← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

ثلاثة، لا أنا ولا أنت منهم، الفضلُ بن الربيع، وعليُّ بن عيسى بن ماهان، وبكرُ بن المُعْتَمِر. ذِكر مراثيه: [قد رثى محمَّدًا جماعة، قال عمر بن شَبَّة:] تزوَّج الأمينُ لُبابةَ بنت عليِّ بن المهدي، فقُتل قبل أن يدخلَ بها، فقالت -وقيل: إنَّهما لابنة عيسى بنِ جعفر، و [الأصحُّ أن البيتين لها؛ لأنَّها] (١) كانت مُمْلَكة عليه ولم يدخلْ بها-: [من المنسرح] أبكيكَ لا للنَّعيم والأنسِ … بل للمَعالي والرُّمح والفَرَسِ (٢) أبكي على هالكٍ فُجِعْتُ به … أَرْمَلَني قبل ليلةِ العُرس وقيل للُبابة: ألا ترين توانيَ محمَّد واشتغاله عن عَدوِّه بلَهْوه ولَعِبه؟! فقالت: مَن ستر عينيه جريانُ القدر عن طريق الحَذَر، ألهاه الأمَلُ عن الفكر في الأجل، وللخلق غايةٌ هم بالغوها، عن نعيمٍ أو بؤس، كلُّ ذلك بتقدير العزيزِ العلم، في لوحٍ محفوظ، تتنزَّل به أقضيتُه على مَن يشاء من خلقه. وقال الحسين بن الضحَّاك مولى باهلة [وكان من ندمائه هذه الأبيات] (٣): يا خيرَ أُسرتِه وإن زعموا … إني عليك لَمُشْفِقٌ أسفُ اللهُ يعلم أنَّ لي كَبِدًا … حرَّى عليك ومُقْلَةً تَكِف هلَّا بقيتَ لسَدِّ فاقتِنا … أبدًا وكان لغيرك التَّلَف فلقد خَلفتَ خلائفًا سلفوا … ولسوف يُعوزُ بعدك الخَلَف هَتَكوا بحُرْمَتك التي هُتِكَت … حُرَمَ الرَّسول ودونها السُّجُف هيهات بعدك أن يدومَ لنا … عِزٌّ وأن يَبقى لنا شَرَف قد كنتَ لي أملًا غَنِيتُ به … فمضى وحل مَحَلَّه الأَسَف

стр. 6232

من أبيات. وقال أيضًا: [من الطويل] أطِل حَزنًا وابكِ الأمينَ محمَّدا … إنْ خِفْتَ أن تلقى حُسامًا مُهَنَّدا لحا اللهُ قومًا أسلموك وظاهروا … عليك لَعينًا فاسِقًا مُتَمَرِّدا فلا وَجدوا للعَيْش بعدك لَذَّةً … ولا بَرِحوا من حُرمَةِ الخَوف والرَّدى فقد كنتَ خيرَ الناس غيرَ مُدافَعٍ … وأشرفَهم نَفْسًا وأزكاه مَحْتِدا وأكرمَه عَفْوًا وأعلاه همَّةً … وأسبقَه جُودًا وأجودَه يدا ولا تمَّت الأشياءُ بعد محمَّد … ولا زال شَمْلُ المُلك فيه مُبدَّدا ولا فرح المأمونُ بالمُلك بعده … ولا زال في الدنيا طَريدًا مُشَرَّدا (١) وقال أبو نُواس: [من الطويل] طَوى الموتُ ما بيني وبين محمَّد … وليس لما تطوي المَنيةُ ناشرُ وكنتُ عليه أحْذَرُ [الموتَ] (٢) وَحْدَه … فلم يَبقَ لي شيءٌ عليه أُحاذِرُ لَئن عَمَرتْ دورٌ بمَن إلَّا أُحبُّه … لقد عَمَرت ممَّن أحبُّ المقابر وهذا المعنى أخذه أبو نُواسٍ من امرأة، فإنَّه اجتاز بمَقبُرة، فرأى امرأةً تبكي عند قبرٍ قد مات ولدُها وهي تقول: إنَّ فقدي إياك أنساني فقدَ سواك، وإنَّ مُصيبتي بك هَوَّنت عليَّ المصائب، ثم قالت: [من مجزوء الكامل] كنتَ السَّوادَ لمُقْلَةٍ … فبكى عليك النّاظِرُ (٣) مَن شاء بعدك فليَمُتْ … فعليك كنت أُحاذِز وقال إبراهيم بنُ المهدي وكتب بها إلى المأمون يُخبره أنَّهم ذبحوه من خلفِ قفاه، ولفُّوا جُثَّته في [جُل وألقَوه] في دِجلة (٤): [من السريع]

стр. 6233

لم يَكفِهِ أن حَزَّ أوداجَه … نحْرَ الهدايا بمُدى الجازِرِ حتى انْبَرى يسْحَبُ أوصاله … في شَطَنٍ يُفني مَدَى السَّائر فأَبلِغا المأمونَ عنِّي فقد … زيد على المأمورِ والآمر (١) قولًا له يا ابنَ سَليلِ الهُدى (٢) … طَهِّرْ بلادَ اللهِ من طاهر من أبيات. فلمَّا قرأها المأمونُ اشتدَّ عليه. وقالت زُبيدة [أمُّ الأمين] (٣) -وقيل: إنَّ خُزَيمة بنَ الحسن قالها على لسانها: [من المديد] قد رأيتُ الخُلْدَ يُنْتَهَبُ … وأَجيجُ النَّارِ تلتَهبُ [وبه الأبكارُ صارخةٌ … ضجَّ منها الوَيلُ والحَرَب] وأميرُ المؤمنين على التُّرْبِ … والأوداجُ تَنْشَخِبُ (٤) ضربوه فوق مَفْرِقه … وَيحهم يَدرون مَن ضربوا لو يكن بالرُّوم مَقتَلُه … لَبَكَتْه الرومُ والصُّلُب أبصرتْ عيناي ويحهما … عَجَبًا ما مثلُه عَجَب جسمَ روحٍ صَريخَ له … رأسه للناس قد نَصَبوا [فأتى ما لا أقَدِّره … وحُتوف المرء تُجْتَلب فصَبَرْتُ النَّفْسَ كارهةً … ودموعي الدَّهرَ تَنْسَكِبُ] (٥) فحَياتي ما حَييتُ كُدًى … أو توراي وَجْهيَ التُّرُبُ فعليه ما بدا فَلَقٌ … رَحْمةُ الرَّحمن تُرْتَقَبُ وقال عن لسانها -وكتبت بها إلى المأمونِ أخي الأمين (٦): [من الطويل]

стр. 6234

لِخيرِ إمامٍ قام من خير عُنْصُرٍ … وأفضلِ سامٍ فوق أعوادِ مِنْبَرِ لِوارث علمِ الأوَّلين ومَلْكِهم … إلى المَلِك المأمون من أمِّ جعفرِ كتبتُ وعيني تَسْتَهِلُّ دُموعُها … إليك بحُزني (١) من جُفوني ومَحْجِري وقد مَسَّني ضُرٌّ وذُلٌّ ونَكْبَةٌ (٢) … وأرَّق عَيني حَسْرَتي وتَذَكُّري (٣) سأشكو الذي لاقيتُ من بعد فَقْدِه … إليك شَكاةَ المُسْتَضامِ (٤) المُقَهَّر أُصِبْتُ بأدنى الناس منكَ قَرابةً … ومَن هو لي رُوحٌ فعِيلَ تَصَبُّري (٥) أتى طاهرٌ لا طهَّر اللهُ طاهرًا … فما طاهرٌ فيما أتى بمُطهَّر فأبْرَزَني مَكشوفةَ الوجهِ حاسِرًا … وأنْهَبَ أموالي وأحرق آدُري (٦) وعزَّ على هارونَ ما قد لقيتُه … وما مرَّ بي من ناقِصِ الخَلْقِ أعور فإنْ كان ما أسدى (٧) بأمرٍ أمَرْتَه … صَبَرْتُ لأمرٍ من قديرٍ مُقَدِّر وإنْ تكن الأخرى فغيرُ مُدافَعٍ … إليك أميرَ المؤمنين فغيِّرِ تذكَر أميرَ المؤمنين قَرابتي … فدَيتُك من ذي حُرْمَةٍ مُتَذَكِّر فلمَّا قرأها المأمونُ بكى وتلهَّف. ذِكرُ أزواجه وأولاده: كان له من الولد موسى وعبدُ الله وعيسى وإبراهيم. وأمَّا نساؤه، فقد ذكرنا اثنتين لم يدخلْ بهما، وكان له عدَّة سراري. وأسند الحديثَ عن أبيه عن جده. [قال علماء السير:] لما قُتل محمَّد، أعطى طاهرٌ الأمان للناس عامة، ودخل يومَ الجمعة مدينةَ المنصور، فخطب بالناس وصلَّى بهم، فكان من خطبته -وقد حضرها بنو

стр. 6235

هاشمٍ والقوَّاد وغيرهم: الحمدُ لله ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية. وحضَّ على الطاعة، ونهى عن الفتنة. ثم قال: إنَّ الله لا يُصلح عملَ المفسدين، ولا يَهدي كيدَ الخائنين، إنَّ ظهورَنا لم يكن عن أبيدٍ منا، بل اختيار اللهِ ، ونُصرتُه لخلافته التي جعلها عمادًا لعباده، وقوامًا لبلاده، وضبطًا لأطراف الثُّغور، وسدَّها، وجمعَ الفيءِ والغنائم، وإنفاذَ الأحكام، وإقامةَ العدل، وإحياءَ السنَّة، بعد جرِّ أذيال الفتنةِ والبطالة، والتلذُّذِ بالشهوات، وغمز محمَّدًا، وحثَّ على طاعة المأمون، ثم نزل. ولمَّا كان بعد مقتل محمَّد بخمسة أيام، وثب الجندُ بطاهرٍ وشغبوا عليه، ولم يكن في يده مال، فانهزم من البستان، ونهبوا متاعَه، فهرب إلى عَقْرَقُوف، وكان قد أمر بحفظ أبوابِ بغدادَ، والاحتياطِ على أمِّ جعفر وموسى وعبدِ الله ابني محمَّد، ثم بعث بهما بعد ذلك إلى المأمون. ولما وثب الجندُ بطاهر، أحرقوا بابَ الأنبار وبابَ البستان وشهروا السلاح، ونادَوا موسى بنَ محمَّد: يا منصور، ورجع طاهرٌ من عقرقوف لقتالهم، وعلموا أنَّ موسى وعبدَ الله قد بعث بهما طاهر إلى خُراسان، فيئسوا، فعادوا إلى صلح طاهر، فعفا عنهم وشرط عليهم ألا يخرجوا عليه. [يحيى بنُ سعيد ابن فَرُّوخٍ القَطَّان. ذكره ابنُ سعد في الطبقة السادسةِ من أهل البصرة، قال: ويُكنى أبا سعيد، وكان ثقةً مأمونًا رفيعًا، وتوفي يحيى بنُ سعيد بالبصرة في صفرٍ سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة في خلافة عبد الله بن هارون. هذا صورةُ ما ذكر ابنُ سعد (١)، وذكره الخطيبُ (٢) فقال: هو مولى بني تميم، ولد سنةَ عشرين ومئة، وكان عالمًا فاضلًا عابدًا.

стр. 6236

وحكى الخطيب (١) [عن] ابن مَعينٍ قال: أقام يحيى يختم القرآنَ كلَّ ليلة عشرين سنة، ولم يَفُته الزَّوالُ في المسجد أربعين سنة، وما رُئي يطلب جماعة قط. ولم يدخل حمَّامًا، ولا ادَّهن ولا اكتحل، ولا ضحك إلَّا متبسِّما، وكان يتواجد إذا سمع القرآن. قال أبو نعيم بإسناده إلى علي بن عبد الله قال: كنا عند يحيى بن سعيد، فقال لرجل: اقرأ، فقرأ: حم الدخان، فتغير وجه يحيى، فلما وصل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ [الدخان: ٤٠] صَعِقَ يحيى وغُشي عليه، وارتفع صدرُه من الأرض، تقوَّس وانقلب، فأصاب الباب فَقار ظهره (٢)، وسال الدم، وصرخ الناس، فما زالت به تلك القَرحةُ حتى مات. وسئل الإمامُ أحمد بن حنبلٍ فقيل له: إنَّ أناسًا يُغشى عليهم ويَصعَقون عند سماع القرآنِ والوعظ؟ فقال: لا بأسَ به، قد فعله يحيى بنُ سعيد القطان، ولو كان به بأسٌ ما فعله. وقال أبو نُعيم (٣): قيل ليحيى في مرضه: يعافيك الله، فقال: أَحبُّه إليَّ أَحبُّه إليه. واتَّفقوا على أنَّه مات في هذه السَّنة بالبصرة. وروى الخطيب عن [عبد الله بنِ] (٤) سَوَّار بن عبد الله قال: رأيت في المنام كتابًا متعلَّقًا بين السماء والأرض، فقرأته، فإذا فيه: هذا كتابُ براءةٍ من الله تعالى ليحيى بنِ سعيدٍ القطَّان الأحول، قال الخطيب: وكان أحول. واتَّفقوا على صدقه وورعه وثقته.] * * *

стр. 6237

السَّنة التاسعة والتِّسعون بعد المئة فيها قدم الحسن بن سَهْلٍ من عند المأمونِ إلى بغدادَ مُستَقلًّا بالولايات. وشخص طاهرٌ إلى الرقَّة في جُمادى الأولى، وشخص هَرْثَمَةُ إلى خُراسان. وفيها خرج بالكوفة محمَّدُ بن إبراهيمَ [ابنِ إسماعيلَ بن إبراهيم] (١) بن الحسن بنِ الحسن بن عليِّ بن أبي طالب يوم الخميس لعشرٍ خَلَون من جمادى الآخرة، يدعو إلى الرضا من آل محمَّد ﷺ والعملِ بالكتاب والسنَّة. ومحمَّد هذا يقال له: ابن طَبَاطَبَا، وكان القيَمَ بأمره في الحرب وغيرِها أبو السَّرايا [واسمه] السريُّ بن منصور، ويزعم أنَّه من ولد هانئ بن قَبيصةَ [بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي رَبيعة بن ذهْل بن شَيبان] الشيباني. و [اختلفوا في] سبب خروجه [يعني خروج ابن طباطبا، فقال بعضُهم: سببه] (٢) صَرفُ المأمون طاهرًا عن العراق، وتوليةُ الحسن بن سهل [أخي الفضل بن سهل] العراق، وأنَّ الفضل بنَ سهل قد غلب على المأمون، وأنَّه أنزله قصرًا حجبه فيه عن أهل بيته وقوَّاده وخاصَّه، وتحدَّث الناس بذلك في العراق [فيما بينهم]، وأنَّ الفضل يُبرم الأمور دون المأمون، فغضب مَن بالعراق من بني هاشمٍ ووجوهِ الناس، وأَنِفوا من غلبة الفضلِ على المأمون، ووقع الخلف، وهاجت الفتن في الأمصار، فكان ابن طبَاطبا أول خارج بالكوفة، عليها وعلى سوادها، وأجابه الأعراب من كلِّ مكان. وقيل (٣): كان أبو السَّرايا من أصحاب هرثمة، طلب منه رزقَه فمَطَله، فغضب ومضى إلى الكوفة، فبايع ابنَ طباطَبا، وأطاعه أهل الكوفة [وبلغ الخبرُ إلى الحسن بنِ سهل] وكان على الكوفة سليمان بن أبي جعفر المنصور من قبل الحسن [بن سهل] فعنف الحسن [سليمان] على وتخلُّفه، وضعْفه، [الحسن]، زُهَير بن المسيب في

стр. 6238

عشرة آلافٍ إلى الكوفة، فخرج إليه أبو السَّرايا، فالتقاه على القَنْطرة يومَ الخميس لليلةٍ خلت من رجب، فهزمه أبو السرايا، واستباح عسكرَه، وأخذ ما فيه [من مال وسلاح] وهرب زهير، وأصبح محمَّد بن طباطَبا ميِّتًا ثانيَ يوم الوقعة، فيقال: إنَّ أبا السرايا أخذ الأموال، فطلبها منه محمَّد فمنعه إياها، وعلم أنَّه لا أمرَ له معه، فسمَّه وأقام مكانَه صبيًّا أمردَ حَدَثًا يقال له: محمد بنُ محمَّد بنِ زيد بن عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فكان أبو السرايا هو الذي يتولَّى الأمور، ومحمَّد بن محمَّد معه صورةً، ورجع زهيرٌ من يومه الذي هُزم فيه فأقام بقصر ابن هُبَيرة. وكان الحسن بن سهل قد جهَّز عَبْدوسَ بن محمَّد بنِ أبي خالدٍ المَرْوَرُّوذي (١) إلى النِّيل، فلما بلغه هزيمةُ زهيرٍ قصد الكوفةَ في أربعة آلاف، فلقيه أبو السرايا يومَ الأحد لثلاثَ عشرةَ بقيت من رجب، فقتله، وأسر هارونَ ابن أبي خالد، واستباح عسكره، ولم يُفلت من الأربعة آلافٍ أحد، كانوا بين قَتيلٍ وجَريح وأَسير، وبلغ زهيرًا قتلُ عَبْدوس، فانحاز بمن معه إلى نهر الملك، وضربِ أبو السَّرايا الدراهمَ ونقش حولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤] وانتشر الطالبيون في البلاد. ثم خرج أبو السرايا من الكوفة، فنزل قصرَ ابن هبيرة، وكانت طلائعُه تصل إلى كُوْثَى ونهرِ الملك، وبعث [أبو السرايا] (٢) جيوشًا إلى واسط والبصرة، وكان بواسطٍ عبدُ الله بن سعيدٍ الحَرَشيّ واليًا عليها من قِبَل الحسن [بنِ سهل] فخرج إليهم، فهزموه، فهرب إلى بغدادَ وقد قُتل من أصحابه جماعة وأُسر آخرون، فلمَّا رأى الحسن أنَّ أبا السرايا ومَن معه لا يَلقَون له جيشًا إلَّا هزموه، وليس معه من القوَّاد مَن يقوم بحربه، اضطرَّ إلى هَرْثَمَة. وكان هَرثَمَةُ لما قدم الحسنُ بغدادَ بيده أعمال، فسلَّمها إلى الحسن، ومضى مُغاضِبًا له إلى خُراسان، فأرسل الحسنُ خلفه صالحًا صاحبَ المصلَّى، والسنديَّ (٣) وجماعةً من القوَّاد ليردُّوه إلى العراق، فصادفوه بحُلوان، وسألوه الرجوعَ إلى بغداد

стр. 6239

فامتنع، فلاطفه السِّندي، فعاد إلى بغدادَ في شعبانَ وتهيَّأ للخروج إلى أبي السرايا، وبعث الحسنُ عليَّ بن أبي سعيدٍ إلى المدائن وواسط، وبلغ أبا السَّرايا أنَّهم على عزم ذلك وهو بقصر ابنِ هُبَيرة، فوجَّه بعض أصحابه إلى المدائن فدخلوها، وجاء بنفسه فنزل نهرَ صَرْصَرَ مما يلي طريقَ الكوفة في شهر رمضان. وكان الحسن لما تأخرَّ قدومُ هَرْثَمَةَ عليه أمر منصور بنَ المهديّ أن يخرجَ فيعسكرَ بالياسرية (١) إلى حين قدومِ هَرْثَمَة، فخرج فعسكر بها، فلمَّا قدم هَرْثَمَة خرج فعسكر بين يدي منصور، ثم مضى حتى عسكر بنهر صَرْصَرَ بإزاء أبي السرايا والنهرُ بينهما، وكان عليُّ بن أبي سعيدٍ قد عسكر بكَلْواذى، فشخص على يوم الثلاثاء بعد الفطرِ بيوم، ووجَّه مقدِّمتَه نحو المدائن، فقاتلوا أصحابَ أبي السرايا غداةَ الخميس إلى الليل قتالًا شديدًا، فانكشف أصحابُ أبي السرايا، وأخذ عليٌّ المدائن، وبلغ أبا السرايا أَخْذُ على المدائن، فرجع يومَ السبت لخمسٍ خلون من شوَّالٍ إلى قصر ابنِ هبيرة فنزل به، ورحل هَرْثَمَةُ من صرصرَ طالبًا له، فلقي في طريقه جماعة كبيرة من أصحاب أبي السرايا، فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بنِ سهل، فلمَّا صار هَرْثَمَةُ إلى قصر ابنِ هبيرة، كانت بينه وبين أبي السرايا [وقعةٌ قُتل فيها من أصحاب أبي السرايا] (٢) خلقٌ كثير. وانحاز أبو السرايا إلى الكوفة، ووثب محمَّد بن محمد ومَن معه من الطالبيين على دورِ مَن بالكوفة من بني العباس، ودورِ مَواليهم وأَتباعهم، فأنهبوها وهدموها وحرقوها، وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا أعمالًا قبيحة، واستخرجوا الودائعَ التي كانت لهم عند الناسِ فأخذوها، وكان هَرْثَمَةُ يذكر أنَّه يريد الحجَ في هذه السنة، فحبس حاجَّ خُراسانَ والجبالِ والعراق والجزيرة وبغداد، فلم يدعْ أحدًا يخرج؛ رجاءَ أن يأخذَ الكوفة فيكونَ هو صاحبَ الموسم (٣). وبعث أبو السرايا إلى مكةَ حسينَ بن حسن بن علي [بن علي] (٤) بن حسين (٥) بن

стр. 6240

عليِّ بن أبي طالب، ويقال له: الأفطس (١)، وبعث إلى المدينة محمد بن سليمانَ بنِ داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان على مكةَ والمدينةِ داودُ بن عيسى بنِ موسى بن محمَّد بن عليّ. فأما محمَّد بنُ سليمان، فدخل المدينةَ ولم يقاتلْه أحد، وأما حسين بنُ حسن، فإنَه لمَّا قرب من مكةَ توقَّف عن الدخول، لأجل داودَ بن عيسى ومَن فيها من الأشراف والجند، وكان داودُ لما بلغه وصولُ حسين بنِ حسن، جمع العبيدَ ومواليَ بني العباس، وكان مَسرورٌ (٢) الكبير قد حجَّ في هذه السنة ومعه مئتا فارسٍ من أصحابه، فقال مسرورٌ لداود: قف لأرى شخصَك، أو أَقِم بعضَ ولدك وأنا أكفيك قتالهم، فقال داود: لا أستحلُّ القتال في حَرَم الله، ولئن دخلوا من هذا الفجِّ لأخرجنَّ من الفجِّ الآخرَ، فقال مسرور: تسلِّم سلطانَك وملكك إلى عدوِّك؟! فقال: وأيُّ ملك إليّ، واللهِ لقد أقمتُ معهم حتى شِخت، فما ولَّوني ولايةً حتى كبرت سنِّي وفني عمري، فولَّوني الحجازَ وليس فيه قُوت، وإنَّما هذا الملكُ لك ولأمثالك، فقاتِلْ إن شئت أو دَعْ. وانحاز داودُ من مكةَ إلى ناحية المُشاش، وشدَّ أثقاله على الإبل واستقبل بها طريقَ العراق، وافتعل كتابًا من المأمون بتولية ابنه محمَّد بن داودَ على صَلاة الموسم، وقال له: اخرج فصلِّ بالناس الظهرَ والعصر والمغربَ والعشاء بمِنى، وبِتْ بها، وصلِّ بالناس الفجر، ثم انطلق إلى طريق عَرَفة، وخذ على يسارك في شعب عَمرٍو (٣) حتى تأخذَ على طريق المُشاش، والحقني ببستان بني عامر، ففعل محمَّد ذلك ولم يقف بعرفة. وافترق الجمعُ الذين كان داودُ قد جمعهم من الموالي والعبيد، وخشي مسرورٌ إنْ قاتل الطالبيين أن يميلَ معهم أكثرُ الناس، فلحق بداودَ إلى بستان بني عامر ولم يقف بعرفة، فلمَّا زالت الشمس تدافع قومٌ من أهل مكةَ الصلاة، وقال الناسُ لمحمَّد بنِ عبد الرَّحمن المخزوميِّ قاضي مكة: تقدَّم فاخطب وصلِّ بالناس الظهرَ والعصر، فإنَّك قاضي البلد، فقال: قد هرب الإِمام، فلمن أدعو والطالبيُّون قد أطلوا علينا؟! وقالوا:

стр. 6241

لا تدعُ لأحد. فأبى، فقدَّموا رجلًا من أهل مكَّة، فصلَّى بالناس الصلاتين بغير خُطبة. ثم وقف الناس بعرفةَ بغير إمام، وحسينُ بن حسن واقف بسَرِف، فخاف أن يدخلَ مكة، فخرج إليه قومٌ من الطالبيين فأخبروه أنَّ البلد ليس فيه أحد، وأنهم قد خرجوا متوجهين إلى العراق، فدخل حسينٌ مكة يومَ عرفةَ قبل المغرب، ومعه أناسٌ دون العشرة، فطافوا بالبيت، وسعَوا بين الصَّفا المروة، ثم توجَّهوا إلى عرفةَ في الليل فوقفوا بها، ثم رجعوا إلى مزدلفة، فصلَّى حسين بالناس الفجرَ بعد أن وقف على قُزَحَ (١) ساعة من الليل، ثم أقام بمِنى أيامَ الحج، ثم دخل مكَّة، فأقام بها حتى انقضت هذه السَّنة، وأقام محمَّد بن سليمانَ بالمدينة، وانصرف الناس من مكةَ وقد أفاضوا بغير إمام. وأما هَرْثَمَة، فواقع أبا السَّرايا في المكان الذي واقع به أبو السرايا زهيرًا، وقيل: عند قريةٍ يقال لها: شاهي، فكانت الهزيمة في أوَّل النهارِ على هَرْثَمَة، وفي آخره على أبي السرايا، وكان هَرْثَمَةُ حريصًا على الحج، فلمَّا رأى أنَّه لا يقدر عليه، خاف على الحاجِّ من أبي السرايا، فردَّهم إلى بغداد، وتفرَّقوا في كلِّ وجه، وشرع هَرْثَمَةُ فكاتب وجوهَ الكوفة وأشرافَها. فصل وفيها توفي سليمانُ بن أبي جعفرٍ المنصور وكُنيته أبو أيوب. ولي دمشقَ وغيرها، وكان جَوادًا. [قال الخطيب (٢): وإليه يُنسب دربُ سليمانَ ببغداد. وروى أبو الفضل بنُ ناصرٍ له حكايةً فقال: حدَّثنا المبارك بنُ عبد الجبَّار بإسناده إلى محمَّد بنِ الحسن، عن أمِّ إبراهيمَ بنتِ جميل، عن] عُبيد اللهِ الشَّرَوي (٣) قَهرَمانِ [سليمانَ بن أبي جعفر] (٤): مرض سليمان، فعاده الرشيد، فرأى عنده جاريةً فائقة

стр. 6242

الجمالِ يقال لها: ضعيفة، فوقعت في قلبه، فطلبها منه، فدفعها إليه، واشتدَّ مرضُه لفراقها، فقال: [من مجزوء الكامل] أشكو إلى ذي العرشِ ما … لاقَيتُ من أمر الخليفهْ (١) يَسَع البَريَّةَ عَدلُه … ويُريد ظُلمي في ضَعيفه (٢) عَلِقَ الفؤادُ بحبِّها … كالحِبر يَعْلَق في الصَّحيفه وبلغ هارونَ فردَّها عليه. [حدَّث سليمانُ عن أبيه] وكانت وفاتُه في صفرٍ وهو ابنُ خمسين سنة. وفيها توفي أبو الحسن البَصري [علي بن بَكَّار] (٣) كان عالمًا زاهدًا متعبدًا، انتقل من البصرة فنزل المِصيصة، فأقام بها، وكان صاحبَ كرامات. [قال أبو نُعيم بإسناده عن موسى بنِ طريف (٤) قال:] كانت الجاريةُ تفرش له الفراش، فيلمسه بيده ويقول: واللهِ إنك لطيِّب، واللهِ إنك لبارد، واللهِ لا عَلوتُك الليلة. فكان يصلِّي الغداةَ بوضوء العَتَمة. [وحدَّثنا جدِّي عن سعد اللهِ بن علي البزاز ومحمَّد بن عبد الباقي قال: حدَثنا أحمدُ بن محمد بنِ حَسْنون بإسناده إلى أحمدَ بن مَرْزوق قال:] (٥) خرج أبو إسحاقَ الفَزاريُّ وعليُّ ان بكَّارٍ وأنا معهم إلى ظاهر المِصِّيصة نحتطب، فغاب عنَّا علي، فخفنا عليه، فجعلنا نطوف، وإذا به جالسٌ وفي حجْره رأسُ السَّبع، والسَّبُع نائم وهو يذبُّ عنه، فقال له أبو

стр. 6243

إسحاق (١): ما قعودُك ها هنا؟! فقال: لجأ إليَّ هذا فرحمته، وأنا أنتظره حتى ينتبه. وحكى أبو نُعيم قال: جاءه رجل فقال له (٢): حُذَيفةُ المَرْعَشيُّ يسلِّم عليك، قال: و ﵇، واللهِ إنِّي لأعرفه يأكل الحلال منذ ثلاثين سنة، ولا أحبُّ لقاءه، قال: ولمَ؟! قال: أخاف أن أتزيَّنَ له فأسقطَ من عين اللهِ . وقال الخطيب (٣): بكى عليُّ بن بكَّار حتى عمي، وكانت الدموع قد أثَّرت في خدَّيه، وطُعن في بعض مغازيه، فخرجت أمعاؤه على السَّرج، فشدَّها بعمامته وردَّها إلى بطنه، وقتل ثلاثةَ عشرَ عِلْجًا. ومات بالمِصِّيصة [في هذه السَّنة]. أسند عن هشام بنِ حسَّان وأبي إسحاقَ الفَزاري وغيرِهما، وصحب إبراهيمَ بن أدهمَ وتأدَّب به. عُمارة بن حَمْزةَ (٤) ابن مالك بن يزيدَ بن عبدِ الله، مولى العباسِ بن عبد المطَّلب. أحدُ الكتَّاب البُلَغاءِ الأجواد. ويقال: هو من ولد عكرمةَ مولى بني العباس. ولاه أبو جعفرٍ خراجَ البصرة. وكان فاضلًا، إلَّا أنه كان فيه تيهٌ شديد، وبه يُضرب المثل، فيقال: أَتْيَهُ من عُمارة. وقال إبراهيمُ بن داود: استأذن قوم عليه ليشفعوا إليه في برِّ قومٍ أصابتهم جائحة، فأمر لهم بمئة ألفِ درهم، فاجتمعوا ليدخلوا عليه في الشُّكر له، فقال لحاجبه: أَقرئهم سلامي وقيل لهم: إنِّي قد رفعت عنهم ذلَّ المسألة، فلا أُحمِّلهم مؤونةَ الشكر. وقال عبدُ الله بن أيوب: بعث أبو أيوبَ المكِّي بعضَ ولده إلى عُمارة، فأدخله الحاجبُ وعمارةُ مضطجع قد حول وجهه إلى الحائط، فقال الحاجب: سلِّم، قال:

стр. 6244

فسلمت فلم يردّ، فقال الحاجب: سَلْ حاجتَك، فقلت: لعله نائم، قال: لا، اذكر حاجتك، فقلت: جعلني اللهُ فداءك، أخوك يُقرئك السلامَ ويذكر دَينًا منعه من لقائك، ويسألك أن تكلِّم أميرَ المؤمنين في قضائه عنه، فقال: وكم دَين أبيك؟ قلت: ثلاثُ مئة ألفِ درهم، قال: وفي مثل هذا أكلِّمُ أمير المؤمنين! يا غلام، احمل معه ثلاثَ مئةِ ألف درهم، قال: وما التفت إليَّ ولا كلمني بغير هذا. وقال الفضلُ بن الربيع: كان أبي يأمرني بملازمة عُمارة، وكان المهدي سيئ الرأي فيه، فمرض عمارة، فقال أبي للمهدي: يا أميرَ المؤمنين، مولاك عُمارة عَليل، وقد أفضى الأمرُ به إلى بيع فراشه وكِسوته، فقال المهدي: غَفُلْنا عنه، ما كنت أظنُّ أن الأمر يبلغ به إلى هذا، يا ربيع، احمل إليه خمس مئةِ ألف درهم، وأَعلِمْه أنَّ له عندي بعدها ما يحب. فحملها أبي من ساعته وقال: اذهبْ بها إلى عمك وأَقرئه عني السلام، وأخبره أنني عرَّفت أميرَ المؤمنين حالك، فقال كذا وكذا، وأمر لك بهذه الدارهم. قال: فأتيته وهو مُضْطَجعٌ ووجهُه إلى الحائط، فسلَّمت عليه، فقال: مَن أنت؟ قلت: ابن أخيك الفضلُ بن الربيع، قال: مرحبًا بك، ما الذي جاء بك؟ قلت: أخوك أبي يقرئك السَّلام، ويقول: ذكرتُ لأمير المؤمنين أمرَك وما أنت فيه، فاعتذر من غفلته عنك، وأمر لك بخمس مئةِ ألف درهم، وقال: لك عندي ما تحبّ، وها هي على البغال واقفةٌ على الباب، فقال: قد كان طال لزومُك لنا، وكنا نحبُّ أن نكافئك على ذلك، ولم يمكِنَّا قبل هذا الوقت، انصرف بها فهي لك، قال: فهبته أن أردَّ عليه، فتركت البغال على بابه، وانصرفت إلى أن جئتُ إلى أبي فأَعلمته الخبر، فقال: يا بُني، خذها بارك اللهُ لك فيها، فإنَّ عمارةَ ليس ممن يُرادّ. فأخذتها فكانت أولَ مالٍ ملكته. [يوسُفُ بن أسباط أبو محمَّد الشِّيحي (١). من قريةٍ من قرى أنطاكية. يقال: كان زاهدًا عابدًا، يسكن الثُّغور والعواصم. وقال الحافظ ابنُ عساكر: كان أبوه أسباطُ بن واصلٍ الشَّيباني شاعرًا، مدح يزيدَ

стр. 6245

ابن الوليد النَّاقص، وكان قَدْرُ ما خلف أسباط مئةَ ألف درهم، لم يأخذْ منها يوسفُ درهمًا، وكان يقوله: أهل مِلَّتين لا يتوارثان. وكان يوسفُ يَطْحَن الشعير بيده فيأكل منه، ويَسُفُّ الخوصَ ويبيعه، ويفطر على ثمنه، فإذا نَفِد الشعير والخُوص استفَّ التراب. وكان يغزو ولا يأخذ من المَغْنَم شيئًا، ولم يأخذ من تَرِكة أبيه، ويقال: إنَّه أخدْ مصحفًا، وكان يقول: في قلبي منه شيء. وصحب سفيانَ الثوريَّ وانتفع بصحبته. وحكى أبو نُعيم (١) عنه أنَّه قال: لي أربعون سنةً ما ملكت قميصين. قال: وخرجت من شيحَ راجلًا إلى المِصِّيصة وجِرابي في عنقي، فدخلتها، فقام هذا من حانوته وقام هذا، فجعلوا يُسلِّمون علي، ودخلت المسجد، فأحدقوا بي، فقلت في نفسي: وكم بقاءُ قلبي على هذا، فرجعت إلى شيحَ، فما عاد قلبي إليَّ سنتين. وحكى أبو نعيمٍ عنه أنَّه قال: عجبتُ كيف تنام عينٌ مع المخافة أو تغفل (٢). وقال: خلق اللهُ القلوبَ مساكنَ الذِّكر، فصارت للشَّهوات، ولا يمحو الشهواتِ عنها إلا خوفٌ مزعج، أو شوقٌ مُقلق. وقال: الزُّهد (٣) في الرئاسة أشدُّ من الزهد في الدنيا، ولي أربعون سنةً ما حكَّ صدريَ شيءٌ إلا تركته. وقال: أخاف أن يعذِّبَ اللهُ الناسَ بذنوب العلماء. وقال: قد رُفع الصدق من الأرض. وقال أبو نُعيم (٤): استأذن عبدُ الله بن المبارك على يوسفَ بنِ أسباطَ فلم يأذن له، وقال: أخاف ألا أقومَ بحقِّه ولا أفي بذلك، فآثم. وقال يوسف: إذا رأيتَ الرجلَ قد أَشِر وبَطِر فلا تَعِظْه؛ فليس فيه للوعظ مَطْمَع. وقال: إنَّ الدنيا لم تُخلَق لينظرَ إليها، بل ليُنْظَرَ بها إلى الآخرة. وقال: وكان الفضيلُ بن عياضٍ يقول: ما بقي شيءٌ أتمنَّاه على ربِّي إلا خروجي إلى

стр. 6246

الثغر، لا لأجل الجهاد، بل لأجل النَّظرِ إلى وجه يوسفَ بن أسباط. وقال أبو نُعيم: صحب يوسفَ بن أسباطَ فتًى من أهل الجزيرة، فلم يكلِّمه الفتى عشر سنين، وكان مشغولًا بالخوف والبكاءِ والعبادة، فقال له يوسف: ما حالك؟ فقال: كنت نبَّاشًا، فكنت أرى الوجوهَ قد حولت إلى غير القِبلة، فاختلط يوسفُ من ساعته. وكان يوسفُ يقول: أشتهي أن أموتَ ولا أتركَ درهمًا، وكان معه بضع دراهمَ من سفِّ الخوص، فمات ولم يخلِّف سواها، فكفَّنوه منها، وكان قد أوصى بها لكفنه. وقيل: كان معه عشرةُ دراهم، فأنفق تسعة في مرضه وبقي درهم واحد، فمات، فاشتروا له به حَنُوطًا. وكانت وفاته بالمِصِّيصة في هذه السنة، وقيل: في سنة خمسٍ وتسعين ومئة. أسند عن هشام بن عروةَ والثوريّ وغيرهما، ثم اشتغل بالعبادة عن الرواية (١). وفي الرواة ثلاثة اسمُ كلِّ واحدٍ يوسفُ بن أسباط: أحدُهم هذا، والثاني روى عنه يحيى بنُ عبد الملك، والثالث مَوْصِليّ، روى عنه أبو الفَتْح الأزْديُ المَوْصلي. والحمدُ لله وحده، وصلى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وسلَّم.] * * *

стр. 6247

السنة المئتان فيها في أوَّل يوم من المحرَّم من السنة لمَّا انصرف الحاجُّ من مكة، أتى حسينُ بن حسنٍ الأفطس إلى الكعبة، فجرَّدها مما عليها من الكسوة، فلم يُبقِ عليها شيئًا، وكساها ثوبَين رقيقين من قَزّ، كان أبو السرايا بعث بهما إليه، وعليهما مكتوب: هذا ممَّا أمر به الأصفرُ بن الأصفر أبو السرايا داعيةُ آلِ محمَّد لكسوة بيت اللهِ الحرام، وأن يُطرحَ عنه كسوة الظَّلَمة من ولد العباس؛ ليُطَهِّرَه من كسوتهم، وكتب في سنة تسعٍ وتسعين ومئة. ثم أمر حسينُ بن حسن بالكسوة التي كانت على الكعبة فقُسمت بين أصحابه من العلويِّين وغيرِهم على قدر منازلهم عنده، وأخذ ما كان في خزانة الكعبة من المال، ولم يسمع بأحدٍ عنده وديعةٌ لأحد من ولد العباس وأتباعِهم إلَّا هجم عليه داره، فإنْ وجد عنده شيئًا أخذه وعاقب الرجل، وإنْ لم يجد عنده شيئًا، حبسه وعذَّبه حتى يفتديَ نفسَه على قَدْر حاله، ويشهد عليه أنَّ ما أخذه كان وَديعةً عنده لبعض بني العباس. وكان المتولِّي لعذاب الناس محمَّد بن مَسْلَمةَ الكوفي، كان ينزل في دارٍ خالصة عند الخيَّاطين (١)، ويقال لها: دارُ العذاب. وعمَّ البلاءُ أهل مكة، فهرب منهم خلقٌ كثير لهم مال، فكان يهدم دورَهم، ويتعدَّى إلى حريم الناسِ وأبنائهم، وكانوا يحكُّون الذهبَ المنقوش في رؤوس أساطين المسجدِ الحرام، فيخرج من رأس الأسطوانة بعد التعبِ الشديد [مثقالُ] (٢) ذهبٍ أو نحوه، وقلعوا الحديدَ الذي على شبابيك كُوى المسجدِ الحرام، وقلعوا شباكَ زمزم، وكان من خشب السَّاج، فبيع بأخسِّ ثمن. وتغيَّر الناس على حسين بنِ حسن والطالبيِّين، وبينا هم على ذلك إذ وصل الخبرُ من الكوفة بأنَّ أبا السرايا قد انحلَّ أمره، وطُرد عن الكوفة والبصرةِ والعراق، وعاد الأمرُ

стр. 6248

إلى بني العباس، فاجتمعوا إلى محمَّد بنِ جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، وكان شيخَا وادعًا محبَّبًا في الناس، مُفارقًا لما عليه كثير من أهل بيته من قُبح السيرة، وكان يروي العلمَ عن أبيه، وكان الناسُ يأخذون عنه، وكان له سَمت وزهد (١)، فقالوا: قد تعلمُ حالك في الناس، فأبرِزْ لنا شخصَك نبايعْك بالخلافة، فإنَّه لا يختلف عليك اثنان، فأبى عليهم، فلم يزل به ابنُه عليٌّ وحسين الأفطس حتى غلباه على رأيه، فأقاموه بعد صلاة الجمعةِ لثلاثٍ (٢) خلونَ من شهر ربيع الأوَّل أو الآخِر، فبايعوه، وحشروا إليه الناسَ من أهل مكةَ والمجاورين فبايعوه طوعًا وكرهًا، وسمَّوه أميرَ المؤمنين، وأقام شهورًا ليس له سوى الاسم، والأمرُ لابنه عليٍّ وحسين الأفطس، أقاما على أقبح سيرةٍ مما كانا عليه، فوثب حسينُ الأفطس على امرأةٍ من قريش فِهْرية، وزوجُها من مَخْزوم، وكانت جميلة، فأرسل إليها، فامتنعت عليه، فأرسل غِلمانه، فكسروا بابَها وأخذوها قهرًا وحملوها إلى حسين، وهرب زوجُها، وأقامت عند حسينٍ إلى حين خروجه من مكَّة، فهربت منه، ووثب عليُّ بن محمَّد على ابن قاضي مكَّة، وهو إسحاقُ بن محمد القُرَشي، وكان بارعَ الجمال، فاقتحم عليّ بنفسه عليه جهارًا في داره، وكانت بالصَّفا مُشْرفةً على المَسْعى، فحمله على فرسه في السَّرج، وركب عليّ على عَجُز الفرس، وخرج يشقُّ السوقَ حتى أتى به بئرَ ميمون، وكان ينزل في دار داودَ بنِ عيسى في طريق مِنى. فلمَّا رأى أهل مكةَ ذلك اجتمعوا في المسجد الحرام، واجتمع إليهم المجاورون والطائفون بالكعبة، وأتَوا باب محمَّد بنِ جعفرٍ فقالوا: إما أن تردَّ علينا الغلام، أو لنَخْلَعَنَّك، أو لنقتلنَّك، فكلَّمهم من الشبَّاك وقال: واللهِ ما علمت، وكان في دارٍ يقال لها: دار العجلة، وشبابيكُها إلى المسجد، ودعا حسينًا الأفطس وقال: اذهب إلى عليٍّ فاستنقذ منه الغلام، فقال: واللهِ ما لي بابنك طاقة، لو جئتُه لقاتلني، فقال محمَّد لأهل مكة: أمِّنوني حتى أركبَ بنفسي، وأمضيَ إليه، وأستنقذَ الغلامَ منه، فأمَّنوه،

стр. 6249

فركب ومضى إلى ابنه، فأخذ الغلامَ منه وسلَّمه إلى أهله، فلم يلبثوا إلَّا يسيرًا حتى أقبل إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فنزل المُشَاش، فاجتمع الطالبيُّون إلى محمَّد بن جعفر وقالوا: الرأي أن نُخَنْدقَ على أعلى مكةَ خندقًا ونقاتل، وتُبرزَ لنا شخصك ليراك الناس، ففعل. [ثم إنَّ إسحاق كره القتال والحرب وخرج] (١) يريد العراق، فلقيه وَرْقاءُ بن جَميل في أصحابه واليًا على مكَّة، فقالوا له: ارجع معنا ونحن نكفيك القتال، فرجع، فنزلوا المُشاش، واجتمع إلى محمَّد بنِ جعفر غَوْغاءُ مكةَ وسُودانُ أهلِ المياه والأعراب، فعبَّأهم ببئر مَيمون، ووقعت بينهم جراحات وقُتل جماعة، ورجع إسحاقُ وورقاءُ إلى منزلهم، ثم عاودهم اليومَ الثاني فقاتلوهم، فهزموا أهل مكَّة، ودخل محمَّد بنُ جعفرٍ مكة، وأرسل إليهم محمَّد قاضيَ مكةَ يطلب لهم الأمانَ حتى يخرجوا من مكَةَ ويذهبوا حيث شاؤوا، فأجابوهم إلى ذلك، وخرجوا من مكةَ بعد ثلاثٍ وتفَّرقوا. فأما محمَّد بنُ جعفر، فأخذ ناحية جُدَّة، ثم خرج يريد الجُحفة، فلحقه محمَّد بنِ حكيم بنِ مروانَ من موالي بني العباس، وكان الطالبيُّون قد انتهبوا دارَه بمكة وعذَّبوه عذابًا شديدًا، وكان معه جماعةٌ من عبيد بني العباس، فلحق محمَّدًا بعُسْفان، فأخذ ما كان خرج به من مكَّةَ، وجرَّده حتى أبقاه في السراويل، وهمَّ بقتله، ثم مَنَّ عليه وأعطاه ثوبًا وعمامةً ودُرَيهمات، فخرج حتى أتى بلادَ جُهَينةَ على الساحل، فلم يزل مُقيمًا بها وهو يجمع الجموعَ ويُجَيِّش الجيوش. وكان بالمدينة هارونُ بن المسيِّب عاملُ المأمون، فجمع له وخرج إليه، فكانت بينهم وقعاتٌ عند الشجرةِ وغيرها، فقَتل من أصحاب محمَّد خلقًا كثيرًا، وفقئت عينُ محمَّد بنُشَّابة، وأقام ينتظر مَن كان وعده من الأعراب أن يوافيَه بالموسم، فلم يوافهِ أحد، فطلب الأمانَ من ورقاءَ ورجاءَ ابنِ عمِّ الفضل، فأمَّناه، ودخل مكةَ لعشرٍ بقين من ذي الحِجَّة، فأُتي بالمنبر فنُصب بين الرُّكن والمقامِ في المكان الذي بويع فيه، وصَعِد المِنْبَر، وخلع نفسَه، وبايع المأمون، وكان من جملة كلامه:

стр. 6250

أيها الناس: مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا محمَّد بن جعفرِ بن محمَّد بن عليِّ بن حسين بن عليِّ بن أبي طالب، وإنَّه كان لأمير المؤمنين عبدِ الله المأمونِ في رقبتي بيعة، وكنت أحدَ الشهودِ الذين شهدوا في الكعبة الشَّرْطَين لهارونَ على ابنيه محمَّد وعبد الله، ألا وقد كانت فتنةٌ (١) غَشِيت الأرضَ منَّا ومن غيرنا، وكان قد نُمي إلينا أنَّ المأمون توفِّي، فدعاني الناسُ إلى أن يبايعوني بإمرة المؤمنين، فأجبتُهم إلى ذلك، وقد صحَّ عندي الآن أنَّه حيّ، وأنا أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البَيعة، وقد خلعتُ نفسي كما خلعت خاتَمي هذا من إِصبعي، ولا بيعةَ لي في رقابكم. ثم نزل، فخرج به عيسى بنُ يزيدَ الجُلوديُّ عامل مكةَ إلى العراق، واستخلف على مكةَ ابنَه محمَّد بنَ عيسى، فسلَّمه عيسى إلى الحسن بنِ سهل، فبعث به الحسنُ إلى المأمون مع رجاءَ بن أبي الضحَّاك، فقدم به خُراسانَ سنة إحدى ومئتين. وفيها خرج إبراهيمُ بن موسى بنِ جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ باليمن، وكان بمكَّة حين خرج أبو السرايا بالكوفة، فلما قُتل [أبو] السرايا وانحلَّ نظام الطالبيين بالعراق، خرج إبراهيمُ من مكةَ بأهل بيتِه يريد اليمن، ووالي اليمن يومئذٍ إسحاقُ بن موسى بنِ عيسى، فلما سمع بإقبال إبراهيمَ إلى قريبٍ من صَنْعاء، خرج من اليمن مُنْصرفًا في خيله ورَجله، فسلك النَّجْدِيَّة، وخلَّى اليمنَ لإبراهيم، وكره قتاله، ونزل المُشاش، وأراد دخولَ مكة، فمنعه مَن كان بها من العلويِّين، وكانت أمُّ إسحاق متواريةً بمكَّة، فتلطف بعض أهلِ مكَّة فأخرجها، وصعد بها على رؤوس الجبال، فأوصلها إلى إسحاق. وكان يقال لإبراهيم: الجزَّار؛ لكثرة مَن قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ الأموال. وحجَّ بالناس أبو إسحاقَ بنُ الرشيد ومعه جندٌ كثيف، فيهم حمدويه بن علي بنِ عيسى بن ماهان، وكان الحسنُ بن سهل قد ولَّاه اليمن. وبعث إبراهيمُ [بن موسى بنِ جعفر] (٢) العلويُّ من اليمن رجلًا من ولد عَقيل بنِ أبي طالب في جندٍ كثير، وأمره أن يقيمَ الحجَّ للناس، فلما صار العَقيليُّ إلى بستان بني عامر، بلغه أنَّ أبا إسحاقَ قد ولي الموسم، وأنَّ معه [من] القوَّاد والعساكر ما لا قِبَلَ لأحدٍ به، فأقام ببستان بني عامر،

стр. 6251

فمرَّت به قافلةٌ من الحافي والتجَّار، وفيها كسوةُ الكعبة وطيبُها، فأخذ الجميع، ووصل الحاجُّ إلى مكةَ عُراة مَسلوبين. وكان أبو إسحاقَ بنُ الرشيد بمكةَ نازلًا في دار القوارير، وذلك قبل يومِ التروية بيوم (١)، فقال الجلوديّ: أنا لهم. فخرج في مئة فارس، فصبَّح العَقيليَّ وأصحابَه ببستان بني عامر، فأَسر أكثرَهم، وهرب مَن هرب، وردَّ أموال التجار والكسوةَ والطِّيب إلى مكَّة، وأحضر مَن أُسر من أصحاب العَقيلي، وقنَّع كل واحدٍ على رأسه عشرةَ أسواط، وقال: يا كلابَ النار، اُغربوا، فواللهِ ما في قتلكم عزّ (٢)، ولا في أسركم شَرَف. فرجعوا إلى اليمن يستطعمون [في الطريق] (٣) فمات أكثرُهم جوعًا وعطشًا وعُرْيًا. وفيها وقع شَغْبٌ ببغدادَ بين الحَرْبيَّة والحسنِ بن سَهْل، وجاء الخبرُ بأنَّ زيد بن موسى بنِ جعفرٍ الخارجَ بالبصرة، وكان يُعرف بزيد النار من كثرة ما حرق من دُور الناس، وأنَّه أفلت من حبس عليِّ بن [أبي] (٤) سعيد، فهرب وخرج بناحية الأنبارِ ومعه أخو أبي السرايا في ذي القَعدة، فبعثوا إليه، فأُخذ وأُتي به عليَّ بن هشام. وفيها أُحصي ولدُ العباس، فكانوا ثلاثةً وثلاثين ألفًا ما بين ذَكَرٍ وأنثى. وفيها بعث المأمونُ رجاءَ بن أبي الضحَّاك وفرناسَ الخادم ليُحضرا عليَّ بن موسى الرِّضا إلى خُراسان. وفيها قتلت الرومُ ملكَها أليون، وملَّكوا عليهم ميخائيل [بنَ] (٥) جورجس ثانية، وكان ملك أليونُ عليهم سبعَ سنين وستَّة أشهر. وفيها دخل يحيى بنُ عامر بنِ إسماعيلَ على المأمون، فأغلظ له وقال: يا أميرَ الكافرين، فقتله بين يديه. [فصل] وفيها توفِّي

стр. 6252

أَبانُ بن عبد الحميد ابنِ لاحق [بن عُفَير، مولى بني رَقاش، البصري] وكان فاضلًا شاعرًا (١). [قال الخطيب:] (٢) قدم بغدادَ، واتصل بالبرامكة، وانقطع إليهم، وله فيهم مدائح [وفي الرشيد أيضًا]، وهو الذي عمل للبرامكة كليلةَ ودمنة [شعرًا] (٣). [قال الخطيب: قرأتُ على الجَوْهَريّ، عن أبي عُبيد الله المَرْزُباني بإسناده عن ابنٍ لعبد الحميد اللاحقي قال: أحبَّ] يحيى بنُ خالد (٤) أن يحفظَ كتابَ "كليلة ودمنة"، فاشتدَّ عليه ذلك، فقال له أبان: أنا أجعله شعرًا ليخفَّ على الوزير حفظُه، فنقله إلى قصيدةِ مزدوجة عددُ أبياتها أربعةَ عشرَ ألفَ بيتٍ في ثلاثة أشهر، فأعطاه يحيى عشرةَ آلافِ دينار، وأعطاه الفضلُ خمسةَ آلاف دينار، وقال له جعفر [بنُ يحيى:] ألا ترضى أن أكونَ راويتَك لها؟ ولم يُعطِه شيئًا. فتصدَّق بثُلث المال الذي أعطاه يحيى والفضل. وأوَّل القصيدة: [من الرجز] هذا كتابُ أدبٍ ومِحْنهْ … وهو الذي يُدعَى كليلَه دِمنهْ ويقال: كلُّ كلامٍ نُقل إلى شعرٍ فالكلامُ أفصح منه، إلَّا هذا الكتاب. [قال الخطيب:] (٥) وكان أبان حافظًا للقرآن عالمًا بالفقه حسنَ السيرة، وكان يقول: أنا أرجو اللهَ وأسأله رحمتَه، واللهِ ما مضت عليَّ ليلةٌ قطُّ لم أصلِّ فيها تطوُّعًا. [وقيل: قال ذلك عند وفاتِه]. أبو نُوَاس الشاعر واسمه الحسنُ بن هانئ بن صَبَّاح (٦) بن الجرَّاح بنِ (٧) عبد الله الحَكَمي البصري.

стр. 6253

و [اختلفوا في] معنى الحَكَمي [على قولين: أحدُهما أنه] نسبتُه إلى جدِّه [الأعلى، وهو] الجَرَّاحُ بن عبد اللهِ الحَكَمي والي خُراسان الذي استشهد، وقد ذكَرناه [والحكم بنُ سعدِ العشيرة. والثاني] أنَّه (١) كان مولى الجرَّاح. [ذكره الحافظ ابن عساكر. وأبو نُواس لقبٌ (٢) له؛ لأن الحكمَ من ملوك اليمن، ومن ألقابهم: ذو نُواس وذو المَنار وذو نَفْر وذو يَزَن، وقد ذكرناهم في هذا الكتاب، قالوا: ولهذا أبو نواسٍ شديدُ العصبيَّة لليمن (٣). قلت: وفي هذا القول نظر، لأنَّه لو كان كما قالوا، لقيل: ذو نواس، وإنِّما قيل: إنَّه كان له ذُؤابتان، فكُني بهما (٤). والصحيح أنَّ كنيتَه أبو عبد الله (٥)، وقيل: أبو علي. ونَسَبَه الخطيب (٦) فقال: الحسن بنُ هانئ بنِ صَبَّاح بن عبد الله بن الجرَّاح بن هِنْب بن ذوة بن غَنْم بن سِلْهِم بن حَكَم بن سَعْد العَشيرة بن مالك بن عَمرو بن الغَوْث بن طَيِّئ بن أُدَد بن شَبيب بن عمرو بن سبيع بن الحارث بن زيد بن عَدي بن عوف بن زيد بن الهَمَيْسَع بن عمرو بن يَشْجُب بن عَريب بن زيد بن كَهْلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. قال: ويقال: هو مولى الجرَّاح الحَكَمي.] ووُلد بالأهواز بالقرب من الجبل المقطوعِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثين (٧)، وقيل: سنةَ خمس وثلاثين ومئة (٨)، [وقيل: سنةَ ستٍّ وثلاثين ومئة] (٩)، وقيل: سنةَ خمس وأربعين.

стр. 6254

[وحكى الخطيب وابنُ عساكرٍ عن القاضي أحمدَ بنِ كامل قال:] كان (١) أبوه من أهل دمشقَ من جند مروانَ بنِ محمَّد، فصار إلى الأهواز، فتزوَّج امرأة من أهلها [يقال لها: جلبان، وقيل: صباح] (٢) فولدت له أبا نواسٍ وأخاه [أبا] معاذ (٣)، ثم صار أبو نواس إلى البصرة، فنشأ بها، وقرأ القرآنَ على يعقوبَ الحضرمي، واختلف إلى أبي زيدٍ النحوي، وكتب عنه الغريبَ والألفاظ، ولزم خَلَفًا الأحمر، وصحب يونُسَ النحوي، ونظر في نحو سيبويه، وحفظ عن أبي عبيدةَ أيامَ الناس، ثم قدم بغدادَ والشامَ ومصر، ومدح الخلفاءَ والأمراءَ والأعيان، وأرحل إلى بغداد، فأقام بها. قال الحافظ ابنُ عساكر (٤): ما رأيتُ أحدًا أعلمَ باللغة من أبي نُواس، ولا أفصحَ لهجة منه، مع حلاوةٍ وطيب سمعةٍ (٥) من الأعيان. وحكى الخطيبُ (٦) عن أبي عبيدةَ قال:] كان [أبو نُواس] في المُحْدَثين كامرئ القيسِ في المتقدِّمين. وقال أبو عَمرو بنُ العلاء (٧): لولا أنه أفسد شِعرَه بهذه الأقذارِ لا حتَجَجْنا به في كتبنا. وقال أبو نُواس: ما قلت الشَعرَ حتى رويت لستِّين امرأةً من العرب، منهن الخنساءُ وليلى، فما ظنُّك بالرجال؟. وقال [كُلثوم بن عمرو] العَتَّابي: لو أدرك الخبيثُ الجاهليةَ ما فُضِّل عليه أحد.

стр. 6255

ذِكر طَرَفٍ من أخباره: قال ابن مُناذر: دخل سليمانُ بن المنصورِ على الأمين، فرفع إليه أن أبا نُواس هجاه وأنَّه زنديق، وأنشده من أشعاره المنكرة، فقال: يا عمّ، أَقتلُه بعد قوله: [من الكامل] أُهدي الثناءَ إلى الأمين محمَّد … ما بعده بتجارةٍ مُتَرَبِّصُ صَدَقَ الثناءُ على الأمين محمَّد … ومن الثناء تَكذُّب وتَخَرُّص قد يَنْقُص القمرُ المُنيرُ إذا استوى … هذا ونورُ محمَّد لا يَنْقُص وإذا بنو المنصورِ عُدَّ حَصَاهمُ … فمحمَّد ياقوتُها المُتَخَلَّص (١) فغضب سليمانُ وقال: واللهِ لو (٢) شكوتُ من عبد الله -يعني [ابن] الأمين (٣) - ما شكوتُ من هذا الكافر، لوجب أن تعاقبَه، فكيف منه! [فقال:] يا عمّ [فكيف] أعملُ بقوله: قد أصبح المُلْكُ بالمُنى ظَفِرا … كأنَّما كان عاشقًا قَدِرا حسبُك وجهُ الأمين من قمرٍ … إذا طوى الليلُ دُوْنَك القمرا خليفةٌ يَعتني بأمَّته … وإنْ أتَتْهُ ذُنُوبُها غَفَرا حتى لو اسْطَاع من تَحَنُّنه … دافع عنها القضاءَ والقَدَرا فازداد سليمانُ غيظًا، فقال: يا عمّ، كيف أَصنعُ بقوله: [من المديد] يا كَثيرَ النَّوْحِ في الدِّمَنِ … لا عليها بل على السَّكَنِ سُنَّة العُشَّاق واحدةٌ … فإذا أحبَبْتَ فاسْتَنِنِ ظنَّ بي مَن قد كَلِفتُ به … فهو يَجْفوني على الظِّنَن تَضْحك الدُّنيا إلى مَلِكٍ … قام بالآثار والسُّنن سنَّ للناس النَّدى فنَدُوا … فكانَّ البخلَ لم يكن يا أمينَ الله عِشْ أبدًا … دُمْ على الأيَّام والزَّمن أنت تبقى والفَناءُ لنا … فإذا أفنيتَنا فكن

стр. 6256

فانقطع سليمانُ عن الرُّكوب، فأمر الأمينُ بحبس أبي نُواس، فلمَّا طال حبسُه كتب إليه: [من الطويل] تَذَكَّر أمينَ الله والعَهْدُ يُذكَر … مَقامي وإنشادِيكَ والناسُ حُضَّرُ ونَثْري عليك الدُّرَّ يا دُرَّ هاشمٍ … فيا مَن رأى دُرًّا على الدرِّ يُنْثَر أبوك الذي لم يَمْلك الأرضَ مثلُه … وعمُّك موسى عَدْلُه المُتَخَيَّر وجدُّك مَهديُّ الهُدى وشقيقُه … أبو أُمِّك الأدنى أبوالفَضْلِ جعفر وما مثلُ منصورَ يك منصورُ هاشمٍ … ومنصور قَحْطانٍ إذا عُدَّ مَفْخَر ومَن ذا الذي يَرمي بسَهْمَيك في العُلا … وعبدُ مَنافٍ والداك وحِمْيَر تحسَّنت الدنيا بُحسن خليفةٍ … هو الصُّبحُ إلَّا أنه الدَّهرَ مُسْفِر يُشير إليه الجودُ من وَجَناته … ويَنظر من أعطافه حين يَنْظُر مَضَتْ لي شهورٌ مذ حُبِسْتُ ثلاثةٌ … كأنيَ قد أذنَبْتُ ما ليس يُغْفَر فإنْ أكُ لم أُذنب ففيمَ عقوبتي … وإن كنتُ ذا ذَنْبٍ فعَفْوُك أكبر فلمَّا قرأ محمَّد الأبياتِ قال: أَخرجوه وأَجيزه ولو غضب ولدُ المنصور كلُّهم. [منها ما رواه الطبري (١)، عن أحمد بن إبراهيم الفارسي قال: شرب أبو نواس الخمر، فرفع ذلك إلى محمد، فحبسه ثلاثة أشهر، ثم ذكره، فدعا به وعنده بنو هاشم، ودعا بالسيف والنِّطْع ليقتله، فأنشده: تذكر أمين الله والعهد يذكر … مقامي وإنشاديك والناس حضر ونثري عليك الدريا در هاشم … فيا من رأى درًا على الدر ينثر من أبيات، وزاد فيها شيئًا: إمامٌ يَسوسُ النَّاس سبعين حِجَّةً … عليه له منها لِباسٌ ومئْزَرُ أيا خَير مَن يُرْجى نَداه أنا امرؤ … رَهينٌ أسيرٌ في سُجونك مُقْفِرُ

стр. 6257

فقال له محمد: فإن شربتها بعدها؟ فقال: دمي لك حَلال، فأطلقه، فكان أبو نواس يَشَمُّها ولا يَشْربها. وفي رواية الطبري أيضًا: رفع إلى محمد أن أبا نواس يشرب الخمر، فطبق به محمد المُطْبِق، فأقام مدةً، وكان الفضل بن الربيع يَستعرض أهلَ السُّجون وَيتَفَقَّدُهم (١)، فدخل صاحبه حَبْس الزَّنادقة، فرأى أبا نواس ولم يكن يعرفه، فقال له: يا شاب، أنت مع الزنادقة؟ فقال: مَعاذ الله، قال: فلعلك ممَّن يَعبد الكَبْش؟ فقال: أنا آكل الكبش بصوفه، فقال: لعلك ممَّن يَعبد الشمس؟ قال: لا، إني لأتجنَّب القُعود فيها بُغضًا لها، قال: فبأيِّ جُرْمٍ حُبستَ؟ قال: في تهمة أنا منها بريء، قال: ليس إلا هذا؟ قال: نعم، فأخبر الفضل، فأمر بإحضاره، واستتابه عن شرب الخمر والذكران (٢) فبعث إليه فِتيان من قريش، فحضر عندهم، فعَزموا عليه الشُّرب، فقال: لا والله، فلما دارت الكأس بينهم جعل يَشَمُّها ويقول: أيُّها الرَّائحانِ باللَّوم لوما … لا أذوقُ المُدامَ إلا شَميما نالني بالمَلام فيه إمام … لا أرى لي خلافه مُسْتَقيمًا فاصرفاها إلى سواي فإني … لستُ إلا على الحَديثِ نَديما من أبيات. [وحكى أيضًا] عن أبي الوَرْدِ السبعي أنَّه قال: كنت عند الفضلِ بن سَهْل (٣)، فذكر الأمينَ وقال: كيف لا يُستحل قتالُ [محمَّد] وشاعره أبو نُواسٍ يقول في مجلسه: [من الطويل] ألا فاسْقِني خَمْرًا وقُلْ لي هي الخمرُ … ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجَهْرُ ولا تسقِيَنْ منها المُرائين قَطْرةً … فإنَّ رياءَ الناس عندي هو الكفر (٤)

стр. 6258

وبُحْ باسم مَن تهوى ودَعْني من الكُنى … فلا خيرَ في اللَّذَّات مِن دونها سِتْر الأبيات [وهي من ديوانه] (١) وبلغ محمَّدًا قولُ الفضل [بنِ سهل]، فأمر بحبس أبي نُواس. وقال أبو نواسٍ: [من الطويل] وقد زادني تِيهًا على الناس أنَّني … أُراني أغناهُم إذا كنتُ ذا عُسْرِ فلو لم أنَلْ فَخْرًا لكان صِيانَتي … فَمي عن جميع الناسِ حَسْبي من الفَخْر ولا يطْمَعَنْ في ذاك منِّي طامعٌ … ولا صاحبُ التَّاجِ المُحَجَّبُ في القصر (٢) وبلغ الأمينَ قولُه، فدعاه وعنده سليمانُ بن المنصور، فقال له: يا ابن اللَّخْناء، أنت تكتسب بشِعرك أوساخَ أيدي الناس اللئامِ ثم تقول: ولا صاحبُ التاج المحجَّبُ في القصر! واللهِ لا نلتَ مني شيئًا أبدًا. ولما دخل المأمونُ بغدادَ، اجتمع عنده الشُّعراء، فقال لهم: أيُّكم القائل: [من الطويل] إذا نزلت دون اللَّهاةِ من الفتى … دعا هَمُّه مِن صدره برحيلِ قالوا: أبو نُواس، قال: فأيُّكم القائل: [من المديد] وتَمَشَّت في مَفاصِلهم … كتَمَشِّي البُرْء في السَّقَمِ (٣) قالوا: أبو نواس، قال: فأيُّكم القائل: [من الطويل] وما الناسُ إلا هالكٌ وابنُ هالكٍ … وذو نَسَبٍ في الهالكين عَريقِ إذا امتَحَنَ الدُّنيا لَبيبٌ تَكَشَّفتْ … له عن عدوٍّ في ثيابِ صَديق فقالوا: أبو نواس، فقال: هو أشعرُكم إذن. وقال ابن عُيَينة لابن مُناذِر: أشعرُ الناس ظَريفُكم هذا، فقال ابنُ منادر: كأنك عنيتَ أبا نُواس؟ قال: نعم، فقال: لِم؟ فقال سفيان: بقوله: [من السريع] يا قَمَرًا أبْصَرتُ في مأتَمٍ … يَنْدُب شَجْوًا بين أترابِ

стр. 6259

أبرز [هـ] (١) المأتمُ لي كارهًا … برَغْم داياتٍ وحُجَّاب يَبكي فيَذْري الدُّرَّ من عينه … وَيلْطُم الوَرْدَ بعُنَّاب لا زال مَوتًا دأبُ أحبابِه … ولا تزل رؤيتُه دابي وقال يزيد: لقيت أبا العتاهيةِ فقلت: مَن أشعرُ الناس؟ فقال: الشابُّ العاهر أبو نُواس حيث يقول: [من الوافر] أزور محمَّدًا فإذا التقينا … تعاتَبت الضَّمائرُ في الصُّدورِ فأرجعُ لم ألُمْه ولم يَلُمْني … وقد قَبِل الضَّميرُ عن الضَّمير فلقيتُ أبا نواسٍ فقلت: مَن أشعرُ الناس؟ فقال: الشيخُ الطاهر أبو العتاهيةِ حيث يقول: [من مجزوء الكامل] الناسُ في غَفَلاتهمْ … ورحى المَنيَّة تَطْحَنُ فقلت: من أين أخذه؟ قال: من قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ (٢) [الأنبياء: ١]. وقال أبو العتاهية: لقيت أبا نُواسٍ في المسجد، فعَذَلْتُه وقلت له: أَمَا آنَ لك أن ترعوي! فقال: [من مجزوء الرمل] أتُراني يا عَتاهي … تاركًا تلك المَلاهي أتُراني مُفْسِدًا بالنُّسْكِ … عند القومِ جاهي فلمَّا ألْحَحْتُ عليه بالعَذْل قال: لن ترجعَ الأنفُسُ عن غَيِّها … ما لم يكن منها لها زاجرُ قال أبو العتاهية: فوددتُ أنِّي قلت هذا البيتَ بكلِّ ما قلتُه (٣). وقال أبو العَتاهِيَة: قد قلتُ عشرين ألفَ بيتٍ في الُّزهد، ووَدِدْتُ لو أنَّ لي مكانَها أبياتَ أبي نُواس: [من مجزوء الرمل]

стр. 6260

يا نُواسيُّ توقَّرْ … وتَعَزَّ وتَصَبَّرْ إنْ يكن ساءك دَهْرٌ … فلَمَا سَرَّك أكثر يا كبيرَ الذَّنْبِ عَفوُ … اللهِ عن ذنبك أكبر ليس لإنسان إلَّا … ما قضى اللهُ وقدَّر (١) [وحكى ابنُ عساكرٍ عن عليِّ] بن الأعرابي قال (٢): أشعرُ الناسِ أبو نُواس حيث يقول: [من الطويل] تَغَطَّيتُ من دَهْري بظِلِّ جَناحِه … فعَيني ترى دَهْري وليس يراني فلو تسألِ الأيامَ ما اسمي لَمَا دَرَتْ … وأين مكاني ما عَرَفْنَ مكاني (٣) وقال أبو العتاهِية: أشعرُ الناس أبو نواسٍ حيث يقول في المديح: [من الطويل] إذا نحن أثْنَينا عليك بصالحٍ … فأنت كما نُثني (٤) وفوق الذي نُثني وإنْ جَرَت الألفاظُ يومًا بمِدْحَةٍ … لغيرك إنسانًا فأنت الذي نعني وقال ابنُ عائشة: كنا عند عبدِ الواحد بن زيادٍ (٥) ومعنا أبو نواس، فقال: [من مجزوء الرمل] ولقد كنَّا رَوَينا … عن سعيدٍ عن قَتادهْ ورَوَيناه قَديمًا … أنَّ سعدَ بنَ عُباده قال من مات مُحِبًّا … فله أجْرُ الشَّهاده فقال عبدُ الواحد: اُغربْ يا خبيث، واللهِ لا حدَّثتك بعد اليومِ بحديثٍ واحد. قال المصنِّف ﵀: لا وجهَ لإنكار عبدِ الواحد؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أشار إلى هذا المعنى، فروى ابنُ عباس عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن عَشِق فعَفَّ فمات فهو شهيد" (٦).

стр. 6261

وقال ابنُ عائشة: داخلت على إسحاقَ الأزرق، فقال: الساعةَ كان عندي أبو نُواس، ثم أخرج إليَّ رُقْعَة، وإذا فيها: [من المنسر] يا ساحرَ المُقلتَين والجِيدِ … وقاتلي منه بالمواعيدِ تُوعِدُني الوَصْلَ ثم تُخْلِفُني … فوا بَلائي من خْلْفِ موعودي حدَّثني الأزرقُ المُحَدِّثُ عن … عَمرو بن شَمْرٍ عن ابن مسعود (١) لا يُخْلفُ الوَعْدَ غيرُ كافرةٍ … وكافرٍ في الجَحيم مَصْمودِ (٢) ثم قال الأزرق: واللهِ كذب عليَّ وعلى التابعين وعلى أصحاب محمَّد ﷺ ، ما حدَّثتُه بهذا قطّ. ولقي شعبةُ أبا نواس، فقال: أَنشدني من طُرَفك، فقال: [من السريع] حدَّثني الخَفَّاف عن وائلٍ … وخالدِ الحَذَّاء عن جابرِ ومِسْعَرٌ عن بعض أشياخِه … يرفعه الشيخُ إلى عامر قالوا جميعًا أيُّما طَفْلَةٍ … عُلِّقها ذو خُلُقٍ طاهر فواصلَتْه ثم دامت له … على وصال الحافظِ الذَّاكر كانت لها الجنةُ مَفْتوحةً … تَرتَع في مَرْتَعِها الزَّاهر وأيُّ مَعْشوقٍ جَفا عاشقًا … بعد وصالٍ دائمٍ ناضر ففي عذاب اللهِ مَثْوًى له … بُعدًا له من ظالمٍ غادر فقال له شعبة: إنَّك لَجميلُ الأخلاق، وإنِّي لأرجو لك (٣). قال المصنِّف ﵀: خاف شعبةُ من لسانه، وإلَّا فشعبةُ أشدُّ حالًا من الأزرق. ودخل أبو نواسٍ يومًا على الأمين، فأنشده: [من الكامل]

стр. 6262

يا دارُ ما فَعَلت بكِ الأيَّامُ … لم تُبْقِ فيكِ بَشاشَةً تُستامُ (١) قال: فتَطيَّر الأمين وقال: ويحك ما هذا! فقال: عَرَمَ الزَّمانُ على الذين عَهِدْتُهمْ … بكِ قاطِنينَ وللزَّمان عُرامُ فلعنه الأمين، فلمَّا قال: وإذا المَطيُّ بنا بَلَغْنَ محمَّدًا … فظُهوُرهنَّ على الرِّجال حَرامُ قَرَّبْنَنا من خير مَن وَطئ الحَصى … فلها علينا حُرْمَةٌ وذِمام سُرِّي عنه وقال: ذاك رسولُ اللهِ ﷺ . ومنها: وبَلَغتُ ما بلغ امرؤٌ بشَبابه … فإذا عُصارَةُ كلِّ ذاك أَثامُ وتَجَشَّمتْ بي هولَ كلِّ تَنوفةٍ (٢) … هَوْ جاءُ فيها جُرْأةٌ إقدام تَذَرُ المَطيَّ وراءها فكأنها … صَفٌ تَقَدَّمُهُنَّ وهي إمام وإذا المَطيُّ بنا بَلَغْنَ محمَّدًا … فظُهورُهنَّ على الرِّجال حَرام قرَّبْنَنا من خَيرِ مَن وَطئَ الحَصى … فلها علينا حُرْمَةٌ وذِمام رُفِعَ الحِجابُ لنا فلاح لناظري … قَمَرٌ تَقَطَّعُ دونه الأوهام داوى به اللهُ القلوبَ من الجَوى … حتى بَرِئْنَ وما بهنَّ سَقام فسَلِمْتَ للعِلم الذي تُهدى به … وتقاعَسَتْ عن يومك الأيام ومن شِعره: [من السريع] أيَّةُ نارٍ قَدَح القادحُ … وأيّ جدٍّ مَزح المازحُ (٣) لله درُّ الشيب من ناصِح … وواعِظٍ لو قُبل النَّاصِح يأبى الفتى إلَّا اتِّباعَ الهَوى … ومَنْهَجُ الحَقِّ له واضح فاعْمَد بعَينَيك إلى نِسوةٍ … مُهورُهُنَّ العملُ الصالح لا يَجْتَلي العَذْراءَ من خِدْرِها … إلَّا امرؤٌ ميزانُه راجح مَن يَتَّقِ اللهَ فذاك الذي … سِيقَ إليه المَتْجَرُ الرَّابح

стр. 6263

فاغْدُ فما في الدِّين أُغْلُوطةٌ … ورُح بما أنت له رائح وقال مَسْعود بن بِشْر: لقيتُ ابنَ مُناذرٍ بمكة، فقلت: مَن أشعرُ الناس؟ فقال: مَن إذا شَبَّب كَعَب -يعني ذَكَرَ الكواعب- وإذا أخذ فيما قصد له جَدّ، قلت: مثلُ مَن؟ قال: جريرٌ حيث يقول: [من الكامل] إنَّ الذين غَدَوا بلُبِّك غادروا … وَشَلًا بعَينك لا يَزال مَعينا غَيَّضْن من عَبراتهنَّ وقُلْن لي … ماذا لَقِيتَ من الهوى ولقينا ثم قال حين جدَّ: إنَّ الذي حَرَمَ الخلافةَ (١) تغلبًا … جعل الخلافةَ والنُّبَّوة فينا مُضَرٌ أبي وأبو الملوك فهل لكمْ … يا خُزْرَ (٢) تَغْلِبَ من أبٍ كأبينا هذا ابن عمِّي في دمشقَ خَليفةٌ … لو شئتُ ساقَكُمُ إليَّ قَطينا ثم قال: ومِن هؤلاء المُحْدَثين هذا الخبيث -يعني أبا العَتاهِيَة- الذي يتناول الشِّعر مِن كُمِّه، حيث يقول: [من المنسرح] اللهُ بيني وبين مَولاتي … أبْدَتْ ليَ الصَّدَّ والمَلالاتِ مَنَحْتُها مُهْجَتي وخالِصَتي … فكان هِجْرانُها مُكافاتي أقلقني (٣) حبُّها وصيَّرني … أُحدوثةً في جميع حالاتي ثم جدَّ فقال: ومَهْمَهٍ قد قطعتُ طامِسَه … قَفْرٍ على الهول والمَخافات ببَكْرةٍ جَسْرةٍ عُذافِرةٍ … خَوْصاءَ عَيرانَةٍ عَلَنْداة (٤) تُبادر الشمسَ كلَّما طَلعت … بالسَّير تبغي بذاك مَرضاتي يا ناقُ سيري بنا ولا تَعِدي … نفسَك ممَّا تَرَينَ راحات

стр. 6264

حتى تُناخي بنا إلى مَلِكٍ … توَّجه اللهُ بالمَهابات عليه تاجانِ فوق مَفْرِقه … تاجُ جَلال وتاجُ إخبات يقول للرِّيح كلَّما نَسَمَت … هل لك يا ريحُ في مُباراتي مَن مِثل مَن عمُّه الرسولُ ومَن … أخوالُه أكرمُ الخُؤولات قال مسعودُ بن بشر (١): فقلت: أنا أُنشدك أحسنَ ممَّا أنشدتني، فقال: هات، فقلت: [من الطويل] ذكرتُم من التَّرحال أمرًا فغمَّنا … فلو قد فعلتُمْ صبَّح الموتُ بعضَنا زعمْتُم بأنَّ البَين يُحزِنُكم نَعَمْ … سيُحزنكم حُزْنًا ولا مثلَ حُزْنِنا أطال قصيرُ الليل يا رَحمَ عندكمْ … فإن قصيرَ الليلِ قد طال عندنا خَليُّون من أوجاعنا يَعْذِلوننا … يقولون لِمْ لم تَهوَ قلتا تديُّنا (٢) فلو شاء ربيِّ لابْتَلاهم بمثل ما ابـ … تلانا فصاروا لا علينا ولا لنا سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدٍ … هواكمْ لعلَّ الفضلَ يَجْمع بيننا إليك أبا العبَّاس مِن بين مَن مشى … عليها امتَطَينا الحَضْرَميَّ المُلَسَّنا (٣) قَلائصَ لم تَحْمل جَنينًا على طَلًا (٤) … ولم تَدْرِ ما قَرْعُ الفَنيقِ ولا الهِنا (٥) فقال ابن مُناذر: أحسنَ والله صاحبُك في التَّشْبيب، وأغْرَبَ علينا في النِّعال وتصييرِه إياها مَطايا، ثم قال: لمن هذا؟ قلت: لأبي نُواس، فقال: لعنه الله، وندم على تحسين الأبيات. وقال وقد حَجَبه مالك بن طَوْق (٦): [من البسيط]

стр. 6265

ما لي أرى القُبَّة البيضاءَ (١) مُقْفَلَةً … دوني وقد طالما استَفْتَحْتُ مُقْفَلَها أظنُّها (٢) جنَّةَ الفِردوس مُعرضةً … وليس لي عملٌ زاكٍ فأدخُلَها [وروى الخطيبُ (٣) أن أبا نواسٍ دخل على الأمين، فقال له: يا حسن، بلغني أنَّك زنديق، فقال: يا أميرَ المؤمنين، كيف أكون زنديقًا وأنا القائل: [من الطويل] أصلِّي الصلاةَ الخمسَ في حينِ [وقتها] (٤) … وأشهدُ بالتوحيد لله خاضعا وأُحسِنُ غُسْلًا إن ركبتُ جَنابةً … وإن جاءني المسكين لم أكُ مانعا من أبيات، قال: صدقت، وأمر له بجائزة. وقال محمَّد بن عُبيد الله العُتْبي: وقد نظم أبو نواسٍ قولَ النبيِّ ﷺ : "الأرواحُ جنودٌ مجنَّدة … " الحديث (٥)، فقال: [من البسيط] إنَّ القلوبَ لَأجنادٌ مُجَنَدة … لله في الأرض بالآلاء (٦) تَعْتَرفُ فما تَناكَر منها فهو مُخْتلفٌ … وما تعارف منها فهو مؤتَلِف وقيل: لعليِّ ﵇. وأبو نُواسٍ فقد كان له لَهْوٌ ولَعِب أولَ زمانه، ثم تاب في آخر عُمره، وخصوصًا عند موته؛ لِمَا نذكر. [وقال الخطيبُ (٧) بإسناده إلى أبي جعفرٍ الصَّائع قال: لمَّا احتُضر أبو نواسٍ قال: اكتبوا هذه الأبياتَ على قبري:] (٨) [من مجزوء الكامل] وعَظَتْك أجْداثٌ صُمُتْ … ونَعَتْك أزْمِنَةٌ خُفُتْ

стр. 6266

وتَكَلَّمت عن أوجُهٍ … تَبلى وعن صُوَرٍ سُبُت وأرتْك قبرَك في القبو … رِ وأنت حيٌّ لم تَمُت يا ذا المُنى يا ذا المُنى … عِشْ ما بدا لك ثم مُت [وحكى المُعافَى بنُ زكريا عن] أبي العباس [قال:] (١) أنشدتُ الإمامَ أحمد بنَ حنبلٍ ﵀ قولَ أبي نُواس: [من الطويل] إذا ما خَلوتَ الدهرَ يومًا فلا تَقُلْ … خلوتُ ولكن قلْ عليَّ رقيبُ ولا تَحْسبنَّ الله يَغْفُل ساعةً … ولا أنَّ ما يَخْفى عليه يغيبُ لَهَونا لَعَمْرُ اللهِ حتى تتابَعَتْ (٢) … ذُنوبٌ على آثارهنَّ ذنوب فيا ليت أنَّ اللهَ يَغفرُ ما مضى … ويأذنُ في توباتنا فنتوب فبكى الإمام أحمدُ رحمةُ الله عليه وجعل يُرَدِّدها (٣). وقال [الخطيبُ (٤) بإسناده عن] علي بن محمَّد بنِ زكريا [قال:] دخلتُ على أبي نواسٍ وهو يَكِيدُ (٥) بنفسه [فقال لي: أتكتب؟ قلت: نعم، فأنشأ يقول: [من الخفيف] دَبَّ فيَّ الفَناءُ سُفْلًا وعُلْوا … وأراني أموت عُضوًا فعضوا ذهبتْ شِرَّتي بجِدَّة نفسي (٦) … وتذكَّرتُ طاعةَ اللهِ نِضْوا ليس من ساعةٍ مَضَت بيَ إلَّا … نَقَصَتْني بمَرِّها بيَ جُزْوا لَهْفَ نفسي على لَيالٍ وأيَّا … مٍ تَمَلَّيتُهنَّ لَعْبًا ولَهوا قد أسأنَا كلَّ الإساءة يا ربّ … فصَفحًا عنا إلهي وعفوا و [روى ابنُ عساكرٍ (٧) عن محمَّد بنِ أبي عُمير قال:] قال أبو نُواسٍ عند الموت: واللهِ ما خَلَعْتُ سراويلي على حرامٍ قطّ.

стр. 6267

[روى الخطيبُ (١) عن الربيع بنِ سليمانَ، عن] الإمام الشافعيِّ رحمةُ الله عليه [قال:] دخلتُ على أبي نُواسٍ وهو يجود بنفسه، فقلت له: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ فقال يُنشد (٢): ولمَّا قَسا قلبي وضاقَتْ مَذاهبي … جَعلْتُ رَجائي نحو عَفْوكِ سُلَّما تَعاظَمَني ذَنْبي فلمَّا قَرَنْتُه … بعَفْوك ربِّي كان عَفْوُك أعْظَمَا وما زلتُ ذا ذنبٍ عظيمٍ ولم تزل … تجود وتعفو مِنَّةً وتَكَرُّما فلولاك لم يقوى لإبليسَ عابدٌ (٣) … فكيف وقد أغوى صَفِيَّك آدما [وسنذكر الأبياتَ في ترجمة الشافعي]. واختلفوا في وفاته، فقيل: مات سنةَ ثمانٍ وتسعين، وقيل: سنةَ خمسٍ وتسعين، وقيل: سنة ستٍّ وتسعين ومئة. والأوَّل أصحّ، أنه مات سنةَ مئتين هو ومَعْروفٌ الكَرْخيُّ في يومٍ واحد (٤). قال أحمد بن هارون: مات أبو نُواس في اليوم الذي مات فيه معروف، فأخرجت جَنازة معروف، فغُلِّقت الأسواق ببغداد، ولم يبق بِكرٌ ولا عانس، فحُزر الجميعُ ثلاثَ مئةِ ألف، وأُخرجت جنازةُ أبي نُواس، فلم يتبعْها سوى رجلٍ واحد، فلما رجع الناسُ من جنازة معروف، قال قائل: أليس قد جَمَعَنا وإياه الإسلام؟ فرجع الناس فصلَّوا عليه، فرُئي تلك الليلةَ في المنام وهو يقول: غُفر لي بصلاة الذين صلَّوا على معروف وعليّ.

стр. 6268

[وقد أخرجه جدِّي في "فضائل معروف" فقال: حدَّثنا أبو الحسن محمَّد بن أحمدَ الصَّائغ وغيُره، عن أبي عبد اللهِ أحمدَ بن هارون … وذكره، وفيه: رجع الناسُ من جنازة معروفٍ، فرأوا جنازةَ أبي نواس، فما التفتوا إليها، فقال قائل: أليس قد جمعنا وإيَّاه الإسلام؟! ولعل باطنَه كان أجملَ من ظاهره، فلا تُؤيسوه من رحمة اللهِ تعالى، فرجع الناس كلُّهم فصلَّوا عليه. ولم يذكر في هذه الرواية حديثَ المنام، وقد علَّق بعضُهم فقال: الذي مات يوم مات معروفٌ الكَرْخي رجلٌ يقال له الحسن بن هانئ، وكنيتُه أبو نواس. وليس كما ذكر؛ لأنَّ ما في الشعراء مَن اسمُه الحسن بنُ هانئ وكنيتُه أبو نواس غيره. وذى ابنُ الهَبَّارية في "فلك المعاني" عن الطائيِّ قال:] (١) دخلتُ على أبي نُواس وهو مريض، فقلت: كيف تَجِدُك؟ فقال: [من الخفيف] كلُّ يومٍ يَمُرُّ يأخذُ بعضي … يُورث القلبَ حَسْرةً ثم يَمضي نفسِ كُفِّي عن المعاصي وتوبي … ما الخطايا على العباد بفَرْض (٢) [وذكر ابنُ الهَبَّارية أيضًا عن الطائي قال:] (٣) جاءتني رُقْعةٌ من أبي نواسٍ مع رسوله يوم مماتِه، وقال: أَدرِكْه وإلَّا فاقرأ هذه على إخوانه. [قال:] فخرجتُ وإذا بجنازته، فقرأت الوُّقعة، فإذا فيها: [من الخفيف] شِعْرُ مَيْتٍ أتاك من لَفْظ حيٍّ … صار بين الحياةِ والموتِ وَقْفا أَنحَلَتْه يَدُ الحَوادث حتى … كاد عن أَعيُن الحوادث يَخْفى لو تأمَّلْتَني لتَنْظُرَ حالي … لم تَجدْ من سُطور وَجْهيَ حَرْفا ولَرَددْتَ طَرفَ عَينك فيمن … دَرَسَتْه الأسقامُ حتى تعفَّا (٤)

стр. 6269

وقال [الخطيبُ (١) بإسناده عن] محمَّد بنِ نافع [قال]: كان أبو نواسٍ صديقًا لي، فوقعت بيني وبينه هجرةٌ في آخر عمره، ثم بلغتني وفاتهُ، فتضاعف عليّ الحُزْن، فبينا أنا بين النائمِ واليقظان، إذا أنا به، فقلت: أبو نُواس؟ قال: لاتَ حينَ كُنية، قلت: الحسنُ بن هانئ؟ قال: نعم، قلت: ما فعل اللهُ بك؟ مال: غفر لي بأبياتٍ قلتُها، وهي تحت وسادتي، قال: فأتيت أهلَه، فلما أَحسُّوا بي أجْهَشوا بالبكاء، فقلت لهم: هل قال أخي شعرًا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم، إلَّا أنَّه دعا بدَواةٍ وقِرْطاسٍ وكتب شيئًا لا ندري ما هو [قال:] فرفعتُ وسادتَهَ، فإذا برُقعةٍ فيها مكتوب: [من الكامل] يا ربِّ إن عَظُمَت ذنوبي كَثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَك أعظمُ إنْ كان لا يَرجوك إلَّا مُحْسنٌ … فمَن الذي يَدعو ويَرجو المُجْرم أدعوك ربِّ كما أمَرْتَ تَضَرُّعًا … فإذا رَدَدْتَ يدي فمَن ذا يَرْحَم ما لي إليك وَسيلَةٌ إلا الرَّجا … وجَميلُ عَفوك ثم أَنِّي مُسْلِم (٢) وقال أحمد بنُ هارون: رُئي أبو نواسٍ في المنام، فقيل له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: غفر لي بأبيات، وهي [من الوافر] تأمَّل في نبات الأرضِ وانظرْ … إلى آثار ما صَنَع المَليكُ عيونٍ من لُجَيْنٍ ناظِراتٍ … بأحداقٍ لها الذَّهبُ السَّبيك على قُضُبِ الزُّمُرُد شاهداتٍ … بأنَّ اللهَ ليس له شريك (٣) أسند أبو نُواس الحديثَ عن حَمَّاد بنِ زيد [ومعتمر بن سليمانَ وعبدِ الواحد بن زيادٍ (٤) ويحيى بن سعيد القطَّان] وغيرهم (٥)، غيرَ إنه ضيَّع ذلك بهنَاته. [وحدَّثنا غيرُ واحدٍ عن أبي القاسم إسماعيلَ بن أحمدَ السَّمَرْقَنْدي بإسناده عن] محمَّد بنِ إبرإهيمَ بنِ كثير [قال:] (٦) دخلنا على أبي نُواسٍ في مرض موته، فقلنا له:

стр. 6270

هذا آخرُ أيامك من الدنيا، وبينك وبين اللهِ هَنَات، فتُبْ منها، فقال: إيَّاي تُخَوِّفون بالله، أَسنِدوني، فأسندوه، فقال: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن يزيدَ الرَّقَاشي (١)، عن أنس بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ادَّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائرِ من أُمَّتي" أَفتراني لا أكون منهم! [قلت: وقد ضعَّفه الخطيبُ فقال: لم يروه عن محمَّد بنِ إبراهيمَ غيُر إسماعيلَ بن عليٍّ الخزاعي، وكان غيَر ثقة (٢). قال الخطيب:] ودُفن بمقابر الشُّونيزية [غربي بغداد بتلِّ اليهود] (٣). وسنُّه أربعٌ وستُّون سنة، وقيل: تسع وخمسون سنة، رحمة الله عليه (٤). مَعْروف الكرْخيّ (٥) اختلفوا في نسبه فقال الخطيبُ: هو معروف بن الفَيرُزان. وقيل: فَيْروز. وقيل: عليّ. وقال ابنُ خَميس في "مناقب الأبرار": هو معروف بنُ فيروز. وقيل: ابن مرزان (٦). وقيل: ابن علي. وينسب إلى كَرْخ بغداد، وقبره معروفٌ يُزار إلى اليوم، ويقال له: كرخ باجَدَّا.
следующие страницы →