← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

فتحوَّل إلى المدائن فنزلها واعتزل بها، وكان ثقة له فضل، ثم خرج إلى مكةَ فنزلها إلى أن مات بها. وقال طيِّب بن إسماعيل: ذهبنا إلى المدائن إلى شُعيب بنِ حَرْب، وكان قاعدًا على شطِّ دِجلةَ قد بنى كوخًا وله خبزٌ مُعَلَّق، وإنما كان جِلْدًا وعَظْمًا، فقال: أرى ها هنا بعدُ لحمًا، واللهِ لأعملنَّ في ذَوَبانه حتى أدخلَ القبر وأنا عظامٌ تَتَقَعْقَع، أريد السِّمنَ للدود والحيَّات؟! فبلغ الإمامَ أحمد ﵀ قولُه فقال: شعيب بنُ حرب حمل على نفسِه في الوَرَع. وجاء رجلٌ إليه وهو بمكَّة، فقال: ما جاء بك؟ فقال: جئت أؤنسك، قال: جئتَ تؤنسني وأنا أُعالج الوَحْدةَ منذ أربعين سنة؟!. قال شعيب: لا تجلس إلَّا إلى أحد رجلَين: رجل يعلِّمك خيرًا فتقبل منه، أو رجل تعلِّمه خيرًا فيقبل منك، والثالثُ اهرب منه. وقال ابنُ ناصر (١): خرج قومٌ من بغداد إلى المدائن لزيارة شعيب، فأقاموا عنده يستقون الماء، فلم يرجعوا إلى دُورهم، فكان شعيبٌ يقول لبعضهم: لو رآك سفيان الثوريُّ لقرَّت عينه. وخرج إلى مكَّة، وحجَّ في تلك السُّنةِ هارون، فإذا به في الطريق، فناداه شعيب: يا هارون، أتعبتَ الناسَ والبهائم، فقال: خذوه، فلمَّا نزل دعاه وقال: ما الذي أقدمك عليَّ؟ قال: حقٌّ وجب عليَّ لله تعالى، قال: فلمَ دعوتني [باسمي] (٢)؟ قال ما أنت خيرٌ من محمَّد ﷺ وقد سمَّاه اللهُ باسمه، وكنى عدوَّه أبا لهب. وقال: مَن أراد الدُّنيا فلْيَتَهيَّأ للذُّلِّ. وأراد أن يتزوَّج امرأة، فقال لها: أنا سيِّئ الخُلق، فقالت: أسوأُ خُلُقًا منك مَن أحوجك إلى أن تكونَ سيِّئَ الخلق، فقال: أنتِ إذن امرأتي. وقال: مَن طلب الرِّئاسةَ ناطَحَتْه الكِباش، ومَن رضي أن يكونَ ذَنَبًا أبي اللهُ إلَّا أن يجعلَه رأسًا.

стр. 6197

وقال سَرِيٌّ السَّقَطي: أربعةٌ طلبوا الحلال وجَدُّوا فيه: وهَيب بن الوَرْد، وشُعَيبُ بن حَرْب، ويوسُفُ كان أسباط، وسالمٌ (١) الخوَّاص. أسند شعيبٌ عن شعبةَ والثوريِّ وزهير بنِ معاوية، وروى عنه الإمام أحمدُ ﵀ وابن مَعين وابنُ المديني (٢)، وكان من الثِّقات العلماءِ، الآمرين بالمعروف، المُدَقِّقين في طلب الحلال. عبدُ الله بن وَهْب ابنِ مسلم أبو محمَّد، مولى قريش (٣). [ذكره ابنُ سعد] في الطبقة السادسةِ من أهل مصر [وقال:] كان كثيرَ العلم، ثقةً فيما قال [: حدثنا] (٤) وكان يُدَلِّس. [وهذا قول ابن سعد، وقال غيره:] وُلد سنةَ خمس وعشرين ومئة في ذي القَعدة، وطلب العلمَ وهو ابن سبعَ عشرةَ سنة، وكان إمامًا عالمًا زاهدًا وَرِعًا. [قال أبو نُعيم الأصفهانيُّ (٥) بإسناده إلى أحمدَ بن سعيدٍ الهَمْدانيِّ قال:] دخل [ابنُ وهب] الحمَّام، فسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] فسقط مغشيًّا عليه، فغُسلت عنه النُّوْرَة وهو لا يَعْقِل. [قلت: وقولُه: وغُسلت عنه النُّورة، يعني الكلس والزرنيخ؛ لأنَّ السلف كانوا يستعملونها ويقصدون السُّنَّة؛ فإنَّ في حديث عائشةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان تَنَوَّرَ (٦). وقال أبو عبد الله الحاكم: سمعتُ أبا إسحاقَ المُزَكِّي (٧) يقول: سمعت محمَّدَ بن

стр. 6198

المسيب يقول: سمعت يونسَ بن عبدِ الأعلى يقول: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب] في ولايته القضاء على مصر، فجنَّن نفسه ولزم البيت، فاطَّلع عليه رِشدين بنُ سعدٍ من السطح (١) فقال: يا أبا محمَّد، ألا تخرج إلى الناس فتحكم بينهم كما أمر الله ورسوله؟! فقال له: ويحك إلى ها هنا انتهى عقلُك! أما علمت أنَّ القضاةَ يُحشَرون يوم القيامة مع السلاطين، والعلماءَ مع الأنبياء؟! [وفي رواية: مع النبيين.] وكانت وفاته بمصر في شعبان. [وروى أبو نُعيمٍ قال:] قُرئ [على عبد الله بنِ وهب] (٢) كتاب فيه أهوالُ القيامة، فخرَّ مَغْشيًّا عليه، فأقام أيامًا لا يتكلَّم بكلمةٍ حتى مات. أسند عن الثوريِّ ومالك بنِ أنس وشعبةَ وغيرهم. قاضي جَبُّل واسمُه عبد الرَّحمن بن مُسْهِر بنِ عمرو، أبو الهيثم الكوفي (٣). قال: ولَّاني أبو يوسفَ القضاءَ على جَبُّلَ -وهي قريةٌ بين بغدادَ وواسِط- وبلغني أن الرشيدَ منحدرٌ إلى البصرة، فسألت أهل جَبُّل أن يُثنوا عليَّ عند أميرِ المؤمنين، فوعدوني أن يفعلوا ذلك إذا انحدر، فلمَّا قَرُب منا سألتهم الحُضور، فلم يفعلوا وتفرَّقوا، فلمَّا آيسوني من أنفسهم سرَّحتُ لحيتي، وخرجت فوقفت له، فوافى وأبو يوسفَ معه في الحَرَّاقة، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، نِعمَ القاضي قاضي جَبُّل، قد عدل فينا، وفعل وصنع، وجعلت أُثني على نفسي، ورآني أبو يوسف، فطأطأ رأسَه وضحك، فقال له الرشيد: ممَّ ضحكت؟ فقال: إنَّ المُثني على القاضي هو القاضي، فضحك هارونُ حتى فَحَص برجليه، وقال: شيخٌ سخيف سَفِلة فاعزله. فعزلني، فلمَّا رجع جعلت أختلف إليه وأسأله أن يولِّيني قضاءَ ناحيةٍ أخرى، فلم يفعل، فحدَّثت

стр. 6199

الناس عن مُجالدِ، عن الشَّعبيِّ أن كُنية الدجَّال أبو يوسف، وبلغه ذلك فقال: هذه بتلك فحسبُك، وصِرْ إليَّ حتى أولِّيَك ناحية أخرى، وفعل، فأمسكتُ عنه. حدَّث عن هشام بنِ عروةَ وغيرِه، وقد تكلَّموا فيه. وَرْش المُقرئ أبو سعيد، عثمانُ (١) بن سعيد. أخذ القراءةَ عن نافع، وهو أحد الأئمَّة في القراءة، واختياراتُه مشهورة، ووفاتُه بمصر، وهو من الأئمَّة الأبدال. * * *

стр. 6200

السَّنة الثامنة والتِّسعون بعد المئة فيها استأمن خُزَيمةُ بن خازم إلى طاهر، وملك هَرْثَمَةَ جانب بغدادَ الشرقي، واستأمن إلى طاهرٍ محمَّد بن عليِّ بن عيسى بن ماهانَ وقوَّادُ محمَّد، وكان طاهرٌ قد كاتبهم ورغَّبهم، وخوَّفهم وهدَّدهم، وعلموا أنَّ محمَّدًا قد ضعف، وأنه لم يبقَ له حيلة. فلمَّا كانت ليلةُ الأربعاءِ لثمانٍ بقين من المحرم، قطع خُزَيمةُ ومحمَّد بن عليٍّ الجسر، وخلعا محمَّدًا، ودعَوَا للمأمون، وغدا طاهرٌ إلى بغدادَ بعساكره، فضايقها وباشر القتال بنفسه، وأحاط بمدينة أبي جعفر، وأخلَوا قصر الخُلْد وقصرَ زُبَيدة، ونصب طاهرٌ المجانيق على السُّور، فكانت الحجارةُ تصل إلى محمَّد، وتفرَّق عنه أصحابه، وخرج نساؤه وجواريه سارحاتٍ في الأزقَّة والسِّكك، وتفرَّق الغَوْغاء والسَّفِلة، وأمر محمَّد ببُسطه وآلاته فأُحرقت، وغرق في الصَّراة (١) خلقٌ كثير من أصحاب محمَّد، وتحصَّن بمدينة أبي جعفر، وثبت معه على قتال طاهرٍ حاتمُ بن الصَّقْر والهِرْش (٢)، وأخذ طاهرٌ عليه الأبواب، وقطع عنه الخبزَ والماء. قال طارقٌ الخادم: جاع محمَّد يومًا وهو مَحْصور، فسألني أن أُطعمه شيئًا، فدخلت المطبخ فلم أجد شيئًا، فجئت إلى جَمْرةَ وكانت جاريةَ الجوهر، فقلت لها: إن أميرَ المؤمنين جائع، فهل عندكِ شيء؟ فقالت لجاريةٍ لها: أَيش عندك؟ فقالت: دجاجةٌ ورغيف، فأتيته بهما، فأكل منهما وطلب ماءً يشربه فلم يجد في الخزانة ماء، فصبر وخرج في تلك الليلةِ إلى هَرْثَمَة، فقُتل ولم يشرب. وقال إبراهيم بنُ المهدي: لما نزل طاهرٌ على بغداد، اشتغل محمَّد بما هو فيه عن الشُّرب وغيره، وكان قبل ذلك يجلس للنُّدماء، ويسمع الغناءَ، ويُطلق الجوائز. وقال أبو الحسن المدائني: ولمَّا كان ليلة الجمعة لسبعٍ بقين من المحرَّم سنة ثمانٍ وتسعين ومئة، دخل محمَّد مدينةَ السلام هاربًا من قصر الخُلد ممَّا كان يصل إليه من

стр. 6201

حجارة المجانيق، وأمر بمَجالِسِه وبُسُطه أن تُحْرقَ فأحرقت. وفيها (١) قُتل محمَّد الأمين وولي المأمون. الباب السابع في خلافة المأمون هو عبدُ الله بن هارونَ الرشيد، المأمونُ على دِين الله، وكنَّاه أبوه أبا العباس، فلمَّا ولي الخلافةَ اكتنى بأبي جعفر، لِعظَم المنصور عندهم تفاؤلًا بطول عمره، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها مراجل، تركية، وقيل: رومية، وقيل: باذَغيسية، ومولدُه بقصر الخُلْدِ ببغداد، وقيل: بالياسِريَّة، منتصفَ ربيع الأوَّل سنةَ سبعين ومئة، وماتت أمُّه في نِفاسها، وقيل: بعد ولادتِه بأيام، فضمَّه هارون إلى سعيدٍ الجوهريِّ مولاهم، فأرضعته امرأته حيةُ بلِبان ابنها يحيى بنِ سعيد، ثم ترعرع، فجمع له أبوه العلماءَ من الآفاق، وأدَّبه أبو محمَّد اليزيدي، وبرع في العلوم، وحفظ القرآنَ والحديثَ والفقه والعربيةَ والطبَّ والنجوم وعلومَ الأوئل، فأُعجب به أبوه، واستخلفه على الرقَّة لما غزا الرومَ سنةَ إحدى وثمانين ومئةٍ وهو ابن إحدى عشرة سنة، ثم غزا معه هِرَقْلةَ سنة إحدى وتسعين أو سنة تسعين ومئة. [وحكى الخطيب (٢) عن القاسم بنِ محمَّد بن عبادٍ قال: سمعت أبي يقول:] لم يحفظ القرآنَ من الخلفاء سوى اثنين: عثمان بن عفان، والمأمون (٣). [ذكر صفة المأمون: روى ابنُ أبي الدنيا أنَّه كان] رَبعَة (٤) أبيضَ طويلَ اللحية، في عينيه كسرة، تعلوه صُفرة، على خدِّه خالٌ أسود، قد وَخَطَهُ الشيب. وقيل: كانت ساقاه من دون جسده صفراوين كأنَّهما طُليا بزَعْفَران. و [قال الهيثم:] كان أحول، وسمِّي المحدود، وسببُه أنَّه دخل يومًا (٥) على أبيه

стр. 6202

وعنده جاريةٌ تغني، فلَحَنت، فكسر المأمونُ عينه، فظنَّ أبوه أنَّه قد غَمزها، فتغير وجه هارونَ وضربه عشرين سَوطًا. وقيل: إنَّ الجارية كانت تصبُّ على يد هارونَ الماء، فنظر إليها المأمون، فظنَّ أبوه أنَّه يغمزها فضربه (١). ذِكر بيعته: [ذكر عليّ بن الجَعْد قال:] كانت له بَيعة في حياة أخيه بخُراسانَ عند مقتل ابنِ ماهان، وبيعة بعد مقتل أخيه في ذي الحجة (٢) سنة ثمانٍ وتسعين ومئة. ولمَّا بويع كان له تسعٌ وعشرون سنة (٣). وكان (٤) غزيرَ العقل، كبيرَ الفضل، وافرَ العفو، حسنَ التدبير، [كان] يختم القرآنَ في شهر رمضان ستين ختمة (٥) [أما سمعتم في صوته بُحَّة؛ لأنَّ اليزيديَّ كان في أذنه صَمَم، فكان يرفع صوتَه ليسمعَه، وكان يقرأ عليه]. ولما قُتل أخوه محمَّد استقامت له الدنيا [وسنذكر تمامَ ترجمة المأمونِ فيما بعد] (٦). ولمَّا بويع بالخلافة ولَى الحسن بنَ سَهْل جميع ما افتتحه طاهرٌ من فارسَ والبصرةِ والكوفة والأهواز والحجازِ واليمن وبغداد، وكتب إلى طاهرٍ أن يسلِّمَ ذلك الحسنَ، ويتوجَّهَ إلى الرقة لحرب نصرِ بن شَبَث (٧)، وولى طاهرًا الجزيرةَ والشامَ والمغرب. ولما ولَّى المأمونُ الحسنَ بن سهلٍ الأماكن التي ذكرناها، لم يَقدَم من خُراسان، بل

стр. 6203

وجَّه عليَّ بن سعيدٍ الوَرَّاق (١) نائبًا عنه، فدافع طاهرٌ بتسليم الخراجِ إليه حتى وفَّى الجُنْدَ أرزاقَهم، ثم سلَّم إليه العمل، وكتب المأمونُ إلى هَرْثَمَةَ أن يلحقَ به بخُراسان. ولما قُتل الأمين خرج خارجيٌّ يقال له: الهِرْش (٢)، وانضمَّ إليه خلقٌ كثير، فجبى العراقَ وأخذ أموال التجار وغيرَها، وأقام بالنِّيل من أرض العراقِ فقُتل. وحجَّ بالناس العباسُ بن موسى بنِ عيسى بن موسى بن محمَّد بن علي. فصل وفيها توفي سفيانُ بن عُيَيْنة ابنِ أبي عِمْران، أبو محمَّد الهِلالي. [ذكره ابنُ سعد] (٣) في الطبقة الخامسةِ من أهل مكَّة، وهو مولى بني عبدِ الله بن رُوَيبة من بني هلال بنِ عامر بن صَعْصَعة. [وقال غيرُ ابن سعد:] (٤) هو مولًى لبني هاشم. وقيل: مولى للضحَّاك بن مزاحم. وقيل: مولى مِسعَر بن كِدَام. [وحكى ابنُ سعد عن الواقدي قال: أخبرني سفيانُ بن عيينةَ أنه، وُلد سنةَ سبعٍ ومئة بالكوفة، ثم نقله أبوه إلى مكَّة، وكان أصلُه من الكوفة، وأبوه من عمَّال خالد [بنِ عبس الله] القَسرِي، فلما عُزل خالد عن العراق وولي يوسفُ بن عمرَ الثقَفي هرب منه، فلحق بمكَّة فنزلها. وكان سفيانُ إمامًا مقدَمًا على الأئمَّة، حافظًا متْقِنًا. قال: لمَّا بلغتُ (٥) خمسَ عشرةَ

стр. 6204

سنةً دعاني أبي فقال: يا سفيان، قد انقطعت عنك شرائعُ الصّبا، فاحتفظ بالخير تكن من أهله، ولا يَغُرَّنك من اغترَّ بالله فمدحك بما تعلم خلافَه منك؛ فإنَّه ما من أحدٍ يقول في أحدٍ من الخير إذا رضي إلَّا وهو يقول فيه من الشرِّ مثل ذلك إذا سَخط، فاستأنس بالوحدة من جلساءِ السوء، ولن يسعدَ بالعلماء إلَّا مَن أطاعهم. قال: فجعلتُ وصيةَ أبي نُصبَ عيني. وقال النَّضر الهِلاليّ: كنت (١) في مجلس ابنِ عيينة، فدخل صبيٌّ إلى المسجد، فتهاونوا به لصغر سِنِّه، فقال سفيان: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]. ثم قال لي: يا نضر، لو رأيتني ولي عشرُ سنين، طولي خمسةُ أشبار، ووجهي كالدِّينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صِغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلاي كآذان الفار، اختلف إلى علماءِ الأمصار، مثل الزُّهريِّ وعَمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، مِحبرتي كالجوزة، ومقلَمتي كالموزة، وقلمي كاللَّوزة، فإذا دخلت المجلسَ قالوا: وسِّعوا للشيخ الصغير. ثم تبسم ابن عيينةَ وضحك. وقال بِشْر بن مَطَر (٢): كنَّا على باب سفيانَ بن عُيينة، فجاءت طائفةٌ فدخلوا، وطائفة فدخلوا، فصحنا وقلنا: يدخل أصحابُ الدنانير والدراهمِ ونُمنع ونحن الفقراءُ وأبناء السبيل؟! فخرج إلينا سفيانُ وهو يبكي وقال: قد أصبتم مقالًا، هل رأيتم صاحبَ عيالٍ أفلح؟ ثم أُعلمكم أني كنت أُوتيت فهمَ القرآن، فلما أخذت مال أبي جعفرٍ مُنعت. [وروى الخطيب (٣) عن سفيانَ أنَّه قال:] رأيت (٤) كأنَّ أسناني كلَّها سقطت، فذكرت ذلك للزُّهري، فقال: تموت أسنانُك وتبقى أنت، فكان كما قال.

стр. 6205

[وروى ابنُ سعد عنه أنه قال:] (١) أوَّل ما جالست من الناس، عبدُ الكريم أبو أميةَ وأنا ابنُ خمس عشرةَ سنة، ومات في سنة ستٍّ وعشرين ومئة، وحججت سنةَ ستَ عشرةَ ومئة، ثم سنةَ عشرين ومئة، وذهبت إلى اليمن سنةَ خمسين ومئة، وسنةَ اثنتين وخمسين، ومَعْمر حيّ، وذهب الثوريُّ قبلي بعام، وجاءنا الزهريُّ إلى مكةَ مع ابن هشامِ بن عبد الملك سنةَ ثلاثٍ وعشرين ومئة، وسألته وسعدُ بن إبراهيمَ عنده فلم يُجبني في الحديث، فقال له سعد: أَجب الغلامَ عمَّا سألك، فقال: أما أنا سأعطيه حقَّه، قال سفيان: وأنا يومئذ ابنُ ستّ عشرةَ سنة. وقال: مَن زيد في عقله نَقَص من رزقه بقَدْر ذلك. وقال: أرفعُ الناس منزلةً مَن كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياءُ ثم العلماء. وقال حَرمَلَة بنُ يحيى: أخذ سفيانُ بيدي فأتى مني ناحية، وأخرج من كُمِّه رغيفَ شعير وقال: هذا قُوتي منذ ستِّين سنة، فدعْ ما يقول الناس. [وحكى أبو نعيم (٢) عن] منصور بنِ عمارٍ [قال (٣)]: تكلَّمت في مجلسٍ فيه سفيانُ بن عيينة وابنُ المبارك وفُضيل بن عياض، فأما ابن المبارك فسالت دموعه، وأما الفضيل فانتحب، وأما ابن عيينةَ فتغرغرت عيناه، ثم نشف دموعَه بكمه (٤). فلما انقضى المجلسُ قلت لابن عيينة: يا أبا محمَّد، ما منعك أن يجيءَ منك مثل ما جاء من صاحبك؟! فقال: هذا أَكمَدُ للحزن، إنَّ الدمعَ إذا خرج استراح القلب. وكان سفيان يتمثَّل لما أسنّ: [من الوافر] يُعَمَّر واحدٌ فيَغرُّ قومًا … ويُنسى من يموت من الصغارِ (٥) و [قال أبو نعيم:] (٦) كان [سفيانُ] يقول: إذا كان نهاري نهارَ سفيهٍ وليلي ليلَ

стр. 6206

جاهل، فما أصنعُ بالعلم الذي كتبت؟! [قال:] (١) وكان يقول: مَن رأى نفسَه خيرًا من غيره فقد استكبر؛ لأنَّ إبليسَ ما منعه من السجود لآدمَ إلا استكبارُه. و [روى أبو نُعيمٍ أيضًا عن سفيانَ أنه] قال: أوحى اللهُ إلى موسى: إنَّ أوَّل مَن مات إبليس، فقال: يا ربّ، كيف وهو حيّ؟! فقال: لأنَّه أوَّلُ مَن عصاني، وإنما أَعدّ مَن عصاني مع الموتى. وقال (٢): بلغني أن الناسَ يخرجون من قبورهم وهم يصيحون: الماءَ الماء؛ العَطَش العطش. وقال (٣): أصابني ذاتَ يوم رِقَّة، فبكيت، فقلت في نفسي: لو كان فلانٌ ها هنا لرقّ، ثم نمت، فأتاني آتٍ في منامي فرَفَسني وقال: سفيان، اذهب فخذ أجرَك ممَّن أحببتَ أن يَراك. وكان يقول: جعل اللهُ كلَّ عدوّ لي محدِّثًا. وقال: أشدُّ الناس حَسْرة يومَ القيامة رجلٌ كان له عبدٌ فجاء يومَ القيامة أفضلَ عملًا منه، ورجلٌ له مالٌ فلم يتصدَّق منه، فمات فورثه غيرُه فتصدَّق منه، ورجل عالمٌ لم ينتفع بعلمه، فعلَّم غيرَه فانتفع به. وقال عبد الله بنُ ثعلبةَ لسفيان: يا أبا محمَّد، واحُزناه على الحُزْن، فقال سفيان: يا عبدَ الله، هل حزنت قطُّ لعلم اللهِ فيك؟ فقال عبدُ الله: تركتَني لا أفرح أبدًا. وقال سفيان: كنت إذا خرجتُ إلى المسجد أتصفَّح وجوهَ الخلق، فإذا رأيتُ مشيخةً وكُهولًا جلست إليهم، وإني اليومَ قد اكتنفني هؤلاء الصِّبيان، ثم أنشد: [من الكامل] خَلَت الدِّيارُ فسُدْتُ غيرَ مُسَوَّد … ومن العَناءِ تَفَرُّدي بالسُّؤدَدِ (٤)

стр. 6207

ويقول: دخلتُ الكوفةَ (١) في يومٍ مَطير، وإذا بكَنَّاس قد فتح كَنيفًا وهو يكنُسه ويقول: وأُكرم نفسي إنَّني [إنْ] (٢) أهنتُها وفي رواية: [من الخفيف] جَنِّباني ديارَ ليلى وهندٍ … ليس مثلي يَحُلُّ دارَ هَوانِ فاطَّلعتُ في البئر وقلت: أيُّ هوانٍ أعظمُ ممَّا أنت فيه؟! فرفع رأسَه وقال: الحاجةُ إلى مثلك، وأنشد: [من الخفيف] [بلدٌ طيِّب ورب غَفور (٣) … هذه رَوْضةٌ وهذا غَدير وأنشد أيضًا:] [من الخفيف] لا تلُمْني فإنَّني نَشْوانُ … أنا في المُلْكِ ما سَقَتْني الدِّنانُ [قال:] فاستحييتُ وانصرفت. ذِكر وفاته: [حكى أبو نُعيم (٤) عنه أنَّه] قال: شهدتُ ثمانين موقفًا بعرفات. [وقال ابنُ سعد: أخبرني الحسنُ (٥) بن عمرانَ بنِ عيينة بن أبي عمرانَ ابن أخي سفيانَ قال:] حججتُ (٦) مع عمِّي سفيان آخر حجَّة حجَّها سنةَ سبع وتسعين ومئة، فلمَّا كنا بجمْع، استلقى على فراشه ثم قال: قد وافيتُ هذا الموضعَ سبعين عامًا، أقول في كلِّ عام: اللهمَّ لا تجعله آخرَ العَهْد من هذا المكان، وإنِّي قد استحييتُ من الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع فتوفي في [السنة الداخلة في] (٧) رجب سنة ثمان وتسعين ومئة،

стр. 6208

ودُفن بالحجون وهو ابنُ إحدى وتسعين سنة. وقيل. توفِّي يومَ السبت أوَّلَ يوم من رجب. وقيل: مات في جمادى الأُولى (١). وأدرك ستةً وثمانين من أعلام التابعين، وأسند عن جمهورهم، كعَمرو بن دينارٍ والثوريِّ، والزهري، وحدَّث في مجلس الأعمشِ وهو ابنُ ثلاثين سنة، وروى عنه الأعمشُ والثوريُّ وشعبةُ وابن المباركِ ووكيعٌ وابن مهديّ والشافعيُّ والإمام أحمدُ وابن مَعين رحمةُ الله عليهم أجمعين. وقال الإِمام أحمدُ بن حنبل: كنت أشتهي لقاءَ الثوري، فعوَّضني اللهُ بابن عيينة، وما رأينا مثلَه. و [قال الخطيب:] (٢) كان هارونُ يقول: سيِّد الناس اليومَ ابنُ عيينة. وقال الشافعي: لولا سفيانُ بن عيينةَ ومالكُ بن أنسٍ لذهب علمُ الحجاز. واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وأَمانته وعدالته وزَهادته، وكان ثَبْتًا كثيرَ الحديث حجَّة، وكان له تسعةُ إخوة، حدَّث منهم أربعة: محمَّد، وآدم (٣)، وعمران، وإبراهيم. عبدُ الرِّحمن بن مَهديِّ ابن حسَّان، أبو سعيدٍ (٤)، العَنْبَريُّ [البَصري. ذكره ابنُ سعدٍ (٥) في أوَّل، الطبقة السابعةِ من أهل البصرة [وقال:] كان ثقةً كثيرَ الحديث، وُلد سنةَ خمسٍ وثلاثين ومئة، وتوفِّي بالبصرة في جمادى الآخرة [سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة] وهو ابنُ ثلاث وستَين سنة. [وهذا قولُ ابنِ سعد. وكان] من كبار العلماءِ وأحد المذكورين بالحفظ والثِّقة.

стр. 6209

[وروى الخطيبُ (١) أنه] قيل له: أيُّما أحبّ إليك، يغفر اللهُ لك ذنبًا أو تحفظ حديثًا؟ [فقال: أحفظ حديثًا. وكان شديدَ الحب لحفظ الحديث]. وقال القَواريري: أملى عليَّ عبدُ الرَّحمن بن مَهدي عشرين ألفَ حديثٍ من حفظه. وقال محمَّد بنُ يحيى: ما رأيت في يد عبدِ الرَّحمن كتابَّا قَطّ، وكلُّ ما سمعتُه (٢) منه سمعته حفظًا. و [روى الخطيبُ (٣) أنه] كان يختم القرآنَ في كلِّ ليلتين، وكان وردُه في كلِّ ليلة نصفَ القرآن. وقال ابن المَديني: كان ابنُ مهديّ أعلمَ الناس، ولو حلفتُ بين الرُّكن والمقامِ بالله أني لم أرَ أحدًا قطُّ أحفط منه للحديث، لكنت بارًّا (٤). وقال الإِمام أحمدُ رحمة اللهِ عليه: إذا حدَّث ابنُ مهدي عن رجلٍ فهو حجَّة. [وحكى أبو نُعيم عنه أنَّه قال:] (٥) لولا أنِّي أكره أن يُعصى اللهُ بسببي، لتمنَّيت ألا يَبقى في المِصْر أحدٌ إلَّا اغتابني، فأيُّ شيءٍ أهنأُ من حسنة يجدها الرجلُ في صحيفته يومَ القيامة لم يعملْها ولم يَهُمَّ بها؟ وأراد أن يبيعَ أرضًا له، فقال له الدلَّال: قد أعطيت في الجَرِيب خمسين (٦) ومئتي دينار، وهي أرضٌ خراب، أسمِّدها لأبيعَ الجريبَ (٧) بفضل خمسين دينارًا، فتصير تساوي أربعةَ آلافِ دينار؟ فغضب وقال: ﴿لَا يَسْتَوي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] الآية، ثم قال: واللهِ لو بيعت بمئة ألفِ دينارٍ ما سمَّدتها.

стр. 6210

أسند عن الثوريِّ وغيره، وروى عنه الإِمام أحمدُ بن حنبلٍ رحمةُ الله عليه وغيرُه، وقال الإمامُ رحمةُ الله عليه: كان حافظًا يتوقَّى كثيرًا، وكان يحبُّ أن يتحدثَ باللفظ، وما رأيت بالبصرة مثلَه. وكان يعرف الرجال كما يعرف الطبيبُ الأمراض، وما رُئي في يده كتاب قطُّ، وإنما كان حفظَه. واتفَّقوا على صدقه وأمانتِه وثقته، حتى قال الخطيب (١): كان من الربَّانيين في العلم، وممَّن بَرَع في معرفة الأثَر، وطُرُقِ الروايات، وأحوالِ الشيوخ. [وفيها توفي] عليُّ بن عبدِ الله ابن خالد بن يزيدَ بن معاويةَ بن أبي سفيان، أبو الحسن السفياني (٢). وأمُّه نَفيسة بنت عُبيد (٣) الله بنِ العباس بن علي بن أبي طالب ﵇، [وقد ذكرنا استيلاءه على دمشقَ في سنة خمسٍ وتسعين ومئة] (٤). ويلقَّب بأبي العَمَيطَر؛ لأنَّه قال لأصحابه يومًا: أَيش كنيةُ الحِرْذَون؟ فقالوا: لا ندري، فقال: أبو العَمَيْطَر، فلقَّبوه به [فكان يغضب. وقال ابنُ عساكر:] (٥) وكانت داره بالمِزَّة، وله دارٌ أخرى برَحْبَة البَصَلِ بدمشق، [قال:] ولمَّا خرج بدمشقَ ودعا إلى نفسه، كان ابنَ تسعين سنة، وبويع بالخلافة في سنة خمس وتسعين ومئة، وأقام متغلِّبًا على دمشق. واشتغل عنه محمَّد بحرب أخيه، وطرد عمَّال محمَّد. [قال:] وكان الوليدُ بن مسلم يقول: والله لَيخرجنَّ السفيانيُّ في سنة خمس وتسعين ومئة. فكان كما قال.

стр. 6211

[وحكى الحافظ ابنُ عساكرٍ (١) أيضًا عن أحمدَ بن حنبلٍ أنه سأل] الهيثمَ بن خارجةَ: كيف كان مخرجُه، فوصفه الهيثم بهيئة جميلة واعتزال للشرّ قبل خروجه، ثم وصفه بالظُلم بعد خروجه. قال: وأرادوه على الخروج [مِرارًا] فأبى، فحفر له خطابٌ الدمشقيُّ (٢) -ويُعرف بابن وَجْه الفلس مولى الوليدِ بن عبد الملك بنِ مروان- وأصحابُه سَرَبا تحت بيته، ودخلوه في الليل ثم نادَوه: اخرج، فقد آنَ لك أن تخرج، فقال: هذا شيطان، ثم أتَوه في الليلة الثانيةِ والثالثة فنادَوه كذلك، فوقع في نفسه، فخرج لما أصبح. فقال الإِمام أحمدُ ﵀: أفسدوه. [وحكى ابنُ عساكر عن] عبد الحميدِ المَيموني [قال] (٣): ولَّى محمَّد بن زبيدةَ سليمانَ بن أبي جعفرٍ حمصَ ودمشق، فوثب به الخطَّابُ، فخلع سليمانَ وبايع السُّفياني، وبايعه أهلُ الشام وحمصَ وقِنَّسرين والسواحلِ إلَّا القيسية، فنهب دورَهم وأحرقها وقاتلهم، وكانت مضرُ معه عليهم، وكان أصحابه ينادون في أسواق دمشق: قوموا فبايعوا المهديَّ المختار، الذي اختاره اللهُ علي بني هاشمٍ الأشرار. ولما صعد منبرَ دمشق، قام إليه مجنونٌ كان في الجامع فقال: أسخن اللهُ عينَك يا أبا العَميطَر، لقد ألقيتَ نفسَك وألقيتنا معك في حُفْرةِ سَوء. وكان محمَّد بنُ صالح بنِ بَيهَس الكِلابي من وجوه قيس، فاجتمعت قيسٌ إليه، وقاتل أبا العَميطر والمُضَريةَ بين سَكَّاء وقَرَحْتا، وكانت بينهم وقائعُ كثيرة، ومرض ابنُ بيهس، فأمر القيسية أن يبايعوا مَسْلمةَ بن يعقوبَ بنِ عليِّ بن محمَّد بنِ سعيد بن مسلمةَ بنِ عبد الملك بنِ مروان، فبايعوه، فقاتل مسلمةُ أبا العميطر، فهزمه وقتل أصحابهَ، ودخل دمشق فأخذ أبا العميطر فأوثقه، وعوفي ابنُ بيهس، فأراد الحكم على مسلمة، فعصى عليه، فأرسل ابنُ بيهس إلى القيسية، فخامروا على مسلمة وفتحوا له بابَ كَيسان، فدخل ابنُ بيهس إلى البلد، وخرج مسلمةُ وأبو العميطر إلى المزَّة في زِيِّ النساء، وذلك في سنة ثمانٍ وتسعين ومئة، فأقاما بها أيامًا، ومات أبو العَميطَر، فصلى

стр. 6212

عليه مسلمةُ وقال: يرحمك الله، لقد ظلمتني وظلمتَ نفسك، ثم مات مسلمةُ بعده (١)، وأقام ابنُ بيهس متغلِّبًا على دمشقَ عشرَ سنين [من سنة ثمانٍ وتسعين ومئة] (٢) إلى سنة ثمانٍ ومئتين، فقدم عبدُ الله بن طاهرٍ واليا على الشام ومصرَ، ومضى إلى مصرَ وعاد في سنة عشرٍ ومئتين، فحمل معه محمَّد بنَ بيهس إلى العراق، فكان آخرَ العهد به. وحكى ابنُ عساكر أنَّ أبا العميطر صحب محمدًا المهديّ بن المنصور (٣)، وقال: سأل المهديّ ابنَ عُلاثةَ وأنا حاضر: بمَ رددتَ شهادةَ محمَّد بن إسحاقَ بن يسار؟ قال: لأنَّه ما كان يرى الجمعة، قال: وكان أصحابُ ابنِ إسحاق يعتذرون عنه ويقولون: قد روى عن عليّ ﵇ أنَّه قال: لا جمعةَ ولا تشريقَ ولا فطرَ ولا أضحى إلَّا في مصرٍ جامع وإمامٍ عادل (٤). [وفيها توفّي] محمد بنُ مُناذِر أبو ذَريح، وقيل: أبو عبد الله، الشاعرُ البصري، مولى سليمانَ القَهْرَماني، والقهرمانُّي مولى عُبيد اللهِ (٥) بن أبي بَكْرة. مدح المهديَّ وغيره، وكان فصيحًا. قدم بغدادَ وتنسَّك [ولازم المسجد] (٦)، ثم عاد إلى البصرة، فابتُلي بمحبة عبد المجيدِ بن عبد الوهَّابِ الثَّقَفي (٧)، فسقط عبد المجيد فمات، فرثاه ابنُ مناذرٍ [بهذه الأبيات] فقال: [من الخفيف]

стр. 6213

إن عبد المجيد يوم تولَّى … هدَّ ركنًا ما كان بالمهدود ما درى نَعْشُه ولا حاملوه … ما على النَّعش من عفافٍ وجود ثم مات بعده بيسير. وقال الثوري (١): سألت أبا عُبيدةَ مَعْمرًا عن اليوم الثاني من أيام النَّحر: ما كانت العرب تُسمِّيه؟ فقال: لا أعلم، فلقيت ابن مناذرٍ فأخبرته، فقال أَخَفي هذا على أبي عبيدة! هذه أيامٌ متواليات كلُّها على حرف الراء، فالأول يومُ النحر، والثاني يوم القَرّ، والثالث يوم النَّفْر، والرابع يوم الصَّدر. قال: فلقيت أبا عبيدةَ فأخبرته، فكتبه عني عن محمَّد بنِ مناذر. أسند ابنُ مناذر عن شعبةَ وابنِ عيينة وغيرِهما، وقد أسقط يحيى بنُ معين روايتَه وقال: كان صاحبَ شعر لا صاحبَ حديث، كان يتعشَّق عبدَ المجيد ويقول فيه الشِّعر، ويُشبِّب بنساء ثَقيف، فطردوه من إلبصرة، فخرج إلى مكَّة، فكان يرسل العقاربَ في المسجد الحرامِ يَلْسَعْنَ الناس، ويَصُبُّ المِدادَ بالليل في الأماكن التي يتوضأ الناسُ منها حتى تَسْوَدَّ وجوهُهم، لا يروي عنه رجلٌ فيه خير. [قلت: ولابن مناذر قصة نذكرها في ترجمة أبي نواس في سنة مئتين.] محمَّد الأمينُ ابن هارونَ الرشيدِ بن محمَّد المهديِّ بن أبي جعفر المنصورِ بن محمَّد بن عليّ بن عبدِ الله بن عباس (٢). قد ذكرنا طَرَفًا من أخباره [وسنذكر الباقي، قد تقدَّم تاريخُ مولده في سنة سبعين ومئة، وقيل: سنة إحدى وسبعين ومئة، وبويع في سنة ثلاثٍ وتسعين ومئة. و] كان أصغر من المأمون بستَّة أشهر و [قد ذكرنا وقائعَه مع أخيه إلى أن قُتل في هذه السنة. وحكى الهيثم بن عَدِيِّ عن الأصمعيِّ قال:] (٣) كان فيه خِلال لم تكن في غيره، كان

стр. 6214

أحسنَ الناس وجهًا، وأسخاهم نَفْسًا، وأشرفَهم أبًا وأمًّا، أديبًا فصيحًا، عارفًا بأيَّام الناس والشعر والعلوم، لكنه هان عليه القبيحُ فلَجِجَ في بحر هواه وبغيه وغدرِه بأخيه، وكان سخيًّا بالدينار والدرهمِ بخيلًا بالطعام (١). [وحكى الخطيبُ عن الصوليِّ قال:] (٢) كان له خادمٌ اسمه كوثر، وكان يحبُّه حبًّا شديدًا، فلَها به عن الرَّعية، فتوقَّفت أحواله وأحوالُهم [وقال فيه الشّعر] ومن شعره فيه: [من مجزوء الرمل] ما يُريد الناسُ من صَبْـ … ـبٍّ بمَن يَهوى كئيبِ كوثرٌ ديني ودنيايَ … وسُقمي وطَبيبي أعجز الناسِ الذي يَلـ … حَى مُحبًّا في حَبيب ليس إنْ قيس خليًّا … قلبُه مثل القلوب و [حكى الخطيب (٣) أيضًا عن الصُّولي قال:] خرج كوثرٌ يومًا في حرب طاهر، فأُصيب في وجهه، فرجع والدمُ يسيل عليه، فجعل محمَّد يمسح الدمَ عنه ويقول: [من مجزوء الرمل] ضربوا قُرَّةَ عيني … ومنَ أجلي ضربوهُ أخذ اللهُ لقلبي … من أُناسٍ أحرقوه وأراد زيادةً فلم يؤاتِه طبعُه، فقال: مَن بالباب من الشعراء؟ قالوا: عبدُ الله بن أيوبَ التَّيمي، فلمَّا دخل من الباب قال له: قل عليها، فقال: مَن رأى الناسُ له الفَضـ … لَ عليهم حَسَدوهُ مثلَما قد حسَدَ القا … ثمَ بالملك أخوه فأَوقر له ثلاثةَ أَبغُلٍ دراهم.

стр. 6215

وقال عبدُ الله المذكور: أنشدتُ الأمينَ أوَّل [ما] (١) ولي الخلافة: [من المنسرح] لا بدَّ من سَكرةٍ على طَرَبٍ … لعلَّ روحًا تُدال من كُرَبِ فعاطنيها صَهباءَ صافيةً … تضحك من لؤلؤ على ذَهَب خليفةَ الله أنت مُنتَخَبٌ … لخير أمٍّ من هاشمٍ وأب فأمر لي (٢) بمئتي ألفِ درهم، فصالحوني على مئة ألفِ درهم. وغنَّى إبراهيم بنُ المهديّ (٣) ليلةً بين يدي محمَّد وكانا في حرَّاقة: [من الطويل] هجرتُكِ حتى قيل لا يعرف الرِّضا … وزرتُكِ حتى قيل ليس له صبرُ (٤) فملأ له الحرَّاقةَ ذهبًا. ومرَّ (٥) محمد ليلةً بجاريةٍ له سكرى، فراودها، قالت: لا أفعل على هذه الحال إلى غد. فلمَّا كان من الغد أتاها، فامتنعت عليه، فقال لها: هذا الميعاد، فقالت: أما سمعتَ المَثل السائر: كلامُ الليل يمحوه النهار؟ [فقال: مَن ببابي من الشعراء؟ فقال: أبو نُواس والرَّقاش ومصعب (٦)، فأَمر بهم فأُدخلوا عليه، فقال: قولوا شعرًا في معنى: كلامُ الليل يمحوه النهار، (٧) فقال الرَّقاشي: [من الوافر] متى تصحو وقلبُك مستطارٌ … وقد مُنع القَرارُ فلا قَرارُ وقد تركَتْكَ صَبًّا مُستهامًا … فتاةٌ لا تَزور ولا تُزار إذا استَنْجَزْتَ منها الوَعْدَ قالت … كلامُ الليلِ يمحوه النهار وقال مصعب:

стр. 6216

أَتعذلني وقلبك مُستطارٌ … كئيبٌ ما يَقِرُّ له قرارُ بحبِّ مَليحةٍ صادت فؤادي … بألحاظٍ يخالطها (١) احْورار ولمَّا أن مَددتُ يدي إليها … لألمسَها بدا منها نِفار فقلتُ لها عديني منكِ وَعْدًا … فقالت في غدٍ منك المَزار فلمَّا جئتُ مُقْتَضيًا أجابت … كلامُ الليل يمحوه النَّهار وقال أبو نُواس: وليلةَ (٢) أقبلَتْ في القصر سَكرَى … ولكن زيَّن السُّكرَ الوَقارُ وهزَّ السُّكرُ أردافًا ثِقالًا … وغُصْنًا فيه رُمَّان صِغار وقد سَقط الرِّدا عن مَنْكِبَيها … من التَّجْمِيش (٣) وانْحَلَّ الإِزار فقلت الوعدَ سيِّدتي فقالت … كلامُ الليل يمحوه النهار فقال له الأمين: أخزاك الله، أكنت مُطَّلعا علينا! فقال: عرفتُ ما في نفسك فأعربتُ عمَّا في ضميرك. فأمر لكلِّ واحدٍ على كلّ بيت بألف دينار (٤). [وحكى أبو الفرج الأصفهانيُّ قال:] (٥) جرى بين محمَّد وإبراهيمَ بنِ المهديّ كلامٌ على مجلس الشراب، فوجد محمَّد عليه وصرفه، وأمر أن يُحجبَ عنه، فبعث إليه إبراهيمُ بهدية وألطاف، فلم يقبلْها، فبعث إليه بوَصيفة بارعةِ الجمال، وبعث معها عود الغناء من العود القماري مُكَلَّلًا بالجواهر، وألبسها حُلَّةً مَنسوجة بالذهب، وعلمها أبياتًا وقال: غني بها عنده. فلما دخلت عليه غنت: [من المتقارب] تمادى بي الأمرُ حتى ظَنَنْتُ … وكشّفَ هَجْرُك لي فانكشفْ فإنْ كنتَ تُنكر شيئًا جرى … فهبْ للقرابة ما قد سَلَفْ وجُدْ ليَ بالعفو عن زلَّتي … فبالفضل يؤخَذ أهلُ الشرف فقال: أحسنت، فما اسمُك؟ قالت: هدية، فقال: أنت كاسمك أم عارَّية؟ فقالت:

стр. 6217

بل كاسمي، قال: فلمَن هذا الشِّعر؟ قالت: لعبدك وعمِّك إبراهيمَ بنِ المهدي، فرضي عنه وأمر له بخمسين ألف دينار، وردَّه إلى منزلته. ونقم الناسُ على محمَّد تقريبه الخِصْيانَ، والمغالاةَ في أثمانهم، وسمَّى طائفةً منهم الجَرادية (١)، وطائفةً الغُرابية، حتى رُمي بهم، وقال الناسُ فيه الأشعار، فمن ذلك قولُ ابنِ مطير (٢): [من الوافر] فأمَّا نوفلٌ فالشأنُ فيه … وفي بدرٍ فيا لَك من جَليسِ وما للغانيات لديه حظٌّ … سوى التَّقطيبِ بالوَجْه العَبوس إذا كان الرئيس كذا سَقيمًا … فكيف صلاحُنا بعد الرئيس فلو علم المُقيمُ بدار طوسٍ … لعَزَّ على المُقيم بدار طُوس ثم هجر النساءَ الحرائرَ والإماء، واستُهتر بالخدَّام، واحتجب عن خواصِّه وقوَّاده وإخوتِه وأهل بيته، واستخفَّ بهم، وقسم ما في بيوت الأموالِ والجواهر في خِصيانه وحُبْشانه، وأمر ببناء القصورِ على دجلةَ وغيرها، وأنفق عليها الأموال، وجمع عنده الوحوشَ والسِّباع والطيور، وغرق في لهوه، فضجَّ الناس منه. وكان العباسُ بن عبد اللهِ بن جعفر بن أبي جعفرٍ المنصورِ من رجالات بني هاشمٍ عقلًا وفضلًا وجُودًا، وكان له خادمٌ يقال له: منصور، من آثر خدمِه عنده، وجد عليه يومًا، فهرب إلى محمَّد، فقَبِله وحَظي عنده، فركب يومًا في جماعةٍ من خدم محمَّد، وقصد أن يعبرَ على باب أستاذِه العباسِ ليُريَ خدم العباسِ ما هو فيه، وبلغ العباس، فخرج فجذبه فألقاه وأخذ بشَعره، فحامى عنه الخدم، فضربهم، فانهزموا إلى محمَّد فأخبروه، فقال: احرقوا دارَ العباسِ واسحبوه راجلًا إلى بابي، وأمر بقتله، وبلغ زُبَيدةَ، فدخلت على محمد، ونشرت شعرَها بين يديه، وبكت، فأمر بحبسه، ثم خَلَص بعد ذلك. وعمل حَرَّاقات على صورة الأسد، وعلى صورة الفيل، وعلى صورة الفَرَس، وعلى صورة الحية، وأنفق عليها أموالًا عظيمة، وقال أبو نواس: [من الخفيف]

стр. 6218

سخَّر اللهُ للأمين مَطايا … لم تُسخَّر لصاحب المحرابِ فإذا ما رِكابُه سِرْنَ بَرًّا … سار في الماء راكبًا ليثَ غاب أسدًا باسطًا ذراعَيه يَهوي … أهْرَتَ (١) الشِّدْقِ كالحَ الأنياب لا يُعانيه باللِّجام ولا السَّوطِ … ولا غَمْزِ رِجله في الرِّكاب من أبيات. وكان محمد إذا بلغه لَومُ الناس له على شُربه ولَهوه يقول: ما ضرَّ يزيدَ بن معاويةَ لعبُه ولهوه، ولا نفع عبدَ الله بنَ الزبير خيرُه ودينه، وما قضى اللهُ فهو كائن. وبلغ المأمونَ فقال: تبًّا للمخلوع، وأيُّ ضرر أبلغُ من ذمِّ الناس ليزيد؟! وأيُّ فخر أعظمُ من فخر ابنِ الزبير وقد أقام تسع سنين عائذًا بحرم اللهِ تعالى، مشغولًا بعبادته، حتى قُتل شهيدًا؟!! وأمّا يزيد، فأقام ثلاثَ سنينَ فعل فيها ما فعل من استهتاره بالدين، وإصرارِه على فسقه، وأيُّ مناسبة بين الرَّجلين؟! وقرأ المأمون: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]. [وقال محمَّد بن سلام:] جلس الأمينُ يومًا مع ندمائه، فتنفَس نَفَسًا عاليًا، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، ما هذا التنفُس؟! فقال: ذكرت قولَ ابنِ بُقَيلة (٢): [من البسيط] إنْ كان دهرُ بني ساسانَ خانَهُمُ … فإنَّما الدَّهرُ أطوارًا دَهاريرُ وربَّما أصبحوا يومًا بمَنْزلةٍ … يَهابُ صَولَتَها الأُسْدُ المَهاصير فقُتل بعد أيام. ذِكر مقتله: لما انتقل محمد من قصر الخُلْد إلى مدينة أبي جعفر، ولم يبقَ عنده مالٌ ولا عُدَّة للحصار، دخل عليه قوَّاده، منهم حاتم بنُ الصَّقْر و [محمَّد بن] (٣) إبراهيمَ بنِ الأغْلَب الإِفريقي، فقالوا: لقد رأيت ما آل فيه حالُك وحالنا، وقد رأينا رأيًا نَعرضه عليك، فانظر

стр. 6219

فيه واعتزمْ عليه؛ فإنَّا نرجو أن يكونَ صوابًا ويجعلَ الله فيه الخِيرَة، فقال: وما هو؟ قالوا: قد تفرَّق عنك الناس، وأحاط بك عدوُّك من كل جانب، وقد بقي عندك من خيلك ألفُ فرسٍ كان خيارها وجيادها، فنحمل عليها مَن قد عرفناه بمحبَّتك ومُناصَحتك من الأبناء، ونخرج من بعض الأبواب ليلًا، فنلحقُ بالجزيرة والشام ونصير في مملكةٍ واسعة، ويقضي اللهُ ما يشاء، فقال لهم: نِعْمَ ما رأيتم. وعزم على ذلك. وكتب إلى طاهرٍ عيونُه بذلك، فكتب إلى سليمانَ بن أبي جعفرٍ ومحمَّد بن عيسى بن نَهيك والسِّندي بنِ شاهك يقول: واللهِ ليِّن لم تَصدِفوه عن هذا الرأيِ لأفعلنَّ بكم ولأصْنَعَن، وتهدَّدهم بأخذ الضِّياع وقتلِ النفوس، فدخلوا على محمد وقالوا: تذكَر الله في نفسك، فإنَّ الذين أشاروا عليك بهذا قد انتشر عنهم أنَّهم باشروا الحربَ وجدُّوا في قتال طاهر، ولا أمانَ لهم عنده، ولسنا نأمن أنَّك إذا حصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيرًا فيتقرَّبوا بك إلى عدوِّك، فقال: ما أخرج. وكان حاتم بنُ الصقر والإفريقيُّ ومَن أشار على محمَّد بالخروج في الرِّواق يسمعون ما يقول سليمانُ وأصحابه لمحمَّد، وهم معه في بيت، فقال حاتمٌ والإِفريقي: ادخلوا بنا نقتل سليمان وأصحابه؛ فإنَّهم مع طاهرٍ في الباطن، فقال بعضهم: ما هذا مصلحة، نحن في حربٍ من خارجٍ ونعمل لنا حربًا من داخل؟! فكفُّوا. ووقع في قلب محمَّد ما قالوه، فرجع عمَّا كان قد عزم عليه، وأشار عليه سليمانُ وأصحابه بطلب الأمانِ والخروجِ إلى هَرْثَمَة، وقالوا: إنَّما قُصارى ذلك السَّلامة، وأن يُنزلَك أخوك في مكانٍ تراه، ويجعلَ لك كل ما يُصلحك، وليس عليك منه بأس. فعزم على الخروج إلى هَرْثَمَة، وأشار عليه بعضُهم بالخروج إلى طاهر، فقال محمَّد: إنِّي أكره الخروج إلى طاهر، ونفسي تأبى ذلك؛ لأنَي رأيت في منامي كأنِّي قائم على حائطٍ من آجُرّ، وهو شاهقٌ في السماء وعريضُ الأساس وَثيق، لم أرَ في الدنيا شيئًا يُشبهه في طوله وعرضه، وعليَّ سَوادي ومِنْطَقَتي وسيفي وقَلَنسُوَتي، وطاهر قائمٌ في أصل الحائطِ وبيده مِعوَل، فما زال يضرب أصلَ الحائط حتى سقط وسقطت، ونَدَرَتْ قَلنسوتي عن رأسي، وأنا أتطيَّر من طاهرٍ وأَستوحش منه لذلك، وأما هَرْثَمَةُ فهو مولانا وبمنزلة الوالدِ عندي، فأنا به أشدُّ أنسًا وأوثقُ نفسًا من طاهر.

стр. 6220

ولما اشتدَّ الحصار على محمد، فارقه سليمانُ بن أبي جعفر وإبراهيم بنُ المهديّ ومحمَّد بنُ عيسى بن نَهيك، ولحقوا بعسكر المأمون، ولمَّا عزم محمَّد على الخروج إلى هَرْثَمَةَ، وأجابه هَرْثَمَةُ إلى ما أراد، اشتدَّ ذلك على طاهر، وأبي أن ينامَ عنه ويدعَه يخرج إلى هَرْثَمَة، وقال: هو في جِيرتي وجانبي، ولا أرضى أن يخرجَ إلى هَرْثَمَةَ فيكونَ الاسمُ والفتح له. ولما رأى هَرْثَمَةُ ذلك، اجتمع هو والقوَّاد في منزل خُزَيمةَ بن خازم، وجاء طاهرٌ، وسليمان بنُ أبي جعفرٍ، والسنديُّ بن شاهكَ، ومحمَّد بنُ عيسى بنِ نهيك، وأداروا الرَّأيَ بينهم، وقالوا لطاهر: إنَّه لا يخرج إليك أبدًا، فدعْه يخرج بنفسه إلى هَرْثَمَةَ إذا كان يأنس به ويثق بناحيته، وهو مُسْتَوحشٌ منك، ويدفع إليك الخاتمَ والبُردة والقضيب، فهو عبارةٌ عن الخلافة، ولا تُفسد هذا الأمر، واغتنمه إذ يسَّره الله. فأجاب طاهرٌ إلى ذلك ورضي به، ثم كتب الهِرْشُ إلى طاهرٍ يُخبره أنَّ الذي جرى بينهم مَكْر، وأنَّ البردة والقضيبَ والخاتَم تخرج مع محمد إلى هَرْثَمَة، فقبل ذلك طاهر، وكَمَنَ حول قصرِ أمِّ جعفرٍ والخُلدِ ومعه أصحابُه بالسلاح، وذلك ليلةَ الأحد لخمسٍ بقين من المحرَّم في خمسٍ وعشرين من أيلول. ولما اشتدَّ الأمرُ بمحمَّد، كتب إلى طاهرٍ يقول: إنَّ الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى كشف السُّتورِ وهَتْك الحَريم، ولست آمَنُ أن يطمعَ في هذا الأمرِ البعيدُ السَّحيق، فإن رأيتَ أن تؤمنِّي لأخرجَ إلى أخي، فإن تفضَّل عليَّ فهو أهل لذلك، وإن قتلني فصَمْصَامة كسَرتْ صَمصامة، ولَأن تفتَرِسَني السِّباعُ أحبُّ إلى من أن يَنْبَحَني الكلاب. وبعث به مع خادم، فقال طاهر للخادم: الآن حين أَسلمه فُسَّاقه، وخذله سُرَّاقه، وبقي مَخْذولًا مَغْلولًا يَلوذ بالأمان، لا والله أو يجعلَ في عُنقه ساجورًا (١) ويقول: قد نزلت على حكمك. فلما بلَّغ الخادمُ محمَّدًا ما قاله: قال: كذب عبدُ السُّوء العاضُّ لَهازِمَه (٢)، واللهِ ما أبالي أَوَقَعَ عليَّ الموتُ أو وقعتُ عليه، ما شاء الله كان.

стр. 6221

وقال طارقٌ الخادم: لما همَّ محمَّد بالخروج إلى هَرْثَمَةَ عطش، فطلبت له ماء فلم أجده، ولمَّا أمسى ركب يريد هَرْثَمَة وبين يديه شَمْعَة، فقال: اسقني من جِباب الحَرَس، فناولتُه كُوزًا، فعافه لزُهومَته ولم يشرب، وصار إلى هَرْثَمَة، فوثب به طاهر، فلمَّا صار في الحَرَّاقة، رمَوه بالسِّهام والحجارة، فانكفأت الحرَّاقة، فغرق محمَّد وهَرْثَمَة، فسبَح محمَّد حتى عبر إلى بستان موسى، وظنَّ أن غرقَه كان حيلةً عليه، ولما صار إلى قرب الصَّراة (١)، وكان على مَسْلَحة طاهرٍ إبراهيمُ بن [جعفر] (٢) البَلْخيّ، ومحمَّد بن حُمَيد ابنُ أخي شَكلة، فعرفه، فنزل هو وأصحابه فأخذوه، وحملوه على بِرذَونٍ، وألقَوا عليه إزارًا، وأردفوا خلفه رجلًا يُمسكه، وصاروا به إلى منزل إبراهيمَ البلخي. قال خطاب بنُ زياد: وبادر طاهرٌ إلى بستان مؤنسة بإزاء بابِ الأنبار موضع عسكره؛ لئلَّا يُتَّهم بغرق هَرْثَمَة، فلحقه محمَّد بنُ حميد، فدنا من طاهرٍ وأخبره أنَّه أسر محمَّدًا، وأنه في منزل إبراهيمَ البلخي، فدعا طاهرٌ مولًى له يقال له: قُريش الدَّنْداني، فأمره بقتل محمَّد. وقال محمَّد بنُ عيسى الجُلوديّ: لما عزم محمَّد على الخروج إلى هَرْثَمَةَ، تهيَّأ بعد العشاءِ الآخرة ليلةَ الأحد، فجلس في صَحْن القصرِ على كرسي، وعليه ثياب بَيَاض وطَيلَسانٌ أسود، وبين يديه جماعةٌ بالأعمدة، فجاء كتلةُ الخادم فقال: أبو حاتم يُقرئك السلام -يعني هَرْثَمَة- ويقول: قد وافيتُ لميعادك إلى المكان، ولكنِّي أرى ألا تخرجَ الليلة، فإنِّي قد رأيت في دجلةَ على الشطِّ أمرًا قد رابني، ولكن أقم الليلةَ مكانَك حتى أرجعَ، فأستعدَّ ثم آتيك القابلةَ ومعي رجالي، فإن حوربتُ دونك حاربت ومعي رجالٌ وعُدَّتي. فقال له محمَّد: ارجعْ إليه وقيل له: لا تَبْرَحْ، فإني خارجٌ الساعةَ لا مَحالة، ولست أقيم إلى غدٍ وقد تفرَّق عني أصحابي. ودعا بفرسٍ أدْهَمَ أغرَّ (٣) مُحَجَّل كان يُسمِّيه الزُّهيري (٤)، ثم دعا بابنيه، فضمَّهما

стр. 6222

إليه وشمَّهما وقبَّلهما وبكى، وقال: أستودعكما الله، ثم ركب وخرج بين يديه شمعة، فنزل إلى الشطِّ، وركب في الحرَّاقة مع هَرْثَمَة. قال أحمد بنُ سلام صاحبُ المظالم: كنت مع هَرْثَمَةَ فيمن كان معه من القوَّاد في الحرَّاقة، فلما دخل محمَّد الحراقةَ قمنا إعظامًا له، وجثا هَرْثَمَةُ على ركبتيه وقال له: يا سيِّدي، لا أقدر على القيام؟ للنِّقْرِس (١) الذي بي، فاحتضنه وصيَّره في حجره، وجعل يقبِّل يديه ورِجليه وعينيه ويقول: يا سيِّدي ومولاي وابن مولاي. وأمر هَرْثَمَةُ بالحراقة أن تُدفع، فبينا نحن على ذلك، إذ شدَّ علينا أصحابُ طاهرٍ في الزَّواريق والسّفن، ورمَوا بالنّشَّاب والحجارة، فانكفأت الحرَّاقة، فغرق هَرْثَمَةُ وغرق محمَّد، فأما هَرْثَمَةُ فإنَّ الملَّاح تعلَّق بشَعره فأخرجه، وأما محمَّد فشق ثيابه وسبح. قال أحمد بنُ سلام: وتعلق بي رجلٌ من أصحاب طاهر، فمضى بي إلى رجلٍ قاعد على شاطئ دجلةَ على كرسيٍّ من حديدٍ وبين يديه نارٌ توقد، فقال الذي أخذني: هذا كان في الحرَّاقة فيمن غرقَ فأخذته، فقال لي الرجل: من أنت؟ قلت: من أصحاب هَرْثَمَة، أنا أحمد بنُ سلامٍ مولى أميرِ المؤمنين صاحبُ المظالم، فقال: كذبتَ فاصدقني، فقلت: قد صدقتك، قال: فما فعل المخلوع؟ قلت: رأيته شقَّ ثيابَه ورمى بنفسه في الماء، قال: فركب دابَّته، وجعل في عُنقي حَبْلًا، وجنبوني إلى جانب رجل، ومضى وأنا أعدو، فتعبتُ من العَدْو، فقمت، فقال الذي يجنبني: قد قام الرجلُ وليس فيه ما يَعْدو (٢)، فقال: أنزل حُزَّ رأسه، فقلت: لمَ تقتلني وأنا رجل من الله في نعمةٍ ولا أقدر على العَدْو؟! وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف درهم، قال: وكيف لي بها؟ قلت: تحبسني عندك حتى أُرسلَ إلى وكيلي في عسكر المهديِّ في منزلي يحملها إليك، وإن لم آتِك فاضرب عنقي، فقال: قد أنصفت. ثم مضى بي [إلى] دار أبي صالح الكاتب، فأدخلني الدار، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتفهَّم مني خبرَ محمَّد ووقوعَه في الماء، ومضى إلى طاهرٍ يُخبره خبرَه، فإذا هو إبراهيمُ البلخي.

стр. 6223

قال: وحبسني غِلمانُه في بيت من بيوت الدارِ فيه بوارٍ ووسائد، وفي زاويته (١) حُصُرٌ مُدرجة، وأوقدوا عليَّ سراجًا، فلمَّا ذهب من الليل ساعة، إذا بحركة الخيلِ ودقِّ الباب، ففُتح، فدخلوا وهم يقولون: بِسَر (٢) زُبَيدة، فأُدخل محمَّد وهو عُريانُ عليه سراويلٌ وعمامة مُتَلثِّم بها، وعلى كتفيه خرقةٌ خَلَقة صغيرة، وخرجوا، فنظر إلي، فبكيت، فقال: مَن أنت؟ قلت: مولاك، قال: وأيّ الموالي؟ قلت: أحمد بنُ سلام صاحبُ المظالم، فقال: أعرفك، قد كنتَ تأتيني بالرقَّة ثم تُلطفني، وقال: لستَ مولاي، بل أنت أخي ومني، ثم قال: يا أحمد، أدنُ مني وضمَّني إليك، فإني أجد وَحْشةً شديدة، قال: فضممته إلى، فإذا قلبه يخفق خفقانًا شديدًا، فلم أزل أضُمّه حتى سكن. ثم قال: ما فعل أخي عبدُ الله؟ أحيٌّ هو؟ قلت: نعم، قال: قبَّح الله صاحبَ البريد ما أكذبَه، كان يقول: إنه مات، شِبهَ المُعْتَذِر من مُحاربته، قال: فقلت: بل قبَّح اللهُ وزراءك؛ فإنَّهم هم الذين أوردوك هذا المَوْرِد، فقال: يا أخي، لا تقل في وزرائي إلَّا خيرًا، ما لهم ذنب، ولستُ أوَّلَ مَن طلب أمرًا ففاته، وليس هذا بمَوْضع عِتاب، ثم قال: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بي؟ أيقتلوني أم يَفون لي بأمانهم؟ قلت: بل يَفون لك يا سيِّدي، قال: وعليه خِرقةٌ لا تُواريه، وجعل يضمّها بيديه لئلَّا تقعَ عن كتفه، وعليَّ مبطنة، فنزعتها وقلت: اِلبسها يا مولاي، فقال: لا أفعل، مَن كانت هذه حالتَه فهذه الخِرقة له كثير، وبكى وبكيت، وجعل يستغفر ويتوب وبذكر الله. فبينا نحن على ذلك، إذا بداقٍّ يدقُّ الباب، فدخل، فإذا به محمَّد بن حُمَيد الطَّاهري، فنظر في وجهه وخرج، فعلمت أنه مقتولٌ لا محالة، فلمَّا كان بعد ساعةٍ وقد قمت لأُوترَ وهو يقول: يا أحمد، لا تبعد عني، وصلّ قريبًا مني، فإنِّي أجد وحشة، وإذا بحركة الخيل ودقِّ الباب، ففتح ودخل أصحابُ طاهرٍ من المعجم وبأيديهم السيوف مُسْلَلة، فلما رآهم محمد قام قائمًا، وجعل يسترجع ويقول: ذهبتْ نفسي في سبيل الله، أمَّا من حيلة! أما من مُغيث! أما من مُجير؟! وجاؤوا حتى قاموا على باب

стр. 6224

البيتِ الذي نحن فيه، وأحجموا عنه، وقمت خلف الحُصُر التي (١) في البيتِ، وأخذ محمَّد بيده وسادة وجعل يقول: ويحكم أنا ابنُ عمِّ رسولِ الله ﷺ ، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي. فدخل عليه رجلٌ يقال له: خُمارويه، غلامٌ لقريشٍ الدنداني مولى طاهر، فضربه على رأسه بالسيف، وضربه محمَّد بالوسادة في وجهه، واتَّكأ عليه ليأخذَ السيف منه، فصاح خُمارويه (٢) بالفارسية: قتلني قتلني، فدخل عليه جماعة، فنخسه واحدٌ منهم بالسيف في خاصرته فوقع، وركبوه فذبحوه ذبحًا من قفاه، وأخذوا جُثَّته وتركوها في جلٍّ (٣) وحملوها، فلما طلع الفجرُ قالوا: هاتِ العشرةَ آلاف درهم، فأخذوها وخلَّوا سبيلي. قال أحمد: وبعث هَرْثَمَةُ إلى طاهرٍ عبدَ السَّلام بنَ العلاء صاحبَ حرسه يقول له: ما خبرُك؟ فقال طاهر: يا غلام، هات الطَّست، فجاء به وفيه رأسُ محمَّد فقال: هذا خبري، فأَعلِمْه. فلما عاد الرسولُ إلى هَرْثَمَةَ وأخبره بكى وقال: لعن اللهُ الأعور، فعلها. وأقام أيامًا حزينًا باكيًا، ثم أصبح طاهرٌ فنصب رأس محمَّد على البستان الذي يلي بابَ الأنبار، وفتحَ الباب، وخرج أهل بغدادَ ينظرون إليه وطاهرٌ يقول: هذا رأسُ المَخْلوع، وفي وجهه ضربةٌ وفي رأسه ضربة. وبعث طاهر بالرأس والقضيبِ والبُردة والخاتَم والمصلَّى -وكان من سَعَفٍ مُبَطَّن- إلى المأمون مع محمَّد بنِ مصعب (٤) ابنِ عمِّ طاهر، فأَدخل الحسنُ بن الفضل الرأسَ على تُرْس إلى بين يدي المأمون، فلمَّا رآه سجد، وأمر للذي جاء به بألف دينار (٥). وقال رجلٌ (٦) من أهل خراسان: مَن قتله؟ قالوا: قُريش الدَّنداني، فقال: سبحانَ

стр. 6225

الله! كنَّا نرى أنَّ قريشًا تقتله، فكنَّا نذهب إلى القبيلة، فوافق الاسمُ الاسمَ. ولمَّا وصل الرأس إلى مَروَ ورآه الفضلُ بن سهل، بكى وقال: لعن اللهُ الأعور، لقد سلَّ إلينا ألْسُنَ الناس وسيوفَهم، أمرناه أن يبعثَ به إلينا أسيرًا، فبعث به إلينا عَقيرًا، فقال له المأمون: قد كان ما كان، فاحتلْ في الاعتذار منه. وذكر الصُّولي أنَّ الرأس لما حضر عند المأمون، بكى وتحسَّر وتلهَّف، فقال له الفضل بنُ سهل: اِحْمَد الله الذي أراك عدوَّك في حالة يودُّ لو رآك في مثلها، فقال: أنا ومحمَّد كنا كما قال زهير (١): [من الوافر] شفيتُ النَّفْسَ من حَمَل بن بدرٍ … وسيفي من حُذَيفَة قد شفاني فإنْ أكُ قد بَرَدْتُ بهم غليلي … فلم أقطعْ بهم إلَّا بَناني ثم قال المأمون: إنِّي تذكَرت قليلَ محمد مع كثرة عُقوقه لي، أمر لي الرشيدُ يومًا بمئة ألفِ دينار وله بمئتي ألف دينار، فأتيته فبشَّرته، فقال: يا أخي لعل في نفسك من تفضيلي عليك ما تتأثَّر به، وقد وهبتَ لك الجميع، فأعطاني إياها. فقال له الفضل: كيف تَحْمَد على بَذْلِ المال مَن شَّح على بقاءِ النفْس؟ فقال: فذاك الذي يُسلِّيني عنه. وأمر بالرأس فطِيف بها في خُراسان. وكتب طاهرٌ إلى المأمون: أما بعد: فالحمد لله الكبيرِ المتعال، ذي العزَّة والجلال، الذي إذا أراد أمرًا فإنَّما يقول له: كن فيكون، وكان مما قدَّر [اللهُ] (٢) وأحكم ودبَّر انتكاثُ المخلوع ببيعته، وارتكاسُه (٣) في فتنته، وقضاؤه عليه بالقتل بما كسبت يداه، وأنَّ الله ليس بظَلَّام للعبيد، وقد كتبتُ إلى أمير المؤمنين أُخبره بإحاطة جند الله ببغداد، وإحداقِهم بطُرقها ومَسالكها، وسفنِها ومَعابرها ومَسالحِها، وحَدْري السفنَ والزَّواريق والمجانيقَ والمقاتلة إلى ما واجه الخُلدَ وبابَ خُراسان، تحفظًا بالمخلوع، وتخوُّفًا من أن يروغَ مَراغًا، أو يَسلكَ مَسلكًا يجد به السبيل إلى إقامة الفتنِ

стр. 6226

وسفك الدِّماء، بعد أن خذله اللهُ وحصره، وبمتابعة (١) الرسلِ لي بما يعرض عليه هَرْثَمَةُ بن أعين، ويسألني من تخلية الطريقِ له في الخروج إليه، وكراهيتي ما أحدث وزراؤه في أمره بعد أن قطع الله رجاءه من كلِّ حيلة، وانقطاعِ المنافع عنه، وحيل بينهم وبين ما يشتهون من الماءِ وغيره، حتى همَّ به خدمه وأشياعُه من أهل المدينة، وعزموا على الوثوب به للدِّفاع عن أنفسهم. ثم إنِّي فكَّرت وروَّيت الفكر فيما دبَّره هَرْثَمَةُ في أمر المخلوع، وما عرض عليه وأجابه إليه، فوجدت الفتنةَ قائمة في تخلُّصه من موضعه الذي أنزله فيه الذل والصَّغار، وصيَّره فيه الضيقُ والحصار، لا يزيد ذلك أهلَ التربُّص في الأطراف إلا طمعًا وعتوًّا وانتشارًا، فأنكرت على هَرْثَمَةَ ما أطمعه فيه وأجابه إليه، فقال: لا سبيلَ إلى الرجوع عمَّا أعطيته. ثم اتَّفقوا على أن يسلِّمَ إلي رداءَ رسولِ الله ﷺ وسيفَه وبُرْدَه والقَضيبَ والخاتم قبل خروجه، وأُخَلِّيَ له طريقَ الخروج إلى هَرْثَمَة، كراهيةَ أن يكون بيني وبينه اختلافٌ نصير منه إلى أمر يُطمع الأعداءَ فينا، واتفقنا على أن نجتمعَ عشيةَ السبت. فتوجَّهت في خاصَّة ثقاتي الذين أعتمد عليهم وأثق بهم إلى باب خُراسان، وكنت قد أعددت حرَّاقاتٍ لأركبَها بنفسي لوقت الميعادِ الذي بيني وبين هَرْثَمَة، فركبت فيها، وركبت معي خاصَّتي، وجعلت بين باب خُراسانَ والمَشْرعةِ فرسانًا ورجالة، وأقبل هَرْثَمَةُ حتى سار بقرب مشرعةِ باب خُراسانَ مُعِدّا مُسْتَعدًّا، وقد خاتلني بالرِّسالة إلى المخلوع؛ ليخرجَ إليه ويحملَ معه البردةَ والقضيب والخاتمَ فيسلِّم الجَميع إلى هَرْثَمَة، فلمَّا وافى المخلوعُ باب خُراسان، مرَّ بالذين وكَّلتهم بحفظ المشرعة، وكنت قد تقدَّمت إليهم ألا يمكِّنوا أحدًا من العبور إلَّا بأمري، فبادرهم نحوَ المشرعة، وقرَّب هَرْثَمَةُ إليه الحرَّاقة، فسبق الناكثُ أصحابي إليها، وتأخَّر كوثرٌ عنه ومعه رداءُ رسول الله ﷺ والسيفُ والبُردة والقضيب والخاتَم، فظفر بكوثرٍ بعضُ أصحابي، وهو قريشٌ مولاي، فأخذه وأخذ ما معه.

стр. 6227

فنفر بعضُ أصحاب المخلوعِ عندما رأوا من إرادة أصحابي منعَ المخلوع من الخروج، فبادر بعضُهم حراقةَ هَرْثَمَة، فتكفَّأت بهم، فغرق بعضُهم، ورمى المخلوعُ بنفسه من الحرَّاقة في دجلةَ متخلِّصًا إلى الشطّ، نادمًا على ما كان من خروجه، ناقضًا للعهد، داعيًا بشعاره، فابتدره عدَّة من أوليائي عَنوةً وقهرًا، بلا عقدٍ ولا عهد، فعرض عليهم مئةَ حَبَّة، ذُكر أنَّ قيمة كلِّ حبةٍ ألفُ درهم (١)، فأبوا إلا الوفاءَ لخليفتهم، وصيانةً لدينهم، وإيثارًا للحقِّ الواجب عليهم، فتعلَّقوا به كلٌّ يريد الحُظْوةَ عندي، وازدحمت عليه أسيافُهم، فأُتيح له مُتَغَيِّظ لله ودينه ورسولهِ وخليفته، فأتى عليه، وأصبح الناسُ بين مكذب ومصدِّق، فأزلتُ الشبهةَ بأن نصبتُ رأسه، فنظروا إليه ليَصِحَّ يَقينُهم (٢)، وتنقطعَ أطماع نَغَل القلوب، فلْيهنِ أميرَ المؤمنين هذا الفتحُ العظيم، وأسأل الله العظيم أن يجمعَ له خيرَي الدنيا والآخرة. وبلغ إبراهيمَ بن المهديِّ كتابُه فقال: كذب الأعور، واللهِ ما قتله إلَّا عنادًا لله ولرسوله، وما ارتكب محمَّد ما يُستباح به دمُه، وإنَّ الأعور لتحدِّثه نفسه بأمورٍ سوف يُظهرها، وإنَّ في رأسه لغَدرة، أليس هو القائل مُفْتَخرًا: [من الوافر] مَلَكتُ الناسَ قَهْرًا واقتِسارًا … وأذْلَلْتُ (٣) الجَبابرةَ الكِبارا ووَجَّهْتُ الخلافةَ نحو مَرْوٍ … إلى المأمون تَبتَدِرُ ابتدارا حَصَرْتُ المُتْرَفَ المَخلوعَ حتى … نَسَجْتُ من الدِّماء له إزارا فتَكْتُ به برَغْم أُنوفِ قومٍ … ولو نَطَقوا لصاروا حيث صارا وهو القائل: [من المتقارب] قتلتُ الخليفةَ في داره … وأنْهَبْتُ بالسَّيف أمواله (٤) وقال الصُّولي: تواترت على محمَّد أسبابٌ قبل قتله تدلُّ على إدبار أمره، جلس ليلةً وعنده إبراهيمُ بن المهديِّ في مَنْظَرةٍ بالخُلد، وكانت ليلةً مُقْمِرة، فاستدعى جاريةً له

стр. 6228

اسمُها ضَعْف، قال إبراهيم: فتطيَّرتُ من اسمها، فقال لها: غنِّي، فغنَّت بأبيات النابغة (١): [من الطويل] كُلَيبٌ لَعَمْري كان أكثرَ ناصرًا … وأيسَرَ ذنبًا منك ضُرِّج بالدَّمِ فتطيَّر وقال: غنِّي غيرَ هذا، فغنَّت: [من البسيط] أبكى فراقُهمُ عيني فأرَّقها … إنَّ التفرُّق للأحباب بكَّاءُ ما زال يعدو عليهمْ ريبُ دهْرِهمُ … حتى تفانَوا وريبُ الدهر عدَّاءُ (٢) فقال لها: لعنكِ الله، أما تعرفين غيرَ هذا! فقالت: ما تغنَّيت إلَّا بما ظننت أنَك تحبه، فقال: غنِّي، فغنَّت: [من المنسرح] أما وربِّ السُّكون والحَرَكِ … إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ (٣) ما اختلف الليلُ والنهارُ ولا … دارت نجومُ السَّماءِ في فَلَكِ إلا بنَقْل السلطانِ من مَلِكٍ … عانٍ بحبِّ الدُّنا إلى مَلِك (٤) ومُلكُ ذي العرشِ دائمًا أبدًا … ليس بفانٍ ولا بمشتَرَك فلعنها وأقامها، وبين يديه قدحُ بلَّور طويلٌ من عجائب الأقداحِ صنعةً كان يسمِّيه زُبَّ رُبَّاح (٥)، فعثرت الجاريةُ به فانكسر، فقال: يا إبراهيم، أما ترى؟! ما أظن أمري إلا قد قرب، وإذا بصوتٍ من دجلة يُسمع ولا يُرى له شخص: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] فقُتل بعد يومين. وقال السندي: جلس محمَّد ليلةً على بِساطٍ مُرَصَّع بالجواهر، وبين يديه عدَّةُ مُغَنِّيات، فغنَّت واحد وقالت: [من الطويل]

стр. 6229

همُّ قتلوه كي يكونوا مكانَه … كما غَدَرتْ يومًا بكسرى مَرازبُه (١) فتطيَّر منها وسبَّها، وقال لأخرى: غنِّي، فغنَّت: [من الكامل] مَن كان مَسرورًا بمَقْتَل مالك … فليَأتِ نسوَتنا بوَسط نهارِ يَجِد النِّساءَ حَواسرًا يَنْدُبْنه … قد قُمْنَ قبل تبَلُّج الأسحار (٢) فبكى وقام، ورمى البِساطَ في دجلةَ وقال: [من مجزوء الكامل] يا نَفْسُ قد حَقَّ الحَذَر … أين المَفَرُّ من القَدَرْ كلُّ امرئٍ ممَّا يخافُ … ويَرْتَجيه على خَطَر مَن يَرتَشفْ صَفْوَ الزَّما … نِ يَغَصُّ يومًا بالكَدَرْ وقال السِّندي: ومع هذا فما كان يصرف زمانَه إلَّا في اللهو واللعب، ولقد جلس يومًا على بِركةٍ فيها سَمَك، ورمى الشِّصَّ (٣) ليصيدَ، وحجارةُ المجانيق تقع بين يديه، فقيل له: قم من ها هنا، فقال: حتى أتمِّمَ صيدي. واشتدَّ القتالُ يومًا على باب قصرِ الخُلد، وجاءت حجارةُ المنجنيق والشطَّارُ بين يديه يقاتلون، فقال لهم: تنحَّوا من ها هنا لئلَّا تُصيبَكم الحجارة؛ شفقةً عليهم. فقالوا له: إذا لم نقاتلْ نحن فقل لزبيدةَ تخرج تقاتل، فتمثَّل بقول الأفْوَهِ الأَوْدي وقال: [من البسيط] لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سراةَ لهم … ولا سَراةَ إذا جُهَّالهمْ سادوا تُهدَى الأمورُ بأهل الرأي ما صَلَحَت … فإنْ تَوَلَّت فبالأشرار تَنقاد (٤) وقال المأمونُ للفضل بنِ سهل: قد كان لأخي رأيٌ لو عَمل به لظَفِر، قال: وما هو؟ قال: لو كتب إلى البلاد التي تحت أيدينا: خُراسانَ وطَبَرِسْتان والرَّيِّ وغيرِها بوضع

стр. 6230

الخراجِ سنة؛ لأنَّا كانا بين أمرين، إنْ طلبناه منهم قاتلونا، وإن لم نطلبه ضَعُفنا فتفرَّق الجندُ عنا، فقال الفضل: الحمدُ لله الذي ستر عنه هذا الرأي (١). وقُتل محمد في المُحَرَّم لست بقينَ منه سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة. [قال الصُّولي:] وبويع في جُمادى الأولى سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، فكانت خلافتُه أربعَ سنينَ وثمانيةَ أشهرٍ وأيامًا. [وقال الخطيب:] (٢) وسبعةَ أشهرٍ وثمانيةَ أيام. و [قال الصُّولي:] خُلع لعشرٍ خلون من رجبٍ سنةَ ستٍّ وتسعين [ومئة]، وذلك بعد ثلاث سنينَ وخمسةٍ وعشرين (٣) يومًا من خلافته، وحُبس يومين بالقبة الخضراء، فلم يجدوا مَن يرضون به، فأعادوه إلى الخلافة ببيعةٍ ثانية، ولم يزل في حربٍ وحصار سنةً وثلاثةَ عشرَ يومًا، ولم يُعلم خليفة قبل محمَّد خلع وحُبس (٤) سواه. [قال: وطلب ماءً يشربه وكان قد عطش، فلم يجدوا ماء يسقونه به إلا في مَطْهرة.] (٥) وقُتل وله ثمان وعشرون سنة. وكان على قضائه إسماعيلُ بن حمَّاد بنِ أبي حَنيفة، ثم أبو البَخْتَريّ وَهْبُ بن وهب، ومحمَّد بن سَمَاعة. وكتب المأمونُ إلى طاهر: اكتب إليَّ سيرةَ محمَّد، فكتب إليه: كان واسعَ الطَّرَب، ضَيِّقَ الأدب، تبيح (٦) نفسُه ما تَعافُه هِمَمُ ذَوي الأقدار، يجمع الكتائبَ بالتَّبذير، ثم يُفرِّقها بسوء التدبير (٧)، وكنَّا في وجهه أسودًا ضاريه، تُمسي وفي أشداقها خَلوقُ النَّاكثين، وتُصبح وتحت صدورِها صدورُ المارقين، وإنَّ الله يأخذ بدمه يومَ القيامة

стр. 6231

ثلاثة، لا أنا ولا أنت منهم، الفضلُ بن الربيع، وعليُّ بن عيسى بن ماهان، وبكرُ بن المُعْتَمِر. ذِكر مراثيه: [قد رثى محمَّدًا جماعة، قال عمر بن شَبَّة:] تزوَّج الأمينُ لُبابةَ بنت عليِّ بن المهدي، فقُتل قبل أن يدخلَ بها، فقالت -وقيل: إنَّهما لابنة عيسى بنِ جعفر، و [الأصحُّ أن البيتين لها؛ لأنَّها] (١) كانت مُمْلَكة عليه ولم يدخلْ بها-: [من المنسرح] أبكيكَ لا للنَّعيم والأنسِ … بل للمَعالي والرُّمح والفَرَسِ (٢) أبكي على هالكٍ فُجِعْتُ به … أَرْمَلَني قبل ليلةِ العُرس وقيل للُبابة: ألا ترين توانيَ محمَّد واشتغاله عن عَدوِّه بلَهْوه ولَعِبه؟! فقالت: مَن ستر عينيه جريانُ القدر عن طريق الحَذَر، ألهاه الأمَلُ عن الفكر في الأجل، وللخلق غايةٌ هم بالغوها، عن نعيمٍ أو بؤس، كلُّ ذلك بتقدير العزيزِ العلم، في لوحٍ محفوظ، تتنزَّل به أقضيتُه على مَن يشاء من خلقه. وقال الحسين بن الضحَّاك مولى باهلة [وكان من ندمائه هذه الأبيات] (٣): يا خيرَ أُسرتِه وإن زعموا … إني عليك لَمُشْفِقٌ أسفُ اللهُ يعلم أنَّ لي كَبِدًا … حرَّى عليك ومُقْلَةً تَكِف هلَّا بقيتَ لسَدِّ فاقتِنا … أبدًا وكان لغيرك التَّلَف فلقد خَلفتَ خلائفًا سلفوا … ولسوف يُعوزُ بعدك الخَلَف هَتَكوا بحُرْمَتك التي هُتِكَت … حُرَمَ الرَّسول ودونها السُّجُف هيهات بعدك أن يدومَ لنا … عِزٌّ وأن يَبقى لنا شَرَف قد كنتَ لي أملًا غَنِيتُ به … فمضى وحل مَحَلَّه الأَسَف

стр. 6232

من أبيات. وقال أيضًا: [من الطويل] أطِل حَزنًا وابكِ الأمينَ محمَّدا … إنْ خِفْتَ أن تلقى حُسامًا مُهَنَّدا لحا اللهُ قومًا أسلموك وظاهروا … عليك لَعينًا فاسِقًا مُتَمَرِّدا فلا وَجدوا للعَيْش بعدك لَذَّةً … ولا بَرِحوا من حُرمَةِ الخَوف والرَّدى فقد كنتَ خيرَ الناس غيرَ مُدافَعٍ … وأشرفَهم نَفْسًا وأزكاه مَحْتِدا وأكرمَه عَفْوًا وأعلاه همَّةً … وأسبقَه جُودًا وأجودَه يدا ولا تمَّت الأشياءُ بعد محمَّد … ولا زال شَمْلُ المُلك فيه مُبدَّدا ولا فرح المأمونُ بالمُلك بعده … ولا زال في الدنيا طَريدًا مُشَرَّدا (١) وقال أبو نُواس: [من الطويل] طَوى الموتُ ما بيني وبين محمَّد … وليس لما تطوي المَنيةُ ناشرُ وكنتُ عليه أحْذَرُ [الموتَ] (٢) وَحْدَه … فلم يَبقَ لي شيءٌ عليه أُحاذِرُ لَئن عَمَرتْ دورٌ بمَن إلَّا أُحبُّه … لقد عَمَرت ممَّن أحبُّ المقابر وهذا المعنى أخذه أبو نُواسٍ من امرأة، فإنَّه اجتاز بمَقبُرة، فرأى امرأةً تبكي عند قبرٍ قد مات ولدُها وهي تقول: إنَّ فقدي إياك أنساني فقدَ سواك، وإنَّ مُصيبتي بك هَوَّنت عليَّ المصائب، ثم قالت: [من مجزوء الكامل] كنتَ السَّوادَ لمُقْلَةٍ … فبكى عليك النّاظِرُ (٣) مَن شاء بعدك فليَمُتْ … فعليك كنت أُحاذِز وقال إبراهيم بنُ المهدي وكتب بها إلى المأمون يُخبره أنَّهم ذبحوه من خلفِ قفاه، ولفُّوا جُثَّته في [جُل وألقَوه] في دِجلة (٤): [من السريع]

стр. 6233

لم يَكفِهِ أن حَزَّ أوداجَه … نحْرَ الهدايا بمُدى الجازِرِ حتى انْبَرى يسْحَبُ أوصاله … في شَطَنٍ يُفني مَدَى السَّائر فأَبلِغا المأمونَ عنِّي فقد … زيد على المأمورِ والآمر (١) قولًا له يا ابنَ سَليلِ الهُدى (٢) … طَهِّرْ بلادَ اللهِ من طاهر من أبيات. فلمَّا قرأها المأمونُ اشتدَّ عليه. وقالت زُبيدة [أمُّ الأمين] (٣) -وقيل: إنَّ خُزَيمة بنَ الحسن قالها على لسانها: [من المديد] قد رأيتُ الخُلْدَ يُنْتَهَبُ … وأَجيجُ النَّارِ تلتَهبُ [وبه الأبكارُ صارخةٌ … ضجَّ منها الوَيلُ والحَرَب] وأميرُ المؤمنين على التُّرْبِ … والأوداجُ تَنْشَخِبُ (٤) ضربوه فوق مَفْرِقه … وَيحهم يَدرون مَن ضربوا لو يكن بالرُّوم مَقتَلُه … لَبَكَتْه الرومُ والصُّلُب أبصرتْ عيناي ويحهما … عَجَبًا ما مثلُه عَجَب جسمَ روحٍ صَريخَ له … رأسه للناس قد نَصَبوا [فأتى ما لا أقَدِّره … وحُتوف المرء تُجْتَلب فصَبَرْتُ النَّفْسَ كارهةً … ودموعي الدَّهرَ تَنْسَكِبُ] (٥) فحَياتي ما حَييتُ كُدًى … أو توراي وَجْهيَ التُّرُبُ فعليه ما بدا فَلَقٌ … رَحْمةُ الرَّحمن تُرْتَقَبُ وقال عن لسانها -وكتبت بها إلى المأمونِ أخي الأمين (٦): [من الطويل]

стр. 6234

لِخيرِ إمامٍ قام من خير عُنْصُرٍ … وأفضلِ سامٍ فوق أعوادِ مِنْبَرِ لِوارث علمِ الأوَّلين ومَلْكِهم … إلى المَلِك المأمون من أمِّ جعفرِ كتبتُ وعيني تَسْتَهِلُّ دُموعُها … إليك بحُزني (١) من جُفوني ومَحْجِري وقد مَسَّني ضُرٌّ وذُلٌّ ونَكْبَةٌ (٢) … وأرَّق عَيني حَسْرَتي وتَذَكُّري (٣) سأشكو الذي لاقيتُ من بعد فَقْدِه … إليك شَكاةَ المُسْتَضامِ (٤) المُقَهَّر أُصِبْتُ بأدنى الناس منكَ قَرابةً … ومَن هو لي رُوحٌ فعِيلَ تَصَبُّري (٥) أتى طاهرٌ لا طهَّر اللهُ طاهرًا … فما طاهرٌ فيما أتى بمُطهَّر فأبْرَزَني مَكشوفةَ الوجهِ حاسِرًا … وأنْهَبَ أموالي وأحرق آدُري (٦) وعزَّ على هارونَ ما قد لقيتُه … وما مرَّ بي من ناقِصِ الخَلْقِ أعور فإنْ كان ما أسدى (٧) بأمرٍ أمَرْتَه … صَبَرْتُ لأمرٍ من قديرٍ مُقَدِّر وإنْ تكن الأخرى فغيرُ مُدافَعٍ … إليك أميرَ المؤمنين فغيِّرِ تذكَر أميرَ المؤمنين قَرابتي … فدَيتُك من ذي حُرْمَةٍ مُتَذَكِّر فلمَّا قرأها المأمونُ بكى وتلهَّف. ذِكرُ أزواجه وأولاده: كان له من الولد موسى وعبدُ الله وعيسى وإبراهيم. وأمَّا نساؤه، فقد ذكرنا اثنتين لم يدخلْ بهما، وكان له عدَّة سراري. وأسند الحديثَ عن أبيه عن جده. [قال علماء السير:] لما قُتل محمَّد، أعطى طاهرٌ الأمان للناس عامة، ودخل يومَ الجمعة مدينةَ المنصور، فخطب بالناس وصلَّى بهم، فكان من خطبته -وقد حضرها بنو

стр. 6235

هاشمٍ والقوَّاد وغيرهم: الحمدُ لله ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية. وحضَّ على الطاعة، ونهى عن الفتنة. ثم قال: إنَّ الله لا يُصلح عملَ المفسدين، ولا يَهدي كيدَ الخائنين، إنَّ ظهورَنا لم يكن عن أبيدٍ منا، بل اختيار اللهِ ، ونُصرتُه لخلافته التي جعلها عمادًا لعباده، وقوامًا لبلاده، وضبطًا لأطراف الثُّغور، وسدَّها، وجمعَ الفيءِ والغنائم، وإنفاذَ الأحكام، وإقامةَ العدل، وإحياءَ السنَّة، بعد جرِّ أذيال الفتنةِ والبطالة، والتلذُّذِ بالشهوات، وغمز محمَّدًا، وحثَّ على طاعة المأمون، ثم نزل. ولمَّا كان بعد مقتل محمَّد بخمسة أيام، وثب الجندُ بطاهرٍ وشغبوا عليه، ولم يكن في يده مال، فانهزم من البستان، ونهبوا متاعَه، فهرب إلى عَقْرَقُوف، وكان قد أمر بحفظ أبوابِ بغدادَ، والاحتياطِ على أمِّ جعفر وموسى وعبدِ الله ابني محمَّد، ثم بعث بهما بعد ذلك إلى المأمون. ولما وثب الجندُ بطاهر، أحرقوا بابَ الأنبار وبابَ البستان وشهروا السلاح، ونادَوا موسى بنَ محمَّد: يا منصور، ورجع طاهرٌ من عقرقوف لقتالهم، وعلموا أنَّ موسى وعبدَ الله قد بعث بهما طاهر إلى خُراسان، فيئسوا، فعادوا إلى صلح طاهر، فعفا عنهم وشرط عليهم ألا يخرجوا عليه. [يحيى بنُ سعيد ابن فَرُّوخٍ القَطَّان. ذكره ابنُ سعد في الطبقة السادسةِ من أهل البصرة، قال: ويُكنى أبا سعيد، وكان ثقةً مأمونًا رفيعًا، وتوفي يحيى بنُ سعيد بالبصرة في صفرٍ سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة في خلافة عبد الله بن هارون. هذا صورةُ ما ذكر ابنُ سعد (١)، وذكره الخطيبُ (٢) فقال: هو مولى بني تميم، ولد سنةَ عشرين ومئة، وكان عالمًا فاضلًا عابدًا.
следующие страницы →