← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

سنة -وقال الجاحظ (١): كان عمرُه إحدى وأربعين سنة وخمسةَ أشهر- وهربوا، فبعث المأمونُ في طلبهم، وجعل لمن جاء بهم عشرة آلافِ دينار، فجاء بهم العباسُ بن الهيثمِ الدِّينوري، فأمر بقتلهم، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بنِ سهل إلى واسط، وأعلمهُ بما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيَّره مكانه، ووصل الكتابُ إلى الحسن في رمضان. [وفيها توفي] محمدُ بن جعفر [ابنِ محمد] (٢) بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ ﵇. الخارجُ بالحجاز [ومكَّة. قال الخطيب: وكان] يلقَّب بالدِّيباج لحسن وجهه [وهو أخو إسحاقَ وموسى وعليٍّ بني جعفر. قال: وكان] يصوم يومًا ويُفطر يومًا. وقد ذكرناه، وأنَّ المعتصم حجَّ وأخذه، فبعث به إلى المأمون، فعفا عنه. وكان عابدًا جَوادًا مُمَدَّحًا، ما خرج من منزله وعليه ثوبٌ فرجع وهو عليه. وقيل (٣): إنَّه مات سنةَ أربعٍ ومئتين، فخرج المأمونُ في جنازته حافيًا ماشيًا، وحمل سريرَه على عاتقه مسافة كبيرة إلى قبره، فقيل له. لو صلَّيت عليه ورجعت، فقال: [هذه] (٤) رَحِمٌ قُطعت منذ مئتي سنة، وصلتاها اليوم. وقال الصُّولي: لمَّا خرجوا بجنازته كان المأمون راكبًا، فلما رآه ترجَّل ودخل بين العمودين وحصله، وذلك بخُرسان. وقيل: إنَّه جامع وافتصد ودخل الحمَّام في يومٍ واحد، فكان سببَ موته. حدَّث عن أبيه، وروى عنه جماعة.

стр. 6302

أبو محمدٍ اليَزيدي النَّحْوي وقيل: أبو عبد الله (١)، العَدَوي، البَصْري، مولى بني عَديِّ بن عبد مَناة، واسمه يحيى بنُ المبارك بنِ المغيرة، وقيل: محمد بنُ أبي محمدٍ يحيى (٢)، وسمِّي اليزيدي لأنَّه كان مُنقطعًا إلى يزيد بن منصورٍ الحِمْيَري خال المهدي، يؤدِّب ولده. وكان صاحبَ أبي عَمرو بنِ العلاء، أخذ عنه اللغةَ، وعن الخليل وغيرهما، وسكن بغداد، واتصل بهارونَ وأدَّبه وأولادَه، وكان أحد القرَّاءِ الفُصحاء، عالمًا باللغات، وله ديوان شعرٍ وكُتُبٌ حِسان، وأخذ عنه المأمونُ حرفَ أبي عمرو. وحج اليزيديُّ مُعادلًا لهارونَ مرارًا، فلم يكلِّمه إلا جوابًا. ودخل اليزيديُّ على الخليل، فأجلسه إلى جانبه، فقال له: أَحسبني قد ضيَّقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق مكانٌ على صاحِبَين، والدنيا لا تَسَع مُتباغضَين. أنشد اليزيدي: [من الطويل] إذا نَكَباتُ الدَّهرِ لم تَعِظِ الفَتى … ويَحْذرُ منها (٣) لم تَعِظْه عواذِلُهْ ومَن لم يُؤدِّبه أبوه وأمُّه … تؤدِّبْه رَوْعاتُ الرَّدى وزَلازلُهْ فدعْ عنك ما لا تستطيع ولا تُطِع … هواك ولا يُغلَبْ بحقِّك باطلُهْ وسأل المأمونُ اليزيديَّ عن شيء، فقال: لا، وجعلني اللهُ فداءك، فقال المأمون: لله دَرُّك، ما وُضعت الواوُ في موضع أحسنَ من موضعها ها هنا. ووصله بمال. وقال اليزيدي: التَّمْتَمَةُ في المَنْطق: التردُّد في التاء، والفأفأة: التردُّد في الفاء، والحُبسة: احتباس اللسانِ عن إرادة الكلام بشبه كلامِ العجم، واللُّكْنَة: أن يَعرضَ في اللغة العربية الأعجمية، واللُّثغة: أن يعدلَ بحرفٍ إلى حرف، وأما كَشكَشةُ تميم، فإنَّ بني عَمرِو بن تميمٍ إذا ذكرتْ كافَ المؤنَّث أبدلوا منها شينًا، كقول القائل: [من الطويل]

стр. 6303

فعيناشِ عيناها وجيدُشِ جيدُها … ولكنَّ عَظْمَ السَّاقِ مِنشِ دَقيقُ (١) وأما الطُّمْطُمانية، فكقول عنترة (٢): [من الكامل] تَبري له حُولُ النَّعام كأنها (٣) … حِزَقٌ يَمَانِيَةٌ لأعْجَمَ طِمْطِمِ (٤) أسند اليزيديُّ عن أبي عَمرٍو وابن جُرَيجٍ، والخليل بنِ أحمد، وروى عنه ابنُه محمد، والقاسمُ بن سلَّام، والدُّوري (٥)، في آخرين. ومن شعره (٦): [من الرمل] الهوى أمرٌ عَجيبٌ شأنُه … تارةً يأسٌ وأحيانًا رَجَا ليس فيمن مات منه عَجَبٌ … إنَّما يُعْجَب ممَّن قد نجا [أبو إسحاقَ الدُّولابي من أهل الرَّي، كان من الأبدال، صاحبَ كرامات. قال الخطيبُ (٧) بإسناده عن محمد بنِ منصورٍ الطُّوسي قال: جئت مرَّة إلى مَعْروفٍ الكَرْخيِّ لأزورَه، فعضَّ أناملَه وقال: هاه، لو لحقتَ أبا إسحاقَ (٨) الدولابي، كان هاهنا الساعةَ، جاء يسلِّم عليَّ، قال: فذهبتُ أقوم، فقال: اجلس لعله قد بلغ الساعةَ منزلَه بالرَّيّ.] * * *

стр. 6304

السَّنة الثالثةُ بعد المئتين فيها توفِّي عليُّ بن موسى الرِّضا. [قال علماء السِّيَر:] لمَّا سار المأمونُ من سَرَخْسَ إلى طُوس، نزل عند قبرِ أبيه، فأقام أيامًا، ثم إنَّ علي بن موسى أكل عِنَبًا فأكثر منه، فمات فَجأةً في آخر صفر، فصلَّى عليه المأمون، ودفنه عند قبرِ الرشيد، وكتب إلى الحسن بنِ سهل يخبره بموته، وكتب إلى بني العبَّاس والموالي وأهلِ بغدادَ يُعلمهم بموت عليِّ بن موسى، وأنهم إنَّما نَقَموا عليه بيعتَه له من بعده، ويسألهم الدخولَ في طاعته، فأجابوه بأقبحِ الأجوبة، فرحل إلى الرَّي، فلمَّا صار بها، أَسقط من خراجها عن أهلها ألفي ألفِ درهم. وفيها غلبت السَّوداء على الحسن بنِ سهل، وتغيَّر عقله بالمرض، فكُبِّل بالحديد وقيِّد، وحُبس في بيتٍ بواسط، وكتب قوَّاده إلى المأمون يُخبرونه خبرَه، فكتب إليهم بأن يكونَ على عسكره دينارُ بن عبد الله، ويعلمهم أنَّه واصلٌ على إِثْر كتابه. وفيها ضرب إبراهيمُ بن المهديِّ عيسى بنَ محمد بن [أبي] (١) خالدٍ وحبسه. وسببُه: أنه كان يكاتب الحسنَ بن سهل وحُمَيدًا، وكانا بواسطَ على حرب إبراهيم، وكان إبراهيمُ يقول لعيسى: اُخرج فقاتل الحسنَ وحميدًا، فيتعلَّل عليه تارةً بالنَّفَقة في الجند، وتارةً بإدراك الغِلال. ثم اتفق مع الحسن وحُميدٍ أن يُسلمَ إبراهيمَ إليهما يومَ الجمعة لانسلاخ شوال، وبلغ إبراهيمَ، فلمَّا كان يومُ الخميس، جاء عيسى إلى باب الجسر، وأمر بحفر الخنادقِ بباب الجسر وبابِ الشام، وعزم على أخذ إبراهيم، فأرسل إليه إبراهيم يطلبه، فامتنع، فأرسل إليه ثانيًا، فجاء، فعاتبه وحبسه وضربه، فثار إخوةُ عيسى ومواليه وشَغَبوا، وقطعوا الجسرَ بينهم وبين إبراهيم، وكان إبراهيمُ بقصر الرُّصافة، وكاتبوا حُميدًا ليقدَمَ عليهم، فجاء فنزلَ صَرْصَر، ثم اجتمع القوَّاد وخلعوا إبراهيمَ بن المهدي، فاختفى ليلةَ الأربعاء لثلاثَ عشرةَ بقيت من ذي الحِجَّة، ويقال: إنه صلَّى الجمعةَ

стр. 6305

بجامع المهديِّ، ثم مضى إلى قصره واختفى في الليل، فكانت أيّامه سنةً وأحدَ عشرَ شهرًا وأيامًا. وقال أبو معشر: لم يزل يُخطب لإبراهيمَ على المنابر حتى قارب المأمونُ بغداد، فضعف أمرُه وتفرَّق عنه الناس. وفيها كُسفت الشمسُ ليلةَ الأحد لليلتين بقيتا من ذي الحِجَّة [حتى ذهب ضوءُها، وغاب أكثرُ من ثُلثيها، فأظلمت الدنبا إلى الظهر، ثم انْجَلَت، وكان انكسارُها في] (١) أوَّل النهار. [وذكر جدِّي في "التلقيح" (٢) وقال: وفي سنة ثلاثٍ ومئتين] زُلزلت (٣) مَرْوُ حتى سقطت مَنارةُ الجامع، وسقط المسجدُ الجامع ببَلْخَ، ونحوٌ من رُبع المدينة. وحجَّ بالناس سليمانُ بن عبدِ الله بنِ سليمانَ بن عليّ. [وفيها توفِّي خُزَيمةُ بن خازم القائدُ النَّهْشَلي، وقد ذكرنا تقدُّمَه عند بني العباس، وتوليةَ الخلفاء له الولايات، وهو الذي ولَّاه الأمينُ الجزيرةَ ونزح عنها القاسمَ بن هارون، وهو الذي عاب على الأمين غدرَه بالمأمون، وقال: سوف ترى. وكان خُزَيمةُ شجاعًا جَوَادًا، وكان ببغدادَ دربٌ يُعرف بدرب خُزَيمة. وكانت وفاتُه في شعبانَ ببغداد، وكان قد ذهب بصره. وله روايةٌ في الحديث عن مالك بن أنسٍ (٤) وابن أبي ذئب وغيرِهما.] وفيها توفِّي

стр. 6306

عليُّ بن موسى ابنِ جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن، وهو الرِّضا، ويلقَّب بالوليِّ والوفي، وأمُّه الخَيزُران (١) أمُّ ولد، وهو من الطبقة الثامنةِ (٢) من أهل المدينة، وكان يفتي بمسجد النبيِّ ﷺ وهو ابن نيّف وعشرين سنة. وقد ذكرنا إشخاصَ المأمونِ له من المدينة [إلى مَرْو مع فرناس الخادم وابن أبي الضحاك، وأنه ولَّاه العَهْدَ [وشغب بني العباسِ ببغداد، وأنه] (٣) سار معه من مروَ يريد العراق، فلمَّا وصل إلى طُوسَ مرض أيامًا، فتأخَر رحيلُ المأمون بسببه. وقيل: لم يمرض، وإنّما دخل الحمَّام وخرج، فقُدِّم إليه طَبَقٌ فيه عِنَب مسمومٌ سمًّا لم يظهر فيه، فيقال: إنَّهم أدخلوا فيه الإبرَ المسمومة، فأكله فمات. وقال جدِّي رحمه اللهُ تعالى في "المنتظَم" (٤): لمَّا رأوا أن الخلافةَ قد خرجت إلى أولاد عليِّ بن أبي طالب، سقَوا عليَّ بن موسى الرِّضا السمّ، فتوفِّي بقريةٍ من قرى طوسَ يقال لها: سَنَاباذ في رمضان. قال المصنِّف ﵀: وقد زعم قوم أن المأمونَ سمَّه، وليس كما ذكروا؛ فإنَّ المأمون حزن عليه لمَّا مات حُزْنًا لم يحزنْه على أحد، وكتب إلى الآفاق يعزُّونه فيه [ولو أنه سُمَّ مَن يوثق به؟ فإن الطبريَّ قال (٥): مات فجأةً، أكل عِنَبًا فأكثر منه]. وكان على الرِّضا -كما سمِّي- رضًا، جوادًا، زاهدًا، عابدًا، مُعرِضًا عن الدنيا، ولولا خوفُه من المأمون ما أجاب إلى ولاية العهد. وقيل لأبي نُواس: ألا تمدحه؟ فقال: [من الخفيف]

стр. 6307

قيل لي أنت أوحدُ الناس في … كلِّ كلامٍ من المَقال بَديهِ لك في جَوْهر الكلامِ فنونٌ … تَنْثُر الدُّرَّ من يَدَي مُجْتَنيه (١) فعَلامَ تركتَ مدحَ ابنِ موسى … والخصال التي تجمَّعن فيه قلت لا أهتدي لمدح إمامٍ … كان جبريلُ خادمًا لأبيه وكان سنُّ عليٍّ خمسًا وخمسين سنة، وقيل: تسعٌ وأربعون سنة. وكان أخوه زيدُ بن موسى قد خرج على المأمون، فظَفِر به، فأرسله إلى عليٍّ وعفا عنه، فعاتبه أخوه ووبَّخه، وقال له: سَوءةً لك يا زيد، ما أنت قائلٌ غدًا لرسول اللهِ ﷺ إذ سفكتَ الدماءَ وأخفت السبيلَ وأخذت المال من غير حِلِّه؟! غرَّك حمقى أهلِ الكوفة وقد قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ فاطمةَ أحْصَنَت فَرْجَهَا، فحرَّم اللهُ ذُرِّيَّتها على النار" (٢) وهذا لمن خرج من بطنها، مثلِ الحسنِ والحسين، لا لمثلي ومثلِك، وما نالوا ذلك إلَّا بطاعة الله، فإن أردتَ أن تنال بمعصية اللهِ ما نالوه بطاعته، فحينئذٍ أنت أكرمُ على الله منهم؟! سوءةً لك! ذِكر أولاده: كان له محمدٌ الإمام، والنسلُ له، وأبو جعفرٍ الثاني، وجعفر، والحسن، وإبراهيم، وابنةٌ واحدة (٣). أسند الحديثَ عن أبيه وجدِّه وعمومتِه وغيرهم. وذكر شيخنا موفَّق الدِّين ﵀ حديثًا عن محمد بن عليّ بن موسى، عن أبي (٤)

стр. 6308

جعفر، عن أبيه محمد، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهَه، عن النبيِّ ﷺ ، وقال: هذا إسنادٌ لو قرئ على مجنونٍ لبرئ. (١) والحديثُ قولُه ﷺ : "شاربُ الخمرِ كعابد وَثَن". [وفيها توفِّي عمرُ بن سعد أبو داودَ، الحَفَري، الكوفي. وذكره ابنُ سعد (٢) في الطبقة الثامنةِ من أهل الكوفة. وحَفَر موضعٌ. وكان عالمًا زاهدًا ورعًا. وروى أبو الفضل بنُ ناصرٍ بإسناده إلى المَرْوَزيِّ قال: سمعت أحمدَ بن حنبلٍ يقول: رأيت أبا داودَ الحَفَريَّ الكوفي وعليه جُبَّةٌ مُخَرَّقة قد خرج القُطنُ منها، يصلِّي ما بين المغربِ والعشاءِ وهو يَتَرجَّح من الجوع. قال: وبلغني عن عباسٍ (٣) الدُّوري: لو رأيتَ أبا داودَ رأيت رجلًا كأنه اطَّلع في النار فرأى ما فيها. وما كان يقبل برَّ أحد. وكانت وفاتُه في هذه السَّنة. أسند عن الثوريِّ وأقرانه، وكان صدوقًا ثقة. قال ابنُ سعد (٤): كان ناسكًا له فضلٌ وتواضع وزهد، وكان من أصحاب سفيانَ الثوري. والحمدُ لله وحده، وصلَّى اللهُ على أشرفِ خلقه محمدٍ وآله وصحبِه وسلَّم]. * * *

стр. 6309

السَّنة الرابعةُ بعد المئتين فيها دخل المأمونُ بغدادَ لأربعَ عشرةَ خلت من صفرٍ يومَ السبت، وكان قد نزل النهروانَ يوم السبت، فأقام به ثمانيةَ أيام، وكان قد كتب إلى طاهر بن الحسين ليوافيَه بالنَّهروان، فوافاه. وقال أحمد بنُ أبي خالدٍ الأحول كاتبُ المأمون: لمَّا قربنا من بغداد، قلت له: يا أميرَ المؤمنين، كيف يكون حالُنا إن هاج هائجٌ أو تحرَّك متحرِّك علينا والفتنُ قائمة ببغداد؟! فقال لي: صدقت، قلت: ما معنا سوى خمسين ألفَ درهم، فقال: الناسُ في بغدادَ على ثلاث طبقات، ظالم، ومظلوم، ولا ظالمٌ ولا مظلوم، فأما الظالم فيتوقَّع عفوَنا (١) وسكوتَنا عنه، والمظلوم يتوقَّع منا الإنصاف، وأما القسم الآخَر فيسعه بيتُه. فكان كما قال. ودخل المأمون بغدادَ ولباسُه ولباس أصحابِه [وأقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم] الخُضرة، فنزل [المأمون] قصرَ الرصافة، وأمر طاهرًا فنزل الخيزُرانية، وأمر القوَّاد فنزلوا في عساكرهم، وكانوا يختلفون إلى قصره كلَّ يوم، وتحوَّل فنزل شاطئَ دجلةَ في قصره، ووافقه بنو هاشم وأهلُ بغدادَ بأسرهم فِي لباس الخُضرة، وكان أصحابه يخرقون كلَّ شيء يوونه من السَّواد على الناس. ذِكر رمي المأمونِ الخضرةَ ولُبسِه السَّواد: واختلفوا في سببه على أقوال: أحدُها: أنَّ المأمونَ قال لطاهر: سَلْ حوائجك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أهمُّ حوائجي حفظُ هذا البيت، قال: نعم، وبمَ ذا؟ قال: بخلع هذه الخضرةِ وعودِك إلى شعار آبائك وأهلك، فقال: نعم. والثاني أنَّ بني [هاشم من بني] العباسِ قالوا له: يا أميرَ المؤمنين، تركتَ لباسَ أهل بيتِك وزِيَّهم ولبست الخُضرة، ارجع إلى لباس أهلك.

стр. 6310

والثالث [حكاه الصُّولي] (١): أن المأمون لمَّا دخل بغدادَ وعليه الخضرة، عزَّ على بني العباس، فاجتمع وجوهُهم إلى بنت سليمانَ بن علي بن عبد اللهِ بن عباس، وكانت في القُعْدُد (٢) مثلَ المنصور، وسألوها أن تدخلَ على المأمون وتسألَه الإضرابَ عن لبس الخُضرة، وعزل من ولَّاه مَن ولد عليٍّ ﵇، وأن يعودَ إلى لُبس السواد، وكان قد عزم على تولية العهدِ لمحمد بن عليِّ بن موسى بعد أبيه، وإنما شغله شغبُ بني العباسِ عليه وولايةُ إبراهيمَ بن المهدي، وأقام ينتظر الفرصةَ في البَيعة لمحمد بنِ علي، فدخلت عليه زينبُ بنت سليمان، فقام لها وأَكرمها واحترمها، فقالت له: يا أميرَ المؤمنين، إنَّك على بِرِّ أهلك من آل أبي طالبٍ والأمرُ في يدك أَقدرُ منك على برِّهم والأمرُ في يد غيرك، فعُدْ إلى شعار آبائك ولا تُطمعنَّ أحدًا فيما كان منك. فعجب المأمونُ من كلامها وقال: يا عمَّة، ما كلَّمني أحدٌ بكلام هو أوقعُ من كلامكِ في قلبي، ولا أقصد لِمَا أردت، ولكن أنا أحاكم أهلَ بيتي إليك، قالت: وما ذاك؟ قال: ألست تعلمين أن أبا بكرٍ ﵁ لمَّا ولي الخلافةَ لم يولِّ الخلافةَ أحدًا من بني هاشم؟ قالت: بلى، قال: ثم وَلِي عمرُ ﵁ فكان على ذلك، ثم ولي عثمانُ فأقبل على أهله من بني عبد شمسٍ فولَّاهم الأمصارَ ولم يولِّ أحدًا من بني هاشم، ثم ولي أميرُ المؤمنين عليٌّ كرَّم الله وجهه فأقبل علي بني هاشم، فولَّى عبدَ الله بنَ عباس البصرة، وعبيدَ الله بنِ عباس اليمن، ومعبدًا مكَّة، وقُثَمًا البحرين، ولم يتركْ أحدًا من بني العباسِ إلا ولَّاه ولاية؟ فكانت [له] هذه في أعناقنا، فكافأتُه في ولده على ما فعل [معنا]. [قال الصولي:] وأنشد المأمونُ لنفسه: [من الطويل] أُلام على شكر الوصيِّ أبي الحسنِ … وذلك عندي من عجائب ذا الزَّمنْ ولولاه ما عُدَّت لهاشم إمرةٌ … وكانت على الأيام تُقضى وتُمتهن فولَّى بني العباسِ ما اختصَّ غيرهمْ … ومَن منه أَولى بالتكرُّم والمِنَن فأوضح عبدُ الله بالبَصرة الهدى … وفاض عبيدُ الله جُودًا على اليمن

стр. 6311

وقسَّم أعمال الخلافةِ بينهمْ … وها أنا مربوطٌ (١) بذا الشُّكر مرتهن فقالت له زينب: فلله دَرُّك يا بُنيَّ ممَّا فعلتَ! ولكن المصلحةَ لبني عمِّك من ولد أبي طالبٍ ما ذكرته لك، قال: ما يكون إلَّا ما تحبيِّن ويحبُّون. ثم فكَّر في عاقبة الأمر، فرأى أن القواعدَ تنخرم عليه، وربَّما خرج الأمرُ من يد بني العباسِ وآل أبي طالب؛ لاختلافهم، وفي الأرض بقايا من بني أميَّة، فربما وجدوا الفرصةَ في تفريق الكلمة [وإثارةِ الفتن وسفكِ الدماء] (٢) فجلس للناس جلوسًا عاما، ودعا وجوهَ بني هاشم (٣)، واستحضر حُلَّةً سوداء، فلبسها ورمى الخُضرة، وخلع على طاهرٍ مثلَها، وعلى وجوه بني هاشم، ورمى الناسُ الخضرةَ ولبسوا السواد، وطابت قلوبُهم. وأقام المأمونُ ببغدادَ وعليه الخضرةُ تسعةً وعشرين يومًا، وقيل: ثمانيةَ أيام. و [قال الصولي:] (٤) لمَّا رأى المأمون كراهيةَ الناس الخضرةَ قال: واللهِ ما دخلت بغدادَ وهي عليَّ إلا ليعلمَ بنو العباسِ أنني ما انزعجت لقولهم، ولولا سؤالُ زينبَ لما خلعتها. ولما دخل المأمونُ بغدادَ تلقَّاه أهلها، فقال له رجلٌ من الموالي: يا أميرَ المؤمنين، بارك اللهُ لك في مَقدَمك، وزاد في نعمك، وشكرك عن رعيَّتك، فقد فُقتَ مَن قبلك، وأتعبتَ من بعدك، وآيستَ أن يُعتاضَ عنك؛ لأنه لم يكن مثلُك، ولا عُلِم شَبَهك، أمَّا فيمن مضى فلا يعرفونه، وأمَّا فيمن بقي فلا يرجونه، فهم بين دعاءٍ لك، وثناءٍ عليك، وتمسُّك بك، أخصب جنابُك، واحْلَولَى لهم ثوابُك، وكَرُمت مقدرتُك، وحسنت أَثرتُك (٥)، فجبرتَ الفقير، وفككتَ الأسير، فأنت كما قيل: [من المنسرح] ما زلتَ في البذل والنَّوالِ وإِطـ … ـلاقٍ لِعانٍ بجُرمه غَلِقِ (٦)

стр. 6312

حتى تمنَّى البِراءُ (١) أنَّهمُ … عندك أمسَوا في القيد (٢) والغَلَقِ (٣) فقال له المأمون: مِثلُك يَعيب مَن لا يصطنعه، ويعتب (٤) مَن يجهل قدرَه، فاعذِرني في سالفك؛ فإنَّك ستجدني في مستأنَفك. ذِكر اجتماعه بزُبيدة: [اختلفوا في كيفية اجتماعِها به، فروى أبو الفضل بنُ ناصرٍ عن] المعافى بنِ زكريا قال (٥): لمَّا دخل المأمونُ بغداد، دخلت عليه أمُّ جعفرٍ فقالت: أهنئك الخلافة، قد هنَّأتُ بها نفسي [عنك] قبل لقائك، ولَئن كنتُ فقدت ابنًا خليفةً ولدته، فقد عوَّضني اللهُ خليفةً لم ألده، وما خسر مَن اعتاض مثلَك، ولا ثكلت أمٌّ ملأت راحتيها منك، وأنا أسأل اللهَ أجرًا على ما أخذ، وإمتاعًا بما عوَّض. فقال المأمون: ما تلد النساءُ مثلَ هذه، ما أبقت بعد هذا الكلامِ لبلغاء الرِّجال؟ [وفي رواية]: فحشا فاها بالدُّرّ. قال الصُّولي: لمَّا قدم من خُراسان [إلى بغداد] (٦) لم تدخلْ عليه [زبيدة] وكتبت إليه بشعرٍ عمله بعضُ شعرائها، وهو: [من الطويل] لِخَيرِ إمامٍ قام من خير عنصرٍ … وأفضلِ راقٍ كان أعوادَ منبرِ الأبياتِ المتقدِّمة [عند مقتلِ الأمين] (٧) فلمَّا قرأها [المأمون] بكى وقال: أنا واللهِ طالبٌ ثأرَ أخي، قتل اللهُ قَتَلَتَه، وكتب إليها في ظهرها يقول: [من الوافر] يَعزُّ عليَّ ما لاقيتُ فيه … وأنتِ الأمُّ خيرُ الأمَّهاتِ ولم أرضَ الذي فعلوا بتِرْبي … من القتل المبرِّحِ والشَّتات أمرتُ بأخذ هذا الأمرِ منهُ … وقبضِ يديه عن تلك الهَنَات

стр. 6313

وإني مِثلُه لك فاعلميهِ … على ما كان ما بَقِيَت حياتي وثأرٌ (١) بعد ثأر الله فيهِ … سيذهب بالجبابرة العُتاةِ بنى لكِ جعفرٌ بيتًا رفيعًا … وشيَّده بأعلى المَكرُمات أميرَ المؤمنين ورثتُ حقًّا … وأنتِ أميرةٌ للمؤمنات [وقام المأمون] فدخل عليها فعزَّاها وأكثر البكاءَ معها، وسألته أن يتغدَّى معها، ففعل [وأخرجتْ] (٢) له جاريةً من جَواري الأمين تغنيِّه، فغنَت بشعر الوليدِ بن عقبةَ في عثمان [بنِ عفان]﵁: [من الطويل] همُ قتلوه كي يكونوا مكانَه … كما غَدَرت يومًا بكسرى مَرازِبُهْ فإلَّا تكونوا قاتليه فإنَّه … سواءٌ علينا ماسكوه (٣) وضاربه فتغيَّر وجهُ المأمون وقام مغضَبًا، فقالت زبيدة: يا أميرَ المؤمنين، حرمني اللهُ أجرَه إن كنتُ علمتها أو دسست إليها، فصدَّقها [وعجب من هذا الاتِّفاق] (٤). وقال الهيثم [بن عَدِي]: لما قرب المأمونُ من [باب] بغداد، خرجت زبيدةُ حاسرةً ناشرة شعرَها بين جواريها، فلما وقعت عينُها على المأمون صاحت: واوجداه! واولداه! واقتيلاه! فبكى المأمونُ وجميع مَن حضر، وكان يومًا عظيمًا، وترجَّل المأمون ومشى إليها وقبَّل رأسها، وقال: لعن اللهُ قاتله، واللهِ ما أمرتُه ولا رضيت به، ولأقتلنَّ قاتلَه. فقالت: يا أميرَ المؤمنين، لي حاجة، فقال: حوائجُك مقضيَّة عندي، قالت: لا ينزل أحدٌ في قصور ابني، وتأذنُ لي في خرابها، فقال: قد فعلت. وكان محمدٌ لما ولي الخلافةَ بنى قصورًا على شاطئ دِجلة، منها عند الخلد وعند الحريم، ومقابلُها في الشمَّاسية، وغيو ذلك. فكانت زبيدةُ تخرج في كلِّ يوم ومعها النوائح، فينُحنَ في قصرٍ وتهدمه، حتى أتت على الجميع، فقال السنديُّ بن شاهك: رحم

стр. 6314

اللهُ يحيى بن خالدٍ البرمكي، فلقد أخبر بهذا يومَ قتل هارونُ ولدَه جعفرًا، فإنَّه قيل له: قد أمر بقتل ولدِك، فقال: يُقتل ولده، فقيل له: قد أمر بهتك حريمه، فقال: يُهتك حريمُه، فهُتكت زبيدة، فقيل له: قد أمر بخراب دورِك، فقال: تخرب دورُه. فكان كما قال. ولما دخل المأمونُ بغداد، أمر بمقاسمة أهلِ السَّواد على الخُمسَين، وكانوا يقاسمون على النِّصف. وولَّى المأمونُ أبا عيسى بنَ الرشيد الكوفة، وصالحَ بن الرشيد البصرة، وعبيدَ الله بنَ الحسن بنِ عبيد الله بن العباس بن عليِّ بن أبي طالبٍ الحرمين، فحجَّ بالناس في هذه السَّنة. أبو داودَ الطَّيالسي واسمه سليمانُ بن داود [بنِ] (١) الجارود، مولى قريش، من الطبقة السابعةِ من أهل البصرة. كان كثيرَ الحديث، ثقةً إمامًا حافظًا متقنًا، وله التصانيفُ الكثيرة، وربَّما غلط. وقدم بغدادَ وحدَّث بها، وكان يجتمع في مجلسه ستةُ آلاف مِحبرة، وحدَّث بأصبهانَ أربعين ألفَ حديثٍ من حفظه، وكان قد شرب البلاذُرَ (٢) هو وعبدُ الرحمن بن مهدي، فجُذِمَ أبو داودَ وبَرِصَ عبدُ الرحمن. ومات أبو داودَ في صفر، وقيل: في ربيعٍ الأول، بالبصرة، وهو ابنُ اثنتين وسبعين سنة. أسند عن خلق، منهم شعبةُ والثوريُّ وهمَّام بن يحيى، وروى عنه الإمامُ أحمد ﵀ وابنُ المدينيِّ وغيره، واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وورعه، وكان الإمام أحمدُ يثني عليه.

стр. 6315

السِّنديُّ بن شاهك مولى [أبي جعفرٍ] المنصور [وقد ذكرناه في عدَّة مواضع. وقال ابنُ ماكولا:] (١) كان رجلًا دَميمَ الخلق من السِّند، وكان أميرًا على دمشق، فأخرب سورَها في فتنة أبي الهَيذامِ سنة ستٍّ وسبعين ومئة [في خلافة هارون. حكى عنه الصوليُّ أنه] قال: كنت بخُراسانَ واليًا عليها، فبعث إليَّ المأمونُ فطلبني على البريد، فطويت المراحلَ حتى قدمت بغدادَ على آخر نفَس، فأتيت بابَه، فوجدته نائمًا، وهاج بي الدم، فقلت: أَحتجم وأعود، فمضيت إلى داري وطلبت حجَّامًا لا يكون فضوليًّا، فأُتيت بحجَّام، فشرع يحجمني وقال: هذا وجهٌ ما رأيته قطّ، فمن أنت؟ قلت: السِّندي بن شاهك، قال: ومن يكون السِّندي؟ قلت: قائد من قوَّاد أميرِ المؤمنين، قال: وأين كنت؟ قلت: بخُراسان، قال: وما الذي كنت تعمل؟ قلت: واليًا عليها، قال: ففي أيِّ شيءٍ قدمت؟ قلت: على البريد، قال: وفي كم جئت؟ قلت: في عشرة أيام، قال: وما الذي يريد منك؟ قلت: إذا فرغت من الحجامة عرَّفتك. فلمَّا فرغ من الحجامة قلت للغلمان: مدُّوه، فمدُّوه، فضربته عشرةَ أسواط، فقال: ما هذا؟ قلت: هذا عن سؤالك عن اسمي، ثم ضربته أخرى، فقال: ما هذا؟ قلت: عن قولك: أين كنت؟ ولم أزل أضربه وأعدُّ عليه وأقول: خرجت من خُراسانَ في يومِ كذا على طريق كذا والسياطُ تأخذه، فقال الحجَّام: [فإلى] كم تضربني؟ قتلتني! فقلت: حتى أصلَ إلى بغدادَ وأجتمعَ بأمير المؤمنين وأقولَ لك ما أراد مني، قال: فأموت أنا بعدُ وأنت في الطريق، فقلت: تتوب، لا تسأل أحدًا بعد اليومِ وأدعك؟ فقال: واللهِ لا سألتُ أحدًا بعد اليوم، فأطلقته وأعطيته دنانير، ودخلت على المأمون فأخبرته خبرَه، فقال: وددت واللهِ أنك بلغت به بغدادَ ورجحت إلى خُراسانَ حتى تأتيَ على نفْسه. وقال الخطيب (٢): ولي السِّندي القضاءَ ببغداد، وكان لا يستحلف المُكاريَ ولا

стр. 6316

الملَّاح ولا الحائك، ويجعل القولَ قولَ المدَّعي، ويقول: اللهمَّ إنِّي أستخيرك في معلِّم الكُتَّاب. وكانت وفاتُه ببغداد. حكى عن المنصور والمهديِّ وهارونَ وغيرهم. الإمام أبو عبدِ الله محمدُ بن إدريسَ [الشافعي ﵁ - ونسبه المشهور أنه محمد بن إدريس، ابنِ العباس بن عثمانَ بن شافعِ بن السائب بن عُبيد بن عبد يزيدَ بن هاشم بن المطَّلب بن عبد مَناف بن قُصَيِّ بن كِلاب بن مُرَّةَ [أبو عبد الله] المطَّلبي. وكناه مسلمٌ أبا عبد الرحمن (١). [وقال عبد الرحمن بن حازم] هو مكيُّ الأصل، مصريُّ الدار. [وقال الخطيب (٢): سمعتُ القاضي أبا الطَّيب الطبريَّ يقول:] (٣) شافعُ بن السائب [الذي ينسب إليه الشافعي] لَقِيَ النبيَّ ﷺ وهو مُتَرعْرعٌ، وأسلم أبوه السائبُ يومَ بدر، فإنَّه كان صاحبَ رايةِ بني هاشم، فأُسر وفدى نفسَه، ثم أسلم، فقيل له: لمَ لمْ تُسلم قبل أن تفديَ نفسك؟ فقال: ما كنت لأحرمَ المسلمين طمعًا لهم فيّ. قال المصنِّف ﵀: وقد زعم بعضُهم أنَّ الشافعيَّ كان عبدًا، واحتجَّ بأن جدَّه أُسر يومَ بدر، وليس هذا بشيء؛ لأنه قد شرى نفسَه، ولما نُقل إلى هارونَ أن الشافعيَّ يميل إلى [آل] أبي طالب، قال له: يا أمير المؤمنين، لَأَن أعيشَ مع قومٍ يرون أني منهم أحبُّ إليَّ من أن أعيشَ مع قومٍ يرون أني عبدُهم. وكان السائب يُشبَّه برسول اللهِ ﷺ . [قال الخطيب (٤): وقال أبو الطيِّب الطبري:] وقد وصف بعضُ أهل العلم بالنَّسب الشافعيَّ ﵀ فقال: هو شقيقُ رسولِ الله ﷺ في نسبه، وشريكُه في حَسَبه، لم تَنَلْ رسولَ الله ﷺ طهارةٌ في مولده، وفضيلةٌ في آبائه، إلَّا وهو قسيمُه فيها، إلى أن افترقا في عبد مَناف، فإن المطَّلب زوَّج ابنَه هاشمًا الشِّفاءَ بنت هاشمِ بن عبد مناف، فوَلدت له عبدَ يزيد، وكان يقال له: المَحْضُ لا قذًى فيه، فقد وَلَدَ الشافعيَّ الهاشمان: هاشمُ

стр. 6317

ابن المطَّلب (١)، وهاشم بن عبدِ مناف. والشافعيُّ ابن عمِّ رسول اللهِ ﷺ وابنُ عمَّته؛ لأن المطَّلب عمُّ رسول الله ﷺ ، والشفاءَ [بنت هاشم] أختُ عبد المطلبِ عمَّةُ رسولِ الله ﷺ . [قال:] (٢) و [أما] أمُّ الشافعيِّ رحمةُ الله عليه [فهي] أَزْدية، وقد قال ﷺ : "الأَزدُ جُرثومةُ العرب" (٣). [قلت: وقد اختلفوا في أمِّ الشافعيّ، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: هي] أَسدية (٤)، وقيل: أَسْديةٌ وأَزْدية سواء. ذكره الخطيب (٥). وقال محمد بن إسحاقَ بن خُزيمة (٦): أمُّ الشافعيِّ فاطمةُ بنت عُبيد اللهِ بنِ الحسن بنِ الحسن بن عليِّ بن أبي طالب. وهو وهم، والأصحُّ أنَّها أزدية، قال يونُس بن عبدِ الأعلى: لا نعلم هاشميًّا ولدته أزديةٌ غيرَ الشافعي (٧). وقال ابنُ عبد الحكم: لما حملت أمُّ الشافعيِّ به، رأت في منامها كأنَّ المشتريَ خرج من فرجها حتى انقضَّ بمصر، ثم وقع في كلِّ بلدة منه شظيَّة، فأخبرت المعبِّرين، فقالوا: يخرج منها عالمٌ يتفرَّق علمُه في البلاد ويخصُّ أهلَ مصرَ ويُقبر عندهم.

стр. 6318

وقد أثنى الأئمة على الشافعي ﵀، قال الخطيب (١): الإمامُ الشافعي زينُ الفقهاءِ وتاجُ العلماء، ولد بغزَّةَ سنةَ خمسين ومئة. وقيل: بعسقلان. وقيل: باليمن، ثم حُمل إلى مكَّة، فنشأ بها، وكتب العلمَ بمدينة النبيِّ ﷺ ، وقدم بغدادَ مرتين، وحدَّث بها، وسمَّوه فيها ناصرَ الحديث [وفي رواية أنَّه حُمل إلى مكَّة وهو ابن ستِّ سنين، ولم يكن له مال]. ذِكر بدايته لطلب العلم: [قال الخطيب (٢) بإسناده عن محمد بنِ عبد الله بن عبد الحكم قال: قال لي محمدُ بن إدريس الشافعي:] وُلدت (٣) بغزَّة، وحُملت إلى مكةَ وأنا ابنُ سنتين، [قال:] ولم يكن لي مال (٤)، فكنت أذهب إلى الدِّيوان أستوهب الظهورَ أكتب فيها. [وفي رواية عن الشافعيِّ قال:] حفظت القرآنَ وأنا ابن سبعِ سنين، وحفظت "الموطَّأ" وأنا ابن عشرِ سنين، وما أفتيت حتى حفظت عشرةَ آلافِ حديث. [وحكى أبو نُعيم (٥) عن حسين الكرابيسيِّ عن الشافعيِّ قال:] كنت (٦) امرأً أكتب الشِّعر، فآتي البواديَ فأسمع منهم، فقدمت مكَّةَ مرة وأنا أتمثَّل بشعر لبيد، فضربني رجلٌ من الحَجَبة من ورائي وقال: رجلٌ من قريشٍ ثم من بني المطَّلب يطلب الشعرَ ويرضى من دِينه ودنياه أن يكونَ معلِّمًا! ما الشِّعر! الشعر إذا استحكمتَ فيه قعدتَ معلمًا، تفقَّهْ لعلَّ اللهَ أن ينفعَك وينفعَ بك. فانتفعت بكلامه، فجالست ابنَ عُيينة ما شاء الله، وكتبت عنه وعن مسلم بن خالدٍ الزَّنجي، ثم قدمت المدينةَ على مالك بنِ أنس، فكتبت موطَّأه، وقلت: يا أبا عبدِ الله، أقرؤه عليك؟ فقال: يا ابنَ أخي، نأتي برجلٍ يقرؤه [عليك] وأنت تسمع، فقلت: ألا أقرؤه عليك؟ فقال: اقرأ، فقرأتُ حتى بلغت كتاب السِّيَر، فقال [لي]: تفقَّه تَعْلُ.

стр. 6319

وروى أبو نُعيمِ [أيضًا] عنه قال (١): كنت أُكثر الخروجَ إلى البادية في طلب الشِّعر، فلقيني أعرابيٌّ فقال: ما تقول في امرأةٍ تحيض يومًا وتطهر يومًا؟ فقلت: لا أدري، فقال: يا ابنَ أخي، ارجع فاطلب الفريضةَ وَدَعِ النافلة، فهو أَولى بك. فخرجت إلى مالك بنِ أنس، فقرأت عليه "الموطَّأ" حفظًا، فقال لي: قد آن لك أن تُفتيَ الناس. [وحكى أبو نُعيم عن الرَّبيع عن الشافعي] (٢) قال: كنت في الكتَّاب أسمع المعلمَ يلقِّن الصبيَّ الآية، فأحفظها، فإلى أن يفرغَ المعلِّم من الإملاء عليهم قد حفظت كلَّ ما أملى، فقال لي ذات يوم: ما يحلُّ لي أن آخذَ منك شيئًا. ثم خرجت إلى بادية مكَّة، فلزمت هُذيلًا، فكنت أتعلَّم لغتَها وآخذ من طبعها، وكانوا أفصحَ العرب، فبقيت عندهم سبعةَ عشرَ سنة، أرتحل لرحيلهم وأنزل لنزولهم، ثم رجعت إلى مكَّة، فكنت أُنشد الأشعارَ وأذكر أيامَ العرب وفنونَ الأدب، فمرَّ بي رجلٌ من آل الزُّبير فقال لي: يا أبا عبدِ الله، عزَّ عليَّ ألا يكونَ مع هذه الفصاحة والذكاء فقه، فتكون قد سدتَ أهل زمانك، قلت: ومَن بقي يُقصد؟ قال: مالكُ بن أنس سيِّد المسلمين اليوم، فوقع كلامُه في قلبي، فعمدت إلى "الموطَّأ" فحفظته في تسع ليال، ثم أخذت كتابَ والي مكةَ إلى والي المدينةِ وإلى مالك بنِ أنس، فقدمت المدينة، فناولت واليَها الكتاب، فقرأه وقال: واللهِ إنَّ مشيتي من المدينة إلى مكةَ راجلًا أهونُ عليَّ من المشي إلى باب مالك، فإني لست أرى الذُّلَّ حتى أقفَ ببابه. ثم قام معي إلى باب مالكِ وطلبنا الإذنَ عليه، فخرجت جاريةٌ سوداءُ فقالت: إنَّ مولاي يقرأ عليك السلامَ ويقول: إنْ كانت مسألة فارفعوها في رقعةٍ ليخرجَ إليكم الجواب، وإن كنتم قد جئتم للحديث فقد عرفتم يومَ الخميس، [قال:] فقلنا لها: قولي له: معنا كتابٌ من والي مكةَ في حاجة مهمَّة، فدخلت ثم خرجت وبيدها كُرسيّ، فوضعته، ثم خرج مالكٌ وعليه المهابةُ والوقار، شيخٌ طويل مستوي اللحيةِ عليه طَيلسان، فدفع الوالي إليه كتابَ والي مكَّة، فقرأه حتى بلغ إلى قوله: هذا رجلٌ حاله كذا وكذا فتحدِّثه، فرمى الكتابَ من يده وقال: سبحانَ الله! وصار علمُ رسولِ الله ﷺ

стр. 6320

يؤخذ بالرسائل! قال: فتهيَّبه الوالي أن يكلِّمَه، فقلت: رحمك الله، إني رجل مطَّلبي، ومن حالي ومن قصَّتي، فنظر إليَّ ساعةً -وكانتا له فراسة- وقال: ما اسمُك؟ قلت: محمد، فقال: يا محمد، اتَّقِ اللهَ تعالى واجتنب المعاصي؛ فإنَّه سيكون لك شأنٌ من الشأن. فقرأت عليه "الموطَّأَ" في أيامٍ يسيرة، وأقمت عنده بالمدينة حتى توفِّي، ثم خرجت إلى اليمن. وروى ابنُ عساكرٍ (١) عنه أنَّه قال: كنت ألتقط العظامَ من مكةَ والأكتافَ فأكتب فيها، ولم يكن لأمِّي ما تعطي المعلِّم، وكان قد رضي مني أن أخلفَه في الصِّبيان وأقومَ عليهم. [وحكى المُزَنيُّ عن] الشافعيِّ ﵀ قال (٢): رأيتُ أميرَ المؤمنين عليًّا ﵇ في المنام، فسلَّم عليَّ وصافحني، وخلع خاتَمَه فجعله في إصبعي، فعبرها عمي وقال: أما مصافحتُه إياك فأمانٌ من العذاب، وأما جعلُ خاتمِه في إصبعك، فسيبلغ اسمُك ما بلغ اسمُه في المشرق والمغرب. ذكر صفته: اتَّفقوا على أنَّه كان نحيفًا خفيفَ العارضَين يخضب بالحنَّاء. ذِكر طرفٍ من أخباره [وذِكرُ عبادته وفقهِه وفهمه: حكى الربيعُ أنه] (٣) كان يختم القرآنَ في كل ليلة ويختم في رمضانَ ستِّين ختمة، وكان حسنَ الصوت، كلُّ مَن يسمعه يقرأ يبكي، وكان ينام ثلثَ الليل، ويصلِّي ثلث الليل، ويكتب العلمَ ثلث الليل، وصار بعد ذلك يحيى الليلَ كلَّه إلى أن مات، وكان يصوم الدهر، ولا يصلِّي التراويحَ في المسجد مع الناس ويصلِّي في بيته، وكان كثيرَ العبادة. [وذكر أبو بكر بنُ بدران المعروفُ بخالويه في كتاب "فضائل الشافعي" عن] الربيع

стр. 6321

أنَّ الشافعيَّ كان (١) عند مالكٍ وعنده سفيانُ بن عُيينة والزَّنجي، فأقبل رجلان، فقال أحدهما: أنا رجلٌ أبيع القَمَاري، وقد بعتُ هذا قُمْريًّا (٢) وحلفت له بالطلاق أنَّه لا يهدأ من الصِّياح، فلمَّا كان بعد ساعة، أتاني وقال: قد سكت فرُدَّ عليَّ دراهمي، وقد حنثت، فقال مالك: بانت منك امرأتُك، فمرَّا بالشافعي رحمةُ الله عليه فشرحا له القصَّة، فقال للبائع: أردتَ لا يهدأ أبدًا أو أنَّ كلامه أكثرُ من سكوته؟ فقال: بل أردتُ أن كلامَه أكثرُ من سكوته، لأنِّي أعلم أنَّه يأكل ويشرب وينام، فقال الشافعي: رُدَّ عليك امرأتكَ فإنَّها حلال، وبلغ مالكًا، فقال للشافعي: من أين لك هذا؟! قال: من حديث فاطمةَ بنتِ قيس؛ فإنها قالت: يا رسولَ الله، إنَّ معاويةَ وأبا جهمٍ خطباني، فقال لها: "إنَّ معاويةَ رجل صُعلوك، وإنَّ أبا جهمٍ لا يضع عصاه عن عاتقه" (٣) وقد كان أبوجهم ينام ويستريح، وإنَّما خرج كلامهُ على الغالب، فعجب مالك، وقال الزَّنجي: أَفتِ، فقد آن لك أن تُفتي، فأفتى وهو ابنُ خمسَ عشرةَ سنة. [وقال أبو عبدِ الرحمن:] (٤) قال الشافعيُّ رحمةُ الله عليه بمكَّة: سلوني عمَّا شئتم أُخبركم من كتاب اللهِ وسنَّة رسوله، فقال له رجل: ما تقول في مُحرِم قتل زُنْبورًا؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وحدَّثنا سفيان بن عُيينةَ، عن عبد الملك بن عُمير، عن رِبعي، عن حذيفةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اِقتدوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكرٍ وعمر" (٥)، وحدثنا سفيانُ عن مسعر بن كِدام، عن قيس بنِ مسلم، عن طارق (٦) بنِ شهاب، عن عمرَ ﵁ أنَّه أمر المُحرمَ بقتل الزُّنبور. [وروى الخطيب عن المُزَني، عن] الشافعيِّ ﵀ قال (٧): خرجتُ إلى اليمن

стр. 6322

وكان بها والٍ غَشومٌ من قِبَل هارون، فكنت أمنعه من الظُّلم وآخذ على يده، وكان باليمن سبعة -فتحرَّكوا- من العلوية، فكتب إلى هارونَ يقول: عندنا رجلٌ من ولد شافع، وإنه قد اتَّفق مع العلوية، ولا أمرَ لي معه ولا نهي، فكتب هارونُ إليه بحملنا جميعًا، فحملنا، فضرب رقابَ العلوية، ونظر إليَّ فوعظته، فبكى وقال: مَن أنت؟ فقلت: المطَّلبي، فأَعجبه كلامي وأعطاني خمسين ألفًا، ففرَّقتها في حُجَّابه وأصحابِه ومَن على بابه، وقال لي: الزم بابي ومجلسي. وكان محمدُ بن الحسن صاحبُ أبي حنيفةَ جيِّدَ المنزلة عنده، فجالسته وعرفت قولَه، ووقعت منه موقعًا، فكان إذا قام ناظرتُ أصحابه، فقال لي يومًا: ناظِرني، قلت: أُجلُّك عن المناظرة، قال: لا: [قل]، قلت: ما تقول في رجلٍ غصب ساحةً فبنى عليها [بيتًا] (١) قيمتُه ألفُ دينار، فجاء صاحبُها فأقام البيِّنة أنها ساحتُه؟ قال: له قيمتُها ولا تُقلع، قلت: ولم؟ قال: لقوله عليه الصلاة السلام: "لا ضررَ ولا إضرارَ في الدِّين" (٢) قلت: الغاصبُ أَدخلَ الضررَ على نفسه. ثم قال محمد: ما تقول فيمن غصب خيطَ إبريسَمَ فخاط به بطنَ نفسِه، فجاء إنسانٌ فأقام البيِّنة أنَّ هذا الخيطَ له؟ أَيُنزع من بطنه؟ قلت: لا، قال: ناقضتَ أصلَك وتركت قولَك، فقلت: لا تعجلْ، هاهنا الضررُ أعظم، وأوردتُ عليه لوحَ السفينةِ ومسائلَ من هذا الجنس. [وهي مناظرةٌ طويلة. وروى أبو نُعيم الأصفهانيّ عن الرَّبيع قال:] (٣) قال الشافعيُّ رحمةُ الله عليه: وددت أنَّ الخلق يتعلَّمون مني ولا يُنسب إليَّ منه شيء، وما ناظرتُ أحدًا فأحببتُ أن يُخطئ، بل أحبُّ أن يوفَّق ويسدَّدَ، وما أبالي بيَّن اللهُ الحقَّ على لساني أو على لسانه. [وروى الخطيبُ عن المُزَني عن الشافعي] قال: مَن تعلَّم القرآنَ عظمت قيمتُه، ومن نظر في الفقه نَبُلَ قدرُه، ومن تعلَّم اللغة رقَّ طبعُه، ومن تعلَّم الحساب جزل رأيُه، ومن

стр. 6323

كتب الحديثَ قويت حجَّته، ومن لم يَصُن نفسَه لم ينفعْه علمُه. [وحكى الربيعُ عنه أنه] قال: ما أوردتُ الحجَّة على أحدٍ فقبلها مني إلَّا هبتُه، ولا دفع الحجَّةَ وكابرني إلَّا سقط من عيني، وما ناظرت أحدًا فأحببتُ أن يخطئ، إلا صاحبَ بدعة؛ فإني أحبُّ أن ينكشفَ أمرُه إلى الناس. [ذِكرُ شدَّته على أهل البدع واعتقادِه: ذكر الكرابيسيُّ عن الشافعيِّ أنه] ناظر حفصًا الفردَ فقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال حفص: مخلوق، فقال له الشافعيّ: كذبتَ وكفرتَ بالله العظيم. [قال]: وكان الشافعيُّ يقول. واللهِ لقد سمعت من حفص -قاتلَه الله- كلامًا ما سمعتُه من أحدٍ قطّ، ولا أفلح صاحبُ كلامٍ قطّ، ورأيي في أهل الكلامِ والبدعِ أن يركبوا على الجِمال ويُضربوا بالجريد، ويطافَ بهم في القبائل ويقال: هذا جزاءُ مَن عدل عن كتاب اللهِ وسنَّة نبيِّه ﷺ إلى علم الكلام. وقال [أبو إسحاقَ الثعلبيُّ بإسناده إلى] (١) الربيع بنِ سليمان: كنت ذاتَ يوم عند الشافعيِّ وجاءه كتابٌ من الصعيد يسألونه عن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. فكتب فيه: لمَّا حجب عنه أقوامًا بالسَّخط، دلَّ على أنَّ أقوامًا يَرَوْنَهُ بالرِّضا، فقلت: أَتدين بهذا أو توقن به لا سيِّدي؟ فقال: واللهِ لو لم يوقنْ (٢) محمد بنُ إدريسَ أنه يرى ربَّه في المعاد لَمَا عبده في الدنيا. قال المصنِّف ﵀: والشافعيُّ إنَّما أخذ هذا المعنى من مالك بنِ أنس؛ فإنَّه قال في تفسير هذه الآية: لمَّا حجب أعداءَه فلم يَرَوْهُ، تجلَّى لأوليائه حتى رَأَوْهُ. [وقد حكاه الثعلبيُّ أيضًا، إلا أنَّ قول الشافعيِّ وقولَ مالكٍ أوجز. وحكى الثعلبيُّ عن] الحسين بنِ الفضل البَجَليِّ أنه قال (٣): لمَّا حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.

стр. 6324

[ذِكر جُودِه وسماحته: ذكرنا أنَّ هارونَ أعطاه خمسين ألفًا ففرَّقها على أصحابه] (١). وقال الحُميدي: قدم الشافعيُّ من اليمن إلى مكةَ ومعه عشرون ألفَ دينار، فضرب خيمةً ظاهرَ مكةَ وفرَّق الجميع. [وحكى الحُميديُّ أيضًا عن] محمد ابنِ بنت الشافعيِّ قال (٢): باع جدِّي الشافعيُّ ضيعةً بعشرة آلافِ دينار، ففرَّقها في الأشراف والعلماء، بَسَطَ نِطْعًا (٣) وقسمها عليه، فبقيت منها بقيَّة، فجاء أعرابيٌّ فقال: يا ابنَ أخي، لي عندك يدٌ فكافئني عليها، قال: وما هي؟ قال: حضرت الموسمَ مع عمومتك وهم يشترون أُضحية، فضربتَ بيدك إلى شاةٍ وقلتَ لي: يا عمّ، اشترِ لي هذه الشاة، فقلتُ لصاحبها: أَحسِنْ إلى الفتى في الثمن، فأحسنَ إليك بقولي، فقال الشافعي: يدٌ جليلة، خذ النِّطعَ وما عليه. [ذِكر نُبذةٍ من كلامه: حكى الحُميديُّ عن محمد ابنِ بنت الشافعيِّ قال: قال جدِّي ﵀:] (٤) العلمُ علمان: علمُ الأبدان، وعلمُ الأديان، فعلم الأبدانِ الطِّبّ، وعلمُ الأديان الفقه. [قال:] (٥) وكان يتطيَّر من الأعور والأحولِ والأعرج والأحدبِ والأشقر جدًّا. [وقال الحُميدي: ومن أحسنِ ما نُقل عنه أنه] قال: كلَّما طالت اللحيةُ تكوسجَ (٦) العقل. [وروى ابن ناصرٍ بإسناده إلى الربيع قال] قال [الشافعي]: إياكم وأصحابَ العاهات، فإنَّ معاملتهم عَسِرة. وأشدُّ الأعمال ثلاثة: الجودُ من قلَّة، والورعُ في

стр. 6325

خلوة، وكلمة حقٍّ عند مَن يُخاف ويُرجى. وقال: من طلب الرئاسةَ فرَّت منه، ومَن هرب منفي تَبِعَتْه. وقال: ليس من المروءة أن يُخبرَ الرجلُ بسنِّه [أو بمولده] لأنَّه إن كان صغيرًا احتقروه، وإن كان كبيرًا استهرموه. [قلت: وقد نُقل مثلُه عن مالك بن أنس، سأله سائل، فقال له: أَقبِلْ على شأنك، وذكره]. وقال: لو أنَّ الماء الباردَ ينقص من مروءتي ما شربتُه. وقال: قَبول السِّعاية أقبحُ منها، لأن السعايةَ دلالة، والقبولَ إجازة، وليس من دلَّ على شيءٍ كمَن قَبِلَ وأجاز. وقال الربيع: ذَكَرَ رجلٌ عنده محمدَ بن الحسن بكلمة سَفَه، فقال له: مَهْ، لقد تلمَّظت بمضغةٍ طالما لفَظَها الكرام. [وكان يحبُّ محمدًا ويثني عليه، وقد ذكرناه في ترجمة محمد] (١). وقال الربيع: ما دخل الشافعيُّ بغدادَ إلَّا ومشى إلى قبر أبي حنيفةَ وزاره، ودعا عنده فتُقضى حاجتُه. [وروى الخطيبُ عن] أبي نُعيم قال (٢): دخل الشافعيُّ يومًا دارَ هارون، فأَقعده سراجٌ الخادمُ ليستأذنَ له، وكان هناك [أبو (٣)] عبد الصمد مؤدِّب أولادِ الرشيد، فقال سراجٌ الخادم: هؤلاء أولادُ أميرِ المؤمنين، وهذا مؤدِّبهم، فلو أوصيتَه بهم. فأقبل الشافعيُّ على المؤدِّب وقال: إن أوَّلَ ما تبدأ به صلاح نفسك، فإنَّ أَعيُنَهم ممدودةٌ إليك، فالحَسَنُ عندهم ما تستحسنه، والقبيحُ ما تكرهه، علِّمهم كتابَ الله، ولا تُكرهْهم عليه فيملُّوه، ولا تَتْرُكْهم عنه فيهجروه، ثم روِّهم من الشِّعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفَه، ولا تُخرجهم من علمٍ إلى غيره حتى يُحكموه، فإنَّ ازدحامَ الكلام في

стр. 6326

السمع مَظلمةٌ (١) للفهم. قال المصنِّف ﵀: قولُه: سراجٌ الخادم، وَهَم؛ فإنَّ المأمونَ قتله لمَّا قتل الفضلَ بنَ سهل، وإنَّما الواقعةُ مع حسين الخادم. قلت: لا وجهَ لهذا الانتقاد؛ فإنَّ الفضلَ بن سهلٍ إنما قُتل في السَّنة الثانيةِ بعد المئتين، وقُتل سراجٌ بعده كما تقدَّم، وقولُ سراجٍ للشافعيِّ ﵀ ما قال واستئذانُه له كان على هارون، وهارونُ مات سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، فبين استئذانِ سراجٍ للشافعيِّ ﵀ وقتلِه سنونَ كثيرة (٢). [ذِكرُ ما نُسب إليه من الشِّعر: ذكر الحافظُ ابن عساكرٍ في تاريخه (٣) عن] الربيع بنِ سليمانَ قال (٤): خرجنا مع الشافعيِّ من مكةَ نريد مِنى، فلم ينزل واديًا ولم يصعد شِعبًا إلَّا وسمعتُه يقول: [من الكامل] يا راكبًا قفْ بالمحصَّب من مِنًى … واهتِفْ بقاعدِ خَيفها والناهضِ سَحَرًا إذا سار الحجيجُ إلى مِنًى … فيضًا كملتطِم الفراتِ الفائض إنْ كان رفضًا حبُّ آلِ محمَّدٍ … فلْيشهد الثَّقَلانِ أنِّي رافضي وقال المُزَني: كان الشافعيُّ يتشيَّع (٥). وقال المزني: كان للشافعيِّ صديقٌ بمصرَ يتولَّى مكانًا يقال له: السِّيبَين (٦)، واسمُ الرجل حصين، فطلب من الشافعيِّ رجل شفاعةً إليه، فكتب الشافعيُّ إليه: [من الكامل]

стр. 6327

اِذهبْ فإنَّك من وِدادي طالقٌ … منِّي وليس طلاقَ ذاتِ البَينِ فإن ارعويتَ فإنَّها تطليقةٌ … وتُقيم وُدَّك لي على ثِنتين وإذا أبيتَ شفَعْتُها بمثالها … فيكون تطليقَينِ (١) في حيضَين (٢) وإذا الثلاثُ أتتكَ منِّي بتَّةً … لم تُغنِ عنك شفاعةُ الثَّقلَين (٣) وله: [من المتقارب] إذا (٤) المشكلاتُ تصدَّينَ لي … كشفتُ حقائقَها بالنَّظرْ ولست بإمَّعةٍ في الرِّجال … أُسائل هذا وذا ما الخبر ولكنَّني مِدْرَهُ الأصغرَين (٥) … أَقيس بما قد مضى ما غبر (٦) [قال: وقال الثعلبيُّ في تفسيره عن] المزنيِّ قال (٧): سمعته رحمةُ اللهِ عليه ينشد: [من المتقارب] فما شئتَ كان وإن لم أشأ … وما شئتُ إنْ لم تشأْ لم يكنْ خلقتَ العبادَ على ما أردتَ … ففي العلم يجري الفتى والمُسِنّ على ذا مننتَ وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ وذا لم تُعِن فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيدٌّ … ومنهم قبيحٌّ ومنهم حَسَن وأنبأنا غيرُ واحدٍ عن محمد بنِ أبي منصورٍ قال: قرأتُ في كتاب طاهرِ بن محمدٍ النيسابوريِّ للشافعيّ بخطِّه (٨): [من الكامل] إنَّ امرأ وجد اليسارَ ولم ينلْ … حمدًا ولا شكرًا لَغيرُ موفَّقِ

стр. 6328

الجِدُّ يدني كلَّ شيءٍ شاسعٍ … والحظُّ (١) يفتح كلَّ باب مُغْلَق وأحقُّ خَلقِ الله بالهمِّ امرؤٌ … ذو هِمَّة ببلاءِ عيشٍ ضيِّق وإذا سمعتَ بأنَّ مجدودًا أتى … عودًا فأَورقَ في يديه فصدِّق وإذا سمعتَ بأنَّ محرومًا أتى … ماءً ليشربَه فغاض فحقِّق ومن الدليل على القضاءِ وكونه … بؤسُ اللبيبِ وطيبُ عيشِ الأحمق وممَّا يُعزَى إلى الشافعيّ: يقولون لي فيك انقباضٌ وإنَّما … رأوا رجلًا عن موقف الذُّلِّ أحجما وليست له، وإنَّما هي للقاضي الجُرجاني (٢) [وسنذكرها في سنة اثنتين وتسعين وثلاثِ مئة. وروى الخطيبُ عن] أبي سعيدٍ المكِّيِّ (٣) قال (٤): سمعتُ الشافعيَّ يُنشد: [من الطويل] رأيتُ مُنى نفسي تتوق إلى مِصر … ومِن دونها عَرْضُ المهامهِ والقَفرِ ووالله ما أدري أَلِلعزِّ والغنى … أُقاد إليها أم أُقاد إلى قبري وقال يونُس بنُ عبد الأعلى: كان الشافعيُّ يتمثَّل دائمًا بقول ابنِ حازم: [من الوافر] إذا أصبحتُ عندي قوتُ يومٍ … فخلِّ الهمَّ عنِّي يا سعيدُ ولم تخطُرْ همومُ غدٍ ببالي … لأنَّ غدًا له رزقٌ جديد أُسلِّم أَنْ أراد اللهُ أمرًا … وأترك ما أُريد لما يريد (٥) وكان يقول: قد أَنِستُ بالفقر حتى ما أستوحشُ منه، وأَنشد: [من البسيط]

стр. 6329

يا لهفَ نفسي على مالٍ أُفرِّقه … على المقلِّين من أهل المروءاتِ إنَّ اعتذاري إلى مَن جاء يسألني … ما ليس عندي لَمِن إحدى المصيبات (١) [ذِكر قصَّته مع الشيخ التَّيمي: حكى الحافظ ابنُ عساكرٍ في تاريخه (٢) عن] الربيع بنِ سليمان، عن الشافعيِّ قال (٣): ذهبتُ إلى صنعاءِ اليمن لأسمعَ على عبد الرزاق، فمررتُ بباب دار، وإذا بشيخٍ كبير جالسٍ على الباب يدقُّ خبزًا يابسًا في هاوَن (٤)، فقلت له: ما تصنع؟ قال: أدقُّ قُوتًا لزوجتي، فقلت: إنَّ حقَّها عليك لَواجب، فقال: إي وأبيك، أَقِم عندي ترَ العجب. قال: وإذا بخمسة مشايخَ بيضِ الرؤوس واللِّحى في صورةٍ واحدة، كأنَّما مسح على رؤوسهم بيدٍ واحدة، وقد أقبلوا فقبَّلوا رأسَ الشيخ وسلَّموا عليه، فقال: اُدخلوا فسلِّموا على أمِّكم، فدخلوا الدار، فقلت: هؤلاء أَولادُك منها؟ قال: نعم، فقلت: بارك اللهُ لك، فلقد رأيتَ قرَّة عين، ثم نهضتُ لأقوم، فقال: أَقم ترَ العجب، فلم يكن بأسرعَ من أن أقبل خمسةُ كهولٍ على صورةٍ واحدة [كأنَّما مسح على رؤوسهم بيدٍ واحدة] (٥) فسلَّموا عليه وقبَّلوا رأسَّه، فقال: اُدخلوا فسلِّموا على أمِّكم، فدخلوا، ثم أقبل خمسةُ رجالٍ سودُ الرؤوس واللِّحى، ففعلوا كذلك، ثم أقبل خمسةٌ مُرْدٌ خُضرُ الشوارب، ففعلوا كذلك، ثم أقبل خمسة صغارٌ على صدورهم المِداد، ففعلوا كذلك. قال [الربيع بنُ سليمان:] (٦) فهؤلاء خمسةٌ وعشرون ذَكَرًا، ولولا أن الشافعيَّ أخبرنا بهذا ما قبلناه [وصدقناه]. وفي [غير] رواية [ابنِ عساكر] أنَّ الشيخَ أرى الشافعيَّ خمسة في المهود [فصاروا

стр. 6330

ثلاثين ذَكَرًا [وقال [الشافعي،: وَلَدت كلَّ خمسةٍ في بطنٍ واحد. قال المصنِّف ﵀: [وبهذه الواقعةِ أخذ الشافعيُّ] في مسألة الحمل، وهو إذا مات رجلٌ وامرأتُه [حامل] يوقَف أمرُ الحاملِ حتى تضع؛ فإنَّه يجوز أن تلدَ أكثرَ من أربعة (١). [واختلفت الفقهاءُ في المسألة: فقال أبو حنيفةَ: ومَن مات وترك حملًا وُقف مالُه حتى تضعَ امرأتُه، على رواية القُدُوري (٢). وروى ابنُ المبارك عن أبي حنيفةَ أنَّه يوقَف للحمل ميراثُ أربعِ بنين؛ لأنه يُتصوَّر، ولأنَّ أربعةً في بطن واحدٍ يُوقِف نصيبَ أربعة، وبه قال ابنُ المبارك وشريكُ بن عبد اللهِ النَّخَعي (٣) ومالك، وقال شريك: رأيتُ بالكوفة امرأةً وَلَدت أربعةً في بطن واحد. وروى هشامٌ عن أبي يوسفَ ومحمدٍ أنَّه يوقف للحمل ميراثُ اثنين؛ لأنَّه هو المعتادُ غالبًا. وذكر الخصَّاف عن أبي يوسفَ أنَّه يوقَف ميراثُ واحد، قال: وعليه الفتوى؛ لأنَّه المعتادُ، إلَّا أنه يؤخذ من الورثة ضمين؛ لأنَّها ربَّما تلد أكثرَ من ذلك. وذكر العالِمُ في "المختلف" (٤) هذه المسألة، فذكر أنَّه يوقف ميراثُ أربعِ بنينَ عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسفَ ميراثُ واحد، وعند محمد بنِ الحسن نصيبُ اثنين، وهذا كلُّه إذا طلب الورثةُ القسمة، فإن لم يطلبوه، فيجب التوقُّف حتى تضعَ الحمل؛ لتقعَ القِسمةُ على اليقين، فلو مات الرجلُ وترك امرأةً حاملًا وابنًا، فعلى رواية ابن المبارك عند أبي حنيفةَ يُدفع إلى الابن خُمسُ المال، ويُجعل كأنَّ الحملَ أربعُ بنين [وعلى رواية هشام] (٥) يُدفع إلى الابن ثُلثُ المال، ويُجعل كأنَّ الحملَ اثنان، وعلى رواية الخصَّاف يُدفع للابن نصفُ [المال]، ويُجعل كأنَّ الحمل ابن واحد. وتمامُه في الفرائض.

стр. 6331

خروجه إلى مصرَ المرَّة الثانية: قد ذكرنا أنَّه قدم بغدادَ وخرج عنها إلى مصرَ واليمن، ثم قدم بغدادَ ثم خرج. وقال الحافظ ابنُ عساكر: سببُ خروجه إلى مصرَ ما رواه الحافظُ عبد الرحمن بنُ أبي حاتمٍ عن الشافعيِّ قال: كنت مع محمد بنِ الحسن بالرقَّة، فمرضتُ، فعادني [العوّاد] فلمَّا انتبهت (١) أخذتُ كتابًا لمالك بنِ أنس، فنظرتُ في صلاة الكسوف، ثم خرجتُ إلى المسجد وإذا بمحمد بنِ الحسن جالس، فجلست إليه، وكان محمدٌ حديدًا قَلِقًا فقلت: جئتك لأُناظرَك في صلاة الكسوف، فقال له: قد عرفتَ قولَنا فيه، فقلت له: على ألا تقلقَ ولا تحتدَّ، واجتمع الناسُ علينا، فقلت: هذا هشامُ بن عروةَ عن أبيه عن عائشة، وزيدُ بن أسلمَ عن عطاء بنِ يسارٍ عن ابن عباس، فقال: هل زدتَني على أن جئتني بصبيٍّ وامرأة، فقلت: لو غيرُكْ قال هذا، فقصت مغضَبًا وقلت لغلامي: اشدُدْ رواحلَك، وأجعل الليلَ لنا جَمَلًا. قال: وخرجتُ إلى مصر. قلت: كذا حكى ابنُ عساكر، ولم يبيِّن معنى الكلام، وأما حكايتُه عن محمد: جئتَني بصبيٍّ وامرأة، فمن تحريف الرُّواة، لأنَّ محمدًا ﵀ كان يعظِّم الصحابة، خصوصًا عائشةَ ﵂. وقال ابنُ عساكر: وهذه الروايةُ تدل على أن الشافعيَّ دخل مصرَ مرَّتين: مرةً من الشام، ومرةً من اليمن ومكَّة] (٢). ذِكر مصنَّفاته: ومصنَّفاته كثيرة، منها: الأُمّ، وكتابُه في الفروع، رواه عنه الزَّعفراني في نيِّف وعشرين جزءًا. وقال [أبو محمد الحسنُ بن إبراهيم] ابنِ زُولاق المصريُّ: صنَّف [الشافعيُّ] (٣) بمصرَ نحوًا من مئتي جزء، ومنها الأمالي الكبيرُ ثلاثون جزءًا، والأمالي الصغيرُ أثنا عشرَ جزءًا، وكتاب السُّنن ثلاثون جزءًا، وغيرُ ذلك. ذكر مرضه ووفاتِه ﵁: [حكى أبو نُعيم عن] الرَّبيع بنِ سليمان قال (٤): كان بالشافعي عِلَّةُ البواسير، ولا

стр. 6332

يبرح الطَّست تحته، وفيه لِبْدة محشوَّة، وما لقي أحدٌ من السُّقم ما لقي. [وقال أبو نُعيم: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم (١) قال: سمعت محمدَ بن عبدِ الرحيم يحكي عن] المُزَني قال (٢): دخلتُ على الشافعيِّ في عِلَّته التي مات فيها، فقلت له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحتُ من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنيَّة [ذائقًا أو] شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، وعلى اللهِ واردًا، فلا أدري رُوحي تصير إلى الجنَّة فأهنِّيها، أم إلى النَّار فأعزِّيها، ثم بكى وقال: [من الطويل] ولمَّا قسا قلبي وضاقَتْ مذاهبي … جعلتُ رجائي نحو عفوك سُلَّما تعاظَمَني ذنبي فلمَّا قرنتُه … بعفوك ربِّي كان عفوُك أعظما وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذَّنْب لم تزل … تجود وتعفو مِنَّةً وتكرُّما [وقد تقدَّمت الأبياتُ في ترجمة أبي نُواس] (٣). وقال البخاريّ: توفِّي الشافعيُّ ليلةَ الجمعةِ أو ليلةَ الخميس بمصرَ في آخر يومٍ من رجبٍ سنةَ أربعٍ ومئتين (٤). قال الربيع: لمَّا دفنَّاه رأينا هلال شعبان. وعاش أربعًا وخمسين سنة. أسند عن إبراهيمَ بن سعد، ومالكِ بن أنس، وعليه تفقَّه، وأقوالُه القديمة مذهبُ مالك، وأَسند عن سفيانَ بنِ عُيينة [وعبدِ العزيز بن محمد الدَّراورديِّ، وعبدِ العزيز المكِّي، ومسلم بن خالد الزَّنجي، وعمِّه محمدِ بن علي بن شافع، وإسماعيلِ بن عُلَيَّة] وخلقٍ كثير. وروى عنه الإمامُ أحمد بنُ حنبل، وأبو ثور -و [اسمُه] (٥) إبراهيم بنُ خالد- و [الحسنُ بن محمدٍ الزعفراني، وأبو عُبيد] القاسمُ بن سلَّام [والحسين بنُ عليٍّ

стр. 6333

الكرابيسي، وأبو إبراهيمَ إسماعيلُ بن يحيى المُزَني، والرَّبيع بنُ سليمانَ الجِيزي (١)، وأبو يعقوبَ يوسفُ بن يحيى البُوَيطي، وإبراهيمُ بن المنذر الحِزامي، ويونُسُ بن عبدِ الأعلى، وعبد الله بن الزبير الحُمَيدي] في آخَرين. [قلت:] ولم يُخرج عنه البخاريُّ ولا مسلم، ولا أبو داودَ ولا التِّرمذي ولا أربابُ السُّنن المشهورة، ولعلهم وقع لهم أعلى روايةً منه (٢). و [روى الخطيبُ عن الشافعيِّ أنه] (٣) قال: إذا رويتُ لكم حديثًا صحيحًا عن رسول اللهِ ﷺ ولم آخذْ به، فاعلموا أنَّ عقلي قد زال، ومتى قلتُ قولًا وخالفه حديث رسول الله ﷺ ، فأنا أوَّلُ راجعٍ إلى الحديث، واضربوا بقولي عُرضَ الحائط. [قلت: وقد أخذ جماعة من أصحابه بقوله في هذا المعنى، منهم الماورديُّ صاحب "الحاوي"، وغيرُه]. ذِكر ثناءِ العلماءِ عليه: [حكى أبو نُعيمٍ (٤) عن] إسحاقَ بنِ راهُويَه قال (٥): كنت مع أحمدَ بنِ حنبل بمكَّة، فقال لي: تعال أُريك رجلًا لم ترَ عيناك مثلَه، فأراني الشافعيّ. [وقال عبدُ الله بن أحمدَ بنِ حنبل: قال لي أبي: ستَّةٌ أدعو لهم عند السَّحَر -أو في السَّحر- منهم الشافعي. وحكى الخطيب (٦) عن] عبدِ الله بنِ الإمام أحمدَ رحمهما الله قال (٧): قلت لأبي: يا أَبَة، أيَّ رجل كان الشافعي؟ فقال: كالشَّمس للدنيا والعافيةِ للناس، فانظر هل لأحدٍ من هذين خَلَفٌ أَو عِوَض. وقال [عبد الله بن أحمد]: قال أبي: إنِّي لأَدعو للشافعيِّ في

стр. 6334

السَّحَر منذ أربعين سنة. وحكى البيهقيُّ عن عبد اللهِ بن أحمدَ [عن أبيه] (١) قال: قال لي الشافعيّ: يا أبا عبدِ الله، أنتم أعلمُ بالأخبار منَّا، فإذا كان خبرٌ صحيح، فأخبِرني به حتى أذهبَ إليه. قال البيهقيّ: إنَّما أراد الشافعيُّ أحاديثَ أهلِ العراق، أما أحاديثُ أهلِ الحجاز، فالشافعيُّ أعرفُ بها من غيره؛ لأنَّها بلدُه ومنشؤه. [وقال عبدُ الله بن أحمدَ بنِ حنبل: قال أبي:] (٢) قد روى أبو هريرةَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "يبعث اللهُ لهذه الأمَّةِ على رأس كلِّ مئةِ سنةٍ مَن يجدِّد لها دينَها" (٣). قال أحمد: فنظرنا في رأس المئةِ الأول، فإذا هو عمرُ بن عبدِ العزيز، ونظرنا في الثانية فإذا هو الشافعيّ. [وروى الخطيبُ بإسناده عن] الرَّبيع قال (٤): كنَّا جلوسًا في حَلْقة الشافعيِّ بعد موته بيسير، فوقف علينا أَعرابيّ، فسلَّم علينا وقال: أين قمرُ هذه الحلقةِ وشمسُها؟ قلنا: توفِّي. فبكى بكاءً شديدًا وقال: ﵀ وغفر له، فلقد كان يفتح ببيانه مُغْلَقَ الحجَّة، ويسدُّ على خصمه واضحَ المحجَّة، ويغسل من العارِ وجوهًا مسودَّة، ويوسع بالرأي أبوابًا منسدَّة. ثم انصرف. [وذكر الخطيبُ (٥) عن] الرَّبيع بنِ سليمانَ قال (٦): رأيتُ الشافعيَّ بعد موتِه في المنام، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: أَجلسني على كرسيٍّ من ذهب، ونثر عليَّ اللؤلؤَ الرَّطب. وقال الخطيب (٧): كان للشافعيِّ ولدٌ اسمه محمدُ بن محمدِ الشافعي، وكُنْيته أبو عثمان، سمع أباه وسفيانَ بن عُيينة، [قال الخطيب:] وذَكَرَ لي الحسنُ بن أبي طالبٍ أنَّه ولي القضاءَ ببغداد، وليس بصحيح، وإنَّما ولي القضاءَ بالجزيرة وأعمالِها. وهو

стр. 6335

الذي قال له الإمامُ أحمد بنُ حنبل: أبوك من الستَّة الذين أدعو لهم وقتَ السَّحر. [قال:] (١) وكان الإمامُ أحمد إذا سئل عن مسألةٍ يقول لمحمد: هذا ممَّا علَّمنا أبو عبدِ الله. يعني الشافعيِّ ﵀. [قال الخطيب] ولمحمَّد بن [إدريس] (٢) الشافعيِّ ولدٌ [آخَر] اسمُه محمد أيضًا، [وهذا ذكره أبو سعيد بنُ يونسَ في "تاريخ مصرَ" وقال:] (٣) قدم مصر مع أبيه وهو صغير، فتوفِّي [بعد] (٤) سنة أربعين ومئتين. قال المصنِّف ﵀: سمعت جدِّي ﵀ يُنشد في مجالس وعظِه: [من الخفيف] مَن أراد الهُدى بقول ابنِ إدريـ … ـسَ هداهُ وأين كالشَّافعي وشفاءُ العَيِّ السؤالُ وأنَّى … بإمامٍ سواه كشَّاف عِيّ (٥) [فصل: وفي الرُّواة جماعةٌ كلُّ واحدٍ منهم اسمُه محمد بنُ إدريس، منهم: محمدُ بن إدريس بنِ إبراهيمَ الأصفهاني، وكُنْيته أبو الحسن (٦). والثاني: محمدُ بن إدريس بنِ المنذر، أبو حاتمٍ الرازي. توفّي سنةَ سبعٍ وسبعين ومئتين (٧). والثالث: محمدُ بن إدريس أبو بكرٍ الشعراني، حدَّث عن أبي نصرٍ التمَّار (٨) وغيرِه.

стр. 6336

والرابع: محمدُ بن إدريس بنِ الحجَّاج الأنطاكي، قدم دمشقَ وحدَّث بها عن المسيَّب بنِ واضح وغيرِه، وروى عنه ابنُ أبي العقب وغيرُه. والخامس: محمدُ بن إدريس الصُّوري، حدَّث عن هشام بنِ عمار، وحدَّث عنه أبو طالبٍ محمدُ بن زكريا المقدسي. والسادس: محمدُ بن إدريس، أبو بكرٍ الحافظ، سمع بدمشقَ محمدَ بن أحمد الجلَّاب، وروى عنه عبدُ الصمد بن أبي صالحٍ البخاري. انتهت ترجمةُ محمدِ بن إدريس الشافعيّ. فصل وفيها توفي] (١) محمدُ بن عُبيد ابن أبي أميةَ عبدِ الرحمن، أبو عبدِ الله الطَّنافسي الإياديُّ الكوفي. من الطبقة السابعةِ من أهل الكوفة، ولد سنةَ سبعٍ وعشرين ومئة، وكان قد نزل بغداد، ثم رجع إلى الكوفة، فمات بها في هذه السَّنة، وقيل: تأخَّرت وفاتُه إلى سنة تسعٍ ومئتين (٢). وكان ثقةً عُثمانيًّا (٣) أسند عن هشام بنِ عروةَ [ومحمدِ بن إسحاقَ والأعمش] وغيرهِم (٤).

стр. 6337

[وحكى الخطيبُ عن الدارَقُطنيِّ قال: يَعلى ومحمدٌ وعمرُ وإدريس وإبراهيم (١) بنو عُبيد كلُّهم ثقات، وأبوهم ثقة]. ومن شعره: [من مجزوء الكامل] أَقلِلْ زيارتَك الصَّديـ … ـقَ يراك كالثَّوب استجدَّهْ إنَّ الصديق يُمِلُّهُ … ألا يزال يراك عندهْ (٢) [وفيها توفي] هشامُ بن محمد ابن السائب بن بِشر بن عَمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس بن عامر بن النُّعمان بن عامر بن عبد وُدِّ بن كِنانةَ بن عوف بن عُذْرة بن زيد اللات بن رُفَيدة (٣) بن ثَور بن كَلْب [، الكلبيُّ الكوفي، صاحبُ التفسير (٤) والنَّسب والمغازي وأيامِ العرب. وقال الجوهري:] (٥) كلبٌ: حيٌّ من قُضاعة [وروى الخطيبُ عن محمد بنِ أَبي السَّري (٦)، قال [لي] هشام: حفظتُ ما لم يحفظْه أحد، ونسيتُ ما لم ينسه أحد، كان لي عمٌّ يعاتبني على حِفظ القرآن، فدخلتُ بيتًا وحلفت ألا أَخرجَ منه حتى أحفظَ القرآن، فحفظتُه في ثلاثة أيام، ونظرت يومًا في المرآة، فقبضتُ على لحيتي لآخذَ ما دون القبضةِ فأخذت ما فوقَها (٧).

стр. 6338

قال الخطيب: وكان مع فضله فيه غفلة (١). و [اختلفوا في وفاته، فقيل:] (٢) توفِّي في هذه السَّنة. وقيل: سنةَ ستٍّ ومئتين. حدَّث [هشام] عن أبيه فأَكثرَ [ومعظمُ رواياته عنه] وحدَّث أيضًا عن جماعة، وروى عنه ابنُه العباس، [وخليفةُ بن خيَّاط ومحمدُ بن سعد كاتبُ الواقديِّ وغيرُهم]. وقد تكلَّموا فيه، وقال الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه: ليس هشامُ [بن محمد الكلبي] مَن يحدَّث عنه، إنَّما هو صاحبُ سَمَر ونَسَب، وما ظننت أنَّ أحدًا يحدِّث عنه. [قلت:] قد حدَّث عنه جماعة من الأئمة [فأكثروا، وإنَّما كان الغالبَ عليه الأسماءُ والأنساب. وفي الرُّواة رجلٌ آخَرُ اسمُه هشام بن محمدِ بن أحمد، أبو محمد التَّيمُلي (٣)، كوفيٌّ أيضًا. قدم بغدادَ وتوفي بها سنةَ اثنتين وثلاثين وأربعِ مئة. تكلَّموا فيه لأنَّه روى عن عمَّار بنِ ياسرٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ حافظَي عليِّ بنِ أبي طالبٍ لَيفخرانِ على سائر الحَفَظة؛ لكونهما مع عليّ، ولم يَصْعدَا لله بعملٍ يُسخطه" (٤) فلمَّا روى هذا الحديثَ أنكروا عليه]. * * *

стр. 6339

السَّنة الخامسةُ بعد المئتين فيها ولَّى المأمونُ طاهرَ بن الحسينِ من مدينة السلامِ إلى أقصى عملِ المشرق، خُراسانَ وغيرِها، وكان إليه قبل ذلك الجزيرةُ وشُرطةُ المأمونِ وجانبا بغدادَ والسَّواد (١). وسببُ توليتِه ما حكاه بِشرٌ المَرِيسيُّ قال: حضرتُ عند المأمونِ أنا وثُمامةُ ومحمدُ بن أبي العباسِ وعليُّ بن الهيثم، فتناظروا في التشيُّع، فنصر محمدٌ الإمامِيَّة، ونصر عليٌّ الزَّيدية، وجرى الكلامُ بينهما إلى أن قال محمدٌ لعلي: يا نَبَطي، ما أنت والكلامُ في هذا! وكان المأمون متَّكئًا، فجلس وقال: الشَّتم عِيّ، والبذاءُ لؤم، وإنَّا قد أبحنا الكلام، وأظهرنا المقالات، فمَن قال الحقَّ حمدناه، ومَن جهله وقفناه، ومَن جهل الأمرَين حكمنا فيه بما يجب، فاجعلا بينكما أصولًا وفروعًا. فناظره محمدٌ فعاد إلى مقالته الأولى، قال له عليّ: واللهِ لولا جلالةُ مجلسِ أميرِ المؤمنين وما وهب اللهُ له من الرَّأفة، ولولا ما نهى عنه لأَعرقتُ جبينَك، وبحسبك من جهلك غسلُ منبر رسولِ الله ﷺ بالمدينة (٢). فقال المأمون: وما غسلُ المنبر! ألتقصيرٍ منِّي في أمرك، أو التقصيرُ من المنصور في أمر بيتِك (٣)؟ ولولا أنَّ الخليفةَ إذا وهب شيئًا استحى أن يرجعَ فيه، لَكان أقربَ شيءٍ بيني وبينك [إلى] الأرض [رأسُك] قُمْ وإياك أن تعود. فخرج ومضى إلى طاهر، وكان زوجَ أخته، فأخبره، فركب طاهرٌ إلى دار المأمون، فلمَّا دخل عليه قال: اجلس، فجلس، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، ليس لصاحب الشُّرطةِ أن يجلسَ بين يدي سيِّده، فقال له المأمون: ذاك في مجلس العامَّة، وأمَّا مجلسُ الخاصَّة فلا، وكان المأمونُ على حال، ثم بكى وتغرغرت عيناه بالدُّموع، فقال

стр. 6340

له طاهر: لم تَبكِ؟ لا أبكى اللهُ لك عينًا، واللهِ لقد دانت لك البلاد، وأَذعنَ لك العباد، وصرتَ إلى ما تحبُّ في كلِّ أمرك، فقال: أبكي لأمرٍ ذِكرُه ذُلّ، وسَتره الحزن، ولن يخلو أحدٌ من شجو، فتكلَّم بحاجةٍ إن كان لك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، محمدُ بن أبي العباسِ أخطأ، فأَقِلْه عَثْرَته وارضَ عنه، فقال: قد رضيتُ عنه وأمرتُ بصلته ورددتُه إلى مرتبته، ولو كان من أهل الأُنس لأحضرتُه. وانصرف طاهر. وكان حسينٌ الخادمُ صاحبَ شراب المأمون، فأرسل إليه طاهرٌ مئتي ألف درهم، وإلى كاتبه محمدِ بن هارونَ مئةَ ألفَ درهم، وقال: سَلِ المأمونَ لمَ بكى لمَّا دخلتُ عليه. فلما تغدَّى المأمونُ قال للحسين: اسقني، قال: لا أفعلُ حتى تُخبرَني لمَ بكيتَ لمَّا دخل طاهر، فقال له: ما لك ولهذا! قال: غممتني بذلك، فقال: واللهِ لئن خرج من رأسك لأَقتلنَّك، فقال: يا سيِّدي، ومتى أذعتُ لك سرًّا! فقال المأمون: لمَّا دخل طاهرٌ ذكرتُ ما نال أخي محمدًا من الذُّلِّ والهوان، فخنقتني العَبرة، ولن يفوتَ طاهرًا منِّي ما يكره. فأخبر حسينٌ طاهرًا، فاجتمع طاهرٌ بأحمدَ بنِ أبي خالدٍ كاتب المأمون فقال له: إنَّ المعروفَ عندي ليس بضائع، والثناءَ مني ليس برخيص، فغيِّبْني عن عينه، فقال: سأفعل. فأَصبح ابنُ أبي خالدٍ إلى المأمون فقال له: ما نمتُ البارحة، قال: ولم؟ قال: ولَّيتَ غسانَ بن عبادٍ (١) خُراسان، و [هو و] (٢) مَنْ معه أَكَلةُ رأس، وأخاف أن تخرجَ عليه خارجةٌ من التُّرك فتصطلمَه (٣) ومَن معه، قال: لمن ترى بخُراسان؟ قال: طاهر، فقال: ويحك، إنَّه واللهِ خالع، وفي رأسه غَدرة. فقال: أنا ضامنٌ له، فقال: ولِّه، فولاه، وبعث طاهر إلى ابن أبي خالدٍ بمئة ألف دينار (٤)، وسار إلى خُراسانَ من بغدادَ يومَ الجمعةِ لليلةٍ بقيت من ذي القَعدة. وغسانُ بن عباب (٥) هو ابن عمِّ الفضلِ بن سهل.
следующие страницы →