← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

فطيف به في كُوَرخُراسان، فقال [شاعرٌ من أهل خراسان] (١): [من السريع] أصبحت الأمَّة في غِبطةٍ … من أمر دنياها ومن دينها إذ حفظت عهدَ إمامِ الهدى … خيرِ بني حوَّاءَ مأمونِها من أبيات، ولقَّب الفضلَ بن سهل ذا الرِّياستين، وفوَّض إليه أمورَه. وقال جبريلُ بن بختيشوع: سمعت المأمونَ يقول: كان لي بخُراسان يومٌ عجيب، فأَولاني اللهُ فيه جميلًا؛ وذلك لأنَّه لَمَّا توجَّه طاهر بن الحسين للقاء عليِّ بن عيسى بن ماهان، على ما عرفتم من ضعف طاهرٍ وقوَّة ابن ماهان، فوقع في نفس عسكري أنَّ طاهرًا ذاهب، وأنَّ ابن ماهانَ هو الغالب، ولحق عسكري إضاقةٌ شديدة، ونفذ ما كان بيدي، فلم يبق معي قليل ولا كثير، ولم أدرِ إلى أين أهرب، ولا إلى أين أجدّ، وكنت نازلًا في دار أبوابُها من حديد، ولي فيها مُسْتَشْرَفٌ أقعد فيه، وعددُ غلماني ستةٌ (٢) لا أملك غيرهم، فشَغَب الجندُ والقوَّاد، وطلبوا أرزاقهم، ووافَوا باب الدارِ يشتموني شتمًا قبيحًا، وكان الفضلُ بن سهل جالسًا عندي، فأمر بإغلاق الأبواب، وقال لي: قم واصعد إلى المستشرف، فقلت: وما ينفعني وهم يهجمون عليّ؟! فقال: قم واصعد، هو الله ما تنزل إلَّا خليفة، فجعلت أهزأ به، وطلبت أهرب من بعض الأبواب، فلم أجد سبيلًا، فقال: قم فاصعد، فصعدت، فلما علم الجندُ بصعودي ازدادوا شتمًا وسبًّا، فقلت للفضل: أنت الذي غَرَرْتَني بالصعود ولم تدعْني أعمل برأي، فقال: واللهِ ما تنزل إلَّا خليفة، فازداد غيظي. ونقبوا الجندُ الجدار، وجاؤوا بالشوك وأَحرقوا بعضَ الدار، ووصلت النارُ إلي، وخفت من الحريق، وهممت أن أُلقيَ نفسي بينهم لعل إذا رأوني يستحيون مني، وجعل الفضل يقبِّل يدي ورِجلي ويقول: واللهِ ما تنزل إلَّا خليفة، والاسطرلابُ بيده، فلما اشتدَّ الأمر واستحكم الناس، قال لي: أتاك الفَرَج، أرى في الصحراء شيئًا قد أقبل ومعه فَرَجُنا فازددت غيظًا، وإذا بذلك الشيءِ قد قرب وهو يصيح: البشارة لي، قُتل عليُّ بن عيسى، وهذا رأسُه معي في المِخْلاة، فلمَّا رأى الجندُ ذلك سكنوا وخجلوا،

стр. 6162

وأقبلوا على الدعاءِ والسرورِ بالفتح، وكان أوَّل من دخل عليَّ من القواد عليُّ بن عبد اللهِ الخُزاعي (١)، فقبَّل يدي وسلَّم عليَّ بالخلافة، وفعل الجميعُ كذلك، وأطفأ اللهُ النائرة، ووهب السلامةَ والعافية، وجاءتني الخلافة، وظَفِرت من أموال عليِّ بن عيسى ما أصلحت به الجندَ وغيرهم. ذِكر وصولِ الخبر إلى بغداد: ووصلت الفلولُ إلى بغدادَ في شوَّال، وندم محمَّد على ما كان من غدره بأخيه. وقال محمَّد بنُ يحيى النَّيسابوري: لما جاء نعيُ ابنِ ماهان إلى بغداد، كان محمَّد جالسًا على جانب دجلةَ يصيد السمكَ هو وكوثرٌ خادمه، فأخبره بعضُ الخدم، فقال: دعني الساعة؛ فإنَّ كوثرًا قد صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئًا بعد (٢). وأرسل الفضلُ بن الربيع إلى نوفل خادمِ المأمون ووكيلِه على ولده وعيالِه وأهله فحبسه، وأخذ منه مئةَ ألفِ دينار، وقيل: ألفَ ألفِ درهم، وقبض ضياعَه وغلَّاتِه بالسَّواد وغيره، وولَّى عليها من قِبَله يُمْن الخادم، ودخل خُزَيمَة بن خازم على الأمين وهو واجم، فقال له: ألم أنهَك عن خلع أخيك والبغي عليه ونقضِ العهود، وأن تجرِّئَ القوَّاد عليك وعلى مَن بعدك، وتحملَهم على النَّكثَ في الأَيمان؟! فإنَّ الناكث مغلول، والغادرَ مجدول، وما نصحك مَن كذبك، ولا غشَّك مَن صدقك. ثم خرج وهو يقول: [من البسيط] قد ضيَّع اللهُ ذَودًا أنت راعيها (٣) ولما قُتل ابن ماهان قال القوَّاد: لا نشكُّ أنَّ محمَّدًا سيحتاج الرجال، فلْيأمر كلُّ واحد منكم جندَه بالشَّغب وطلبِ الأرزاق والجوائز، فأصبحوا كلُّهم بباب الجسر، وشغبوا وطلبوا الأرزاقَ والجوائز، فركب خزيمةُ بن خازمٍ (٤) في عسكره ونهاهم، فلم ينتهوا، واقتتلوا بالآجُرِّ والنُّشَّاب، وسمع محمَّد التكبيرَ والضجيج، فأخبر الخبر، فأمر

стр. 6163

لهم بأرزاق أربعةِ أشهر، وأمر للقوَّاد والخواصِّ بالجوائز والصِّلات، فسكنوا وانصرفوا. ثم وجَّه الأمينُ عبدَ الرَّحمن بن جَبَلةَ الأنباريَّ (١) لحرب طاهرٍ في عشرين ألفًا من الأنبار، وقوَّاه بالأموال والسلاح، وولَّاه ما بين حُلوانَ إلى ما غلب عليه من أراضي خراسان، وندب معه أهل التدبير والنَّجدة، فسار حتى سبق طاهرًا إلى هَمَذان، فنزل بها وخندق عليها، وحصَّنها وسدَّ ثُلَمها، واستعدَّ للقاء طاهر، وجاء طاهرٌ فحصره، فكان يخرج ويقاتله، وأقام أيَّامًا على القتال، وقطع عنهم المادَّة، وتأذَّى أهل همذانَ بالحصار، وخاف عبدُ الرَّحمن أن يثبوا به، فأرسل إلى طاهرٍ فطلب الأمانَ له ولمن معه، فأمَّنهم، فخرجوا من همذان، واستولى طاهرٌ عليها. وفي رواية: قال عبدُ الرَّحمن لأصحابه: واللهِ إنَّ القتل أهونُ عليَّ من أمان طاهرٍ أو الهزيمة، ولكن اخرجوا بنا فلْنقاتل، فإنْ مِتنا متنا كرامًا، فخرج بخواصِّه فاقتتلوا، فترجَّل هو وأصحابُه [وكسروا] (٢) جفونَ سيوفهم وقاتلوا، فقُتل عبدُ الرَّحمن، وكان شجاعًا، وقال بعض أصحابه يرثيه: [من الطويل] ألَا إنَّما تبكي العيون لفارسٍ … نفى العارَ عنه بالمَناصِل والقَنَا تجلَّى غبارُ الموت عن حُرِّ وجهه … وقد أحرز العَلْياءَ والمَجدَ واقْتَنى فتًى لا يبالي إنْ دنا من مُروءَةٍ (٣) … أصاب مَصونَ النَّفس أو ضَيَّع الغِنى يقيم لأطراف الذَّوابل (٤) سُوقَها … ولا يَرْهَبُ الموتَ المُتاحَ إذا دنا وقال الطبري: إنما قُتل عبد الرَّحمن بحُلوان، تبعه عسكرُ طاهرٍ فقاتل حتى قُتل، ورجع عسكرُه إلى بغداد، واستولى طاهرٌ على همذان، وطرد عمَّال محمَّد عن الجبال وتلك النواحي، ولم يبقَ لمحمَّد إلَّا من بغدادَ إلى حُلوان (٥).

стр. 6164

وفيها ظهر السُّفياني بدمشقَ والشام -واسمُه عليُّ بن عبد اللهِ بن خالدِ بن يزيدَ بن معاويةَ بنِ أبي سفيان، [وكنيته] (١) أبو الحسن- في ذي الحِجَّة، وطرد عاملَ محمد عنها -وهو سليمانُ بن أبي جعفر- بعد أن حصره بدمشقَ ثم أفلت منه. وقال ابنُ عساكر: بويع له بالخلافة بدمشقَ في ذي الحجَّة [من هذه السَّنة] وكانت دارُه بدمشقَ غربيَّ الرَّحبة (٢)، ويُعرف بأبي العَمَيطَر، وأمُّه نفيسةُ بنت عبيدِ الله بن العبَّاس بن عليِّ بنِ أبي طالب، وكان يقول: أنا السُّفياني، أنا ابن العِير والنَّفير، وابن شيخَي صِفِّين (٣) [وسنذكره في سنة ثمانٍ وتسعين ومئة] فبعث إليه محمَّد الحسينَ بن عليِّ بنِ عيسى بن ماهان، فخاف منه، فأقام بالرقَّة ولم يقطع الفرات. وحجَّ بالناس داودُ بن عيسى بنِ موسى بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بنِ العباسِ، وكان واليًا على مكةَ والمدينة، وكان العاملَ على الكوفة العباسُ بن موسى الهادي، وعلى البصرة منصورُ بن المهدي، والمأمونُ بخراسان. فصل وفيها توفي إسحاقُ بن يوسفَ ابنِ محمَّد، أبو محمَّد، الأزرقُ الواسِطيُّ (٤). كان من الثِّقات الصالحين، الفقهاءِ المحدِّثين، أقام عشرين سنةً لم يرفع رأسَه إلى السماء حياءً من الله تعالى. وكانت وفاتُه بواسط. وكان ثقة، سئل عنه الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه: أثقةٌ هو؟ فقال: إي واللهِ ثقة. قالت له أمُّه: يا بُني، قد عزمت على الحجّ، وقد بلغني أنَّ بالكوفة رجلًا يستخفُّ

стр. 6165

بأصحاب الحديث، فأسألك بحقِّي عليك ألا تسمعَ منها شيئًا، قال إسحاق: فدخلتُ الكوفة، فإذا الأعمشُ قاعدٌ وحده، فوقفت على باب المسجدِ وقلت: أمّي والأعمش، وقد قال النبيُّ ﷺ : "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم" (١) فدخلت المسجد، فسلَّمت وقلت: يا أبا محمَّد، حدِّثني فإني رجلٌ غريب، قال: من أين أنت؟ قلت: أنا من واسط، قال: وما اسمُك؟ قلت: إسحاقُ بن يوسفَ الأزرق، قال: فلا حُيِّيتَ ولا حُيِّيَت أمُّك، أليس حرَّجت عليك ألا تسمعَ مني شيئًا؟! قلت: يا أبا محمَّد، ليس كلُّ ما بلغك يكون حقًّا، قال: لأُحدثنَّك بحديثٍ ما حدَّثت به أحدًا قبلك. فحدَّثني عن ابن أبي أَوفَى قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "الخوارجُ كِلابُ أهلِ النار" (٢). أسند إسحاق عن الأعمش والثوريِّ وخلقٍ كثير، وروى عنه الإمامُ أحمدُ ﵀ وابنُ مَعين في آخَرين. بكَّار بن عبدِ الله ابن مصعبِ بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير، وأمُّه عبيدة (٣)، وهي أمُّ عبد الله بنتُ طلحهَّ بنِ عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق. وكان بكَّار مِدْرَهَ قريش، شرفًا وبيانًا وجاهًا ولسانًا. وكان عظيمًا عند الوشيد، ولَّاه المدينة، فأَقام عليها واليًا اثنتي عشرةَ سنةً وشهورًا، وكان الرشيد من إِعجابه به يكتب إليه: من عبد الله هارونَ أميرِ المؤمنين إلى أبي بكرِ (٤) بن عبد الله. وكان جوادًا مُمَدَّحًا، وكان عمَّاله على المدينة وجوه أهلها، فقهًا وعلمًا ومروءةً وشرفًا، وكان متفضِّلًا على أهل المدينة، أخرج لهم ثلاثَ أُعطيات مقدارُها ألفُ ألفِ دينار ومئتا ألفِ دينار، كلُّ عطاء أربعُ مئة ألفِ دينار، وكلُّ ذلك على يده، ولم يكن بالمدينة بيتٌ إلا وقد دخله منه صَنيعُه. وكانت وفاتُه في ربيعٍ الآخِر (٥) رحمةُ الله عليه.

стр. 6166

السنة السادسة والتسعون بعد المئة فيها سار طاهرٌ يطوي البلاد، فنزل حُلوانَ بقريةٍ يقال لها: شلاشان (١)، فخندق بها (٢). وفيها جهَّز الأمينُ أحمدَ بن مَزْيَدٍ وعبدَ الله بنَ حُمَيد بنِ قَحْطَبة. قال أسدُ بن يزيدَ بن مزيد الشَّيباني: دخلت على الفضل بنِ الربيع بعد ما قُتل عبدُ الرَّحمن الأنباريُّ وبيده رُقعةٌ قد قرأها، واحمرَّت عيناه واشتدَّ غضبه، وهو يقول: ينام نومَ الظَّرِبَان (٣)، وينتبه انتباهَ الذئب، همُّه بطنه، يُخاتل الرِّعاء والكلابُ تَرْصُده، لا يفكر في زوال نعمة، ولا يروِّي في إمضاء رأيٍ ولا مكيدة، قد ألهاه كأسُه، وشَغَله قَدَحُه، فهو يجري في لهوه، والأيام تُوضِع في هلاكه، قد شمَّر له عبدُ الله عن ساقه، وفوَّق له أصوبَ (٤) أسهُمه، يرميه على (٥) بعد الدِّيار بالحتف النافذ، والموتِ الناقع، قد عبأ له المنايا على متون الخيل، وناط له البلايا في أسِنَّة الرماح وشِفار السيوف، ثم استرجع وتمثَّل بشعر البَعيث (٦) من أبيات: [من الطويل] طوَاه طِرادُ الخيل في كلِّ غارةِ … لها عارضٌ فيه الأسنَّة تُرزِمُ (٧) يُقارع أبطال (٨) ابنِ خاقانَ ليلةً … إلى أن دنا الإصباحُ ما يَتَلَعْثَمُ فيُصبح من طُول الطِّراد مُسَهَّدًا … وأُضحي في طيب النَّعيمِ أُصَمِّمُ (٩)

стр. 6167

أُباكِرُها صَهْباءَ كالمِسْك ريحُها … لها أَرَجٌ في دَنِّها حين تَرْشُمُ (١) فشَتَان ما بيني وبين ابن خالدٍ … أُميَّةَ في الرِّزق الذي اللهُ يَقسم ثم قال: يا أبا الحارث، إنا وإياك نجري إلى غايةٍ، إن قصَّرنا عنها ذُمِمْنا، وإن اجتهدنا [في] بلوغها قصَّرنا وانقطعنا، وإنما نحن شِعْبٌ من أصل، إنْ قوي قوينا، وإن ضَعُفَ ضَعُفْنا، وإنَّ هذا الرجلَ قد ألقى بيده إلقاء الأَمَة الوَكْعاء (٢)، يُشاور النِّساءَ في أمره، قد أمكن مَسامعَه من أهل اللهو والجَسارة واللَّعب، فهم يَعِدونه الظَّفرَ، ويمنُّونه النَّصر، والهلاكُ أسرعُ إليه من السَّيل إلى قِيعان الرَّمْل، وقد خشيتُ أن نهلكَ بهلاكه، ونَعْطَبَ بعطَبَه، وأنت فارسُ العرب وابنُ فارسها، وقد فزع إليك هذا الرجل، وأطمعه (٣) فيما قِبَلك أمران، أحدهما: صدقُ طاعتك وفَضْلُ نصيحتك، والثاني: شدَّة بأسِك وشَرَفُ نفسك، وقد أمرني بتجهيزك، وإزالة عِلَّتك، وبسطِ يدك فيما أحببت، غير أنَّ الاقتصاد رأسُ النصيحة، ومفتاح اليُمن والبركة، فأَنجِزْ حوائجك، وعجِّل المُبادرةَ إلى عدوِّك، فإني أرجو أن يوليَك اللهُ شرفَ هذا الفتح، وَيلُمَّ بك شعثَ الخلافةِ والدولة. قال أسد: فقلت: أنا لطاعة أميرِ المؤمنين وطاعتك مُقَدِّم، وعلى ما أدخل الوهنَ والذُلَّ على عدوِّه وعدوِّك حريص، غير أنَّ المحارِبَ لا يعمل بالغرور [ولا يفتتح] أمرَه بالتقصير والخَلَل، وإنما مِلاكُ المحارب الجنود، وملاكُ الجنودِ المال، وقد ملأ أميرُ المؤمنين أيديَ مَن شهد العسكر من جنوده، وتابع لهم الأرزاقَ الدارَّةَ، والصِّلاتِ الجَزيلةَ، والفوائدَ التامَّة، فإن سرتُ بأصحابي وقلوبُهم متطلِّعة إلى مَن خلفهم من إِخوانهم، لم أنتفعْ بهم في لقاء مَن أمامي، والذي أسأله أَن يؤمرَ لأصحابي برزق سَنة، ويحملَ معهم مثل ذلك، ولا أُسأل عمَّ افتتحتُ من البلاد والكُوَر. فقال: قد أَشْطَطْتَ،

стр. 6168

ولا بدَّ من مُطالعته بما قلت. ثم ركب وركبتُ معه، فدخل قبلي على محمَّد ودخلتُ بعده، فما دار بيني وبين محمَّد سوى كلمتين حتى غضب وأمر بحبسي. وقيل: إنَّ أسدًا قال لمحمَّد: ادفع إليَّ ولدَي المأمون [حتى] يكونا أسيرَين في يدي، فإن أطاعني وألقى إليَّ بيده، وإلَّا عملتُ فيهما بحُكمي، وأنفذتُ فيهما أمري. فقال له محمَّد: أنت أعرابيٌّ مجنون، أدعوك إلى ولاية أعِنَّة العرب والعجم، وأُطعمك خراجَ كُوَر خُراسانَ والجبال، وأرفع منزلتَك على نُظَرائك من أبَناء القوَّاد والملوك، وتدعوني إلى قتل ولدي، وسفكِ دماءِ أهل بيتي، إنَّ هذا لَخُرْقٌ وتخليط. وأمر بحبسه. وكان للمأمون ابنان مع أمِّهما أمَّ عيسى بنتِ موسى الهادي. ولما غضب محمَّد على أسدٍ وحبسه، سأل: هل في أهل بيته مَن يقوم مَقَامَه؟ وقال محمَّد: أكره أن أستفسدَهم مع سابقتهم وما تقدَّم من نُصحهم وطاعتهم، فقالوا: نعم فيهم أحمدُ بن مزيد، وهو أحسنُهم طريقة، وأصلحُهم نية، وله بأسٌ ونَجْدة في الحروب، وبَصَرٌ بسياسة الجنود، وكان قد خرج إلى ضَيعة له، فبعث خلفه بَريدًا ولم يصل بعدُ إلى ضيعته، فرُدّ. قال أحمد: فلمَّا دخلت بغدادَ بدأتُ بالفضل بنِ الربيع، فإذا عنده عبدُ الله بنُ حُمَيد بنِ قَحْطَبة، وهو يريده إلى المسير إلى طاهر، وعبد الله يشتطُّ عليه في طلب المالِ والرجال، فلما رآني، رحَّب بي، وأخذ بيدي حتى رفعني معه إلى صدر المجلس، وأنشد: [من البسيط] إنَّا وَجَدْنا [لكم] إذ رَثَّ حَبْلُكمُ … من آل شَيبانَ أُمًّا دونكمْ وأبا الأكثرون إذا عَدُّوا الحَصَى (١) عَدَدًا … والأقربون إلينا منكمُ نَسَبا فقال عبد الله: إنَّهم لكذلك، وإنَّ فيهم لسدَّ الخَلَل، ونكايةً في العدوّ، ودفعَ معرَّة (٢) أهلِ المعصية عن أهل الطاعة. قال أحمد: فأقبل عليَّ الفضلُ وقال: إنَّ أمير المؤمنين أَجرى ذِكرك، فوصفتُك له

стр. 6169

بحُسن الطاعة، وفضلِ النصيحة، والشدَّة على أهل المعصية، والتقدُّم بالرأي، فأحبَّ اصطناعك، والتَّنويهَ باسمك، وأن يرفعَك إلى منزلة لم يبلغْها أحدٌ من أهل بيتك. ثم قام وقمتُ معه، فأدخلني على محمَّد وهو في صحن دارِه على سريرٍ له، فأدناني حتى كدت أن أُلاصقَه، وقال: قد أكثر عليَّ (١) تخليطُ ابنِ أخيك وتنكُّره وخلافه، حتى أوحشني ذلك منه، وولَّد في قلبي التُّهَمة له، فأصاره التأديبُ على ذلك إلى الحبس، فلم أكن أحبُّ ذلك، وقد وُصفتَ لي بخير، ونُسِبت إلى جميل، وقد أحببتُ أن أرفعَ قَدْرَك، وأقدِّمَك على أهل بيتك، وأولِّيك جهادَ هذه الفئةِ الباغية النَّاكِثة، وأعرِّضَك للأجر والثوابِ في قتالهم، فانظر كيف تكون، وصحِّح نيَّتك، وأَعِن أميرَ المؤمنين، وسُرَّه في عدوِّه، ليعمَّ سرورُك وتشريفك. قال أحمد: فقلت له: سوف أبذُل في طاعة أميرِ المؤمنين -أعزَّه الله- مُهْجَتي، وأبلغ من جهاد عدوِّه أفضلَ ما أمَّله عندي، ورجاه من نهضتي وكفايتي إن شاء اللهُ تعالى. ثم قال: يا فضل، جهِّزه، فقال: سمعًا وطاعة. فعرض الرجال، وأزال الشكاوى، فكانوا عشرين ألفًا. قال أحمد: ولمَّا ودَّعتُه قلت: أَوصِني يا أميرَ المؤمنين، فقال: إياك والبغيَ؛ فإنَّه عِقالُ النصر، ولا تقدِّم قَدَمًا إلَّا بالاستخارة، ولا تَشهَر سيفًا إلَّا بعد الإعذار، ومهما قدرتَ عليه باللِّين فلا تتعدَّه إلى الخُرْق والشدَّة، وأحسن صَحابةَ مَن معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كلِّ يوم، ولا تخاطرْ بنفسك في طلب الزُّلفى عندي، ولا تستَبْقها فيما تتخوَّف رجوعَه عليّ، وكن لعبد اللهِ أخًا مُصافيًا، وقرينًا بَرًّا، وأَحسِن صحبتَه ومعاشرته، ولا تخذلْه إن استنصرك، ولا تُبطئ عليه إن استصرخك، ولتكن أيديكما واحدة، وكلمتُكما متَّفقة، ثم قال: سلْ حوائجك، وعجِّل السَّراحَ إلى عدوِّك. فقال أحمد: يا أميرَ المؤمنين، حاجتي أن تُكثرَ لي من الدُّعاء، ولا تقبل فيَّ قولَ باغٍ ولا حاسد، ومُنَّ عليَّ بالصفح عن ابن أخي. قال: قد فعلت ثم أرسل إلى أسد، فحلَّ قيودَه وأطلقه. وسار أحمدُ بن مزيد في عشرين أَلفًا من العرب، وسار عبدُ الله بن حُمَيد بنِ قَحْطَبةَ

стр. 6170

في عشرين ألفًا من الأنبار (١)، وأمرهما أن ينزلا حُلْوانَ ويدفعا طاهرًا عنها، وأوصاهما بالتودُّد والتَّحابُب واجتماعِ الكلمة، فسارا حتى نزلا خانِقِين، وأقام طاهرٌ بحُلْوانَ وخندق عليه، ودسَّ الجواسيسَ إلى عسكرهما، فكانوا يأتونهم بالأراجيف، ويُخبرونهم أنَّ محمَّدًا قد وضع العطاءَ لأصحابه، ولم يزل يحتال في وقوع الخلافِ بين أحمدَ وعبدِ الله حتى أَوقع بينهما، فقاتل بعضُهم بعضًا، ووقع السيفُ بينهم، فانتقض أمرُهم، ورجعوا من خانِقين إلى بغداد، ولم يلقَوا طاهرًا، وأقام طاهرٌ بحلوان، فبينما هو كذلك، إذ قدم هَرْثَمةُ بن أَعْينَ من خُراسانَ بكتاب المأمون وذي الرِّياستين يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن والكُوَرِ إليه، وأن يتوجَّه طاهرٌ إلى الأهواز، ففعل، وأقام هرثمةُ بحُلْوان. وفيها رفع المامونُ منزلةَ الفضلِ بن سهل، وعقد له على المَشْرق طولًا وعرضًا، وجعل مَغَلَّه ثلاثةَ آلاف ألفِ درهم، وكتب على سيفه ذا الرِّياستين، من جانب: رياسةُ الحرب، ومن جانب: رياسةُ العلم والتدبير (٢)، فقام بأمور المأمونِ كما يحبّ، وولَّى المأمونُ أخاه الحسنَ بن سهل دواوينَ الخراج. وفيها ولَّى الأمين عبدَ الملك (٣) بنَ صالح الجزيرةَ والشام (٤). وسببه: لمَّا قوي طاهرٌ واستفحل أمرُه وهزم مَن هزم، قال عبدُ الملك للأمين: يا أميرَ المؤمنين، إنَّك قد أحسنت إليّ، وإنِّي أرى الناسَ قد طمعوا فيك، وقد عوَّدتَ العساكرَ جودَك وسماحتك، فإن استمرَّيتَ على عادتك، أفسدتهم وأَبطرتهم، وإن منعتهم العطاء، أسخطتَهم وأغضبتهم، وليس تُملَك الجنودُ بالمنع من العطاء، ولا تبقى الأموالُ مع البذل والإنفاق، ومع هذا فجندُك قد أَرعبتْهم الهزائم، وأضعفتهم الوقائع، ونَهَكَتْهُم الحروب، وملأت قلوبَهم الهَيبة، فنكلوا عن لقاء عدوِّهم، وكلَّما سيرتهم إلى طاهرٍ

стр. 6171

غلب بقليل ما معه كثير ما معك، وأهلُ الشام قومٌ قد ضَرَسَتْهم الحرب، وأدَّبتهم الشدائد، وكلُّهم مُسارعٌ إلى طاعتي، فإن اتخذتَ منهم جندًا، كان أعظمَ في النِّكاية في العدوّ. فقال محمَّد: ولَّيتك ذلك، فعجِّل الخروج، واعمل برأيك. وكتب عهده على الجزيرة والشام، فسار إليها، فنزل الرقَّة، وكتب إلى أمراء الأجنادِ والعربِ ووجوهِ الناس، فأَقبلوا عليه من كلِّ وجه، فأَحسن إليهم، ووصلهم بالأموال والخِلَع، فبينا رجلٌ من الأبناء من أهل خراسانَ يمشي، إذ نظر إلى دابَّة كانت له أُخذت في بعض وقائع أبي العَمَيطَر تحت رجلٍ من أعراب الناس، فتعلَّق به، واجتمع جماعةٌ من الأبناء وجماعةٌ من أهل الشام، وتَلاحَوا وتنادَوا، فنَشِبَت الحربُ بينهم، وعلى (١) الأبناء الحسينُ بن عليِّ بنِ عيسى بن ماهان، وعلى أوباش الشام جماعةٌ منهم العباسُ بن زُفَر، واقتتلوا قتالًا عظيمًا، فقُتل من الفريقين خلقٌ عظيم، وانهزم أهلُ الشام وتفرَّقوا في كلِّ وجه، وانتقض ما كان عبد الملك دبَّره، وقال: أردنا أمرًا وأراد اللهُ غيرَه، ومات عبدُ الملك بعد الوقعةِ بأيام. وفيها خُلع الأمينُ وبويع للمأمون ببغداد، ثم أُعيد الأمين. وسبب ذلك أنَّ عبد الملكِ لمَّا مات بالرقَّة، كان في جنده الحسينُ بن عليِّ بن عيسى بنِ ماهان، فجمع الأبناءَ واستقلَّ بالأمر، وأنفق فيهم الأموال، وسار بهم نحوَ بغداد، فقدمها، فاستقبله الأشرافُ والقوَّاد ووجوهُ الناس، وضُربت له القِباب، ونزل في داره على أكملِ هيبة، وذلك في رجب، وكان يومًا مَشهودًا، فلمَّا كان في الليل، بعث الأمينُ بطلبه، فأَغلظ لرسوله، وقال: ما أنا مغنٍّ ولا مُسامرٌ ولا مُضحك حتى يطلبني في هذه الساعة، [انصرف] (٢) حتى إذا أصبحت غَدوت عليه. فلما طلع الفجر، ركب في الموالي، وجاء حتى وقف يباب الجسر، واجتمع إليه الناس، فقال: يا معشرَ الأبناء، إنَّ خلافة اللهِ لا تُجاور بالبَطَر (٣)، ونِعَمَه لا تُسْتَصْحَب

стр. 6172

بالتكبُّر، وإنَّ محمَّدًا يريد أن يَنْكُثَ بَيعتكم، ويفرِّقَ جمعكم، وينقلَ عزَّكم إلى غيركم، وقد رأيتم فِعلَه مع أهل الشامِ بالأمس، وإن وجد قوَّةً من أمره ليرجعنَّ وبالُ ذلك عليكم، فاقطعوا أثرَه قبل أن يقطعَ آثاركم، وضعوا عزَّه قبل أن يضعَ عزَّكم، فواللهِ لا ينصره ناصرٌ إلا خُذل، ولا يمنعه مانعٌ إلا قُتل، ولقد علمتم نقضَه للعهود ونكثَه، وما عند اللهِ لأحدٍ هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف [بعهوده والحنث بأيمانه]. ثم عبر الجسرَ واجتمع إليه أهلُ الأرباض، وجاءت خيلٌ من عند محمد، فقاتلوه، فهزمهم حتى تفرَّقوا عن باب الخُلدِ ومحمَّد فيه، فخلع الحسينُ محمَّدًا يوم الأحدِ لإحدى عشرةَ ليلةً خلت من رجب، وأخذ البيعةَ للمأمون، وأخرج محمَّدًا من قصر الخلدِ فحبسه في قصر أمِّ جعفر، وقال العباسُ بن موسى بنِ عيسى لأمِّ جعفرٍ زبيدة: اُخرجي من هذا القصر، فأبت، فقنَّعها بالسَّوط وسبَّها سبًّا قبيحًا، وحمُلت إلى مدينة أبي جعفر. ثم أصبح الناسُ قد ماج بعضُهم في بعض، واجتمعوا إلى محمَّد بنِ أبي خالد، فقال لهم: أيها الناس، والله ما أدري بأيِّ سببٍ يتأمَّر علينا الحسينُ بن ماهانَ ويتولَّى هذا الأمرَ دوننا، وليس هذا بأكبرنا سِنًّا ولا أكرمنا (١) حَسَبًا، ولا أعظمنا منزلة. وقال أسدٌ الحربي: يا معاشرَ الحربية، هذا يومٌ له ما بعده، إنَّكم قد نمتم وطال نومُكم، وتأخَّرتم فقدم عليكم عدوُّكم، ومحمَّد قد خُلع وأُسر، فاحملوا في إِطلاقه. وقال لهم بعضُ الشيوخ: هل تعلمون أنَّ محمَّدًا قطع أرزاقكم؟ قالوا: لا، قال: فهل قصَّر في حقِّ أحدٍ من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: لا، قال: فما بالُكم خذلتموه وأعنتم عدوَّه حتى خُلع وأُسر؟! أما واللهِ ما قتل قومٌ خليفتهم إلَّا سلَّط الله عليهم السيفَ القاتل والحَتْفَ الزاحف، انهضوا إلى قصر خليفتِكم. فنهضوا ونهض معهم أهلُ الأرض، فقاتلوا الحسينَ بن علي، فقتلوا من أصحابه مَقتلةً كبيرة، وأسروا الحسين، ودخلوا على محمَّد، ففكُّوا قيودَه وأَعادوه إلى مجلس الخلافة، وأُتي بالحسين أسيرًا إلى بين يديه، فعاتبه وقال له: ألم أقدِّم أباك على

стр. 6173

الناس، وولَّيته أعِنَّةَ الخيل، وملأت يدَه من الأموال ورفعتُ أقدارَكم ومنازلَكم على غيركم؟! قال: بلى، قال: فما الذي استحققتُ به منك أن تخلعَ طاعتي وتندب الناسَ إلى قتالي؟ قال: الثقةُ بعفوك، وحسنُ الظنِّ بصَفْحك، قال: قد عفوت عنك، وولَّيتك الطلبَ بثأر أبيك. ثم خلع عليه وحمله على مركبٍ من مراكبه، وولَّاه ما وراء بابِه، وأمره بالمسير إلى حُلوانَ لقتال طاهر، فعبر على جسر بغدادَ إلى الجانب الشرقي، فلمَّا جاوز الجسر قطعه وهرب، فنادى محمَّد في الناس، فركبوا في طلبه، وكان في نَفَرٍ من خدمه ومواليه، ولحقه الناس، فجعل يحمل عليهم، فيهزمهم ويقتل فيهم، فعثر فرسُه فسقط، وحمل عليه الناسُ فقتلوه، وجاؤوا برأسه إلى محمَّد، فقال عليُّ بن جَبَلةَ الحَوْبي (١): ألا قاتل اللهُ الأُلى كفروا به … وفازوا برأس الهَرْثَميِّ حسينِ لقد أورَدُوا منه قَناةً صَليبةً … بشِطْب (٢) يَمانيٍّ ورمح رُدَيني رجا في خلاف الحقِّ عزًّا وإمرةً … فأَلبسه التَّأميلُ خُفَّ حُنين وكان قتل الحسينِ في النِّصف من رجبٍ في مسجد كَوْثر الخادم، وهو على فرسخ من بغدادَ في طريق النَّهرين. واختفى الفضلُ بن الربيع في تلك الليلة. وجُدِّدت البَيعة لمحمَّد يوم الجمعة لستَّ عشرةَ خلت من رجب، وكان حبسُه في قصر أبي جعفرٍ يومين. وفيها توجَّه طاهرٌ إلى الأهواز من حُلوانَ لما نزلها هَرْثَمة، وكان بالأهواز محمَّد بْنِ يزيدَ بنِ حاتمٍ المُهَلَّبي عاملُ محمَّد، فتوجَّه في جمعٍ عظيم، فنزل قريبًا من جُنْدَيسابور، وهي حدُّ ما بين الأهوار والجبل، وجهَّز إليه طاهرٌ القوَّاد ومعهم الجيوش، فلمَّا أشرفوا عليه قال محمَّد لأصحابه: ما ترون؟ فقالوا: الرأي ألا نلاقاهم، ونرجعَ إلى الأهواز فنقيمَ بها، ونستمدَّ العساكرَ من البصرة وغيرِها. وبلغ طاهرًا، فأمر جماعةً من أصحابه أن يسبقوه إلى الأهواز، فسبقه قريشُ بن

стр. 6174

شبل، فبادره محمَّد ودخل المدينة، ودعا بالأموال فصُبَّت بين يديه، وجاء قريش، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وظهر قريشُ بن شبل عليهم، وتراجع الناس، فقال محمَّد بن يزيد لمواليه ونفرٍ كانوا معه: ما رأيكم؛ فإنِّي لستُ آمَن خذلانَ مَن معي، وقد عزمت على القتال بنفسي حتى يقضيَ اللهُ ما أحبّ، فمَن أراد منكم الانصرافَ فلينصرف، فوالله العظيم لأَن تبقَوا أحبُّ إليَّ من أن تموتوا. فقالوا: لا والله ما أنصفناك إذ قد أعتقتَنا من الرِّقِّ، ورفعتَنا بعد الضَّعَة، وأغنيتَنا بعد الفقرِ ثم نَخذلك، لا واللهِ بل نتقدَّم أمامك، ونموت تحت رِكابك، فقبَّح اللهُ الدنيا والعيشَ بعدك. ثم نزلوا فعَرْقَبوا دوابَّهم، وحملوا على أصحاب قريشٍ حملةً مُنْكَرة، فأكثروا فيهم القتل، وانتهى بعضُ أصحاب طاهرٍ إلى محمَّد بنِ يزيد، فطعنه وصرعه، وتبادروه فقتلوه، وكان محمَّد بنُ يزيدَ جوادًا ممدَّحًا شجاعًا، فقال بعض أهل البصرةِ يَرثيه: [من المنسرح] مَن ذاق طعمَ الرُّقاد من فَرَحٍ … فإنَّني قد أضَرَّني سَهَري ولَّى فتى الرُّشْدِ فافتقدتُ به … قلبي وسمعي وغَرَّني بصري كان غِياثًا لدى المُحولِ فقد … ولَّى غَمامُ الرَّبيع بالمَطَرِ (١) وقال بعضُ المَهالبة في تلك الواقعةِ وكان قد جُرح وقُطعت يده: [من الطويل] فما لُمتُ نفسي غيرَ أنِّيَ لم أُطِق … حَرَاكًا وأنِّي كنتُ بالضَّرب مُثْخَنا ولو سَلِمت كفَّايَ قاتلتُ دونه … وضاربتُ عنه الطَّاهريَّ (٢) المُلَعَّنا فتًى لا يرى أن يَخْذِلَ السيفَ في الوَغى … إذا ادَّرَع الهَيجاءَ في النَّقْعِ واكتنى ودخل عُيينة (٣) المُهَلَّبي على طاهرٍ فأنشده: [من المنسرح] مَن آنسَتْه البلادُ لم يَرِمِ … منها ومَن أوحشَتْه لم يُقِمِ إلى قوله:

стр. 6175

ما ساء ظنِّي إلَّا لواحدةٍ … في الصَّدر مَحْصورةٍ عن الكَلِمِ يشير إلى قتل محمَّد، فقال طاهر (١): واللهِ لقد ساءني ما ساءك، وآلَمَني ما آلمك، ولقد كنت كارهًا لما كان، غير أنَّ الحتفَ واقع، والمنايا نازلة، ولا بدَّ من القيام للخلافة بحُسن الطاعة. ثم أقام طاهرٌ بالأهواز وبعث عمَّاله إلى كُوَرِها، وولَّى على اليَمامة والبحرين وعُمان، ثم توجَّه إلى واسِط وبها السِّنديُّ بن يحيى الحَرَشي والهيثمُ خليفةُ خُزَيمةَ بنِ خازم، فلمَّا رأيا عساكرَ طاهر -وكانا على عزم القتال- خافا فهربا، ودخل طاهرٌ واسطًا، وبعث أحمدَ بن المُهَلَّب أحدَ قوَّاده إلى الكوفة، وعليها يومئذٍ العباسُ بن موسى الهادي، فخلع العباسُ محمَّدًا، وكتب إلى طاهرٍ بالبيعة للمأمون، وقيل: إنَّ الذي كان على الكوفة من قِبَل محمَّد الفضلُ بن موسى بنِ عيسى، وكان منصورُ بن المهديِّ عاملَ محمَّد على البصرة، فكتب إلى طاهرٍ بالبيعة للمأمون، وخلع الجميع محمَّدًا في هذه السَّنة في رجب. وسار طاهرٌ من واسطٍ يطوي المنازلَ حتى نزل جَرْجَرايا، وولَّى طاهرٌ داودَ بن عيسى بنِ موسى بن محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن عباسٍ مكةَ والمدينة -وقيل: إنما ولَّاه محمَّد فأقرَّه طاهرٌ على ولايته، وهو الصحيح، لما نذكر- ويزيدَ بن جرير (٢) القَسْريَّ اليمن، وبعث الحارثَ بن هشامٍ وداودَ بن موسى إلى قصر ابنِ هُبَيرَة، وسار من جَرجرايا فنزل المَدائن، فهرب عمَّال محمَّد، ثم صار منها إلى صَرْصَر، فعقد بها جسرًا. وفيها خلع داودُ بن عيسى الأمينَ، والسببُ في ذلك أنَّ الأمين لمَّا ولي الخلافة ولَّى مكةَ والمدينةَ لداود بنِ عيسى، وعزل محمَّد بن عبد الرَّحمن المَخْزومي عاملَ الرشيد على مكَّةَ، وأقرَّه على القضاء، فأقام داود الحجَّ للناس سنةَ ثلاثٍ وتسعين، وسنةَ خمس وتسعين، فلمَّا دخلت سنةُ ستٍّ وتسعين، بلغه خلعُ عبدِ الله المأمونِ أخاه وقتلُ ابنِ ماهان. وكان محمَّد قد كتب إلى داودَ يأمره بخلع المأمونِ والبيعة لابنه موسى بنِ محمَّد،

стр. 6176

وبعث محمَّد فأخذ الكتابين اللذين كانا في الكعبة ومزَّقهما، فجمع داودُ أشرافَ مكة من قريشٍ، وحَجَبة البيتِ، ومَن كان بها من العلماءِ، ومَن في الكتابين -وكان داودُ أحدَ الشهود- فقال لهم: قد علمتم ما أخذ هارونُ علينا وعليكم من العهود والمواثيقِ عند بيت اللهِ الحرام حين بايعنا لابنَيه: لنكوننَّ مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المبغيِّ عليه على الباغي، ومع المَغْدورِ به على الغادر، وقد بدأ محمَّد بهذه الأشياء كلِّها على أخويه المأمونِ والقاسم، وخلعهما وبايع لابنه طفلٍ صغيرٍ رضيعٍ لم يُفطم، واستخرج الكتابين من الكعبة غاصبًا ظالمًا، فحرقهما بالنار، وقد وجب خلعُه والبيعةُ لأخيه المأمون، فأجابه القومُ وقالوا: رأيُنا رأيك، ونحن لك تَبَع. فوعدهم صلاةَ الظهر، وأرسل إلى حُجَّاج (١) مكةَ صائحًا يصيح: الصلاةُ جامعة، فاجتمعوا، وذلك يومَ الخميس لسبعٍ وعشرين ليلةً خلت من رجب. فخرج داودُ وصلَّى بالناس الظهر، ووُضع المنبرُ بين الرُّكن والمقام، وصعده -وكان خطيبًا- فقال: الحمدُ لله ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية، وصلَّى على النبيِّ ﷺ ثم قال: أما بعد، يا أهلَ مكة، فأنتم الأصلُ والفرع، والعِشرةُ والأُسرة، والشركاءُ في النعمة، إلى بلدكم يَفدُ وفدُ الله، وبقِبلتكم يأتمُّ المسلمون، وقد علمتم ما أخذ هارون ﵀ حين بايع لابنَيه محمَّد وعبدِ الله علينا وعليكم من العهود والمواثيق. وذكر بمعنى ما تقدَّم ثم قال: وقد غدر محمَّد ونكث وظلم وبغا، وخالف الشروطَ التي أعطاها من نفسه في جوف بيتِ الله الحرام، وقد حلَّ لنا ولكم خلعُه [من الخلافة] (٢) وتصييرُها إلى المظلوم، ألا وإني قد خلعت محمَّد بن هارون كما خلعت قَلَنْسُوتي هذه من رأسي، وخلع قلنسوتَه ورمى بها إلى بعض الخدَّام، وكانت من بُرد حِبَرة (٣)، وأتى بقَلَنسوة سوداءَ هاشميةٍ فلبسها، ثم قال: وقد بايعتُ عبدَ الله المأمونَ فبايعوه. وكان ابنُه سليمانُ على المدينة، فكتب إليه ففعل كذلك.

стр. 6177

ثم دخل داودُ من مكةَ إلى البصرةِ ومعه جماعةٌ من ولده، فقدم البصرة، ثم سلك على فارسَ وكَرْمانَ فقدم على المأمون بمرو، فأكرمه ووصله وأحسنَ إليه، وتيمَّن ببَيعته له بمكةَ والمدينة، وأقام داودُ عنده حتى قرب موسمُ الحج، فكتب معه كتابًا إلى أهل المدينة ومكةَ يَشكرهم وَيعِدهم الخير، وأضاف إلى داودَ ولاياتٍ أخر، وكتب له إلى الرَّيِّ بخمس مئةِ ألف درهمٍ معونة، وخرج داودُ مسرعًا ومعه ابنُ أخيه العباسُ بن موسى بنِ عيسى، وعقد المأمونُ للعباس على الموسم، فسارا حتى نزلا بغدادَ وطاهرٌ يحاصرها، فأَكرمهما وأحسن معونتَهما، وجهَّز معهما يزيدَ بن جريرِ (١) بن خالد القَسري، وسارا جميعًا فشهدوا الموسم. وحجَّ بالناس العباسُ بن موسى، ودعا للمأمون، وهو أوَّل موسمٍ دُعي له فيه بالخلافة بمكَّة والمدينة، فلما صدروا من الحجّ، انصرف العباسُ بن موسى إلى بغدادَ وطاهرٌ يحاصرها، وأقام داودُ على عمله، ومضى يزيدُ إلى اليمن، فأخذ البيعةَ للمأمون، وسار فيهم بأحسنِ سيرة. وفيها عقد محمَّد نحوًا من أربع مئة لواءٍ لقوَّادٍ شتى، وأمَّر عليهم عليَّ بن محمَّد بنِ عيسى بن نَهيك، فالتقَوا بهَرْثَمةَ على النَّهْرَوان، فهزمهم، وأسر ابن نَهيكٍ، وبعث به إلى المأمون، وذلك في رمضان، ونزل هرثمةُ النهروان. وفيها استأمن إلى محمَّد جماعةٌ من جند طاهر، فأعطاهم أموالًا عظيمة، وغلَّف لِحاهم بالغالية، وكانوا خمسةَ آلافٍ من جند خراسان، فسُرَّ بهم محمَّد، وجهَّزهم مع جندٍ من عسكره إلى قتال طاهر، فالتقاهم طاهر، فهزمهم وغنم ما في عسكرهم، وبلغ محمَّدًا، فأخرج ما في خزائنه وذخائرِه، وفرَّق الصِّلات، وجمع أهلَ الأرباض، فأعطاهم ووصلهم، وأعطى كلَّ واحدٍ منهم خمسَ مئةِ درهمٍ وقارورةَ غالية، ولم يُعطِ أصحابه شيئًا، وبلغ طاهرًا، فكتب إليهم فاستمالهم، فشَغَبوا على محمَّد، وذلك في ذي الحِجَّة، فقال شاعرٌ من أهل بغداد: [من السريع] قل لأمين اللهِ في نفْسه … ما شَتَّت الجُندَ سوى الغاليهْ

стр. 6178

وطاهرٌ (١) نفسي تقي طاهرًا … برُسْله والعُدَّةِ الكافيه أضحى زِمامُ المُلْكِ في كفِّه … مُقاتلًا للفئة الباغيه يا ناكِثًا أسلَمَه نَكثُه … عيوبُه من خُبثه فاشيه قد جاءك اللَّيثُ بشَدَّاته … مُسْتَكْلِبًا في أُمَّةٍ ضاريه فاهربْ ولا مَهْرَبَ مِن مثله … إلَّا إلى النارِ أو الهاويه فلمَّا شغب الجندُ على محمَّد، قال له خواصُّه وقوَّاده: تدارك أمرَك؛ فإنَّ بهم قِوامَ مُلكك، وهم أزالوه في أيَّام الحسين، وهم ردُّوه (٢) عليك، وهم مَن قد عرفتَ نجدتَهم وبأسهم، فلم يلتفت ولجَّ في أمرهم، وبعث إليهم الجندَ ومَن استأمن إليه من أصحاب طاهر، فقاتلوهم، فبعثوا إلى طاهرٍ وأعطَوه رهائنَهم على طاعته وقتالِ محمَّد، فبعث إليهم بالأموال. ثم رحل من صَرْصَر، فنزل البستانَ الذي على باب الأنبارِ يومَ الثُّلاثاء لاثنتي عشرةَ ليلةً خلت من ذي الحِجَّة بجيوشه وقوَّاده، وخرج إليه من أصحاب محمد مَن استأمن إليه، فأكرمهم وأعطاهم الأموال، وضاعف للقوَّاد وأولادِهم العطاء، ونقب أهلُ السجن السجونَ وخرجوا منها، وفُتن الناس، ووثب الدُّعَّار وأهل الفساد والشُّطَّار على أهل الصَّلاح، وعزَّ الفجَّار، وذلَّ المؤمنون، وساءت أحوالُ الناس إلَّا مَن كان في عسكر طاهر؛ لتفقُّده أمرهم، وأخذِه على أيدي سفهائهم، وخَرِبَت بغداد، ونُهبت الأموال، وهُتك الحَريم، وقتل الأخُ أخاه والابنُ أباه، وجرت أحوال لا توصف. وحجَّ بالناس العباسُ بن موسى، وقد ذكرناه. فصل وفيها توفي عبدُ الله بن مَرزوق أبو محمَّد، الزاهدُ البغدادي. [قال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي:] (٣) كان وزيرَ الرشيد، فخرج من ذلك وتخلَّى عن

стр. 6179

ماله وتزهَّد، وكان كثيرَ البكاءِ والحؤن. [وقال الخطيب:] (١) سبب تزهُّده وتخلِّيه عن الدنيا: أنّه نام يومًا عن صلاة الظُّهر، وكانت له جاريةٌ صالحة، فعَمَدت إلى جَمْرةٍ من نارٍ فوضعتها على قدمه، فانتبه فَزِعًا وقال: ما هذا؟! فقالت: هذه نارُ الدنيا، فكيف بنار الآخرة! فقام ودخل على هارونَ فاستعفاه، فأعفاه. [وروى ابنُ أبي الدنيا عن محمَّد بن إدريسَ، عن عبد الله بن السَّري، عن] سلامةَ (٢) قال: [قال] عبدُ الله في مرضه الذي مات فيه: يا سلامة، إنَّ لي إليك حاجة، قلت: وما هي؟ قال: تحملني فتطرحني على تلك المَزْبَلة، لعلي أموت عليها فيرى ذلِّي ومكاني فيرحمني. فلم أفعل. وكانت وفاتُه ببغداد [في هذه السَّنة]. عبدُ الملك بنُ صالح ابنِ عليِّ بن عبد الله بنِ عباس، أبو عبد الرَّحمن الهاشمي (٣). كان شريفًا في بني هاشم، رئيسًا نبيلًا، وأمُّه أمُّ ولد لمروانَ بنِ محمَّد، فتَسَرَّاها صالحُ أبوه، فحملت به، ويقال: إنَّها حملت بعبد الملكِ من مروان؛ ولهذا قال له الوشيدُ لمَّا نقم عليه: ما أنت لصالح، قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان، قال: ما أبالي أيّ الفحلَين غلب عليّ. وولَّاه هارونُ دمشقَ سنة سبعٍ وسبعين، ولما ودَّعه قال له هارون: هل من حاجة؟ قال: نعم، بيني وبينك بيتُ ابن الدَّثِنَة (٤) حيث يقول: [من الطويل] فكوني على الواشين لدَّاءَ شَغْبةً … كما أنا للواشي ألدُّ شَغوبُ فنُقل إلى هارونَ أنَّه يُطمع نفسَه في الخلافة، فعزله عن دمشقَ في سنة ثمانٍ وسبعين، فكانت إقامتُه عليها أقلَّ من سنة، ثم أَقدمه بغداد، وكان قد كتَب إلى هارونَ

стр. 6180

قبل أن يُشخِصَه إلى العراق: [من الطويل] أخِلَّايَ بي شَجْوٌ وليس بكم شجو … وكلُّ امرئٍ من شجو صاحبه خِلْوُ مِنَ ايِّ نواحي الأرضِ أبغي رضاكمُ … وأنتم أناسٌ ما لمَرْضاتكمْ نحوُ فلا حَسَنٌ نأتي به تَقبلونَه … ولا إن أسأنا كان عندكمُ عفوُ (١) من أبيات، فقال هارون: واللهِ لئن كان أنشأها لقد أحسن، ولئن كان رواها لقد أحسن. وَلِيَ عبدُ الملك الجزيرةَ مرتين، وأقام بالصائفة سنةَ ثلاثٍ وسبعين ومئة، وغزا الرومَ سنةَ خمسٍ وسبعين ومئة، فأخذ سبعةَ عشرَ ألفَ رأسٍ من الروم، وقال: أميرُ السرية كالمضارِب الكيِّس، إن رأى ربحًا تاجر، وإلَّا حفظ رأسَ ماله، ولا يطلب الغنيمةَ حتى يحوزَ السلامة. ومات لهارونَ ولدٌ وولد له ولدٌ في ليلة، فدخل عليه عبدُ الملك فقال: يا أميرَ المؤمنين، آجرك اللهُ فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرَّك، وجعل هذه بتلك جزاءً للشاكرين وثوابًا للصابرين. وكان لعبد الملكِ لسانٌ وبيان على فأفأةٍ فيه (٢). وقال إسحاق الموصلي: كان لجعفرِ بن يحيى يومٌ يخلو فيه بنفسه مع خواصِّه، ويَلبَس الثيابَ المُعَصْفَرات، وبلبَس ندماؤه كذلك، فجلس يومًا على مسرَّته، وقال للبوَّاب: اِحفظ البابَ إلَّا من عبد الملك بن بحران، فوقع في أذن البوابِ عبدُ الملك فقط، وبلغ عبدَ الملك بن صالحٍ جلوسُ جعفرٍ في منزله، ولم يعلم على أيِّ حال، فجاء إلى الباب، فلم يمنعْه البوَّاب ظنًّا منه أنَّه المطلوب، فدخل فرأى جعفرًا على تلك الحال، فاسودَّ وجهُ جعفر، وكان عبدُ الملك لا يشرب، وكان ذلك سببَ مَوجِدة هارونَ عليه، فلمَّا رآهم على تلك الحال، قام فخلع سَوادَه وقال: افعلوا بنا مثلَ ما فعلتم بأنفسكم، فقام جعفرٌ وأخرج له ثيابًا معصفرة، فلبسها، وقدَّم إليه رطلًا من

стр. 6181

النبيذ، فشربه وقال: واللهِ ما شربته قطّ، فلمَّا أراد الانصراف، قال له جعفر: ما حاجتُك؟ فقال: في قلب أميرِ المؤمنين مني هَنَة، فسلْه الرِّضى عني، فقال: قد رضي عنك، قال: وعليَّ أربعةُ آلاف ألفِ درهم دَين، فسله أن يقضيها عني، قال: قد قضاها عنك، قال: وابني إبراهيمُ أُحِبُّ أن يشتدَّ ظهرُه بمُصاهَرة أميرِ المؤمنين، قال: قد زوَّجه ابنتَه الغالية (١)، قال: وأحبُّ أن يخفقَ اللواءُ على رأسه، قال: وقد ولَّاه أميرُ المؤمنين مصر، فأخذ يدعو لجعفر، فقال له: هذا الذي أحاطت به مَقدرتي مكافأةً لك على صَنيعك. قال إسحاق: وانصرف عبد الملك ونحن نعجب من إِقدام جعفرٍ على قضاء حوائجِه من غير إذنِ هارون، وقلنا: هَبْ أنه يقضي حوائجَه، فكيف بالتزويج؟! فلمَّا كان من الغد، وقفنا بباب هارون، ودخل جعفر، فلم يلبث أن دُعي بأبي يوسفَ القاضي ومحمَّد بن الحسن وإبراهيمَ بن عبد الملك، فدخل وخرج وقد خلع عليه، وعلى رأسه لواءٌ عقده هارونُ بيده على مصر، وزوَّجه ابنته، وخرجت البِدَرُ (٢) إلى عبد الملك. قال: وخرج جعفر، فمَشَينا معه، فلمَّا خَلَونا به قال: لمَّا دخلت على أمير المؤمنين أخبرتُه بما فعل عبدُ الملك، قال: أَحسنَ والله، فما صنعتَ أنت؟ فأخبرته بما ضَمِنْتُ، فقال: أحسنت، ثم دعا بإبراهيمَ فزوَّجه ابنتَه، وولَّاه مصرَ، وقضى دَين عبدِ الملك. وكان عبد الملك محبوسًا عند الفضل بنِ الربيع حتى مات هارون، فأطلقه محمَّد، فحلف له إنْ مات محمَّد وهو حيٌّ لا يعطي المأمون طاعةً أبدًا. وكان يقول: واللهِ إنَّ الملك لشيءٌ ما نَويتُه قطّ، ولو أردتُه لكان أسرعَ إليَّ من الماء إلى الجذور، ومن النار إلى يَبِس العَرْفَج (٣)، وإني مأخوذٌ بما لم أَجنِ، ومسؤولٌ عما لم أعرف، ولكن لمَّا رآني هارونُ بالمُلك جديرًا، وللخلافة خطيرًا، ورأى لي يدًا تنالها إذا مُدَّت، وكفًّا تبلغها إذا انبسطت، ونفسًا تكمل بخصالها (٤)، وتستحقُّها

стр. 6182

بفعالها، واللهِ ما ترشَّحت لها في السِّرّ، ولا أشرتُ إليها في الجهر، فإن كان إنَّما حبسني لأنِّي أصلح لها، فليس ذلك بذنبٍ جنيتُه فأتوبَ منه، ولا تطاولتُ له فأحطَّ نفسي عنه، وإن كان قصد أن أخرجَ له من حدِّ العلم إلى الجهل، أو من الدِّين إلى ضدِّه، فذلك أمر لا يقتضيه العقلُ والحزم، وإن كان عاقبني على نسبي وحسبي ومحبَّة الناسِ لي، فذلك أمرٌ لا أقدر على زواله، واللهِ لو أردتُها لأَعجلته عن التفكير، ولَشغلته عن التدبير. وتوفِّي عبدُ الملك بالرقَّة. أبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير، مولى بني عَمرو بنِ سعد بن زيد مناة التَّميمي [الكوفي السَّعدي، وذكره ابنُ سعد] (١) في الطبقة السابعةِ من أهل الكوفة. [وقال الخطيب:] وُلد سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومئة، وذهب بصرُه وله أربعُ سنين، فأقام أهلُه عليه مأتمًا (٢). و [حكى عنه أيضًا] (٣) قال: حَجَجْتُ مع جدِّي لأمِّي وأنا غلام، فرآني أعرابيّ، فقال لجدِّي: ما يكون هذا الغلامُ منك؟ فقال: ابني، فقال: ليس بابنك، فقال: ابنُ بنتي، فقال: صدقت، ولَيكوننَّ له شأنٌ من الشأن، وليطأنَّ بقدميه هاتين بساطَ الملوك. [قال:] فلمَّا قدم هارونُ بعث إلي، فلمَّا دخلت عليه، ذكرت قولَ الأعرابي، فأقبلت ألتمس برجلي البساط، فقال هارون: لم تفعلِ هذا؟ فحدَّثته الحديث، فأُعجب به. قال: وحرَّكني شيء، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أحتاج إلى الخلاء، فقال للأمين والمأمون: خذا بيد عمّكما فأرياه الموضع، فأخذا بيدي فأَدخلاني الخلاء، فشممت رائحةً طيِّبة، فقالا: يا أبا معاوية، هذا الموضعُ فشأنك، فقضيت حاجتي [وكان

стр. 6183

هارونُ يصبُّ على يديه الماء، وقد ذكرناه] (١). وقال هارون: لا يُثبت أحدٌ خلافةَ علي بنِ أبي طالبٍ إلا قتلتُه، قال أبو معاوية: فقلت: فلمَ يا أميرَ المؤمنين؟ قالت تَيم: منا خليفة، وقالت عَدِي: منا خليفة، وقال بنو أمية: منا خليفة، فأين حظُّكم يا بني هاشمٍ من الخلافة إلا عليَّ بن أبي طالب؟! فقال: صدقت، لا ينفي أحدٌ عليًّا من الخلافة إلَّا قتلته. [واختلفوا في وفاته، قال الواقديُّ وابن المَديني: سنةَ ستٍّ وتسعين ومئة (٢). وقال ابنُ سعد (٣): سنةَ خمسٍ وتسعين ومئة، وكذا قال الخطيب (٤): في آخر صفرٍ أو أوَّل (٥) ربيعٍ الأول. وقيل: مات في سنة أربعٍ وتسعين ومئة] (٦) وقدم بغداد، وحدَّث بها عن الأعمش، وكان قد لزمه عشرين سنة، وكان أثبتَ أصحابه، وروى عن هشام بنِ عروةَ وليثِ بن أبي سُليم في آخَرين، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه وابن مَعين والحسنُ بن عَرَفةَ في آخرين. وكان يحفظ القرآن، وهو ثقة. قال ابنُ سعد: [كان ثقةً إلَّا أنه] كان يدلِّس، وكان مُرجئًا، فلم يشهد وكيعٌ جنازته (٧). قال المصنِّف ﵀ (٨): وقد ظنَّ قومٌ أن أبا معاويةَ الضريرَ هو أبو معاويةُ الأسود، وليس كذلك، فإنَّ [أبا معاوية] الأسودَ اسمُه اليمان [وقيل: اسمُه كنيته] نزل طَرَسوس، وصحب سفيانَ الثوريَّ وابن أدْهَمَ والفُضيل، وكان عظيمًا في الزُّهد والوَرَع، وكان أسودَ اللون من موالي بني أمية، وكان ابنُ مَعين يقول: إنْ كان بقي أحدٌ

стр. 6184

من الأبدال فأبو معاويةَ الأسود (١). وذهب بصرُه [أيضًا] (٢) في آخر عمره، فكان إذا أراد أن يقرأَ في المصحف، ردَّ اللهُ عليه بصره، فإذا ترك القراءةَ ذهب بصره. [وحكى عنه ابن ماكويه الشِّيرازيُّ أنه كان] يلقط الخِرَق من المَزابل وَيرقع بها ثوبَه. وسنذكره في سنة ثمانٍ ومئتين [وقد حكى عنه أحمد بن أبي الحَوَاري وأقرانه.] أبو الشِّيص [الشاعر، واسمُه] محمَّد بن رَزِين (٣). شاعرٌ فصيح [كان يقول: قول الشعر أهونُ عليَّ من شرب الماء]. قال أبو بكر بنُ الأنباري (٤): اجتمع أبو الشِّيص ودِعْبِلٌ وأبو نُوَاس ومسلمُ بن الوليد [الملقَّبُ بصَريع الغَواني] في مجلس، فقالوا ليُنْشِدْ كلُّ واحد منا أحسنَ ما قال من الشعر، وهناك رجلٌ فقال: أنا أُخبركم بما ينشد كلُّ رجلٍ منكم، قالوا: هات، فقال لصريع الغواني مسلمِ بن الوليد: كأنِّي بك تُنشد: [من الطويل] إذا ما عَلَت منا ذُؤابةُ واحدٍ … وما كان (٥) ذا حِلْمٍ دَعَتْه إلى الجَهْلِ هل العَيشُ إلَّا أن تَروحَ مع الصِّبا … وتغدو صَريعَ الكأس والأَعيُنِ النُّجْل [وقد ذكرنا أنَّ الرشيد سمَّاه صريعَ الغواني بهذا البيت] فقال: صدقت، ثم أقبل على أبي نُواسٍ وقال: كأنِّي بك وقد أنشدت: [من البسيط] لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هند … واشربْ على الوَرْد من حمراءَ كالوردِ تَسقيك من عَينها خَمْرًا ومن يدها … خمرًا فمالك من سُكرَين من بُدِّ (٦)

стр. 6185

فقال له: صدقت، ثم أقبل على دِعْبلٍ فقال: كأنِّي بك تنشد: [من الكامل] أين الشَّبابُ وأيَّةً سَلَكا … لا أينَ يُطلَب ضَلَّ بل هَلَكا لا تَعجَبي يا سَلْمُ من رجلٍ … ضَحك المَشيبُ برأسه فبكى (١) فقال: صدقت، ثم أقبل على أبي الشِّيص وقال: كأنِّي بك تنشد: [من الكامل] لا تُنكري صَدِّي ولا إعراضي … ليس المُقِلُّ عن الزمان براضي (٢) فقال أبو الشِّيص: لا، ما أردتُ هذا، ولا هذا أجود شعرٍ قلت، قالوا: فأنشدنا ما بدا لك، فأنشدهم: [من الكامل] وقف الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي … مُتأخَّرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمُ أجِدُ المَلامةَ في هَواكِ لَذيذةً … حُبًّا لذِكرك فلْيَلُمْني اللُّوَّم أشبَهْتِ أعدائي فصرتُ أُحبُّهمْ … إذ كان حظِّي منكِ حظِّي منهمُ وأهَنْتِني فأهَنْتُ نفسي صاغِرًا … ما مَن يَهونُ عليكِ ممَّن يُكرَم فقال الجماعة: أحسنتَ واللهِ وأجدْتَ، وتوفِّي وقد ذهب بصرُه رحمةُ الله عليه. وَكيع بن الجَرَّاح ابن مَليح بن عَدي، أبو سفيان الرُّؤاسي (٣). [ذكره ابنُ سعد] في الطبقة السابعة من أهل الكوفة [ونسبه فقال: وكيع بن الجراح بن مَليح بن عديِّ بن الفرس بن سفيانَ بنِ الحارث بنِ عَمرو بن عُبيد الله (٤) بن رُؤاس بن كِلاب بن ربيعةَ بن عامر بن صَعْصَعَة]. حجَّ سنةَ ستٍّ وتسعين، ثم انصرف من الحجِّ، فمات بفَيْد في المحرَّم سنةَ سبعٍ وتسعين ومئة [في خلافة محمَّد بن هارون] وكان ثقةً مأمونًا عالمًا رفيعًا كثيرَ الحديث حُجَّة.

стр. 6186

[هذا قولُ ابن سعد، وقال غيرُه: كان أبوه الجرَّاحُ على بيت مالِ الكوفة] ومولدُ وكيعٍ في سنة تسعٍ وعشرين ومئة. وقيل: إنه وُلد في سنة ثمانٍ وعشرين ومئة [قال ابنُ عساكر: كان يُفتي على مذهب أبي حنيفةَ، وأخذ عن أبي حنيفة شيئًا كثيرًا (١). وقد ذكرنا أنَّ هارونَ أقدمه إلى بغدادَ وعرض عليه القضاء فامتنع. وحكى الخطيبُ عن أبي نُعيم أنه قال: ولد وكيعٌ سنةَ ثلاثين ومئة] (٢). وكان جوادًا حليمًا، جاءه رجلٌ فقال: إني أَمُتُّ إليك بحُرمة، قال: وما حرمتُك؟ قال: كتبتَ من مِحبَرتي في مجلس الأعمش، فقام وكيعٌ ودخل منزله فأخرج صُرَّة فيها دنانيرُ وقال: اُعذرني فما أملك غيرَها. [وقال الخطيب: جاء رجلٌ إلى وكيع] فأغلظ (٣) له، فدخل بيتًا، وعفَّر وجهَه في التراب، ثم خرج فقال للرَّجل: زِدْ وكيعًا، فلولا ذنبُه ما سُلِّطت عليه. [وروى أبو نُعيم عن] سالم بنِ جُنادة [قال] (٤): جالست وكيعًا سبعَ سنين، فما رأيته بَصَق، ولا مسَّ بيده حَصاة، وما رأيته إلَّا مستقبلَ القبلة، وما سمعتُه يحلف بالله (٥). وكان يصوم الدهرَ ويختم القرآن كلَّ ليلة. وقال الإِمام أحمدُ ﵀ (٦): حجَّ وكيعٌ سبعين حجَّة، فما اتكأ، ولا نام في مَحْمِل. وقال: مَن قال: إنَّ القرآنَ مخلوق، فهو كافرٌ بالله العظيم. وكان يقول: زكاة الفطرِ لشهر رمضانَ كسجدتي السَّهو للصلاة، تَجْبُر نقصانَ الصوم كما تجبر سجدتا السهو نقصانَ الصلاة.

стр. 6187

و [قال هشام بنُ عمار:] (١) قدَّم رجلٌ رجلًا إلى شريكٍ القاضي، فادَّعى عليه بمئة ألفِ دينار، فأقرّ، فقال شريك: لو أنكر لم أقبلْ عليه إلَّا شهادةَ وكيعٍ وعبدِ الله بن نُمَير. وقال وكيع: أتيت الأعمشَ فقلت: حدِّثني، فقال: ما اسمُك؟ قلت: وكيع، قال: اسم نبيل، وما أظنُّك إلَّا سيكون لك نبأ، أين تنزل من الكوفة؟ قلت: في بني رُؤاس، قال: أين من منزل الجرَّاح بنِ مَليح؟ قلت: ذاك أبي -وكان أبي على بيت المال- فقال: اذهب وجئني بعطائي وتعالَ حتى أحدِّثَك بخمسة أحاديث، فجئت أبي وأخبرته، فقال: خذ نصفَ العطاءِ واذهب به، فإذا حدَّثك بالخمسة فخذ النصفَ الآخرَ فاذهب به حتى تكونَ عشرة، قال: فأتيتُه بنصف عطائه، فأخذه فوضعه في كفِّه ثم سكت، فقلت: حدِّثني، فأملى عليَّ حديثين، فقلت: وعدتني بخمسة، قال: فأين عطائي كلُّه؟ أَحسِبُ أنَّ أباك أمرك بهذا ولم يعلم أنَّ الأعمشَ مدرَّب قد شهد الوقائع، اذهب فجئْ بتمامه، وتعال حتى أحدِّثَك بخمسة أحاديث، فجئتُه بعطائه، فحدَّثني بخمسة أحاديث، فكنت إذا كان أوَّل كلِّ شهر آتيه بعطائه فيحدِّثني بخمسة أحاديث. أسند وكيعٌ عن أبيه، وعن سفيانَ الثوريِّ وغيرِهما، وروى عنه الإِمام أحمدُ ﵀ وغيره. واتَّفقوا على صدقه وثقته، وكان الإِمام أحمدُ يقول: عليكم بوكيع؛ فإنه حافظ حافظ، وعليكم بمصنَّفاته. وقال الإِمام أحمدُ رحمةُ الله عليه لعباس الدُّوري: لو رأيتَ وكيعًا لعلمتَ أنَّك لم ترَ مثله، وما رأت عيناي مثلَ وكيعٍ قطّ، يحفظ الحديثَ جيّدًا، ويذاكر بالفقه فيُحسن، مع ورعٍ واجتهاد، ولا يقع في أحد. وقيل للإمام أحمدَ ﵀: أيُّما أحبُّ إليك، وكيعُ بن الجرَّاح أو عبد الرَّحمن بن مَهْدي؟ فقال: أما وكيع، فصديقُه حفص بنُ غياث، ولي القضاءَ فما كلَّمه وكيع حتى مات، وأما ابنُ المهدي، فصديقه معاذُ بن معاذٍ العَنْبَري، ولي القضاءَ فما فارقه حتى مات (٢).

стр. 6188

[واختلفوا في وفاته، فحكينا عن ابن سعد: في سنة سبعٍ وتسعين ومئة، وقال الواقدي: في سنة ستٍّ وتسعين ومئة، وقال إبراهيمُ الحربي: حجَّ فأخذه البطن، فما زال به إلى فَيْد، فكان ينزل في كلِّ ميلٍ مرارًا، فمات بفَيد، ودُفن في الجبل آخرَ القبور في سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ في المحرَّم (١) وله ستٌّ وستون سنة. وقال الخطيب (٢): حدَّث وكيع وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين. قلت: وقد أخرج له جدِّي في "المنتظم" (٣) أثرًا فقال: حدَّثنا أبو منصور بنُ خَيرون بإسناده عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد (٤)، عن عبد الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا مات لم يُدفن حتى ربا بطنُه وانثنت خِنْصِراه. قال قتيبة (٥): حدَّث بهذا الحديثِ وكيعٌ وهو بمكة، وكانت سنة حجَّ فيها هارونُ الرشيد، فقدَّموه إليه، فدعا هارونُ سفيانَ بن عيينةَ وعبدَ المجيد بنَ عبد العزيز بن أبي رَوَّاد فقال: ما تقولون في هذا؟ فأما عبدُ المجيد فقال: يجب أن يُقتلَ هذا؛ لأنَّه ما رواه إلا وفي قلبه غشٌّ للنبي ﷺ ، وأما ابنُ عيينة فقال: لا يجب عليه القتل؛ لأنه رجلٌ سمع شيئًا فرواه، إنَّ المدينة شديدة الحرّ، ورسولُ الله ﷺ إنما توفِّي يومَ الإثنين ونزل في قبره ليلةَ الأربعاء؛ لأن القومَ كانوا في إصلاح أمرِ الأمَّة، واختلفت قريشٌ والأنصار؛ فلذلك تغيَّر. قلت: اعتذار سفيانَ أكبرُ من ذنب وكيع؛ لأنَّا قد روينا في صدر الكتابِ في آخر سيرةِ النَّبي ﷺ حديثَ أوس بنِ أوسٍ الثقفي، أخرجه أحمدُ في "المسند" (٦) قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ يومَ الجمعة خَلَقَ الله آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصَّعقة، فأكثروا عليَّ، من الصلاة فيه، وإنَّ صلاتكم معروضةٌ عليّ، قالوا: يا رسولَ الله،

стр. 6189

وكيف تُعرَض عليك صلاتُنا وقد أَرَمْتَ! -أي بليت- فقال: إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجسادَ الأنبياء". وأخرجه أبو داودَ في "السُّنن" (١) فكيف يتصوَّر أنه يتغيّر؟! وقد روينا عن أحمدَ في "المسند" (٢) من حديث أبي هريرةَ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما من أحدٍ يسلِّم عليَّ إلَّا ردَّ اللهُ إليَّ روحي حتى أردَّ عليه". وإذا كان البدن قد بلي واضمحلّ، فما بقي شيءٌ ترجع الروحُ إليه، وقد كان الواجبُ الإعراضَ عن رواية مثلِ هذه الآثار، التي لها في القلب آثار، ومذهبُ جماعةٍ من العلماء أنَّ النبيَّ ﷺ حيٌّ في قبره، والواجب الإقْرارُ (٣) بمثل هذا لرسول اللهِ ﷺ وتعظيمًا لقدره. قلت: ووقفت بعد هذا التاريخِ على كتابٍ من تصنيف الحافظِ أبي بكر أحمدَ بن الحسين بن عليٍّ البيهقيِّ سمَّاه كتابَ "حياة الأنبياءِ في قبورهم" بعث به إلى أبي سليمانَ خالدِ بن يوسفَ النابُلُسي المحدِّث، وهو سماعُه من … (٤) وفيه أخبار، من جُملتها ما رواه أنسٌ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الأنبياءُ أحياءٌ في قبورهم يصلُّون" (٥) وفي روايةٍ (٦) عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الأنبياءَ لا يُترَكون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون في قبورهم بين يدي الله تعالى حتى يُنفَخ في الصُّور" ومعناه: لا يُتركون ولا يصلُّون إلى هذا المقدار. ورَوَى عن سفيانَ الثوريّ قال: قال سعيدُ بن المسيَّب (٧): ما مكث نبيٌّ في قبره أكثرَ من أربعين ليلةً حتى يُرفع. وذَكَرَ حديث المعراجِ وأن نبيَّنا ﷺ مرَّ بموسى وهو قائمٌ يصلِّي في قبره، وهو في الصحيح] (٨).

стр. 6190

السَّنة السابعة والتِّسعون بعد المئة فيها لحق القاسمُ بن هارونَ بالمأمون من بغداد، ومنصورُ بن المهديِّ من البصرة، فبعث المأمونُ أخاه القاسمَ إلى جرجان، وأقام منصورٌ عنده. وفيها حاصر طاهرٌ وهَرْثَمةُ وزهير بنُ المُسَيَّب الضَّبي بغداد من كلِّ جانب، ونزل زهيرٌ بكَلْواذَى، وهرثمةُ بالنَّهْرُبِين، وطاهرٌ بباب الأنبار، وحفر الخنادق، ونصب زهيرٌ المجانيق والعرَّادات (١) ورمى بها، وبلغ من الناس كل مبلغ، وهرثمة يمدُّه بالعساكر، وجعل يَعشُر التجَّارَ (٢) في السفن ويبالغ في الفساد، [فقال شاعر من أهل الجانب الشرقيِّ في كَلْواذى في زهيرٍ وقتلِه الناسَ بالمجانيق (٣): [من المنسرح] لا تَقرَبِ المَنْجَنيقَ والحَجَرا … فقد رأيتَ القتيلَ إذ قُبرا يا صاحبَ المنجنيقِ ما فعلَتْ … كفَّاك لم تُبقيا ولاتذرا] ونزل عبيدُ الله (٤) بن الوضَّاح الشَّمَّاسِيَّة، وضايقوا بغدادَ من كلِّ جانب، وأُسقط في يدي الأمين، وتفرَّق ما كان بيده من الأموال، وضاق ذَرْعًا، وضرب ما كان في الخزائن من آنية الذهبِ والفضَّة دنانيرَ ودارهمَ وأنفقها في الجند، ورمى مَحلَّة الحَرْبيةِ بالمجانيق والنيران؛ لأنَّهم صاروا مع العدو، فقتل جماعةً من أهلها، وخرج النساءُ من الخُدور حَاسرات، فقال عَمرو بن عبد الملك: [من مجزوء الرمل] يا رُماةَ المَنْجَنيقِ … كلُّكم غيرُ شَفيقِ ما تُبالون صَديقًا … كان أو غيرَ صديق وَيْحَكم تَدرون مَن تَرْ … مون مُرَّارَ الطَّريق رُبَّ خَودٍ ذاتِ دَلِّ … وهْي كالغُصْن الوَريق

стр. 6191

لم تكن تَعرفُ باب الدَّ … ارِ من خَوفِ الشَّقيق أُخرِجَتْ من قَعْر خِدرَيـ … ـها (١) ومن عَيشٍ أنيق لم تجد من ذاك بُدًّا … أُحْرِجَت (٢) يومَ الحَريق واشتدَّت شوكة طاهرٍ على محمَّد، وتفرَّقت عنه عساكره وقوَّاده، واستولى الخرابُ والهدم والحريقُ على بغداد، ودَرَست مَحاسنُها، وكان الناسُ يبكون عليها، وأصبح ما حولَها بَلابلَ وخرابًا، وأكثر الشعراءُ فيما أصابها [فقال عَمرو بن عبد الملكِ هذه الأبيات: [من البسيط] مَن ذا أصابَكِ يا بَغدادُ بالعَيْن … ألم تكوني زَمانًا قُرَّةَ العَينِ ألم يكن فيكِ أقوامٌ لهم شَرَفٌ … بالصَّالحات وبالمَعروف يَلْقَوني ألم يكن فيكِ قومٌ كان مَسْكَنُهمْ … وكان قُربُهمْ زَينًا من الزَّين صاح الزَّمانُ (٣) بهمْ بالبَين فافترقوا … ماذا لَقِينا به من لَوْعَة البَين أستودِعُ اللهَ قومًا ما ذكرتُهمُ … إلَّا تَحَدَّر ماءُ العَين من عَيني كانوا ففرَّقهمْ دَهْرٌ وصَدَّعهمْ … والدَّهرُ يَصدَعُ ما بين الفريقَين يا مَن يُخرِّب بغدادًا ليَعمُرَها … أهلكت نفسَك ما بين الطَّريقَين لمَّا أتيتَهمُ فرَّقتهمْ فِرَقًا … والناس طُرًّا جميعًا بين قَلْبَين ورثاها جماعةٌ من الشعراء]. (٤) ولمَّا ضايق طاهرٌ بغداد، أرسل إلى أهل الأرْباضِ من باب الأنبارِ وباب الكوفةِ وغيرِها، فمَن أجابه أحسن إليه، ومن خالفه أحرق منزلَه، وسمَّى طاهر الأرباضَ التي خالفه أهلُها ومدينةَ أبي جعفرٍ والكَرْخَ وما حولها والمدينةَ الشَّرقية دارَ النّكث، وقبض ضياعَ بني هاشمٍ وغلَّاتهم، وأموال الذين في مدينة المنصور، فذَلُّوا وخَضَعوا، وتقاعدوا عن القتال، فانتدب الشُّطَّار وأهلُ السجون والأوباشُ والرَّعاع لقتال طاهرٍ

стр. 6192

في كلِّ يوم، وهو يحرق ويخرب ويهدم ما قدر عليه من القناطر وغيرِها. وفيها كانت على طاهرٍ وقعةٌ عظيمة بقصر صالح، لمَّا ضايق طاهرٌ بغداد، صابرها حتى ملَّ أهلُها من قتاله، وكان الأمينُ قد وكَّل بالجسور من ناحية قصر صالحٍ عليَّ بن فراهمرد، وعلى الجسور المجانيق والعرَّادات، فاستأمن عليٌّ إلى طاهر، وسلَّم إليه الجسورَ وما عليها، وبعث إليه الجندَ من أصحابه، وذلك ليلةَ السبت النصفَ من جُمادى الآخرة، ثم استأمن إلى طاهرٍ محمَّد بن عيسى صاحبُ شرطة محمد، وكان قد استظهر على طاهرٍ بأهل السُّجونِ والشُّطَّار، فلمَّا استأمن هذان أيقن محمَّد بالهلاك واستسلم، وجاء فوقف على باب قصرِ أمّ جعفر، وجاء طاهرٌ وأصحابه، وغضب لمحمَّد الشطارُ والعيَّارون (١)، فقاتلوا عنه داخل قصرِ صالح إلى ارتفاع النهار، فقتلوا أعيانَ أصحابِ طاهر، منهم الباذَغِيسيُّ وجماعةٌ من القواد، ورجع طاهرٌ بمن بقي معه مُنهزمين، ولم يكن على طاهرٍ وَقْعةٌ أشدُّ منها، قُتل معظم أصحابِه وجُرح البعض، وسُرَّ محمَّد، وفرَّق في الشطَّار أموالًا، فقال الخَليع: [من مجزوء الوافر] أمينَ الله ثِقْ باللـ … ــــه تُعْطَ الصَّبرَ والنُّصْرَهْ كِلِ الأمرَ إلى الله … كَلاكَ اللهُ ذو القُدره لنا النَّصرُ بعَوْن اللـ … ــــهِ (٢) والكَرَّةُ لا الفَرَّه وللمُرَّاق أعدائـ … ك يومُ السَّوء والدَّبْره وكأسٌ تَلْفِظُ المَوتَ … كَريهٌ طَعْمُها مُرَّه سُقينا وسَقيناهمْ … ولكنْ بهم الحَرَّه كذاك الحربُ أحيانًا … علينا ولنا مرَّه ولما تمَّ على طاهرٍ ما تمّ، كاتب القوَّاد والهاشميين، فلحق به جماعة، منهم عبدُ الله بن حُمَيد بن قَحْطَبة الطائي وإخوتُه، وولد الحسنِ بن قحطبة، ويحيى بنُ عليِّ بن

стр. 6193

ماهان، وغيرهم. وأقبل محمَّد بعد وقعة طاهرٍ على اللهو والشرب، وفوَّض أموره إلى محمَّد بن عيسى بن نَهيك وإلى الهِرْش (١)، يحفظا الأبواب والفُرَض (٢) والأرباضِ وسوق الكَوْخ وما والاها. وفيها كانت وقعةُ الشمَّاسِيَّة، كان هَرْثَمَةُ كارهًا لحرب محمَّد، وكان يأتي أحيانًا فيقف بباب خُراسانَ، فيَشتُمه الجُندُ وأهل العسكر، وكان الأمينُ قد قدَّم على العُراة والشطَّار حاتمَ بن الصَّقْر، فبيَّت عُبيد الله بن الوضَّاح ليلًا، فانهزم وترك خيلَه وسلاحَه ومتاعه، فنهبه حاتمٌ والعُراة، فأقبل هَرْثَمَةُ في نُصرته، ونشبت الحرب، فأسمر رجلٌ من العراة هَرْثَمَةَ ولم يعرفه، فحمل بعضُ أصحاب هَرْثَمَةَ على الرجل، فقطع يدَه وخلَّصه منه، فانهزم هَرْثَمَة، ومضى أصحابُه إلى طريق حُلوانَ مُنْهَزمين، وحال بين هَرْثَمَةَ وأصحابِ محمَّد الليلُ عن الطلب، ولم يرجع إلى هَرْثَمَةَ أصحابُه إلَّا بعد يومين. وقوي الشطَّار بما أصابوا من مال هَرْثَمَةَ وابنِ الوضَّاح، وبلغ طاهرًا، فاشتدَّ ذلك عليه، وعقد جسرًا فوق الشمَّاسية على دجلة، وكان قد استولى على بغدادَ، وقطع القَنْطَرَتين اللتين على الصَّراة بباب البصرة، ثم وجَّه أصحابه فعبروا إلى الشماسية على الجسر، وقاتلوا أصحابَ محمَّد قتالًا شديدًا، فأزالوهم عن الشماسية، وعاد إليها جندُ هَرْثَمَة، وأحرقوا لمحمَّد بالشماسية قُصورًا غَرِم عليها عشرين ألفَ ألفِ درهم، وبلغ محمَّدًا فشقَّ عليه، وقال أو قيل على لسانه: [من الوافر] مُنيتُ بأشْجَعِ الثَّقَلَينِ قَلْبًا … تزول له الجبالُ ولا يزولُ (٣) فليس بمُغْفِلٍ أمرًا عَناه … إذا ما الأمرُ ضَيَّعه الغَفول له مع كلِّ ذي بَدَنٍ رَقيبٌ … يُشاهدُه ويَعلَمُ ما يقول إذا ما الرَّأيُ قَصَّر عن أُناسٍ … فرأيُ الأعورِ الباغي يَطولُ يعني طاهرًا.

стр. 6194

وضَعُف أمر محمَّد، وفَرَغَت خزائنُه، وأيقن بالهلاك، وهرب عبد الله بنُ خازم بنِ خُزَيمةَ (١) إلى المَدائن؛ لأن محمَّدًا اتَّهمه وسلَّط عليه الغَوْغاء، فأقام بالمدائن حتى انقضى أمرُ بغداد. وقيل: إنَّ طاهرًا كتب إليه وخوَّفه. وبينما محمد يومًا جالسٌ في قصره، إذ سمع ضَجَّة على باب القصرِ وضجَّةً في عسكر طاهر، فقال: ما هذا؟ قالوا: الجندُ على بابك يطلبون أرزاقَهم وأصحابُ طاهرٍ قد ظفروا، فقال: قاتل اللهُ الفريقين معًا، أمَّا الذين معي فيريدون مالي، وأمَّا الذين عليَّ فيريدون دمي. ودخلت عليه أمُّه زبيدةُ باكية، فقال: يا أمَّاه، ليس بجَزَع النساءِ تُشفى الصُّدورُ وتُساس الأمور، وللخلافة سياسةٌ تلين مرةً وتَخْشُن أخرى، لا تَسَعُها القلوبُ، ولا تُحْفَظ بالإضاعة. وأيقن محمَّد بالهلاك وطاهرٌ بالظَّفَر. وحجَّ بالناس العباسُ بن موسى بنِ عيسى، بعثه طاهرٌ بأمر المأمون، وكان على مكةَ والمدينةَ داود بنُ عيسى. فصل وفيها توفي بَقيَّة بنُ الوليد ابن صائد بنِ كعب، أبو محمَّد، وقيل: أبو يُحْمِد -بضمِّ الياء- الكَلاعي. [ذكره ابن سعدٍ (٢) في] الطبقة السادسةِ من أهل الشام، وكان ثقةً في روايته عن الثقات، ضعيفًا عن غيرهم [، ومات في سنة سبع وتسعين ومئة. وهذا قول ابن سعد، وقال غيره:] وُلد سنةَ عشر ومئة. [وقال البخاري كنيته أبو يُحْمِد. (٣) وقال الخطيب:] وقدم بغدادَ وحدَّث بها (٤).

стр. 6195

ودخل على شعبةَ فلم يلتفت إليه، فسئل شعبةُ عن رجلٍ ضُرب في رأسه، فادَّعى المضروبُ أنه ذهب شَمُّه، فلم يكن عند شعبةَ ولا أصحابِه جواب، فقال بقية: يُدَقُّ الخَرْدَلُ وَيشَمُّه، فإن دمعت عيناه فهو كاذب، وإن لم تدمعْ أُعطي الدِّيَة. فقرَّبه شعبةُ وأسمعه الحديث (١). ومات بقيةُ بحمصَ في هذه السَّنة، وقيل: في سنة ثمانٍ أو تسعٍ وتسعين (٢). أسند عن خلقٍ كثير، منهم إبراهيمُ بن أدهمَ والأوزاعيُّ ومالك بنُ أنس وغيرهم، وروى عنه سفيانُ بن عيينةَ (٣) وغيره، وأخرج له مسلمٌ حديثًا واحدًا، وقد تكلَّموا فيه. [وقال الحافظ ابن عساكر: كان له ابن اسمه عطية قال:] (٤) دخل أبي يومًا على هارون، فقال له: يا بقية، إنِّي أحبُّك فحدِّثني، لقال: حدَّثني محمَّد بنُ قلادٍ الأَلْهاني، عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ قال. قال رسول الله ﷺ : "وعدني ربِّي أن يُدخلَ الجنةَ من أمَّتي سبعين ألفًا، مع كلِّ واحدٍ سبعين ألفًا، وثلاثَ حَثَيات من حثيات ربِّي" (٥) فامتلأ هارونُ فرحًا وقال: يا غلام، ناولني الدواةَ لأكتبها، وكان الفضلُ بن الربيع بعيبهًا عن هارون، فقال له الفضل: يا بقية، ناول أميرَ المؤمنين الدواة، فقال: ناوله أنت يا هامان، فقال الفضل: أسمعت يا أميرَ المؤمنين ما قال:! فقال له: اسكت، فما كنتَ عنده هامانَ حتى كنت أنا فرعون. وقال قوم: الحاصلُ أن بقيةَ كان ثقة صدوقًا، وإنَّما كان يُدَلِّس بقَصْد ترويجِ حديثه لعلوِّ الإسناد. شُعَيب بن حَرْب أبو صالحٍ المدائنيُّ الزَّاهد (٦). كان من أبناء خُراسان، وكان يُعَدُّ من أهل بغداد،

стр. 6196

فتحوَّل إلى المدائن فنزلها واعتزل بها، وكان ثقة له فضل، ثم خرج إلى مكةَ فنزلها إلى أن مات بها. وقال طيِّب بن إسماعيل: ذهبنا إلى المدائن إلى شُعيب بنِ حَرْب، وكان قاعدًا على شطِّ دِجلةَ قد بنى كوخًا وله خبزٌ مُعَلَّق، وإنما كان جِلْدًا وعَظْمًا، فقال: أرى ها هنا بعدُ لحمًا، واللهِ لأعملنَّ في ذَوَبانه حتى أدخلَ القبر وأنا عظامٌ تَتَقَعْقَع، أريد السِّمنَ للدود والحيَّات؟! فبلغ الإمامَ أحمد ﵀ قولُه فقال: شعيب بنُ حرب حمل على نفسِه في الوَرَع. وجاء رجلٌ إليه وهو بمكَّة، فقال: ما جاء بك؟ فقال: جئت أؤنسك، قال: جئتَ تؤنسني وأنا أُعالج الوَحْدةَ منذ أربعين سنة؟!. قال شعيب: لا تجلس إلَّا إلى أحد رجلَين: رجل يعلِّمك خيرًا فتقبل منه، أو رجل تعلِّمه خيرًا فيقبل منك، والثالثُ اهرب منه. وقال ابنُ ناصر (١): خرج قومٌ من بغداد إلى المدائن لزيارة شعيب، فأقاموا عنده يستقون الماء، فلم يرجعوا إلى دُورهم، فكان شعيبٌ يقول لبعضهم: لو رآك سفيان الثوريُّ لقرَّت عينه. وخرج إلى مكَّة، وحجَّ في تلك السُّنةِ هارون، فإذا به في الطريق، فناداه شعيب: يا هارون، أتعبتَ الناسَ والبهائم، فقال: خذوه، فلمَّا نزل دعاه وقال: ما الذي أقدمك عليَّ؟ قال: حقٌّ وجب عليَّ لله تعالى، قال: فلمَ دعوتني [باسمي] (٢)؟ قال ما أنت خيرٌ من محمَّد ﷺ وقد سمَّاه اللهُ باسمه، وكنى عدوَّه أبا لهب. وقال: مَن أراد الدُّنيا فلْيَتَهيَّأ للذُّلِّ. وأراد أن يتزوَّج امرأة، فقال لها: أنا سيِّئ الخُلق، فقالت: أسوأُ خُلُقًا منك مَن أحوجك إلى أن تكونَ سيِّئَ الخلق، فقال: أنتِ إذن امرأتي. وقال: مَن طلب الرِّئاسةَ ناطَحَتْه الكِباش، ومَن رضي أن يكونَ ذَنَبًا أبي اللهُ إلَّا أن يجعلَه رأسًا.

стр. 6197

وقال سَرِيٌّ السَّقَطي: أربعةٌ طلبوا الحلال وجَدُّوا فيه: وهَيب بن الوَرْد، وشُعَيبُ بن حَرْب، ويوسُفُ كان أسباط، وسالمٌ (١) الخوَّاص. أسند شعيبٌ عن شعبةَ والثوريِّ وزهير بنِ معاوية، وروى عنه الإمام أحمدُ ﵀ وابن مَعين وابنُ المديني (٢)، وكان من الثِّقات العلماءِ، الآمرين بالمعروف، المُدَقِّقين في طلب الحلال. عبدُ الله بن وَهْب ابنِ مسلم أبو محمَّد، مولى قريش (٣). [ذكره ابنُ سعد] في الطبقة السادسةِ من أهل مصر [وقال:] كان كثيرَ العلم، ثقةً فيما قال [: حدثنا] (٤) وكان يُدَلِّس. [وهذا قول ابن سعد، وقال غيره:] وُلد سنةَ خمس وعشرين ومئة في ذي القَعدة، وطلب العلمَ وهو ابن سبعَ عشرةَ سنة، وكان إمامًا عالمًا زاهدًا وَرِعًا. [قال أبو نُعيم الأصفهانيُّ (٥) بإسناده إلى أحمدَ بن سعيدٍ الهَمْدانيِّ قال:] دخل [ابنُ وهب] الحمَّام، فسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] فسقط مغشيًّا عليه، فغُسلت عنه النُّوْرَة وهو لا يَعْقِل. [قلت: وقولُه: وغُسلت عنه النُّورة، يعني الكلس والزرنيخ؛ لأنَّ السلف كانوا يستعملونها ويقصدون السُّنَّة؛ فإنَّ في حديث عائشةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان تَنَوَّرَ (٦). وقال أبو عبد الله الحاكم: سمعتُ أبا إسحاقَ المُزَكِّي (٧) يقول: سمعت محمَّدَ بن

стр. 6198

المسيب يقول: سمعت يونسَ بن عبدِ الأعلى يقول: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب] في ولايته القضاء على مصر، فجنَّن نفسه ولزم البيت، فاطَّلع عليه رِشدين بنُ سعدٍ من السطح (١) فقال: يا أبا محمَّد، ألا تخرج إلى الناس فتحكم بينهم كما أمر الله ورسوله؟! فقال له: ويحك إلى ها هنا انتهى عقلُك! أما علمت أنَّ القضاةَ يُحشَرون يوم القيامة مع السلاطين، والعلماءَ مع الأنبياء؟! [وفي رواية: مع النبيين.] وكانت وفاته بمصر في شعبان. [وروى أبو نُعيمٍ قال:] قُرئ [على عبد الله بنِ وهب] (٢) كتاب فيه أهوالُ القيامة، فخرَّ مَغْشيًّا عليه، فأقام أيامًا لا يتكلَّم بكلمةٍ حتى مات. أسند عن الثوريِّ ومالك بنِ أنس وشعبةَ وغيرهم. قاضي جَبُّل واسمُه عبد الرَّحمن بن مُسْهِر بنِ عمرو، أبو الهيثم الكوفي (٣). قال: ولَّاني أبو يوسفَ القضاءَ على جَبُّلَ -وهي قريةٌ بين بغدادَ وواسِط- وبلغني أن الرشيدَ منحدرٌ إلى البصرة، فسألت أهل جَبُّل أن يُثنوا عليَّ عند أميرِ المؤمنين، فوعدوني أن يفعلوا ذلك إذا انحدر، فلمَّا قَرُب منا سألتهم الحُضور، فلم يفعلوا وتفرَّقوا، فلمَّا آيسوني من أنفسهم سرَّحتُ لحيتي، وخرجت فوقفت له، فوافى وأبو يوسفَ معه في الحَرَّاقة، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، نِعمَ القاضي قاضي جَبُّل، قد عدل فينا، وفعل وصنع، وجعلت أُثني على نفسي، ورآني أبو يوسف، فطأطأ رأسَه وضحك، فقال له الرشيد: ممَّ ضحكت؟ فقال: إنَّ المُثني على القاضي هو القاضي، فضحك هارونُ حتى فَحَص برجليه، وقال: شيخٌ سخيف سَفِلة فاعزله. فعزلني، فلمَّا رجع جعلت أختلف إليه وأسأله أن يولِّيني قضاءَ ناحيةٍ أخرى، فلم يفعل، فحدَّثت

стр. 6199

الناس عن مُجالدِ، عن الشَّعبيِّ أن كُنية الدجَّال أبو يوسف، وبلغه ذلك فقال: هذه بتلك فحسبُك، وصِرْ إليَّ حتى أولِّيَك ناحية أخرى، وفعل، فأمسكتُ عنه. حدَّث عن هشام بنِ عروةَ وغيرِه، وقد تكلَّموا فيه. وَرْش المُقرئ أبو سعيد، عثمانُ (١) بن سعيد. أخذ القراءةَ عن نافع، وهو أحد الأئمَّة في القراءة، واختياراتُه مشهورة، ووفاتُه بمصر، وهو من الأئمَّة الأبدال. * * *

стр. 6200

السَّنة الثامنة والتِّسعون بعد المئة فيها استأمن خُزَيمةُ بن خازم إلى طاهر، وملك هَرْثَمَةَ جانب بغدادَ الشرقي، واستأمن إلى طاهرٍ محمَّد بن عليِّ بن عيسى بن ماهانَ وقوَّادُ محمَّد، وكان طاهرٌ قد كاتبهم ورغَّبهم، وخوَّفهم وهدَّدهم، وعلموا أنَّ محمَّدًا قد ضعف، وأنه لم يبقَ له حيلة. فلمَّا كانت ليلةُ الأربعاءِ لثمانٍ بقين من المحرم، قطع خُزَيمةُ ومحمَّد بن عليٍّ الجسر، وخلعا محمَّدًا، ودعَوَا للمأمون، وغدا طاهرٌ إلى بغدادَ بعساكره، فضايقها وباشر القتال بنفسه، وأحاط بمدينة أبي جعفر، وأخلَوا قصر الخُلْد وقصرَ زُبَيدة، ونصب طاهرٌ المجانيق على السُّور، فكانت الحجارةُ تصل إلى محمَّد، وتفرَّق عنه أصحابه، وخرج نساؤه وجواريه سارحاتٍ في الأزقَّة والسِّكك، وتفرَّق الغَوْغاء والسَّفِلة، وأمر محمَّد ببُسطه وآلاته فأُحرقت، وغرق في الصَّراة (١) خلقٌ كثير من أصحاب محمَّد، وتحصَّن بمدينة أبي جعفر، وثبت معه على قتال طاهرٍ حاتمُ بن الصَّقْر والهِرْش (٢)، وأخذ طاهرٌ عليه الأبواب، وقطع عنه الخبزَ والماء. قال طارقٌ الخادم: جاع محمَّد يومًا وهو مَحْصور، فسألني أن أُطعمه شيئًا، فدخلت المطبخ فلم أجد شيئًا، فجئت إلى جَمْرةَ وكانت جاريةَ الجوهر، فقلت لها: إن أميرَ المؤمنين جائع، فهل عندكِ شيء؟ فقالت لجاريةٍ لها: أَيش عندك؟ فقالت: دجاجةٌ ورغيف، فأتيته بهما، فأكل منهما وطلب ماءً يشربه فلم يجد في الخزانة ماء، فصبر وخرج في تلك الليلةِ إلى هَرْثَمَة، فقُتل ولم يشرب. وقال إبراهيم بنُ المهدي: لما نزل طاهرٌ على بغداد، اشتغل محمَّد بما هو فيه عن الشُّرب وغيره، وكان قبل ذلك يجلس للنُّدماء، ويسمع الغناءَ، ويُطلق الجوائز. وقال أبو الحسن المدائني: ولمَّا كان ليلة الجمعة لسبعٍ بقين من المحرَّم سنة ثمانٍ وتسعين ومئة، دخل محمَّد مدينةَ السلام هاربًا من قصر الخُلد ممَّا كان يصل إليه من
следующие страницы →