← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

وتَكَلَّمت عن أوجُهٍ … تَبلى وعن صُوَرٍ سُبُت وأرتْك قبرَك في القبو … رِ وأنت حيٌّ لم تَمُت يا ذا المُنى يا ذا المُنى … عِشْ ما بدا لك ثم مُت [وحكى المُعافَى بنُ زكريا عن] أبي العباس [قال:] (١) أنشدتُ الإمامَ أحمد بنَ حنبلٍ ﵀ قولَ أبي نُواس: [من الطويل] إذا ما خَلوتَ الدهرَ يومًا فلا تَقُلْ … خلوتُ ولكن قلْ عليَّ رقيبُ ولا تَحْسبنَّ الله يَغْفُل ساعةً … ولا أنَّ ما يَخْفى عليه يغيبُ لَهَونا لَعَمْرُ اللهِ حتى تتابَعَتْ (٢) … ذُنوبٌ على آثارهنَّ ذنوب فيا ليت أنَّ اللهَ يَغفرُ ما مضى … ويأذنُ في توباتنا فنتوب فبكى الإمام أحمدُ رحمةُ الله عليه وجعل يُرَدِّدها (٣). وقال [الخطيبُ (٤) بإسناده عن] علي بن محمَّد بنِ زكريا [قال:] دخلتُ على أبي نواسٍ وهو يَكِيدُ (٥) بنفسه [فقال لي: أتكتب؟ قلت: نعم، فأنشأ يقول: [من الخفيف] دَبَّ فيَّ الفَناءُ سُفْلًا وعُلْوا … وأراني أموت عُضوًا فعضوا ذهبتْ شِرَّتي بجِدَّة نفسي (٦) … وتذكَّرتُ طاعةَ اللهِ نِضْوا ليس من ساعةٍ مَضَت بيَ إلَّا … نَقَصَتْني بمَرِّها بيَ جُزْوا لَهْفَ نفسي على لَيالٍ وأيَّا … مٍ تَمَلَّيتُهنَّ لَعْبًا ولَهوا قد أسأنَا كلَّ الإساءة يا ربّ … فصَفحًا عنا إلهي وعفوا و [روى ابنُ عساكرٍ (٧) عن محمَّد بنِ أبي عُمير قال:] قال أبو نُواسٍ عند الموت: واللهِ ما خَلَعْتُ سراويلي على حرامٍ قطّ.

стр. 6267

[روى الخطيبُ (١) عن الربيع بنِ سليمانَ، عن] الإمام الشافعيِّ رحمةُ الله عليه [قال:] دخلتُ على أبي نُواسٍ وهو يجود بنفسه، فقلت له: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ فقال يُنشد (٢): ولمَّا قَسا قلبي وضاقَتْ مَذاهبي … جَعلْتُ رَجائي نحو عَفْوكِ سُلَّما تَعاظَمَني ذَنْبي فلمَّا قَرَنْتُه … بعَفْوك ربِّي كان عَفْوُك أعْظَمَا وما زلتُ ذا ذنبٍ عظيمٍ ولم تزل … تجود وتعفو مِنَّةً وتَكَرُّما فلولاك لم يقوى لإبليسَ عابدٌ (٣) … فكيف وقد أغوى صَفِيَّك آدما [وسنذكر الأبياتَ في ترجمة الشافعي]. واختلفوا في وفاته، فقيل: مات سنةَ ثمانٍ وتسعين، وقيل: سنةَ خمسٍ وتسعين، وقيل: سنة ستٍّ وتسعين ومئة. والأوَّل أصحّ، أنه مات سنةَ مئتين هو ومَعْروفٌ الكَرْخيُّ في يومٍ واحد (٤). قال أحمد بن هارون: مات أبو نُواس في اليوم الذي مات فيه معروف، فأخرجت جَنازة معروف، فغُلِّقت الأسواق ببغداد، ولم يبق بِكرٌ ولا عانس، فحُزر الجميعُ ثلاثَ مئةِ ألف، وأُخرجت جنازةُ أبي نُواس، فلم يتبعْها سوى رجلٍ واحد، فلما رجع الناسُ من جنازة معروف، قال قائل: أليس قد جَمَعَنا وإياه الإسلام؟ فرجع الناس فصلَّوا عليه، فرُئي تلك الليلةَ في المنام وهو يقول: غُفر لي بصلاة الذين صلَّوا على معروف وعليّ.

стр. 6268

[وقد أخرجه جدِّي في "فضائل معروف" فقال: حدَّثنا أبو الحسن محمَّد بن أحمدَ الصَّائغ وغيُره، عن أبي عبد اللهِ أحمدَ بن هارون … وذكره، وفيه: رجع الناسُ من جنازة معروفٍ، فرأوا جنازةَ أبي نواس، فما التفتوا إليها، فقال قائل: أليس قد جمعنا وإيَّاه الإسلام؟! ولعل باطنَه كان أجملَ من ظاهره، فلا تُؤيسوه من رحمة اللهِ تعالى، فرجع الناس كلُّهم فصلَّوا عليه. ولم يذكر في هذه الرواية حديثَ المنام، وقد علَّق بعضُهم فقال: الذي مات يوم مات معروفٌ الكَرْخي رجلٌ يقال له الحسن بن هانئ، وكنيتُه أبو نواس. وليس كما ذكر؛ لأنَّ ما في الشعراء مَن اسمُه الحسن بنُ هانئ وكنيتُه أبو نواس غيره. وذى ابنُ الهَبَّارية في "فلك المعاني" عن الطائيِّ قال:] (١) دخلتُ على أبي نُواس وهو مريض، فقلت: كيف تَجِدُك؟ فقال: [من الخفيف] كلُّ يومٍ يَمُرُّ يأخذُ بعضي … يُورث القلبَ حَسْرةً ثم يَمضي نفسِ كُفِّي عن المعاصي وتوبي … ما الخطايا على العباد بفَرْض (٢) [وذكر ابنُ الهَبَّارية أيضًا عن الطائي قال:] (٣) جاءتني رُقْعةٌ من أبي نواسٍ مع رسوله يوم مماتِه، وقال: أَدرِكْه وإلَّا فاقرأ هذه على إخوانه. [قال:] فخرجتُ وإذا بجنازته، فقرأت الوُّقعة، فإذا فيها: [من الخفيف] شِعْرُ مَيْتٍ أتاك من لَفْظ حيٍّ … صار بين الحياةِ والموتِ وَقْفا أَنحَلَتْه يَدُ الحَوادث حتى … كاد عن أَعيُن الحوادث يَخْفى لو تأمَّلْتَني لتَنْظُرَ حالي … لم تَجدْ من سُطور وَجْهيَ حَرْفا ولَرَددْتَ طَرفَ عَينك فيمن … دَرَسَتْه الأسقامُ حتى تعفَّا (٤)

стр. 6269

وقال [الخطيبُ (١) بإسناده عن] محمَّد بنِ نافع [قال]: كان أبو نواسٍ صديقًا لي، فوقعت بيني وبينه هجرةٌ في آخر عمره، ثم بلغتني وفاتهُ، فتضاعف عليّ الحُزْن، فبينا أنا بين النائمِ واليقظان، إذا أنا به، فقلت: أبو نُواس؟ قال: لاتَ حينَ كُنية، قلت: الحسنُ بن هانئ؟ قال: نعم، قلت: ما فعل اللهُ بك؟ مال: غفر لي بأبياتٍ قلتُها، وهي تحت وسادتي، قال: فأتيت أهلَه، فلما أَحسُّوا بي أجْهَشوا بالبكاء، فقلت لهم: هل قال أخي شعرًا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم، إلَّا أنَّه دعا بدَواةٍ وقِرْطاسٍ وكتب شيئًا لا ندري ما هو [قال:] فرفعتُ وسادتَهَ، فإذا برُقعةٍ فيها مكتوب: [من الكامل] يا ربِّ إن عَظُمَت ذنوبي كَثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَك أعظمُ إنْ كان لا يَرجوك إلَّا مُحْسنٌ … فمَن الذي يَدعو ويَرجو المُجْرم أدعوك ربِّ كما أمَرْتَ تَضَرُّعًا … فإذا رَدَدْتَ يدي فمَن ذا يَرْحَم ما لي إليك وَسيلَةٌ إلا الرَّجا … وجَميلُ عَفوك ثم أَنِّي مُسْلِم (٢) وقال أحمد بنُ هارون: رُئي أبو نواسٍ في المنام، فقيل له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: غفر لي بأبيات، وهي [من الوافر] تأمَّل في نبات الأرضِ وانظرْ … إلى آثار ما صَنَع المَليكُ عيونٍ من لُجَيْنٍ ناظِراتٍ … بأحداقٍ لها الذَّهبُ السَّبيك على قُضُبِ الزُّمُرُد شاهداتٍ … بأنَّ اللهَ ليس له شريك (٣) أسند أبو نُواس الحديثَ عن حَمَّاد بنِ زيد [ومعتمر بن سليمانَ وعبدِ الواحد بن زيادٍ (٤) ويحيى بن سعيد القطَّان] وغيرهم (٥)، غيرَ إنه ضيَّع ذلك بهنَاته. [وحدَّثنا غيرُ واحدٍ عن أبي القاسم إسماعيلَ بن أحمدَ السَّمَرْقَنْدي بإسناده عن] محمَّد بنِ إبرإهيمَ بنِ كثير [قال:] (٦) دخلنا على أبي نُواسٍ في مرض موته، فقلنا له:

стр. 6270

هذا آخرُ أيامك من الدنيا، وبينك وبين اللهِ هَنَات، فتُبْ منها، فقال: إيَّاي تُخَوِّفون بالله، أَسنِدوني، فأسندوه، فقال: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن يزيدَ الرَّقَاشي (١)، عن أنس بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ادَّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائرِ من أُمَّتي" أَفتراني لا أكون منهم! [قلت: وقد ضعَّفه الخطيبُ فقال: لم يروه عن محمَّد بنِ إبراهيمَ غيُر إسماعيلَ بن عليٍّ الخزاعي، وكان غيَر ثقة (٢). قال الخطيب:] ودُفن بمقابر الشُّونيزية [غربي بغداد بتلِّ اليهود] (٣). وسنُّه أربعٌ وستُّون سنة، وقيل: تسع وخمسون سنة، رحمة الله عليه (٤). مَعْروف الكرْخيّ (٥) اختلفوا في نسبه فقال الخطيبُ: هو معروف بن الفَيرُزان. وقيل: فَيْروز. وقيل: عليّ. وقال ابنُ خَميس في "مناقب الأبرار": هو معروف بنُ فيروز. وقيل: ابن مرزان (٦). وقيل: ابن علي. وينسب إلى كَرْخ بغداد، وقبره معروفٌ يُزار إلى اليوم، ويقال له: كرخ باجَدَّا.

стр. 6271

وحكى الخطيبُ (١) عن محمَّد بن رِزْقٍ قال: سمعت أبا بكرٍ محمَّد بن الحسن النقَّاش المُقرئ، وسئل عن معروفٍ الكرخي فقال: سمعت إدريس بن عبد الكريمِ يقول: هو معروف بن الفَيرُزان، وبيني وبينه قرابة، وكان أبوه صابئًا من أهل نهربان من قرى واسط، وكان في صغره يصلِّي بالصِّبيان ويعرض على أبيه الإسلامَ فيصيح عليه. واختلفوا في كُنية معروفٍ على قولين: أحدهما: أبو مَحْفوظ، حكى بعضُ الأشياخ قال: خطر لي يومًا اسمُ معروف وكُنيته، فأخذني الطَّربُ وقلت: زِه (٢)، أبو محفوظ معروف، جُمع له بينهما. والثاني: كُنيته أبو الحسن، ذكره الخطيب] (٣) [ذكر طرف من أخباره: حكى عبدُ الكريم بن هَوازن القُشَيريُّ عن أبيه (٤)، عن أبي [عليٍّ] (٥) الدَّقَّاق قال: كان معروفٌ أبواه نصرانيان، فسلَّما معروفًا إلى المؤدِّب وهو صبي، فكان يقول له: قل: ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو واحد، فضربه المعلِّم يومًا ضربًا مُبَرّحًا، فهرب معروف، فكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أيِّ دِينٍ شاء فنوافقَه عليه. ثم إنَّه أسلم على يد عليِّ بن موسى الرِّضا، ورجع إلى منزله، فدقَّ الباب، فقيل: مَن بالباب؟ فقال: معروف، فقالوا: على أيِّ دين؟ فقال على الدين الحَنيفي، فأسلم أبواه. وحكى عليُّ بن عبدِ الله ابن جَهْضَمٍ الصُّوفيُّ، عن أحمد بنِ عطاء، عن أبي صالح] عبد الله بن صالح قال (٦): كان أبو محفوظٍ معروف قد باداه اللهُ بالاجتباءِ في حال

стр. 6272

الصِّبا. يُذكر أنَّ عيسى أخاه قال: كنت أنا وأخي معروفٌ في الكُتَّاب، وكنَّا نصارى، وكان المعلِّم يعلم الصِّبيان: أب وابن، فيصيح أخي معروف: أَحَدٌ أحد، فيضربه المعلِّم على ذلك ضَرْبًا شديدًا، فهرب على وجهه، فكانت أمُّه تبكي وتقول: لئن ردَّ اللهُ عليَّ ابني معروفًا لأتبعنَّه على أيِّ دين كان، فقدم عليها معروفٌ بعد سنينَ كثيرة، فقالت: يا بُني، على أيّ دينٍ أنت؟ قال: دينِ الإسلام، فقالت: وأنا أشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وأشهد أنَّ محمَّدًا رسولُ الله ﷺ ، فأسلمت أمِّي وأسلمنا كلنا (١). [وقال ابنُ خميس في "المناقب": كان معروفٌ، من جِلَّة (٢) مشايخهم وقدمائهم، والمشهورين بالزُّهد والورعِ والفتوَّة، مجابَ الدَّعوة، يُستسقى بقبره، ويقول البغداديون: قبرُه الدِّرْياق المُجَرَّب (٣) [قال: وهو من موالي عليِّ بن موسى الرضا، وذكر إسلامَه وأنَّ المعلِّم ضربه فهرب إلى علي بن موسى الرِّضا فأسلم على يديه. وقال السُّلمي:] (٤) كان من العارفين بالله، المحبّين له [وكان] صاحبَ كرامات وآيات، ذُكر عنده القرآنُ فقال: واغوثاه بالله [العظيم] القرانُ كلام اللهِ غير مخلوق. [ذِكر ثناءِ العلماءِ عليه: روى الخطيبُ بإسناده عن] إسماعيلَ بن شدَّاد قال (٥): قال لنا سفيان بن عُيينة: من أين أنتم؟ قلنا: من بغداد، قال: ما فعل ذلك الحَبْرُ الذي فيكم؟ قلنا: مَن هو؟ قال: أبو محفوظٍ معروف، قلنا: بخير، [قال:] لا يزال أهلُ تلك المدينةِ بخير ما بقي فيهم. [وروى ابنُ باكُويه الشيرازيُّ قال:] (٦) ذُكر معروفٌ عند الإمام أحمدَ ﵀،

стр. 6273

فقال واحدٌ من الجماعة: هو قصيرُ العلم [قال عبدُ الله بن أحمدَ بنِ حنبل: فقال له والدي:] (١) أَمسِك عافاك اللهُ، وهل يراد بالعلم إلَّا ما وصل إليه معروف! [ورواه الخطيب (٢) عن عبد اللهِ بن الإمام أحمدَ ﵀ قال: قلت لأبي: هل كان مع معروفٍ شيءٌ من العلم؟ فقال: كان معه رأسُ العلم، خشيةُ الله تعالى. [وروى أبو الحسين بن عمرَ القزوينيُّ قال:] (٣) قيل لبِشر: إنَّ معروفًا يحضر الولائمَ ويأكل الطيِّباتِ ويقول: أنا ضيف، من أيِّ شيءٍ أطعمني أكلت، فقال بِشر: أعرف رجلًا يشتهي باذنجانةً من كذا وكذا سنة، ثم قال: أخي معروفٌ يأكل ببسط المعرفة، وأنا أترك بقبض الورع. [وروى الخطيبُ بإسناده عن عبد الوهاب الورَّاق وقيل له:] (٤) إنَّ معروفًا يمشي على الماء، فقال: لو قيل لي: إنَّه يمشي في الهواء لصدَّقت. وقال زيد الحِمْيَري (٥): قال لي ثوبانُ الراهب: أَرِني معروفَكم هذا الذي تذكرون من فضله، فذهبنا إلى معروف، فلقيناه قد نزل من مسجده، فسلَّمت عليه وقلت: إنَّ ثوبانَ جاء ليسلِّمَ عليك، فقال له معروف: كيف تجدون الإسلامَ عندكم؟ قال: عظيمًا، قال معروف: أيّها الراهب، هو عند اللهِ أعظم، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] الآيةَ، ثم قال: أيُّها الراهب، أَسلم، فإنَّ لك حقًّا، نقلتَ قدميك إلينا، فبكى الراهب ثم قال: قد وقع كلامُك في قلبي، ثم سلَّم وانصرفنا، ثم قال لي الراهبُ: يا زيد، ما أرى أنَّ في الدنيا مثلَ هذا، لو دعاني بكلمةٍ أخرى لأسلمت. [ذِكر زيارة الأئمَّة له والتبرُّكِ بدعائه: قد كان جماعةٌ من الأئمة والزهَّاد يتباركون بزيارته، منهم أحمد بنُ حنبلٍ ويحيى بن

стр. 6274

مَعين وبِشر الحافي وغيرُهم، وروى الخطيبُ (١) بإسناده إلى إدريس بنِ عبد الكريم قال:] جاء الإمام أحمدُ بن حنبلٍ رحمةُ الله عليه ويحيى بنُ معين يكتبان عنه، فقال ابن معينٍ للإمام أحمد: أريد أن أسألَه عن مسألة، فقال له أحمد: دَعْه، فسأله عن سجدتي السَّهو، فقال له معروف: عقوبةٌ للقلب، لِمَ اشتغل وغفل عن الصلاة؟ فقال له الإمامُ أحمد: خذها في كيسك، فإنَّه ليس من علمك ولا علمِ أصحابك. [وفي رواية:] (٢) قال له ابنُ معين: ما تقول فيمن نسي سجدتي السَّهو في الصلاة؟ قال: يعيد الصلاة، قال: ولم؟ قال: لأنه قلبٌ غفل عن الله، فقال ابنُ معينٍ للإمام أحمد: أكذا؟ قال: نعم، لقد أجابك بجواب الجواب (٣). [ذكر نبذة من زهده وإيثاره: روى ابن باكُويه الشيرازيُّ عن] ابن أختِ معروفٍ قال (٤): قلت لخالي معروف: أراك تجيب كلَّ مَن دعاك! فقال: يا بُنيّ، إنما خالُك ضيفٌ ينزل حيث نزل. [وروى أبو نُعيم عنه أنَّه قال:] (٥) ما أبالي امرأةً لقيت أم حائطًا. وكان يؤْثِر بما يفتح به عليه ولا يدَّخر شيئًا. و [كان] يقول: أعوذ بالله من طول الأمل. [قال:] (٦) وأراق الماءَ يومًا وَهو قريبٌ من دجلةَ فاستجمر (٧)، فقيل له: الماءُ قريبٌ منك! فقال: لَعلِّي لا أعيش حتى أصلَ إلى الماء. [وروى أبو نُعيم أنَّه (٨)] كان يعاتب نفسَه ويقول: يا مسكين، كم تبكي! أَخلِصْ وتَخلص. [وفي رواية: وكان يضرب نفسَه ويقول: يا نفس، كم تبكين! أَخلِصي

стр. 6275

وتخلَّصي (١). وروى الخطيبُ (٢) عن عيسى أخي معروفٍ قال:] سأل رجلٌ معروفًا فقال: كيف تصوم؟ فقال: كان عيسى ﵇ يصوم كذا وكذا، [قال: أَخبِرني عن صومك، قال. كان داودُ ﵇ يصوم كذا وكذا، (٣) قال: أَخبِرني عن صومك، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يصوم كذا وكذا، قال: أَخبِرني عن صومك، قال: أمَّا أنا، فأصبح الدهرَ كلَّه صائمًا، فإن دُعيتُ إلى طعامٍ أَكلت ولم أقل: إنِّي صائم. [وقال أبو نُعيم (٤): كان الحجَّام يأخذ شارب معروفٍ وهو يسبِّح، فقال له الحجَّام: لا يتهيَّأ الأخذُ من شاربك وأنت تسبِّح، فقال معروف: أتعمل أنت وأبطل أنا؟! ذِكر جملةٍ من كلامه ومواعظه وما أَنشد من الشِّعر: روى ابنُ أبي الدنيا [عن] عمرو (٥) بن موسى: قال: سمعت معروفًا] وذُكر عنده رجلٌ فجعل رجلٌ يغتابه، فقال له معروف: اذكر القطنَ إذا وضعوه على عينيك. وجعل يردِّده. [وقال عليُّ بن الموفَّق: سمعت معروفًا يقول:] (٦) إنَّ الله لَيبتلي العبد، فيجتمع إليه القوم، فيشكو إليهم، فيقول اللهُ تعالى: عبدي ما ابتليتُك إلا لأغسلَك من الخطايا، فلا تشكوني. [قال:] (٧) وقال: إنَّ لله عبادًا إذا أقبلت الدنيا عليهم قالوا: ذنب عُجِّلت عقوبته، وإذا أدبرت قالوا: مرحبًا بشعار الصالحين. و [قال السُّلمي:] قال [معروف:] احفظ لسانَك من المدح كما تحفظه من الذَّمّ.

стр. 6276

و [قال الخطيب:] قال [معروف:] النظرُ إلى المصحف وإلى الوالدين والقعودُ في المسجد عبادة. و [قال أبو نُعيم]: قال [معروف] ما أكثرَ الصالحين وأقلَّ الصادقين فيهم! و [قال السُّلمي:] (١) قال [معروف:] قلوبُ الصالحين تُزهر بالتقوى وتُسرج بالبِر، وقلوب الفجَّار تُظلم بالفجور وتَعمى بسوء النيَّة. [وقال ابنُ جَهضَم: قيل لمعروف:] (٢) بأيِّ شيءٍ قدر القومُ على الطاعة لله تعالى؟ فقال: بخروج الدنيا من قلوبهم، ولو كانت في قلوبهم لَمَا صحَّت لهم سجدة. وقال [السَّري: سمعت معروفًا يقول] (٣): مَن كابر اللهَ صرعه، ومَن نازعه قمعه، ومَن ماكره خدعه، ومَن توكَّل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه. [وروى أبو نُعيم (٤) عن يعقوبَ بنِ أخي معروف قال: سمعت عمِّي معروفًا يقول:] (٥) كلامُ العبد فيما لا يعنيه خِذلانٌ من الله (٦)، ورجاؤك لمن لا يطيعه خذلان وحُمق. وقال: إذا أراد اللهُ بعبدٍ خيرًا استعمله في الطاعة وأَسكنه بين الفقراء، وإذا أراد به غيرَ ذلك منعه العمل، وابتلاه بالجدال، وأَسكنه بين الأغنياء. وقيل له: ما يُخرج الدنيا من القلب؟ فقال: صفاءُ الودِّ وحُسن المعاملة. وجاءه رجلٌ فقال: قد بنيتُ دارًا، وأحبُّ أن تدخلَها وتدعوَ لي بالبركة، فجاء فدخلها وقال: يا أخي، ما أحسنَها! ولكن ما يَدَعونك فيها. [وروى ابنُ باكويه عن] القاسم بنِ محمد البغداديِّ قال (٧): كنت جارَ معروف، فسمعته ليلةً في السَّحَر يَنوح ويبكي وينشد: [من الخفيف]

стр. 6277

أيَّ شيءٍ تُريد مني الذُّنوبُ … عَلِقت بي فليس عني تغيبُ ما يَضُرُّ الذنوبَ لو أعتَقَتْني … رحمةً لي فقد عَلاني المَشيب (١) وكان يتمثل دائمًا ويقول: [من الخفيف] ليس مَن مات فاستراح بميْتٍ … إنَّما المَيْت ميِّت الأحياءِ وهذا البيت لعَديِّ بن الرَّعلاءِ المازني، من أبيات، منها: إنَّما المَيْت من يعيش ذليلًا … كاسفًا بالُه قليل الرَّجاءِ فأُناسٌ يمصِّصون ثِمارًا … وأُناس حلوقُهم في الماء (٢) ودخل عليه رجلٌ وهو يدور حول ساريةِ المسجد ويقول: [من مجزوء الرمل] يا حبيبي يا حبيبي … من حبيبي أنت تدري (٣) فقال له: علِّمني المحبَّة [فقال: هذا ما يجيءُ بالتعليم. وفي رواية] (٤) فقال له: المحبَّة ليست من تعليم الخلق، وإنَّما هي من مواهب الحقِّ. وقال له رجل: أَوصِني، فقال: توكَّل على الله حتى يكونَ هو معلِّمَك ومؤنسَك وموضعَ شكواك؛ فإنَّ الناس لا ينفعونك ولا يضرُّونك. وقال معروف: وجدتُ في بعض الكتب: يقول اللهُ ﵎: يا ابن آدم، ما أجسَرك! تسألني فأمنعك، لعلمي بما يُصلحك، ثم تُلحُّ عليَّ في السؤال، فأجود عليك بكرمي، وأعطيك ما سألتني، فتستعين به على معصيتي، فأَهُمُّ بهتك سِترك [فتسألني] فأستر عليك، فكم سترٍ جميلٍ أصنعه معك، وكم من قبيحٍ تعمله معي! يوشك أن

стр. 6278

أغضبَ عليك غضبةً لا أرضى عليك بعدها أبدًا. [والله أعلم. ذِكر بعضِ كراماته: روى الخطيبُ (١) عن] ابن شيرويه قال: كنت أجالس معروفًا كثيرًا، فلمَّا كان ذات يومٍ قلت له: يا أبا محفوظ، بلغني أنَّك تمشي على الماء! فقال: ما فعلته قطّ، ولكن إذا هممت بالعبور، يُجمع لي طرفاها فأتخطَّاها. يعني دِجلة. وقيل له: إنَّك تمشي على الماء! فقال: هذا الماءُ وها أنا. وإنَّما أراد المعاريض. وقال [الخطيبُ (٢) عن] محمد بنِ منصور [قال]: كنت عند معروفٍ يومًا، وجئته من الغد وإذا في وجهه أَثَر، فقلت: يا أبا محفوظ، كنت عندك أمسِ وما بك هذا الأثر، فما هذا؟! فقال: سَلْ عما يعنيك، فقلت له: بالله ما سببُه؟! فقال: ويحك، ما دعاك على أن تُقسمَ عليَّ بالله، وتغيَّر وجهه، ثم قال: صلَّيت البارحةَ ها هنا وأردت أن أطوفَ بالبيت، فمضيت إلى مكَّة، فطُفت، ثم مِلت إلى زمزمَ لأشربَ من مائها، فزلقت على الباب، فأصاب وجهي هذا. [وروى الخطيبُ عن] الفضل بنِ محمد الرَّقاشي [قال] (٣): دخلتُ يومًا على معروفٍ وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟! قال: ذهب الإخوان، وشحَّ الناس على الدنيا ونسُوا الآخرة. ثم قام ومشى، ومشيت معه إلى دكَّان أخيه، فسلَّم عليه وقعد، وكان أخوه دقَّاقًا، فقال له أخوه: اِجلس ساعة؛ فإنَّ لي شغلًا، وقام أخوه وذهب في حاجته، فرأى معروفٌ الصبيانَ والأرامل والضعفاءَ جلوسًا، فأخذ يفرِّق عليهم الدقيقَ إلى أن نظَّف الدكان، وجاء أخوه فصاح وقال: أَفقرتَني، فقام معروف ورجع إلى مسجده، ففتح أخوه الصُّندوق، فإذا هو مملوءٌ دراهم، فوزنها وإذا هو قد ربح لكلِّ درهمٍ سبعين، فقام يعدو إلى معروف، فقال: يا أخي، تجيءُ غدًا إلى دكاني ساعة؟ فقال: هذا لا يجيء على التجربة (٤).

стр. 6279

[وروي أنه استأذن أخاه في الدقيق وأن يتصدق به، ولما قال له: أريد أن أذهب في حاجة، اقعد مكاني. قال: على شرط ألا أمنع سائلًا، وأن أخاه اغتم، فقال له معروف: لا تغتم، فإن ثمن دقيقك في صندوق. وروى الخطيبُ (١) عن] أبي العباس المؤدِّب قال: حدَّثني جارٌ لي هاشميٌّ بسوق يحيى، وكانت حالُه رقيقة، فقال: وُلد لي مولودٌ وليس عندنا شيء، فقالت زوجتي: لا بدَّ من قيام الصورة (٢)، ومن شيءٍ أتغذَّى به، ولا صبرَ لي على هذا. فخرجت بعد العشاءِ إلى بقَّال كنت أعامله، فعرَّفته حالي، وكان له عليَّ دَين، فلم يعطني شيئًا، ثم صِرت إلى آخَر، فلم يعطني شيئًا، فبقيت متحيِّرًا لا أدري أين أتوجَّه، فصرت إلى دِجلة، وإذا بملَّاح ينادي: فُرضة عثمان، قصر عيسى. فصحت به، فقرب إلي الشطّ، فنزلت معه، فقال: أين تريد؟ فقلت: لا أدري، وقصصتُ عليه قصتي، فقال: لا تغتمّ، أنا أحملك إلى بُغيتك إن شاء اللهُ تعالى. فوصلنا إلى مسجد معروف، فقال: ادخل وقصَّ عليه حالك وسله أن يدعوَ لك، قال: فدخلنا المسجد، وإذا معروفٌ يصلي، فسلَّمت وصليت ركعتين، فسلَّم وقال: مَن أنت يرحمك الله؟ قلت: من سوق يحيى، وقصصت عليه قصَّتي، فسمع ذلك وقام يصلِّي، ومطرت السماءُ مطرًا كثيرًا، فاغتممت وقلت: كيف جئتُ إلى هاهنا ومنزلي بعيد! واشتغل قلبي. قال: فبينا أنا كذلك، إذ سمعت وَقْعَ حافرِ دابة، فقلت: في هذا الوقتِ من الليل! فدخل المسجدَ رجل وسلَّم على معروف، فقال: مَن أنت؟ فقال: يسلِّم عليك فلان، ويقول: إني بتُّ الليلةَ أتقلَّب في نعم الله، فشكرتُ [الله] (٣) وقد بعثت إليك بخمس مئةِ دينارٍ تدفعها إلى مستحقِّها، فقال: ادفعها إلى ذاك الرجل، فقال: إنها خمسُ مئةِ دينار! فقال: هكذا طلبنا له، فدفعها إليّ، فأخذتها ومضيت بها إلى سوق يحيى، فطرقت على البقَّال، فخرج إليّ، فقلت: هذه خمسُ مئة دينار، قد فتح اللهُ لي بها. وأوفيتُه ما كان له عندي، فأخذت عسلًا ودقيقًا وشَيرجًا وما أحتاج

стр. 6280

إليه، وجئت إلى منزلي والبابُ مفتوح، وزوجتي قد كادت تتلف من الضَّعف، فقلت: هذا عسلٌ وما تحتاجين إليه، ولم أُعلمها بالدنانير، واشترينا بها عقارًا، فنحن نستغلُّه إلى اليوم، ونعيش فيه ببركة معروف [وفي رواية: فبكت المرأةُ وقالت: اللهمَّ لا تنس لمعروفٍ هذا. وفي رواية الخطيبِ أيضًا] (١) جاء رجلٌ إلى معروفٍ فقال له: وُلد لي البارحةَ مولود، وليس عندي شيء، فقال: اقعدْ وقلْ مئةَ مرة: ما شاء اللهُ كان، فقالها الرجل، فقال له: قل مرةً أخرى، فقالها، ففعل ذلك خمسَ مرات، فلمَّا استوفاها، إذا بخادم زبيدةَ أمِّ جعفرٍ قد دخل ومعه صُرَّة، فقال: ستُّنا تسلِّم عليك وتقول: ادفع هذه الصُّرَّةَ إلى قومٍ مساكين، فقال: ادفعها إلى ذاك الرجل، فقال يا أبا محفوظ، إنَّها خمسُ مئة دينار! فقال: قد قال خمسَ مئة مرة: ما شاء اللهُ كان، ثم قال للرجل: لو زدتنا لزدناك. [وروى الخطيب (٢) عن] خليلٍ الصياد قال (٣): غاب ابني إلى الأنبار، فوَجَدَتْ أمُّه وَجْدًا شديدًا، فأتيتُ معروفًا فأخبرته، فقال: فما تريد؟ فقلت؟ ادعُ اللهَ أن يردَّه عليها، فقال: اللهم إنَّ السماءَ سماؤك، وإنَّ الأرضَ أرضك، وما بينهما لك، فأتِ به. قال خليل: فأتيت بابَ الشام، وإذا بابني قائمٌ مُنْبَهِر، فقلت: محمد! قال: نعم، قلت: ما لك؟! قال: الساعةَ كنت بالأنبار. [وروى أبو نُعيم (٤) عن] يعقوبَ بنِ أخي معروف قال (٥): قال لي عمِّي معروف: إذا كانت لك إلى الله حاجةٌ فأَقسِم عليه بي. [وكذا روى سَرِيٌّ السَّقَطي عنه (٦). وروى ابن ناصرٍ بإسناده إلى] رَوح المُقرئ قال (٧): نزل معروفٌ الماءَ ليتوضأ، ووضع ثوبَه ومصحفه، فجاءت امرأةٌ فأخذتهما، فتبعها يقول: يا أختي، تُحسنين

стр. 6281

تقرئي؟! خذي الثوبَ وردِّي المصحف [فلمَّا رآها لا تجيبه، سعى إليها فأخذ المصحف] (١) وترك الثوب. و [روى أبو نُعيم (٢) عنه أنه] اجتاز بسقَّاء يقول: رَحِمَ اللهُ مَن شرب، فشرب معروف، فقيل له: ألست صائمًا؟! قال: بلى، ولكن رجوت دعاءه. [وروى ابنُ جَهضمٍ عنه قال: رأيت في البادية شابًّا حسنَ الوجه، له ذؤابتان، على رأسه رداءُ قصب، وعليه قميص كتَّان، وفي رجلَيه نعلان طاق، قال معروف: فعجبت منه ومن زِيِّه في ذلك المكان، فسلَّمت عليه، فرد، فقلت: من أين؟ قال: يا عمّ، من مدينة دمشق، فقلت: متى خرجتَ منها؟ قال: ضحوةَ النهار (٣)، قال معروف: فازددت تعجُّبًا، وكان بينه وبين الشامِ مراحلُ كثيرة، قلت: وأين المَقْصِد؟ قال: مكَّة، فعلمت أنَّه محمول، فودَّعته ومضى، ولم أره إلَّا بعد ثلاثِ سنين، فلما كان ذلك اليومُ وأنا في منزلي أتفكَّر في أمره، إذا بداقٍّ يدقُّ الباب، فخرجت إليه، وإذا بصاحبي، فسلَّمت عليه ورحَّبت به وأدخلته المنزل، فرأيته والهًا تالفًا، عليه زُرْمانِقة (٤)، حافيًا حاسرًا، فقلت له: ما الخبر؟ فقال: يا أستاذ، لاطَفَني حتى أدخلني الشبكةَ فرماني، فمرةً يلاطفني ومرةً يتهدَّدني، ومرة يُجيعني ومرة يُكرمني، فليته أَوقفني على بعض أسرارِ أوليائه، ثم لْيفعل ما شاء. قال معروف: فأبكاني كلامُه، فقلت: حدِّثني بالذي فعل بك منذ فارقتني، فبكى وقال: جوَّعني ثلاثين يومًا، ثم جئت إلى قرية فيها مِقْثَأة، وقد نبذوا منها المُدَوِّد وطرحوه، فأقعد فآكل منه، فبصر بي صاحبُ المِقثأة، فأتى إليَّ يضربني ويقول: يا لصّ، ما خرَّب مقثأتي غيرُك، كم أنا أُبصرك (٥) حتى وقعتُ بك! فبينما هو يضربني، إذا بفارسٍ أقبل مسرعًا، فقصده وقلب السَّوطَ في رأسه وجعل يضربه ويقول: يا عدوَّ الله،

стр. 6282

تعمد إلى وليٍّ من أولياء الله فتقول له: يا لصّ! فأخذ صاحبُ المقثأة بيدي وذهب بي إلى منزله، فما أبقى من الكرامة شيئًا إلَّا عمله معي، واستحلَّني، وجعل مِقثأتَه لله ولأصحاب معروف، قال: فقلت له: صِفْ لي معروفًا، فوصفك لي، فعرفتك بما كنتُ قد شاهدته من صفتك، قال معروف: فما استتمَّ كلامه حتى دقَّ صاحبُ المقثأة البابَ ودخل علي، وكان موسِرًا، فأخرج جميعَ ما كان له من المال فأنفقه على الفقراء، وصحب الشابَّ سنة، ثم خرجا إلى الحجّ، فماتا بالرَّبَذة]. ذكر وفاته: [حكى أبو نُعيمِ (١) عنه أنه] قال: إذا مُتُّ فتصدَّقوا بقميصي هذا، لأخرجَ من الدنيا عُريانًا كما دخلت إليها عُريانًا. [واختلفوا في سنة وفاتِه على أقوال: أحدُها: مات سنةَ مئتين. حكاه الخطيبُ. والثاني: سنةَ إحدى ومئتين. حكاه الخطيب أيضًا، وابن خميسٍ في "مناقب الأبرار". والثالث: سنةَ أربعٍ ومئتين. حكاه الخطيب (٢)، ثم قال الخطيب: وسنة مئتين أصحّ. قال: ومات هو وأبو نُواس في يومٍ واحد] وصلَّى عليه ثلاثُ مئةِ ألف إنسان، فاطَّلع عليه راهبٌ من الدَّير الذي دُفن إلى جانبه [ويقال لها: مَقبرة الدَّير] فرأى كثرةَ الخلق، فقال: يا ويحَ هؤلاء، لو أنَّ أحدهم فعل ما فعله لكان مثلَه. [وحدَّثنا غيرُ واحدٍ عن يحيى بن عليٍّ المدير بإسناده إلى] أبي بكر الخيَّاط قال (٣): رأيت كأنِّي دخلت المقابر، فإذا أهلُ القبور جلوسٌ على قبورهم بين أيديهم الرَّيحان، وإذا معروفٌ قائم بينهم يذهب ويجيء، فقلت: يا أبا محفوظ، أو ليس قد مُتَّ! قال: بلى، قلت: فما صنع بك ربُّك؟ قال: [من البسيط] موت التَّقيِّ حياةٌ لا نَفادَ لها … قد مات قومٌ وهم في الناس أحياءُ [وقد رواه الخطيب (٤)].

стр. 6283

وقال ابن باكُويه: رُئي معروفٌ وهو تحت العرش، والحقُّ جلَّت قدرته وعظمتُه يقول: يا ملائكتي، مَن هذا؟ قالوا: أنت أعلمُ يا ربَّنا، فقال: هذا معروف الكرخي، سكر من حبِّي، فما يُفيق إلَّا بلقائي. و [روى الخطيب (١) عن معروفٍ أنه] رُئي في النوم فقيل له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: أباحني الجنَّة، غيرَ أنَّ في نفسي حسرة، حيث خرجت من الدنيا ولم أتزوَّج، ووددت أنِّي كنت فعلت ذلك. [حدَّثنا غيرُ واحدٍ عن يحيى بنِ عليٍّ المدير بإسناده إلى محمد بن أحمدَ السراج قال: سمعت] أحمدَ بن الفتح يقول (٢): رأيت بِشرَ بن الحارث الحافي في منامي وهو قاعدٌ في بستان، وبين يديه مائدةٌ وهو يأكل منها، فقلت: يا أبا نصر، ما فعل اللهُ بك؟ قال: رحمني وغفر لي، وأباحني الجنةَ بأسرها، وقال لي: كل من جميع ثمارِها، واشرب من أنهارها، وتمتَّع بجميع ما فيها، كما كنت تحرم نفسَك من الشَّهوات في دار الدنيا، فقلت: فأين أخوك أحمدُ بن حنبل؟ فقال: هو قائمٌ على باب الجنةِ يشفع لأهل السنَّةِ ممن يقول: القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق، فقلت: فما فعل معروفٌ الكرخي؟ قال: هيهات هيهات، حالت الحجبُ بيننا وبينه، إنَّ معروفًا لم يعبد اللهَ شوقًا إلى جنَّته، ولا خوفًا من ناره، وإنَّما عبده شوقًا إلى لقائه، فرفعه إلى الرَّفيع الأعلى، ورفع الحجبَ بينه وبينه، ذاك التِّرياق المجرَّب، فمن كانت له إلى الله حاجةٌ فليأتِ قبرَه وليدْع، فإنَّه يستجاب له إن شاء اللهُ تعالى. [وروى أبو نُعيم (٣) عن] رجلٍ من أهل الشام أنه رأى (٤) في المنام قائلًا يقول له: اذهب إلى معروف، فسلِّم عليه وقل له: أنت معروفٌ في أهل السماءِ معروفٌ في أهل الأرض.

стр. 6284

[وروى أبو عبد الرحمن السُّلمي عن] أحمدَ بن العباس قال (١): خرجت من بغدادَ أريد الحجّ، فاستقبلني رجلٌ عليه أثرُ العبادة، فقال: من أين؟ قلت: من بغداد، خرجت منها لِمَا رأيت فيها من الفساد، خفت أن يُخسفَ باهلها، فقال: ارجع ولا تخف، فإنَّ فيها قبورَ أربعةٍ من الأولياء، هم حصنٌ لهم من جميع البلاء، قلت: مَن هم؟ قال: أحمدُ بن حنبل، ومعروفٌ الكرخي، وبِشر بنُ الحارث، ومنصور بن عمار، فرجعت وزُرت تلك القبورَ، ولم أحجَّ في تلك السَّنة. و [ذكر ابنُ خميس في "المناقب" والقشيريُّ] عن محمد بن الحسين (٢)، عن أبيه قال: رأيت معروفًا في المنام، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: غفر لي، فقلت: بزهدك وورعِك؟ قال: لا، قلت: بماذا؟ قال: بقبول موعظةِ ابن السمَّاك ولزومي الفقرَ ومحبَّتي للفقراء، كنت يومً مارًّا بالكوفة، فوقفت على ابن السمَّاك وهو يعظ الناس، فقال في خلال كلامه: مَن أقبل بقلبه على الله أقبل الله إليه برحمته، وأقبل بجميع وجوهِ الخلق إليه، ومَن أعرض عن الله بكلِّيته أعرض اللهُ عنه جملة، ومن كان مرة ومرة، فالله يرحمه. فوقع كلامه في قلبي، وأقبلت على الله وتركت جميع ما كنت عليه. أسند معروفٌ الحديثَ عن بكر بن خُنَيس (٣) وابنِ السمَّاك وعبدِ الله بن موسى وغيرهم، وصحب داودَ الطائيَّ (٤) وعليَّ بن موسى الرِّضا، واشتغل بالعبادة عن الرواية. وقبرُه ببغدادَ ظاهرٌ يزار، وإلى جانبه قبرُ أخيه الحسن، وإلى جانبه الآخَرِ قبرُ ابنِ أخيه محمدِ بن الحسن. * * *

стр. 6285

السَّنة الحاديةُ بعد المئتين (١) فيها سأل أهلُ بغدادَ منصورَ بن المهدي أن يليَ الخلافةَ عليهم، فأبى، فقالوا: تكون أميرًا علينا وتدعو بالخلافة للمأمون، فقال: نعم، فولَّوه عليهم. وسببُ ذلك سوءُ سيرة الحسنِ بن سَهْل، ومعاملته الناسَ بالكبر والجَبروت وقطعِ الأرزاق، وكان الحسنُ مقيمًا بَالمَدائن لا يتجاسر أن يدخلَ بغداد، وأخرجوا نائبَه عليَّ بن هشامٍ من بغداد، وهرب الحسنُ إلى واسط، وكان قد ضرب عبدَ الله بن عليِّ بن عيسى بنِ ماهان حدًّا، فغضب الأبناءُ وقالوا: لا نرضى أن يكونَ المجوسيُّ علينا، يعنون الحسن، وكان الفضلُ بن الربيع مُسْتَخفيًا ببغداد. وفيها استطال الفُسَّاق والدُّعَّار من أهل بغدادَ، ونهبوا المال والحَريم، ولم يمكن منصورَ بن المهدي الإنكارُ عليهم؛ لأنه كان يعتزُّ بهم، فتجرَّد له خالدٌ الدريوش من المطَّوِّعة وسهلُ بن سلامة، وقام معهما أهلُ الصلاح، وأمروا بالمعروف، وطلبوا من السلطان العملَ بكتاب الله وسُنَّة رسوله، وبايعهم الناس، فسكنت الفتن. وفيها جعل المأمونُ عليَّ بن موسى الرِّضا وليَّ عهده بعد وفاته بإشارة الفضلِ بن سهل، وطَرح السَّوادَ ولبس الخُضْرة، وأمر جندَه بذلك، وكتب إلى الآفاق، وذلك يومَ الاثنين لليلتين خلتا من رمضان. ولمَّا وصل عليُّ بن موسى من المدينة إلى بغدادَ تلقَّاه أهلها، فأقام أيامًا، ثم توجَّه إلى مَرْو، فلمَّا وصل نَيسابور، خرج إليه يحيى بنُ يحيى وإسحاق بن راهُويه ومحمد بن رافعٍ وغيرُهم لطلب الحديثِ منه، والروايةِ عنه والتبرُّك به، فأقام عندهم أيامًا يحدِّثهم، ثم سار إلى المأمون، فتلقَّاه بنفسه وأَعظمه واحترمه، وعهد إليه، وضرب اسمَه على الدنانير والدراهم، وزوَّجه ابنته أمَّ حبيب، وزوَّج ولدَه محمد بن عليٍّ ابنتَه أمَّ الفضل، وعُمرُ محمدٍ يومئذ سبعُ سنين، وتزوَّج المأمونُ بوران بنتَ الحسن بنِ

стр. 6286

سهل (١)، الجميعُ في وقت واحد، وكان الوليَّ في تزويج بُورانَ عمُّها الفضل بنُ سهل، ولم يدخل بها المأمونُ إلى سنة عشرٍ ومئتين، وقال ليحى بن أكثم: تكلَّم، قال يحيى: فأجللته أن أقول: أنكحتُ ابنتَك، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أنت الحاكمُ الأكبر، فأنت أولى بالكلام، فقال: الحمدُ لله الذي تصاغرت الأمورُ لمشيئته، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، إقرارًا بربوبيَّته، وصلى اللهُ على سيدنا محمدٍ وآله وعِترته، صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم حشرِه وجزائه، أما بعد: فإنَّ الله سبحانه جعل النكاحَ سببًا للمناسبة بين عباده، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. وقال ﷺ : "تناكحوا تناسلوا، تكثُروا، أباهي (٢) بكم الأممَ يومَ القيامة" وإنِّي قد زوَّجت ابنتي أمَّ حبيبٍ من عليِّ بن موسى، وأمَّ الفضل من ولد محمد، وأصدقت كلَّ واحدة منهما أربعَ مئة درهم، استنانًا بالسنَّة الطاهرة، وهو حسبي ونعمَ الوكيل. ولمَّا عهد إلى علي بن موسى كتب كتابَ العهد بخطِّه وإنشائه، وهو طويل، فمنه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتابٌ كتبه عبد الله بنُ هارونَ أميرُ المؤمنين لأبي الحسن عليِّ بن موسى بنِ جعفر بن محمد بن علي زينِ العابدين، الرِّضا، من آل محمد ﷺ ، وليِّ عهده من بعده، أما بعد: فإنَّ الله سبحانه اصطفى الإسلامَ دينًا، واختار له من عباده رسلًا دالِّين عليه وهادين إليه، يبشِّر أولُهم بآخرهم، ويصدِّق تاليهم ماضيَهم، حتى انتهت الدعوةُ إلى سيِّد المرسلين وخاتَم النبيين محمدٍ ﷺ ، وذلك على فترةٍ من الرسل، ودروسٍ من العلم، واقترابٍ من الساعة، وانقطاعٍ من الوحي والحجَّة، فختم الله به النبيِّين، وجعله شاهدًا لهم على الأمم، وأنزل عليه كتابًا عزيزًا لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد، وإني لم أزل منذ أَفْضَتْ إليَّ الخلافةُ

стр. 6287

أنظر مَن أقلِّده أمرَها، وأجتهد فيمن أولِّيه عهدها، فلم أجد في العالم مَن يصلح لها وينهض بأعبائها إلَّا أبا الحسن عليَّ بن موسى الرِّضا، لِمَا رأيت من فضله البارع، وعلمِه النافع، وورعه الباطنِ والظاهر، وتخلِّيه عن الدنيا وأهلها، وميلِه إلى الآخرة وإيثاره لها، وقد تحقَّق عندي وتيقَّنت ما الأخبارُ عليه متواطئة، والأَلسنُ عليه متَّفقة من فضائله، فعقدتُ له على العقد بعدي، واثقًا بِخيرَة اللهِ تعالى في ذلك، نظرًا للمسلمين، وإيثارًا لإقامة شعائرِ الدِّين، وطلبًا للنجاة يومَ يقوم الناسُ لربِّ العالمين. وكتب عبدُ الله بخطِّه في شهر رمضانَ سنة إحدى ومئتين، وقد بايعه أهلُ بيتي وولدي وخاصَّتي وعبيدي وغيرُهم، والسلام. وكتب عليُّ بن موسى الرِّضا خلف الكتاب: أما بعد: فإنَّ أمير المؤمنين مَن عضده اللهُ بالسَّداد، ووفَّقه للعصمة والرَّشاد، عرف من حقِّنا ما جهله غيرُه، فوصل أرحامًا قُطعت، وأمَّن نفوسًا ارتاعت، بل أحياها بعدما ماتت، متَّبعًا بذلك رضي ربِّ العالمين، وسيجزي اللهُ الشاكرين، ولا يضيع أجرَ المحسنين، وإنه أيَّده الله جعل إليَّ عهدَه، والأمرَ بعده، وقد أوجب الله عليَّ طاعتَه، وجنَّبني مخالفتَه، ولله عليَّ ألا أسفِكَ دمًا حرامًا، ولا أُبيحَ فرجًا ولا مالًا، وأن أتخيَّر الكفاءةَ جهدي وطاقتي، ولا أنال من الدنيا إلَّا ما تدعو إليه الضرورة، وقد جعلتُ اللهَ كفيلًا، فإن أحدثتُ أو غيَّرت أو بدَّلت كنت للعَزْل مُسْتَحقًّا، وللنَّكال مُعَرَّضًا، وأعوذ بالله من سَخَطه، والعاقبةُ للمتقين. وشهَّد في الكتاب الفضلَ بن سَهل وعبدَ الله بن طاهر وبشرَ بن المُعْتَمر وحمَّاد بن أبي حَنيفةَ ويحيى بن أكْثَمَ والصُّوليَّ وغيرهم، وجلس المأمون مجلسًا عامًّا، وأجلس عليَّ بن موسى عن يمينه، فقام العبَّاسي الخطيبُ فخطب وأنشد: [من البسيط] لا بدَّ للناس من شمسٍ ومن قمر … فأنت شمسٌ وهذا ذلك القمرُ وأجرى المأمونُ على عليِّ بن موسى في كلِّ سنةٍ ألفَ درهم، وبعث المأمونُ بكتابه إلى المدينة ومكَّة، فقُرئ في الكعبة الشريفة، وبين القبرِ الشريف والمنبرِ الشريف على صاحبهما أفضلُ الصلاة والسلام، وقُرئ في جميع الآفاق. قال عمر بن شبَّة: وكان عيسى بنُ محمد بنِ أبي خالد ببغدادَ نائبًا عن الحسن بنِ سهل، والحسن بواسط، فكتب إلى عيسى يخبره أنَّ المأمون قد عهد إلى عليِّ بن

стр. 6288

موسى بعده، وأنَّه نظر بين بني العباسِ وبين بني على فلم يرَ أحدًا أحقَّ من عليِّ بن موسى، ولا أعلمَ ولا أورعَ منه، فمُر الناسَ برمي السوادِ ولُبس الخضرة، وأخذ البيعة علي بني هاشمٍ والقوَّاد والجند. فقرأ عيسى الكتابَ على أهل بغداد، فقال بعضُهم: لا نُبايع ولا نَلْبَس الخُضرة، ولا نُخرج هذا الأمرَ من بني العباس، وغضبوا واجتمعوا، وقالوا: نخلع المأمونَ ونولِّي بعضَنا، فبايعوا إبراهيمَ بن المهديِّ لخمسٍ بقين من ذي الحِجَّة، وأصعدوه المنبرَ بجامع المنصور، وسمَّوه المبارك، وعليه السواد، وكذا جميع بني هاشم، وجعلوا وليَّ عهده إسحاقَ بن موسى بنِ المهدي، وكثر الشَّغب في الجامع، فصلَّى الناس أربعَ ركعات، ولم يصلُّوا الجمعة، وبايعه منصور بن المهديِّ والسِّندي وصالحٌ المَوْصِلي (١) والمطَّلب بنُ عبد الله بنِ مالك -وهو الذي تولَّى إمرة البيعة- ونُصير الوصيف، والأعيانُ من الدولة، وقالوا: ما فعلنا هذا الأمرَ إلَّا حيث أخرج المأمونُ الأمرَ عن بني العباس. وولَّى إبراهيمُ بن المهدي الجانبَ الشرقيَّ من بغدادَ العباسَ بن موسى الهادي، والجانبَ الغربيَّ إسحاقَ بن موسى الهادي، وقال إبراهيمُ بن المهدي: [من الطويل] ألم تعلموا يا آلَ فِهرٍ بأنني … شَريتُ بنفسي (٢) دونكمْ في المهالكِ وفيها تحرَّك بابَكُ الخُرَّمي في الجاويذانية أصحابِ جاويذان بنِ سهل صاحبِ البَذّ، وادَّعى أن روح جاويذانَ انتقلت إليه، وشرع في الفساد، وهذا أوَّلُ بداية أمره. وفيها افتتح عبدُ الله بن خُرداذبه والي طَبَرِسْتان بلادَ الدَّيلَم من نواحي طبرستان، وأَنزل عن (٣) قلاعها شهريار بن شروين (٤)، فقال سَلْمٌ الخاسر يخاطب المأمون: [من البسيط]

стр. 6289

إنَّا لَنَأمُل فتحَ الروم والصِّينِ … بمَن أذلَّ لنا مُلك ابنِ شَرْوينِ فاشدُدْ يديك بعبد اللهِ إنَّ له … مع الأمانة رأيٌ غيرُ مَغْبون (١) وأسر عبدُ الله مازيارَ بن قارن وأبا ليلى وجماعةً من ملوك الدَّيلَم، وبعث بهم إلى المأمون. وحجَّ بالناس إسحاقُ بن موسى بنِ عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. [داود بن عيسى ابن علي بن عبد الله بن عباس، الهاشمي] كان (٢) من نُبلاءِ بني العباس، وَلي الحَرَمين، فكان يقيم بمكةَ مدة وبالمدينة مدة، فأقام بمكةَ مرةً عشرين شهرًا، فكتب إليه أهلُ المدينة بأبياتٍ ليحيى بنِ مسكين بن أيوبَ بن مِخْراق: [من المتقارب] دوادُ قد فُزتَ بالمَكْرُمات … وبالعَدْل في بلد المُصْطفى ومكةُ ليست بدار المُقام … فهاجِرْ كهِجْرَة مَن قد مَضى مَقامُك عشرين شهرًا بها … كثيرٌ لهم عند أهل الحِجَى فقبر النَّبي وآثارُه … أحقُّ بقُربك من ذي طُوى من أبيات. فأجابه عيسى بنُ عبد العزيز المكِّي: أداودُ أنت الإمامُ الرِّضا … وأنت ابنُ عمِّ نبيِّ الهُدى أتاك كتابُ حَسود جَحودٍ … أَسَا في مَقالته واعتدى فإن كان يَصدق فيما يقول … فلا يَسْجُدنَّ إلى ما هنا وأيُّ بلادٍ تفوق امَّها … ومكَّةُ مكةُ أمُّ القُرى وربِّي دحا الأرضَ من تحتها … ويثربُ لا شك ممَّا دحا

стр. 6290

ومَسجدُها بيِّنٌ فَضلُه … على غيره ليس في ذا مِرَا ولولا زيارةُ قبر النبيِّ … لكنتم كسائر مَن قد يُرى وليس النبيُّ بها ثاويًا … ولكنَّه في الجِنان العُلا وحكى داودُ عن أبيه عيسى، عن أخيه محمدِ بن عليٍّ قال: دخلتُ يومًا على عمرَ بن عبد العزيز وعنده شيخٌ من النصارى، فقال له عمر: مَن تجدون الخليفةَ بعد سليمان؟ فقال: أنت، فالتفت عمرُ إلى محمد وقال: يا أبا عبدِ الله، دمي في ثيابك. قال محمد: فلمَّا كان بعد ذلك، لقيت النصرانيَّ في الطريق، فذهبت به إلى منزلي، وحادثته حتى أنِسَ بي، فسألتُه عمَّا يكون من خلفاءِ بني أميةَ واحدًا بعد واحدٍ إلى مروان، فأخبرني (١) ثم قال: ومن بعد مروانَ ابنُك ابن الحارثية. قال داود: فأخبرتني مولاةٌ لنا قالت: وأبو العباس يومئذٍ حَمْل (٢). وتوفِّي داودُ في هذه السَّنة، وقيل: تأخَّر عنها. أسند عن أبيه وغيرِه، وروى عنه ابنُ ابنه محمدُ بن عيسى بنِ داود. [وفيها توفِّي] عبدُ الله بنُ الفَرَج أبو محمدٍ القَنْطري، العابدُ الزاهد. كان من [العابدين، المجتهدين، وكان بِشرٌ الحافي يزوره ويحبُّه. [قال الخطيب: مات في هذه السَّنة، فـ] (٣) رآه بعضُ إخوانه في المنام -وكان قد شهد جنازتَه- وهو جالسٌ في قبره وبيده صحيفةٌ ينظر فيها، قال: فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ قال: غفر لي ولكلِّ مَن شيَّع جنازتي، قال: فقلت: فأنا شيَّعت جنازتَك، فقال: قف حتى أنظر، فنظر في الصَّحيفة فقال: هو ذا اسمُك فيها. روى عنه علي بن الموفَّق وغيرُه. [وفيها توفي]

стр. 6291

عليُّ بن عاصم ابن صُهيب، [وكنيته] أبو الحسن، مولى قَرِيبة بنتِ محمد بن أبي بكر الصدِّيق ﵁، من أهل واسط (١). وُلد سنةَ ثمانٍ أو خمسٍ ومئة، وسافر إلى البلاد، [فحكي عنه] قال: دفع إليَّ أبي مئةَ ألف درهمٍ وقال: اِذهب فلا أرى وجهَك إلَّا بمئة ألف حديث. [قال الخطيب:] (٢) قدم بغداد، فكان يجلس على سطحٍ ويجمع إليه أكثر من ثلاثين ألفًا يطلبون الحديث، وكان له ثلاثةُ مُسْتَملين. [قال:] (٣) وصام ثمانين رمضانًا، ومات وهو ابنُ أربعٍ وتسعين سنة. سكن بغدادَ وحدَّث بها عن داودَ بنِ أبي هند [وإسماعيلَ بن أبي خالد، وحُميدٍ الطويل، وابن جُرَيج، ومحمدِ بن سُوقةَ وغيرهم (٤)]. وروى عنه الإمامُ أحمد وطبقتُه، إلَّا أنهم قالوا: كان يخطئ، فضعَّفوه. * * *

стр. 6292

السَّنة الثانيةُ بعد المئتين (١) فيها شغب الجندُ على إبراهيمَ بن المهدي، وكان وعدهم لمَّا بايعوه برزق ستَّة أشهر، فلمَّا شغبوا أعطاهم رزقَ شهر، وقيل: أعطى كلَّ واحدٍ مئتي درهم، وكتب لهم إلى السَّواد بقيمة مالهم حِنطَةً وشعيرًا، فخرجوا فنهبوا الحاصلَين (٢) وأموال الناس، واستولى إِبراهيمُ على بغداد وسَوادِ العراق كلِّه والكوفة، وخرج فعسكر بالمَدائن. وقال الخطيب (٣): فيها بايع أهلُ بغدادَ إبراهيمَ في داره المَنْسوبةِ إليه في سوق العَطَش، وسمَّوه المبارك، وقيل: الرَّضي (٤)، وقيل: المرتضى، وذلك يومَ الجمعة لخمسٍ خلونَ من المحرَّم، فلم يزل كذلك إلى سنة ثلاثين ومئتين. وفيها شغبت العامَّة بسبب بِشر المَرِيسي، فأمر إبراهيمُ أن يستتاب، فأُقيم يومَ الجمعة بجامع المهديِّ على صندوقٍ من صناديق الجامع، وكان قُتيبةُ بن زياب القاضي حاضرًا، واجتمع الناس، وقام أبو مُسلمٍ عبدُ الرحمن بن يونسَ مُسْتملي ابنِ عيينةَ، وهارونُ بن موسى مُستملي يزيدَ بن هارون، وقالا: قد أمر أميرُ المؤمنين إبراهيمُ بن المهدي قاضيطَه قتيبةَ بن زيادٍ أن يستتيبَ بشرَ بن غياثٍ المريسي عن أشياء، وذكراها، منها القولُ بخلق القرآن، وأنَّه تائب، فرفع بِشرٌ صوتَه وقال: معاذَ الله! إني لست بتائب. فكثَّر الناسُ عليه حتى كادوا يقتلونه، فأُدخل من باب الخدمِ الذي عنده الصناديق وتفرَّق الناس. وفيها خرج مَهْديُّ بن عُلْوانَ (٥) الحَروريُّ بناحية الرَّاذانِ وطريق خُراسان، فغلب

стр. 6293

على ما هنالك، فبعث إليه إبراهيمُ بن المهديِّ أبا إسحاقَ بنَ الرشيد جماعةٍ من الموالي، فهزموه إلى حَوْلايا. وفيها وثب أخو أبي السَّريا بالكوفة، فبيَّض (١)، واجتمع إليد جماعة، فلقيه غَسَّانُ بن الفَرَج، فقتله وبعث برأسه إلى إبراهيمَ بن المهديِّ في رجب. وفيها أخذ سَهْلُ بن سلامةَ المطَّوِّعي. فاجتمع إليه جماعةٌ، وقاتلوا معه أصحابَ إبراهيم، ثم تخلَّى عنه العَوامّ، فأخذه أصحابُ إسحاقَ بن الهادي، فقال له إسحاق: حرَّضت علينا الناسَ وعِبتَ أمرنا، فقم فقل: إنَّ الذي كنت أدعو إليه باطل، فقام فقال: أيها الناس، إنَّما كنت أدعو إلى الكتاب والسُّنَّة وأنا على الحقّ، فضربوه وقيَّدوه وحبسوه، وخَفِي أمره. وفيها شَخَص المأمونُ من مَرْوَ يريد العراق، وكانت الحربُ قائمةً بين الحسن بن سهلٍ وإبراهيمَ بنِ المهدي. قال علماءُ السِّيرَ: اجتمع عليُّ بن موسى الرِّضا بالمأمون، وأخبره بما فيه الناسُ من الفتن والقتالِ منذ قُتل الأمين، وبما كان الفضلُ بن سهلٍ يستره عنه من أخبار الناس، وأنَّ أهل بيتِه والناسَ يقولون: إِنَّه مَسْحور مَسْجون، وأنهم بايعوا إبراهيمَ بن المهديِّ بالخلافة. فقال المأمون: لم يبايعوه بالخلافة، وإنما صيَّروه أميرًا يقوم بأمرهم. فقال: كذَبك الفضلُ وغشَّك، والحربُ قائم بين الحسنِ وإبراهيم، والناسُ يناقمون عليك مكانَه ومكانَ أخيه ومكاني، وبيعتَك لي من بعدك. فقال له: ومَن يعلم هذا من عسكري؟ قال: وجوه أصحابك: يحيى بنُ معاذ، وعبد العزيز بن عمران، وعليُّ بن أبي سعيد -وهو ابن أختِ الفضل- وعدَّد جماعة. فقال المأمون: أَدخِلهم عليَّ لأسألَهم عمَّا ذكرت، فأدخلهم عليه، فسألهم، فأبَوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمانَ من الفضل بن سهلٍ لا يتعرّض لهم، فأعطاهم، وكتب لكلِّ واحدٍ منهم أمانًا بخطِّه، فأخبروه بما فيه الناسُ من الفتن، وبيَّنوا له ذلك، وأخبروه بغضب أهلِ بيته وقوَّاده ومواليه، وبما موَّه عليه الفضلُ من أمر هَرثمة، وإنَّما جاء هَرْثَمَةُ لينصحَه ويبيِّن له ما

стр. 6294

يعملُ الفضلُ عليه، وأنه [إن] (١) لم يتدارك أمرَه، خرجت الخلافةُ من أهل بيتِه ومنه، وأنَّ الفضل دسَّ إلى هَرْثَمَةَ مَن قتله، وأنَّ طاهر بنَ الحسين قد أَبلى في طاعته، وافتتح له ما افتتح، وقاد إليه الخلافةَ وهو بمَرْو، وأنَّ الفضل صيَّره في زاويةٍ من الأرض بالرَّقة، وقلَّ عليه المال، وضَعُف أمرُه، وشَغَب عليه جندُه، ولو كان مقيمًا ببغدادَ لَما اجترأ أحدٌ على الخلافة، وأنَّ الدنيا قد تفتَّقت من أقطارها، فلو خرجتَ إلى بغدادَ لم يختلف عليك اثنان. فلما تحقَّق ذلك، أمر بالرحيل إلى بغداد، وعلم الفضلُ بما جرى، فتعنَّتهم حتى ضرب بعضَهم بالسِّياط، وحبس بعضًا وعاقب بعضًا، فأَخبر عليُّ بن موسى الرِّضا المأمونَ وقال: إنما هم في أمانك، وخطُّك معهم، فاعتذر بأنَّه يداري ما هو فيه، ثم ارتحل من مَرْو، فلمَّا أتى سَرَخْس، دخل الفضلُ بن سهل الحمَّام، فدخل عليه قومٌ فضربوه بالسُّيوف حتى قتلوه، فقتلهم المأمون، لِمَا نذكر في ترجمة الفضل. وفيها قدم المُطَّلبُ بن عبدِ الله من المدائن إلى بغداد، فجعل المطلبُ يدعو في السرِّ إلى المأمون، وأنَّ منصور بنَ المهديِّ خليفةُ المأمون، فأجابه منصور وخُزَيمة بن خازم وأعيان القوَّاد، وعلم إبراهيم، فسار من المدائن، فنزل بغدادَ من الجانب الغربيِّ في منتصف صفر، وكان المطلبُ ومَن سمَّينا بالجانب الشرقي، فأرسل إليهم إبراهيمُ يطلبهم، فتعلَّلوا عليه، فبعث إليهم عيسى بنَ [محمد بنِ] (٢) أبي خالدٍ وإخوتَه، فأما منصورٌ وخُزَيمةُ فأعطوا بأيديهم، وأما المطَّلب فقاتلهم بمواليه وأصحابه، وأمر إبراهيم: مَن أراد النَهْبَ فعليه بدار المطلب، فجاءت الغَوْغاء فانتهبوها ودورَ أهله، وخرج المطلبُ على حامية، فلم يظفرْ به إبراهيم، وبلغ عليَّ بن هشام وحُميدًا القائد -وكانا من أصحاب الحسنِ بن سهل- وهما بقصر ابن هُبَيرةَ قد قطعا المادَّةَ عن إبراهيم، فساقا فأخذا المَدائنَ وقطعا الجسر، وندم إبراهيمُ على ما صنع وضعف أمرُه. وحجَّ بالناس إبراهيمُ بن موسى بنِ جعفر بنِ محمد بن عليِّ، أخو [عليِّ بن

стр. 6295

موسى] (١) الرِّضا، ودعا للمأمون ولأخيه بعده بولاية العهد، ومضى إبراهيمُ بن موسى إلى اليمن، وكان قد غلب عليها حَمْدُويه بن علي بن عيسى بنِ ماهان. وفيها توفِّي الحسينُ بن الحسنِ ابن عَطيَّةَ بن سعد بن جُنادة، أبو عبد الله، القاضي، العَوْفي، الكوفيُّ، الحَنَفي. [قال الخطيب:] (٢) ولي قضاءَ الشَّرقية ببغدادَ بعد حَفْصِ بن غياث، ثم نُقل إلى قضاء عَسْكرِ المهدي. [قال (٣): وكانت لحيةُ العوفيِّ طويلة جدًّا إلى ركبتيه. قال: وجاءته امرأةٌ فقالت: أيها القاضي، عَظُمَت لحيتُك فأفسدت عقلَك، وما رأيت ميِّتًا يحكم بين الأحياءِ قبلك، وكان ضعيفًا في الحكم، فقال لها: فتريدين ماذا؟ قالت: وتَدَعُك لحيتُك تكلمني؟! فقال بلحيته بيده كذا وقال: تكلمي. وحكى (٤) عن السَّاجيِّ قال: اشترى بعضُ أصحابه جاريةً فامتنعت عليه، فشكاها إلى العَوفي، فقال: أرسِلْها إلي، فأرسلها إليه، فقال لها العوفي: يا عَروب يا لَعوب، يا ذاتَ الجِلْباب، ما هذا التَّمانعُ المُجاوزُ للخيرات، والاختيارُ للأخلاق المَشْنوآت؟! فقالت: أيُّها القاضي، ليس لي فيه حاجة، فأْمُره يبيعني. فقال لها: يا هَنَة، أَمَا علمتِ أن فَرْطَ الاعتياصاتِ من المَوْمُوقات على طالبي المَوَدَّات مؤدِّياتٌ إلى عدم المَفْهومات؟! فأشارت الجاريةُ إلى لحيته وقالت: ليس في الدُّنيا أصْلَحُ لهذه العُثْنُوناتِ المُنْتَشِئات، على صَدْر أهل الرَّكاكاتِ، من المَواسي الحالقات، وضحكت وضحك العوفي. وحكى الخطيبُ (٥) عن الحارث بنِ أبي أسامةَ قال: حدَّثنا بعضُ أصحابنا قال:

стр. 6296

جاءت امرأةٌ إلى العوفيِّ ومعها رجلٌ وصَبي، فقالت: أعز اللهُ القاضي، هذا زوجي وهذا ولدي منه، فقال له القاضي: هذه امرأتُك؟ قال: نعم، قال: وهذا ولدُك؟ قال: لا، أنا رجل خَصِيّ. فألزَمَه الولد، فأخذه فوضعه على عُنقه، فلقيه رجلٌ فقال: ما هذا الصَّبيُّ منك؟ قال: القاضي يُفرِّق أولادَ الزِّنى على الخِصيان. وحكى الخطيبُ (١) عن طلحةَ بنِ محمد قال: كان العوفيُّ جليلَ القدر، من أصحاب أبي حنيفة، وكان سليمًا مُغَفَّلًا، وكان يجتمع في مجلسه قومٌ يتناظرون وبين يديه كتابٌ ينظر فيه، ثم يُلقي منه المسائلَ ويقول لمن يلقي عليه: أخطأتَ وأصبت، من الكتاب]. وكان المهديُّ قد جعله على المَظالم، فحضر ليلةً عند المهدي، فصلَّى المغرب وقام يتنفَّل، فجذب العوفيُّ بثوبه، فقال: ما الذي بك؟! قال: أمرٌ أولى من النافلة، قال: وما هو؟ قال: سلامٌ مولاك، وكان سلامٌ واقفًا على رأسه، قال: ما الذي بك؟ قال: غصب بني فلانٍ ضَيعتهم، مُرْه بردّها، فقال: حتى نصبح، فقال: لا واللهِ إلَّا الساعة، فقال المهديُّ لبعض قوَّاده: اذهب فأَخرج مَن فيها من أصحاب سلامٍ وسلِّمها إلى أصحابها، فما أصبحوا حتى رُدَّت عليهم. [ذِكر وفاته: ذكر خليفةُ أنه مات في سنة إحدى ومئتين (٢). وقال ابنُ سعد: سنةَ اثنتين ومئتين (٣)] حدَّث العوفيُّ عن الأعمش ومِسْعرَ بن كِدَامٍ وغيرهما، وقد تكلَّموا فيه. [وفيها توفي] الحسينُ بن عليّ أبو عبدِ الله الجُعْفي (٤). من الطبقة السابعةِ من أهل الكوفة، الزاهدُ العابد. كان سفيانُ الثوريُّ والإمام أحمدُ رحمةُ الله عليهما إذا رأياه قاما إليه واعتنقاه وقالا: مرحبًا بالعابد.

стр. 6297

وقال الإمام أحمدُ بن حنبلٍ رحمةُ الله عليه: ما رأيت بالكوفة أفضلَ من حسين الجُعفي، وكان يُشَبَّه بالرُّهبان. [وكان هارونُ الرشيد إذا رآه قبَّل يديه. وحدَّثنا غيرُ واحد عن محمد بنِ أبي منصورٍ بإسناده عن أبي] بكر بنِ سَماعةَ قال (١): كنا بمكَّة، فقدم الرشيدُ ومعه جعفر بنُ يحيى، فقال للخادم: سَلْ عن حسينٍ الجُعْفي، فسأل عنه، فقال رجل: الساعةَ يَطلع من الثَّنيَّة، وإذا بحسينٍ قد طلع على حمارٍ أسود، فلمَّا حاذى هارون، قال الخادم: هذا هو يا أميرَ المؤمنين، فجاءه هارون فقبَّل يده ورجله، فلم يلتفتْ إليه، فقال له جعفر: يا شيخ، أتدري من يسلِّم عليك؟! هذا أميرُ المؤمنين، فالتفت حسين إلى هارونَ وقال: وأنت هو يا حسنَ الوجه؟! إنَّ اللهَ سائلك غدًا عن هذا الخَلقِ كلِّهم، فقعد هارونُ يبكي، ومضى حسين. وقيل لسفيان بن عُيينةَ والفُضَيلِ بن عياض: قد قدم حسينٌ الجُعفي، فخرجا للقائه، فلمَّا رأياه قبَّلا يديه ورِجليه، وجعل الفضيلُ يبكي ويقول: بأبي وأمِّي، رجل علَّمني اللهُ القرآنَ علي يديه. ثم دخل المسجدَ فطاف بالبيت وصلَّى ركعتين، وأكبَّ الناسُ عليه. وقيل: مات بمكَّة (٢) في ذي القَعدة سنةَ ثلاثٍ ومئتين (٣)، ودُفن بالمُعَلَّى. حدَّث عن القاسم بنِ الوليد وغيرِه، وكان وَرِعًا صالحًا ثقة. [قال ابنُ سعد:] (٤) أقام مؤذِّنًا بمسجد جُعفي بالكوفة ستِّين سنة، يؤذِّن ويُقرئ القرآن. أسند عن لَيث بنِ أبي سُليم، والأعمش، وهشامِ بن عروةَ وغيرهم.

стр. 6298

الحسين بن الوليد أبو على النَّيسابوري، وقيل: أبو عبد الله، القُرَشيّ. من الطبقة الخامسةِ من أهل خُراسان، قدم بغدادَ وحدَّث بها، وكان يُطعم أهل الحديث الفالُوذج، وقرأ القرآنَ على الكِسائي، وكان له مالٌ يطعمه للعلماء، ويغزو الترك، ويحجّ في كلِّ عام (١). سمع إبراهيمَ بن أدهمَ، ومالكَ بن أنس، والثوريَّ وغيرهم، وروى عنه الإمام أحمدُ رحمةُ الله عليه، وابنُ مَعين (٢) وابن راهُويه في آخَرين، واتَّفقوا على صدقه وأمانته، حتى قال الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه: هو أوثقُ أهل زمانه. الفَضلُ بن سَهل (٣) ابنِ عبد الله، أبو العباس، الملقَّب بذي الرِّياسَتَين. كان أبوه سهلٌ من أولاد ملوكِ المجوس، أسلم في أيام الرشيد، واتصل بيحيى بن خالدٍ البرمكي، واتصل ابناه الفضلُ والحسن بالفضل وجعفبر ابنَي يحيى بنِ خالد، فضمَّ جعفرُ بن يحيى الفضلَ بن سهل إلى المأمون وهو وليُّ عهد، فغلب عليه بخِلاله الجميلة، من الكرم والوفاءِ والبلاغة والبراعةِ والكتابة، وقد ذكرنا تدبيرَه لأمور المأمونِ إلى أن ولي الخلافة، ففوَّض إليه أمورَه كلَّها، ولقَّبه ذا الرِّياستين؛ لتدبيره أمرَ السيفِ والقلم. واختلفوا في إسلامه، فقال الهيثم: أسلم على يد المأمون. وقيل (٤): لمَّا أراد أن يُسلم، أَنِفَ أن يسلمَ على يد الرشيدِ أو المأمون، فدخل الجامع يومَ الجمعة وحده وقد اغتسل، فأسلم وعاد إلى داره مسلمًا.

стр. 6299

ذِكر طَرَفٍ من أخباره: قال له رجل: أَسكتَني عن وصفك تساوي أفعالِك في السُّؤدَد، وحيَّرني فيها كثرةُ عددها، فليس إلى ذِكر جميعها سبيل؛ لأني كلَّما اردت وَصفَ واحدةٍ اعترضت أختُها، إذ كانت الأولى ليست بأحقَّ بالذِّكر، فلست أصفها إلَّا بإظهار العجزِ عن وصفها. فحشا الفضلُ فاه دُرًّا وقال: هذا الكلامُ أحسنُ من الدُّرِّ. وقال إبراهيمُ بن العباس الصُّولي: [من مجزوء المتقارب] لِفَضْل بنِ سَهْلٍ يدٌ … تقاصَرَ عنها المَثَلْ فبَسْطَتُها للغنى … وسَطْوَتُها للأجل وباطِنُها للنَّدى … وظاهرُها للقُبَل (١) أخذه ابنُ الروميِّ (٢) فقال في القاسم بنِ عبيد اللهِ الوزير: [من الكامل] أصبَحْتُ بين خَصَاصةٍ وتَجَمُّلٍ … والحُرُ بينهما يموت هَزيلا فامدُدْ إليَّ يدًا تَعوَّد بَطْنُها … بَذْلَ النَّوال وظَهْرُها التَّقْبيلا [روى الخطيب (٣) بإسناده عن] إبراهيم بن العباس الصُّولي قال (٤): اعتلَّ ذو الرِّياستين بخُراسانَ ثم برئ، فجلس للناس، فهنَّؤوه بالعافية، وتصرَّفوا في الكلام، فلمَّا فرغوا أقبل عليهم وقال: إنَّ في العِلل لَنعمًا ينبغي للعقلاءِ أن يعرفوها: تمحيصُ الذنوب، والتعرُّض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغَفلة، وادِّكار النِّعمة في حال الصِّحَّة، واستدعاءٌ للتوبة، وحضٌّ على المحدقة. قال: فنسي الناسُ ما تكلَّموا به وانصرفوا بكلام الفضل. و [وقال الصُّولي:] مرض الفضلُ، فكتب إليه المأمونُ -وهي له- هذه الأبيات (٥): [من الخفيف] كيف أصبحتَ بالكرامة صُبِّحـ … ــتَ وبالخير ربُّنا مَسَّاكا

стр. 6300

لا أَراني الإلهُ فَقْدَك يا فضـ … ــلُ وعافاك عاجلًا وشَفاكا قد أردتُ المجيء إذ غلب الشَّو … قُ وقلبي لو يستطيع أتاكا فتذكَّرتُ إذ تهيَّأتُ أني … لست أسطيعُ أن أراك كذاكا فأَبِنْ لي وُقيت فيك حِذاري … كيف أنت الغداةَ من شكواكا و [قال الصُّولي:] قال الفضل: رأيت البخلَ سوءَ الظنِّ بالله، والسخاءَ حُسنَ الظنِّ بالله، قال الله تعالى: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] الآية. ولإبراهيمَ بنِ العباس الصوليِّ فيه مدائح، منها (١): [من الطويل] لَعمرُك ما الأشرافُ في كلِّ بلدة … وإن عَظُموا للفضل إلَّا صنائعُ ترى عُظَماءَ الناس للفضل خُشَّعًا … إذا ما بدا والفضلُ لله خاشع تواضعَ لمَّا زاده اللهُ رِفْعَةً … وكلُّ عزيزٍ عنده متواضع ذكر مقتله: [قد ذكرنا أنه قتل يوم الحمام بسَرَخْس، وقد حكاه الخطيبُ (٢) عن] أبي حسَّان الزِّياديِّ [قال (٣): في سنة اثنتين ومئتين] قُتل [ذو الرِّياستين] يومَ الخميس (٤) لليلتين خلتا من شعبان، بسَرَخْس في الحَمَّام، اغتاله نَفَر، فدخلوا عليه فقتلوه، فقتل به المأمونُ عبدَ العزيز الطائيَّ، ومؤنسَ بن عمرانَ البصريَّ، وخلف بن عمرَ المصريَّ (٥) وعليَّ بن أبي سعيدٍ، وسراجًا الخادم. وقال الطبري (٦): كانوا أربعةً من حَشَم المأمون، وهم: غالبٌ المسعودي الأسود، وقُسطنطين الرُّومي، وفَرَج الدَّيلَمي، ومُوَفَّق الصَّقْلَبي [قال:] (٧) قتلوه وهو ابنُ ستِّين

стр. 6301

سنة -وقال الجاحظ (١): كان عمرُه إحدى وأربعين سنة وخمسةَ أشهر- وهربوا، فبعث المأمونُ في طلبهم، وجعل لمن جاء بهم عشرة آلافِ دينار، فجاء بهم العباسُ بن الهيثمِ الدِّينوري، فأمر بقتلهم، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بنِ سهل إلى واسط، وأعلمهُ بما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيَّره مكانه، ووصل الكتابُ إلى الحسن في رمضان. [وفيها توفي] محمدُ بن جعفر [ابنِ محمد] (٢) بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ ﵇. الخارجُ بالحجاز [ومكَّة. قال الخطيب: وكان] يلقَّب بالدِّيباج لحسن وجهه [وهو أخو إسحاقَ وموسى وعليٍّ بني جعفر. قال: وكان] يصوم يومًا ويُفطر يومًا. وقد ذكرناه، وأنَّ المعتصم حجَّ وأخذه، فبعث به إلى المأمون، فعفا عنه. وكان عابدًا جَوادًا مُمَدَّحًا، ما خرج من منزله وعليه ثوبٌ فرجع وهو عليه. وقيل (٣): إنَّه مات سنةَ أربعٍ ومئتين، فخرج المأمونُ في جنازته حافيًا ماشيًا، وحمل سريرَه على عاتقه مسافة كبيرة إلى قبره، فقيل له. لو صلَّيت عليه ورجعت، فقال: [هذه] (٤) رَحِمٌ قُطعت منذ مئتي سنة، وصلتاها اليوم. وقال الصُّولي: لمَّا خرجوا بجنازته كان المأمون راكبًا، فلما رآه ترجَّل ودخل بين العمودين وحصله، وذلك بخُرسان. وقيل: إنَّه جامع وافتصد ودخل الحمَّام في يومٍ واحد، فكان سببَ موته. حدَّث عن أبيه، وروى عنه جماعة.

стр. 6302

أبو محمدٍ اليَزيدي النَّحْوي وقيل: أبو عبد الله (١)، العَدَوي، البَصْري، مولى بني عَديِّ بن عبد مَناة، واسمه يحيى بنُ المبارك بنِ المغيرة، وقيل: محمد بنُ أبي محمدٍ يحيى (٢)، وسمِّي اليزيدي لأنَّه كان مُنقطعًا إلى يزيد بن منصورٍ الحِمْيَري خال المهدي، يؤدِّب ولده. وكان صاحبَ أبي عَمرو بنِ العلاء، أخذ عنه اللغةَ، وعن الخليل وغيرهما، وسكن بغداد، واتصل بهارونَ وأدَّبه وأولادَه، وكان أحد القرَّاءِ الفُصحاء، عالمًا باللغات، وله ديوان شعرٍ وكُتُبٌ حِسان، وأخذ عنه المأمونُ حرفَ أبي عمرو. وحج اليزيديُّ مُعادلًا لهارونَ مرارًا، فلم يكلِّمه إلا جوابًا. ودخل اليزيديُّ على الخليل، فأجلسه إلى جانبه، فقال له: أَحسبني قد ضيَّقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق مكانٌ على صاحِبَين، والدنيا لا تَسَع مُتباغضَين. أنشد اليزيدي: [من الطويل] إذا نَكَباتُ الدَّهرِ لم تَعِظِ الفَتى … ويَحْذرُ منها (٣) لم تَعِظْه عواذِلُهْ ومَن لم يُؤدِّبه أبوه وأمُّه … تؤدِّبْه رَوْعاتُ الرَّدى وزَلازلُهْ فدعْ عنك ما لا تستطيع ولا تُطِع … هواك ولا يُغلَبْ بحقِّك باطلُهْ وسأل المأمونُ اليزيديَّ عن شيء، فقال: لا، وجعلني اللهُ فداءك، فقال المأمون: لله دَرُّك، ما وُضعت الواوُ في موضع أحسنَ من موضعها ها هنا. ووصله بمال. وقال اليزيدي: التَّمْتَمَةُ في المَنْطق: التردُّد في التاء، والفأفأة: التردُّد في الفاء، والحُبسة: احتباس اللسانِ عن إرادة الكلام بشبه كلامِ العجم، واللُّكْنَة: أن يَعرضَ في اللغة العربية الأعجمية، واللُّثغة: أن يعدلَ بحرفٍ إلى حرف، وأما كَشكَشةُ تميم، فإنَّ بني عَمرِو بن تميمٍ إذا ذكرتْ كافَ المؤنَّث أبدلوا منها شينًا، كقول القائل: [من الطويل]

стр. 6303

فعيناشِ عيناها وجيدُشِ جيدُها … ولكنَّ عَظْمَ السَّاقِ مِنشِ دَقيقُ (١) وأما الطُّمْطُمانية، فكقول عنترة (٢): [من الكامل] تَبري له حُولُ النَّعام كأنها (٣) … حِزَقٌ يَمَانِيَةٌ لأعْجَمَ طِمْطِمِ (٤) أسند اليزيديُّ عن أبي عَمرٍو وابن جُرَيجٍ، والخليل بنِ أحمد، وروى عنه ابنُه محمد، والقاسمُ بن سلَّام، والدُّوري (٥)، في آخرين. ومن شعره (٦): [من الرمل] الهوى أمرٌ عَجيبٌ شأنُه … تارةً يأسٌ وأحيانًا رَجَا ليس فيمن مات منه عَجَبٌ … إنَّما يُعْجَب ممَّن قد نجا [أبو إسحاقَ الدُّولابي من أهل الرَّي، كان من الأبدال، صاحبَ كرامات. قال الخطيبُ (٧) بإسناده عن محمد بنِ منصورٍ الطُّوسي قال: جئت مرَّة إلى مَعْروفٍ الكَرْخيِّ لأزورَه، فعضَّ أناملَه وقال: هاه، لو لحقتَ أبا إسحاقَ (٨) الدولابي، كان هاهنا الساعةَ، جاء يسلِّم عليَّ، قال: فذهبتُ أقوم، فقال: اجلس لعله قد بلغ الساعةَ منزلَه بالرَّيّ.] * * *

стр. 6304

السَّنة الثالثةُ بعد المئتين فيها توفِّي عليُّ بن موسى الرِّضا. [قال علماء السِّيَر:] لمَّا سار المأمونُ من سَرَخْسَ إلى طُوس، نزل عند قبرِ أبيه، فأقام أيامًا، ثم إنَّ علي بن موسى أكل عِنَبًا فأكثر منه، فمات فَجأةً في آخر صفر، فصلَّى عليه المأمون، ودفنه عند قبرِ الرشيد، وكتب إلى الحسن بنِ سهل يخبره بموته، وكتب إلى بني العبَّاس والموالي وأهلِ بغدادَ يُعلمهم بموت عليِّ بن موسى، وأنهم إنَّما نَقَموا عليه بيعتَه له من بعده، ويسألهم الدخولَ في طاعته، فأجابوه بأقبحِ الأجوبة، فرحل إلى الرَّي، فلمَّا صار بها، أَسقط من خراجها عن أهلها ألفي ألفِ درهم. وفيها غلبت السَّوداء على الحسن بنِ سهل، وتغيَّر عقله بالمرض، فكُبِّل بالحديد وقيِّد، وحُبس في بيتٍ بواسط، وكتب قوَّاده إلى المأمون يُخبرونه خبرَه، فكتب إليهم بأن يكونَ على عسكره دينارُ بن عبد الله، ويعلمهم أنَّه واصلٌ على إِثْر كتابه. وفيها ضرب إبراهيمُ بن المهديِّ عيسى بنَ محمد بن [أبي] (١) خالدٍ وحبسه. وسببُه: أنه كان يكاتب الحسنَ بن سهل وحُمَيدًا، وكانا بواسطَ على حرب إبراهيم، وكان إبراهيمُ يقول لعيسى: اُخرج فقاتل الحسنَ وحميدًا، فيتعلَّل عليه تارةً بالنَّفَقة في الجند، وتارةً بإدراك الغِلال. ثم اتفق مع الحسن وحُميدٍ أن يُسلمَ إبراهيمَ إليهما يومَ الجمعة لانسلاخ شوال، وبلغ إبراهيمَ، فلمَّا كان يومُ الخميس، جاء عيسى إلى باب الجسر، وأمر بحفر الخنادقِ بباب الجسر وبابِ الشام، وعزم على أخذ إبراهيم، فأرسل إليه إبراهيم يطلبه، فامتنع، فأرسل إليه ثانيًا، فجاء، فعاتبه وحبسه وضربه، فثار إخوةُ عيسى ومواليه وشَغَبوا، وقطعوا الجسرَ بينهم وبين إبراهيم، وكان إبراهيمُ بقصر الرُّصافة، وكاتبوا حُميدًا ليقدَمَ عليهم، فجاء فنزلَ صَرْصَر، ثم اجتمع القوَّاد وخلعوا إبراهيمَ بن المهدي، فاختفى ليلةَ الأربعاء لثلاثَ عشرةَ بقيت من ذي الحِجَّة، ويقال: إنه صلَّى الجمعةَ

стр. 6305

بجامع المهديِّ، ثم مضى إلى قصره واختفى في الليل، فكانت أيّامه سنةً وأحدَ عشرَ شهرًا وأيامًا. وقال أبو معشر: لم يزل يُخطب لإبراهيمَ على المنابر حتى قارب المأمونُ بغداد، فضعف أمرُه وتفرَّق عنه الناس. وفيها كُسفت الشمسُ ليلةَ الأحد لليلتين بقيتا من ذي الحِجَّة [حتى ذهب ضوءُها، وغاب أكثرُ من ثُلثيها، فأظلمت الدنبا إلى الظهر، ثم انْجَلَت، وكان انكسارُها في] (١) أوَّل النهار. [وذكر جدِّي في "التلقيح" (٢) وقال: وفي سنة ثلاثٍ ومئتين] زُلزلت (٣) مَرْوُ حتى سقطت مَنارةُ الجامع، وسقط المسجدُ الجامع ببَلْخَ، ونحوٌ من رُبع المدينة. وحجَّ بالناس سليمانُ بن عبدِ الله بنِ سليمانَ بن عليّ. [وفيها توفِّي خُزَيمةُ بن خازم القائدُ النَّهْشَلي، وقد ذكرنا تقدُّمَه عند بني العباس، وتوليةَ الخلفاء له الولايات، وهو الذي ولَّاه الأمينُ الجزيرةَ ونزح عنها القاسمَ بن هارون، وهو الذي عاب على الأمين غدرَه بالمأمون، وقال: سوف ترى. وكان خُزَيمةُ شجاعًا جَوَادًا، وكان ببغدادَ دربٌ يُعرف بدرب خُزَيمة. وكانت وفاتُه في شعبانَ ببغداد، وكان قد ذهب بصره. وله روايةٌ في الحديث عن مالك بن أنسٍ (٤) وابن أبي ذئب وغيرِهما.] وفيها توفِّي
следующие страницы →