← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

ومن شِعر طاهرٍ لمَّا تغيَّر على المأمون: [من الطويل] غضبتُ على الدنيا فجفَّت ضُروعُها … وما الناسُ إلَّا بين راجٍ وخائفِ قتلتُ (١) أميرَ المؤمنين وما أرى … بقائي كذا إلَّا لقتل الخلائف وقد بقيتْ في أُمِّ رأسي بقيَّةٌ … فإذَا لحزمٍ أو لأمرٍ مخالف ومُنِّيتُ في دهر كثيرٍ صروفُه … كأنيَ فيه من ملوك الطَّوائف وبلغ المأمونَ، فقامت قيامتُه، وقال: مَن يجيبه؟ فقال محمدُ بن يزيدَ (٢) بنِ مَسلمة: أنا، فأجابه: عتبتَ على الدنيا فلا كنتَ راضيًا … ولا أعتَبَتْ إلَّا بإحدى المتالفِ فمن أنتَ أَو ما أنت يا فَقْعَ قَرقَرٍ (٣) … إذا أنتَ منَّا لم تُعلَّقْ بكانف ستعلم ما تجني عليك وما جَنَتْ … يداك فلا (٤) تفخرْ بقتل الخلائف وقد بقيت في أُمِّ رأسِكَ فتكةٌ … سنخرجها منه بأَسمرَ راعف وبعث بها إليه، فمات قبلَ وصولها. ورثاه جماعة [قال الخطيب: أخبرني عُبيد اللهِ بن أبي الفتحِ بإسناده إلى أبي القاسمِ السَّكوني قال: أنشد جعفرُ بن الحسن (٥) لبعض المحدَثين يرثي طاهرًا] (٦): [من الخفيف] فلئن كان للمنيَّة رهنًا … إنَّ أفعاله لَرهنُ الحياةِ ولقد أوجب الزكاةَ على قومٍ … وقد كان عيشُهم بالزَّكاة وكان له من الولد طلحةُ وعبدُ الله [وسنذكرهما في تراجمهما].

стр. 6372

حدَّث [طاهر] عن عبد اللهِ (١) بن المبارك وعن عمِّه عليٍّ [بنِ مصعب]. وروى عنه ابناه طلحةُ وعبدُ الله. عمرُ (٢) بن حبيب العدويُّ، القاضي، الحنفيُّ، البصري، من بني عَديٍّ بن عبدِ مَنَاة. قدم بغداد، وولي بها قضاءَ الشرقيةِ وقضاء البصرة. [ذكر له الخطيبُ (٣) حكايةً رواها عن الأزهريِّ بإسناده إلى عمرَ بنِ حبيب] قال: حضرتُ مجلسَ الرشيد، فجرت مسألة، فتنازعها الخصومُ وارتفعت أصواتُهم، واحتجَّ بعضهم بحديثٍ رواه أبو هريرة، فردَّ بعضهم الحديثَ وقال: أبو هريرة متَّهم في روايته، وصرَّحوا بتكذيبه، ومال هارونُ إلى قولهم ونصره، فقلت أنا: الحديثُ صحيحٌ عن رسول اللهِ ﷺ ، وأبو هريرةَ صدوقٌ فيما يرويه عن رسول الله ﷺ ، فنظر إليَّ الرشيد نظرَ مغضَب، وقمت، فما بلغت بابَ المنزل إلَّا وصاحبُ البريد بالباب، فقال: أَجِب أميرَ المؤمنين إجابةَ مقتول، فقلت: اللهمَّ إنك تعلم أني دافعتُ عن نبيّك ﷺ ، وأَجللته أن يُطعنَ على صاحبه، فسلِّمنى منه. وتحنَّطت وتكفَّنت. ثم أُدخلت عليه وهو جالسٌ حاسر عن ذراعيه، وبيده السيفُ وبين يديه النِّطع، فلمَّا رآني قال: يا عمرَ بنَ حبيب، ما تلقَّاني أحدٌ من الردِّ والدفعِ مثلما لقيتَني به، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الَّذي قلتَه وجادلت عليه فيه إزراءٌ على رسول اللهِ ﷺ ، وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابُه كذَّابين، فالشريعةُ باطلة، والأحكامُ والحدود مردودة. قال: فرجع إلى نفسه وفكَّر ثم قال: أحييتَني [يا عمر بن حبيب] (٤) أحياك الله، يردِّدها ثلاثًا. وأمر لي بعشرة آلافِ درهم. وكانت وفاةُ عمرَ [في هذه السَّنة] بالبصرة. وقيل: ببغداد. أسند عن [داودَ بنِ أبي هندٍ وخالدٍ الحذَّاء و] هشامِ بن عروة [وسليمانَ التَّيمي]

стр. 6373

وغيرِهم (١). وروى عنه [محمدُ بن عُبيد الله] بنِ المنادي وغيرُه. وكان صدوقًا ثقة (٢)، حاكمًا بالعدل، لا تأخذه في الله لومةُ لائم. [وقال الخطيب:] (٣) ولَّاه هارونُ قضاءَ البصرة -وكان عليها محمدُ بن سليمان (٤) - فقال عمرُ ليحيى بن خالد: تبعثوني إلى جبَّار لا آمَنُه، يعني محمدَ بن سليمان، فبعث معه مئةَ فارس، فكان إذا جلس للقضاءِ قام خمسون عن يمينه وخمسون عن يساره [سِماطَين] (٥) فلم يكن قاضٍ أهيبَ منه، وكان لا يكلِّمه في الطريق أحدٌ، رحمةُ الله عليه. وهو الَّذي استعدى إليه رجلٌ على عبد الصمدِ (٦) بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباسِ عمِّ المنصور، فلم يحضر مجلسَ الحكم، وبلغ هارونَ الرشيد، فقال: واللهِ لا يمشي إلى مجلس الحكمِ إلَّا ماشيًا، وكان شيخًا كبيرًا، فبُسطت له اللُّبود وحضر، فحكم عليه عمرُ بن حبيب [وقد ذكرناه فيما مرّ (٧). وتكلَّموا في عمرَ بن حبيب، فقال الساجي: تركوه؛ لموضع الرأي، وكان صَدوقًا، وذكره النَّسائيُّ في "الضُّعفاء والمتروكين" (٨)]. محمدُ بن عبد الله ابن عبد الأعلى، أبو يحيى الأسَديُّ الكوفي. ويُعرف بابن كُناسة، وهو لقبُ أبيه عبدِ الله، ومحمدٌ هو ابن أختِ إبراهيمَ بن أدهمَ ﵀ (٩).

стр. 6374

كان عالمًا بالعربية والشِّعر وأيامِ الناس [وذكره الخطيب (١) فقال:] وُلد سنةَ ثلاثٍ وعشرين ومئة [وقدم بغدادَ وحدَّث بها. قال (٢):] ورآه رجلٌ يحمل بطنَ شاةٍ [بيده] فقال: أنا أحمله عنك، فقال: [من الرجز] لا ينقص الكامل من كمالهِ … ما جرَّ من نفعٍ إلى عيالهِ [روى الخطيبُ (٣) بإسناده إلى] إسحاقَ بن إبراهيمَ قال (٤): أتيتُ محمدَ بن كُناسةَ لأكتبَ عنه، فكثر عليه أصحابُ الحديث، فتضجَّر منهم وتجهَّمهم، فلمَّا انصرفوا عنه دنوتُ منه، فهشَّ إليَّ واستبشر [بي] وبسط وجهَه، فقلت له: لقد تعجَّبت من تفاوت حالتَيك، فقال: أَضجرني هؤلاء بسوء أدبهم، فلمَّا جئتَني انبسطتُ إليك، وقد حضرني في هذا المعنى بيتان، وهما: [من المنسرح] فيَّ انقباضٌ وحِشمةٌ فإذا … صادفتُ أهلَ الوفاءِ والكرمِ أرسلتُ نفسي على سجيَّتها … وقلتُ ما قلتُ غيرَ مُحْتَشِم فقلت: وددتُ أنَّ هذين البيتَين لي بنصف ما أَملك، فقال: قد وفَّر الله عليك مالك، ما سمعهما أحدٌ ولا قلتُهما إلَّا الساعة، فقلت له: فكيف لي بعلم نفسي أنَّهما ليسا لي! [قال الخطيب:] (٥) ومن شِعره [أيضًا:] [من الطويل] ضعفتُ عن الإِخوان حتَّى جفوتُهمْ … على غير زهدٍ في الإخاءِ وفي الوُدِّ ولكنَّ أيامي تخرَّمنَ قوَّتي … فما أبلغُ الحاجاتِ إلَّا على جهد [واختلفوا في وفاته، فقال الخطيب (٦): في سنة سبعٍ ومئتين هذه السَّنة] وكانت وفاتُه بالكوفة لثلاثِ ليالٍ خلونَ من شوَّال [قال: وقال ابنُ قانع: في سنة تسعٍ ومئتين].

стр. 6375

حدَّث عن هشام بنِ عروةَ [والأعمش] وغيرِهما (١). وروى عنه الإمامُ أحمدُ رحمةُ الله عليه وغيرُه، واتفقوا على صدقه وثقتِه [وأمانتِه وديانته]. محمد بن عُمر ابنِ واقد، [أبو] (٢) عبد الله الواقديُّ الأسلميُّ، مولاهم. صاحبُ المغازي والسِّير وأيامِ الناس (٣). ذكره ابنُ سعد في الطبقة السابعةِ من أهل المدينة (٤) [قال (٥): وهو مولًى لبني سهمٍ من أسلم. قال ابنُ سعد: أخبرني أنَّه] ولد [في أوَّل] سنةِ ثلاثين ومئة، وقدم بغدادَ سنةَ ثمانين، ولحقه دَين، ثم خرج إلى الشام والرقَّة، ورجع إلى بغداد، فلم يزل بها حتَّى قدم المأمونُ من خُراسان، فولَّاه القضاءَ بعسكر المهديِّ، فلم يزل بها قاضيًا حتَّى مات، وكان عالمًا بالسِّير والمغازي [والفتوحات، وصنَّف فيها الكتبَ] واختلافِ الناس في الحديث والأحكامِ والفقه، واجتماعِهم على ما اجتمعوا عليه [وقد فسَّر ذلك في كتبٍ استخرجها وحدَّث بها]. وكان جوادًا سخيًّا. [وقال الخطيب (٦) عن ابن سعد (٧): ولي الواقديُّ لعبد الله بنِ هارون أميرِ المؤمنين أربعَ سنين بعسكر المهدي.] ذِكر طَرَفٍ من أخباره: [قد اختلفت الروايةُ في أوَّل معرفته بيحيى بنِ خالد، فقال الخطيبُ (٨) بإسناده إلى

стр. 6376

يحيى بن محمدٍ العَنْبَريِّ قال:، قال [الواقدي:] كنت حنَّاطًا (١) بالمدينة وفي يدي مئةُ ألفِ درهم للناس أُضارب بها، فتَلِفت، فشخصت إلى العراق وقصدتُ يحيى بنَ خالد، فجلست في دِهليزه وأَنِست بالخدم والحجَّاب، وسألتهم أن يوصلوني إليه، فقالوا: إذا قدِّم إليه الطعامُ لم يُحجَب عنه أحد، ونحن نُدخلك إليه ذلك الوقت، فلما حضر الطعام، أَدخلوني وأَجلسوني على المائدة، فسألني: مَن أنت؟ وما قصَّتك؟ فأَخبرته بخبري. فلما رُفعت المائدة، دنوتُ منه لأقبِّلَ رأسه، فاشمأزَّ مني، وخرجتُ، فلحقني خادمٌ ومعه كيسٌ فيه ألفُ دينارٍ وقال لي: الوزير يُقرئك السلامَ ويقول لك: استعنْ بهذا على أمرك وعُدْ إلينا في غد، فأخذته وعدتُ إليه في غد، فحضرتُ على مائدته، فسألني كما سألني في اليوم الأوَّل، فأجبته. فلما رُفع الطعام، قمت لأقبِّلَ رأسه، فاشمأزَّ مني [فخرجت] (٢) ولحقني خادمٌ بكيسٍ فيه ألفُ دينار، وقال لي كما قال بالأمس، وحضرتُ في اليوم الثالثِ وأردت تقبيلَ رأسه، فاشمأزَّ مني، ولحقني الخادمُ بكيسٍ فيه ألفُ دينار، فلمَّا كان في اليوم الرابع، لحقني الخادمُ بكيسٍ فيه ألفُ دينار وتركني أقبِّلُ رأسَه، فقال: إنَّما منعتُك ذلك في أوَّل الأمر لأنَّه لم يكن وَصَلَ إليك من معروفنا ما يوجب هذا، والآن قد لحقك بعضُ النفع [مني] أَعطِه يا غلامُ الدارَ الفلانيةَ وافرُشها بالفرش الفلاني [يا غلام] أَعطِه مئتَي ألفِ درهم، يقضي دَينَه بمئة ألف ويُصلح شأنَه بمئة ألف، ثم قال: الزمني وكن في داري، فقلت: أعزَّ اللهُ الوزير، لو أذنتَ لي بالشُّخوص إلى المدينة لأقضيَ الناسَ أموالهم ثم أعودَ إلى حضرتك كان ذلك أرفقَ بي، فأذن لي وأمر بتجهيزي، فشَخَصت إلى المدينة، فقضيت دَيني ثم رجعت إليه، فلم أزل في ناحيته. [قلت: قولُ يحيى لمَّا قبَّل رأسَه: الآن قد وصلك بعضُ النفع، ليس من أخلاق الكرام؛ لما فيه من الذُّلِّ والصَّغار، وقد كان العظماءُ يمنعون من تقبيل أيديهم لئلا يكونَ ذلك مقابلة. وهذه روايةُ الخطيب.

стр. 6377

وأما ابنُ سعد، فإنَّه حكى عن الواقديِّ قال (١): حجَّ أميرُ المؤمنين هارون، فورد المدينةَ فقال ليحيى بنِ خالد: ارْتَدْ (٢) لي رجلًا عاقلًا عارفًا بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزولُ جبريلَ ﵇ على النبيِّ ﷺ ، ومن أيِّ وجهٍ كان يأتيه، وقبورِ الشهداء، فقال يحيى: فكلٌّ دلَّه عليه (٣). فبعث إليَّ فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال: يا شيخ، إنَّ أميرَ المؤمنين - أعزَّه الله - يريد أن يصلِّيَ العشاءَ الآخرةَ في المسجد، فتحضر فتمضي معنا إلى هذه المشاهدِ فتوقفنا عليها، والموضعِ الَّذي كان جبريلُ ﵇ يأتي منه إلى النبيِّ ﷺ ، وكن عنده. فلمَّا صلَّينا العشاءَ الآخرة، وإذا الشموعُ قد خرجت، وإذا برجلين على حمارَين، فقال يحيى: أين الرجل؟ فقلت: ها أنذا، فأتيتُ به إلى أدوُر المسجد، فقلت: هذا الموضعُ الَّذي كان جبريلُ يأتيه، فنزلا عن حمارَيهما فصلَّيا ركعتين ودعوَا اللهَ ساعة، ثم ركبا وأنا بين أيديهما، فلم أدعْ موضعًا من المواضع ولا مشهدًا من المشاهد إلَّا مررتُ بهما عليه وهما يصلِّيان ويجتهدان في الدُّعاء، فلم نزل كذلك حتَّى وافينا وقد أذَن المؤذِّن وطلع الفجر. فلمَّا دخلا القصر، قال لي يحيى بنُ خالد: أيها الشيخ، لا تبرح. فصلَّينا الغداةَ في المسجد وهو على الرِّحلة إلى مكة، فأذن لي يحيى بنُ خالد عليه، فدخلت، فأدنى مجلسي وقال لي: إنَّ أميرَ المؤمنين لم يزل باكيًا، وقد أعجبه ما دللتَه عليه، وقد أمر لك بعشرة آلافِ درهم، فخذها، ونحن على الرِّحلة اليوم، ولا عليك أن تلقانا حيث كنَّا واستقرَّت بنا الدارُ إن شاء الله. ورحلوا، فأتيتُ منزلي وقضيت دَيني وزوَّجت بعضَ الولد، واتَّسعنا، ثم إنَّ الدهر عضَّنا، ثم قالت أمُّ عبد الله: يا أبا عبدِ الله، ما قعودُك وهذا وزيرُ الخليفة قد عرفك وسألك أن تصيرَ إليه حيث استقرَّت به الدار! قال: فخرجتُ من المدينة إلى العراق وأنا

стр. 6378

أظنُّ أن أميرَ المؤمنين ببغداد، فلمَّا قدمت بغدادَ قيل لي: إنه بالرقَّة، فأردت الرجوعَ إلى المدينة، فثقل عليّ، فخرجت إلى الرقَّة، ورافقني فِتيان من الجند، فقالوا: أين تريد؟ فأخبرتُهم خبري. ونزلنا في السُّفن، فأكرموني وخدموني، فلمَّا وصلنا الرقَّة نزلنا في خان، وطلبتُ الوصولَ إلى يحيى بنِ خالد، فصعب عليّ، فأتيت أبا البَختريِّ القاضي وهو عارفٌ بي، فأخبرتُه خبري، فقال: غرَّرتَ بنفسك وأخطأت، ولكن سوف أذكرك له، ومَطَلَ بي أيامًا، ونفدتْ نفقتي، وتقطَّعت ثيابي، وأَيِست من أبي البَختري، وإذا هارونُ قد ولَّى بكَّارَ الزُّبيريَّ على قضاء المدينة، فقصدته وعرَّفته خبري مع أبي البختري، فقال: أخطأت، أما علمتَ أنَّ أبا البختريِّ لا يذكرك لأحدٍ ولا يفوه باسمك؟ ثم دخل على يحيى بنِ خالدٍ وأخبره خبري، فاستدعاني، فلمَّا رآني في تلك الحالةِ الخسيسة، ظهر أثرُ الغمِّ في وجهه، واستدناني ورحَّب بي، وجعل يسألني عن الحديث، فأجبتُ بغير الصواب، وكان في رمضان، فقال: تُفطر الليلةَ عندي، فأفطرت، فلمَّا خرجت، بعث إليَّ بكيسٍ فيه خمسُ مئةِ دينار، وأفطرت عنده الليلةَ الثانيةَ والثالثة، فكان يعطيني في كلِّ ليلةٍ خمسَ مئة دينار، وجاءت ليلةُ العيد وقد حَسُنَ حالي واشتريت ثيابًا ودابَّةً وغلامًا، وعرضتُ ما حصل لي على أصحابي الفتيان، فأبَوا أن يأخذوا منه دِرهمًا ولا دينارًا، وقال لي يحيى: اُحضر غدًا العيد مع أمير المؤمنين في الموكب، فحضرت، فأمر لي هارونُ بثلاثين ألفًا، فقلت: أيّها الوزير، لا بدَّ من المسير إلى العيال، فجهَّزني بأحسن جهاز، وبعث معي بهدايا الشام وطُرَفِها، ووصلت المدينةَ فأوسعت على عيالي. وهذه حكايةٌ طويلة الألفاظ جميلةُ المعاني، اختصرتها وذكرت المقصودَ منها. وروى الخطيبُ (١) بإسناده إلى أبي عكرمةَ الضَّبِّي، عن سليمانَ بنِ أبي شيخ قال: حدَّثني] الواقديُّ قال (٢): أضقت إضاقةً شديدة وأنا مع يحيى بنِ خالد، وجاء العيد،

стр. 6379

فقالت الجارية: قد حضر العيدُ وليس عندنا شيءٌ من آلته، فشَخَصْتُ إلى صديقٍ لي من التجار، فعرَّفته حاجتي وسألته القرض، فأخرج إليَّ كيسًا مختومًا فيه ألفٌ ومئتا درهم، فأخذتُه وأتيت منزلي، فما استقررت فيه حتَّى جاءني صديقٌ لي هاشمي، فشكا إليَّ الحاجة وَسألنى القرض، فدخلت إلى زوجتي فأخبرتها، فقالت: على أيِّ شيءٍ عزمت؟ قلت: أُقاسمه ما في الكيس، قالت: بئسَ ما تصنع، أتيتَ رجلًا سوقيًّا فأعطاك ألفًا ومئتي درهمٍ وجاءك رجلٌ هاشميٌّ له برسول اللهِ ﷺ رَحِمٌ ماسَّة تعطيه نصفَ ما أعطاك! أَعطِه الكيس كلَّه، فأخرجتُه إليه، فأخذه ومضى إلى منزله، فجاءه التاجرُ صاحب الكيس، فشكا إليه حاجتَه وسأله القرض، فأخرج إليه الكيسَ وعليه خاتَمه، فعرفه، وجاء التاجرُ إليَّ وعرَّفني، فركبتُ إلى يحيى بنِ خالد وقد جاءني رسولُه، فلما دخلتُ عليه أخبرته، فعجب وقال: يا غلام، عشرةَ آلافِ دينار، فأحضرها، فقال: خذ أنت ألفَي دينار؛ وصديقُك التاجر ألفَي دينار، والهاشميُّ ألفي دينار، وادفع إلى زوجتك أربعة آلافِ دينار، فإنها أكرمُكم. فكان الواقديُّ يبكي ويقول: أُلام على حبِّ يحيى بنِ خالدٍ والبرامكة! وقال الواقدي: صار إليَّ من السلطان ستُّ مئة ألفِ درهمٍ ما وجب فيها زكاة. [قال عبَّاس (١) الدُّوري: مات الواقديُّ وليس له كفن، فبعث المأمونُ بأكفانه. وكان سخيًّا جوادًا. وكان هارونُ يعطيه في كلِّ سنةٍ ثلاثين ألفَ درهم، ويحيى بنُ خالد مثلَها. وقال الخطيب (٢): كان الواقديّ مع فضله لا يحفظ القرآن، قال له المأمون: أريدك غدًا أن تصلِّيَ بالناس الجمعة، فامتنع وقال: واللهِ يا أميرَ المؤمنين ما أحفظ سورةَ الجمعة، قال: أنا أحفِّظك، قال: افعل، فأقبل عليه يعلِّمه ويلقِّنه حتَّى بلغ النصفَ من سورة الجمعة، فلمَّا شرع في النِّصف الثاني نسي النصفَ الأولى، وشرع في النصف الأولِ فنسي الثاني، وأُتعبَ المأمون ونَعِس، فقال لعليِّ بن صالح: يا علي، حفِّظه أنت، ونام. قال: فجعلت أحفِّظه النصفَ الأولى [فيحفظه، فإذا حفَّظته النصف الثاني

стр. 6380

نسي الأول، وإذا حفَّظته النصف الأول نسي الثاني] (١)، فاستيقظ المأمونُ فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، فقال: هذا رجلٌ يحفظ التأويلَ ولا يحفظ التنزيل، اذهب فصلِّ بهم واقرأ بأيِّ سورةٍ شئتَ. وحكى الخطيبُ (٢) أيضًا أنَّ الواقديَّ كان يقول: حفظت أكثرَ من كتبي. وقال بإسناده (٣) إلى هارونَ بن عبدِ الله الزُّهريِّ القاضي قال: كتب الواقديُّ إلى المأمون رقعةً يذكر فيها غَلَبة الدَّين وغمَّه بذلك، فوقَّع على ظهرها: فيك خَلَّتان: السَّخاء والحياء؛ فأما السَّخاء، فهو الَّذي أطلق ما ملكتَ، وأمَّا الحياء، فهو الَّذي منعك من إطلاعنا عليك فيما أنت عليه، وقد أمرنا لك بكذا وكذا، فإن كنَّا أصبنا (٤) إرادتَك في بسط يدك، فإنَّ خزائن اللهِ مفتوحة، وأنت كنت حدَّثتني وأنت على قضاءِ الرشيد عن محمد بنِ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال للزّبير: "يا زبير، بابُ الرزق مفتوحٌ بإزاء العرش، يُنزِل اللهُ للعباد أرزاقَهم على قَدْر نفقاتهم، فمن قلَّل قلّل له، ومن أكثر كثِّر له" (٥). قال الواقدي: وقد كنت أُنسيت هذا الحديث، فكان تَذْكِرَتُهُ إياي أحبَّ إليَّ من جائزته، وكانت الجائزة مئة ألف درهم. وقد حكى الواقعةَ] الحارثُ بن أبي أسامةَ قال (٦): كتب الواقديّ إلى المأمون رقعةً يذكر فيها غَلَبة الدَّين وغمَّه بذلك، فكتب المأمونُ على رقعته: أنت رجلٌ فيك خَلَّتان: السخاءُ والحياء، فالسَّخاء يُطلق ما في يديك، والحياءُ يمنعك من إبلاغنا حاجتَك، وقد أمرتُ لك بمئة ألفِ درهم، فإن كُنْتُ أصبت، فازددْ في بسط يدِك، وإن كنت لم أُصِب، فأنت الجاني على نفسك؛ فإنك حدَّثتني عن محمد بنِ إسحاق، عن الزُّهري،

стр. 6381

عن أنس بنِ مالك، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ مفاتيحَ أرزاقِ العباد بإزاءِ العرش، يبعثه اللهُ تعالى إلى عباده على قَدْر نفقتهم، فمن قلَّل قُلِّل له: ومن كثَّر كُثِّر له". قال الواقدي: فروايةُ أميرِ المؤمنين عنِّي ومذاكرتُه إياي أحبُّ إليَّ من الجائزة. [وهذه الروايةُ أحسنُ من رواية الخطيب. وحكى الخطيبُ (١) عن] الواقديِّ أنَّه كان يقول (٢): ما أدركتُ رجلًا من أبناء الصحابةِ وأبناءِ الشهداء ولا مولًى لهم إلَّا سألته: هل سمعتَ أحدًا من أهلك يُخبرك عن مشهده وأين قُتل؟ فإذا أخبرني مضيتُ إلى الموضع حتَّى أعاينَه، ولقد مضيت إلى المُرَيسِيع فنظرت إليها، وما علمت مكانَ غزاةٍ إلَّا مضيتُ إلى الموضع حتَّى أُعاينَه. ذِكرُ وفاته: [قال ابنُ سعد:] (٣) توفِّي [الواقديُّ] وهو على القضاءِ في ذي الحِجَّة ببغدادَ هذه السَّنة، وصلَّى عليه محمدُ بن سماعةَ التميمي، ومحمدٌ يومئذ على القضاء ببغدادَ في الجانب الغربي، وأوصى الواقديُّ إلى المأمون، فقَبِلَ المأمون وصيَّته وقضى دَينه [وكان له يومَ مات ثمانٍ وسبعون سنة. وكذا قال البخاريُّ في هذه السَّنة (٤). وقاله (٥) الخطيب]. وقيل: [إنه مات في] سنة ستٍّ ومئتين، أو سنة تسعٍ ومئتين، والأوَّل أصحّ (٦). [قال: ودُفن في مقابر الخَيزُران] وهو ابنُ ثمانٍ وسبعين سنة (٧). ولم يوجد له كفن، فكفَّنه المأمون.

стр. 6382

أَسند عن كبار الأئمَّة [فسمع بالشام والحجازِ والعراق من خلقٍ كثير، منهم: سفيانُ الثوري، ومَعمرُ بن راشد، وابنُ أبي ذئب، وبمكَّة ابنُ جُريج، وبالمدينة مالكُ بن أنس وأبو مَعشر نَجيح السِّندي، وسمع بدمشقَ سعيدَ بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، وهشامَ بن الغاز، وبحمصَ ثورَ بن يزيد. وروى عنه الجمُّ الغفير، وروى الأئمَّة] محمدُ بن سعدٍ صاحب"الطبقات" -وكان كاتبَه وبه يعرف-[وأبو بكر بنُ أبي شيبة، ومحمدُ بن إسحاقَ الصاغاني (١)، ومحمدُ بن شجاعٍ الثَّلجي (٢)، والحارثُ بن أبي أسامةَ التميمي، في آخرين]. قال المصنِّف ﵀: وقد انقسموا فيه قسمين: فقسمٌ أثنَوا (٣) عليه ووثَّقوه، وقسم تكلَّموا فيه وضعَّفوه: فأما القسمُ الأول، فقال الخطيب: الواقديُّ ممن طبَّق علمُه الأرضَ شرقًا وغربًا، [ولم يَخْفَ على أحدٍ عرف أيامَ الناس] (٤)، وسارت الركبانُ بكتبه في فنون العلوم، من المغازي، والسِّيَر، والطبقات، وأخبارِ الناس، وأخبارِ رسول اللهِ ﷺ ، والأحداثِ التي كانت في زمانه [والفقه، واختلافِ الناس] وغيرِ ذلك، وكان جَوَادًا كريمًا مشهورًا بذلك. وقال محمد بن سلَّامٍ الجُمحي: الواقدي عالِم دهره. وقال يعقوبُ بن شيبة: انتقل الواقديّ [من الجانب الغربيِّ إلى الجانب الشرقي. يعني من بغداد] (٥) فحمل كتبَه على عشرين ومئةِ وقْرٍ (٦). وقال غيرُه: كان له ستُّ مئة قِمَطر كتب. [وقد روينا عنه أنَّه كان يقول: حفظتُ أكثرَ من كتبي.

стр. 6383

وقال الدَّراوردي: الواقديُّ أميرُ المؤمنين في الحديث] (١) وقال مصعبٌ الزُّبيري: هو ثقةٌ مأمون، واللهِ ما رأينا مثلَه قطّ. وقال يزيد بنُ هارونَ وأبو عُبيدٍ القاسم: الواقديُّ ثقة. [وقال عبَّاس العنبري: الواقديّ أحبُّ إليَّ من عبد الرزاق. وكان إبراهيم الحربيُّ معجبًا به ويقول: الواقديُّ أمنُّ الناس على أهل الإسلام، وأعلمُ الناس بأمر الإسلام، ومَن قال: إنَّ مسائلَ مالكٍ وابنِ أبي ذئب تؤخذ عمَّن هو أوثقُ من الواقديِّ لم يَصْدُق. وقال مصعبٌ الزبيري: حدَّثني مَن سمع عبدَ الله بن المباركِ يقول: كنت أَقدَم المدينةَ فما يفيدني ويدلُّني على الشيوخ سواه. وقال يعقوبُ بن شيبة: سئل مالكٌ عن قتل الساحرة، فقال: اسألوا الواقدي، فسألوه: فقال: نعم، عن الضحَّاك بنِ عثمان، فتبع مالكٌ قوله]. وقال محمد بنُ صالح: سئل مالكُ بن أنس عن المرأة التي سمَّت النبيَّ ﷺ بخيبر، ما فعل بها رسولُ اللهِ ﷺ ؛ فقال مالك: لا أعلم، وسأل أهلَ العلم، فلقي الواقديَّ فسأله، فقال: نعم، عندنا أنَّه قتلها، فقال مالك: قد سألت العلماءَ فقالوا: قتلها. [وقال إبراهيم بنُ جابر: حدَّثني عبدُ الله بن أحمدَ بنِ حنبل قال: كان أكثرُ نظرِ أبي في كتب الواقدي، قال: وكتب عن أبي يوسفَ ومحمدٍ ثلاثَ قماطر. وكان إبراهيمُ بن جابر الصَّغَانيُّ (٢) يقول: لولا أن الواقديَّ ثقةٌ ما حدَّثتُ عنه، وقد حدَّث عنه أربعةٌ من الأئَمَّة: أبو بكر بنُ أبي شيبة، وأبو خَيثمة، وأبو عُبيد القاسم، ورجلٌ آخر. وقال إبراهيمُ الحربي: سئل معنُ بن عيسى عن الواقديِّ فقال: أنا أُسأل عن

стр. 6384

الواقديّ إنما يُسأل الواقديُّ عنِّي، قال إبراهيمُ الحربي: وأما فقهُ أبي عُبيدٍ فمن كتب الواقدي] (١). وأما الذين تكلَّموا فيه وضعَّفوه، فالإمامُ أحمدُ بن حنبل، والبخاريّ، ومسلم، والنَّسائي، وابن المَديني، والشافعي، وغيرُهم. فقال أحمدُ رحمةُ الله عليه: الواقديُّ كذاب، جعلتُ كتبَه ظهائرَ الكتب منذ حين، وقد روى الواقديُّ عن مَعمر، عن الزهري، عن نَبهان مكاتَبِ أمِّ سلمة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ في حديث الأعمى: ["أَفعمياوانِ أنتما"] قال الإمامُ أحمد: لم يروه عن الزهري غيرُ يونس، وليس من حديث مَعمر (٢). [وقال عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبل: قال أبي: لست أُنكر على الواقديِّ إلَّا كونَه يأتي بمتنٍ واحد على سياقٍ واحد عن جماعةٍ ربما اختلفوا]. وأمَّا البخاريُّ فقال: ليس له عندي حرفٌ واحد من حديثه. وقال مسلم: هو متروكُ الحديث. وقال الإمام الشافعيُّ رحمةُ الله عليه: الواقديُّ ضعيف. وقال النَّسائي: الكذَّابون المعروفون بالكذب أربعة: ابنُ أبي يحيى بالمدينة، والواقديُّ ببغداد، ومقاتلُ بن سليمان بخُراسان، ومحمدُ بن سعيدٍ المصلوبُ بالشام. وقال إسحاقُ بن راهُويه: كان الواقديُّ يضع الحديث. [قلت: انتصر للواقديِّ جماعةٌ فقالوا: قد كان الواقديُّ يَعيب على أحمدَ جَرحَه العلماء (٣).

стр. 6385

وأمَّا قولُ البخاري: ما كتبت من حديثه حرفًا، فقد أثنى عليه في مواضعَ وقال: محمدُ بن عمرَ الواقدي قاضي بغداد، حدَّث عن مالكٍ ومَعمر، سكتوا عنه (١). وأما النَّسائي، فقد ثلب جماعةً في كتابه الَّذي سمَّاه كتاب "الضعفاءِ والمتروكين"، فإنَّه طعن في أبي حنيفةَ وقال (٢): ليس بالقويِّ في الحديث، وكذا تكلَّم في محمد بنِ الحسن (٣) وغيره، وللواقديِّ بأبي حنيفةَ ومحمدٍ وغيرِهما أُسوة] (٤). وقال المصنِّف ﵀: ومَن طلب الترجيحَ بين هذه الأقوال، علم أن الأوْلى ذكر المحاسن [واللهُ تعالى مطَّلع على الضمائر والبواطن] وهؤلاء قومٌ حطُّوا رحالهم عند اللهِ تعالى منذ سنين، وهم أعلامُ الإسلام [وأئمَّة الدِّين، وخصوصًا الواقدي، فإنَّ أقواله في رواية تفاسيرِ القرآن مقبولةٌ مشهورة]. ذِكر ولدِه: [قال الخطيب:] (٥) كان للواقديِّ ولدٌ اسمه محمدُ [بن محمد] (٦) بنِ عمر، وكُنيته أبو عبدِ الله. حدَّث عن أبيه بكتاب"التاريخ" وغيرِه [وحدَّث عن موسى بنِ داود، وحدَّث عنه [عباسٌ] (٧) التَّرْقُفي وغيرُه. وهو الَّذي روى عن ابن عباسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أتى الصيفُ خرج من البيت ليلةَ الجمعة، وإذا كان الشتاءُ دخل ليلةَ الجمعة. قال الخطيب: وهذا الحديثُ غريب جدًّا (٨).

стр. 6386

فصل [وفي الرُّواة جماعةٌ كلُّ واحد اسمُه: محمد بن عمر، أحدُهم الواقدي، ونذكر بعضَ أعيانهم: فمنهم محمدُ بن عمرَ بنِ الحسين ابن الخطَّاب بن الريَّان، أبو العباس، الفقيهُ الحنفي الزَّنْدَوَرْدي. قال الخطيب: وهو الَّذي روى أنَّ أبا حنيفةَ حجَّ مع أبيه في سنة خمسٍ وتسعين (١)، وروى [عن] (٢) عبدِ الله بن جَزْءٍ وسمعه يقول [سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول:] "مَن تفقَّه في دِين الله، رَزَقَه من حيث لا يحتسبُ وكفاه همَّه" (٣). قال الخطيب: وأنشد عن أبي حنيفةَ أنَّه أنشد من قوله: [من مخلَّع البسيط] مَن طلب العلمَ للمَعادِ … فاز بفضلٍ من الرَّشادِ ويالَخُسرانِ مَن أتاه … لنيل فضلٍ من العِبَاد وكانت وفاتُه بمصرَ في سنة [اثنتين و] (٤) ستِّين وثلاثِ مئة. ومنهم محمدُ بن عمر بنِ عيسى أبو الحسن (٥)، الَّذي صاهر أبا الحسين بنَ بشران على ابنته. وكان يختم القرآنَ (٦). ومات في جُمادى الآخرة سنةَ عشرٍ وأربعِ مئة، ودفن بباب حرب.

стр. 6387

حدَّث عن أبي العباس أحمدَ بن إبراهيمَ البَلَدي صاحبِ عليِّ بن حرب. قال الخطيب: كتبتُ عنه، وكان ثقة (١) كثيرَ الدرس للقرآان]. ومنهم محمدُ بن عمر أبو بكرٍ العنبريُّ الشاعر. [قال الخطيب (٢): كان أديبًا ظريفًا حسنَ العِشرة مليحَ الشِّعر. قال: وأنشدني من شعره أبو منصور محمدُ بن محمدٍ العُكْبَري، قال: أنشدني أبو بكرٍ العَنْبريُّ فقال:] (٣) إنِّي نظرتُ إلى الزمانِ … وأهله نظرًا كفاني فعرفتُه وعرفتهمْ … وعرفت عِزِّي من هَوَاني فلذاك أَجتنبُ الصَّديقَ … فلا أراه ولا يراني وزهدتُ فيما في يدَيه … ودونه نيلُ الأماني وانسلَّ من بين الزِّحامِ … فما له في الخَلق ثاني وله: [من الخفيف] ما أُبالي إذا حَمَلْتُ عن الإخوانِ … فعلي (٤) ودِنتُ بالتخفيفِ ورفضتُ الكثيرَ من كلِّ شيءٍ … وتقنَّعتُ بالقليل الضعيف (٥) ورآني الأنامُ طُرًّا بعيني … زاهدٍ في وضيعهم والشريف أنا عبدُ الصديقِ ما صدق الوُدْدَ … [و] (٦) بعضُ الأنامِ عبدُ الرغيف توفي العنبريُّ سنةَ اثنتي عشرةَ وأربعِ مئة. [ومنهم

стр. 6388

محمدُ بن عمرَ بن زكَّار أبو الحسن البغدادي. كان يسكن ببغدادَ بدرب الفُرس من ناحية نهر طابَق. وولد في المحرَّم سنةَ تسعٍ وأربعين وثلاثِ مثة، ومات في المحرَّم سنةَ ثمانِ وعشرين وأربعِ مئة، ودُفن بمقبرة باب الدَّير قربَ معروفٍ الكرخي. وروى عن عبد الله بن أحمدَ الوزَّان، وكتب عنه الخطيب، وكان ثقة (١). ومنهم مَن لم يُعرف له تاريخُ وفاته (٢): فمنهم محمدُ بن عمرَ أبو عبدِ الله المُعَيطِي البغدادي. سمع شريكَ بن عبدِ الله وغيرَه. وروى عنه زكريا بنُ عبدِ الله الناقد (٣). قال الخطيب: وهو الَّذي روى عن مجاهدِ في تفسير قولِه تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: يُقعده معه في العرش. ومنهم محمدُ بن عمرَ بنِ حفص أبو بكر الثَّغري (٤)، ويعرف بالقَبَلي (٥). قدم بغداد، وحدَّث بها عن محمد بنِ عبد العزيز بنِ المبارك وغيرِه، وروى عنه أبو بكرٍ الشافعيُّ وغيره، وضعَّفه الدارَقُطني (٦)، وقال: وهو الَّذي روى عن أنسٍ أن النبي ﷺ

стр. 6389

قال: "تزوَّج الكسلُ بالتَّواني فوُلد بينهما الفاقة" قال: ولا يصحُّ هذا عن رسول اللهِ ﷺ (١). قلت: وقد نُقل مثلُ هذا عن الحسن أنَّه قال: تزوَّج الكسلُ بالتَّواني فولد بينهما الخسران. فصل] أبو عُبيدةَ مَعْمَر بن المثنَّى، التَّيمي، البصري، النحوي، العلَّامة. [قال الخطيب (٢): وُلد سنةَ عشرٍ ومئة في السَّنة التي مات فيها الحسنُ البصري. وقال السِّيرافي: هو] مولى تَيْمِ قريش [لا من تَيمِ الرِّباب، مولاهم]. كان من أعلم الناسِ بأنساب العربِ وأيامهم، وله مصنَّفات مشهورة، منها "مَقَاتِلُ الفرسان" وكتاب "المجاز" و"غريب الحديث" [وكان الأصمعيُّ قد قرأ كثيرًا، وكانا يتقارضان، ويقع كلُّ واحدٍ منهما في الآخر؛ لما نذكر. وكان سببُ تصنيف أبي عبيدةَ كتابَ "المجاز" ما ذكره الصوليُّ عن محمد بن الفضلِ بن الأسود، عن عليِّ بن محمد النوفلي، عن] أبي عبيدةَ قال (٣): أرسل إليَّ الفضلُ بن الربيع إلى البصرة، فقدمتُ عليه، فَلمَّا دخلت، قرَّبني وأدناني واستنشدني من أشعار العربِ وغيرها، فأنشدته، فطَرِبَ، ثم دخل عليه رجل في زِيِّ الكتَّاب، له هيئة، فأجلسه إلى جانبي وقال: أَتعرف هذا؟ قال (٤). لا، قال: هذا أبو عُبيدة، علَّامة أهلِ البصرة، أقدمناه لنستفيدَ منه، فدعا له الرجلُ، وقال لي: كُنْتُ مشتاقًا إلى لقائك، وقد سُئلت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرِّفَك إياها؟ قلت: نعم، قال: قال الله تعالى:

стр. 6390

﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الْشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وإنَّما يقع الوعيدُ بما قد عُرف مثلُه، وهذا لم يُعرف؟ [قال:] فقلت: إنما خاطب اللهُ تعالى العرب على قدر كلامهم، أَمَا سمعتَ قولَ امرئِ القيس: [من الطويل] أَيقتلني والمَشْرَفيُّ مضاجِعي … ومسنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أَغوالِ (١) ولم يرَوا الغُول، ولكن لمَّا كان أمرُ الغول يَهولهم أَوعدوا به، فاستحسن ذلك الفضلُ والرجلُ السائل [أيضًا] (٢) فاعتقدتُ (٣) من ذلك اليومِ أن أضعَ كتابًا في القرآن لمثل هذا، فلما رجعتُ إلى البصرة، عملتُ كتابي الَّذي سمَّيته كتابَ "المجاز". [قلت: وقولُ أبي عبيدة: إنَّهم لم يَرَوُا الغُول قطُّ، ليس بصحيح، بل رآه جماعة من العرب، وقد ذكرناه في صدر الكتاب، وأنَّ جماعةً من بني آدمَ نكحوا الغِيلانَ وأَولدوهم. وأما قولُه تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الْشَّيَاطِينِ﴾ فقد اختلف المفسِّرون في معناه، فقال الفرَّاء: إنَّه شبَّه طَلعَها برؤوس الشياطين لقُبحه؛ فإن رؤوسَ الشياطين موصوفةٌ بالقبح (٤). وقال غيرُ الفرَّاء: إنها رؤوسُ الحيَّات؛ فإنَّ جنسًا من العرب يسمِّي جنسًا من الحيَّات شيطانًا، وهو ذو العُرْف قبيحُ المنظر. ذكر القولَين الجوهريُّ في "الصحاح" (٥). وأما الرجلُ الَّذي سأل أبا عبيدة، فإبراهيمُ بن إسماعيلَ بنِ داود كاتبُ الفضلِ بن الربيع. وحكى الخطيبُ (٦) أن] الأصمعيَّ كان يَعيب (٧) على أبي عبيدةَ [تصنيفَه كتابَ

стр. 6391

"المجاز" في القرآن، وأنَّه قال: (١)] يفسِّر كتابَ الله برأيه. فركب أبو عبيدةَ حمارَه وجاء إلى مجلس الأصمعيّ، وجلس عنده وحادثه، ثم قال له: يا أبا سعيد، ما تقول في الخبز أيُّ شيءٍ هو؟ فقال: هو الَّذي نأكله ونَخبِزه. فقال له أبو عبيدة: فقد فسَّرتَ كتابَ الله برأيك [فإنَّ الله تعالى قال: ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾] (٢) [يوسف: ٣٦]. فقال الأصمعيّ: هذا شيءٌ بأن لي [فقلته] لم أفسِّره برأي، فقال أبو عبيدة: والذي تَعيب عليَّ شيءٌ بأن لي فقلتُه، ولم أفسِّره برأي. ثم قام وخرج. [وحكى الخطيبُ (٣) أيضًا عن المازنيّ، عن أبي عبيدةَ قال: دخلتُ على الرشيد فقال لي: يا مَعمر، بلغني أنَّ عندك كتابًا حسنًا في صفة الخيل، أحبُّ أن أسمعه منك، وكان الأصمعيُّ حاضرًا، فقال: وما تصنع بالكتب؟ يُحْضَرُ فرسٌ ونضع أيديَنا على عضوٍ عضو ونسمِّيه ونذكر ما فيه (٤)، فقال الرشيد: يا غلام، فرس، فحضر، فقام الأصمعيُّ فوضع يدَه على عضوٍ عضو منه، وجعل يقول كذا وكذا، وقال الشاعرُ كذا وكذا، حتَّى بلغ إلى حافره. قال أبو عبيدة: فقال لي الرشيد: ما تقول فيما قال: فقلت: أصاب في البعض (٥) وأخطأ في البعض، والذي أصابه منِّي تعلَّمه، والذي أخطأ فيه لا أدري من أين أتى به]. وبلغ (٦) أبا عبيدةَ أنَّ الأصمعيَّ قال إنَّ أباه كان يساير سَلْمَ (٧) بن قتيبةَ على فرسٍ له، فقال [أبو عبيدة:] (٨) سبحانَ الله، واللهِ ما مَلَكَ أبو الأصمعيِّ دابَّةً قطُّ إلَّا في ثوبه. يريد القَمْل.

стр. 6392

[واختلفوا في وفاته على أقوال: أحدُها] في هذه السَّنة (١) [ذكره الصُّولي وحكاه الخطيب (٢). والثاني] (٣) سنَة ثمانٍ (٤) ومئتين [ذكره محمدُ بن المثنَّى. والثالث] سنةَ تسع. [والرابع: سنةَ] عشر. [والخامس: سنةَ] إحدى عشرة. [والسادس: سنةَ، ثلاثَ عشرةَ ومئتين. والأوَّل أشهر. و [قال الصُّولي:] عاش سبعًا وتسعين سنة، وقيل: ثلاثًا وتسعين سنة. [وحكى الخطيبُ (٥) أن] محمدَ بن القاسم (٦) النُّوشْجانيُّ أطعمه مَوزًا فكان سببَ موته، وأتاه أبو العتاهِيَة، فقدَّم إليه موزًا، فقال: أطعمتَ أبا عبيدةَ موزًا فقتلتَه، وتريد أن تقتلَني أيضًا! لقد استحللتَ قتلَ العلماء. أسند الحديثَ عن هشام بنِ عروةَ وغيره، وروى العربيةَ عن أبي عَمرو بنِ العلاء، ويونسَ بن حَبيب، ورؤبة [بن العجَّاج] وغيرِهم، وروى عنه [أبو عُبيد] القاسمُ بن سلَّام، و [أبو عثمانَ] المازني [وأبو حاتِم] والأصمعيّ [والتَّوَّزي، واسمُه: عبد الله بنُ محمد، مولى قريش. وكان التَّوَّزي فاضلًا، اختصَّ بأبي عبيدةَ وأخذ عنه علمًا كثيرًا] (٧). وكان أبو عبيدةَ يُنشد (٨): [من المجتث] لي صاحبٌ ليس يخلو … لسانُه من جِراحي

стр. 6393

يُجيد تمزيقَ عِرْضِي … على سبيل المُزاحِ واتَّفقوا على صدقه وثقته [وقال ابنُ المَديني: كان صحيحَ الرواية، ما يحكي عن العرب إلَّا الشيءَ الصحيح] (١). الهيثم (٢) بن عَدِيِّ ابن عبد الرحمنِ بن زيد (٣) بن أسيد بن جابر بن عَدِي، الكوفي، صاحبُ التواريخِ والأشعارِ والأسماء. [قال الخطيب:] (٤) كان أبوه واسطيًّا، وأمُّه من [سَبْي] مَنْبج، ولد بالكوفة ونشأ بها، ثم انتقل إلى بغدادَ فأقام بها. وكان من أحسن الناسِ وجهًا، وأنظفِهم ثوبًا، وأطيبهم رِيحًا، وأظهرِهم سرورًا. قال (٥): كنت واقفًا بالكُنَاسة بالكوفة، وإذا برجلٍ قد وقف على نخَّاس الدوابِّ فقال له: اِبغني حمارًا ليس بالصغير المحتقَر ولا بالكبير المشتهر، ولا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاحق، إنْ أقللتُ عنه علفَه صبر، وإن كثَّرته شكر، وإن ركبتُه هام، وإنْ ركبه غيري نام، وإن بال لم يَرْشش، وإن مشى لم يَطْشش (٦)، لا يقدَم بي على السَّواري، ولا يقتحم بي البواري (٧). فقال له النخَّاس: يا هذا اصبر، فإن مسخ اللهُ القاضيَ حمارًا اشتريتُه لك. ومات في هذه السَّنة في المحرَّم. وقيل: إنَّه مات بفم الصِّلح من أرض بغدادَ سنةَ

стр. 6394

ستٍّ ومئتين وقد بلغ ثلاثًا وتسعين سنة. [وقال جدِّي في "المنتظَم":] (١) ووجد له مئتا قميص، ومئةُ طَيلسان، ومئةُ [رداء] (٢) وخمسون عِمامة، ومئة سراويل. أسند عن هشام بنِ عروة [وابنِ إسحاق، وشعبة، ومحمد بنِ عبد الرحمن بنِ أبي ليلى، ومجالدِ بن سعيدٍ صاحبِ المغازي، وسعيد بن أبي عَروبة، والأعمش، وزكريا بنِ أبي زائدة] وغيرهم (٣). وروى عنه محمدُ بن سعدٍ [كاتبُ الواقدي، والعلاء بنُ موسى الباهلي، وعليُّ بن عَمرٍو الأنصاري، وداود بن رُشَيد الخوارزمي، وخلقٌ كثير]. وتكلَّموا فيه [فقال جدِّي (٤): لم يكن عند المحدِّثين بثقة. هذا صورةُ ما ذكر جدِّي ﵀. وحكى الحافظُ ابنُ عساكرٍ عن البخاري أنَّه قال: سكتوا عنه (٥). قال: وقال عليُّ بن المَديني: هو أوثقُ عندي من الواقديّ، ولا أرضاه في الحديث ولا في الأنساب ولا في شيء. وقال إبراهيمُ بن يعقوبَ الجُوزجاني (٦): الهيثمُ ساقط، وقد كشف قناعه. وقال النَّسائي: الهيثمُ ضعيف. وكذا قال ابن مَعين. ولمَّا روى الهيثمُ عن [مجالدِ بن سعيد عن] الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ قال: أوَّلُ الناس إسلامًا أبو بكر (٧)، قال ابنُ مَعين: مَن روى هذا؟ قال: الهيثم، قال: كذب.

стр. 6395

قمت: ووهم ابن مَعين؛ فإنَّ أوَّلَ مَن أسلم من الرِّجال أبو بكر (١)، وقد ذكرناه في صدر الكتاب. وقال أبو نُعيم الأصفهاني. الهيثمُ في فضله وجلالة قدرِه يوجد في أحاديثه مناكيرُ عن الثِّقات. وحكى الخطيبُ (٢) أن] أبا نُوَاس هجاه [لأن أبا نواسٍ دخل عليه فلم يعرفه، فقام أبو نُواس مغضَبًا، وبلغ الهيثم، فجاء إلى أبي نُواسٍ واعتذر إليه وقال له: لا تهجوني، فقال له: أمَّا ما مضى فلا كلامَ فيه، وأما في المستقبل فلا] فقال (٣): [من البسيط] إذا نسبتَ عَدِيًّا في بني ثُعَلٍ (٤) … فقدِّم الدالَ قبل العينِ في النَّسَبِ يعني: دَعيّ. له لسانٌ يواتيهِ بجوهره … كأنَّه لم يَزَلْ يَغْدُو (٥) على قَتَبِ [ويقال: إنَّ الهيثمَ جاءه قبل أن يهجوَه، فسأله ألا يهجوه، فقال: ألم تسمعْ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُم يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشعراء: ٢٢٦]؟. واللهُ أعلم بالصواب. وفيها توفِّي] (٦) يحيى بنُ حسان أبو زكريا الكوفي (٧). نزل تِنِّيس. [وقال أبو حاتم بنُ حِبَّان] (٨) أصلُه دمشقي. ومولدُه

стр. 6396

سنةَ أربعٍ وأربعين ومئة. [وذكره أبو سعيدِ بن يونسَ في "تاريخ مصر" وقال:، قدم مصرَ وحدَّث بها (١)، وصنَّف كتبًا كثيرة. وكان الإمامُ الشافعيُّ رحمةُ اللهِ عليه خَصِيصًا به، ومتى قال: حدَّثنا [الثقة] (٢)، فإنما يريد به يحيى [بنَ حسان]. وكان من المياسير، وكان الإمام الشافعيُّ ينزل عليه، فأوصى طبَّاخَه ألا يعيدَ اللونَ في الأسبوع إلَّا مرَّة، فاستطاب الشافعيُّ رحمة الله عليه لونًا، فأمر الطباخَ بإعادته، فلمَّا رآه يحيى على المائدة تغيَّر لونه، فقال له الشافعي: أنا أمرتُه، فسُرِّي عنه؛ وكان الطباخُ عبدًا ليحيى، فقال: أنت حرٌّ لوجه الله؛ شكرًا لانبساط أبي عبدِ الله في رَحلنا. [وقال أبو سعيد بنُ يونس:] (٣) مات يحيى في سنة سبعٍ أو ثمانٍ ومئتين، وله أربعٌ وستُّون سنة. أسند عن الليث بنِ سعد [وحمادِ بن سلمة، وهُشيم، وعيسى بنِ يونس، ومحمدِ بن مهاجر] وغيرِهم (٤). وروى عنه [يونسُ بن عبدِ الأعلى، و] الرَّبيع بن سليمانَ [المرادي] وخلق كثير واتَّفقوا على صدقه وثقته، وزهدِه وورعه، وكان الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه يُثني عليه [بكلِّ خير] (٥). يحيى بنُ زياد ابنِ عبد اللهِ بن منظور، أبو زكريا، الملقَّب بالفرَّاء (٦)، النَّحوي الكوفي، الإمامُ العلَّامة، مولى بني أسَد.

стр. 6397

كان ثعلبٌ يقول: لولا الفرَّاءُ ما كانت العربية؛ لأنَّه خلَّصها وضبطها. مات الفراءُ ببغدادَ، وقيل: بطريق مكَّة، وقد بلغ ثلاثًا وستِّين سنة. حدَّث عن ابن عُيينةَ وغيره، وروى عنه الأئمَّة وغيرهم، وكان المأمونُ يثني عليه ويباحثه ويعظِّمه. واتفقوا على صدقه وثقتِه. * * *

стр. 6398

السَّنة الثامنةُ بعد المئتين فيها عصى الحسنُ بن الحسينِ بن مصعبٍ على المأمون، ومضى من خُراسانَ إلى كرمانَ فامتنع بها، فبعث إليه المأمونُ أحمدَ بن أبي خالد فحاربه، فأخذه أسيرًا وقدم به على المأمون، فعفا عنه وأَحسنَ إليه. وفي أوَّل السَّنة ولَّى المأمونُ محمدَ بن عبدِ الرَّحْمَن المخزوميَّ القضاءَ على الجانب الشرقيّ من بغداد، ثم عزله في غُرَّة ربيعٍ الأوَّل وولَّى مكانَه بشرَ بن الوليدِ الكِندي. وفيها استعفى محمدُ بن سماعةَ من القضاء، فأعفاه المأمونُ وأقرَّه في صَحَابته، وولَّى مكانَه إسماعيلَ بن حمَّادِ بن أبي حنيفة. وفيها تُوفِّي الفضلُ بن الرَّبيع، وموسى بنُ محمَّد الأمين. وحجَّ بالنَّاس صالحُ بن الرشيد. وجاء سيلٌ بمكَّة (١)، فوصل الماءُ إلى الحَجَر الأسودِ وهدم نحوَ ألفِ دار، وكان الطائفون بالبيت يَسْبَحونَ حوله، ومات بالغَرق والهَدْمِ ألفُ إنسان. وفيها تُوفِّي: صالحُ بن عبدِ الكريم البغدادي، العابدُ الورع. [حكى الخطيبُ (٢) عنه أنَّه] كان يقول: يَا أصحابَ الحديث، ما ينبغي أن يكونَ أحدٌ أزهَدَ منكم، إنما تُقلِّبون دواوينَ الموتى ليس بينكم وبين رسولِ الله ﷺ أحدٌ إلَّا وقد مات. و [حكى (٣) عنه أنَّه] قال: رأيتُ غلامًا أسودَ بطريق مكَّةَ يصلِّي عند كلِّ مِيل، قلت: أعبدٌ أَنْتَ؟ قال: نعم، قلت: أكلِّم مولاك حتَّى ينقصَ من ضريبتك؟ فقال: وما قدرُ

стр. 6399

الدنيا بأَسْرها حتَّى تذلَّ فيها لغير الله! فاشتريتُه وأعتقته، فجعل يبكى ويقول: أَعْتَقَكَ اللهُ من نار جهنَّم. وكانت وفاة صالحٍ ببغدادَ [في هذه السَّنة] (١). أَسند عن سفيانَ الثَّوريّ [وابنِ عُيينة (٢) والفضيلِ بن عياض] (٣). روى عنه عليُّ بن الموفَّق العابد وغيره. وقال: قال لنا الفضيلُ يومًا: أتدرون لم حَسُنت الجنَّة؟ لأنَّ عَرْشَ الرحمنِ سقفُها. عمر بن عبدِ العزيز أبو حفص، مولى المنصور، ويُعرف بالشِّطْرَنْجيّ. نشأ في دار المهديِّ مع أولاده، وتأدَّب بآدابه، وانقطع إلى عُلَيَّةَ بنتِ المهدي، وكان لبيبًا لطيفًا، غضب الرشيدُ على عُلَيَّة، فأمرتْ عمرَ أن يقولَ شعرًا يسترضي الرشيدَ به، فقال: [من البسيط] لو كان يمنع حُسنُ العقلِ صاحبَه … من أن يكونَ له ذَنْبٌ إلى أحدِ كانت عُلَيَّةُ أَوْلى النَّاس كلِّهمِ … ألا تُكافى بسوءٍ آخرَ الأبد ما لي إذا غبتُ لم أُذكرْ بواحدةٍ … وإن سقمْتُ وطال السُّقمُ لم أُعَدِ ما أعجبَ الشيءَ أرجوه فأُحرَمُه … قد كنت أحسب أنِّي قد ملأتُ يدي فغُنِّي به بين يدي الرشيد، فأَعجبه ورضي عنها (٤). وقال [عبدُ الله بن] (٥) الفضلِ بن الرَّبيع: دخلتُ على عمرَ أبي حفصٍ أعوده في مرض موته، فأَنشدني لنفسه (٦): [من المتقارب]

стр. 6400

نعى لك ظلَّ الشبابِ المشيبُ … ونادتك باسم المماتِ (١) الخطوبُ فكن مستعدًّا لداعي الفناءِ … فكلُّ الذي هو آتٍ قريبُ ألسنا نرى شهواتِ النُّفو … سِ تفنى وتبقى علينا الذُّنوب وقبلَك داوى المريضَ الطبيبُ … فعاش المريضُ ومات الطبيب يخاف على نفسه مَن يتوبُ … فكيف ترى حال مَن لا يتوب [وفيها توفِّي كما ذكرنا] (٢) الفضلُ بن الربيعِ ابن يونسَ الحاجب، وكنيتُه أبو الفضل (٣). ولد سنةَ أربعين ومئة، وحجب للرشيد، واستوزره، ولمَّا مات كان معه بطوس، فاستولى على الخزائن وقدم بها بغدادَ على الأمين، ومعه البُردةُ والقضيبُ والخاتَم، فأكرمه الأمينُ وفوَّض إليه أمورَه، فغلب عليه، فكان يولِّي ويعزل، ويأمر وينهى، والأمينُ في لهوه، فقال أبو نُواس: [من الطَّويل] لَعَمرُك ما غاب الأمينُ مُحَمَّدٌ … عن الأمر يَعنيه إذا شهد الفضلُ ولولا مواريثُ الخلافةِ أنها … له دونَه ما كان بينهما فضل وإن كانت الأخبارُ (٤) فيها تباينت … فقولُهما قولٌ وفعلُهما فعل أتى (٥) الفضلُ للدنيا وللدِّين جامعًا … كما السهمُ فيه الفُوقُ والرِّيشُ والنَّصل ولم يزل الفضلُ يُغْرِي بين الأمينِ والمأمون حتَّى خلع الأمينُ المأمونَ وجرى ما ذكرناه، فلما ضعف أمرُ الأمينِ استخفى الفضل، فدخل المأمونُ بغدادَ مجدًّا في طلبه، وجعل لمن جاء به الأموال الجليلة، فخرج الفضلُ يومًا وقد هانت عليه نفسُه، فلقي

стр. 6401

طاهرَ [بنَ الحسين] (١) فثنى عِنانَ دابَّته معه وقال له: أيها الأمير، هذا عِنانٌ ما ثُني قطُّ إلَّا لخليفة، فقال له طاهر: صدقتَ فقل ما شئت، فقال: تكلِّمُ لي أميرَ المُؤْمنين، فقد عضَّ الغاربَ القَتَبُ (٢)، وأنا مستجيرٌ بالله وبك. وكان المأمونُ لا يردُّ طاهرًا في حاجة، فشفع في الفضل، فشفَّعه فيه، وأقام عند المأمون على منزلة، والمأمونُ يحترمه ويُحسن إليه حتَّى توفِّي. [واختلفوا في وفاته على قولَين حكاهما الخَطيب (٣): أحدهما: حكاه عن أبي حسَّان الزياديِّ قال: مات] في سَلخ ذي القَعدة [سنةَ ثمانٍ ومئتين. والثاني: عن إبراهيمَ بنِ عرفةَ قال:] (٤) مات سنةَ سبعٍ ومئتين. وقيل: إنَّ المأمونَ ظفر به وعفا عنه. [واللهُ أعلم. ذكر قصَّة جرت للفضل في اختفائه: حكاها أبو القاسم عليُّ بن المحسِّن التَّنوخيُّ عن أَبيه بإسناده إلى] الفضل بن الرَّبيع قال (٥): لما استترتُ عن المأمون، أخفيتُ نفسي عن عيالي وولدي، فلمَّا قرب المأمونُ من بغدادَ ازداد خوفي على نفسي، فاحتطتُ في التَّواري، وشدَّد المأمونُ في طلبي، فلم يعرفْ لي خبرًا، فذكرني يومًا، فاغتاظ وأغلظ لإسحاقَ بنِ إبراهيم، فخرج من عنده ونادى مَن في الجانبين: مَن جاء به فله عشرةُ آلافِ درهم، وأقطاعٌ بثلاثة آلافِ دينارٍ كلَّ سنة، ومَن وجد عنده بعد النداءِ ضُرب خمسَ مئة سَوط، وهُدمت دارُه وأُخذ ماله وحُبس طولَ عُمره. وكنت بباب الطاقِ في منزل صاحب لي، فدخل عليَّ وأخبرني بخبر النداءِ وقال: واللهِ ما أقدر بعد هذا على سَترك، ولا آمنُ على نفسي، وأخاف أن تشرَهَ زوجتي أو غلامي إلى المال فيدلُّون عليك، فأهلكَ بهلاكك، فإن صفح المأمونُ عنك لم آمن أن تتَّهمَني أَنْتَ أني دللتُ عليك، فيكون ذلك أقبح. قال: فورد عليَّ أمرٌ عظيم، وقلت:

стр. 6402

اصبرْ عليَّ إلى الليل، فقال: وكيف آمن؟ فتنكَّرْ واخْرُج. [قال:] (١) فأخذتُ من لحيتي وغطَّيت رأسي، وخرجت قبيلَ العصرِ ومضيت في الشارع إلى الجسر، فوجدته خاليًا، فلما توسَّطته إذا بفارسٍ من الجند الذين كانوا يتناوبون في داري أيامَ وزارتي، فعرفني وقال: هذا طَلِبة أميرِ المُؤْمنين، وعدل إليَّ ليقبضَ عليَّ، فمن حلاوة الرُّوحِ دفعته ودابَّتَه، فوقع في بعض سفنِ الجسر، وأسرع النَّاسُ لتخليصه، وظنَّوه قد زَلقَ بنفسه، ومشيت أنا من غير عَدْوٍ؛ لئلَّا ينكرَ عليَّ أحد، فدخلت دربَ سليمان، وإذا باب مفتوحٍ وفيه امرأة، فقلت لها: أنا خائفٌ من القتل، فأَجيريني واحقُني دمي، فقالت: ادخل، وأومأتْ إلى غرفة، فصعدتُها، فما استقرَّ بي المنزلُ حتَّى دقَّ الباب، ففتحتْ، وإذا بأناسٍ يحملون رجلًا، فدخلوا به، وإذا هو الجنديُّ صاحبي، وهو مشدودُ الرأس من شجَّة فيه وهو يتأوَّه، فقالت له المرأة: ما لَك؟ فأخبرها خبري، وقال: فاتني الغنى الأكبر، وعطبتْ فرسي فما تُباع إلَّا لحمًا، وجعل يشتمِني ولا يعلم أنّي في الدار، فقالت له المرأة: احمدْ ربَّك؛ فقد حفظك ولم يجعلك سببًا في سفك دمِه. فلمَّا جاء الليل، صعدت المرأةُ إليَّ وقالت: أظنُّك صاحبَ القصَّة مع هذا الرَّجل، فقلت: نعم، قالت: قد سمعتَ ما عنده، فاتَّقِ الله في نفسك واخْرُج [قال:] (٢) فدعوتُ لها وخرجت، ومشيتُ ساعة، وإذا برجلٍ يفتح بابًا، فدنوتُ منه وقلت: استرني ستركَ الله، فقال: ادخل، فدخلت وأقمتُ ليلتي، فخرج من الغد وعاد معه حمَّالان، على رأس أحدِهما حصيرٌ ومِخَدَّة وجِرارٌ وكيزانٌ وغضائر [جُدُد] وقِدْرٌ جديدة، وعلى رأس الآخر فاكهةٌ ولحم وثلج، فوضع الجميعَ في الدار، فنزلتُ [وعَذَلْته] وقلت: لمَ تكلَّفتَ هذا؟ فقال: أنا رجل مزيِّن، وأخاف أن تستقذرَني، وقد أتيتُك بهذا فاطبخْ كما تريد. فأقمتُ عنده ثلاثًا، وقلت في الليلة الرابعة: الضيافةُ ثلاثة، وقد أحسنت، وإني أُريد أن أَخرج، فقال: لا تفعلْ، فأنا وحيد، ولست ممَّن يطرق بيتَه أحد، ولا تَخَفْ

стр. 6403

أن يفشوَ خبرُك من عندي أبدًا، فأقم حتَّى يفرِّجَ اللهُ عنك، فأَبَيتُ، وخرجتُ إلى باب التِّبن إلى منزل عجوزٍ من موالينا، فطرقتُ بابها، فخرجت، فلمَّا رأتْني بكت وحمدت الله على سلامتي، وقالت: ادخل. ثم بكَّرتْ وَسَعَت (١) بي، فما شعرتُ إلَّا بإسحاقَ وخيلِه ورَجِله قد أحاط بالدار، فأخرجوني إلى بين يدي المأمون، فلمَّا رآني سجد طويلًا، فلما رفع رأسَه قال: يَا فضل، أتدري لمَ سجدت؟ قلت: شكرًا لله حيث أظفرك بعدوِّك والمُغري بينك وبين أخيك، فقال: ما أردتُ هذا، ولكن سجدتُ شكرًا لله على ما أظفرني بك وألهمني العفوَ عنك، حدِّثْني بخبرك. [قال:] (٢) فحدَّثتُه بأمري كلِّه، فقال: عليَّ بالجنديِّ وزوجتِه والمزيِّن والعجوز، فحضروا، فقال للجندي: ما السببُ الذي حملك على ما فعلت؟ قال: الرغبةُ في المال، قال: أَنْتَ أَولى أن تكون حجَّامًا، وأمر باستخدام زوجتِه قهرمانةً على حَرَمه وقال: هذه امرأةٌ عاقلة لها مروءة، وأمر بتسليم دارِ الجنديّ وقماشِه (٣) إلى المزيِّن، ويجعلَ جنديًّا مكانَه. وقال للعجوز: ما الذي حملكِ على ما صنعتِ بمولاك؟ وكانت تنتظر الجائزة، فقالت: رغبتُ في المال، قال: وهل لك من ولدٍ أو زوجٍ أو أخ؟ قالت: لا، قال: فنسيتِ إنعامَه عليك؟ وأَمَرَ بها فضُربت مئتَي سَوطٍ وخُلِّدت في الحبس، وأَمَرَ لامرأة الجنديِّ بثلاثين ألفًا، فقالت: يَا أميرَ المُؤْمنين، لستُ آخذ عليه شيئًا، ما فعلتُه إلَّا لله. وردَّت المال، فازداد المأمونُ إعجابًا بها وجعلها من خاصَّته. أسند الفضلُ عن أَبيه [و] عن المهديّ والرشيد (٤).

стр. 6404

[القاسمُ بن هارونَ الرشيد أخو الأمينِ والمأمون، ولقبه المؤتمَن، فخلعه (١) المأمون. وقال إسماعيلُ بن عليّ الخُطَبي: كان هارونُ لمَّا عهد إلى أخيهما القاسمِ بعد أخيه المأمون، شرط أنَّ الأمر إذا صار إلى المأمون إنْ شاء أقرَّه وإن شاء خلعه، فخلعه، من سنة ثمانٍ وتسعين ومئة، وأقام عند المأمونِ ببغدادَ حتَّى توفِّي في هذه السَّنةِ وله خمسٌ وثلاثون سنة، فحضره المأمونُ فصلَّى عليه". العَتَّابي واسمُه كُلثومُ بن عَمرو بنِ أَيُّوب، الشاعرُ الفصيحُ البليغ [الخطيب] (٢) من أهل قِنَّسْرِين. قدم بغدادَ ومدح الرشيدَ والأمينَ والمأمون [وله رسائلُ وخطب] وكان منقطعًا إلى البرامكة [ومُدح للرشيد فتقدَّم عنده] وكان يتجنَّب غِشْيانُ الملوك، ويتزهَّد ويلبَس الصوف، ويتعبَّد ويتواضع، ويلقى النَّاسَ بالبِشر [قال الخطيبُ:] (٣) فقيل له: إنك تلقى العامَّةَ ببِشْرٍ وتقريب، فقال: رفعُ ضغينةٍ بأيسرِ مؤنة، واكتسابُ أجرٍ (٤) بأهونِ مبذول. [قال الخَطيب:] (٥) ومن شِعره: [من الهزج] أَلَا قد نُكِّس الدَّهرُ … فأضحى حُلوُه مرّا وقد جرَّبتُ مَن فيه … فلم أَحمدْ همُ طُرّا فألزِمْ نفْسك اليأسَ … من الناسِ تعشْ حُرّا [وقال الخَطيب:] وكتب إليه طَوقُ بنُ مالك (٦) يستزيره ويدعوه إلى أن يصلَ قرابةً

стр. 6405

بينه وبينه، فكتب إليه العتَّابي: إنَّ قريبَك من قرب منك خيرُه، وإنَّ عمَّك مَن عمَّك نفعُه، وإنَّ عشيرتَك مَن أحسن عِشرتك، وإنَّ أحبَّ الناسِ إليك أجداهم بالمنفعة عليك؛ ولذلك أقول (١): [من الكامل] ولقد بلوتُ النَّاس ثم سَبَرْتُهمْ … وخبرتُ مَن وصلوا من الأسبابِ فإذا القرابةُ لا تقرِّب قاطعًا … وإذا المودَّة أكبرُ الإنسابِ ومن شِعره [السائر المشهور] (٢): [من البسيط] إنَّ الكريم ليخفي عنك عُسرَتَهُ … حتَّى تراه غنيًّا وهو مجهودُ وللبخيل على أمواله عِلَلٌ … زُرقُ العيونِ عليها أوجهٌ سودُ إذا تكرَّهتَ أن تعطي القليلَ ولا … تكون ذا سعةٍ لم يَظهر الجُودُ بُثَّ النَّوال ولا يمنعْك قلَّتُه … فكلُّ ما سدَّ فقرًا فهْو محمودُ [وذكر الخطيبُ (٣) أنَّ] المأمون كتب (٤) في إِشْخَاص العتَّابي، فلَّما دخل عليه قال له: يَا كُلثوم، بلغني وفاتُك فساءني، ثم بلغتني زيارتُك فسرَّتني، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، لو قُسمت هاتان الكلمتان على أهل الأرضِ لَوسعتْهم فضلًا وإِنعامًا، وقد خَصَصْتَني منهما بما لا أستطيع له أُمنية، ولا يَنْبسط لسواه أَمَل، فإنَّه لا دينَ إلَّا بك، ولا دنيا إلَّا معك. فقال المأمون: سَلْني، فقال: يدُك بالعطاء أطلقُ من لساني بالمسألة. فوصله بصِلات سَنِيَّة، وبلغ به من التقديم والإكرامِ أعلى محلّ. وقال العتَّابي: قدمت مرَّةً على أبي بحمارٍ موقَرٍ كتبًا، فقال: ما عليه؟ فقلت: كتب، فقال: ما ظننته إلَّا مالًا، فعدلت إلى يعقوبَ بنِ صالح، فدخلتُ عليه وأنشدته (٥): [من الخفيف]

стр. 6406

حسنُ ظنِّي إليك أصلحك اللهُ … دعاني فلا عَدِمْتَ الصَّلاحا ودعاني إليك قولُ رسولٍ … إذا قال (١) مفصحًا إِفصاحا إنْ أردتمْ حوائجًا من أُناسٍ … فتنقُّوا لها الوجوهَ الصِّباحا فلَعَمري لقد تنقَّيتُ وجهًا … ما به خاب مَن أراد النَّجاحا فقال: ما حاجتُك يَا كلثوم؟ قلت: بَدْرتان (٢)، فقال: أعطُوه إياهما، فانصرفتُ بهما إلى أبي وقلت: يَا أبي، هذا بالكتب التي (٣) أنكرتَ (٤). وقال مالكُ بن طوقٍ للعتَّابي: رأيتك كلَّمتَ فلانًا فأقللتَ كلامك، فقال: نعم، كان معي حَيرةُ الداخل، وفكرةُ صاحبِ الحاجة، وذلُّ المسألة، وخوفُ الردِّ مع شَرَه الطمع (٥). [وروى الخطيبُ (٦) بإسناده إلى] محمدِ بن إبراهيمَ السَّيَّاري قال (٧): لمَّا قدم العتَّابي مدينةَ السلام على المأمون، دخل عليه وعنده إسحاقُ بن إبراهيمَ المَوْصليّ، وكان العتَّابي شيخًا جليلًا، فسلَّم على المأمون، فردَّ وأدناه، فقبَّل يدَ المأمون، فأمره بالجلوس، فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حالة وهو يجيب بلسانٍ طَلْق، فاستظرف المأمونُ كلامَه، وأقبل عليه بالمداعبة والمزح، فظنَّ الشيخُ أنَّه قد استخفَّ به، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، الإِيناسُ قبل الإِبساس (٨)، فاشتبه على المأمون قولُه، فنظر إلى إسحاقَ مستفهمًا، فأومأ إليه بعينه وغمزه على معناه حتَّى فهمه، فقال: يَا غلام، ألفَ دينار، فأتى بها فوضعها بين يديه.

стр. 6407

ثم أخذ في الحديث، وغمز المأمونُ إسحاق، فجعل العتابيُّ لا يأخذ في شيءٍ إلَّا وعارضه فيه إسحاق، فبقي العتَابي متعجِّبًا، وقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، أتأذن لي في مسألة هذا الشيخ؟ قال: نعم، فقال لإسحاق: يَا شيخ، مَن أَنْتَ؟ وما اسمُك؟ فقال: أنا من النَّاس، واسمي: كُلْ بَصَل، فتبسَّم العتابيُّ وقال: أما النَّسَبُ فمعروف، وأما الاسم فمُنكَر، فقال له إسحاق: [ما أقلَّ إنصافَك، أتُنكر أن يكونَ اسمي: كُلْ بَصَل] (١) وما تُنكر اسمك كُلْ ثوم! وما كلثومُ في الأسماء! أو ليس البَصَلُ أطيبَ من الثوم! فقال العتَّابي: لله دَرُّك ما أفصحَك وأرجحك (٢)، أتأذن لي يَا أميرَ المُؤْمنين أن أصلَه بما وصلتَني به؟ فقال له المأمون: بل ذلك موفَّرٌ عليك، ونأمرُ له بمثله، فقال له إسحاق: أما إذا أقررتَ بهذه، فتوهَّمني تجدْني، فقال: ما أظنُّك إلَّا إسحاقَ الموصليَّ الذي يتناهى إلينا خبرُه، فقال: أنا حيث ظننتَ، وأقبل عليه بالتحيَّة والسلام. فقال المأمون: أمَّا إذا اتفقتما على المودَّة فانصرفا، فانصرف العتابيُّ إلى منزل إسحاقَ فأقام عنده. [قلت: قولُه: الإيناس قبلَ الإبساس، مأخوذٌ من قولهم عند الحلبِ للناقة: بَس بَس، فكان عرَّض تعريضًا بما يروي: الإيناسُ قبل الإبساس، وأين قولُ إسحاق: كُلْ بَصَل، من كلثوم؛ لأنَّ كلثومَ في اللغة هو الواسع الخدَّين، وقد كان العتَّابي بهذه [الصِّفة] (٣)، وإنما قصد إسحاقُ أن يضعَ من العتَّابي بسوء أخلاقه، فعاد عليه العتابيُّ بطيب أعراقه]. ودخل العتَّابيُّ على عبد الله بنِ طاهر، فأنشده: [من الخفيف] حسن ظنِّي وحسنُ ما عوَّد اللهُ … قديمًا منك الغداةَ أتى بي أيُّ شيءٍ يكون أحسنَ من حسـ … ـنِ يقينٍ حدا إليك رِكابي فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه من الغدِ فأنشده: [من السريع] ودُّك يكفيني في حاجتي … ورؤيتي كافيةٌ عن سؤالْ

стр. 6408

وكيف أخشى الفقرَ ما عشتَ لي … وإنَّما كفاك [لي] رأسُ (١) مالْ فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه في اليوم الثالثِ فأنشده: [من الخفيف] بَهِجاتُ الثياب (٢) يُخلِقها الدَّهـ … ـرُ وثوبُ الثَّناءِ غضٌّ جديدُ فاكسُني ما يَبيد أَصلحك اللهُ … فإنِّي أَكسوك ما لا يبيد فأَجازه وخلع عليه. [وكان قد سُعي للرشيد بالعتَّابي، فذكر ابنُ عبدوس في كتاب "الوزراء" أنَّه كان قد نُقل إلى هارونَ أن العتابيَّ يقول بالاعتزال، فطلبه، فهرب إلى اليمن، فأقام بها زمانًا على وَجَل، فأراد يحيى بنُ خالدٍ أن يشفعه، فاحتال على الرشيد فأَسمعه شيئًا من خُطبه ورسائله، فاستحسن ذلك وقال: لمن هذا؟ فقال يحيى: للعتَّابي، قال: قد أمَّنَّاه فلْيحضر. وقيل: إنَّ] الرشيدَ طلبه (٣)، فأخفاه يحيى بنُ خالد، ولم يزل يستصلح له قلبَ الرشيدِ حتَّى أمَّنه، فقال: [من البسيط] ما زلت في غَمَرات الموتِ مطَّرحًا … قد ضاق عني فسيحُ الأرض من حِيَلي فلم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي … حتَّى اختلست حياتي من يدَي أجلي (٤) وقيل: إنَّ الذي فعل ذلك معه جعفرُ بن يحيى [بنِ خالد] (٥). محمدُ بن صالحِ ابن بَيْهَسَ بنِ زُمَيل. المتغلِّبُ على دمشقَ أيام أبي العَمَيطَر، وأقام إلى أن قدم ابنُ طاهرٍ دمشقَ وبعث به إلى المأمون، فمات ببغداد. وقيل: إنَّه مات سنةَ عشرٍ ومئتين، وهو الأصحّ.

стр. 6409

وله أشعارٌ كثيرة منها: [من الوافر] منعْتُ بني أُمَيَّةَ ما أرادت … وقد كانت تسمَّت بالخلافهْ أَبَرْتُهمُ من الشامات قتلًا … ولم يكُ لي بهمْ في ذاك رافه أُناضلهمْ (١) عن المأمون إنِّي … على مَن خالف المأمون آفه مسلم بنُ الوليد الأَنْصَارِيّ مولى أسعدَ بن زُرارةَ الخزرجي (٢). دخل أعرابي على ثعلب فقال له: أَنْتَ الذي تزعم أنك أعلمُ الناسِ بالأدب؟ قال: كذا يزعمون، قال: أَنشِدني أرقَّ بيتٍ قالت العرب، قال: قولُ جَرير: [من البسيط] إنَّ العيونَ التي في طَرْفها مرضٌ … قتلْننا ثم لم يُحْيِينَ قَتلانا يَصْرعْنَ ذا اللُّبِّ حتَّى لا حَرَاكَ (٣) به … وهنَّ أضعفُ خَلْقِ اللهِ أَركانا فقال: هذا شِعرٌ رثّ، قد لاكه السفهاءُ بألسنتها، هاتِ غيرَه. فقال ثعلب: أَفِدنا من عندك، فقال: قولُ صريعِ الغواني مسلم: [من الطَّويل] نبارزُ أبطال الوغى فنُبيدهمْ … وتقتلنا في السِّلم لحظُ الكواعبِ وليست سهامُ الحربِ (٤) تُفني نفوسَنا … ولكنْ سهامٌ فوِّقت في الحواجب فقال ثعلب: اكتبوها على الحناجر (٥) ولو بالخناجر. ولمسلمٍ في "الحماسة" (٦): [من الطَّويل] حنينٌ ويأسٌ كيف يجتمعانِ … مَقيلاهما في القلب مختلفانِ غدتْ والثَّرى أَولى بها من وليِّها … إلى منزلٍ ناءٍ لعينك دانِ

стр. 6410

فلا وَجْدَ حتى تَنزفَ العينُ ماءها … وتعترفَ الأحشاءُ بالخَفَقان موسى بنُ محمدٍ الأمين (١) الذي ولَّاه العهدَ وسمَّاه الناطق بالحق (٢). أبو معاويةَ الأسود واسمُه اليَمَان، وكان من الأَبدال. [حدَّثنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضل بنِ ناصرٍ بإسناده إلى أبي الحسينِ بن الفهمِ قال: سمعتُ] يحيى بنَ معين يقول (٣): رأيتُ أَبا معاويةَ الأسودَ وهو يلتقط الخِرَقَ من المزابل، فيلفِّقها ويغسلها ويلبَسها، فقيل له في ذلك، فقال: ما ضرَّهم ما أصابهم في الدُّنيا، جبر اللهُ لهم بالجنة كلَّ مصيبة. وكان قد ذهب بصرُه، فكان إذا أراد أن يقرأَ في المصحف، عاد إليه بصرُه، فإذا أطبق المصحف، ذهب بصرُه [وقد ذكرناه في سنة ستٍّ وتسعين في ترجمة أبي معاويةَ الضَّرير. واللهُ أعلم بالصواب] (٤). * * *
следующие страницы →