى، كنتَ قد تناولتَه] (١) وقد كلَّ حَدُّه، وضَعُف رُكنُه، وانقطع عِزُّه. فقال محمَّد: أنت خطيب مِهذار، ولستَ بذي رأيٍ مُصيب، فعدِّ عن هذا الرأيِ إلى الشيخ المُوَفَّق والوزيرِ الناصح -يعني الفضلَ بن الربيع- قم فالحقْ بمِدادك وأقلامك. فقام وهو يقول: ستعلم. ودسَّ الفضلُ بن سهل إلى بغدادَ أقوامًا يطالعونه بالأخبار يومًا بيوم، وقد بعث طاهرَ بن الحسين إلى الرَّيِّ في جُنْد، وبعث محمَّد عصمةَ بن سالم (٢) إلى هَمَذان في جُند، وولَّاه حربَ الجبال والرَّي، فأقام بهمذان، وحفظ طاهر الطُّرق، وأقام مَن يُفتِّش النساءَ خوفًا من غائلة الكتب، وبعث طلائعَه واحترز، فقال بعضُ شعراء خراسانَ في طاهر: [من الوافر] رمى أهلَ العراق ومَن عليها … إمامُ العَدْل والمَلِكُ الرَّشيدُ بأحْزَمِ مَن مَشَى رأيًا وحَزْمًا … وكَيدًا نافِذًا فيما يَكيد وعَزْمٍ ثاقِبٍ وعظيمِ بأسٍ (٣) … يَشيبُ لهَوْل صَولَته الوَليدُ واستشار المأمونُ الفضلَ بن سهل وأخاه الحسنَ فيما يفعل، فقالا له: أمسِكْ مَوضعَك، فقال: كيف أقدر على ذلك ومع محمَّد الدنيا والأموالُ والرجال والسِّلاح، وليس معي شيءٌ من ذلك، وحولي الأعداءُ من كلِّ جانب؟! فقالا: الصَّبرَ الصَّبر، فإنَّه عُدَّة في النوائب، وقد غَدَر بك وسلَّ سيف البَغْي، وسوف يُقتَل به، فاثبت. وحجَّ بالناس داودُ بن عيسى بنِ موسى بن محمَّد بن علي، وكان واليًا على المدينة ومكَّة. وقيل: حجَّ بهم عليُّ بن الرشيد.

стр. 6144

فصل وفيها توفي حَفصُ بن غياث ابنِ طَلْق، أبو عبد الله (١) القاضي النَّخَعي [الكوفي. ذكره ابنُ سعد] في الطبقة السابعةِ من أهل الكوفة [وروى أنَّ حفصًا] ولد سنةَ سبعَ عشرةَ ومئةٍ [في خلافة هشامِ بن عبد الملك، وكان يُكَنى أبا عمر] (٢)، وولَّاه هارون القضاءَ ببغداد بالشَّرقية، ثم ولَّاه قضاءَ الكوفة، فلم يزل قاضيًا عليها إلى أن مرض مرضًا شديدًا، ومات بها في عشر ذي الحِجَّة [سنة أربع وتسعين ومئة في خلافة محمَّد بن هارون] وكان ثقةً مأمونًا ثبتًا، إلَّا أنَّه كان يُدَلِّس. [وروى الخطيبُ عن] حُميد بنِ الربيع [قال] (٣): لمَّا جيء بعبد اللهِ بن إدريسَ وحفصِ بن غياث ووكيع بن الجرَّاح إلى هارونَ ليولِّيهم القضاء، دخلوا عليه، فأمَّا [بن] إدريس فإنَّه قال: السلامُ عليكم، وطرح نفسَه كأنه مفلوج، فقال هارون: خذوا بيد الشيخ؛ فإنَّه لا فضلَ فيه. وأما وكيع، فوضع إِصبعَه على عينه وقال: واللهِ ما أبصرتُ بها منذ سنين (٤)، وعنى إصبعَه، فأعفاه. وأما حفصٌ فقال: واللهِ لولا الدَّين والعيالُ لَما وليت. فلما ولي كان يقول بعد ذلك: لَأَن يُدخِلَ الرجل إصبعَه في عينه فيقلعَها ثم يرميَ بها خيرٌ له من أن يكونَ قاضيًا. و [قال أحمد بنُ كامل:] (٥) طلب هارونُ يومًا حفصَ بن غياث وهو في مجلس الحكم، فقال: أنا أجيرُ المسلمين، إذا فرغت من أمورهم جئت. فلم يقم حتَّى تفرَّق الخصوم.

стр. 6145

وقال غنَّام بن حَفْص: مرض أبي خمسةَ عشرَ يومًا، فدفع إليَّ مئةَ درهم وقال: امضِ بها إلى العامل وقل له: هذه رزقُ خمسة عشر يومًا لم أحكمْ فيها بين المسلمين، فدفعتها إليه. وقال يحيى بنُ الليث: باع رجلٌ من مَرْزُبان المجوسيِّ وكيلِ زُبيدةَ جِمالًا بثلاثين ألفِ درهم، فمَطَله ولم يُعطِه شيئًا، فجاء الرجلُ إلى بعض أصحابِ حفصٍ فأخبره الخبر، فقال: اِذهب إليه وقل له: أَعطِني ألفَ درهم وأُحيل عليك بالباقي، فأعطاه ألفَ درهم، وأتى الرجلَ فأخبره، فقال له: اذهب إليه وقل له: اِجعل طريقَك غدًا على القاضي حتَّى أوكِّلَ بقبض (١) المال. فمضى إلى المجوسيِّ وقال: أَفعل، وحضر مجلسَ حفص، فادَّعى عليه الرجلُ بتسعةٍ وعشرين ألفَ درهم، فاعترف، فقال له حفص: أدِّ المال، فقال: هو على السيِّدة، فقال: وأنت أحمق! تُقِرُّ ثم تقول: على السَّيدِّة! فأمر بحبسه، وبلغ أمَّ جعفر، فأرسلت إلى السِّندي فأَخرج المجوسي، وبلغ حفصًا فقال: أَحبس أنا ويُطلِق السِّندي! [لا جلستُ مجلسي هذا أو يردَّ مرزبانُ إلى الحبس] فأرسل إلى (٢) زبيدةَ يقول: اللهَ اللهَ فيَّ؛ فإنَّه حفص بن غياث، وأخاف أميرَ المؤمنين. فردَّته إلى الحبس، ودخلت على هارونَ فقالت: قاضيك أحمق، فعل بوكيلي كذا وكذا، مُرْه لا ينظر في الحكم، وتولِّي أمرَه أبا يوسف، فكتب لها كتابًا بذلك، وبلغ حفصًا، فقال للرجل: أَحضِر لي شهودًا لأسجِّلَ على المجوسيِّ بالمال، ففعل، وجاء الخادمُ بالكتاب فقال: هذا كتابُ أمير المؤمنين، فقال له حفص: مكانَك، نحن في شيءٍ حتَّى نفرغَ منه، ولم يأخذ الكتابَ حتَّى سجَّل بالمال، ثم أخذ الكتابَ ووقف عليه وقال له: قل لأمير المؤمنين: قد أَنفذت الحكم، فقال الخادم: قد علمتُ واللهِ ما صنعتَ، أَبيتَ أن تأخذَ الكتاب حتَّى تفرغَ مما أردت، واللهِ لأُخبرنَّ أمير المؤمنين،

стр. 6146

فقال: أخبره، فجاء الخادمُ فأخبر هارون، فضحك وقال: احملْ إلى حفصٍ ثلاثين ألفَ درهم، وبلغ أمَّ جعفر، فقالت: لا أنا ولا أنت حتَّى تعزلَ حفصًا، فقال: لا أَعزلُه، فألحَّت عليه، فعزله عن الشَّرقية وولَّاه قضاءَ الكوفة، فأقام ثلاثَ عشرةَ [سنة] قاضيًا عليها، وعلى بغدادَ سنتين. [وكان حفصٌ يقوم الليل] (١) ومات وعليه سبعُ مئة درهمٍ دَين، وكان يقول: واللهِ [الذي لا إله إلَّا هو] ما وليت القضاءَ حتَّى حلَّت لي المَيتة. ولمَّا ولي القضاءَ قال أبو يوسفَ لأصحابه: اكسروا دفترًا واكتبوا فيه نوادرَ (٢) حفص، فمرَّت قضاياه في أحكامه مثل القِدح (٣)، فقيل لأبي يوسفَ في ذلك، فقال: ما أصنع بقيام الليل، إنَّ حفصًا أراده اللهُ فوفقه. يعني أنَّ حفصًا كان يقوم الليل. [ذِكر وفاته: قد حكينا عن ابن سعدٍ أنَّه مات في سنة أربعٍ وتسعين ومئة (٤). وصلَّى عليه الفضلُ بن العباس وهو يومئذٍ على الكوفة. وروى الخطيب (٥) عن عمرَ بنِ حفص بن غياثٍ قال:، لمَّا حضرت أبي الوفاةُ أُغمي عليه، فبكيت عند رأسه، فأفاق فقال: ما يُبكيك؟ قلت: أبكي على فراقك ولمَا دخلتَ فيه من هذا الأمر، يعني القضاء، فقال: لا تبكِ؛ فإنِّي ما حَلَلْتُ سَراويلي على حرامٍ قطّ، وما جلس بين يديَّ خصمان فباليتُ على مَن توجَّه الحقُّ بينهما. [وقال خليفة (٦): مات حفصٌ سنةَ أربعٍ وتسعين ومئة. وقيل: سنةَ خمسن وتسعين ومئة] أسند حفصٌ عن عبيد الله بن عمرَ العُمريِّ وغيره، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه وغيرُه، واتَّفقوا على صدقه وأمانتِه وورعه رحمةُ الله عليه.

стр. 6147

[سَلم بن سالم أبو محمَد، وقيل: أبو عبدِ الله (١)، البَلْخي. قال الخطيب: قدم بغدادَ وحدَّث بها، وكان مذكورًا بالعبادة والزُّهد، مكث أربعين سنةً يُفرَش له فراش، ولم يُرَ مفطرًا إلا يومَ فطر أو أضحى، ولم يرفع رأسَه إلى السماء حياءً من الله أكثرَ من أربعين سنة، وحجَّ مرارًا فلم يستند إلى مَحمِل ولا غيرِه. وحكى الخطيب (٢) أيضًا عن أبي مُقاتلٍ السَّمَرْقَنْديِّ أنه قال: سلمٌ عينٌ من عيون الله تعالى في الأرض، وهو في زماننا كعمرَ بن الخطابِ في زمانه. وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، صارمًا في ذلك، قدم بغدادَ فرأى فيها المُنكَرات، فشنَّع على هارون، فأخذه وحبسه، وقيَّده باثني عشرَ قيدًا، فكلَّمه فيه أبو معاوية الضَّرير، وقال: تقيِّد مثل هذا الرجلِ باثني عشرَ قيدًا! فقال هارون: أليس هو القائلَ في المسجد الحرامِ: لو شئتُ لضربت هارونَ بمئة ألفِ سيف؟ فخفَّف عنه وبقي أربعةُ قيود. وكان مجابَ الدَّعوة، وكان يدعو ويقول: اللهمَّ لا تُمتني في حبس هارونُ. فمات هارون فأخرجه محمَّد، وقيل: زبيدة، وكانت وفاته في سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ عند أهله. قال الخطيب: قال ابن خراش: كان أسلمُ ظاهرَ الخُشوع، يلْبَس الصوفَ، ويركب الحمار، ويَعِظ ويحدِّث (٣)، فكان يقول في حبسه: اللهمَّ لا تُمتني في حبس هارون، واجمع بيني وبين أهلي، فلمَّا مات هارون أُخرج، فأتى مكةَ فوافى أهلَه بها قد حجُّوا، فمرض، فاشتهى الجَمَدَ أبو البَرَد، فمطرت السماءُ بَرَدًا، فأكل، ومات في ذي الحِجَّة بين أهله.

стр. 6148

شَقيق بن إبراهيمَ البَلْخي أبو عليٍّ الأزديّ (١). أحد مشايخ الصُّوفيةِ بخُراسان. كان له لسانٌ في التوكُّل، وهو أول من تكلَّم في علوم الأحوالِ بخراسان، صحب إبراهيمَ بن أدهمَ وأخذ الطريقةَ عنه، ولقي سفيانَ الثوريَّ وعبَّاد بن كثيرٍ وغيرَهم، وهو أستاذ حاتمٍ الأصمّ. ذِكر سببِ توبة شقيق: روى أبو نُعيم الحافظُ بإسناده (٢) إلى عليِّ بن محمَّد بن شَقيق قال: خرج جدِّي شقيقٌ إلى بلاد الترك في تجارةٍ وهو حَدَث، فدخل بيتَ الأصنام، فقال لعالِمِهم: إنَّ هذا الَّذي أنتم فيه باطل، ولهذا الخلقِ خالقٌ ليس كمثله شيء، وهو رازقُ كل شيءٍ. فقال له العالم: ليس يوافق قولَك فعلُك، قال: ولم؟ قال: زعمتَ أنَّ لك خالقًا رازقًا وقد تَعَنَّيتَ إلى هاهنا لطلب الرِّزق! قال شقيق: فوقع في قلبي كلامُه، فرجعت فتصدَّقت بجميع ما أملك وطلبت العلم. قال عليُّ بن محمَّد: وكان لجدِّي شقيقٍ ثلاثُ مئة قرية، ولم يكن له يومَ مات كفن، قدَّم ذلك كلَّه بين يديه، وسيفُه إلى الساعة معلَّق يتباركون به. وذكر ابنُ خميسٍ في "مناقب الأبرار" معنى هذه الحكايةِ وقال: كان شقيقٌ من أبناء الأغنياء، خرج إلى بلاد التُّرك في تجارة، فدخل بيتَ الأصنام، فرأى خادمَها قد حلق رأسَه ولحيته، ولبس ثيابًا أُرجوانية، فقال له: ما هذا! وذكر الحكايةَ وقال: قال شقيق: فنفعني اللهُ بكلام التُّركي. فكان سبب تزهُّده (٣). ذكر طرف من أخباره: حكى أبو نُعيمٍ (٤) عنه أنَّه قال: خرجت عن ثلاث مئةِ ألف درهم، وكنت مرابيًا، ولبست الصوفَ عشرين سنة وأنا لا أعلم، فلقيت عبدَ العزيز بن أبي رَوَّاد، فقال لي: يا

стр. 6149

شقيق، ليس الشأنُ في أكل الشعير، ولا في لُبس الصوف، إنما الشأنُ في المعرفة، وأن تعبدَ الله خالصًا، ثم قرأ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآية. وفي رواية: يا شقيق، إنَّما الشأن في معرفة الله، فاعبده ولا تشركْ به شيئًا، ثم كن راضيًا عنه، ثم كن أوثقَ بما في يديه من يد المخلوقين. وقال السُّلمي: قال شقيق: لقيت سفيانَ الثوريَّ وأخذت لباس الدُّون منه، كان عليه إزارٌ قدرَ أربعة أذرع، ثمنه أربعةُ دراهم، إذا جلس جلس متربعًا (١) مخافةَ أن تبدوَ عورته، وأخذت الخشوعَ من إسرائيلَ بنِ يونس، كان لا يعرف يمينَه من شِماله، ولا تُذكَر الدنيا بين يديه، وأخذت التقلُّل من ورقاءَ بنِ عمرَ المدائني، كان يسمع عليه تفسير القرآن، فيتغدَّى بخبز الشعيرِ والخلِّ والزيت، وأخذت الزهدَ من عبَّاد بن كثير، كان يدخل بيته وفيه القدور تغلي بالحامِض والحلو، فأنكرت ذلك، فقال لي خادمٌ له: واللهِ إنَّه منذ سبعِ سنين لم يأكل لحمًا، وإنما يُطعم هذه القدورَ الفقراءَ والمساكين والزَّمنى ومَن لا حيلة له، وأخذت التوكُّل من إبراهيمَ بن أدهم، كان يُهدَى إليه الشيءُ فيتصدَّق به، فيقال له: هلَّا ادَّخرت منه شيئًا لإفطارنا، فيقول: أَمَا تخافون من عقوبة المولى، لطول آمالكم وسوء ظنِّكم بربِّكم؟! فثقوا به وأَحسِنوا الظنّ، فما عندكم يَنفَد وما عند اللهِ باق، وأخذت الفقهَ من زُفرَ (٢) بن الهُذَيل، ما ناظره أحدٌ إلا رحمناه. وحكى أبو نُعيمٍ (٣) عن حاتم الأصمِّ قال: كنَّا مع شقيقٍ في مصافِّ الترك، في يومٍ لا أرى فيه إلَّا رؤوسًا تَندُر (٤) وسيوفًا تقطع، فقال لي ونحن بين الصفَّين: يا حاتم، كيف ترى نفسَك في هذا اليوم؟ مثلَ الليلة التي زُفَّت فيها إليك امرأتُك؟ فقلت: لا والله، فقال: ولكني واللهِ أرى نفسي مثلَ تلك الليلة، ثم ألقى دَرَقَتَه (٥) تحت رأسه ونام حتَّى سمعتُ غطيطَه.

стр. 6150

وحكى ابنُ خميسٍ في "المناقب" أنَّه كان يعاشر الفتيان، وكان عليُّ بن عيسى بنِ ماهان أميرًا على خراسان، وكان يومئذٍ ببَلْخ، وله كلابُ صيد، وكان مغرًى بهنّ، ففقد كلبًا من كلابه وفي عنقه قِلادةٌ من ذهب، فسُعي برجل من جيران شقيقٍ أنَّه عنده، فطُلب الرجل، فدخل دارَ شقيقٍ مستجيرًا به، فمضى شقيقٌ إلى الوالي وقال: [خلُّوا] (١) عن الرجل، إنَّ الكلب في ضماني، أردُّه إليكم بعد ثلاثة أيام، فلمَّا ذهب يومان من الثلاثة، قدم رجلٌ من تجَّار بلخ من سفر، فرأى الكلبَ في البرية وفي عنقة القِلادة، وكان صديقًا لشقيق، فبعثه إليه، فسُرَّ به وبعث به إلى الوالي، فبرئ الرجل، فانتبه شقيقٌ وسلك طريقَ الزهد. وحكى عنه أبو نُعيمٍ أنَّه قال: بلغني عن رجلٍ من المنقطعين بالبصرة، قال: فدخلت عليه، فقال: مَن أنت؟ قلت: شقيقٌ البلخي، قال: مؤدِّب أهلِ خراسان المتوكِّل في التوكُّل؟ قلت: كذا يقال، قال: فما بلغ من توكُّلك؟ قال: استوى عندي العِمران والخراب، فنظر إليَّ كالمُنكِر عليَّ وقال: إنَّما يَشكُّ في الرِّزق مَن يشك في الخالق، فلو كُنْتُ طيرًا لمَا (٢) استحللتُ أن أطيرَ فوق دارٍ أنت ساكنها. وحكى السُّلمي عنه قال: حججت، فبتُّ ليلةً في المسجد الحرام حيال الكعبة، ونزل مَلَكان من السماء فوقفا عليّ، فقال أحدُهما للآخر: كم حجَّ العام، فقال له الآخَر: ثلاثة أنفس، فقال: هذا فيهم؟ وأشار إليّ، قال: لا، قال: ولم؟ قال: له ثوبان. قال: فلمَّا كان العامُ المقبل، حججت في عَباءٍ ونمت في ذلك المكان، وإذا بهما قد نزلا، فقال أحدهما للآخَر مثلما قال في العام الماضي، فقال له: وشقيقٌ فيهم؟ قال: نعم، وقد شفَّعه اللهُ في جميع مَن حجَّ (٣). ذِكر نُبذةٍ من كلامه: حكاه عنه أبو نُعيم والسُّلمي وابن خميسٍ في "المناقب" (٤) وغيرُهم، روى عنه حاتمٌ

стр. 6151

الأصمُّ قال: قال شقيق: قرأت أربعةً وعشرين كتابًا في التوحيد، فوجدت معانيهَا في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وقال حاتم: حجَّ شقيق، فقدم الكوفة، فلقيه سفيانُ الثوريُّ فقال له: أنت الذي تدعو إلى التوكُّل وتمنع من المكاسب؟ فقال شقيق: ما قلت، قال: فقال له: فكيف قلت؟ قال: قلت: حلالٌ وحرام [و] فيما بين ذلك، وإنَّما دخلت الآفةُ من الخاصَّة على العامة، وهم خمسُ طبقات: العلماء، والزهَّاد، والغزاة، والتجَّار، والملوك. فأما العلماءُ، فهم ورثة الأنبياء، والأنبياءُ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما ورَّثوا العلم، فإذا كان العالِمُ طامعًا جامعًا، فالجاهل بمَن يقتدي! وأما الغُزاة، فهم الذين يَذبُّون عن الدِّين، فإذا كان الغازي يقعد عن الجهاد ويحبُّ الراحة، فمن يغزو! وأمَّا التجار، فهم أمناءُ الله في أرضه، فإذا كان الأمينُ خائنًا، فبمن يقتدي المودع (١)! وأمَّا الملوك، فهم الرُّعاة، فإذا كان الراعي هو الذئبُ، فالذئب كلُّ ما وجده يأكله، فقد فسدت المكاسبُ وانسدَّت طرقها. فقال له سفيان: صدقت. وقال حاتم: دخل شقيقٌ الرَّي، فأتاه فيها محمَّد بن مقاتل الرازي، فقال له: إن رأيتَ أن تجعلَ مقامك عندي أنت وأصحابُك إلى أن ترحلَ فافعل، فقال شقيق: أخاف أن تظهرَ مني على عيبٍ فتبعدني، ثم أرجع إليك فلا تقبلني، فدعني مع مَن أنا معه على العيوب، وهو يرزقني، وإذا اطَّلع مني على زلَّة سترني. وقال حاتم: سأل شقيقٌ جعفرَ بن محمَّد الصادقَ عن التوكُّل، فقال: ما تقول أنت يا شقيق؟ فقال: إن أُعطينا شكرنا، وإن مُنعنا صبرنا، فقال جعفر: وكلابُ المدينةِ عندنا عنه لك، فقال: فما تقول أنت يا ابنَ رسولِ الله ﷺ ؟ فقال: إن مُنعنا صبرنا، شأن وجدنا آثرنا. وقال شقيق: قرأت القرآن عشرين سنةً أميِّز بين الدنيا والآخرة، فوجدته في حرفين: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢) [النحل: ٩٦].

стр. 6152

وقال: احذر الأغنياء؛ فإنَّك إن ملتَ إليهم بقلبك فقد اتَّخذتهم أربابًا من دون اللهِ تعالي. وقال: ليس شيءٌ أحبَّ إليَّ من الضيف؛ فإنَّ رزقَه على الله، وأجره لي. وقال: طهِّر قلبَك من أعراض الدنيا ليدخلَ فيه حبُّ الآخرة. وقال: إذا شئت أن تكونَ في راحة، فكُلْ ما أصبت، والبَس ما وجدت، وارضَ بما قضى اللهُ عليك. وقال: جعل اللهُ أهلَ طاعته أحياءً في مماتهم، وأهلَ معصيته أمواتًا في حياتهم. وقال: لو أنَّ رجلًا عاش ألفَ سنةٍ ولم يعرف هذه الأربعةَ أشياء استحقَّ إعراضَ الله عنه: معرفةُ الله، ومعرفة نفسِه، ومعرفة علمِ الله، ومعرفة عدوِّه، فأمَّا معرفة الله، فإنَّه يعرفه في السِّر والعلانية، وأنَّه لا مانعَ ولا معطيَ سواه، وأما معرفةُ نفسه، فإنَّه يعرفها في ضعفه وعجزِه، وأنَّه لا يستطيع أن يردَّ عنها شيئًا قضاه اللهُ تعالى، وأما معرفة علمِ الله، فأن يعرفَ أنَّ اللهَ لا يقبل من الأعمال إلَّا ما كان خالصًا لوجهه، وعلامة الإخلاص ألا يطمعَ في أحدٍ من الناس، ولا يريدَ محمدتَهم، وأما معرفة عدوِّه، فهو إبليس، فيخالفه في جميع ما يأمره لينصرَه اللهُ عليه. وقال: الفقر يقارنه ثلاثةُ أشياء: تعب النفْس، وشغلُ القلب، وشدَّة الحساب. والزُّهد يقارنه ثلاثة: فراغ القلب، وخفَّة الحساب، وراحةُ النفس. وقال: العبادة عشرةُ أشياء، تسعة منها في الهرب من الناس، وواحدةٌ في السكوت. وحكى أبو نُعيم (١) عن حاتمٍ قال: قال لي شقيق: اصحب الناسَ كما تصحب النار، خذ منفعتَها واحذر أن تحرقَك. ذِكر وفاتِه: قال السُّلمي: استُشهد شقيقٌ في غَزاة كُولان (٢) في سنة أربعٍ وتسعين ومئة. وحكى عن إبراهيمَ بن أدهم، وقد ذكرناه في ترجمته، وعن سفيان الثوريِّ وغيره].

стр. 6153

أبو نَصْرٍ الجُهَيني المُصاب من أهل المدينة. [ذكر له الخطيبُ حكايةً عن] محمَّد بن إسماعيلَ بنِ أبي فُدَيك المدني [قال] (١): كان [عندنا بالمدينة رجلٌ مُصاب من جُهينةَ يقال له: أبو نصر] يجلس مكانَ أهل الصُّفَّة من مسجد رسولِ الله ﷺ لا يكلِّم أحدًا، فإذا سئل عن شيءٍ أجاب بجوابٍ حسن، [قال:] فقلت له يومًا: يا أبا نصر، ما الشَّرَف؟ فقال: حملُ ما ناب العشيرة، أدناها وأقصاها، والقبولُ من محسنها، والتجاوزُ عن مسيئها، قلت: فما المروءة؟ فقال: إِطعام الطعام، وإِفشاء السلام، وتوقِّي الأدناس، قلت: فما السَّخاء؟ قال: جهد المُقِلّ، قلت: فما البخل؟ فقال: أفّ، وحوَّل وجهه عني، فقلت: أما تجيبني؟ فقال: قد أجبتك. قال: وقدم علينا هارون حاجًّا، فأُخلي له المسجد، فوقف على قبر رسول الله ﷺ وعلى منبره وفي موقف جبريل، واعتنق أُسطوانة التوبة (٢) ثم قال: قِفوا بي على أهل الصُّفَّة، فأتاهم، فحرِّك أبو نصر وقيل له: هذا أميرُ المؤمنين، فرفع رأسَه إليه وقال: أيها الرجل، إنَّه ليس بين عبادِ الله وأمَّة نبيِّه وخلقِه غيرُك، وإنَّ اللهَ سائلك، فأعدَّ للمسألة جوابًا، وقد قال عمرُ بن الخطاب: لو ضاعت سَمخْلةٌ (٣) بشاطئ الفرات لَخفت أن أُسألَ عنها، [قال:] وهارون واقفٌ يبكي، ثم قال: يا أبا نصر، إن رعيَّتي ودهري غيرُ رعيةِ عمر ودهرِه، فقال له: هذا واللهِ غير مُغْنٍ عنك، فانظر لنفسك، فإنَّك وعمرَ تُسألان عمَّا خوَّلكما الله فيه. فدعا هارونُ بثلاث مئةِ دينار وقال: ادفعوها إلى أبي نصر، فقال: لا أريدها، فقال: فرِّقها في أهل الصُّفَّة، فقال: ادفعها إلى غيري يفرِّقْها، وإنما أنا رجلٌ منهم. وكان أبو نصر يمشي (٤) كلَّ يوم في أزقَّة المدينةِ ويَعِظُ الناس، ثم يُلازم المسجدَ إلى الليل.

стр. 6154

السنة الخامسة والتِّسعون بعد المئة فيها أمر محمَّد بإبطال الدراهمِ والدنانيرِ التي ضربها المأمونُ بخراسان (١)، وأَظهر خَلعَ المأمون والوقيعةَ فيه، وكان ذلك عن رأي الفضلِ وبكر بنِ المُعْتَمر، فقال شاعر (٢): [من المتقارب] أَضاعَ الخلافةَ غِشُّ الوزير … ولَعْب (٣) الأميرِ وجهلُ المُشير ففضلٌ وزير وبَكرٌ مُشير … يُريدان ما فيه قَصْمُ الظُّهور (٤) وما ذاك إلَّا طريقُ (٥) غرورٍ … وشرُّ المَسالك طُرْقُ الغُرور وأَعجب من ذا وذا أنَّنا … نُبايع للطِّفل فينا الصَّغير وما ذاك إلَّا انقلابُ الزَّمان … أفي العِير هذا [ن] أم في النَّفير من أبيات ولمَّا بلغ المأمونَ أنَّ الأمين سمَّى موسى الناطقَ بالحق، تسمَّى بإمام المؤمنين (٦)، وخُطب له بذلك. وكان الأمينُ قد كتب إلى المأمون كتابًا قبل ذلك وأردفه بكتب مترددةٍ يحذِّره الخلاف، ويتوعَّده على ذلك، فكتب إليه المأمون: أما بعد: فإنَّك أردتني على خلاف

стр. 6155

ما تعلم من الحقّ، ولَعمري لو أنصفتَ لانبسطتْ بالحجَّة مطالعُ مقالتك، ولكنتُ مَحْجوجًا بمُفارقتك وما يجب من طاعتك، وأنا مُذْعِنٌ بها، فأَولى بك أن تأخذَ بالحقِّ في أمري، وإن أَبيت، قام الحقُّ بمَعْذِرَتي، وهل أحدٌ فارق الحقَّ فأبقى فعلُه مَوضعَ ثقةٍ لقوله. وكتب إلى ابن ماهان: من عبد الله المأمونِ إلى عليِّ بن عيسى: أما بعد: فإنَّك في ظلِّ دعوةٍ لم تزل أنت وسلَفُك بمكان ذَبٍّ عن حريمها، والعنايةِ بحفظها ورعاية حقِّها، توجبون ذلك لأئمَّتكم، وتعتصمون بحبل جماعتِكم، وتُعطون الطاعةَ من أنفسكم، وتكونون يدًا على مَن خالفكم، وسِلمًا لمَن وافقكم، لا ترون شيئًا أبلغَ في صلاحكم من الأمر الجامعِ لأُلفتكم، ولا أحرَى لبوَاركم ممَّا دعا إلى شَتات كلمتِكم، ترون مَن رغب [عن] (١) ذلك جائرًا عن القَصْد، ومَن أمَّه على منهاج الحقّ، ولقد كانت الأئمةُ تُنزلكم من ذلك حيث أنزلتم أنفسَكم بقُربكم، حتى بلغ اللهُ بك من نفسك أنَّك كنت قَريعَ أهلِ دعوتك، والعَلَمَ القائمَ بمعظم أمر أئمَّتك، حتى حَلَلْتَ بالمَحَلِّ الأعلى، والمقامِ الأسنى، وإنَّ الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفُسهم، وقد علمتَ ما أخذه أميرُ المؤمنين على الخاصَّة والعامَّة من العهود والمواثيق. وذكر كلامًا طويلًا. وكان الفضلُ بن سهل قد دَسَّ دَسيسًا إلى الفضل بنِ الربيع، فكان يثق به ويشاوره في أمره، وكان الدَّسيسُ يُطالع الفضلَ بن سهل بما يتجدَّد كلَّ وقت، فلما تيقَّن الفضلُ بن سهل أنه لا بدَّ للأمين من الحرب، بعث إلى الدَّسيس يقول: تلطَّف للفضل بنِ الربيع وأَشِر عليه أن يكون المتولِّيَ لحرب المأمونِ عليُّ بن عيسى بنِ ماهان. وإنما خصَّ ابنَ ماهان لسوء برِّه (٢) في أهل خراسان، وظلمِه لهم، وبغضِهم له. فشاور الفضلُ الدسيسَ في ذلك فقال: وأين أنت عن عليِّ بن عيسى في طول ولايتِه على خراسانَ، وسخائه وصنائعِه فيهم! ثم هو شيخُ الدعوة وبقية الشِّيعة (٣). فاتفق الفضلُ ومحمَّد وبكرٌ وغيرهم على توجيهه، فدعاه الأمين، فعقد له خمسين

стр. 6156

ألفَ فارس وراجلٍ من أهل بغداد، ومكَّنه من الأموال والخزائن، فأعطاه لنفسه مئتي ألفِ دينار، ولابنه خمسين ألفًا، وأعطاه لأجل الإنفاقِ في الجند ألف ألفِ دينار، ومن السيوف المُحَلَّاة ألفي سيف، ومن الثياب ستةَ آلاف ثوبٍ للخلع، وسلاحًا كثيرًا وخِيَمًا وخيلًا، وغيرَ ذلك، وعقد له على كُور الجباب وهَمَذانَ والرَّيِّ ونَهاوَنْدَ وقُمَّ وقاشانَ وأصبهانَ وجميعِ خراسان. فخرج من بغدادَ ليلةَ الجمعةِ لأربعَ عشرةَ خلت من جُمادى الآخرة، وأعطاه الأمينُ قيدًا من ذهب وقَيدًا من فضَّة ليقيِّدَ بهما المأمون. وقيل: خرج لسبع ليالٍ خلون من شعبان، فعسكر بالنَّهْرَوان، ولمَّا أراد الخروج، جاء إلى باب أمِّ جعفرٍ يودِّعها، فقالت له: يا علي، إنَّ أمير المؤمنين وإن كان ولدي، إليه تناهت شَفَقتي، وعليه تكامل حَذَري، فإنَّي على عبد الله مُنْعَطفةٌ مُشْفِقة؛ لما يحدث عليه من مكروهٍ وأذى، وإنما ابني مَلِكٌ نافس أخاه في سلطانه، وزاحمه على ما في يده، فاعرف لعبد اللهِ حقَّ والدِه (١) وإخوته، وإن قَدَرْتَ عليه فلا تَجْبَهْهُ بالكلام فإنَّك لست بنظيره، ولا تقتسرْه اقتسارَ العبيد، ولا توهنه بقيدٍ ولا غُلّ، ولا تمنع منه جاريةً ولا خادمًا، ولا تعنِّف عليه في السَّير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وإن خسّ (٢) عليك فلا ترادَّه. فقال: أَفعل جميعَ ما أردتِ به. ثم جلس محمَّد يومَ الجمعة في المقصورة، وجمع القوَّاد وبني هاشمٍ وأَظهر خلعَ المأمون. وقال الفضل بنُ الربيع: إنَّ عبد الله خالف الإمامَ وقطع عنه البريد، وأَزال اسمَه من الدراهم والدنانيرِ والطُّرُز، وليس لأحدٍ في الخلافة حقٌّ مع أمير المؤمنين، لا لعبد اللهِ ولا لغيره، فبايِعوا لموسى ابنِ أمير المؤمنين، فبايَعوا، فقسم فيهم أموالًا كثيرة، ولمَّا خرج ابنُ ماهان، خرج معه الأمين يشيِّعه، وحشد معه الصنَّاع والفَعَلة وآلاتِ الحرب، فكان عسكرُه فراسخ (٣)، ولم يرَ أهلُ بغدادَ مثل ذلك العسكر. ولمَّا سار عليُّ بن عيسى عن النَّهْرَوان، ودَّع الأمين، وترجَّل وقبَّل رِكابه، فترجَّل له

стр. 6157

الأمين، ثم أوصاه بوصايا، منها أنَّه قال له: امنع جندَك من العَبَث والفسادِ بالرعية، والغارةِ على أهل القرى، وقطعِ الشجر وفسادِ الثمر، والتعرُّض للحريم، ومَن جاءك من أهل خُراسانَ فأَكرِم مثواه، وأحسن جائزتَه، ولا تعاقب الأخَ بأخيه، وضع عنهم رُبعَ الخراج، ولا تؤمِّن أحدًا رماك بسهمٍ أو طعنَ في أصحابك برمح، ولا تأذن لعبد اللهِ في المقام أكثرَ من ثلاثةٍ من اليوم الذي تظفر به فيه، وإن قاتلك فناجزْه، وإن هرب إلى خراسانَ فاتبَعْه بنفسك. ولما أراد عليٌّ المسير قال له منجِّمه: لو انتظرتَ بمَسيرك صلاحَ القَمَر! فقال: أنا لا أدرى ما ذلك، ومَن حاربَنا حاربناه، ومَن سالمَنا سالمناه. وسار، فلمَّا جاوز حُلْوان، لقيته قوافلُ من خراسان، فقال: ما الخبر؟ فقالوا: إنَّ طاهر بنَ الحسين مقيمٌ بالرَّيِّ، يَعرض أصحابه ويتهيَّأ للقائك، فضحك عليٌّ وقال: وما طاهر! واللهِ ما هو إلَّا شوكةٌ من أغصاني، أو شَرارةٌ من ناري، وما مثلُ طاهرٍ من يتولَّى الحروب، وإنَّ السِّخال لا تقوى على النِّطاح للكِباش، وإنَّ الثعالب لا صبرَ لها على لقاء الأُسد. ثم كتب كتابًا إلى ملوك الدَّيلم وجبالِ طَبَرِستان وما والاها من الملوك، يَعِدُهم بالصِّلات والجوائز، وأَهدى إليهم التيجانَ والأساورَ والسيوف المحلَّاة وغيرَها، وأمرهم أن يقطعوا طريقَ خُراسان، وأن يمنعوا المَدد أن يصلَ إلى طاهر، فأجابوه. وكتب الأمين إلى أبي دُلَف العِجليِّ يأمره أن ينضمَّ بمن مَعه إلى عليّ، فأجابه، واجتمع مع عليٍّ خلقٌ عظيم، ولمَّا قَرُب من الرَّيِّ على يومين أو ثلاثة، قال له صاحب مقدَّمته: الرأي التحفُّظ وإذكاءُ العيون (١) والطلائع، وضربُ الخنادق؛ خوفًا من تبييت طاهر؛ فإنَّ ذلك أبلغُ في الرأي، وآنَسُ لقلوب الجند، فقال له عليّ: اسكت، فليس مثلُ طاهرٍ مَن يُستعَدُّ له بالمكايد، بل إنَّ حال طاهرٍ يؤول إلى أحد أمرين: إما أن يتحصَّن بالرَّي، فيبيِّته أهلها، فيكفونا مؤونتَه، أو يُدْبرَ راجعًا وقد قَرُبنا منه، فنأتي عليه. فقال له: إنَّ العساكر والحروبَ لا تُدَبَّر بالاغترار، والثقةُ الاحتراز، ولا تقل: المحاربُ لي طاهر؛ فإنَّ الشرارةَ الخفيةَ قد تفسير ضِرامًا، والبَلَّة (٢) من السَّيل ربَّما

стр. 6158

صارت بحرًا، وقد قربنا من طاهر، فلو كان همُّه الهرب، لم يتأخَّر إلى يومه هذا. فقال ابنُ ماهان: إنما تتحفَّظ الرجال إذا لقيت أقرانَها، وتستعدُّ إذا كان المناوئُ لها أكفاءَها ونظراءها. ثم سار حتى صار بينه وبين الرَّيِّ عشرةُ فراسخ، فسدَّ طاهرٌ أبواب الرَّي، وأَذكى العيون، واستعدَّ لمحاربته، واستشار أصحابه فقالوا: الرأيُ مقامنا بالرَّي، وندافع بالقتال إلى أن يأتيَنا المَددُ من خُراسان، فإنَّ مقامنا بالري أرفقُ بنا. فقال طاهر: ليس هذا برأي؛ فإنَّ أهل الريِّ (١) لابن ماهانَ هائبون، ومن سَطوته مُشفقون، ومعه مَن قد علمتم من أعراب البوادي، وصعاليكِ الجبل، ولفيفِ القُرى، ولست آمَن أن يهجمَ الريَّ فيُعينه أهلُها علينا خوفًا منه، مع أنَّه لم يكن قومٌ قطُّ زوحموا في ديارهم إلا ذلُّوا ووهنوا، وذهب عزُّهم (٢) واجترأ عليهم عدوُّهم، والرأي أن نخرجَ من الريِّ ونجعلَها وراءَ ظهورنا، فإن أعطانا اللهُ الظَّفَر، وإلَّا دخلنا فتحصَّنَّا بها إلى أن يأتيَنا المددُ من خراسان. فقالوا: الرأيُ ما رأيت. فخرج بأصحابه، فعسكر على خمسة فراسخَ من الرَّيِّ بقرية يقال لها: كلوص (٣)، وقال عليُّ بن عيسى لأصحابه: بادروا القوم؛ فإنَّ عددهم قليل، ولو قد زحفتم إليهم لم يكن لهم صبرٌ على طعن الرِّماح وحرارة السيوف. ثم عبَّأ جنده ميمنةً وميسرةً وقلبًا، وصيَّر في كلِّ ناحيةٍ من النواحي جمعًا عظيمًا، وتقابل الفريقان، وقد رتَّب عليُّ بن عيسى أصحابه كراديسَ كراديس، وقدَّم بين يديه عشرَ رايات، في كلِّ راية رجالٌ (٤) من أهل النَّجدة، راية خلف راية، وجعل أبا دُلَفٍ العجليَّ في الميمنة، وقائدًا كبيرًا في الميسرة، ووقف هو في القلب. وجعل طاهرٌ على ميمنته المأموني، وعلى ميسرته الرُّسْتُمي، ووقف هو في القلب، وكان جميعُ عسكرِ طاهر أربعةَ آلاف، وعسكرُ ابنِ ماهان يقارب ثمانين ألفًا، وجعل

стр. 6159

طاهرٌ يمرُّ (١) بين الصفوف والكَراديسِ ويقول: يا أهلَ الوفاءِ والشكر، إنَّكم لستم كهؤلاء أهلِ الغَدْر والنَّكْث، إنَّ هؤلاء ضيَّعوا ما حفظتم، وصغَّروا ما عظَّمتم، ونكثوا الأَيمان التي (٢) رعيتم، وإنَّما يقاتلون على الباطل والجهل، أصحابُ نهب وسلب، فجاهِدوا طواغيتَ الفتن، ويعاسيبَ النار، وادفعوا بحقِّكم باطلَهم، وإنَّما هي ساعةٌ حتى يحكمَ اللهُ بيننا وهو خيرُ الحاكمين. فبينما هم كذلك، وَثَب أهل الرَّي فأغلقوا أبوابَ المدينة، فنادى طاهر: يا أولياءَ الله، اشتغلوا بمن أمامَكم عمَّن وراءكم؛ فإنَّه لا ينُجيكم إلا الصدقُ والصبر. ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر الفريقان، فقال أحمدُ بن هشامٍ لطاهر: دعني أذكِّر ابنَ ماهانَ العهودَ والمواثيق التي أخذها علينا المأمون، يعني أهلَ خراسان، فقال: افعل، فجعل الورقةَ التي فيها البيَعة والأَيمان على رأس رمح، ووقف بين الصفَّين ونادى: يا ابنَ ماهانَ، ألا تتَّقي الله! أما هذه العهود التي أخذتَها علينا للمأمون، خَفِ الله، فقد بلغت بابَ قبرك. وكان ابنُ ماهانَ قد ضربه ألفَ سَوط (٣)، فقال: مَن جاء به فله ثلاثةُ آلافِ درهم، فرجع إلى عسكر طاهر، وبرز رجلٌ من عسكر ابنِ ماهان يقال له: حاتم الطائي، من أشدِّ الناس، فشدَّ عليه طاهرُ بن الحسين وقد أمسك سيفَه بيديه، فضربه فقدَّه نصفين، فكان الفتحُ في تلك الضَّربة، وفي ذلك اليومِ لقِّب طاهرٌ ذا اليمينين؛ لأنَّه أخذ السيفَ بكلتا يديه جميعًا. وحمَلت ميمنةُ ابنِ ماهان على ميسرة طاهرٍ ففضَّتها، وميسرتُه على ميمنة طاهرٍ فأزالتها عن مواضعها، فقال طاهر: هذا ما لا قِبَلَ لنا به، فاقصدوا القلبَ بأجمعنا، واحملوا على أصحاب الرَّايات، وجعل بين يديه ألفين من الرّماة الخُوارِزْميَّة، فحملوا، فرجعت أوائلُ الراياتِ على أواخرها، وانهزموا وكَثُرَ فيهم القتل. ورجعت الرايات إلى عليٍّ وهو في القلب، فجعل ينادي: أين أصحابُ الحفاظ،

стр. 6160

أين أصحاب الأساور [و] الأكاليل؟! يا معاشرَ الأبناء، الكَرَّةَ بعد الفَرَّة. فما عرَّجوا عليه، وأخذتهم السيوفُ والرماح، وهبَّت ريحٌ شديدة، فكانت الدَّبْرة على ابن ماهان، وكان على فرسٍ أَرحَل (١) -حمله عليه محمَّد، وذلك يُكره في الحرب ويدلُّ على الهزيمة- فحمل عليه رجلٌ يقال له: داود سياه وهو لا يعرفه، فضربه بالسيف فصرعه، ورآه طاهرُ بن التاجيّ -ويسمَّى طاهرًا الصغير- فعرفه، فقال: أنت عليُّ بنِ عيسى؟ قال: نعم، ظنًّا منه أنَّه يهابه، فنزل فذبحه وجاء برأسه إلى طاهر بنِ الحسين، فلما رآه نزل فسجد وأعتق كلَّ مملوكٍ له ممَّن كان بحضرته، وتبعهم عسكرُ طاهرٍ فرسخين، واستولى طاهرٌ على الأموال والسلاحِ والخزائن والرَّقيق والدوابِّ وغيره، وأخذ جُثَّةَ ابن ماهان، فلفَّها في لِبْدٍ وألقاها في بئر، وكتب إلى المأمون بالفتح، وبعث برأس ابن ماهانَ وخاتمِه إليه، وكانت الوقعةُ بمكان يقال له: مُشكُويه، بينه وبين الرَّيّ سبعُ فراسخ، فسار البريد من الرَّيِّ إلى مروَ في أربعة أيام (٢)، وبينهما [خمسون] ومئتا فرسخ، ورجع طاهرٌ إلى الريِّ بعد أن نادى: مَن طرح سلاحَه فهو آمن، ففعلوا ونزلوا عن دوابِّهم، وكان عبدُ الله بن عليِّ بنِ عيسى قد ألقى نفسَه بين القتلى، فلمَّا جاء الليل، قام من بينهم، وتبع (٣) جماعةً فلحق، وكان أكبرَ أولادِ علي (٤). وقيل: إنَّ طاهرَ بن الحسين إنَّما كتب بالفتح إلى ذي الرِّياستين: أطال اللهُ بقاءك، وكبت أعدائك، وجعل مَن شَناك فِداك، كتبت إليك ورأسُ عليِّ بن عيسى بين يدَيّ، وخاتمُه في إصبعي (٥)، والحمدُ لله ربِّ العالمين. فدخل على المأمون فبشَّره، فأيَّد طاهرًا بالرجال، وسمَّاه ذا اليمينين، وأمر بإِحضار أهلِ بيته وقوَّاده ووجوهِ الناس، فدخلوا وسلَّموا عليه بالخلافة، وأعلن يومئذٍ بخلع محمَّد، وردَّ عليه رأسَ ابن ماهان،

стр. 6161

فطيف به في كُوَرخُراسان، فقال [شاعرٌ من أهل خراسان] (١): [من السريع] أصبحت الأمَّة في غِبطةٍ … من أمر دنياها ومن دينها إذ حفظت عهدَ إمامِ الهدى … خيرِ بني حوَّاءَ مأمونِها من أبيات، ولقَّب الفضلَ بن سهل ذا الرِّياستين، وفوَّض إليه أمورَه. وقال جبريلُ بن بختيشوع: سمعت المأمونَ يقول: كان لي بخُراسان يومٌ عجيب، فأَولاني اللهُ فيه جميلًا؛ وذلك لأنَّه لَمَّا توجَّه طاهر بن الحسين للقاء عليِّ بن عيسى بن ماهان، على ما عرفتم من ضعف طاهرٍ وقوَّة ابن ماهان، فوقع في نفس عسكري أنَّ طاهرًا ذاهب، وأنَّ ابن ماهانَ هو الغالب، ولحق عسكري إضاقةٌ شديدة، ونفذ ما كان بيدي، فلم يبق معي قليل ولا كثير، ولم أدرِ إلى أين أهرب، ولا إلى أين أجدّ، وكنت نازلًا في دار أبوابُها من حديد، ولي فيها مُسْتَشْرَفٌ أقعد فيه، وعددُ غلماني ستةٌ (٢) لا أملك غيرهم، فشَغَب الجندُ والقوَّاد، وطلبوا أرزاقهم، ووافَوا باب الدارِ يشتموني شتمًا قبيحًا، وكان الفضلُ بن سهل جالسًا عندي، فأمر بإغلاق الأبواب، وقال لي: قم واصعد إلى المستشرف، فقلت: وما ينفعني وهم يهجمون عليّ؟! فقال: قم واصعد، هو الله ما تنزل إلَّا خليفة، فجعلت أهزأ به، وطلبت أهرب من بعض الأبواب، فلم أجد سبيلًا، فقال: قم فاصعد، فصعدت، فلما علم الجندُ بصعودي ازدادوا شتمًا وسبًّا، فقلت للفضل: أنت الذي غَرَرْتَني بالصعود ولم تدعْني أعمل برأي، فقال: واللهِ ما تنزل إلَّا خليفة، فازداد غيظي. ونقبوا الجندُ الجدار، وجاؤوا بالشوك وأَحرقوا بعضَ الدار، ووصلت النارُ إلي، وخفت من الحريق، وهممت أن أُلقيَ نفسي بينهم لعل إذا رأوني يستحيون مني، وجعل الفضل يقبِّل يدي ورِجلي ويقول: واللهِ ما تنزل إلَّا خليفة، والاسطرلابُ بيده، فلما اشتدَّ الأمر واستحكم الناس، قال لي: أتاك الفَرَج، أرى في الصحراء شيئًا قد أقبل ومعه فَرَجُنا فازددت غيظًا، وإذا بذلك الشيءِ قد قرب وهو يصيح: البشارة لي، قُتل عليُّ بن عيسى، وهذا رأسُه معي في المِخْلاة، فلمَّا رأى الجندُ ذلك سكنوا وخجلوا،

стр. 6162

وأقبلوا على الدعاءِ والسرورِ بالفتح، وكان أوَّل من دخل عليَّ من القواد عليُّ بن عبد اللهِ الخُزاعي (١)، فقبَّل يدي وسلَّم عليَّ بالخلافة، وفعل الجميعُ كذلك، وأطفأ اللهُ النائرة، ووهب السلامةَ والعافية، وجاءتني الخلافة، وظَفِرت من أموال عليِّ بن عيسى ما أصلحت به الجندَ وغيرهم. ذِكر وصولِ الخبر إلى بغداد: ووصلت الفلولُ إلى بغدادَ في شوَّال، وندم محمَّد على ما كان من غدره بأخيه. وقال محمَّد بنُ يحيى النَّيسابوري: لما جاء نعيُ ابنِ ماهان إلى بغداد، كان محمَّد جالسًا على جانب دجلةَ يصيد السمكَ هو وكوثرٌ خادمه، فأخبره بعضُ الخدم، فقال: دعني الساعة؛ فإنَّ كوثرًا قد صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئًا بعد (٢). وأرسل الفضلُ بن الربيع إلى نوفل خادمِ المأمون ووكيلِه على ولده وعيالِه وأهله فحبسه، وأخذ منه مئةَ ألفِ دينار، وقيل: ألفَ ألفِ درهم، وقبض ضياعَه وغلَّاتِه بالسَّواد وغيره، وولَّى عليها من قِبَله يُمْن الخادم، ودخل خُزَيمَة بن خازم على الأمين وهو واجم، فقال له: ألم أنهَك عن خلع أخيك والبغي عليه ونقضِ العهود، وأن تجرِّئَ القوَّاد عليك وعلى مَن بعدك، وتحملَهم على النَّكثَ في الأَيمان؟! فإنَّ الناكث مغلول، والغادرَ مجدول، وما نصحك مَن كذبك، ولا غشَّك مَن صدقك. ثم خرج وهو يقول: [من البسيط] قد ضيَّع اللهُ ذَودًا أنت راعيها (٣) ولما قُتل ابن ماهان قال القوَّاد: لا نشكُّ أنَّ محمَّدًا سيحتاج الرجال، فلْيأمر كلُّ واحد منكم جندَه بالشَّغب وطلبِ الأرزاق والجوائز، فأصبحوا كلُّهم بباب الجسر، وشغبوا وطلبوا الأرزاقَ والجوائز، فركب خزيمةُ بن خازمٍ (٤) في عسكره ونهاهم، فلم ينتهوا، واقتتلوا بالآجُرِّ والنُّشَّاب، وسمع محمَّد التكبيرَ والضجيج، فأخبر الخبر، فأمر

стр. 6163

لهم بأرزاق أربعةِ أشهر، وأمر للقوَّاد والخواصِّ بالجوائز والصِّلات، فسكنوا وانصرفوا. ثم وجَّه الأمينُ عبدَ الرَّحمن بن جَبَلةَ الأنباريَّ (١) لحرب طاهرٍ في عشرين ألفًا من الأنبار، وقوَّاه بالأموال والسلاح، وولَّاه ما بين حُلوانَ إلى ما غلب عليه من أراضي خراسان، وندب معه أهل التدبير والنَّجدة، فسار حتى سبق طاهرًا إلى هَمَذان، فنزل بها وخندق عليها، وحصَّنها وسدَّ ثُلَمها، واستعدَّ للقاء طاهر، وجاء طاهرٌ فحصره، فكان يخرج ويقاتله، وأقام أيَّامًا على القتال، وقطع عنهم المادَّة، وتأذَّى أهل همذانَ بالحصار، وخاف عبدُ الرَّحمن أن يثبوا به، فأرسل إلى طاهرٍ فطلب الأمانَ له ولمن معه، فأمَّنهم، فخرجوا من همذان، واستولى طاهرٌ عليها. وفي رواية: قال عبدُ الرَّحمن لأصحابه: واللهِ إنَّ القتل أهونُ عليَّ من أمان طاهرٍ أو الهزيمة، ولكن اخرجوا بنا فلْنقاتل، فإنْ مِتنا متنا كرامًا، فخرج بخواصِّه فاقتتلوا، فترجَّل هو وأصحابُه [وكسروا] (٢) جفونَ سيوفهم وقاتلوا، فقُتل عبدُ الرَّحمن، وكان شجاعًا، وقال بعض أصحابه يرثيه: [من الطويل] ألَا إنَّما تبكي العيون لفارسٍ … نفى العارَ عنه بالمَناصِل والقَنَا تجلَّى غبارُ الموت عن حُرِّ وجهه … وقد أحرز العَلْياءَ والمَجدَ واقْتَنى فتًى لا يبالي إنْ دنا من مُروءَةٍ (٣) … أصاب مَصونَ النَّفس أو ضَيَّع الغِنى يقيم لأطراف الذَّوابل (٤) سُوقَها … ولا يَرْهَبُ الموتَ المُتاحَ إذا دنا وقال الطبري: إنما قُتل عبد الرَّحمن بحُلوان، تبعه عسكرُ طاهرٍ فقاتل حتى قُتل، ورجع عسكرُه إلى بغداد، واستولى طاهرٌ على همذان، وطرد عمَّال محمَّد عن الجبال وتلك النواحي، ولم يبقَ لمحمَّد إلَّا من بغدادَ إلى حُلوان (٥).

стр. 6164

وفيها ظهر السُّفياني بدمشقَ والشام -واسمُه عليُّ بن عبد اللهِ بن خالدِ بن يزيدَ بن معاويةَ بنِ أبي سفيان، [وكنيته] (١) أبو الحسن- في ذي الحِجَّة، وطرد عاملَ محمد عنها -وهو سليمانُ بن أبي جعفر- بعد أن حصره بدمشقَ ثم أفلت منه. وقال ابنُ عساكر: بويع له بالخلافة بدمشقَ في ذي الحجَّة [من هذه السَّنة] وكانت دارُه بدمشقَ غربيَّ الرَّحبة (٢)، ويُعرف بأبي العَمَيطَر، وأمُّه نفيسةُ بنت عبيدِ الله بن العبَّاس بن عليِّ بنِ أبي طالب، وكان يقول: أنا السُّفياني، أنا ابن العِير والنَّفير، وابن شيخَي صِفِّين (٣) [وسنذكره في سنة ثمانٍ وتسعين ومئة] فبعث إليه محمَّد الحسينَ بن عليِّ بنِ عيسى بن ماهان، فخاف منه، فأقام بالرقَّة ولم يقطع الفرات. وحجَّ بالناس داودُ بن عيسى بنِ موسى بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بنِ العباسِ، وكان واليًا على مكةَ والمدينة، وكان العاملَ على الكوفة العباسُ بن موسى الهادي، وعلى البصرة منصورُ بن المهدي، والمأمونُ بخراسان. فصل وفيها توفي إسحاقُ بن يوسفَ ابنِ محمَّد، أبو محمَّد، الأزرقُ الواسِطيُّ (٤). كان من الثِّقات الصالحين، الفقهاءِ المحدِّثين، أقام عشرين سنةً لم يرفع رأسَه إلى السماء حياءً من الله تعالى. وكانت وفاتُه بواسط. وكان ثقة، سئل عنه الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه: أثقةٌ هو؟ فقال: إي واللهِ ثقة. قالت له أمُّه: يا بُني، قد عزمت على الحجّ، وقد بلغني أنَّ بالكوفة رجلًا يستخفُّ

стр. 6165

بأصحاب الحديث، فأسألك بحقِّي عليك ألا تسمعَ منها شيئًا، قال إسحاق: فدخلتُ الكوفة، فإذا الأعمشُ قاعدٌ وحده، فوقفت على باب المسجدِ وقلت: أمّي والأعمش، وقد قال النبيُّ ﷺ : "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم" (١) فدخلت المسجد، فسلَّمت وقلت: يا أبا محمَّد، حدِّثني فإني رجلٌ غريب، قال: من أين أنت؟ قلت: أنا من واسط، قال: وما اسمُك؟ قلت: إسحاقُ بن يوسفَ الأزرق، قال: فلا حُيِّيتَ ولا حُيِّيَت أمُّك، أليس حرَّجت عليك ألا تسمعَ مني شيئًا؟! قلت: يا أبا محمَّد، ليس كلُّ ما بلغك يكون حقًّا، قال: لأُحدثنَّك بحديثٍ ما حدَّثت به أحدًا قبلك. فحدَّثني عن ابن أبي أَوفَى قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "الخوارجُ كِلابُ أهلِ النار" (٢). أسند إسحاق عن الأعمش والثوريِّ وخلقٍ كثير، وروى عنه الإمامُ أحمدُ ﵀ وابنُ مَعين في آخَرين. بكَّار بن عبدِ الله ابن مصعبِ بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير، وأمُّه عبيدة (٣)، وهي أمُّ عبد الله بنتُ طلحهَّ بنِ عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق. وكان بكَّار مِدْرَهَ قريش، شرفًا وبيانًا وجاهًا ولسانًا. وكان عظيمًا عند الوشيد، ولَّاه المدينة، فأَقام عليها واليًا اثنتي عشرةَ سنةً وشهورًا، وكان الرشيد من إِعجابه به يكتب إليه: من عبد الله هارونَ أميرِ المؤمنين إلى أبي بكرِ (٤) بن عبد الله. وكان جوادًا مُمَدَّحًا، وكان عمَّاله على المدينة وجوه أهلها، فقهًا وعلمًا ومروءةً وشرفًا، وكان متفضِّلًا على أهل المدينة، أخرج لهم ثلاثَ أُعطيات مقدارُها ألفُ ألفِ دينار ومئتا ألفِ دينار، كلُّ عطاء أربعُ مئة ألفِ دينار، وكلُّ ذلك على يده، ولم يكن بالمدينة بيتٌ إلا وقد دخله منه صَنيعُه. وكانت وفاتُه في ربيعٍ الآخِر (٥) رحمةُ الله عليه.
следующие страницы →