← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

والرابع: محمدُ بن إدريس بنِ الحجَّاج الأنطاكي، قدم دمشقَ وحدَّث بها عن المسيَّب بنِ واضح وغيرِه، وروى عنه ابنُ أبي العقب وغيرُه. والخامس: محمدُ بن إدريس الصُّوري، حدَّث عن هشام بنِ عمار، وحدَّث عنه أبو طالبٍ محمدُ بن زكريا المقدسي. والسادس: محمدُ بن إدريس، أبو بكرٍ الحافظ، سمع بدمشقَ محمدَ بن أحمد الجلَّاب، وروى عنه عبدُ الصمد بن أبي صالحٍ البخاري. انتهت ترجمةُ محمدِ بن إدريس الشافعيّ. فصل وفيها توفي] (١) محمدُ بن عُبيد ابن أبي أميةَ عبدِ الرحمن، أبو عبدِ الله الطَّنافسي الإياديُّ الكوفي. من الطبقة السابعةِ من أهل الكوفة، ولد سنةَ سبعٍ وعشرين ومئة، وكان قد نزل بغداد، ثم رجع إلى الكوفة، فمات بها في هذه السَّنة، وقيل: تأخَّرت وفاتُه إلى سنة تسعٍ ومئتين (٢). وكان ثقةً عُثمانيًّا (٣) أسند عن هشام بنِ عروةَ [ومحمدِ بن إسحاقَ والأعمش] وغيرهِم (٤).

стр. 6337

[وحكى الخطيبُ عن الدارَقُطنيِّ قال: يَعلى ومحمدٌ وعمرُ وإدريس وإبراهيم (١) بنو عُبيد كلُّهم ثقات، وأبوهم ثقة]. ومن شعره: [من مجزوء الكامل] أَقلِلْ زيارتَك الصَّديـ … ـقَ يراك كالثَّوب استجدَّهْ إنَّ الصديق يُمِلُّهُ … ألا يزال يراك عندهْ (٢) [وفيها توفي] هشامُ بن محمد ابن السائب بن بِشر بن عَمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس بن عامر بن النُّعمان بن عامر بن عبد وُدِّ بن كِنانةَ بن عوف بن عُذْرة بن زيد اللات بن رُفَيدة (٣) بن ثَور بن كَلْب [، الكلبيُّ الكوفي، صاحبُ التفسير (٤) والنَّسب والمغازي وأيامِ العرب. وقال الجوهري:] (٥) كلبٌ: حيٌّ من قُضاعة [وروى الخطيبُ عن محمد بنِ أَبي السَّري (٦)، قال [لي] هشام: حفظتُ ما لم يحفظْه أحد، ونسيتُ ما لم ينسه أحد، كان لي عمٌّ يعاتبني على حِفظ القرآن، فدخلتُ بيتًا وحلفت ألا أَخرجَ منه حتى أحفظَ القرآن، فحفظتُه في ثلاثة أيام، ونظرت يومًا في المرآة، فقبضتُ على لحيتي لآخذَ ما دون القبضةِ فأخذت ما فوقَها (٧).

стр. 6338

قال الخطيب: وكان مع فضله فيه غفلة (١). و [اختلفوا في وفاته، فقيل:] (٢) توفِّي في هذه السَّنة. وقيل: سنةَ ستٍّ ومئتين. حدَّث [هشام] عن أبيه فأَكثرَ [ومعظمُ رواياته عنه] وحدَّث أيضًا عن جماعة، وروى عنه ابنُه العباس، [وخليفةُ بن خيَّاط ومحمدُ بن سعد كاتبُ الواقديِّ وغيرُهم]. وقد تكلَّموا فيه، وقال الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه: ليس هشامُ [بن محمد الكلبي] مَن يحدَّث عنه، إنَّما هو صاحبُ سَمَر ونَسَب، وما ظننت أنَّ أحدًا يحدِّث عنه. [قلت:] قد حدَّث عنه جماعة من الأئمة [فأكثروا، وإنَّما كان الغالبَ عليه الأسماءُ والأنساب. وفي الرُّواة رجلٌ آخَرُ اسمُه هشام بن محمدِ بن أحمد، أبو محمد التَّيمُلي (٣)، كوفيٌّ أيضًا. قدم بغدادَ وتوفي بها سنةَ اثنتين وثلاثين وأربعِ مئة. تكلَّموا فيه لأنَّه روى عن عمَّار بنِ ياسرٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ حافظَي عليِّ بنِ أبي طالبٍ لَيفخرانِ على سائر الحَفَظة؛ لكونهما مع عليّ، ولم يَصْعدَا لله بعملٍ يُسخطه" (٤) فلمَّا روى هذا الحديثَ أنكروا عليه]. * * *

стр. 6339

السَّنة الخامسةُ بعد المئتين فيها ولَّى المأمونُ طاهرَ بن الحسينِ من مدينة السلامِ إلى أقصى عملِ المشرق، خُراسانَ وغيرِها، وكان إليه قبل ذلك الجزيرةُ وشُرطةُ المأمونِ وجانبا بغدادَ والسَّواد (١). وسببُ توليتِه ما حكاه بِشرٌ المَرِيسيُّ قال: حضرتُ عند المأمونِ أنا وثُمامةُ ومحمدُ بن أبي العباسِ وعليُّ بن الهيثم، فتناظروا في التشيُّع، فنصر محمدٌ الإمامِيَّة، ونصر عليٌّ الزَّيدية، وجرى الكلامُ بينهما إلى أن قال محمدٌ لعلي: يا نَبَطي، ما أنت والكلامُ في هذا! وكان المأمون متَّكئًا، فجلس وقال: الشَّتم عِيّ، والبذاءُ لؤم، وإنَّا قد أبحنا الكلام، وأظهرنا المقالات، فمَن قال الحقَّ حمدناه، ومَن جهله وقفناه، ومَن جهل الأمرَين حكمنا فيه بما يجب، فاجعلا بينكما أصولًا وفروعًا. فناظره محمدٌ فعاد إلى مقالته الأولى، قال له عليّ: واللهِ لولا جلالةُ مجلسِ أميرِ المؤمنين وما وهب اللهُ له من الرَّأفة، ولولا ما نهى عنه لأَعرقتُ جبينَك، وبحسبك من جهلك غسلُ منبر رسولِ الله ﷺ بالمدينة (٢). فقال المأمون: وما غسلُ المنبر! ألتقصيرٍ منِّي في أمرك، أو التقصيرُ من المنصور في أمر بيتِك (٣)؟ ولولا أنَّ الخليفةَ إذا وهب شيئًا استحى أن يرجعَ فيه، لَكان أقربَ شيءٍ بيني وبينك [إلى] الأرض [رأسُك] قُمْ وإياك أن تعود. فخرج ومضى إلى طاهر، وكان زوجَ أخته، فأخبره، فركب طاهرٌ إلى دار المأمون، فلمَّا دخل عليه قال: اجلس، فجلس، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، ليس لصاحب الشُّرطةِ أن يجلسَ بين يدي سيِّده، فقال له المأمون: ذاك في مجلس العامَّة، وأمَّا مجلسُ الخاصَّة فلا، وكان المأمونُ على حال، ثم بكى وتغرغرت عيناه بالدُّموع، فقال

стр. 6340

له طاهر: لم تَبكِ؟ لا أبكى اللهُ لك عينًا، واللهِ لقد دانت لك البلاد، وأَذعنَ لك العباد، وصرتَ إلى ما تحبُّ في كلِّ أمرك، فقال: أبكي لأمرٍ ذِكرُه ذُلّ، وسَتره الحزن، ولن يخلو أحدٌ من شجو، فتكلَّم بحاجةٍ إن كان لك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، محمدُ بن أبي العباسِ أخطأ، فأَقِلْه عَثْرَته وارضَ عنه، فقال: قد رضيتُ عنه وأمرتُ بصلته ورددتُه إلى مرتبته، ولو كان من أهل الأُنس لأحضرتُه. وانصرف طاهر. وكان حسينٌ الخادمُ صاحبَ شراب المأمون، فأرسل إليه طاهرٌ مئتي ألف درهم، وإلى كاتبه محمدِ بن هارونَ مئةَ ألفَ درهم، وقال: سَلِ المأمونَ لمَ بكى لمَّا دخلتُ عليه. فلما تغدَّى المأمونُ قال للحسين: اسقني، قال: لا أفعلُ حتى تُخبرَني لمَ بكيتَ لمَّا دخل طاهر، فقال له: ما لك ولهذا! قال: غممتني بذلك، فقال: واللهِ لئن خرج من رأسك لأَقتلنَّك، فقال: يا سيِّدي، ومتى أذعتُ لك سرًّا! فقال المأمون: لمَّا دخل طاهرٌ ذكرتُ ما نال أخي محمدًا من الذُّلِّ والهوان، فخنقتني العَبرة، ولن يفوتَ طاهرًا منِّي ما يكره. فأخبر حسينٌ طاهرًا، فاجتمع طاهرٌ بأحمدَ بنِ أبي خالدٍ كاتب المأمون فقال له: إنَّ المعروفَ عندي ليس بضائع، والثناءَ مني ليس برخيص، فغيِّبْني عن عينه، فقال: سأفعل. فأَصبح ابنُ أبي خالدٍ إلى المأمون فقال له: ما نمتُ البارحة، قال: ولم؟ قال: ولَّيتَ غسانَ بن عبادٍ (١) خُراسان، و [هو و] (٢) مَنْ معه أَكَلةُ رأس، وأخاف أن تخرجَ عليه خارجةٌ من التُّرك فتصطلمَه (٣) ومَن معه، قال: لمن ترى بخُراسان؟ قال: طاهر، فقال: ويحك، إنَّه واللهِ خالع، وفي رأسه غَدرة. فقال: أنا ضامنٌ له، فقال: ولِّه، فولاه، وبعث طاهر إلى ابن أبي خالدٍ بمئة ألف دينار (٤)، وسار إلى خُراسانَ من بغدادَ يومَ الجمعةِ لليلةٍ بقيت من ذي القَعدة. وغسانُ بن عباب (٥) هو ابن عمِّ الفضلِ بن سهل.

стр. 6341

وفيها قدم عبدُ الله بنُ طاهرٍ بغدادَ منصرفًا من الرقَّة، وكان أبوه قد استخلفه عليها لقتال نصر بن شَبَث، وكان طاهرٌ يكره قتاله لحقارته، وكان الحسنُ بن سهلٍ لمَّا قدم بغدادَ جهَّز طاهرًا لقتال نصر، فقال طاهر: حاربتُ خليفةً وسُقت الخلافةَ إلى خليفةٍ وأُومَر بمثل هذا! وإنَّما كان ينبغي أن يوجِّهَ إليه قائدًا من قوَّادي، وصارم طاهرٌ الحسنَ على هذا، فلمَّا ولي خُراسانَ قيل له: تخرج إليها وأنت مصارم الحسن؟! فقال: ما كنت لأَحُلَّ عقدةً عقدها الحسنُ لي في مصارمته. وفيها ولَّى المأمونُ عيسى [بنَ محمد] (١) بنِ أبي خالدٍ إرمينيةَ وأَذْرَبِيجانَ ومحاربةَ بابك (٢). وفيها مات داودُ بن يزيدَ عاملُ السِّند، فولَّاها المأمونُ بِشرَ بن داودَ على أن يحملَ إليه في كلِّ سنةٍ ألفَ ألفِ درهم (٣). وحجَّ بالناس عُبيد اللهِ بنُ الحسن، وهو والي الحرمين. وفيها توفِّي بشرُ بن بكرٍ الدمشقيُّ بدمياط. ولد سنةَ أربعٍ وعشرين ومئة [وكان أكثرُ مُقامه] (٤) بتنيِّس ودِمياط، وتوفِّي بدمياط مرابطًا مجاهدًا، وكان صالحًا فاضلًا. أسند عن الأوزاعيِّ وغيره، وروى عنه الشافعيُّ، وعبدُ الله بنُ وهب، وهما أقدمُ [وفاةً] (٥) منه. وكان ثقة. [فصل] وفيها توفِّي

стр. 6342

أبو سليمان الدَّاراني [واسمهُ] (١) عبدُ الرحمن [واختلفوا في اسم أبيه، والمشهورُ أنه عبدُ الرحمن] بنُ أحمدَ بنِ عطية [وقيل: عبدُ الرحمن بن عطية]، وقيل: عبدُ الرحمن بنُ عسكرٍ العَنْسي. ويقال: أصلُه من واسط، وانتقل إلى الشام فنزل دارَيَّا، قرية غربيَّ دمشقَ معروفة. وهو من الطبقة السادسة من أهل الشام، [وكان] كبيرَ الشأنِ في علوم الحقائقِ والورع، وأثنى عليه الأئمَّة [فقال أبو عبدِ الرحمن السُّلَمي:] (٢) كان له الكلامُ المتين والأحوالُ السَّنية والرِّياضاتُ والسِّياحات [وهو أستاذُ أحمدَ بن أبي الحواري. وقال الخطيب (٣): كان أبو سليمانَ أحدَ] عبادِ الله الصالحين (٤) والزُّهَّاد والمتعبِّدين، ورد بغداد، فأقام بها مدَّة، ثم عاد إلى الشام، فأقام بداريَّا حتى توفِّي بها (٥). ذِكر طَرَفٍ من أخباره [وما لقي في سياحاته: قال الخطيبُ (٦) بإسناده إلى إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ أبي حسَّان الأنماطيِّ قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي الحَوَاري قال: سمعت أبا سليمانَ يقول:] سمعتُ [أبا جعفر] المنصورَ (٧) يبكي في خُطبته يومَ الجمعة، فغضبتُ، فقلت: أقوم فأَعظه بما أعرف من فعله، فتفكَّرت أن أقومَ إلى خليفةٍ فأعظَه والناسُ جلوسٌ يرمقوني بأبصارهم فيعرضَ لي تزيُّن (٨)، فيأمرَ بي فأُقتلَ على غير تصحيح، فسكتُّ. وقال: لولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا، واللهِ ما بقائي فيها لشَقِّ الأنهار وغرسِ

стр. 6343

الأشجار. و [وروى أبو نُعيمٍ (١) عن أحمدَ بن أبي الحواريِّ قال] قال [أبو سليمان:] كنتُ في ليلةٍ باردةٍ في المحراب، فخبأت إحدى يديَّ من البود، وبقيمت الأخرى ممدودة (٢)، فغلبتني عيني، فهتف بي هاتف: قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى مكشوفةً لَوضعنا فيها ما أصاب هذه، فآليت ألا أُخبئَ يدي أبدًا. و [روى أبو نُعيمٍ (٣) أيضًا عن أحمدَ بنِ أبي الحَوَاري عن أبي سليمانَ] قال: نمتُ ليلةً عن ورِدي، فإذا بحوراءَ تنبِّهني وتقول: أتنام وأنا أُربَّى لك في الخدور منذ خمسِ مئةِ عام! [وقد رواه الإسماعيليُّ، وفيه: بينما أنا ساجدٌ وذهب بي النوم، وإذا بحوراءَ قد ركضتني وقالت: حبيبي، أترقد عيناك والمَلِكُ يقظانُ ينظر إلى المتهجِّدين! بؤسًا لعينٍ آثرتْ نومَة على مناجاةِ العزيز، قُمْ فقد دنا الفراغ، ولقي المحبُّون بعضَهم بعضًا. قال: فانتبهتُ وحلاوةُ منطِقها لَفي سمعي وقلبي (٤). وروى أبو نُعيمٍ عن] أحمدَ بنِ أبي الحواريِّ قال (٥): قام أبو سليمانَ ليلةً إلى الوضوء، فأدخل يدَه في الإناء، وبقي على حاله حتى طلع الفجر، وخشيتُ أن تفوتَني الصلاة، فقلت: [رحمك اللهُ] ما هذا! الصلاةَ رحمك الله! فاسترجع وقال: يا أحمد، أدخلتُ يدي في الإِناء، فعارضني عارضٌ من سرِّي: هَبْ أنك غسلتَ بالماء ما ظهر، فبمَ تغسل قلبَك؟ فبقيت مفكِّرًا (٦). [وحكى أبو نُعيم (٧) أيضًا عن] أحمدَ بن أبي الحواريِّ قال (٨): حججتُ مع أبي سليمان، فلمَّا أراد أن يلبِّيَ غُشي عليه، فلمَّا أفاق قلت: ما هذا؟! قال: بلغني أنَّ

стр. 6344

الرجل إذا حجَّ من غير حلِّه فقال: لبَّيك، قال له الله: لا لبَّيكَ ولا سعدَيك، هذا حجُّك مردودٌ عليك إنْ لم تردَّ ما في يديك، فما الذي يؤمنني أن يقال كذلك. فلمَّا (١) دخلنا مكَّة، قيل له: إنَّ هاهنا فتًى متعبِّدًا لا يشرب إلَّا من زمزم، فجاء إليه أبو سليمانَ وقال: يا فتى، بلغني عنك كذا وكذا! قال: نعم، قال: أرأيتَ لو غارت زمزمُ فمن أين كنت تشرب؟ فقام الفتى وقبَّل رأسَ أبي سليمانَ وقال: جزاك اللهُ خيرًا، فلقد أرشدتني، فإنِّي إنَّما كنت أعبد زمزمَ ولا أعلم. [وحكى عنه أحمدُ بن أبي الحَوَاريِّ قال:] (٢) بينا أنا في طريق بيتِ المقدس، إذا بامرأةٍ عليها جبَّةُ صوفٍ ورأسُها بين ركبتيها وهي تبكي، فسلَّمت عليها فردَّت، فقلت: ممَّ تبكين؟ قالت: وكيف لا أبكي وأنا أحبُّ لقاءه! قلت: لقاءَ مَن؟ قالت: وهل يحبُّ المحبُّ إلا لقاءَ حبيبه؟! فقلت: مَن محبوبُك؟ فصاحت صيحةً عظيمة وقالت: يا فارغَ القلب، وهل ثَمَّ محبوبٌ على الحقيقة إلا علَّامُ الغيوب! ثم بكت وقالت: إنك إذا صفَّيت قلبَك من العيوب، جال في رياض المَلَكوت، فعند ذلك تصل إلى [محبَّة] (٣) المحبوب، فقلت: فكيف يكون أهلُ المحبَّة في محبَّتهم؟ فقالت: أبدانُهم نحيلة، وألوانهم متغيِّرة، وعيونُهم هاطلة، وقلوبُهم واجفة، وأرواحهم ذائبة، وألسنتهم بذكر محبوبِهم لَهِجة (٤)، فقلت: من أين هذه الحكمةُ التي تنطقين بها؟ فقالت: إنَّ الحكمة لا تجيءُ بطول العُمر، بل بصفاء الوُدِّ وحسنِ المعاملة، ثم صاحت: آه آه، ودَخَلت بين الجبالِ وهي تقول وقد غابت عنِّي: [من الخفيف] قد كتمتُ الهوى فبُحْنَ (٥) بسرِّي … عَبَراتٌ من الجفون تسيلُ كتب الدمعُ فوق خدِّي سطورًا … كلُّ وجدٍ بمَن هويتَ قليل

стр. 6345

فاعذِروني إذا بكيتُ (١) من الوجـ … ـد فما لي إلى العزاءِ سبيل إنَّ دمعي لَشاهدٌ لي على الحـ … ـبِّ دليلٌ بأنَّ حزني طويل [وحكى عنه أحمدُ بن أبي الحواريِّ قال] (٢): دخلت جبلَ اللُّكَّام، فسمعت صوتَ حزينٍ في ظلام الليلِ يقول: يا أَمَلي ويا مؤمَّلي، ومَن برضاه تمامُ عملي، أعوذ بك من بدنٍ لا ينتصب (٣) بين يديك، ومن قلبٍ لا يشتاق إليك، ومن عينٍ لا تبكي عليك. فعلمت أنَّه كلامُ عارف، فدنوت منه، وإذا بفتًى تُشرق أنوارُه في ظلمة الليل، فسلَّمت عليه فردَّ، فقلت: إنَّ للعارفين مقامات، وإنَّ للمشتاقين علامات. فقال: ويحك يا دارانيّ! وما هي؟ قلت: كتمانُ المصائب، وصيانةُ الكرامات، فقال: أحسنتَ زدني، فقلت: لا تُرِدْ غيرَه، ولا ترجُ سواه، وإيَّاك والدنيا، واتخذ الفقرَ غنى، والبلاءَ شفاء، والتوكُّلَ عليه معاشًا، والحبيبَ عدَّة. فقال: أحسنت، ثم حُجب عنِّي (٤). [وقال أحمد: خرجتُ مع أبي سليمانَ إلى بيت المقدس، فبينما نحن بجُبِّ يوسفَ ﵇، إذا أنا بشابٍّ نحيلِ الجسم كثيرِ الهمّ، فسلَّم على أبي سليمانَ وقال: أنت المذكورُ بالمعرفة، فهل لك أن تكسبَ أجري؟ قال: اسأل، قال: ما علامةُ المريد؟ فقال: إقبالُه على ما يريد وتركُه كل خليطٍ لا يريد، قال: فصاح وغُشي عليه، فرقَّ له أبو سليمانَ وقعد عند رأسِه، فلمَّا أفاق قال له: أنا ميِّت القلب قليلُ الفهم، فارفقْ بي، قال: قل، قال: متى يعلم المريدُ أنَّه مريد؟ وفي رواية: مراد، فقال: [إذا] (٥) أنزل نفسَه منزلةَ راكبِ البحر، فهو يتوقَّع موجًا يُغرقه أو ريحًا تُعطبه. ثم غُشي عليه وفاته صلوات، فلمَّا أفاق قال له: أَعِد ما فاتك من الصَّلوات، قال: كلِّي فائت، ثم أخذ في البكاء، فقمنا وتركناه]. وقال أحمد: اشتهى أبو سليمانَ رغيفًا حارًّا بملح، فجئت به إليه، فعضَّ منه ثم

стр. 6346

قال: إلهي عجلتَ لي بشهوتي، لقد أطلتَ شِقوتي. ثم بكى بكاءً شديدًا وقال: واللهِ لا ذقتُ مِلحًا أبدًا حتى ألقاك (١). [ذِكر نُبذةٍ من كلامه: روى الخطيبُ (٢) عن أحمدَ بنِ أبي الحواريِّ قال: سمعت أبا سليمانَ يقول (٣):] مفتاحُ الدنيا الشِّبع، ومفتاحُ الآخرة الجوع، وأصلُ كل خيرٍ في الدنيا والآخرةِ الخوفُ من الله تعالى، وإنَّ اللهَ تعالى يعطي الدنيا من يحبُّ ومَن لا يحب، ولا يعطي الآخرةَ إلا مَن يحبّ. لَأَن أتركَ من عَشائي لقمةً أحبُّ إليَّ من قيام ليلة. و [حكى الخطيبُ (٤) عنه أنَّه] قال: كلُّ ما شغلك عن الله من مالِ وولدٍ وأهلٍ فهو عليك مشؤوم. و [حكى عنه أبو نُعيم (٥) أنَّه] قال: كلَّما ارتفعت منزلةُ القلبِ كانت العقوبةُ إليه أسرع. وقال [أبو سليمان]: ربما مثَّلت رأسي بين جبلَين من نارٍ وأنا أهوي فيها حتى أبلغَ قعرَها، فكيف يتهنَّأ بالعيش مَن هذه حالُه! [وحكى أبو نعيمٍ (٦) أيضًا عن أحمدَ بن أبي الحَوَاري قال لأبي سليمان: لقد غبطتُ بني إسرائيل، يبقى أحدُهم في الدنيا سنين كثيرةً يتعبَّد حتى يصيرَ مثل الشَّنِّ البالي، فقال: ظننتُ أنك جئتنا بشيء، إنَّ اللهَ لا يريد منا أن تيبسَ جلودُنا على عظامنا، وإنما يريد منا الصِّدق، قال: أحدٌ منَّا إذا صدق عشرةَ أيامٍ لله تعالى نال ما نال أولئك في سنينَ كثيرة.] وقال: الهالكُ مَن هلك في آخر سفرِه وقد قارب المنزل.

стр. 6347

[وروى أبو نُعيم (١) أنَّ رجلًا سأله فقال:] (٢) ما أقربُ ما يتقرَّب به العبدُ إلى الله تعالى؟ فبكى وقال: مِثلي يُسأل عن هذا! أقربُ ما يَتقرَّبُ به العبدُ إلى الله تعالى أن يطَّلعَ على قلبه فيرى أنَّه لا يريد من الدنيا والآخرةِ سواه. و [حكى عنه أيضًا أنَّه] (٣) قال: إذا اعتادت النفوسُ تركَ الآثام، رتعت في عالم المَلَكوت ورجعتْ بطرائف الحكمة. و [روى ابنُ أبي الدنيا أنَّه] قال: إذا كانت الدُّنيا في قلبٍ لم تزحمها الآخرة، وإذا كانت الآخرةُ في قلب زَحَمَتْها الدنيا؛ لأنَّ الدنيا لئيمة، والآخرةَ كريمة. وسئل عن الرِّضا فقال: أمَّا نحن، فقد انتهى قدمُنا إلى مكانٍ لو أمر بنا إلى النار لَمشينا إليها على رؤوسنا، فإذا قال [لنا]: لِمَ فعلتم هذا؟ [قلنا]: لأنَّه منتهى إرادتِك فينا. و [في رواية] قال: لو أسكنني النارَ لكنتُ أرضى ممَّن هو في الفِردوس الأعلى. و [حكى عنه ابنُ باكويه الشيرازيُّ أنه] قال: يوحي اللهُ إلى جبريل: اسلُبْ عبدي حلاوةَ مناجاتي، فإن تضَّرَع إليَّ فردَّها إليه، وإلَّا فلا. وقال: [وكان يقول:] وعزَّتِك لَئن طالبتني بذنوبي طالبتُك بعفوك، ولئن أسكنتَني النارَ بين أعدائك لأحدثنَّهم أنِّي أحبُّك (٤). [قال:] وقال: الصادقُ مَن تعظك رؤيتُه قبل كلامه. [قال:] وقال: ما يسرُّني أن تكونَ لي الدنيا حلالًا وأنا أُسأل عنها يومَ القيامة. [وحكى أيضًا ابن باكُويه عن] أحمدَ بنِ أبي الحواريِّ قال (٥): دخلتُ على أبي سليمانَ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: كيف لا أبكي وإذا جنَّ الليلُ ونامت العيون، وخلا كلُّ حبيب بحبيبه، وافترش أهلُ المحبَّة جباهَهم، و [نصبوا] أقدامَهم،

стр. 6348

وجرت دموعُهم (١) على خدودهم، وقطرتْ في محاريبهم، أشرف الجليلُ عليهم فيقول: يا جبريل، بعيني مَن تلذَّذ بكلامي، واستراح إلى مناجاتي، نادِ فيهم: ما هذا البكاء؟! هل رأيتم حبيبًا يعذِّب أحبابَه، أم كيف يَحسُن بي أن أعذِّبَ أقوامًا إذا جنَّهم الليلُ تملَّقوا لي! فَبِي حلفت، لَأكشفنَّ لهم عن وجهي إذا وردوا إليّ، فأَنظر إليهم وينظرون إليّ. وكان يقول: إذا ذكرتُ ذنوبي لم أحبَّ الموت، وأقول: لعلِّي أن أبقى حتى أتوب. [وهذه رواياتُ ابنِ أبي الدنيا وابنِ باكُويه وأبي نُعيم والخطيب. وقد حكى أبو عبدِ الرحمن وابنُ خميسٍ في كتاب "مناقب الأبرار" وغيرُهم جملة من كلامه، فمن ذلك أنَّه] (٢) قال: ربَّما يقع في قلبي النكتةُ من نُكَت القومِ أيامًا، فلا أقبلها إلَّا بشاهدين عَدْلَين من الكتاب والسُّنَّة. وقال: إذا غلب الرجاءُ على الخوف فسد القلب، ومَن صارع الدنيا صرعتْه، ومَن أحسن في ليله كوفئ (٣) في نهاره، ومَن أحسنَ في نهاره كوفئ في ليله، ومَن صدق في ترك شهوة، أذهبها اللهُ عن قلبه. وقال: إنَّ اللهَ يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح له وهو قائمٌ يصلِّي. وقال: الصوتُ الحسن لا يدخل القلب، ولكن يحرِّك ما فيه. وقال أحمدُ بن أبي الحَوَاري: سألت أبا سليمانَ فقلت: كيف تقوى قلوبُهم على ما يَرِد عليهم من الواردات الإلهية؟ فقال: هو أكرمُ من أن يبلِّغَهم منزلًا لا تقوى عليه قلوبُهم. وقال: الاحتلامُ عقوبةٌ من الله تعالى، ألا ترى أن أنبياءَ الله عُصموا منه؟ وقال: ليت قلبي في القلوب مثلُ ثوبي في الثِّياب. وقال: القلبُ إذا جاع وعطش صفا ورقّ، وإذا شبع قسا وعَمِي.

стр. 6349

وقال: من أحسن المعاريضِ قولُه تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] هدَّد بلطف. وقال: مَن أراد واعظًا فصيحًا، فلْينظر إلى اختلاف الليلِ والنهار. وقال: علِّموا النفوسَ الرِّضا بمجاري الأقدار، فلَنِعْمَ الوسيلةُ هو إلى درجات المعرفة. وقال: مَن أظهر الانقطاعَ إلى الله تعالى وجب عليه خلعُ ما دونه، ومَن كان الصدقُ وسيلتَه، كان الرِّضا من الله جائزتَه، ولو بكى باكٍ أو محزونٌ في أمَّة، لَرحم اللهُ تلك الأمَّةَ ببكائه. وقال: لا يأتي الوسواسُ إلا إلى كلِّ قلبٍ عامر، أرأيتَ لصًّا يأتي خربةً فينقبها! إنَّما ينقب بيتًا فيه رُزَم. وقال: يلبَس أحدُكم عباءةً قيمتُها ثلاثةُ دراهمَ وفي قلبه شهوةٌ بأربعة دراهم! أفما يستحي أن تجاوزَ شهوتُه لباسَه! ولو ستر حالَه بثوبين أبيضَين كان أسلمَ له، وإذا لم يبقَ [في] (١) قلبه شيءٌ من الشهوات، جاز أن يتدرَّعَ عباءة، فإنَّ العباءةَ عَلَمٌ من أعلام الزُّهد. [وقال أحمدُ بن أبي الحَوَاري: قال لي: كن كوكبًا، فإن لم تكن فكن قمرًا، فإن لم تكن فكن شمسًا. قال: فقلت: بيِّن لي ما تقول، فقال: قم من أوَّل الليلِ إلى آخره، فإن لم تقوَ على قيام الليل كلِّه فكن كالقمر، يطلع في بعضه ويغيبُ في بعضه، فنم بعضَ الليل وقم بعضَه، فإن لم تقدرْ على قيام بعضِ الليل فلا تعصِ اللهَ في النهار (٢). وقال: لو نُقشت المعرفةُ على بناء، لكان كلُّ مَن رآها مات من حُسنها وجمالها] (٣). وقال يومًا: الناسُ في الدنيا رجلان: رجلٌ أحبَّ اللهَ فأحبَّ الموتَ شوقًا إلى لقائه، ورجلٌ أحبَّ البقاءَ لإقامة حقِّ الله. فقام فتًى فقال: يا أبا سليمان، ورجلٌ ثالث، قال: مَن هو؟ قال: من لا يختار هذا ولا هذا بل يختار ما اختار اللهُ له، فقال: احتفظوا

стр. 6350

بالغلام (١) فإنَّه صِدِّيق. وقال: الزهَّاد بخُراسان، والفقهاءُ بالعراق، والأبدالُ بالشام. [وقال: لما كلَّم اللهُ موسى، جاءه إبليسُ فوسوس له وقال: إنَّ الذي يكلِّمك شيطان، فأوحى اللهُ إليه: يا موسى، ارفع رأسَك، فرفع رأسَه، فإذا بالسماء قد كُشطت، والعرشِ قد برز، والملائكةِ قيامٌ في الهواء. ذِكر وفاته: اختلفوا -فيما ذكر الخطيبُ- على ثلاثة أقوال (٢): أحدها في هذه السَّنة. والثاني: في سنة خمسَ عشرةَ (٣) ومئتين، وذكره السلمي وابن خَميس في "المناقب" (٤). والثالث: في سنة خمسٍ وثلاثين ومئتين (٥). ثم قال الخطيب: والقول الأوَّل أصحّ، يعني سنةَ خمس ومئتين؛ لأنَّه قول أهلِ الشام، وهم أعرفُ بهذا من غيرهم. وقال جدِّي في "المنتظم" (٦): وقد قيل: إنَّه مات في سنة خمسَ عشرةَ ومئتين، ولا يصحُّ، والأصحُّ أنه في سنة خمسٍ ومئتين (٧). ودُفن بداريا وقبرُه بها ظاهرٌ يزار. وحكى الحافظُ ابن عساكرٍ (٨) عن] أحمد بن أبي الحَوَاري قال (٩): رأيت أبا سليمانَ في المنام بعد وفاته بسنة، فقلت: يا معلِّم الخير، ما فعل اللهُ بك؟ فقال: لي سنةٌ في

стр. 6351

الحساب، قلت: ولم؟ قال: خرجتُ يومًا من دارنا أريد دمشق، فلمَّا قربت من الباب الصغير، إذا بحِملِ شِيح، فأخذت منه عودًا، فلا أدري أتخلَّلته أم رميتُه، فأنا منذ متُّ أُحاسَب عليه. أسند عن عبد الواحد بن زيد [وصالحِ بن عبد الجليل وعليّ بن الحسنِ بن أبي الربيع] وغيرِه [وجالس سفيانَ الثوريَّ بمكَّة. وروى عنه أحمدُ بن أبي الحواري، وكان خصيصًا به، وهو الَّذي دوَّن كلامه، وإسحاقُ بن عبد المؤمن الدِّمشقي، وعبدُ الرحيم (١) بن صالحٍ وحميدُ بن هاشم الدارانيَّان، وذكر الحافظ ابن عساكر (٢) جماعةً آخرين. وقال الخطيب (٣): لم يُسنِد أبو سليمانَ، إلَّا حديثًا واحدًا. وقد ذكره الخطيب، وقد أخرج له جدِّي في "الصَّفوة" (٤) أحاديث]. وكان له ولدٌ اسمه سليمان، به كان يُكنى، وكان على منهاج أبيه في الزُّهد والورع، توفِّي بعد أبيه بيسير. [فصل وفيها توفي] نُمير الكوفي المصاب [حدَّثنا غيرُ واحد عن أبي الفضل بنِ ناصرٍ بإسناده إلى العباس بنِ محمد بنِ عبد الرحمن الأشهلي: حدَّثني أبي عن] ابن نُميرٍ قال (٥): كان لي ابنُ أخت سمَّتْه أختي باسم أبي نمير، وكان من نسَّاك أهل الكوفة [قد سمع سَماعًا حسنًا وكان حسن الطهور للصلاة، يراعي الشمس للزوال] (٦) فعرض له عارضٌ فذهب عقله، فكان لا يُؤويه سقفُ بيت، إذا كان النهارُ فهو في الجَبَّانة، وإذا كان الليلُ ففي السطح قائمًا على رِجلَيه في البرد والمطرِ والريح، فنزل يومًا بُكرةً يريد المقابر، فقلت: يا نمير، ألا تنام؟! قال: لا، قلت: أي شيءٍ يمنعك [من النوم]؟ فقال: هذا البلاءُ الَّذي تراه،

стр. 6352

[قال] فقلت: [يا نمير] ألا تخاف الله؟ قال: بلى، ثم قال: أليس يقال: "أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثل" (١)؛ قلت: أنت أعلمُ منِّي. قال: وصعدت إليه ليلةً باردة وهو قائم في السطح وأمُّه تبكي وهي قائمة، فقلت: يا نمير، بقي منك شيءٌ لم تنكرْه؟ قال: نعم [قلت: وما هو؟ قال]: حبُّ الله ورسولِه. قال: وصعدت إليه ليلةً في رمضان، فقلت له: لو أفطرتَ معنا (٢)، قال: ولم؟ قال: أحبُّ أن تراك أختي تأكل معنا، فقال: نعم، فلمَّا فرغنا [من الأكل] (٣) رحمتُه [من أن يراني مولِّيًا وهو في الظُّلمة والريح فبكيتُ] (٤) فغضب فقال: إنَّ لي ربًّا. هو أرحمُ بي منك، وأعلمُ بما يصلحني، فدعْه يتصرَّف فيَّ كيف شاء، فإني لا أتَّهمه في قضائه، فقلت: لَئن كنتَ في ظلمة [الليلِ إنَّ جدَّك في ظلمة] اللَّحد، أريد أن أعزِّيه وأطيِّبَ نفسه، فقال: ما جعل روحِ رجلٍ [صالح] مثلَ روحِ رجل متلوِّث (٥)، ثم قال: أتاني البارحةَ أبي وأبوك عبدُ الله بن نمير [فأشار إلى موضعٍ كان يصلِّي فيه أبي، قال:] (٦) فقال لي: يا نمير، أما إنِّك ستأتينا يومَ الجمعة شهيدًا. قال: فأخبرت أمَّه، فقالت: واللهِ ما جرَّبت عليه كذبًا قطّ، وما قال إلَّا حقًّا، وكانت هذه المقالةُ عشيةَ الأربعاء، فجعلنا نتعجَّب ونقول: غدًا الخميس [وبعد غدٍ الجمعة، فهبْه مرض غدًا ومات بعدَ غد، فأين الشَّهادة]، فلمَّا كان ليلة الجمعة، سمعنا هدَّةً وسطَ الليل، فإذا هو قد هاج به ما كان يهيج، فبادر الدَّرجة، فزلَّت قدمُه فسقط فاندقَّت عُنقه، فحفرتُ له إلى جانب أبي ودفنته [وانكببتُ على قبر أبي وقلت: يا أبي، قد أتاك نميرٌ وجاورك] وانصرفت. فلمَّا كان من الليل نمتُ، فرأيتُ أبي في النوم قد دخل من باب البيتِ وقال [لي]: يا بُني، جزاك اللهُ خيرًا [لقد] آنستَني بنمير، إنَّه منذ أتيتمونا به إلى أن جئتُك يزوَّج بالحور العِين.

стр. 6353

السَّنة السادسةُ بعد المئتين فيها مدَّت الفراتُ ودجلة، وغرق السوادُ ومعظمُ بغداد، وفسدت الزروع، وظهر اليَرَقانُ (١) على الناس، وجاء الجراد. وفيها ولَّى المأمونُ عبدَ الله بنَ طاهر الجزيرةَ والشام ومصر، وقتال نصرِ بن شبث، وكان قد ولَّى يحيى بنَ معاذ الجزيرة، فمات في هذه السَّنةِ، واستخلف ابنَه أحمد على الجزيرة، فقال المأمونُ لعبد الله بنِ طاهر: إني منذ شهرٍ أستخير اللهَ وأرجو أن يخيرَ اللهُ لي، ورأيت الرجلَ يصف ولدَه ليُطريَه؛ لرأيه فيه، وليرفعَه، ولقد رأيتك فوق ما يصف أبوك لي فيك، وقد مات يحيى واستخلف ابنَه أحمد، وليس بشيء، وقد رأيت توليتَك الجزيرةَ والشام ومحاربةَ نصحر بنِ شبث، فقال: السمعُ والطاعة لله ولأمير المؤمنين، وأرجو أن يجعلَ اللهُ لأمير المؤمنين الخِيرةَ وللمسلمين. فعقد له لواءً وكتب عليه: يا منصور، وكان في طريقه حِبالُ القصَّارين، فأمر المأمونُ بأن تُقطعَ لأجل اللواء، وذلك في رمضانَ هذه السَّنة، وقيل: سنةَ سبعٍ ومئتين، وكان طاهرٌ لما ولي ابنه عبدُ الله ديارَ ربيعةَ كتب إليه كتابًا طويلًا يتضمَّن الوصية، فمنه - بعد الحمد لله والصلاة على رسوله ﷺ : أما بعد، فإني أُوصيك بتقوى اللهِ وطاعتِه وخشيته ومراقبته، والذِّكرِ لمعادك وما أنت صائرٌ إليه ومسؤولٌ عنه؛ فإنَّ اللهَ قد أحسن إليك، فأَوجب عليك الرأفةَ والرحمةَ لمن استرعاك من عباده، وألزمك العدلَ فيهم، والقيامَ بحقِّهم، والذَّبَّ عنهم، والكفَّ عن حريمهم، وحقنَ دمائهم، وأمنَ سبيلهم، ولْيكن أولَ ما تُلزم به نفسَك المواظبةُ على ما افترض اللهُ عليك من الصلواتِ الخمس في مواقيتها، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، والأخذُ بما أنزل اللهُ في كتابه من أمره ونهيه وحلالِه وحرامه، واتِّباعُ سنَّة رسوله، واقتفاءُ آثاره وآثارِ أصحابه من بعده، وعليك بإجلال أهلِ القرآن وحَمَلةِ العلم، وعليك بالعلم والفقه؛ فإنَّهما أحسنُ ما تزيَّن بهما المرء، وعليك بالأعمال

стр. 6354

الصالحةِ وطلبِ الآخرة؛ لتحظى بمرافقة أولياءِ الله في دار كرامته، وأَحْسِن الظنَ بالله، والْتَمِس الوسيلةَ إليه في الأمور كلِّها، وعليك بإقامة الحدودِ ومجانبةِ البدع؛ ليسلمَ لك دينُك، وإذا عاهدتَ عهدًا فعليك بالوفاء به، وإذا وعدت وعدًا في الخير فأَنجِزْه، وإذا وعدت بالشرِّ فأخِّره، واقبل الحسنةَ وتجاوز عن السيِّئة، وغمِّض عينيك عن كلِّ عيب من رعيَّتك، وأحسن لسانَك عن الكذب (١) وأَبْغض أهلَه، وأَقصِ أهلَ النميمة؛ فإنَّ أوَّل ما يُفسد أمرَك تقريبُ الكذب، وإنه رأسُ المآثم، وعليك بالحِلم والوقارِ والتردُّد في الأمور، واجتنب العجلةَ فإنَّها من الشيطان، وإياك والغضبَ والغرورَ ونحوه، وذكر ألفاظًا كثيرة. ولمَّا شاع الكتابُ طلبه المأمون، فلمَّا وقف عليه قال: ما ترك أبو الطيِّب من أمور الدِّين والدنيا والتدبيرِ والسياسة والرأي وإصلاح الملكِ والرعيَّة وتقويم الأمور إلَّا وقد ذكره وأَحكمه. ولما شخص عبدُ الله إلى الجزيرة والشام، جعل الخليفةَ ببغدادَ على الشُّرطة إسحاقَ ابن إبراهيم (٢). ولمَّا فتح عبدُ الله مصر، سوَّغه المأمونُ خراجَها سنةً، وأجاز به كلِّه، وهو ثلاثةُ آلاف دينار، وكان قد سخط على معلَّى الطائي، وكنيتُه أبو السمراء، فجاء معلَّى فأنشده في ملأٍ من الناس: [من البسيط] يا أعظمَ الناسِ عفوًا عند مقدرةٍ … وأظلمَ الناس عند الجُود بالحالِ لو يصبح النيلُ يجري ماؤه ذهبًا … لَما أشرْتَ إلى خَزْنٍ بمثقال تفكُّ باليُسر كفَّ العُسر من زَمَنٍ … إن استطال على قومٍ بإِقلال إنْ كُنْتُ منك على بالٍ مننتَ به … فإنَّ شكرك من حمدي على بال فقال: يا أبا السمراء، ما بقي من خراج مصر شيء، فأقرِضْني عشرةَ آلافِ دينار،

стр. 6355

فأقرضه إياها، فقال: خذها لك، ودفعها إليه (١). وحجَّ بالناس عُبيدُ الله (٢) بنُ الحسن وهو والي الحرمين. وفيها توفي بهيمٌ العِجلي [وكنيته] أبو بكر، الزاهدُ، العابد. [قال ابن أبي الدنيا بإسناده إلى معاذ بن زياد قال: لما اتّخذت عبَّادان سكنها قومٌ نُسَّاك، فيهم رجل يقال له: بهيم]، وكان رجلًا حزينًا يزفر الزَّفرةَ فيُسمع زفيرُه. وقال [محمد: وحدَّثني] مِخول [قال:]: جاءني بهيمٌ يومًا فقال لي: تَعْلَمُ رجلًا من إخوانك [أو جيرانك] يريد الحجَّ، ترضاه يرافقني؟ قلت: نعم. فذهبت به إلى رجلٍ من الحيِّ له صلاحٌ ودين، فجمعت بينهما، وتواطأا على المرافقة، [ثم انطلق بهيم إلى أهله] فلمَّا كان بعد [أيام]، أتاني الرجلُ فقال: يا هذا، أُحبُّ أن تزويَ عني صاحبَك وتطلبَ له رفيقًا غيري، فقلت: ويحك ولِم؟! فواللهِ ما أعلم بالكوفة له نظيرًا في حسن الخُلق والاحتمال (٣)، ولقد ركبتُ معه البحرَ فلم أرَ منه إلَّا خيرًا، فقال: قد حُدَّثتُ أنَّه طويلُ البكاء لا يكاد يفتر، فهذا ينغِّص عليَّ العيش [سفرَنَا كلَّه]، فقلت: وأنت ما تبكي أحيانًا؟ قال: بلى، ولكن بلغني عنه أمرٌ عظيم من كثرة بكائه، فقلت: اصحبْه لعلَّك تنتفع به، فقال: أَستخير الله. فلما كان اليومُ الَّذي أرادا أن يخرجا فيه، جيء بالإبل ووُطئ لهما، فجلس بهيمٌ في ظلِّ حائط، ووضع يَده تحت لحيته و [جعلت] دموعُه تسيل على خدَّيه ثم نزلت إلى الأرض، فقال صاحبي: يا مخول، قد ابتدأ صاحبُك، واللهِ ليس هذا لي برفيق، فقلت له: ارفقْ لعلَّه ذَكَر عياله وفراقه إياهم [فرقَّ]، وسَمِعَنا بهيم فقال: يا أخي، واللهِ ما هو ذاك، وإنما ذكرتُ بها الرحلةَ إلى الآخرة، وعلا صوته بالنَّحيب، [وقال: يقول لي

стр. 6356

صاحبي: والله ما هي بأول عداوتك لي وبغضك إيايّ، فقال الرجل: أنا ما لي ولبهيم، إنما كان ينبغي أن ترافق بين بهيم وبين داودَ الطائيِّ وسلَّامٍ أبي الأحوص، يبكي بعضُهم إلى بعض، حتَّى يَشتفوا أو يموتون جميعًا. فلم أزل أرفقُ به، وقلت: ويحك لعلَّها خيرُ سفرةٍ سافرتَها، [قال: وكلُّ هذا الكلام] وبهيمٌ لا يعلم بشيءٍ، ولو علم بشيءٍ لَما صاحبه، قال: فخرجا إلى الحجّ، فلمَّا عادا، أتيت إلى جاري أسلِّم عليه، فقال [لي: يا أخي] جزاك اللهُ عني خيرًا، ما ظننتُ أنَّ في الدنيا [أو في هذا الخَلْق] مثلَ أبي بكر، كان واللهِ يتفضَّل عليَّ في النفقة وهو مُعدم وأنا موسِر، ويخدمني وأنا شابٌّ قوي وهو شيخ ضعيف، ويطبخ لي وأنا مفطرٌ وهو صائم، فقلت: كيف كان أمرُك معه في الَّذي كنت تكره من طول بكائه؟ فقال: أَلِفتُ واللهِ ذلك [البكاء]، حتَّى كنت أساعده، حتَّى كان يتأذَّى الرفقةُ بنا، ثم أَلِفوا ذلك، فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكَوا معنا، ويقول بعضُهم لبعض: ما الَّذي جعل هؤلاء أَولى بالبكاء منَّا والمصيرُ واحد؟! فكانوا يبكون ونبكي. قال: وخرجت من عنده فأتيتُ بهيمًا، فسلَّمت عليه وقلت: كيف رأيت صاحبَك؟ فقال: خير صاحب، كثير الذِّكر لله تعالى، طويل التلاوة للقرآن (١)، سريع الدَّمعة، محتمل لهَفَوات الرفيق، جزاك اللهُ عنِّي خيرًا. [فصل وفيها توفِّي أبو حُذيفةَ (٢) البُخاري صاحبُ كتاب "المبتدأ" و"الفتوح" وغيرهما. واسمه إسحاقُ بن بشرِ بن محمد، مولى بني هاشم. قال الخطيب: وُلد ببلخَ واستوطن بخارى، فنُسب إليها، وتوفِّي بها في هذه السَّنة في رجب.

стр. 6357

أسند عن الثوريِّ، والأوزاعيِّ، والأعمشِ، ومالك بنِ أنس، ومقاتلِ بن سليمانَ، ومحمد بن إسحاقَ صاحب "المغازي"، وابنِ عُيينة، والفضيلِ بن عياض، وشعبة، وابن جُرَيج، وابن أبي العَروبة، وغيرهم]. الحكمُ بن هشام ابن عبد الرحمن الداخل الأُموي، والي الأندلس، وكنيتُه أبو العاص. بويع له يومَ مات أبوه هشامٌ في صفرٍ سنةَ ثمانين ومئة وعُمرُه اثنتان وعشرون سنة [وكانت وفاته في ذي الحِجَّة، فأقام واليًا سبعًا وعشرين سنة] (١) وشهرًا وأيامًا، ولقَّب نفسَه بالمُرتَضى، وأمُّه أُمُّ ولد اسمها زُخرف، وكان له يومَ مات اثنتانِ وخمسون سنة، وقيل: تسعٌ وأربعون سنة (٢)، والرجوعُ في ذلك إلى مولده. وكان شجاعًا فاتكًا [وكان قد] (٣) ربط ألفَ فرس على باب قصرِه، عليها عشرةٌ من العُرفاء، تحت يد كلِّ عَرِيفٍ مئةُ فرس، فإذا أثار عليه خارجيٌّ في طرفٍ من الأطراف عاجله قبل استحكامِ أمره، فلا يشعر حتَّى يُحيطَ به. [وذكره عليُّ بن أحمدَ بن حَزْمٍ في "تاريخ الأندلس" وقال:] (٤) كان الحَكَمُ من المجاهرين بالمعاصي، السفَّاكين للدماء، وله آثارٌ قبيحة، كان إذا بلغه عن حَدَثٍ مشهورٍ بالجمال في مملكته أرسل إليه فأخذه من بين أهلِه، وخصاه وجعله في قصره. قال: ويقال له: الرَّبَضي؛ لأنَّه أوقع بأهل الرَّبَضِ الوقعةَ المشهورة، وكانت الربض محلَّةً كبيرة متصلةً بقصره، فهدمها وقتل أهلَها وأحرق مساجدَها، وصلب من أهلها خَلْقًا كثيرًا، وكان قد بلغه أنَّهم عزموا على الإِيقاع به في قصره [لفساده] ففرَّقهم تفرُّقَ أيدي سَبَا [فسمِّي الحكم الرَّبَضي].

стр. 6358

ثم إنَّ اللهَ بعد هذه الوقعةِ امتحنه بأمراضٍ صعبة باطنةٍ وظاهرة، من البواسير ووجعِ القلب والكَبِدِ ونَتْن الأطراف، وطالت به أربعةَ أعوام، فندم على ما بدا منه، وأخذ في قراءة القرآن والذِّكر، فبعضُهم [كان] يرجو له خيرًا [وبعضُهم كان يَحكم عليه بالنار، لما فعل واستحلَّ من الفروج والدِّماء]. وكان له قاضٍ يقال له: سعيد بن بشير، كان عادلًا منصفًا، وكان الحَكَم في الميدان يومًا يلعب بالصَّوالجة، فجاءه الخبرُ أن جابرَ بن لبيدٍ يحاصر جَيَّان، فركب في [ألف فرسٍ من] الخيل التي أعدَّها [على باب قصرِه،] فلم يشعر به جابر إلَّا وقد غشيه، فهرب. والحَكَمُ له أشعار، منها: [من الطويل] وما زلتُ للعِلَّات بالسيف راقعًا (١) … وقدمًا لَأَمتُ الشِّعْب مُذْ كُنْتُ يافعا فسائلْ ثُغوري هل بها اليومَ ثَغْرةٌ … أُبادرُها مُسْتَنْضيَ السيفِ دارعا ولمَّا تَساقَينا سِجال حروبِنا (٢) … سقيتُهمُ سُمًّا من الموت ناقعا ولما مات قام بعده ولده عبد الرحمن [بن الحكم بن هشام]. محمدُ بن المُسْتَنير أبو عليٍّ البصري، ويلقَّب بقُطْرب -النَّحوي- لقَّبه سيبويه؛ سمِّي بذلك لمباكرته إياه (٣). نزل بغدادَ، وأقرأ بها العربيةَ والنحو، وكان مُوَثَّقًا فيما يرويه، وهو صاحب "المُثلَّث". يزيدُ بن هارونَ ابنِ زاذي بن ثابت، أبو خالدٍ الواسطي، مولى بني سُليم.

стр. 6359

كان عالمًا فاضلًا زاهدًا وَرِعًا عابدًا خائفًا. [وذكره ابنُ سعد (١) فيمن كان بواسطَ من الفقهاء والمحدِّثين بعد الصحابة، وقال:] وُلد سنةَ ثماني عشرةَ ومئة [وقال الخطيب: وُلد] سنةَ ستَّ عشرةَ [ومئة] (٢)، وأصلُه من بُخارى، حدَّث ببغداد، وكان يُحْزَرُ مجلسُه تسعين ألفًا. [وقال عليُّ بن المَديني: لم أرَ أحفظَ من يزيدَ بن هارون. وروى الخطيبُ (٣) عن] أحمدَ بنِ سنانَ قال (٤): ما رأيتُ عالمًا قطُّ أحسنَ صلاةً من يزيدَ بن هارون، يقوم كأنَّه أسطوانة، وكان يصلِّي بين الظُّهر والعصرِ والمغرب والعشاءِ، لا يفتُر من الصلاة ليلًا ولا نهارًا. وقال الخطيب (٥): صلَّى يزيدُ الغداةَ بوضوء العَتَمة أربعين سنة. وقال له رجل: كم جزؤكَ من الليل؟ فقال: أَوَ أنام منه شيئًا؟ لا أنام اللهُ عيني. [وروى الخطيبُ (٦) عن] الحسنِ بن عَرَفةَ [العَبْديِّ قال:] (٧) رأيتُ يزيدَ بن هارونَ بواسطَ من أحسن الناسِ عينين، ثم رأيتُه بعد ذلك وقد ذهبت عيناه، فقلت: يا أبا خالد، ما فعلتْ تلك العينان الجميلتان؟! قال: ذهب بهما بكاءُ الأسحار. وقال ابنُ المَديني: كان يزيدُ يقول: أحفظ ثلاثين ألفَ حديث. وفي رواية: خمسةً وعشرين ألفَ إسنادٍ، ولا فخر. وكان يصلِّي الضُّحى ستَّ عشرةَ ركعة. [وروى بإسناده (٨) إلى] يحيى بنِ أكثمَ قال (٩): قال لي المأمون: لولا مكانُ يزيدَ بن

стр. 6360

هارون لَأظهرتُ القولَ بخلق القرآان، فقال بعضُ جلسائه: يا أميرَ المؤمنين، ومَن يزيدُ بن هارون حتَّى يُتَّقى؟! فقال: أخاف إن يردَّ عليّ، فيختلف الناسُ وشكون فتنة، وأنا أكره الفتن. فقال له رجل: فأنا أختبر ذلك منه، قال: فافعل. فخرج إلى واسط، ودخل على يزيدَ فقال له: يا أبا خالد، إنَّ أمير المؤمنين يُقرئك السلامَ ويقول: إنِّي أريد أن أُظهرَ القولَ بخلق القرآن، فقال له: إذا اجتمع الناسُ فأَعِد قولك إن كنتَ صادقًا. فلمَّا كان من الغد واجتمع النالس، قام الرجلُ فأعاد كلامَه، فقال له يزيد: كذبتَ على أمير المؤمنين، إنَّ أميرَ المؤمنين لا يحمل الناسَ على ما لا يعرفونه وما لم يقلْ به أحد. قال: فقدم الرجلُ على المأمون فقال: يا أميرَ المؤمنين، أنت أعلم. وقصَّ عليه القِصَّة، فقال: ويحك، إنَّه تلاعب بك، ألم أقلْ لك؟ و [قال الخطيب:] (١) كان يزيدُ يقول: لعن اللهُ جَهْمًا ومَن يقول بقوله، ولعن اللهُ مَن يقول: إنَّ القرآن مخلوق. [قال:] وسأله قومٌ عن شيءٍ وهو ساكت، فأنشد: [من الوافر] تركتَ عيادتي ونَسيتَ بِرِّي … وقِدْمًا كنتَ بي بَرًّا حَفِيّا فما هذا التَّغافُلُ يا ابنَ عيسى … أظنُّك صرتَ بعدي واسِطيّا (٢) يريد المثلَ السائر: تغافل كأنَّه واسطي. و [قال الخطيب:] (٣) قدم يزيدُ بغداد، فحدَّث بها، ورجع إلى واسط فتوفِّي بها [في هذه السَّنة] وهو ابنُ ثمانٍ وثمانين سنة في غُرَّة ربيعٍ الآخر، وكان يَخْضب بالحِنَّاء. أسند عن [يحيى بنِ سعيد الأنصاري، وسليمانَ التَّيمي، وعاصمٍ الأحول، وحُمَيد الطويل، وداودَ بن أبي هند، وعبدِ الله بن عَوْن، وحسين المُعلِّم، وشعبة، والحمَّادَين، و] خلقٍ كثير.

стр. 6361

وروى عنه الإمامُ أحمد بن حنبلٍ رحمةُ الله عليه [وعليُّ بن المَديني، والحسن بن عَرَفة، والحارثُ بن أبي أسامة] (١). واتَّفقوا على صدقه ودينِه وأمانته وفضله، وكان الإمامُ أحمد يصفه ويقول: ما كان أفطنَه وأذكاه، جمع بين الدِّين والصلاةِ وحفظِ الحديث وحُسن المذهب، وكان بعدما ذهب بصرُه إذا سئل عن حديث، أمر الجاريةَ فتقرؤه من كتاب، فيتدبَّره احترازًا من الغلط. [وروى الخطيبُ (٢) عن] أيوبَ (٣) ابنِ بنت يزيدَ بن هارونَ قال (٤): كنت عند أحمدَ بن حنبل وعنده رجلان، فقال أحدُهما: يا أبا عبدَ الله، رأيت يزيدَ بن هارونَ في المنام، فقلت له: ما فعل اللهُ بك؟ قال: غفر لي وشفَّعني وعاتبني، وقال لي: يا يزيد، أتحدِّث عن حَرِيز بنِ عثمان! قال: قلت: يا ربّ، ما علمتُ إلَّا خيرًا، قال: يا يزيد، إنَّه كان يتنقص أبا الحسنِ عليَّ بن أبي طالب. وقال الآخَر: وأنا واللهِ رأيت يزيدَ بن هارونَ في المنام، فقلت له: هل أتاك مُنكر ونكير؟ قال: إي والله، وسألاني: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟ فقلت لهما: أَلِمثلي يقال هذا، وأنا أعلم الناس بهذا في دار الدُّنيا منذ ثمانين سنة (٥)!؟ فقالا: صدقت، نَمْ نَوْمَةَ العروس، ولا بأسَ عليك بعد اليوم. [وليس في الرُّواة مَن اسمُه يزيدُ بن هارون سوى رجلين: أحدُهما هذا، والثاني: يزيدُ بن هارون، أبو خالدٍ المدائني. حدَّث عن مُعاذٍ العَنْبري، وروى عنه عبدُ الله بن رَوح المدائني.] (٦) * * *

стр. 6362

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الرابع عشر [٢٠٧ - ٢٣٣ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه رضوان مامو - محمد معتز كريم الدين - فادي المغربي

стр. 6363

السَّنة السابعةُ بعد المئتين * فيها خرج عبدُ الرحمن [بن أحمدَ] (١) بن عبد الله أبنِ محمد، بن عُمرَ بن علي بن أبي طالب ﵇ ببلاد عَكَّ من اليمن [يدعو إلى الرِّضى من آل محمدٍ ﷺ . وسببُ خروجه أنَّه كان باليمن] عمَّال أساؤوا السيرةَ وظلموا، فضجَّت الرعيَّةُ منهم، فاجتمع الناسُ إلى عبد الرحمنِ فبايعوه، فبعث إليه المأمونُ دينارَ بن عبدِ الله في عسكرٍ كثيف، وكتب له أمانًا بخطِّه، فحضر دينارٌ الموسمَ وحجّ، ثم سار إلى اليمن، فبعث إلى عبد الرحمنِ بأمان المأمون، فقَبِله ووضع يدَه في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فأكرمه، ومنع المأمونُ الطالبيِّين من الدخول عليه، وأَخَذَهم بلُبس السَّواد. وفيها توفي طاهرُ بن الحسين. وفيها ولَّى المأمونُ موسى بنَ حفص طَبَرِستان [والرُّويان ودُنْباوَنْد وأعمالها] (٢). وحجَّ بالناس أبو عيسى بنُ هارونَ الوشيد. [فصل] (٣) وفيها توفي حذيفةُ بن قتادةَ المَرْعَشي (٤) ومَرْعَش موضعٌ بالشام معروف. كان من كبار مشايخِ الشام، اشتَهر بحُسن الكلام، [وروى أبو نُعيم عنه] قال: لو وجدتُ أحدًا يُبغضني في الله، لَأوجبتُ على نفسي حبَّه. و [روى أبو نعيم (٥) عنه أيضًا أنَّه] قال لعبد الله بن خُبيق: إن لم تخش أن يعذِّبَك اللهُ على أحسنِ عملك، وإلَّا فأنت هالك.

стр. 6364

قال: وقال لي حذيفة: [إنَّما هي أربعة] (١) عيناك، ولسانُك، وبطنك، وفَرْجك (٢)، فانظر إلى عينيك أن تنظرَ بهما إلى ما لا يحلُّ لك، وانظر إلى لسانك أن تتحدَّثَ به شيئًا يعلم اللهُ خلافَه، وانظر إلى بطنك أن تضعَ فيه ما لا يحلُّ لك، وانظر إلى فَرْجك أن تأتي به ما نهاك اللهُ عنه. و [في رواية: إنما هي ستَّة، وذكر قلبَه وهواه وقال:] (٣): انظر إلى قلبك أن يكون فيه غِلٌّ للمسلمين، وانظر إلى هواك لا تميلُ به إلى ما يكون سببًا لهلاكك، فإذا لم يكن فيك هذه الخِصال، وإلَّا فاجعل الرَّمادَ على رأسك، فقد شقيت. وقال: إياكم وهدايا الفجَّار والسفهاء؛ فإنكم إن قبلتموها، ظنُّوا أنكم قد رضيتم بفعلهم. و [روى ابن باكُويه الشيرازيُّ عن حذيفةَ] قال: ركبت البحر، فانكسر بنا المركب، فبقيت أنا وامرأةٌ على لوحٍ بين الأمواج (٤) سبعةَ أيام، فقالت المرأة: قد عطشت، غسل اللهَ أن يسقينا. [قال] فدعوت الله، فإذا بسلسلةٍ قد نزلت من السماءِ وفيها كوزٌ معلَّق [فشربنا] (٥) ماءً أبردَ من الثلج وأحلى من العسل، فرفعتُ رأسي انظر إلى السلسلة، فإذا برجلٍ جالس في الهواء متربِّعًا؟ قلت: مَن أنت؟ قال: من الإنس، قلت: فما الَّذي بلَّغك هذه المنزلة؟ فقال: آثرتُ مرادَ اللهِ على هواي، فأجلسني في الهواء. وقال بِشرٌ الحافي: كتب حذيفةُ إلى يوسفَ بنِ أسباط: أما بعد: فإنِّي أخاف أن تكونَ محاسنُنا أضرَّ علينا يومَ القيامة من مساوئنا. وتوفِّي حذيفةُ في هذه السَّنة، وجالس سفيانَ الثوريَّ وغيرَه، واشتغل بالعبادة عن الرواية، رحمةُ اللهِ عليه.

стр. 6365

[وفيها توفِّي زيدُ بن يحيى ابنِ عُبيد الله (١) أبو عبدِ الله الخُزاعيُّ الدمشقي. ودُفن بالباب (٢)، وكان من أرباب الفتوى بدمشقَ، توفِّي بدمشق في هذه السَّنة. أسند عن الأوزاعيِّ والليثِ بن سعدٍ ومالك بن أنسٍ وغيرهم. وروى عنه أحمدُ بن حنبلٍ وزهيرُ بن حربٍ وعبدُ الله بن عبد الرحمن الدارميُّ في آخرين. قدم بغدادَ وحدَّث بها، ثم رجع إلى دمشقَ فتوفِّي بها. وكان صدوقًا ثقة]. طاهرُ بن الحسين ابنِ مصعب بن رُزَيق بن أسعد. و [اختلفوا فيه، فقال ابنُ ماكولا:] (٣) أسعد مولى سعدِ بن أبي وقاص ﵁. و [قال ابنُ قتيبة:] طاهرٌ مولى عبد الله بن خلف الخُزاعي والدِ طلحةَ الطَّلْحات (٤). وقيل: رُزيق بن أسعدَ مولى عبدِ الله بن خلف. وهو الظاهر (٥). وأسعدُ ابنُ زاذان. وطاهر كان يُكنى أبا طلحة، فكناه المأمونُ أبا الطيِّب. ولم يكن طاهرٌ من بيت الملك، وإنَّما كان صاحبَ همَّة. [ذِكر طَرَفٍ من أخباره: قد ذكرنا أنَّ المأمونَ بعثه فقتل الأمينَ، وولَّاه الجزيرةَ والمغربَ، ثم ولَّاه خُراسان] وكان جوادًا ممدَّحًا. وقَّع يومًا بصلات، فأُحصيت فكانت ألفَ ألفٍ وسبعَ مئةِ ألف [درهم] (٦).

стр. 6366

و [روى أبو الفضلِ بنُ ناصر قال:] بينا طاهرٌ في حرَّاقته يومًا وقد عزم على الخروج منها [إلى الشطِّ] إذ عرض له [الخَلُوقيُّ] الشاعر (١) فقال: [من المتقارب] عجبتُ لحرَّاقة ابنِ الحسينِ … كيف تعوم ولا تغرقُ وبحرانِ مِن تحتها واحدٌ … وآخَرُ من فوقها مُطبِق وأَعجبُ من ذاك عِيدانُها … وقد مسَّها كيف لا تورِق فقال: أعطُوه ثلاثةَ آلافِ دينار، وقال: زِدنا حتَّى نَزيدَك، فقال: حَسْبي حسبي. [وحكى الخطيبُ (٢) أنَّ] رجلًا من خُراسانَ وقف له (٣) فأنشده: [من الكامل] أصبحتُ بين خَصاصةٍ وتجمُّلٍ … والحرُّ بينهما يموت هزيلا فامدُد إليَّ يدًا تعوَّد بطنُها … بذلَ النَّوال وظهرُها التَّقبيلا فأعطاه عشرين ألفًا. وقال أحمدُ بن يزيدَ السُّلَمي: كان طاهرٌ من رجالات خُراسان، جوادًا ممدَّحًا، كنت معه بالرقَّة وأنا أحد قوَّاده، فركب يومًا إلى ظاهر الرقَّة فتمثَّل (٤): [من الطويل] عليكم بداري فاهدموها فإنَّها … تراثُ كريمٍ لا يخاف العواقبا إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمَه … ونكَّب عن طرْق الحوادثِ جانبا ولم يستشرْ في رأيه غيرَ نفْسِه … ولم يرضَ إلَّا قائمَ السيفِ صاحبا ثم دار حول الرافقةِ (٥) وجاء فنزل في القصر، ثم نظر في رِقاعٍ فوقَّع عليها بألف ألفِ درهم وسبعِ مئة ألفِ درهم، فقال قائل: ما رأينا مثلَ هذا المجلس، لكنه سَرَف، فقال

стр. 6367

طاهر: السَّرف من الشَّرف. قال المصنِّف ﵀: والأبياتُ التي تمثَّل بها لسعد بن ناشبٍ المازني، أصاب دمًا، فهدم بلالُ بن أبي بُردةَ داره، فقال الأبيات، وهي في "الحماسة" وأوَّلها: سأغسل عني العارَ بالسيف جالبا … عليَّ قضاءَ اللهِ ما كان جالبا وأَذهَل عن داري وأجعل هدمَها … لعِرضيَ من باقي المذمَّة حاجبا ويصغر في عيني تِلادي إذا انْثَنَتْ … يميني بإدراك الَّذي كُنْتُ طالبا فإنْ تهدموا بالغدر داري فإنَّها … تراثُ كريمٍ لا يخاف العواقبا أخو غَمَراتٍ لا يريد على الَّذي … يهُمُّ به من مُفظِع الأمرِ صاحبا إذا همَّ لم تُردَعْ عزيمةُ همِّه … ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا فيا لَرِزامٍ (١) رشِّحوا بي مقدّمًا … إلى الموت خوَّاضًا إليه الكتائبا إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمَه … ولم يستشرْ في رأيه غيرَ صاحبا (٢) وقال أحمدُ بن يزيد: كتب إلى طاهرٍ رجلٌ سفيهٌ برجل، فكتب على قصَّته: ﴿قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]. وكتب طاهرٌ إلى إبراهيمَ بن المهديِّ وهو يحاصر بغداد: أما بعد: فإنَّه عزيزٌ عليَّ أن أكتبَ إلى أحدٍ من أهل بيتِ الخلافة بغير الإمرة، غيرَ أنَّني بلغني ميلُك إلى المخلوع الغادرِ الناكث، فإنْ كان كما بلغني، فكثيرٌ ما كتبت به إليك، وإن كان غيرَ ذلك، فالسلامُ عليك ورحمةُ الله وبركاتُه أيها الأمير. وقال القاضي التَّنوخي (٣): لمَّا خرج طاهرٌ إلى محاربة عليِّ بن عيسى بنِ ماهان، ترك في كُمِّه دراهم ليفرقها في الفقراء والمساكين، ثم ركب وأسبل كُمَّه ناسيًا، فوقعت الدراهم وتبدَّدت، فتطيَّر واغتمَّ، وكان عنده شاعر، فأنشده: [من الكامل] هذا تفرُّق جمعِهم لا غيرهُ … وذهابُها منه ذهاب الهمِّ

стр. 6368

شيءٌ يكون الهمُّ بعضَ حروفه (١) … لا خير في إمساكه في الكُمِّ فأمر له بثلاثين ألفَ درهم. ذِكر تنكُّره على المأمون ووفاتِه: وقد ذكرنا سببَ ذلك وإفضاءَه إلى العصيان من غير مجاهرة، وخاف المأمونُ أن يجاهرهَ فينفتقَ عليه من خُراسان فتق عظيم، وربَّما أقام طاهر من آل أبي طاهبر من يولِّيه الأمر، فشرع في ملاطفته [فحكى الخطيبُ عن كُلثوم بن ثابتٍ قال: لمَّا انقبض طاهرٌ عن المأمون واحترز منه] (٢) أهدى له [المأمونُ] وَصِيفًا أديبًا عالمًا بفنون العلم، وبعث معه بالهدايا وأعطاه سمَّ ساعة، وأمره أن يسمَّه [وضمن له الأموال والرِّئاسة والتَّقدمة] فلمَّا وصل إلى طاهر، قبل الهديةَ وأنزل الوصيفَ في دار، وأجرى عليه ما يحتاج إليه، فأقام شهرًا لا يراه، فكتب الوصيفُ إليه [لما تبرَّم بالمقام:] إن كنتَ قبلتني وإلَّا فردَّني إلى مولاي، فاستدعاه طاهرٌ وقد جلس على لِبْد أبيضَ وبين يديه سيفٌ مسلول ومصحفٌ منشور وقد حلق رأسَه، ولما دخل عليه قال: قد قبلنا هديةَ أميرِ المؤمنين غيرَك، فأَخْبِره بالحال التي أنا عليها، وليس له جوابٌ عندي غير ما تراه، وجهَّزه أحسنَ جَهَاز، فلمَّا قدم على المأمون وأخبره بالخبر، جمع جلساءه وقال: ما تقولون؟ فلم يفهموا فعلَ طاهر. فقال المأمون: أما جلوسُه على اللِّبد وحلقُ رأسه، فقد أخبرنا أنَّه عبدٌ ذليل، وأما المصحف، فهو يذكِّرنا العهودَ التي بيننا وبينه، وأما السيف، فإنَّه يقول: إن وفيت بالمواثيق وإلا فالسيفُ بيننا، ثم قال: لا تذكروه بعد اليوم، فاتفق موتُ طاهر. وكان يتمثل بقول دِعْبِل: [من الكامل] أيسومني المأمونُ خُطَّةَ عاجزٍ … أَوَما رأى (٣) بالأمس رأسَ محمَّدِ إنِّي من القوم الذين همُ وهمْ … قتلوا أخاك وشرَّفوك بمَقْعدِ (٤)

стр. 6369

وقال كُلثوم بن ثابت -وكان على بريد المأمونِ بخُراسان-: لمَّا انقضت من ولاية طاهرٍ [بخُراسان] سنتان ودخلت عليه [سنة] (١) سبعٍ ومئتين، حضرتُ يومَ الجمعة، فصعد المنبرَ وخطب، فلمَّا بلغ إلى ذِكر الخليفة، أمسك عن الدعاءِ له وقال: اللهم أَصلحْ أمَّةَ محمدٍ ﷺ بما أصلحتَ به أولياءك، واكفِها مؤنةَ مَن بغى عليها، واحقِنْ دماءها، وأَصلح ذاتَ البين [فلمَّا نزل] قلت له: ما هذا! أين الدعاءُ لأمير المؤمنين؟! قال: سهوت. فلما كان في الجُمُعة الأخرى فَعَلَ ذلك، فكتبت إلى المأمون [بذلك] فلمَّا كان بعد العصرِ من ذلك اليوم، دعاني طاهرٌ وقد حدث حادثٌ في جفن عينه، فخرجتُ من عنده، فدعاني ابنُه طلحةُ فقال: هل كتبتَ إلى المأمون بما كان؟ قلت: نعم، قال: فإنَّه قد مات، خذ هذه خممس مئة ألفِ درهم واكتب إلى المأمون بوفاته [وبقيامي بأمر الجيش] فكتبت، فوردت الخريطةُ على المأمون غُدوة بخلعه، فدعا ابنَ أبي خالدٍ وصاح عليه وقال: أنت الَّذي أفلتَّه من يدي، والله لئن لم تأتني به لَأَسوءنَّ عُقباك، فخرج من يومه، ثم جاء الخبر بوفاته ليلًا، فدعا ابنَ أبي خالد وقال: مَن ترى نولِّي مكانَه؟ قال: ابنُه طلحة. ولمَّا وقف المأمونُ على وفاته قال: لليدين والفم (٢)، الحمدُ لله الَّذي قدَّمه وأخَّرنا. واختلفوا في سبب وفاتِه، فقيل: خرج في جَفنه بَثرةٌ فمات. وقيل: أصابته حمًّى شديدة فأحرقته. وقيل: وُجد ملفوفًا في دُواج (٣) ميِّتًا ورأسُه مشدود -وكذا رِجلاه- على الدُّواج. وكانت وفاته بمروَ في جُمادى الأولَى، وقيل: الآخرة. و [اختلفوا فيمن] (٤) ولَّى المأمونُ [بعده على قولين أحدهما:] ابنُه طلحة، فأقام واليًا على خُراسانَ سبعَ سنين، وكان يتولَّى حربَ بَابَك، فأقام بالدِّينَور وجهَّز إليه الجيوش، ولمَّا مات طلحة، بعث المأمونُ بيحيى بنِ أكثمَ إلى عبد الله بنِ طاهرٍ يعزِّيه على أخيه ويهنِّئه بولاية خُراسان.

стр. 6370

[والثاني:] (١) أنَّه لمَّا مات طاهر، وثب الجندُ فانْتَهَبوا بعضَ خزائنه، فقام بأمرهم سلامٌ الأبرش الخصيّ، وأعطاهم رزقَ ستَّة أشهر، فصيَّر المأمونُ عملَ طاهرٍ إلى طلحةَ خليفةً عن أخيه عبدِ الله بن طاهر، وكان عبدُ الله مقيمًا بالرقَّة، فولَّاه المأمون عملَ طاهر كلَّه، وجمع له ذلك مع الشام، وكان يحارب نصرَ بن شبث، فبعث إليه بعهده [على خُراسان] (٢) فوجَّه عبد الله أخاه طلحةَ إلى خُراسان، وبعث المأمونُ أحمدَ بن أبي خالدٍ إلى خُراسانَ للقيام بأمر طلحة، فشخص أحمدُ إلى خُراسان، فالتقاه طلحة، فقال له أحمد: غيِّب وجهَك عني؛ فإنَّ أباك عرَّضني للعطب، ولولا أميرُ المؤمنين ما خرجت إليك، ثم سار أحمدُ ومعه طلحةُ فعبروا النهر، وقرَّر أحمدُ أمورَ طلحةَ وعاد إلى العراق، فأعطاه طلحةُ ثلاثةَ آلافِ ألف درهم، وعروضًا بمئتي ألفِ (٣) درهم، وأعطى كاتبَه إبراهيمَ بن العباس خمسَ مئة ألفِ درهم، ووصل أصحابَه وخواصَّه بأموال عظيمة، وأقام طلحة واليًا على عمل طاهرٍ سبعَ سنين في أيام المأمون، ومات طلحة، فاستقلَّ عبدُ الله بن طاهرٍ بالأعمال. وذكر الحاكمُ في "تاريخ نَيسابور" أنَّ المأمونَ لما ولَّى عبدَ الله بنَ طاهر خُراسانَ وأقام بها، كتب إلى المأمون: أمَّا بعد: فقد بَعُدَت داري عن ظلِّ أميرِ المؤمنين، وقد اشتدَّ شوقي إلى حضرته؛ لأتشرَّف بخدمته وأتجمَّلَ بمجلسه وأتزيَّن بخطابه، وإن كُنْتُ في سعةٍ من العيش، لكن لا شيءَ عندي أبرُّ من قُربه، فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يأذنَ لي في ورود حضرتِه لأجدِّدَ عهدًا بالمنعِم عليَّ وأتهنَّأَ بنِعَمٍ أسداها إليّ، فَعَلَ محسنًا إن شاء اللهُ تعالى. فلمَّا قرأ المأمونُ كتابه، وقَّع فيه: قُربك يا أبا العباسِ حبيب، وأنت مني حيث كنتَ قريب، وإنما بعدت دارُك نظرًا لك، وسموًّا بك، ورغبةً فيك، فاتَّبع قولَ الشاعر (٤): [من الطويل] رأيتُ دُنوَّ الدارِ ليس بنافعٍ … إذا كان ما بين القلوبِ بعيدُ

стр. 6371

ومن شِعر طاهرٍ لمَّا تغيَّر على المأمون: [من الطويل] غضبتُ على الدنيا فجفَّت ضُروعُها … وما الناسُ إلَّا بين راجٍ وخائفِ قتلتُ (١) أميرَ المؤمنين وما أرى … بقائي كذا إلَّا لقتل الخلائف وقد بقيتْ في أُمِّ رأسي بقيَّةٌ … فإذَا لحزمٍ أو لأمرٍ مخالف ومُنِّيتُ في دهر كثيرٍ صروفُه … كأنيَ فيه من ملوك الطَّوائف وبلغ المأمونَ، فقامت قيامتُه، وقال: مَن يجيبه؟ فقال محمدُ بن يزيدَ (٢) بنِ مَسلمة: أنا، فأجابه: عتبتَ على الدنيا فلا كنتَ راضيًا … ولا أعتَبَتْ إلَّا بإحدى المتالفِ فمن أنتَ أَو ما أنت يا فَقْعَ قَرقَرٍ (٣) … إذا أنتَ منَّا لم تُعلَّقْ بكانف ستعلم ما تجني عليك وما جَنَتْ … يداك فلا (٤) تفخرْ بقتل الخلائف وقد بقيت في أُمِّ رأسِكَ فتكةٌ … سنخرجها منه بأَسمرَ راعف وبعث بها إليه، فمات قبلَ وصولها. ورثاه جماعة [قال الخطيب: أخبرني عُبيد اللهِ بن أبي الفتحِ بإسناده إلى أبي القاسمِ السَّكوني قال: أنشد جعفرُ بن الحسن (٥) لبعض المحدَثين يرثي طاهرًا] (٦): [من الخفيف] فلئن كان للمنيَّة رهنًا … إنَّ أفعاله لَرهنُ الحياةِ ولقد أوجب الزكاةَ على قومٍ … وقد كان عيشُهم بالزَّكاة وكان له من الولد طلحةُ وعبدُ الله [وسنذكرهما في تراجمهما].

стр. 6372

حدَّث [طاهر] عن عبد اللهِ (١) بن المبارك وعن عمِّه عليٍّ [بنِ مصعب]. وروى عنه ابناه طلحةُ وعبدُ الله. عمرُ (٢) بن حبيب العدويُّ، القاضي، الحنفيُّ، البصري، من بني عَديٍّ بن عبدِ مَنَاة. قدم بغداد، وولي بها قضاءَ الشرقيةِ وقضاء البصرة. [ذكر له الخطيبُ (٣) حكايةً رواها عن الأزهريِّ بإسناده إلى عمرَ بنِ حبيب] قال: حضرتُ مجلسَ الرشيد، فجرت مسألة، فتنازعها الخصومُ وارتفعت أصواتُهم، واحتجَّ بعضهم بحديثٍ رواه أبو هريرة، فردَّ بعضهم الحديثَ وقال: أبو هريرة متَّهم في روايته، وصرَّحوا بتكذيبه، ومال هارونُ إلى قولهم ونصره، فقلت أنا: الحديثُ صحيحٌ عن رسول اللهِ ﷺ ، وأبو هريرةَ صدوقٌ فيما يرويه عن رسول الله ﷺ ، فنظر إليَّ الرشيد نظرَ مغضَب، وقمت، فما بلغت بابَ المنزل إلَّا وصاحبُ البريد بالباب، فقال: أَجِب أميرَ المؤمنين إجابةَ مقتول، فقلت: اللهمَّ إنك تعلم أني دافعتُ عن نبيّك ﷺ ، وأَجللته أن يُطعنَ على صاحبه، فسلِّمنى منه. وتحنَّطت وتكفَّنت. ثم أُدخلت عليه وهو جالسٌ حاسر عن ذراعيه، وبيده السيفُ وبين يديه النِّطع، فلمَّا رآني قال: يا عمرَ بنَ حبيب، ما تلقَّاني أحدٌ من الردِّ والدفعِ مثلما لقيتَني به، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الَّذي قلتَه وجادلت عليه فيه إزراءٌ على رسول اللهِ ﷺ ، وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابُه كذَّابين، فالشريعةُ باطلة، والأحكامُ والحدود مردودة. قال: فرجع إلى نفسه وفكَّر ثم قال: أحييتَني [يا عمر بن حبيب] (٤) أحياك الله، يردِّدها ثلاثًا. وأمر لي بعشرة آلافِ درهم. وكانت وفاةُ عمرَ [في هذه السَّنة] بالبصرة. وقيل: ببغداد. أسند عن [داودَ بنِ أبي هندٍ وخالدٍ الحذَّاء و] هشامِ بن عروة [وسليمانَ التَّيمي]

стр. 6373

وغيرِهم (١). وروى عنه [محمدُ بن عُبيد الله] بنِ المنادي وغيرُه. وكان صدوقًا ثقة (٢)، حاكمًا بالعدل، لا تأخذه في الله لومةُ لائم. [وقال الخطيب:] (٣) ولَّاه هارونُ قضاءَ البصرة -وكان عليها محمدُ بن سليمان (٤) - فقال عمرُ ليحيى بن خالد: تبعثوني إلى جبَّار لا آمَنُه، يعني محمدَ بن سليمان، فبعث معه مئةَ فارس، فكان إذا جلس للقضاءِ قام خمسون عن يمينه وخمسون عن يساره [سِماطَين] (٥) فلم يكن قاضٍ أهيبَ منه، وكان لا يكلِّمه في الطريق أحدٌ، رحمةُ الله عليه. وهو الَّذي استعدى إليه رجلٌ على عبد الصمدِ (٦) بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباسِ عمِّ المنصور، فلم يحضر مجلسَ الحكم، وبلغ هارونَ الرشيد، فقال: واللهِ لا يمشي إلى مجلس الحكمِ إلَّا ماشيًا، وكان شيخًا كبيرًا، فبُسطت له اللُّبود وحضر، فحكم عليه عمرُ بن حبيب [وقد ذكرناه فيما مرّ (٧). وتكلَّموا في عمرَ بن حبيب، فقال الساجي: تركوه؛ لموضع الرأي، وكان صَدوقًا، وذكره النَّسائيُّ في "الضُّعفاء والمتروكين" (٨)]. محمدُ بن عبد الله ابن عبد الأعلى، أبو يحيى الأسَديُّ الكوفي. ويُعرف بابن كُناسة، وهو لقبُ أبيه عبدِ الله، ومحمدٌ هو ابن أختِ إبراهيمَ بن أدهمَ ﵀ (٩).

стр. 6374

كان عالمًا بالعربية والشِّعر وأيامِ الناس [وذكره الخطيب (١) فقال:] وُلد سنةَ ثلاثٍ وعشرين ومئة [وقدم بغدادَ وحدَّث بها. قال (٢):] ورآه رجلٌ يحمل بطنَ شاةٍ [بيده] فقال: أنا أحمله عنك، فقال: [من الرجز] لا ينقص الكامل من كمالهِ … ما جرَّ من نفعٍ إلى عيالهِ [روى الخطيبُ (٣) بإسناده إلى] إسحاقَ بن إبراهيمَ قال (٤): أتيتُ محمدَ بن كُناسةَ لأكتبَ عنه، فكثر عليه أصحابُ الحديث، فتضجَّر منهم وتجهَّمهم، فلمَّا انصرفوا عنه دنوتُ منه، فهشَّ إليَّ واستبشر [بي] وبسط وجهَه، فقلت له: لقد تعجَّبت من تفاوت حالتَيك، فقال: أَضجرني هؤلاء بسوء أدبهم، فلمَّا جئتَني انبسطتُ إليك، وقد حضرني في هذا المعنى بيتان، وهما: [من المنسرح] فيَّ انقباضٌ وحِشمةٌ فإذا … صادفتُ أهلَ الوفاءِ والكرمِ أرسلتُ نفسي على سجيَّتها … وقلتُ ما قلتُ غيرَ مُحْتَشِم فقلت: وددتُ أنَّ هذين البيتَين لي بنصف ما أَملك، فقال: قد وفَّر الله عليك مالك، ما سمعهما أحدٌ ولا قلتُهما إلَّا الساعة، فقلت له: فكيف لي بعلم نفسي أنَّهما ليسا لي! [قال الخطيب:] (٥) ومن شِعره [أيضًا:] [من الطويل] ضعفتُ عن الإِخوان حتَّى جفوتُهمْ … على غير زهدٍ في الإخاءِ وفي الوُدِّ ولكنَّ أيامي تخرَّمنَ قوَّتي … فما أبلغُ الحاجاتِ إلَّا على جهد [واختلفوا في وفاته، فقال الخطيب (٦): في سنة سبعٍ ومئتين هذه السَّنة] وكانت وفاتُه بالكوفة لثلاثِ ليالٍ خلونَ من شوَّال [قال: وقال ابنُ قانع: في سنة تسعٍ ومئتين].

стр. 6375

حدَّث عن هشام بنِ عروةَ [والأعمش] وغيرِهما (١). وروى عنه الإمامُ أحمدُ رحمةُ الله عليه وغيرُه، واتفقوا على صدقه وثقتِه [وأمانتِه وديانته]. محمد بن عُمر ابنِ واقد، [أبو] (٢) عبد الله الواقديُّ الأسلميُّ، مولاهم. صاحبُ المغازي والسِّير وأيامِ الناس (٣). ذكره ابنُ سعد في الطبقة السابعةِ من أهل المدينة (٤) [قال (٥): وهو مولًى لبني سهمٍ من أسلم. قال ابنُ سعد: أخبرني أنَّه] ولد [في أوَّل] سنةِ ثلاثين ومئة، وقدم بغدادَ سنةَ ثمانين، ولحقه دَين، ثم خرج إلى الشام والرقَّة، ورجع إلى بغداد، فلم يزل بها حتَّى قدم المأمونُ من خُراسان، فولَّاه القضاءَ بعسكر المهديِّ، فلم يزل بها قاضيًا حتَّى مات، وكان عالمًا بالسِّير والمغازي [والفتوحات، وصنَّف فيها الكتبَ] واختلافِ الناس في الحديث والأحكامِ والفقه، واجتماعِهم على ما اجتمعوا عليه [وقد فسَّر ذلك في كتبٍ استخرجها وحدَّث بها]. وكان جوادًا سخيًّا. [وقال الخطيب (٦) عن ابن سعد (٧): ولي الواقديُّ لعبد الله بنِ هارون أميرِ المؤمنين أربعَ سنين بعسكر المهدي.] ذِكر طَرَفٍ من أخباره: [قد اختلفت الروايةُ في أوَّل معرفته بيحيى بنِ خالد، فقال الخطيبُ (٨) بإسناده إلى
следующие страницы →