فقالَ فتاه: ألا أَلحقُ نبيَّ الله فأخبرَه، فنسي. فلما تجاوَزا قال لفتاه: آتنا، وذكروه فيه؛ فرأى خضِرًا مُستلقِيًا على حُلَاوة القَفَا فقال: السَّلامُ عليكَ، فكشفَ الثوبَ عَن وَجْهه وقال: وعليكَ السَّلامُ، مَن أنتَ؟ فقالَ: موسى، فقال: ما جاءَ بك؟ فقال: جئتُ لِتعلِّمني مما عُلِّمت رُشدًا، فقال: شيءٌ أمرتُ به أنْ أفعَلَه إذا رأيتَهُ لم تصبرْ". ثم قال رسول الله ﷺ عند هذا المكان: "رحمةُ الله علينا وعلى آل مُوسى لولا أنَّه عَجِل لَرَأى العَجَبَ، ولكنَّه أَخَذَتْهُ ذَمَامة من صاحبه". وكان ﷺ إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه. ثم قال: "فانطَلَقا حتى أتيَا أهلَ قريةٍ لئامٍ، فَطَافا المجالسَ فاستَطْعَما أهلَها، إلى قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]. قال: فأخذ بثوبه ثم تلا إلى قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ إلى آخر الآية، وقال: فإذا جاء يُسَخِّرها وجدها منخرقةً فيتجاوز إلى غيرِها فأصلَحُوها بخشبةٍ. وأمَّا الغُلام فطُبعَ كافرًا يومَ طُبع وكانَ أبوَاه قد عَطَفا عليه فلو أنَّه أدرَكَهما أرهَقَهما طُغْيانًا وكُفرًا" (١).
وفي رواية: "وفي أصل الشَجَرةِ عينٌ يقالُ لها: الحياة لا يصيبُ من مائها شيءٌ إلا حيي، فأصَابَ الحوتَ مِن تلك العينِ فتَحَرَّك وانسلَّ من المِكْتَل، فدَخَلَ البحرَ" (٢).
وفي رواية: قيل له: خُذْ حوتًا مَيْتًا حتى يُنْفَخَ فيه الرُّوح، فدخلَ الحوتُ البَحْر فأمسك الله عنه جِرْيَةِ الماء، ووجَدَ الخَضِر على طِنفِسة خَضْراء على كَبِدِ البحر، وفيه: فقال الخَضر لموسى: أما يَكْفيك أنَّ التَّوراة بيدِك وأنَ الوحي يأتيك" (٣).
وفي رواية: إنَّ لكَ علمًا لا ينبغي لي أنْ أعْلَمَهُ، وإنَّ لي عِلْمًا لا يَنْبغي لكَ أن تَعْلَمه" وفيه: "فأضجعَ الغلامَ فَذَبَحَهُ بالسكِّينِ" وفيه: "فخَشينا ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أن يَحْمِلهُمَا حُبُّهُ على أن يُتَابعاه فأُبْدِلا مَكَانه جارية" (٤). هذا قدر ما أخرج البخاري ومسلم في "الصحيحين" وعند البخاري غير مسند.
ويزعمون أن الملك: هُدَدُ بن بُدَد، واسم الغلام المقتول: جَيسور (٥)، وكانت
стр. 667
الأولى نسيانًا، والثانية سهوًا، والثالثة عمدًا (١).
تفسير غريب الحديث: "هلمَّ" أي: أقبل، قال الجوهري: هلمَّ يا رجل بمعنى تعال (٢).
و"نوف": رجل من أهل الشام. وبَكالة- بفتح الباء- قبيلة من حِمْيَر، و"كَذَب": أي: أخطأ، والعرب تضع الكذبَ موضع الخطأ، و"المِكْتَلُ": الزِّنبيل، و"الطَّاقُ": عقد البناء، و"السَّرَب": الطريقُ، و"المُسَجَّى": المُغَطَّى، و"حُلاوة القَفَا": ما أَدْبَر منه، و"الذَّمَامةُ": الحَياءُ، وقيل: القَبَاحةُ، وهي تكون في الخُلُق، والدَّمامة في الخِلْقَة.
وقال علماء السّير: لما سأل موسى ﵇ ربَّهُ أنْ يُرِيَه الخَضِر ﵇ قال له: ائت جانب البحر فإنكَ تجدُ على شطّه حوتًا، فخذه وادفعه إلى فتاك، ثم الزم شطَّ البحر، فإذا نسيت الحوت وذهب منك فهناك تجد العبدَ الصالحَ.
وفي رواية ابن عباس: فإذا عاش الحوت وجدْتَه.
قال: فتزوَّد خبزًا وسمكة مالحة، وقال: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ أي: لا أزال أسير حتى أَجِدَه ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] أي: مدة ثمانين سنة وهو الحُقُب.
فلما وصل إلى الصخرة التي عند مَجْمَع البَحرين وعندها عينُ الحياة أصاب الحوت روح الماء وبرده فاضطربَ وخرجَ من المِكْتَل فدخلَ البحرَ، فذلك قوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما قال: نسيَا والحوتُ كان مع يُوشَع لأن الفعل يجوز أن يضافَ إلى اثنين وهو لواحد كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما وهو المالح دون العذب.
فجاع موسى فقال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣]. قال وهب: الصخرة دون نهر الزيت بالمغرب ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أنْ أذكره لأنه كان مع الفتى فأخبر عن نفسه فرجعَا إلى الصخرة فوجدَا الخَضر
стр. 668
عندها، والخضر لقب له، وسنذكر اسمه بعد هذا، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] لأنه هو السبب.
وقال مقاتل: وجد الخَضِر نائمًا على وجه الماء على طِنْفِسةٍ خَضْرَاءَ، وهو المراد بما ذكر في الحديث على وجه الماء، أي: وسطه، فسلَّم موسى عليه فقال: وعليك السلام يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: ومن أخبرك بي؟ فقال: الذي دلَّك عليَّ، ومن قال الخضر كان نبيًا يقول أوحي إليه ذلك.
فإن قيل: فلمَّا ذهب إلى الميقات أقام أربعين ليلةً لم يأكل، ويجوعُ نصفَ يوم فيقول آتنا غداءنا؟ فالجواب: إنَّ في ذهابه إلى الميقات كان وعدُ الانتظار يشغله عن الطعام والشراب، وفي سفر الخَضِر معلمًا فكان سفر تأديب فجاع.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ [الكهف: ٦٥] أي: نعمة ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من علم الغيب ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أي: صوابًا، وهذا تحريض على طلب العلم والتواضع ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ أي: لن تطيق لأني أعلم علم الغيب وأنت لا تعلمه، فتنكر ظاهر ما ترى ولا تعلم الباطن، وهذا معنى قوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
فإن قيل: فَمَا صَبَرَ؟ قلنا: ظاهر الشرع أوجب له الإنكار عليه، وقد قيَّد الله صبره بالمشيئة، فلما ركبا في السفينة قال أهلها: هؤلاء لصوص أخرجوهم، فقال صاحبها: ما هم بلصوص ولكني أرى وجوه الأنبياء، فأخذ الخَضِر فأسًا فقطع لوحًا منها، وكانوا في اللُّجَّة، فحشا موسى موضع اللوح بثوبه وقال: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: منكرًا ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾.
وقال ﷺ : "كانت الأولى من موسى نسيانًا" (١) ولهذا قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ حتى رأى غلامًا فقتله، قال مجاهد: كان اسم الغلام خشن بُود (٢) واسم أبيه ملاس وأمه رحمى (٣)، ولم يبلغ الحلم، قالوا: ومع هذا فكان يقطع الطريق ويفسد في
стр. 669
الأرض، فقال له موسى: "أقتلت نفسًا زاكية"- بألف (١) - وهي التي لم تذنب قط. ومن قرأ ﴿زَكِيَّةً﴾ أراد التي أذنبت ثم تابت، وقيل هما لغتان.
فإن قيل: ففي الحديث الذي رويتم أنَّ الغلام الذي قتله الخَضِر طبع كافرًا فكيف قال زاكية؟ قلنا: الزاكية في البدن، أي: سالمة مِنَ العيوب، والزَّكيَّةُ في الدين، ذكره المبرِّد. وقال الحسن: إنما شقَّ ذلك على موسى لأن الخضر أضجعَ الغلام وذبحه. ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير قتل نفس ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا، والنُّكْرُ أشدُّ من قوله إمرًا ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ قال ابن عباس: هي أَنْطَاكِيَة، وقال ابن سيرين: الأُبُلَّة، وقيل: باجَرْوان من أعمال واسِط.
قلت: والعجب من هذا، والواقعة كانت بالمغرِب بإفريقِيَّة، وقيل: بطنْجَة، وقيل: عند نهر الزيت وهو أقصى المغرب، فما الذي أتى بها إلى أَنْطَاكِيَة والأبُلَّة؟ وهو من أقصى الدنيا وأبعد الأرض عن السماء، فيحتمل أنها قرية من قرى المغرب.
﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ أي: يقروهم، لأنهم كانوا أهل قرية لئامًا ﴿فَوَجَدَا فِيهَا﴾ أي: في القرية ﴿جِدَارًا﴾ أي: حائطًا، قال وهب: كان طوله في السماء مائة ذراع ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقال ابن جبير: مسح الجدار بيده فاستقام فقال له موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وقيل: ضيافة يعني على إقامته وإصلاحه ﴿قَالَ﴾ الخضر ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ﴾ أي: سوف أخبرك ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ثم شرع يشرح له فصلًا فصلًا:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ قال وهب: كانت لعشرة إخوة، خمسة زَمْنَى وخمسة يعملون في البحر ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ووراء بمعنى أمام كقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقيل: معنى وراءهم خلفهم، رجعوا عليه في طريقهم، وقيل: معناه يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا.
стр. 670
واسم الملك جلندى في قول ابن عباس، وكان كافرًا. وقال محمد بن إسحاق: كان اسمه منولة بن جلندا اردى (١) وقيل: اسمه: هُدد بن بُدَد، وقال مقاتل: كان من ثَقِيف، وهو جدُّ الحجاج بن يوسف الثقفي.
فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ يدلُّ على أن المسكين من له شيء ولا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة، ويجوز له أخذ الزكاة، وقد قال أبو حنيفة: المسكين من لا شيء له أصلًا، وقال ابن عباس: كانت السفينة تساوي ألف دينار.
والجواب: إن أبا حنيفة يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦] وهو الذي لزق بالتراب من فقره. وقال عيسى بن عمر: قلتُ لأعرابي: أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لا والله بل مسكين. وأما أصحاب السفينة فقد روى عطاء عن ابن عباس أنهم كانوا أُجَراءَ، ولم تكن ملكًا لهم. وأما قوله بأن الزكاة تصرف إلى المساكين فنحن نقول به ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الوصية إذا قال: ثلث مالي للمساكين، هل يدخل الفقراء في ذلك أم لا؟ عند أبي حنيفة لا يدخلون وتكون للمساكين، وعند الشافعي يدخلون لما عرف.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ يغشاهما، وقيل: يكلِّفهما ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ قال سعيد بن جبير: خشينا أنْ يَحمِلَهما حبُّه على أنْ يدخلا في دينه ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ صلاحًا وإسلامًا وإيمانًا ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: قرابة. وقال الكلبي: أبدلهما الله جارية فتزوجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم. وروى الثعلبي عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵇ قال: أبدلهما الله جارية فولدت سبعين نبيًّا (٢).
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ واسمهما أصرَم وَصُرَيْم ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ واختلفوا فيه على أقوال:
стр. 671
أحدها: كانت فيه صحفٌ فيها علم، حكاه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثاني: أنه لوح من ذهب فيه مكتوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عجبت لمَنْ يُوقِن بالقَدَر كيف يَحزن، وعجبتُ لمَنْ يُوقِن بالموتِ كيف يفرح، وعجبت لمَنْ يُوقِن بالرِّزقِ كيف يتعب، وعجبتُ لمَنْ يُوقِنُ بالحسابِ كيف يَغْفَل، وعجبتُ لمَنْ يَعرِفُ الدنيا وتقلُّبها بأهْلِها كيف يَطْمَئِنُّ إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. قاله ابن عباس والحسن وجعفر بن محمد، وروي مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ (١).
والثالث: أنه مال. قال أبو إسحاق بإسناده عن مكحول عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾: "كان ذَهَبًا وفضةً" (٢)، وبه قال عكرمة.
والرابع: أنه كان مكتوبًا على اللوح الذي من ذهب: أنا الله لا إله إلّا أنا، أنا وحدي لا شريك لي، خلقتُ الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشرّ وأجريته على يديه، قاله مقاتل.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ واسمه كاشح؛ وقال: معنى صلاحه أنه كان بينه وبين الأب الذي حفظ بصلاحه سبعة آباء.
قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن محمد بن المنكدر قال: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حول مَسْرَبته، فلا يزالون في حفظ الله وستره.
وكان سعيد بن المسيّب إذا رأى ابنه يقول: يا بنيّ لأزيدنَّ صلاتي من أجلك رجاءَ أن أُحْفَظَ فيك، ويتلو هذه الآية (٣).
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: قوتهما، وهو ثماني عشرة سنة ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ أي: يخرجاه من تحت الجدار ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ بل بأمر الله وإلهامه وتوفيقه إياي، وإطلاعي على العلم.
стр. 672
قلت (١): والعجب لموسى كيف ينكر على الخَضِر وقد جرى له من جنس ما أنكر، قال له: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ ونسي ما لقيه في اليمّ، وأنكر عليه قتل الغلام ونسي قتله القبطي، وأنكر عليه إقامة الجدار بغير أجر ونسي يوم ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.
فصل
فإن قيل: فكم كانت أسفار موسى؟ فالجواب سبعة أسفار: سفر السَّلب، وسفر الهَرب، وسفر الطَّلَب، وسفر السبَبَ، وسفر النَّصَب، وسفر الحَرْب، وسفر الطرب، فوجد في سفر السَّلب الأم، وفي سفر الهرب شُعَيْبًا والعصا، وفي سفر الطَّلَب النبوَّة، وفي سفر السَّبَب النَّجاة، وفي سفر النَّصَب الخَضِر، وفي سفر الحرب المنَّ والسلوى، وفي سفر الطَّرب القربَ والمناجاةَ.
وقد أشار جدي ﵀ إلى بعض هذا في "المنتخب" فقال: سافر موسى سبعة أسفار: سفر التلف ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧] وسفر الهَرَب ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء: ٢١]، وسفر الطلب ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩]، وسفر السَبَب ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [الدخان: ٢٣] وسفر التعب ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا﴾ [الكهف: ٦٢]، وسفر الطَّرب ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وسفر العَجَب ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]. فوجد في كل سفرة فائدة. ففي سفر التلف وجد الأم، وفي سفر الهرب وجد العصا والصهر، وفي سفر الطلب وجد النبوَّة والتَّكليم، وفي سفر السبب وجد الراحة من العدوّ وغرق فرعون، وفي سفر التعب وجد الخضر، وفي سفر الطرب أخذ التوراة، وفي سفر العجب أكرم بالمن والسلوى والغمام.
فإن قيل: فكم الألفاظ التي قوبل بها موسى ﵇ من لفظة "لن"؟ قلنا: خمسة: أمر قومه بالإيمان فقالوا: ﴿لَن نُّؤمِنَ﴾ [البقرة: ٥٥]، ووقعوا في التيه فقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾ [البقرة: ٦١]، ونُدِبُوا إلى الجهاد فقالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ [المائدة: ٢٤]، قال: أرِني قال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أقبل إلى الخضر للتعليم فقابله بلفظة ﴿إِنَّكَ لَن﴾ [الكهف: ٦٧].
стр. 673
فصل في وفاة هارون ﵇
واختلفوا فيها على أقوال:
أحدها: أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: إنَّي متوفٍّ هارون فأتِ به جبل كذا وكذا، فخرج به نحو ذلك الجبل، فإذا ببيت مبنيٍّ وحوله شجرٌ لم يُرَ في الدنيا مثله، وفي البيت سريرٌ وعليه فرشٌ وريحٌ طيبةٌ، فأعجب هارون وقال: يا أخي أُحبُّ أن أنام على هذا السرير، فقال موسى: نمْ، فقال: أخاف من صاحب البيت أنْ يراني نائمًا على سريره فيصعب عليه، فقال له موسى: نم ولا تخفْ فأنا أكفيك أمره، فقال له هارون: نم معي، فناما على السرير فمات هارون وارتفع البيت والسرير والشجر، ورجَع موسى إلى بني إسرائيل، فقالوا: وأين هارون؟ قال: مات. قالوا: بل أنت قتلته حَسَدًا له على حبِّ الرئاسة، حيث نحبُّه ونميل إليه وكونه أرفقَ بنا منك، فقال لهم: ويحَكُم أترَوْن أنِّي أقتل أخي، فسأل موسى ربَّه فأنزل الله السرير وهارون نائمٌ عليه، فرأوه بين السماء والأرض فصدَّقوه. قاله السُّدي (١).
والثاني: أنَّ هارون مات في التِّيه قبل موسى ﵇ بثلاث سنين فدفنه موسى، فاتهمه بنو إسرائيل، فأوحى الله إلى موسى انطلق بهم نحو قبره، فانطلق بهم ونادى موسى: يا هارون أنا قتلتك؟ فخرج من قبره ينفض رأسه ويقول: لا والله أنا متُّ موتتي التي كتب الله عليَّ قال: فعدْ إلى مضجعك، فعاد. رواه عمرو بن ميمون عن ابن عباس (٢).
والثالث: أن هارون صعد مع موسى على الجبل فتوفاه الله، وعاد موسى باكيًا فقالوا: أنت قتلته، كان ألينَ لنا منك، فسأل الله تعالى، فجاءت به الملائكة يحملونه، فشاهدوه ميتًا على أيدي الملائكة. رواه ابن عباس عن عليٍّ ﵇، قال فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
واختلفوا في موضع قبره:
قال عكرمة: لم يطلع عليه أحد إلا الرَّخَم، فصار أصمّ، وإنَّه في التيه.
стр. 674
وقال كعب الأحبار: هو في مغارة جبل السراة بمكان يقال له: مرات، مما يلي الطور، موضع في مغارة يسمع منها في الليل دويٌّ عظيم يفزع من سمعه، وقيل: هو مدفون في طور يقال له: طور هارون من بلاد الشَّوْبَك.
وقال جدي ﵀ في "أعمار الأعيان": مات هارون وله مئة وعشرون سنة (١).
وكذا هو في "التوراة"، وقال الحسن البصري: عاش مئة وثماني عشرة سنة، وكان أسنَّ من موسى بثلاث سنين فلما استكملها موسى مات. وقال مقاتل: ذكر الله هارون ﵇ في أحد عشر موضعًا من القرآن.
فصل في وفاة موسى ﵇
قال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر بن همَّام، عن أبي هريرة قال: جَاء مَلَكُ الموتِ إلى موسى فقال له: أجبْ ربَّكَ، فَلَطَمَ عينَ مَلَك الموْتِ فَقَلَعها، فرجع الملك إلى الله فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريدُ الموتَ وقدْ فَقَأ عَيْني، فردّ الله عليه عَيْنَه وقال: ارجع إلى عَبْدي وقُلْ له: إنْ كُنْتَ ترِيدُ الحياةَ فَضَعْ يَدَكَ على مَتْنِ ثَوْر فما توارى بيَدِكَ مِنْ شَعْرِه فإنَّكَ تَعِيشُ بكلِّ شعْرةٍ سنَة، فَعَادَ إليه فَأَخْبَرَه، فَقَال: ثُمَّ مَهْ، قال: تموت فقال: فالآنَ مِن قَريب. قال: يا ربِّ أَدْنِني مِنَ الأَرْضِ المقدَّسَة رَمْيةَ حَجر. قال رسول الله ﷺ : "لو أني عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُم قَبْرهُ إلى جنبِ الطَّريق عِنْدَ الكَثيبِ الأَحْمر". متفق عليه (٢).
وقال الحاكم أبو عبد الله: هذا الحديث موقوف على أبي هريرة لأنه قال في أوله: جاء ملك الموت، والمسند منه قوله ﵇: لو كنت هناك لأريتكم قبره، وكذا قال الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" (٣)، وقد روي في غير الصحيح أن الحديث كله من كلام رسول الله ﷺ (٤).
стр. 675
فإن قيل: فكيف قلع عين ملك الموت؟ فالجواب: أنه أتاه في سورة البشر، فخفي عنه أنه ملك الموت كما خفي عن رسول الله ﷺ جبريل أول ما جاءه في صورة دِحْيَة الكَلْبيّ، وكما جاءه في سورة أعرابي يسأله عن الإيمان، ثم عرفه بعد ذلك. فالعين المقلوعة هي العين البشرية دون الملكية، فلما عاد إليه وقد ردَّ الله عليه عينه استسلم لأمر الله.
قال عبد الله بن أحمد بإسناده عن أنس قال: لما مات موسى بن عمران جالت الملائكة في السماوات بعضها في بعض، واضعي أيديهم على خدودهم ينادون: مات موسى كليم الرحمن، والرحمن حيّ لا يموت أبدًا (١).
قلت: وهذا الذي ذكرته في وفاة موسى من "الصحيح"، ومن كتاب "الزهد" لأحمد ابن حنبل.
أما قول أرباب السِّير فقد اختلف فيه: فروى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: كان موسى يكره الموت، فأراد الله أن يحبِّبه إليه ويبغّض إليه الحياة، فنبَّأ يُوشَع بن نون، فكان يوشَع يغدو على موسى ويروح فيقول له موسى: يا نبيَّ الله ماذا عهد إليك ربُّك؟ فيقول له يُوشَع: يا نبيَّ الله ألم أصْحَبْكَ كذا وكذا سنة، فهل سألتك يومًا عن ما عهد الله إليك حتى تكون أنت الذي يبتدئ؟ قال: فكره موسى الحياةَ وأحبَّ الموت (٢).
قلت: وهذه رواية ضعيفة فإن موسى هو الذي استخلف يُوشَع بن نون على بني إسرائيل.
وانقطع موسى في عريش يأكل خبز الشعير ويشرب في نقير، وإنما تمنى موسى الموتَ لما رأى يُوشَع قد قام مقامه فأحسن إلى بني إسرائيل، فتمنَّى الموتَ لأنَّ قلبه طاب لما رآه كذلك.
стр. 676
وعلى هذا يحمل قول محمد بن كعب القُرَظيّ: إنَّ موسى لما رأى الجماعة عند يُوشَع أَحبَّ الموت، لا على وجه الحسد.
وأما قول موسى ليوشع: ماذا عهد إليك ربك؟ فإنه أراد أن يختبره هل بلغ منزلة يعقل فيها عن الله ويكون أهلًا لإيداع السرِّ فيه أم لا. فلما رآه قد بلغ إلى تلك الدرجة تمنَّى الموت.
وروى السُّدي عن أشياخه قال: بينما موسى وفتاه يوشع يمشيان إذ هبت ريح سوداء، فظنَّ يوشع أنها الساعة، فالتزم موسى وقال: يا نبي الله هذه الساعة، فانسلَّ موسى من تحت القميص فذهب، فلما جاء يُوشَع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا: قتلتَ نبيَّ الله، فقال: والله ما قَتَلْتُه ولكنه انسلَّ مني، فكذَّبوه وأرادوا قتله، وقالوا: أنت قتلته، فأوحى الله إليه لا تخفْ، فلما كان في تلك الليلة لم يبق ممن اتهم يوشع بقتل موسى إلا وأُتيَ في منامه فقيل له: إنَّ موسى رُفعَ ولم يقتله يُوشَع، فتركوه (١).
وذكر وهب بن منبه عن أشياخه قالوا: لما استخلف موسى يُوشَع بن نون جمع أهله، وعهد إليه بمرأى من الناس، وطاب قلبه باستخلافه لنهضته وأمانته- فإنه لم يكن في بني إسرائيل من يصلح للأمر سواه - وانفرد موسى في عريش يستظل به ويجمع السنبل فيأكل منه، وعليه جبَّة من صوف، فخرج يومًا من عريشه فمرَّ بقوم يحفرون قبرًا وكانوا ملائكة فعرفهم، واطلع فيه فأعجبه، ورأى فيه من الرَّوْح والخضرة والنضارة والبهجة ما حيَّره، فقال لهم: يا ملائكة الله لمن هذا القبر؟ فقالوا: لعبدٍ كريم على الله، فقال: إنَّ هذا العبد من ربه بمنزلة، ما رأيتُ مضجعًا كاليوم، فقالوا: يا صفيَّ الله أتحبّ أن تكون ذلك العبد؟ قال: ودِدْتُ ذلك، قالوا: فانزلْ فاضطجعْ فيه وتوجّه إلى ربِّك، ففعل، فقالوا: تنفَّس، فتنفَّس فمات، وسوَّت الملائكة عليه التراب (٢). قال وهْب: وصلى عليه جبريل وميكائيل.
стр. 677
قال جدي ﵀ في "المنتظم": وفي هذا بعد، وحديث أبي هريرة يدلّ على غير هذا (١).
قلت (٢): وليس في حديث أبي هريرة أن ذلك الملك قبضه، وإنما فيه: الآن من قريب؛ ويحتمل أن هذه الواقعة كانت عقيب حديث أبي هريرة بيسير، على أن حديث أبي هريرة موقوف عليه وليس بمرفوع على ما بيّنَّاه.
وروي عن ابن عباس أنه قال: كان لموسى ثلاث بنات، فلما احتضر دعاهنَّ وقال لهن: أوصيكن بوصية فاعملن بها، كأنّي ببني إسرائيل وقد عرضوا عليكن الدنيا، فاحذرن منها شيئًا وعليكن بِلَقْطِ السُّنبل فافركنه واجعلنه زادكنَّ إلى الجنة (٣).
واختلفوا في موضع قبره على أقوال:
أحدها: أنه بأرض التيه هو وهارون، ولم يدخل الأرض المقدسة إلا رميةَ حجر، رواه الضحاك عن ابن عباس.
وقال وهب: لا يُعرف قبره، ورسول الله ﷺ أبهم ذلك بقوله: "إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" ولو أراد بيانه لبيَّنَ صريحًا.
وأما الحديث الذي فيه ذِكْر الأرض البريصاء فقالوا: لا يصحّ عن رسول الله ﷺ .
وقال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله.
وقال ابن إسحاق: لم يطّلع أحدٌ على قبر موسى وهارون إلا الرَّخَمَةُ، فنزع الله عقلها لئلا تدلَّ عليه، ومعنى عقلها إلهامها.
والقول الثاني: أنه بباب لُدّ بالبيت المقدس، قال مجاهد: لما انتهت الأربعون سنة التي تاهوا فيها خرج موسى ببني إسرائيل من التِّيه وفتح أَريحَا، وأتى البيت المقدس وقال لهم: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وقد ذكره أبو جعفر الطبري في "تاريخه" وقال: هذا هو الصحيح.
стр. 678
قلت: وكيف يكون هذا هو الصحيح وقد قال ابن عباس ووهب وعامة العلماء: إنه بأرض التيه. وذكره جدي في "التبصرة" (١)، وقال نبينا ﷺ : "إنَّ مُوسى قَال: أدْنِني مِن الأرضِ المقَدَّسةِ رميةَ حَجرٍ" (٢).
وقال ابن عباس ووهب: ما فتح أَريحَا موسى، وإنما فتحها يُوشَع بنُ نون وهو الذي حُبِسَتْ عليه الشمس، لما نذكر.
وأما قوله: إن المراد بالقرية البيت المقدس، فقد قال ابن عباس: هي أَريحَا قريةُ الجبَّارين، وكان فيها قوم من بقية عَاد يقال لهم: العَمَالِقَة ورأسهم عوج بن عناق، وقيل: هي بَلْقَاءُ، وقال ابن كيسان: الشَّام، وقال الضحاك: الرَّملَة والأُردُنُّ وفلَسطين وتَدمر، ولم يقل: إنها بيت المقدس إلا مجاهد وقد خولف.
وقال مقاتل: إِيليَاءُ، قال: وكان للقرية سبعة أبواب.
والثالث: أن قبر موسى بين عَاليَة وعويلة، وهما مَحَلَّتان عند مَسْجِد القَدم، ويقال: إنَّ عَالِيَة وعويلة عند كَنيْسَة توما، ويقال: إنَّ قبره رؤي في المنام فيها، والأصحُّ أنه في تيه بني إسرائيل.
وحكي عن الحسن أنه قال: مات موسى في سبعة أيام من آذار ودفن في الوادي بأرض مُآب فصار قولًا رابعًا. ومآب ما بين بُصرى والبَلْقَاء.
والخامس: أن قبر موسى بدمشق، ذكره الحافظ أيضًا عن كعب الأحبار (٣).
وروى الحافظ أيضًا حديثًا عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "مررتُ ليلةَ أُسرِيَ بي بموسى وهو قائم يصلي في قبره بين عالية وعويلة" (٤) وقال الحافظ على أثره: قال الحاكم أبو أحمد: هذا حديث غريب من حديث سعيد عن يونس عن أنس، لا أعلم أنه حَدَّث به غير الحسن بن يحيى الخشني عن سعيد، ثم قال الحافظ: وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه مرَّ على موسى ليلة الإسراء وهو يصلي في قبره من غير ذكر عَالِيَة وعويلة.
стр. 679
قلت: والحديث الذي أشار إليه أخرجه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "مَررْتُ ليلةَ أُسريَ بي على مُوسى عند الكَثيبِ الاْحمرِ وهو قَائمٌ يُصلِّي في قبرِهِ" (١).
وقد ذكرنا أن موسى مات وهو ابن مئة وعشرين سنة.
وقال وهب: عاش موسى ﵇ في ملك أفريدون عشرين سنة وفي ملك منوشهر مئة سنة.
وقال ابن عباس: بين إبراهيم وموسى ﵉ سبع مئة سنة.
فصل في فضل موسى ﵇
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: استبَّ رجلان،
رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، في قَسَمٍ أقسم به، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم اليهوديَّ، فمضى اليهوديُّ إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمرِ المسلم، فقال رسول الله ﷺ : "لا تخيِّروني على مُوسى، فإنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فأَكُونُ أوَّلَ مَنْ يُفيقُ، فإذا موسى باطِشٌ بِجانِبِ العَرْشِ، فلا أَدْري أَكَانَ فيمَنْ صُعِقَ فأفاقَ أوكانَ فيمن استَثْنَى اللهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٢).
وقال أحمد بإسناده، وقد أخرجه الحميدي، وفيه: فقال النبي ﷺ للأنصاري: "لِمَ لطمتَ وجْهَ اليهوديِّ؟ " فقال: يا رسول الله، فَضَّل موسى عليك وعلى البشر، فَغَضِبَ رَسُولُ الله ﷺ وقال: "لا تُفضّلُوا بَينَ أَنْبياءِ الله فإنَّهُ يُنْفَخُ في الصور فَيُصْعَقُ مَن في السَّمَاواتِ والأرض إلا مَنْ شَاءَ الله، ثُمَّ يُنْفَخُ فيهِ أُخْرَى فأَكُونُ أول مَن بُعِث، فإذا موسى آخذٌ بالعَرْشِ، فلا أدْرِي أَحُوسِبَ بصَعْقةِ الطُّورِ أم بُعِثَ قَبْلي" (٣). وللبخاري: "إنَّي لأوَّلُ مَنْ رَفَع رأسهُ بَعْدَ النَفْخَةِ فإذا موسى مُتَعلِّقٌ بالعَرْشِ" وذكره (٤).
стр. 680
قال أبو سليمان الخطَّابي: "الصَّعْقُ": الموتُ، والأصح أنه مثل الغشي، وقوله ﷺ : "لا تخيّروا" منسوخٌ بقوله: "أنا سيّد ولد آدم ولا فخر" (١).
و"الباطشُ": الآخذ، وإنما يأخذ موسى بساق العرش قبل الناس لأنه في صورة غريم يطلب الدين من غير مماطل ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ومعنى الحديث: أنه صُعقَ مرةً فلا يحتاج إلى أخرى.
وفي مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال: "مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي على مُوسى ﵇ قائمًا يُصَلِّي في قَبْرِهِ" (٢).
وأخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرِضَ عَلَيَّ الأنبياءُ فإذا موسى ضَرْبٌ من الرِّجَالِ كأنَّهُ مِنْ رجالِ شَنوءَةَ، وذكَر عيسى ابنَ مريمَ" (٣).
والضَّرب: الخفيف اللحم، ورجال شَنُوءة كانوا طِوالًا، ويقال: أزد شَنُوءَة، وقد تقدم هذا وأخرجه أحمد (٤).
وأما إسناد مسلم، فقال مسلم بإسناده عن جابر بن عبد الله، وذكره، وفيه: "ورَأَيتُ إبراهيمَ وأقربُ مَن رأيت به شبهًا صاحِبُكم، ورأيتُ عيسى وإذا أقربُ مَن رأيتُ به شَبَهًا عروةُ بن مسعودٍ" (٥).
فإن قيل: فهل تعرفون في المُحَدِّثين من اسمه موسى بن عمران؟ فالجواب: جماعة، منهم: موسى بن عمران أبو عِمْران السُّلَمي، حدَّث بدمشق عن أبيه وروى عنه جمح بن القاسم، ومنهم موسى بن عمران بن موسى بن هلال، سمع مَكْحُولًا البيروتي وأبا الحسن بن جَوْصا، وأباه وغيرهم، وكانت وفاته بسَلَمَاس في سنة ثمانين وثلاث مئة (٦).
* * *
стр. 681
فصل في قصَّة بلعَام الذي ما نجا من بحر الفتن بل عام، وما حلَّ به من الانتقام (١)
قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]. واختلفوا فيمن نزلت على أقوال:
أحدها: في بلعام، قاله ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد والسُّدي، واختلفوا فيه على أقوال، فقال ابن عباس: هو بلعام بن باعوراء من بني إسرائيل، وقال مجاهد: بلعام بن باعور كان نبيًا، وقال مقاتل: بلعام بن باعوراء بن ناب بن لوط ﵇، وكان من مدينة الجبَّارين الكنعانيين، وقال موسى بن طلحة: كان من البَلْقَاء، وملكها يقال له: بالق (٢).
والثاني: أنها نزلت في أميَّة بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولًا في ذلك الزمان، فطمع أن يكون هو، وسنذكره في نبَّوة نبيِّنا ﷺ ، قاله عبد الله ابن عمرو بن العاص وابن المسيَّب وأبو روق وزيد بن أسلم.
والثالث: أنها نزلت في البسوس، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل من بني إسرائيل كانت له امرأة دميمة، وله منها أولاد، وكان للرجل ثلاث دعوات مستجابات، فقالت المرأة: اجعل لي منها دعوة، قال: وما هي؟ قالت: تجعلني أجملَ امرأة في بني إسرائيل، ففعل، فرغبت عنه، فغضب ودعا عليها فصارت كلبةً نبَّاحة، فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: لا صبر لنا على هذا، فإن الناس يعيِّروننا ويقولون: أمكم كلبةٌ نبَّاحة، فدعا لها فرجعت إلى حالها الأول، فنفذ فيها ثلاث دعوات.
واختلفوا في البسوس:
стр. 682
فقال كعب: هو اسم الرجل، وقيل: اسم امرأة، وليست هذه البسوس التي أهاجت الحرب بين بكر وتغلب بن وائل، وسنذكرها فيما بعد.
والخامس: أنها عامة في كلّ مَن انسلخ عن الحق من بعد ما أعطيه من اليهود والنصارى والمسلمين، قاله الرَّبيع بن أنس.
والسادس: أنها نزلت في المنافقين، قاله عكرمة.
والسابع: في قريش، أتتهم آيات الله على لسان رسوله فانسلخوا منها، قاله عبادة بن الصامت.
والثامن: في منافقي أهل الكتاب كانوا يعرفون رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم ولكن انسلخوا منه، قاله الحسن وابن كيسان.
والتاسع: في الرهبان الذين آتاهم الله الإنجيل فانسلخوا من أحكامه يرضون النصارى بذلك فغيَّروا وبدّلوا، قاله مقاتل.
والعاشر: أنه ضُرِبَ مثلًا لمن أعرض عن الهدى بعد أن عرض عليه، قاله مقاتل.
والمشهور: أنها نزلت في بلعام، وقيل: إنه كان يسكن قرية من قرى الشام يقال لها: بالعة.
فصل في ذكر قصته
ذكر علماء السير كابن عباس ووهب والسّدي وابن إسحاق وغيرهم: أنه كان قد أوتي الاسم الأعظم، وكان يسكن بالبلقاء، فلما نزل موسى ﵇ على أَرِيحا لحرب الكَنعانيين أتى قومُ بلعام إليه وقالوا: هذا رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وقد جاء ليخرجنا من أرضنا ويُحلَّها بني إسرائيل، ونحن بنو عَمِّكَ، وأنت رَجُلٌ مجابُ الدعوة فادعُ عليه أن يردَّه الله عنَّا، فقال لهم: ويحكم، نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! إن فعلتُ ذلك ذهبتْ دنياي وآخرتي. فبكوا وتضرَّعوا إليه فقال: حتى أؤامرَ ربي، وكان لا يدعو حتى يرى ما يؤمر به في المنام، فتآمر في الدعاء عليهم فقيل له في المنام: لا تدعُ عليهم، فقال لقومه: قد أُمرتُ أن لا أدعو عليهم، فأهدوا له هدايا كثيرة ورشوة فافتتن، ووعدهم أن يدعو عليهم.
стр. 683
وقال مقاتل: نصب له ملك البَلْقَاءِ خشبة، وأراد صلبه لامتناعه من الدعاء عليهم، فركب أتانًا وخرج متوجهًا إلى جَبَل يُطْلِعُهُ على عسكر موسى، فوقف على جبل حسبان المطلِّ على الغور وعسكر موسى قريبٌ من أَريحَا، فما سار على الأتان غير بعيد حتى ربضت به، فنزل عنها وضربها حتى إذا أَذْلَقَها الضرب قامت، فركبها فلم تسر غير بعيد حتى ربضت، فنزل عنها وأخذ يضربها، فقالت له: وَيْحك إلى أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي (١) يردونني؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم يرتدع حتى وقف عليهم ودعا عليهم، فجعل لا يدعو عليهم بشيء من الشر إلا انصرف إلى قومه، ولا يدعو لقومه بشيءٍ من الخير إلا صرفه الله إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: ويحَك ما هذا؟ فقال: شيءٌ لا أملكه، إلا أنه قد دعا عليهم أن لا يدخلوا المدينة فوقعوا في التيه (٢).
وخرجت من صدره حمامةٌ بيضاء وهي الإيمان والمعرفة.
وقال موسى: يا إلهي قد سمعتَ دعاءَه علينا فاسمع دعاءَنا عليه: اللهم انزع منه الاسم الأعظم، فنزع منه في الحال، واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لقومه: ذَهَبَتْ منِّي الدنيا والآخرة، ولم يبقَ إلا المكر والحيلة، وسأحتال لكم، زِّينوا النساءَ وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر ليبعنها فيه، وأمروهن أن لا يمنعن من أرادهنَّ فإنه إن زنى رجل منهم كُفيتم أمرهم، ففعلوا ذلك، فمرَّت امرأة من الكنعانيين يقال لها: كشى بنت صور برَجُلٍ من زعماء بني إسرائيل يقال له: زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يَعْقُوب فأعجبته، فقام وأخذ بيدها، ثم جاء حتى وقف على موسى ﵇ وقال: إني لأظنك ستقول هذه حرام عليك، فقال: أجل والله إنها لحرامٌ عليكَ فلا تقربها، فقال: والله لا نطيعك في هذا، ثم دخل بها قبّتَه فزنى بها، فأرسل الله عليهم الطَّاعونَ في الوقت، فمات منهم في ساعةٍ واحدة سبعون ألفًا، وكان فنحاص بن العيزار صاحب أمر موسى غائبًا، فجاءه وكان شديد القوى فرأى الطاعون يجوسُ في بني إسرائيل، فقال: ما هذا؟ فأُخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد
стр. 684
كلها، ثم دخل القبة على زمري وهو مضاجع المرأة فانتظمهما بحربته، وخرج بهما رافعًا حربته إلى السماء، قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى جنبه- وكان بكر العيزار- وجعل يقول: اللهم من يعصيك كذا نفعل به، فهلك من بني إسرائيل من ساعة زنى بالمرأة إلى ساعة فعل فنحاص ما فعل سبعون ألفًا كما ذكرنا، وقيل: تسعون ألفًا، فمن هناك يعطي بنو إسرائيل ولدَ فنحاصَ من كلِّ ذبيحة يذبحونها القِبَّةَ والذِّراع واللحي، باعتماده الحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى جنبه، والشطرَ من أموالهم وأنفسهم في النكاح.
وقال الجوهري: القِبَّة بالكسر ذاتُ الأطباق، وهي الحِفْثُ، وقال في حرف الثاء الفَحِث- بكسر الحاء- لغةٌ في حَفِث الكَرِش، وهو القِبَّةُ ذات الأطباق، ذكرها في موضعين (١).
واختلفوا في الآيات:
قال ابن عباس والسُّدي: هي الاسم الأعظم.
وقال ابن يزيد: كان لا يسأل الله شيئًا إلا آتاه الله.
وروي عن ابن عباس أنه قال: أوتي كتابًا من كتب الله.
وقال مقاتل: الآيات حجج الله وفهمُ الأدلة.
وقال مجاهد: هو نبي في بني إسرائيل يقال له: بلعم بن باعور أو باعر، أوتي النبوَّة فرشاه قومه على أن يسكت عنهم، فسكَتَ وتركهم على ما هم عليه.
﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: خرج كما تنسلخ الحيَّةُ من جلدها ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] أي: أدركه ولَحِقَهُ ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] الضالين ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: فضلناه وشرفناه وعصمناه ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: ركن إليها وسكن ورضي بالدنيا من الآخرة، وهذا مَثَل ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: انقاد له. وحكى الثعلبي عن يمان بن رئاب قال: ﴿هَوَاهُ﴾ أي: امرأته لأنها حملته على الخيانة وطلب الدنيا ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾
стр. 685
[الأعراف: ١٧٦] قال مجاهد: منقطع الفؤاد لا يزال يلهث حملت عليه أم لا. وقيل: إنْ وعظته أو لم تعظه سواء عليه. وقال ابن عباس: معناه: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد إلى الخير. وقال ابن قتيبة: كل شيء من الحيوانات إنما يلهث من عطش أو إعياء إلا الكلب فإنه يلهث على كل حال، فضربه الله مثلًا لمن كذَّب بآياته وهو من لم ينتفع بعلمه. فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال (١). وقال مقاتل: زجر في منامه فلم ينزجر، وخاطبته الأتان فلم ينتبه، وهذا رجل لم ينفعه علمه بل ضرَّه وكان وبالًا عليه.
وقال منصور بن زاذان: نبئتُ أن بعض من يُلقى في النار يتأذَّى أهلُ النار بنتن رائحته، فيقولون له: ويلك ما كفانا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بنتن ريحك، ما كنت تعمل في الدنيا؟ فيقول: كنت عالمًا فلم أنتفع بعلمي.
وقال السُّدي: ثم إن موسى صعد إلى البلقاء وحارب قوم بلعام، وقتل ملكهم بالق وأسر بلعام فقتله شرَّ قتلة، وهذا ما انتهى إلينا، والله أعلم.
فَصل في ذِكْر قارُون وَسَلْبِه كُل مَكنُون ومَخزُون (٢)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] الآية.
واختلفوا في نسبه إلى موسى على أقوال:
أحدها: أنه كان ابن عمه لأن موسى: ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وقارون هو ابن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ابن جريج والنخعي.
والثاني: ابن خالته رواه عطاء عن ابن عباس.
والثالث: كان عمَّ موسى ﵇، قاله محمد بن إسحاق (٣).
стр. 686
وقال قتادة: كان قارون يسمَّى المنوَّر لحسنه، وإنما نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي (١).
قوله تعالى: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ واختلفوا في معنى هذا البغي على أقوال:
أحدها: أنه بغى عليهم بالكبر، قاله قتادة.
والثاني: أنه زاد في ثيابه شبرًا، قاله عطاء الخراساني.
والثالث: أنه بغى بالنفاق والكفر، قاله الضحاك.
والرابع: أنه كان يخدم فرعون ويتعدى على بني إسرائيل ويظلمهم، حكاه الماوردي (٢).
والخامس: أنه جعل لبغيٍّ جعلًا لتقذفَ موسى ﵇ ويتعدى على بني إسرائيل، قاله ابن عباس (٣). وسنذكره.
وفي مفاتيحه قولان:
أحدهما: أنها مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب، وكانت مفاتيحه وِقْرَ ستِّين بغلًا، وكانت من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، قاله مقاتل.
وقيل: كل مفتاح تفتح به عدة خزائن، ووزن كل مفتاح درهمان، قاله مجاهد وقتادة ومقاتل.
والثاني: أن المراد بالمفاتيح الخزائن نفسها، وحكاه جدي في "التبصرة" عن السُّدي وأبي صالح والضحاك، قال: وقال الزجاج: وهذا أشبه، وإليه ذهب ابن قتيبة (٤). وكانت مفاتيح خزائنه تحمل على أربعين جملًا (٥).
قلت: والأول أشبه، لأن أموال قارون كانت عظيمة تزيد على ما ذكره، فإن أربعين
стр. 687
بغلًا بالنسبة إلى أمواله يسيرة.
﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: بنقلهم، وهذا دليل على ما ذكرنا لأنه صريح فيه، وإذا كانت المفاتيح تنوء بنقل العصبة - وهم أربعون رجلًا في قول ابن عباس، وقد ذكرناهم في قصة يوسف - فما ظنك بالخزائن.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] يعني المؤمنين من آمن بموسى، ومعنى لا تفرح: لا تبطر ولا تمرح ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ وهي الجنة، بالإنفاق في طاعة الله ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ وهو أن تعملَ فيها للآخرة ﴿وَأَحْسِنْ﴾ بإعطاء فضل مالك ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ بأن زادك على قدر حاجتك ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧] بأن تعمل بالمعاصي.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعني المال، وفيه أقوال:
أحدها: أن قومه لما وعظوه قال: إنما أوتيته على خير وصلاح عَلِمَهُ الله مني، ولولا ذلك لما أعطاني إيَّاه، قاله مجاهد.
والثاني: بفضل علمي، قاله الفراء.
والثالث: بالمكاسب والتجارات، حكاه الماوردي (١).
والرابع: برضا الله عني، قاله ابن زيد.
والخامس: بصنعة الكيمياء، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وحكى جدي في "التبصرة" عن الزجاج أنه قال: وهذا لا أصل له لأن الكيمياء باطلٌ لا حقيقة له (٢).
فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال. ومعناه: لو كان الله إنما يعطي الأموال لمن يرضى عنه لم يهلك أرباب الأموال الكثيرة ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] بل يدخلون النار بلا حساب، قاله قتادة. فما زاده ذلك الوعظ إلا عتوًّا.
قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩] اختلفوا في الذي خرج فيه على
стр. 688
أقوال:
أحدها: في ثيابٍ حمر وصفر، قاله الحسن.
والثاني: في ثياب معصفرة، قاله عكرمة.
والثالث: على بغلةٍ شهباء عليها سرج أحمر من أرجوان، ومعه أربعة آلاف مقاتل وثلاث مئة وصيفة عليهنَّ الحليُّ والحلل والزينة، على بغال شهب، قاله وهب. والأرجوان: صبغ أحمر. وقال مقاتل: كان معه سبع مئة جارية عليهن الحلي والحلل المصبَّغة بالأرجوان.
والرابع: أنه خرج في تسعة آلاف مقاتل، ومعه أمواله وذخائره وجواهره، فكاد أن يفتن بني إسرائيل.
ذكر سبب هلاكه
قوله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني: الكلمة التي قالها المؤمنون، وهي: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠]، فأما الذي بطر وبغى فهلك.
وقال ابن عباس: لما أنزلت آية الزكاة في التوراة جاء قارون إلى موسى فصالحه على كل ألف دينار دينار، وعلى كل ألف درهم درهم، وعلى كل ألف شاة شاة، وعلى هذا الأسلوب، فحسب ذلك فوجده مالًا عظيمًا، فجمع بني إسرائيل وقال لهم: إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تعطوا فلانةَ - لبغيٍّ كانت في بني إسرائيل - مئةَ دينار لتقذفه ففعلوا؛ وجاء قارون إلى موسى فقال: إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم، فخرج فقام فيهم خطيبًا وقال: يا بني إسرائيل، من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مئة، فإن كانت له امرأة رجمناه حتى يموت، فصاح به قارون وقال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرتَ بفلانة، فقال: عليَّ بها، فجاءت، فقال لها موسى: أنا من فعلت هذا الذي يقول هؤلاء؟ فقالت: لا والله يا نبيَّ الله، كذبوا، وإنما جعلوا لي جُعلًا حتى أقذفَكَ بنفسي، فسجد موسى ﵇ يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه مُرِ الأرض
стр. 689
بما شئت، فقال: يا أرضُ خذيه، وكان قارون على سريره فأخذته حتى غيّبَتْ سريره، فقال: يا أرض خذيه، فلم يزل يقولُ كذلك حتى غاب معظمه وبقي منه اليسير، قيل: قدماه، فجعل يناشد موسى بالرحم فما رُحِمَ، وجعل يقول: يا أرض خذيه، فأوحى الله إلى موسى ﵇: يا موسى، ما أَفَظَّكَ!! فوعزَّتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته.
قال سمرة بن جندب، وقد رفعه إلى النبي ﷺ : "فهو يخسف به كلَّ يوم قدر قامة فما يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة" (١)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية. وقال ابن عباس: ثم قال موسى: يا أرض خذيهم وأشار إلى الذين قذفوه فأخذتهم (٢).
ولما خسف به قال بعض الجهال: إنما قصد موسى أخذ داره، وكانت داره عظيمة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، فسأل الله فخسف بداره بعد ثلاثة أيام.
﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨١] وقيل: أراد بداره منزله ومقامه، وإلا فمن أين كان لهم في التيه دور؟ والعرب تسمي المنزل دارًا.
قلت: ويحتمل (٣) أن الواقعة كانت بمصر.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ قد ندِموا على تمنيهم ويقولون: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]. قال الجوهري: وذلك لأن القوم ندموا فقالوا "وي" متندمين على ما سلف منهم (٤) ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ وذلك بالبغي والبطر والأشر والفساد والعمل بالمعاصي ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
* * *
стр. 690
فصل في قصَّة يُوشع (١) بن نُون بن أفراثيم بن يوسُف
وقد ذكرنا أن موسى استخلفه (٢)، فلما توفي موسى قام يوشع بأحكام التوراة على منهاج موسى ﵇، وقسَّم الشام بين بني إسرائيل، وفتح البلاد وأباد الكنعانيين.
وقال أبو القاسم في "تاريخ دمشق": يوشع أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما. قال: وفتح إحدى وثمانين مدينة، وقتل من ملوك كنعان نيفًا وثلاثين ملكًا (٣).
قلت: ومن أين بالشام ثمانون مدينة؟! وإنما فتح أَريحا وقتل من كان بها وبأَيْلة، لما نذكر.
وقال ابن إسحاق: لما مات موسى ﵇ جمع يوشع بني إسرائيل ونزل على أَرِيْحا وقاتلها قتالًا شديدًا أسبوعًا كاملًا إلى آخر نهار الجمعة، فخاف يوشع أن تغرب الشمس ويدخل السبت، وكانوا قد أشرفوا على أخذها، فدعا يوشع وقال: اللهم احبس لنا الشمسَ، فوقفت دون الغروب قيد رمح حتى فتح البلد، وقتل الجبارين وجمع الغنائم وقرَّبوها، فلم تنزل النار ولم تأكل منها شيئًا (٤).
قال الإمام أحمد ﵁: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن هَمَّام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "غَزَا نبيٌّ من الأنبياءِ فقال لقومِهِ: لا يتبعني رجلٌ مَلَكَ بُضعَ امرأةٍ [وهو يريد أن يبني بها ولما يبن]، ولا من بَنى بيتًا ولم يَرفع سقفَهُ، ولا من اشتَرى غَنَمًا أو خَلِفاتٍ وهو ينتظِرُ أولادَها، فَغَزا فَدَنا من القَريةِ صَلاةَ العَصرِ، أو قَرِيبًا من ذلك، فقال للشَّمسِ: أنتِ مأمُورةٌ، وأنا مأمُورٌ، اللهم احبِسها عليَّ شيئًا، فحُبِست حتى فَتح اللهُ عليهم، فَجَمع الغنائِمَ، فجاءت النَّارُ فلم تأكُلها، فقال: فيكم الغُلُولُ، فليُبايعنِي من كلِ قبيلةٍ رجلٌ، فَلزِقت يدُ رجلٍ بِيدهِ فقال: فيكم الغُلُولُ، فليُبايعني قَبِيلتُكَ فلزِقت يدُ رجلينِ أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغُلُولُ، فَجاؤوا برأسٍ مثلُ رأسِ البَقرةِ من ذَهبٍ،
стр. 691
فوضَعَهُ تحت النَّارِ فأكَلَتهُ، فلم تَحِل الغنائمُ لأحدٍ قبلَنا، ذلك بأنَّ الله رأى ضَعفَنَا وعَجزَنا فَطيَّبها لنا". متفق عليه (١). والذي رُدَّتْ له الشمس يوشع بن نون بإجماع العلماء، وكانت النار إذا نزلت فأكلت القربان علم أنه مقبول.
وقال ابن الكلبي: ولما فتح يوشع أَريحا سار إلى البَلقاء فقتل بالقًا ملكها- وقد ذكرنا أن موسى قتله، وكان بالق من العمالقة- وفرَّق العمالقةَ من الشام ثم سار إلى أَيْلة وبها ملك العمالقة السَّميدَع بن هوبر فقتله، وفي ذلك يقول عمرو بن سعد (٢) الحميري:
ألم تَرَ أنَّ العملقيَّ ابن هَوْبَر … بأيلةَ أَمسى لحمُهُ قد تمزَّعا
تداعت عليه من يهودَ جحافلٌ … ثمانون ألفًا حاسرين ودرَّعا
وقال ابن الكلبي: ومن بقي من العمالقة وأفلت من يوشع ساروا إلى المغرب، فتفرقوا وصعدوا الجبال، فهم البربر بقيَّة الكنعانيين، وإنما سموا بالبربر لأن ملكهم قال لهم: ما أكثر بربرتكم أي حديثكم بلغتكم (٣). وذكرهم الجوهري فقال: وبربر جيل من الناس، ذكرهم بغير ألف ولام، قال: والجمع البرابرة (٤).
وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع إني مهلكٌ من قومك مئة الف، ستين ألفًا من خيارهم وأربعين ألفًا من شرارهم. قال: يا رب، فما بالُ الأخيار أكثر هلاكًا؟ قال: كانوا يجالسون الأشرار ولم يغضبوا قطُّ يومًا لغضبي (٥).
ذكر وفاة يوشع
قال ابن إسحاق: ولما احتضر يوشع استخلف كالب بن يوفنا وأوصى إليه، ودفن
стр. 692
يوشع في جبال الشراة، وقيل: بجبل يقال له: جبل كنعان، وقيل: أفرائيم.
واختلفوا في سنِّه: ذكر جدي في "أعمار الأعيان" أنه عاش مئة وعشر سنين، وكذا الحسن بن عرفة (١). وقال أبو جعفر الطبري: عاش مئة وستًا وعشرين سنة. وقيل: مئة وعشرين سنة مثل موسى ﵇، وكانت مدة بقائه بعد موسى ﵇ سبعًا وعشرين سنة (٢)، في زمان منوشهر عشرين سنة، وفي زمان أفراسياب سبع سنين.
من كان في أيامه من الملوك
قال الكلبي: كان منوشهر قد هلك في آخر أيام يوشع وملك أفراسياب، وكان أكثر مقامه ببابل، فأكثر الفساد في الأرض، وأفسد مملكة فارس، ورَدَم القني والآبار وغوَّر المياه والأنهار، فيبست الأشجار، فوثب عليه رجل من ولد منوشهر يقال له: زو، وقيل: زومن، فطرده عن مملكة فارس، فعاد إلى الترك وأصلح زو ما أفسده أفراسياب، ووضع عن الرعية الخراج سبع سنين، فعمرت البلاد وكثرت الخيرات، واستخرج من الفرات نهرًا سماه الزاب بالسواد بأرض الكوفة، وبنى على جانبه مدينة وهي التي تسمى بالعتيقة، وكان عندها وقعات المسلمين مع الفرس. وهو أول من اتخذت له الألوان في الأطعمة. ولما جلس على سريره وضع التاج على رأسه وقال: نحن مجتهدون في عمارة ما أخربه أفراسياب؛ ثم مات فكان ملكه ثلاث سنين، وقيل: ثلاثين سنة، وقام بعده ولده كي قباذ، وكان متكبرًا شبيهًا بفرعون، وكان نازلًا عند جيحون، وجرت بينه وبين الترك حروب كثيرة، ومنعهم أن يتطرقوا لبلاد فارس؛ قالوا: وعاش مئة سنة (٣).
* * *
стр. 693
فَصل في قِصَّةِ كالب بن يوفنَّا
قال علماء السير: ولم يكن نبيًا إنما كان رجلًا صالحًا. وهو كالب بن يوفنَّا بن بارص بن يهوذا بن يعقوب ﵇، وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما قال فيهم الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣] وكانت بنو إسرائيل منقادة له، فأقام فيهم على منهاج يوشع أربعين سنة، ومات واستخلف عليهم ابنه. قال كعب: واسمه يوسافاس بن كالب. وكان نظير يوسف ﵇ في الحسن، فافتتن به الرجال والنساء، وكدن النساء أن يغلبنه على نفسه، فسأل الله أن يغيِّر حسنه ويشوِّه وجهه خوفًا من الفتنة، فاستجاب دعواه، فعظم في عين بني إسرائيل، وشرَّفوه وأقرُّوا له بالفضل، فأقام فيهم أربعين سنة على منهاج أبيه (١).
وقيل: إنما ملك بعد كالب فنحاص بن العازر بن هارون ثلاثين سنة، وهو الذي أخذ مصاحف موسى ﵇ فجعلها في خابية من نحاس، ورصَّصها وسدَّ رأسها، وأتى بها صخرة بيت المقدس، فانشقَّت له وبلعت الخابية. ثم دبَّر أمر بني إسرائيل جماعةٌ حتى قام حزقيل.
* * *
стр. 694
فصل في قصَّة حِزقيل بن بوزي (١)
واختلفوا فيه على أقوال:
فقال قوم: هو ابن العجوز، وكانت أمُّه قد عقمت، فسألت الله ولدًا فوهبه لها.
وقال زيد بن أسلم: هو الكفل.
وقال الحسن: ذو الكفل لأنه تكفل سبعين نبيًا لليهود عزموا على قتلهم، فأطلقهم حِزقيل وقال: قتلي وحدي أهون من قتل سبعين، وحماه الله من اليهود.
وقال السّدي: ولما عظمت الأحداث في بني إسرائيل بعد ابن كالب بن يوفنَّا ووقع الاختلاف بين بني إسرائيل، ودعا كل سبط إلى أن يكون هو الإمام، بعث الله حِزقيل، قال: وفي زمانه جرت قصةُ الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.
واختلفوا في كيفية ذلك:
فقال وهب: كانوا من بني إسرائيل أصابهم بلاء وشدة فقالوا: يا ليتنا متنا واسترحنا مما نحن فيه، فأوحى الله إلى حِزقيل: إنَّ قومك ضجُّوا من البلاء، وزعموا أن في الموت راحة، وأيُّ راحة في الموت؟ أتظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطلقْ إلى جبانة كذا وكذا فإن فيها أربعة الاف، فقم فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرقت وشعورهم قد تمزقت وأكلت السباع والطيور لحومهم، فوقف حزقيل على الجبانة ونادى: أيتها العظام، إنَّ الله يأمرك أن تعودي إلى أجسادك، فقاموا وكبروا تكبيرة واحدة (٢).
وقال السدي: مرَّ حِزقيل على قرية من بلد واسط يقال لها: دَاوَرْدان وقد وقع بها الطاعون، فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا لسلمنا كما سلموا، ولئن وقع الطاعون ببابنا لنخرجنَّ
стр. 695
إلى أرض لا وباءَ بها، فوقع الطاعون من قابل، فخرج عامة أهلها فنزلوا بمكان أَفْيَح- أي: واسع- فلما حلُّوا بها واعتقدوا النجاةَ من الطاعون ناداهم مَلَكٌ من أعلى الوادي وآخر من أسفله: موتوا جميعًا فماتوا، فمرَّ بهم حزقيل فأحياهم (١).
وقال الضحاك ومقاتل: أمر بعض الملوك من بني إسرائيل بني إسرائيل بالجهاد، فخرجوا وعسكروا، ثم جبنوا وكرهوا الموت، فاعتلُّوا عليه وقالوا: الأرض التي نأتيها وبِئة، فأمهلْ حتى يرتفعَ الوبأ منها، فأرسل الله عليهم الموت، فقال ذلك الملك: اللهمَّ ربَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، قد ترى معصيتهم لي، فأرهم آيةً في نفوسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فقال لهم الله: موتوا، عقوبةً لهم، فماتوا جميعًا ودوابهم وأروحوا ونتنوا، فخرج الناس إليهم فعجزوا عن دفنهم، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها فأقاموا مدة طويلة، وقيل: سبعة أيام أو ثمانية.
واختلفوا في عددهم على أقوال:
أحدها: أنهم كانوا ثلاثة آلاف، قاله عطاء الخراساني.
والثاني: أربعة آلاف، قاله ابن عباس.
والثالث: ثمانية آلاف أو سبعة آلاف، قاله مقاتل.
والرابع: ثمانية آلاف، قاله الكلبي.
والخامس: ثلاثين ألفًا، قاله الحسن.
والسادس: أربعين ألفًا، قاله السدي.
والسابع: سبعين ألفًا، قاله عطاء.
والثامن: تسعين ألفًا، روي عن ابن عباس.
والأصحُّ أنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف ولم يكونوا أقل منها لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وما دون العشرة لا يقال لهم ألوف، وإنما يقال ثلاثة
стр. 696
آلاف فصاعدًا إلى عشرة آلاف، أما الألوف فجمعٌ كثير، وجمع القليل آلاف مثل يوم وأيام ووقت وأوقات، وقال ابن زيد: معنى "ألوف" أي: مؤتلفون، والآية مطلقة، وهذا يدل على ما ذكرناه (١).
قال مقاتل ووهب والسُّدي: فمرَّ بهم حِزقيل، وغيرهم يقول: شمعون، والأول أصحٌّ، فوقف ينظر إلى عظامهم ويتفكَّر فيهم ويتعجب. فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك آية؟ فقال: نعم - وفي رواية أن حِزقيل سأل ذلك فقال: يا ربِّ، لو أحييتَ هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك - فقال الله تعالى: نادهم، فناداهم: أيتها العظام البالية، إنَّ الله يأمركِ أن تكتسي اللحم فاكتست، ثم نادى. أيتها الأرواح، إنَّ الله يأمرك أن تعودي إلى أجسادك، فقاموا جميعًا وعليهم الثياب التي ماتوا فيها (٢). قال: فعاشوا دهرًا وسَحْنةُ الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبًا إلا عاد دسمًا مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتب الله لهم، وإنَّ رائحتهم لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود.
فإن قيل: فكيف أثبت لهؤلاء موتتين في الدنيا والله يقول: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن موتتهم كانت عقوبةً لا بفناء أعمارهم، فصار كقوله. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. والدليل على أنه كان عقوبة ما حكاه هلال بن ساقة قال: كانت أمة من بني إسرائيل إذا وقع الطاعون فيهم خرج أولياؤهم وقام فقراؤهم، وصاروا عظامًا تبرق، وكنسهم أهل البيوت عن بيوتهم وطرقهم (٣). وهذا يدل على طول المدَّة لا أنَّهم أقاموا سبعة أيام أو ثمانية.
والجواب الثاني: أن إحياءهم كان آية من آيات حِزقيل، وآيات الأنبياء نوادر ولا يقاس عليها، فيكون تقدير قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] التي ليست من آيات الأنبياء وإظهار معجزاته.
стр. 697
وقال ابن عباس: وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: ومعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلم على وجه التعجب، كما يقول: ألم تَرَ إلى ما صنع فلان؟!
ابن الأنباري: وفي الآية دليلان:
أحدهما: على منكري البعث، فإن الله أحيا هؤلاء في الدنيا.
قلت: والعجب من هذا القول، لأن منكري البعث لو آمنوا بالقرآن لما أنكروه، وإنما يدفعون بالدلائل العقلية.
والثاني: أن فيها احتجاجًا على اليهود؛ إذ أخبرهم نبينا ﷺ بشيءٍ لم يشاهدوه.
وقال السُّدي: مضى حِزقيل إلى بابل فقتله اليهود وإن قبره ببابل.
ثم كثرت الأحداث فبعث الله إلياس، لما نذكر.
وعاش حِزقيل مئة سنة، وأقام فيها نبيًا ثلاثين سنة.
* * *
стр. 698
فَصل في قصَّة الخَضِر ﵇ (١)
الترتيب أن نذكر الخضر في ترجمة ذي القرنين، لأنه كان ابن خالته، أو في ترجمة موسى لما جرى له معه، وإنما أفردنا له بابًا على حدة لأن سيرته تقتضي ذلك.
واختلف العلماء في اسمه ونسبه على أقوال:
أحدها: أنه اليَسَع بن مَلَكان بن فالِغ بن عابِر بن شالِح بن أَرْفَخْشَذ بن سام بن نوح ﵇، قاله مجاهد.
والثاني: بليا بن مَلَكان بن يقطن (٢) بن فالِغ بن عابِر بن شالخ بن أَرْفَخْشَذ بن سام بن نوح، قاله مقاتل. وكذا ذكر ابن قتيبة في "المعارف"، إلا أنه قال: بليا بن مَلَكان بن فالِغ أو ابن مَلَكا (٣).
والثالث: خضرون بن عاميل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. قاله كعب. وكذا هو في "التوراة".
والوابع: إرميا بن خلقيا، من سبط هارون بن عمران، قاله ابن إسحاق. وأنكره أبو جعفر الطبري وقال: إرميا كان في زمان بخت نصَّر، وبين بخت نصَّر وموسى زمن طويل.
قال الطبراني: والخضر هو الرابع من ولد إبراهيم لصلبه (٤).
قلت: وابن جرير الطبري أولى من أن يُنكَرَ عليه، وأين الخضر وآدم؟ وقد قال في "تاريخه" ما هو أعظم من هذا، قال: هو الذي دفن آدم حين أنزل من السفينة، وأن نوحًا دعا له أن يطيل الله عمره إلى يوم القيامة. وهذا قولٌ لم يُوافقه عليه أحد.
قال مجاهد: وهو من ولد يافث بن نوح، كما أنه كان وزير ذي القرنين ويسير في مقدماته.
стр. 699
وقال مقاتل: وقد قيل: إنه ولدُ رجل من أهل بابل ممن آمن بالخليل ﵇ وهاجر معه. وقيل: اسمه عاميل بن مَلَكان.
واختلفوا لم سمي الخضر؟
قال بعضهم: هو أحد أساميه.
وقال عكرمة: وسمي الخضر لأنه كان إذا صلى على أرض اخْضَرَّ ما حوله.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّه جَلَسَ على فَروَةٍ بَيضَاءَ فإذا هي تهتزُّ خَضرَاءَ". انفرد بإخراجه البخاري (١).
قال الجوهري: والفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة (٢).
وقال الزجاج: الفروة الأرض اليابسة.
وهل كان نبيًا؟ فيه قولان: روى مجاهد عن ابن عباس أنه كان نبيًا. والثاني: أنه كان عبدًا صالحًا قاله عليٌّ، وعليه عامَّة العلماء.
وقيل: إنما سمي الخضر لحسنه وإشراق وجهه. وقد ذكرنا قصته مع موسى ﵇.
فصل في اختلاف العلماء في حياته وموته
ذهب جماعة من أهل النقل إلى أنه توفي.
ومذهب مشايخ الطريقة والحقيقة وأرباب المجاهدات والمكاشفات أنه حي يرزق ويشاهد في الفلوات، وأنهم يرونه ويشاهدونه، كعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم بن أدهم، وبِشر الحافي، ومعروف الكرخي، وسَري السقطي، والجُنيد، والخوَّاص، وغيرهم. وقد ذكر ذلك عامة العلماء في "الحلية" و"الرسالة" و"مناقب الأبرار" وغير ذلك، وحوشوا من الكذب، لأنهم القدوة ولنا بهم أسوة، وما كان الله ليجمعهم على ضلالة.
стр. 700
واحتجَّ الفريق الأول بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وبما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ العشاء في آخر حياته، فلما سلم بهم قال: "أرأَيتُم لَيلَتكُم هذه، فإنَّ على رأسِ مئةِ سنةٍ منها لا يَبقَى ممن هُو على ظَهرِ الأرضِ أَحدٌ". قال ابن عمر: فذهل الناس من مقالته. متفق عليه (١).
وبما أخرج مسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما مِن نَفسٍ منفُوسةٍ تبلُغُ مئةَ سنةٍ وهي حيةٌ يومئذٍ" (٢).
قالوا: ولأن الخضر لو كان حيًا لأتى إلى النبي ﷺ .
ووجه قول الفريق الثاني: ما ذكرناه من إجماع أرباب الحقائق وهو لا يتصوَّر تواطؤهم على الكذب، وكفى بإجماعهم حجة. ومن أنكر حياة الخضر لم يكن له ذوق بإشارات القوم، لأن مثل هذا إنما يعرفه الباحث من جنسه، وسنذكر اجتماعَ من سمَّينا به في سير القوم في كتابنا عند تراجمهم.
وأما ما احتجوا به من قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ فما ادَّعوا أنه مخلَّد، وإنما يبقى إلى انقضاء الدنيا، فإذا نفخ في الصور مات لقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وأما ما حدَّث ابن عمر وجابر فمتروك، والظاهر أنَّ جماعةً عاشوا أكثر من مئة سنة منهم: سلمان الفارسي، فإنه عاش ثلاث مئة سنة وقد شاهد رسول الله ﷺ ، وحكيم بن حزام مئة وعشرين وغيرهما. وإنما أشار ﷺ إلى ذلك الزمان لا إلى ما تقدم وهو الأليق به، على أنه قد عاش بعد ذلك الزمان خلق كثير أكثر من مئة سنة.
وقولهم لو كان حيًا لأتى إلى رسول الله ﷺ ، فيحتمل أنه تركه إجلالًا أو عذرًا وطلب من الله الإذن في ذلك. وقد كان في زمان رسول الله ﷺ جماعة ممن آمن به منعهم الأعذار عن لقائه كأبي مسلم الخولاني وأُويس القَرَنيُّ وغيرهما، ويحتمل أنه اجتمع به ولم ينقل.
стр. 701
وقد جمع جدي ﵀ كتابًا في هذا الفن وذكر فيه العجائب (١).
وقد روي في حياته أخبار وآثار:
أما الأخبار: فذكر جدي ﵀ في "الموضوعات" جملة منها: أنه جاء إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ سمع كلامه ولم يلقه (٢).
ومنها حديث اجتماع الخضر وإلياس في كلِّ عام بالموسم (٣). ومنها اجتماع الخضر بالملائكة (٤) وعليٍّ ﵇ (٥)، وبعمر بن عبد العزيز (٦)، ونحو ذلك، ثم ضعفها جدي وقال عقيب تضعيفها: وإن جماعة من المتزهدين يقولون: رأيناه وكلَّمناه، فواعجبًا ألهم فيه علامة يعرفونه بها؟ وهل يجوز لعاقل أن يلقى شخصًا فيقول له إنَّه الخضر فيصدِّقه (٧)؟.
قلت: إجماعًا على أنه شاب حسن الوجه، طيب الرائحة، ظاهر الكرامات، يدلُّ على صحة ما قالوا، فإنهم مجمعون على ذلك لا يختلفون فيه، فإذا قال: أنا الخضر وظهرت هذه العلامات وجب تصديقه.
وقال عطاء: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان وعن الخمس لمن هو، وعن الصبي متى ينقطع عنه اليتم، وعن النساء هل يُخرج بهن أو يحضرن القتال؟ وعن العبد هل له في المغنم نصيب؟
فكتب إليه: أما الصبيان فإن كنت الخضر تعرف المسلم من الكافر فاقتلهم، وأما الخمس: فكنا نقول إنه لنا، في عم قوم أنه ليس لنا، وأما النساء: فقد كان رسول الله
стр. 702
ﷺ يُخرِجُ معه النساء فيداوين المرضى ويقمن على الجرحى ولا يحضرن القتال، وأما الصبيان فينقطع عنهم اليتم بالاحتلام، وأما العبد فليس له في المغنم نصيب ولكنهم قد كان يرضخ لهم.
فقول ابن عباس: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المسلم فاقتلهم، يدل على أنه موجود، ولو كان معدومًا لم يقل ذلك (١).
وأما الآثار: فذكر مقاتل في كتاب "المبتدأ" له: أن إلياس والخضر شربا من عين الحياة فلا يموتان إلى يوم القيامة، قال: فالخضر يدور البحار يهدي من يضلُّ فيها، وإلياس يدور الجبال يهدي من أضله الغول، هذا دأبهما في النهار، فأما في الليل فإنهما يجتمعان عند سدِّ يأجوج ومأجوج يحفظانه، ومأكلهما من الجنة.
وقال مجاهد: الخضر باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وذكر أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" عن عبد العزيز بن أبي رواد: أن الخضر وإلياس يصومان شهر رمضان في البيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام.
وروي عن إبراهيم التيمي أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: كل ما يحكى عن الخضر حق، وهو عالم أهل الأرض، ورأس الأبدال، وهو من جنود الله تعالى.
وقد ذكر أبو القاسم في "تاريخ دمشق" فيه آثارًا أبلغ من أن تحصى، بلغ بها إلى الأمد الأقصى (٢).
* * *
стр. 703
فَصل في ذِكر إليَاس ﵇ (١)
قال مقاتل: ذكر الله إلياس في موضعين: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الصافات: ١٢٣].
قال الجوهري: إلياس اسم أعجمي، وقد سمت العرب به إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان (٢).
واختلفوا في اسمه ونسبه على أقوال:
أحدها: أنه إلياس بن ياسين بن العيزار بن هارون. وقيل: إلياس بن العازر بن هارون بن عمران، قاله ابن عباس، وحكاه أبو جعفر الطبري (٣).
والثاني: إلياس بن تسبي (٤) بن الفنحاص بن العيزار بن هارون، قاله ابن إسحاق.
والثالث: إلياس بن نسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون، قاله مقاتل.
وحكى الثعلبي عن ابن مسعود ﵁ أن إلياس هو إدريس كما أن يعقوب هو إسرائيل، قال عكرمة: وكذا هو في مصحف ابن مسعود: "وإن إدريس لمن المرسلين" (٥).
والأصحُّ أنه من بني إسرائيل كما حكى علماء السير، وأن إلياس وإدريس بينهما دهر طويل. قال الثعلبي: وإلى قول ابن مسعود ذهب عكرمة، وقد تفرد بهذا القول.
стр. 704
ذكر قصته
حكى علماء السير كابن إسحاق والسُّدي والكلبي عن ابن عباس وغيره قالوا: لما قبض حِزقيل عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس نبيًّا ورسولًا (١). وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون بتجديد التوراة وإحياء ما أماتوا منها.
وقال ابن إسحاق: بعث الله بين موسى وعيسى ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، ولم يكن بينهم فترة، والكلُّ يدعون إلى أحكام التوراة (٢). ولهذا قال عيسى ﵇: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ولم يقل: "كلَّ الذي"؛ وبنو إسرائيل يومئذٍ متفرِّقون في الشام، وكان يوشع قد قسم الشام بينهم، فأنزل سبطًا منهم بأرض بعلبك ونواحيها، وإلياس منهم، وكان لهم ملك يقال له: بك، وله صنم يقال له: بعل، طوله عشرون ذراعًا، وله أربعة أوجه في عيونها اليواقيت، وكان الصنم من ذهب مرصَّعًا بالدرِّ والجواهر فنسب إليه، فقيل: بعل بك.
وقال الجوهري: وبعل اسم صنم كان لقوم إلياس ﵇، قال: وبعل بك اسم بلد، والقول فيه كالقول في سام أبرص، وقد ذكرناه في باب الصاد (٣). قلت: ذكر في باب الصاد وقال: وسام أبرص وهو من كبار الوزغ، وهو معرفة إلا أنه تعريف جنس، وهما اسمان جعلا اسمًا واحدًا (٤).
وقال ابن عباس: وكان إلياس ابن عم اليسع، وقيل: عمه، وقال العلماء بأخبار العالم: كان اسم الملك أخب، وكان جبارًا يعبد الصنم ويحجه الناس من الأقطار. فلما بعث الله إلياس إليهم كذبوه إلّا ما كان من الملك أَخب فإنه آمن به وصدَّقه وجعله وزيرًا، فكان يرشده ويسدِّده، وكان لأَخب الملك امرأة يقال لها: أرزيل (٥)، فكان إذا
стр. 705
غاب استخلفها على الوعية، وكانت جبارة قاتلة للأنبياء تبرز في المواكب مثل الرجال، وتجلس في مجلس الحكم تقضي بين الناس، وكان لها كاتب مؤمن يكتم إيمانه قد خلَّص من يدها ثلاث مئة نبيٍّ من بني إسرائيل تريد قتلهم، سوى من قتلت ممن يكثر عددهم. وكانت في نفسها غير مُحْصَنة، ولم يكن على وجه الأرض امرأة أفحش منها، وهي مع ذلك قد تزوَّجت بسبعة ملوك من بني إسرائيل وقتلتهم بالاغتيال، وكانت معمرة فيقال: إنها ولدت سبعين ولدًا، قال: وكان لأخب الملك جارٌ صالح من بني إسرائيل يقال له: مرزكي وكانت له جُنَينة يعيشُ منها، وكانت إلى جانب قصر الملك، وكان أخب وامرأته يشرفان عليها ويتنزهان فيها، وكانت المرأة تحسد مرزكي لأجل تلك الجنينة، والملك يراعيه ويحسن إليه ولا يؤذيه، وكانت تحتال في قتل مرزكي لتأخذ الجنينة والملك ينهاها عن ذلك. فاتفق أنَّ الملك خرج في غزاةٍ وطالت غيبته، فاغتنمت امرأته ذلك فأقامت المرأة شهود زور أنَّ مرزكي صاحب الجنينة سبَّ الملك، وكان من حكمهم أن من سبَّ الملك قُتل، فأحضرت مرزكي وقالت: بلغني أنك شتمتَ الملك، قال: لا والله وإنه لمن أحب الناس إليَّ، فأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور، فقتلته وأخذت الجنينة غصبًا. فلما قَدِمَ الملك أخبرته فقال: ما أصبتِ ولا وُفقت ولا أرانا نفلح بعده، ولا حملك على هذا إلا سَفَهُك وسوءُ رأيك، وقد جاورنا رجلٌ صالح وتحرَّم بنا منذ زمان طويل، فأحسنَّا جواره، فختمتِ أمره بأسوأ الجوار، فقالت: أنا غضبت لك وحكمت بحكمك، فقال لها: أَوَما كان يسعه حلمك عنه وتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ذلك. فغضب الله لعبده الصالح وأوحى إلى إلياس أن أخبر أخب وامرأته أنَّ الله قد غضب لوليِّه حين قتلته ظلمًا، وآلى على نفسه إن لم يتوبا من صنيعهما ويردَّا الجنينة على ورثة مرزكي أن يهلكهما في الجنينة ويدعهما (١) جيفتين مُلْقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما، ولا يمتعان بها إلا قليلًا.
وبلغ الملك فغضب غضبًا شديدًا وقال لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلًا، وما أرى فلانًا وفلانًا- ملوكًا سماهم قد عبدوا الأوثان- إلا على مثل ما نحن