← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

حسنُ ظنِّي إليك أصلحك اللهُ … دعاني فلا عَدِمْتَ الصَّلاحا ودعاني إليك قولُ رسولٍ … إذا قال (١) مفصحًا إِفصاحا إنْ أردتمْ حوائجًا من أُناسٍ … فتنقُّوا لها الوجوهَ الصِّباحا فلَعَمري لقد تنقَّيتُ وجهًا … ما به خاب مَن أراد النَّجاحا فقال: ما حاجتُك يَا كلثوم؟ قلت: بَدْرتان (٢)، فقال: أعطُوه إياهما، فانصرفتُ بهما إلى أبي وقلت: يَا أبي، هذا بالكتب التي (٣) أنكرتَ (٤). وقال مالكُ بن طوقٍ للعتَّابي: رأيتك كلَّمتَ فلانًا فأقللتَ كلامك، فقال: نعم، كان معي حَيرةُ الداخل، وفكرةُ صاحبِ الحاجة، وذلُّ المسألة، وخوفُ الردِّ مع شَرَه الطمع (٥). [وروى الخطيبُ (٦) بإسناده إلى] محمدِ بن إبراهيمَ السَّيَّاري قال (٧): لمَّا قدم العتَّابي مدينةَ السلام على المأمون، دخل عليه وعنده إسحاقُ بن إبراهيمَ المَوْصليّ، وكان العتَّابي شيخًا جليلًا، فسلَّم على المأمون، فردَّ وأدناه، فقبَّل يدَ المأمون، فأمره بالجلوس، فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حالة وهو يجيب بلسانٍ طَلْق، فاستظرف المأمونُ كلامَه، وأقبل عليه بالمداعبة والمزح، فظنَّ الشيخُ أنَّه قد استخفَّ به، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، الإِيناسُ قبل الإِبساس (٨)، فاشتبه على المأمون قولُه، فنظر إلى إسحاقَ مستفهمًا، فأومأ إليه بعينه وغمزه على معناه حتَّى فهمه، فقال: يَا غلام، ألفَ دينار، فأتى بها فوضعها بين يديه.

стр. 6407

ثم أخذ في الحديث، وغمز المأمونُ إسحاق، فجعل العتابيُّ لا يأخذ في شيءٍ إلَّا وعارضه فيه إسحاق، فبقي العتَابي متعجِّبًا، وقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، أتأذن لي في مسألة هذا الشيخ؟ قال: نعم، فقال لإسحاق: يَا شيخ، مَن أَنْتَ؟ وما اسمُك؟ فقال: أنا من النَّاس، واسمي: كُلْ بَصَل، فتبسَّم العتابيُّ وقال: أما النَّسَبُ فمعروف، وأما الاسم فمُنكَر، فقال له إسحاق: [ما أقلَّ إنصافَك، أتُنكر أن يكونَ اسمي: كُلْ بَصَل] (١) وما تُنكر اسمك كُلْ ثوم! وما كلثومُ في الأسماء! أو ليس البَصَلُ أطيبَ من الثوم! فقال العتَّابي: لله دَرُّك ما أفصحَك وأرجحك (٢)، أتأذن لي يَا أميرَ المُؤْمنين أن أصلَه بما وصلتَني به؟ فقال له المأمون: بل ذلك موفَّرٌ عليك، ونأمرُ له بمثله، فقال له إسحاق: أما إذا أقررتَ بهذه، فتوهَّمني تجدْني، فقال: ما أظنُّك إلَّا إسحاقَ الموصليَّ الذي يتناهى إلينا خبرُه، فقال: أنا حيث ظننتَ، وأقبل عليه بالتحيَّة والسلام. فقال المأمون: أمَّا إذا اتفقتما على المودَّة فانصرفا، فانصرف العتابيُّ إلى منزل إسحاقَ فأقام عنده. [قلت: قولُه: الإيناس قبلَ الإبساس، مأخوذٌ من قولهم عند الحلبِ للناقة: بَس بَس، فكان عرَّض تعريضًا بما يروي: الإيناسُ قبل الإبساس، وأين قولُ إسحاق: كُلْ بَصَل، من كلثوم؛ لأنَّ كلثومَ في اللغة هو الواسع الخدَّين، وقد كان العتَّابي بهذه [الصِّفة] (٣)، وإنما قصد إسحاقُ أن يضعَ من العتَّابي بسوء أخلاقه، فعاد عليه العتابيُّ بطيب أعراقه]. ودخل العتَّابيُّ على عبد الله بنِ طاهر، فأنشده: [من الخفيف] حسن ظنِّي وحسنُ ما عوَّد اللهُ … قديمًا منك الغداةَ أتى بي أيُّ شيءٍ يكون أحسنَ من حسـ … ـنِ يقينٍ حدا إليك رِكابي فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه من الغدِ فأنشده: [من السريع] ودُّك يكفيني في حاجتي … ورؤيتي كافيةٌ عن سؤالْ

стр. 6408

وكيف أخشى الفقرَ ما عشتَ لي … وإنَّما كفاك [لي] رأسُ (١) مالْ فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه في اليوم الثالثِ فأنشده: [من الخفيف] بَهِجاتُ الثياب (٢) يُخلِقها الدَّهـ … ـرُ وثوبُ الثَّناءِ غضٌّ جديدُ فاكسُني ما يَبيد أَصلحك اللهُ … فإنِّي أَكسوك ما لا يبيد فأَجازه وخلع عليه. [وكان قد سُعي للرشيد بالعتَّابي، فذكر ابنُ عبدوس في كتاب "الوزراء" أنَّه كان قد نُقل إلى هارونَ أن العتابيَّ يقول بالاعتزال، فطلبه، فهرب إلى اليمن، فأقام بها زمانًا على وَجَل، فأراد يحيى بنُ خالدٍ أن يشفعه، فاحتال على الرشيد فأَسمعه شيئًا من خُطبه ورسائله، فاستحسن ذلك وقال: لمن هذا؟ فقال يحيى: للعتَّابي، قال: قد أمَّنَّاه فلْيحضر. وقيل: إنَّ] الرشيدَ طلبه (٣)، فأخفاه يحيى بنُ خالد، ولم يزل يستصلح له قلبَ الرشيدِ حتَّى أمَّنه، فقال: [من البسيط] ما زلت في غَمَرات الموتِ مطَّرحًا … قد ضاق عني فسيحُ الأرض من حِيَلي فلم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي … حتَّى اختلست حياتي من يدَي أجلي (٤) وقيل: إنَّ الذي فعل ذلك معه جعفرُ بن يحيى [بنِ خالد] (٥). محمدُ بن صالحِ ابن بَيْهَسَ بنِ زُمَيل. المتغلِّبُ على دمشقَ أيام أبي العَمَيطَر، وأقام إلى أن قدم ابنُ طاهرٍ دمشقَ وبعث به إلى المأمون، فمات ببغداد. وقيل: إنَّه مات سنةَ عشرٍ ومئتين، وهو الأصحّ.

стр. 6409

وله أشعارٌ كثيرة منها: [من الوافر] منعْتُ بني أُمَيَّةَ ما أرادت … وقد كانت تسمَّت بالخلافهْ أَبَرْتُهمُ من الشامات قتلًا … ولم يكُ لي بهمْ في ذاك رافه أُناضلهمْ (١) عن المأمون إنِّي … على مَن خالف المأمون آفه مسلم بنُ الوليد الأَنْصَارِيّ مولى أسعدَ بن زُرارةَ الخزرجي (٢). دخل أعرابي على ثعلب فقال له: أَنْتَ الذي تزعم أنك أعلمُ الناسِ بالأدب؟ قال: كذا يزعمون، قال: أَنشِدني أرقَّ بيتٍ قالت العرب، قال: قولُ جَرير: [من البسيط] إنَّ العيونَ التي في طَرْفها مرضٌ … قتلْننا ثم لم يُحْيِينَ قَتلانا يَصْرعْنَ ذا اللُّبِّ حتَّى لا حَرَاكَ (٣) به … وهنَّ أضعفُ خَلْقِ اللهِ أَركانا فقال: هذا شِعرٌ رثّ، قد لاكه السفهاءُ بألسنتها، هاتِ غيرَه. فقال ثعلب: أَفِدنا من عندك، فقال: قولُ صريعِ الغواني مسلم: [من الطَّويل] نبارزُ أبطال الوغى فنُبيدهمْ … وتقتلنا في السِّلم لحظُ الكواعبِ وليست سهامُ الحربِ (٤) تُفني نفوسَنا … ولكنْ سهامٌ فوِّقت في الحواجب فقال ثعلب: اكتبوها على الحناجر (٥) ولو بالخناجر. ولمسلمٍ في "الحماسة" (٦): [من الطَّويل] حنينٌ ويأسٌ كيف يجتمعانِ … مَقيلاهما في القلب مختلفانِ غدتْ والثَّرى أَولى بها من وليِّها … إلى منزلٍ ناءٍ لعينك دانِ

стр. 6410

فلا وَجْدَ حتى تَنزفَ العينُ ماءها … وتعترفَ الأحشاءُ بالخَفَقان موسى بنُ محمدٍ الأمين (١) الذي ولَّاه العهدَ وسمَّاه الناطق بالحق (٢). أبو معاويةَ الأسود واسمُه اليَمَان، وكان من الأَبدال. [حدَّثنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضل بنِ ناصرٍ بإسناده إلى أبي الحسينِ بن الفهمِ قال: سمعتُ] يحيى بنَ معين يقول (٣): رأيتُ أَبا معاويةَ الأسودَ وهو يلتقط الخِرَقَ من المزابل، فيلفِّقها ويغسلها ويلبَسها، فقيل له في ذلك، فقال: ما ضرَّهم ما أصابهم في الدُّنيا، جبر اللهُ لهم بالجنة كلَّ مصيبة. وكان قد ذهب بصرُه، فكان إذا أراد أن يقرأَ في المصحف، عاد إليه بصرُه، فإذا أطبق المصحف، ذهب بصرُه [وقد ذكرناه في سنة ستٍّ وتسعين في ترجمة أبي معاويةَ الضَّرير. واللهُ أعلم بالصواب] (٤). * * *

стр. 6411

السَّنة التاسعة بعد المئتين فيها حصر عبدُ الله بنُ طاهرٍ نصرَ بن شَبَث حتَّى طلب الأمان. ذِكر قصَّته: قال جعفرُ بن محمدٍ العامري: قال المأمون لثُمامةَ بنِ أشرس: ألا تدلُّني على رجلٍ من أهل الجزيرةِ له عقل وبيان ومعرفة يؤدِّي عني رسالةً إلى نصر بنِ شبث؟ قال: بلى يَا أميرَ المُؤْمنين، فدلَّه عليَّ. قال جعفر: فدخلت عليه، فحمَّلني رسالةً إلى نصر بنِ شبث، فأبلغته [رسالتَه، فأجاب، إلَّا أنَّه قال: لا أطأُ بساطَه أبدًا، قال: فعدت إلى المأمون فأبلغتُه] (١) ما قال، فقال: لا أُجيبه إلى هذا أبدًا، وما باله ينفِر مني! قلت: لذنبه وما تقدَّم منه، فقال: أَفتراه أعظمَ جُرمًا عندي من الفضل بنِ الرَّبيع وعيسى بنِ أبي خالد! أما الفضل، فإنَّه أخذ قوَّادي وأموالي وجنودي وسلاحي وجميعَ ما أوصَى به أبي، فذهب به إلى محمدٍ وتركني بمروَ وحيدًا فريدًا، وأَسلمني، وأفسد عليَّ أخي، حتَّى كان من أمره ما كان، [وكان أشدَّ على من كلِّ شيء]. وأما ابنُ أبي خالد، فطرد خليفتي عن مدينتي (٢) ومدينةِ آبائي، وذهب بخَراجي، وأَخرب دياري، وأقعد إبراهيمَ ابن المهديِّ خليفةً دوني، ودعاه باسمي. فقلت: الفضل [بن الرَّبيع] (٣) رضيعُكم ومولاكم، وله سلفٌ صالح في خدمتكم، حالُهم يرجع إليه بضروبٍ كلها تردُّك إليه. وأما عيسى بنُ أبي خالد، فرجلٌ من أهل دولتك، وسابقتُه وسابقة مَن مضى مِن سَلَفه [ترجع عليه بذلك، وابنُ شبث لم تكن له يد قطُّ فيُحمل عليها، ولا لمن مضى من سلفه] إنما كانوا جندَ بني أمية. فقال: إنَّ [كان] ذلك كما تقول، فكيف بالحَنَق والغيظ [ولكني لست أقلعُ عنه حتَّى يطأَ بساطي. قال] (٤): فعدت إلى ابن شبث فأخبرته، فقال: لا أطأُ بساطَه أبدًا.

стр. 6412

ثم إن عبدَ الله بنَ طاهر جادَّه القتال، وهزم جيوشَه، وكان المأمونُ قد كتب إليه كتابًا يدعوه إلى طاعته، وفيه: أنها بعد: يَا نصرَ بن شَبث، قد عرفتَ الطاعة وعزَّها (١)، وبَرْدَ ظلِّها، وطِيبَ مرتعها، وما في خلافها من الندم والخسار، وإن طالت مدةُ العصيان بك، فإنَّ الله تعالى إنما يُملي لمن يلتمس مظاهرةَ الحجَّة عليه ليعاقبَه على قدر الاستحقاق، وقد رأيتُ إذكارَك وتبصيرك، فإن الصدقَ صدقٌ والباطلَ باطل، ولم يعاملْك أحدٌ من عمَّال أميرِ المُؤْمنين بتعرُّض في مالٍ ودِين ونفْس وأهل، فبأيِّ طريقٍ تأخذ أموال أمير المُؤْمنين وتتولَّى بلادَه وما أَولاه اللهُ تعالى! وتريد أن تبيتَ آمنًا مطمئنًا وادعًا ساكنًا! فوَعالمِ الغيبِ والجهر لَئن لم تكن للطاعة مُراجعًا وبها خانعًا (٢)، لتُسربَلَنَّ (٣) وَخَمَ العاقبة (٤)؛ فإنَّ قرون الشيطانِ إذا لم تُقطع، كانت في الأرض فتنةً وفسادًا كبيرًا، ولأطأنَّ بمن معي من أنصار الدولةِ كواهلَ رَعاعِ أصحابك، ومَن تأشَّبَ (٥) إليك من أداني البلادِ وأقاصيها وطَغَامها وأَوباشها، ومَن ضوى إليك منهم، وقد أَعذر من أَنذر، والسلام. وكان الكتابُ بخطِّ عَمرو بنِ مَسعدة، فأرسل ابنُ شبث إلى ابن طاهرٍ وطلب منه الأمان، وكان مقامُ ابن طاهرٍ على محاربته خمسَ سنين، وكتب ابنُ طاهرٍ إلى المأمون يُخبره أنَّه حصره وضيَّق عليه، وقتل رؤساءه وأعيانَ أصحابه، وأنه قد عاذ بالأمان بعد أن قطع الفرات وتحصَّن بحصن كَيْسوم (٦) من بلد حلب، وكان قد استولى على الجزيرة والشَّام، فقطع ابنُ طاهرٍ خلفه الفرات، فحصره في كَيسوم. ولما ورد كتابُ ابن طاهرٍ إلى المأمون، كتب له كتابَ أمان، نسختُه: أما بعد: فإنَّ الإعذار بالحقِّ حجَّة اللهِ المقرونُ (٧) بها النصر، والاحتجاجَ بالحق دعوةُ [الله] (٨)

стр. 6413

الموصولُ بها العزّ، ولا يزال المعذِر بالحقِّ يحتجُّ بالعدل في استفتاح أبوابِ التأييد، واستدعاءِ أسباب التمكين، حتَّى يفتحَ اللهُ وهو خيرُ الفاتحين، ويمكِّن له وهو خير الممكِّنين، ولستَ تعدو مما ألهجتَ إحدى ثلاث: إما طالبُ دِين، أو ملتمسُ دنيا، أو متهورًا بطلب الغَلَبة ظلمًا، فإن كنتَ للدِّين تسعى بما تصنع، فأَوضِح لأمير المُؤْمنين ذلك، يغتنمْ قبولَه إن كان حقًّا، فلعَمري (١) ما همَّته الكبرى ولا غايتُه القصوى إلَّا الميلُ مع الحقِّ حيث مال، والزوالُ مع العدل حيث زال، وإن كنتَ إنما تقصد الدنيا، فأَعِلم أميرَ المُؤْمنين غايتَك فيها، والأمرَ الذي تستحقُّها [به] (٢)، فإن استحققتَها وأمكنه ذلك، فعلَه بك، ولَعمري إنه ما يستجيز منعَ أحدٍ ما يستحقُّه وإن عَظُمَ، وإن كنت متهوِّرًا بطلب الغَلَبة، فسيكفي اللهُ أميرَ المُؤْمنين مؤنتَك، ويعجِّل في ذلك كما عجَّل كفايتَه مؤَنَ قومٍ سلكوا طريقَك، كانوا أقوى يدًا، وأكثفَ جندًا، وأكثرَ عددًا وجمعًا، اختارهم اللهُ إلى مصارع الخاسرين، وأَنزل بهم من جوائح الظالمين، وأميرُ المُؤْمنين يختم كتابَه بشهادة أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه ﷺ ، وضمانُه لك في دِينه وذمَّته الصفحُ (٣) عن سوالف جرائمِك ومتقدِّمات جرائرك، وإنزالُك ما تستحقُّ من منازل العزِّ والرِّفعة إن أَنبتَ وراجعتَ إن شاء اللهُ تعالى، والسلام. فنزل من حصن كَيْسوم (٤)، فهدمه ابنُ طاهر، وبعث بنصر بنِ شبث إلى بغداد، فقدمها أولَ السَّنة العاشرةِ والمئتين. وفيها ولَّى المأمونُ صدقةَ بن عليّ ويُعرف بزريق إرْمِينِيَةَ وأَذْربِيجانَ ومحاربةَ بابك، وندب للقيام بأمره أحمدَ بن الجنيدِ الإسكافي، فقرَّر أمره، ورجع أحمدُ إلى بغداد، وحارب صدقةُ بابك، فأَسره، فولَّى المأمونُ مكانَه إبراهيمَ بن الليث (٥) بنِ الفضل (٦).

стр. 6414

وحجَّ بالنَّاس صالحُ بن العباسِ بن محمَّد بن عليّ عاملُ مكَّة. [فصل] (١) وفيها تُوفِّي أحمدُ بن الرشيد، وليس بالسَّبْتي و [اختلفوا فيه، فـ] قيل: اسمُه صالح (٢)، وكُنيته أبو عيسى، وقيل: كُنيته أبو أَحْمد [والأصحّ أن كنيتَه أبو أَحْمد وهي اسمُه] (٣). وكان من أحسن الناسِ وجهًا، وأجملِهم ظَرْفًا، وكان إذا ركب جلس النَّاسُ لرؤيته أكثرَ ما يجلسون (٤) لرؤية الخلفاء، وكان فَطِنًا، قال له الرشيدُ [يومًا وهو صبي] (٥): ليت حُسنَك لعبد الله، يعني المأمون، فقال له: على أنَّ حظَّه منك لي، فعجب الرشيدُ من جوابه على صِباه. وكان المأمونُ يحبُّه محبةً شديدةً بحيث لا يصبر عنه لحظة، وكان قد أعدَّه للخلافة، ومن حبِّه له كان يقول: إنني لَيسهل عليَّ الموتُ وفقدُ الخلافة لمحبَّتي أن يليَ أبو عيسى. فمات في هذه السَّنة. و [اختلفوا في] (٦) سببِ موته [على قولين: أحدهما] أنَّه خرج إلى الصيد، فركض دابَّتَه، فوقع على رأسه، فاختلَّ دماغهُ، فكان يُصرع في اليوم مرَّات حتَّى مات. [والثاني:] (٧) أنَّه قال وقد رأى هلال رمضان: [من الطَّويل] دعاني شهرُ الصومِ لا كان من شهر … ولا صمتُ شهرًا بعدَه آخرَ الدَّهرِ فلو كان يُعْديني الإمامُ بقدرة … على الشهر لاستعديتُ جهدي على الشهر (٨)

стр. 6415

فأصابه عقيبَ هذا القولِ صرع، فكان يُصرع في اليوم مراتٍ إلى أن مات، ولم يبلغْ شهرًا مثلَه. ولمّا مات، حزن عليه المأمونُ حزنًا كاد يَذهب بعقله، وخرج في جنازته حافيًا، وصلى عليه ونزل في قبره، وامتنع من الطعام أيامًا، وقدم عليه المعزُّون من الآفاق، وقال أحمدُ بن أبي دؤاد: دخلتُ على المأمون [يومًا] وهو يبكي ويقول: [من الطَّويل] سأبكيك ما فاضت دموعي فانْ تَغِضْ … فحسبُك منِّي ما تُجِنُّ الجوانحُ كأنْ لم يمت حيٌّ سواك ولم تَقُم … على أحدٍ إلَّا عليك النّوائح (١) ثم التفت إليَّ وقال: هيه يَا أَحْمد، فتمثَّلتُ بقول عبدة بنِ الطبيب: [من الطَّويل] عليك سلامُ اللهِ قيسَ بنَ عاصمٍ … ورحمتُه ما شاء أن يترحَّما تحيَّةَ مَن أوليتَه منك نعمةً … إذا زار عن شَحْطٍ (٢) بلادَك سَلَّما فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلكَ واحدٍ … ولكنه بُنيانُ قومٍ تهدَّما فبكى بكاءً شديدًا، وكان عنده عَمرو بنُ مَسعدةَ كاتبُه، فقال: هيه يَا عَمرو، فأنشد: [من الكامل] بكُّوا حذيفةَ لن تُبَكُّوا مثلَه … حتَّى تعودَ قبائلٌ لم تُخْلَقِ (٣) وإذا بعَرِيبَ قد دخلت، فقال لها: نُوحي، فناحت ومعها جواريها، فقالت:] من الطَّويل] كذا فلْيَجِلَّ الخطبُ ولْيَفدح الأمرُ … فليس لعينٍ لم يَفض ماؤها عُذرُ كأنَّ بني العبَّاسِ يومَ فراقِه … نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ فبكى المأمونُ حتَّى قلت: ذَهَبَتْ نفْسُه. [ولأبي عيسى واقعةٌ نذكرها في ترجمة ابنِ

стр. 6416

أيوبَ التَّيمي الشَّاعر] (١). بِشرُ بن منصور أبو محمدٍ السَّلِيمي (٢). كان من العبَّاد المجتهدين. قال [أبو نعيم (٣) بإسناده إلى] العباسِ بن الوليد [قال:] أتيناه نزوره بعدَ العصر، فوقفنا ببابه، فخرج إلينا وقد تغيَّر لونه، فقلنا: أَبا محمَّد، لعلنا شغلناك عن شيء؟ فقال: إي والله، كنتُ أقرأ في المصحف، فمنعتموني وشغلتموني، ثم قال: ما أكاد أَلقى أحدًا فأَربحَ عليه شيئًا (٤). أسند عن الثَّوريّ وغيرِه، وروى عنه الإمامُ أَحْمد (٥) رحمةُ الله عليه وغيرُه، وكان ثِقَة [واللهُ أعلم. وفيها تُوفِّي] (٦) جامعُ بن بكَّار ابنِ بلال، أبو عبدِ الرَّحْمَن، العاملي. ذكره الحافظُ ابن عساكرٍ وقال: كان هو وأخوه محمَّد بن بكارٍ من أهل الفتوى بدمشق، وكانت وفاتُه بدمشقَ في هذه السَّنة وهو ابنُ تسعٍ وستِّين سنة. أسند عن سعيد بنِ عبد العزيز وغيره، وروى عنه محمدُ بن راشدٍ المكحولي (٧) وغيره.

стр. 6417

وكان جامعٌ هو الذي روى أنَّ أميرَ المُؤْمنين عليًّا ﵇ لما قُتل أرادوا أن يحملوه فيدفنوه عند النَّبِيّ ﷺ ثم دفنوه بالكوفة] (١). الحسنُ بن موسى أبو علي، الأشيبُ الحنفيُّ الخُرَاسَانِيّ (٢). ولي القضاءَ بالموصل وحمصَ في أيام الرَّشيد، ثم قدم بغدادَ [في خلافة المأمون] فولَّاه المأمونُ طَبَرِسْتان قاضيًا، فتوجَّه إليها، فمات بالرَّي في هذه السَّنة، وقيل: سنة عشرٍ ومئتين. وقال [الخطيبُ (٣) بإسناده إلى] محمدِ بن عبد اللهِ بن عمَّار الموصلي [قال:] كان بالموصلِ بِيعةٌ للنصارى، فخربت، فاجتمع النَّصارى إلى الحسن [بن موسى الأشيب]، وجمعوا [له] مئةَ [أَلْف] درهمٍ على أن يحكمَ بها حتَّى تُبنى، فقال: ادفعوا المال إلى بعض الشُّهود، فلمَّا حضروا في الجامع قال للشُّهود: اشهدوا [عليَّ] أنني قد حكمتُ بأَنْ لا تُبنى هذه البِيعة، فانصرف النَّصارى، وردَّ عليهم أموالهم ولم يقبلْ منه درهمًا واحدًا [والبِيعة خراب. قال الخَطيب:] إنَّما فعل ذلك لثبوت البيِّنةِ عنده أن البِيعةَ محدَثة بُنيت في الإِسلام [إذ لو كانت قديمةً لما جاز له منعُهم من بنائها، وإنما أَشهد على المال ليُعلمَ عفافُه وورعُه، وأنَّه لم يقبل مثل هذه الرِّشوة. وقيل: إنَّ هذه الواقعةَ كانت بحمص] (٤). أسند [الأشيبُ] عن حماد بنِ سَلَمة [وابنِ لَهيعة وشعبةَ بن الحجَّاج] وغيرِهم، وروى عنه الإِمام أحمدُ رحمةُ الله عليه [وعباسٌ الدُّوريّ وأبو خيثمةَ زهيرُ بن حَرب] وغيرُهم (٥)، وكان ثقةً صَدوقًا ورعًا.

стр. 6418

سعيدُ بن سَلْم بنِ قتيبة أبو محمَّد (١)، الباهليُّ البَصْرِيّ. ولي بعضَ أعمالِ خُراسان، ثم قدم بغدادَ وحدَّث بها، وكان عالمًا بالحديث والعربية، إلَّا أنَّه كان لا يبذل نفسَه للنَّاس. وقال: خرجت إلى مكةَ ومعي قِبَاب، فدخلنا البادية، فمررت بأعرابيٍّ محتَبٍ على باب خيمةٍ له وهو يرمقُ القباب، فسلّمت عليه، فقال: لمن هذه القِباب؟ قلت: لرجلٍ من باهلة، فقال: ما أظنُّ الله يعطي باهليًّا هذا كله. فلما رأيتُ إزراءَه (٢) على باهلةَ قلت له: يَا أعرابي، أتحبُّ أن تكونَ لك هذه القبابُ وأنت من باهلة؟ قال: لا ها اللهِ ذا، فقلت: أتحبُّ أن تكونَ أميرَ المُؤْمنين وأنت رجلٌ من باهلة؟ فقال: لا ها اللهِ ذا، فقلت: أتحبُّ أن تكونَ من أهل الجنة [وأنت رجل من باهلة؟ فقال: بشرط، قلت: وما ذاك الشرط؟ قال: لا يعلم أهلُ الجنة] (٣) أني باهلي؟ فرميتُ إليه بصُرَّة فيها دراهم، فأخذها وقال: لقد وافقتْ مني حاجةً إن لم تكن من رجلٍ من باهلة، فقلت: أنا من باهلة، فرمى بها إليَّ وقال: لا حاجةَ لي فيها، فقلت: قد ذكرتَ من نفسك حاجةً تجدها، فقلت: لا أحبُّ أن ألقى اللهَ ولباهليٍّ عندي يَدٌ. فانصرفت، فلمَّا قدمتُ على المأمون حدَّثته، فضحك حتَّى استلقى على قفاه، وقال: يَا أَبا محمَّد، ما أَصبرَك. وأمر لي بمئة ألفِ درهم. تُوفِّي سعيدٌ ببغداد، وسمع عبدَ الله بنَ عونٍ وطبقتَه، ومن روايته: أنَّ القاسم بن محمدِ بن أبي بكرٍ الصَّدِّيق ﵁ كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لأبي محمدٍ ذنبَه في عثمانَ بن عفان. وباهلةُ قبيلة من قَيس عَيلان (٤)، وهو في الأصل اسمُ امرأةٍ من هَمْدان، كانت تحت

стр. 6419

معنِ بن أعصر (١) بن [سعدِ] (٢) بن قيس بن عَيلان، فنُسب ولدُه إليها. سعيدُ بن وهب أبو عثمانَ البَصْرِيّ، مولى بني سامةَ (٣) بنِ لؤي. كان شاعرًا [من أهل البصرة] (٤) فأكثر القولَ في الغَزَل والمُجُون، وقدم على البرامكة، وتصرَّف معهم وتقدَّم عندهم، ومدحهم. دخل يومًا على الفضل بنِ يحيى والشعراءُ يُنشدونه ويُطلق لهم الجوائز، فلما لم يبقَ منهم أحد، التَفَتَ الفضلُ إليه كالمستنطق له، فقال: أيها الوزير، إنِّي لم أستعدَّ لهذا المقام، ولكن قد حضر بيتان أرجو أن ينوبا عن أبياتٍ كثيرة، فقال: قل، فربَّ قليلٍ أنفعُ من كثير، فقال: [من الخفيف] مدح الفضلُ نفسَه بالفِعال … فعَلَا عن مديحنا بالمقالِ أمروني بمدحه قلت كلَّا … كَبُرَ الفضلُ عن مديح الرِّجال فطرب الفضلُ وقال. أحسنتَ واللهِ [و] (٥) أجدت، ولئن قلَّ القولُ ونزر، لقد اتسع المعنى وكثر. ثم أعطاه بمقدار ما أعطى الجميع. وتاب سعيدٌ وتنسَّك، وغسل كل ما كان عنده من أشعار اللهو والغزل، وأكثر من الصومِ والصلاة، وحجَّ ماشيًا، فبلغ منه الجهدُ فقال: [من الرمل] ربِّ يومٍ رحتما (٦) فيه على … زهرةِ الدنيا وفي عيشٍ خَصيبِ

стр. 6420

وسماعٍ (١) حَسَنٍ من حَسَنٍ … صَخِبِ المُزهر كالظَّبْي الرَّبيب فاحسبا ذاك بهذا واصبرا … وخذا من كلِّ فنٍّ بنصيب إنَّما أمشي لأني مذنبٌ … فلعل الله يعفو عن ذنوبي وكانت وفاتُه في هذه السَّنة، وله عشرة بنينَ وعشرُ بنات. عبد الله بنُ أَيُّوب أبو محمدٍ التَّيميّ، من تَيم اللاتِ ابنِ ثعلبة. أحدُ شعراءِ الدولة العباسية، مدح الأمينَ والمأمونَ وغيرهما، وأجازه الأمينُ بمئتي ألفِ درهم. وعشق جاريةً عند بعض النخَّاسين، فكتب إلى أبي عيسى بنِ الرشيد يقول: [من الرمل] يَا أَبا عيسى إليك المشتكى … وأخو الصبرِ إذا عيلَ بكى (٢) ليس لي صبرٌ على هِجرانها … وأَعافُ المشربَ المشترَكا فعرض على المأمون ورقَّ له، فقال: اِشترها له، فأمر له بثلاثين ألفَ درهمٍ واشتراها. وقال إبراهيمُ بن الحسن بنِ سهل: كان المأمونُ يتعصَّب للأوائل من الشعراء ويقول: انقضى الشِّعرُ مع ملك بني أمية، وكان عمِّي الفضلُ بن سهل يتعصَّب للمحدَثين ويقول: شعرُ الأوائلِ حجَّة، وشعرُ المتأخِّرين أحسنُ وأملح، فأنشده التَّيمي يومًا شعرًا مدحه فيه فقال: [من الطويل] ترى ظاهرَ المأمونِ أحسنَ ظاهر … وأحسن منه ما أسرَّ وأَضمرا يناجي له نفْسًا تتوق (٣) بهمَّةٍ … إلى كلِّ معروف وقلبًا مطهَّرا

стр. 6421

ويخشع إكبارًا له كلُّ ناظرٍ … ويأبى لخوف اللهِ أن يتكبَّرا طويلُ نِجادِ السيف مُضطَمِرُ [الحشا] (١) … طواه طِرادُ الخيل حتَّى تحسَّرا رِفَلٌّ (٢) إذا ما السِّلم رفَّلَ ذيلَه … وإنْ شمَّرتْ يومًا له (٣) الحربُ شمَّرا فقال المأمون: ما بعد هذا مدحٌ أبدًا. * * *

стр. 6422

السَّنة العاشرةُ بعد المئتين فيها بعث عبد الله بن طاهر بنصر بنِ شَبَث إلى المأمون، فدخل بغدادَ يوم الاثنين لسبعٍ خلود من صفر، فأنزله مدينةَ المنصور ووكَّل به مَن يحفظه. وفيها اتفق جماعةٌ من القوَّاد -منهم: محمدُ بن إبراهيمَ الإفريقي، ومالكُ بن شاهي، وفَرَجٌ البغواري (١)، وآخرون- مع ابنِ عائشة، وبايعوه بالخلافة سرًّا. وهذا ابنُ عائشةَ اسمُه: إبراهيمُ بن محمَّد بنِ عبد الوهَّاب بن إبراهيمَ الإِمام بن محمَّد بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباس، ويعرف بابن عائشةَ لأنَّ عائشة بنتَ سليمانَ بنِ على (٢) جدَّتُه أمُّ أَبيه، فوَلَدُ عبد الوهَّاب يُنسبون إليها. وفي روايةٍ للطبريِّ (٣) أنَّ ابنَ عائشةَ ومَن سمَّينا كانوا يسعَون في البَيعة لإبراهيمَ بن المهدي، ويُفسدون الجندَ على المأمون، وبلغ المأمونَ ذلك من عمرانَ القُطْرَبُّليّ، فقضى عليهم يومَ السبت لخمسٍ خلونَ من صَفَر، وكانوا قد اتَّعدوا أن يقطعوا الجسرَ إذا خرج القوَّاد والجندُ يتلقَّون نصرَ بن شَبَث، ودخل وحده ولم يتوجَّه إليه أحدٌ من الجند، فأنزله المأمونُ عند إسحاقَ بن إبراهيمَ صاحبِ الشرطة، ثم نقله إلى مدينة المنصور، وأُقيم ابنُ عائشةَ على باب دارِ المأمون في الشَّمس ثلاثةَ أيام، ثم ضُرب بالسِّياط بعد ذلك ومَن وافقه ضربًا مبرِّحًا، وحُبسوا في المُطبق، فنقبوا السجنَ ليلًا وشغبوا، فركب المأمون بنفسه ودعاهم فضرب أعناقَهم، وصُلبوا على الجسر الأسفل. ثم أُنزل ابنُ عائشة، فكُفن وصلِّي عليه ودُفن في مقابر قريش، وهو أوّل هاشميٍّ صُلب من ولد العباس، وشتم المأمونَ شتمًا قبيحًا عندما أراد قتلَه، وأُنزل ابنُ الإفريقيِّ فدُفن في مقابر الخَيزُران، ونزل المأمونُ فوجد لابن عائشةَ صناديقَ فيها كتب القوَّاد

стр. 6423

وغيرُها (١)، فلم يرَ المأمونُ أن يعرضَ لأحد، ولم يأمنْ أن يكونوا قدَّموا قومًا بُرَآء، فجلس في المسجد وأَحضر الصناديق، وجمع النَّاسَ وقال: أنا أَعلمُ أنَّ فيكم البريءَ والسقيم، وأسماؤهم (٢) في هذه الصناديق، وإن نظرتُ فيها لم أصفُ (٣) لهم ولم يصفُوا لي، فمَن كان له فيها اسمٌ فلْيستغفر الله وليتب إليه، والماضي فقد فات، ثم أمر بإحراق الصناديق. وفيها ظفر المأمونُ بإبراهيمَ بن المهديّ [وقد اختلفت الروايات، فروينا أن المأمونَ لمَّا قرب من بغدادَ اختفى ابنُ المهدي، و] (٤) لمَّا دخل المأمونُ بغداد جدَّ في طلبه، وكان إبراهيمُ ينتقل [من مَحلَّة إلى محلَّة، و] من مكانٍ إلى مكان، فلما كانت ليلةُ الأحدِ لثلاث عشرةَ من ربيعٍ الآخر [من هذه السَّنة] خرج وهو متنقِّبٌ مع امرأتين في زِيِّ امرأة، فرآهنَ حارسٌ أسود، فأنكرهن وقال: أين تُرِدنَ في هذا الوقت؟! فأعطاه إبراهيمُ خاتمًا من ياقوت [كان في يده] له قَدْرٌ عظيم، فاستراب منهنَّ وقال: هذا خاتمُ [رجل] (٥) له شأن، فرفعهنَّ إلى صاحب المسلحة [فأمرهنَّ أن يُسفِرن، فتمنَّع إبراهيم، فجبذه صاحبُ المسلحة] فبدت لحيةُ إبراهيم، فرفعه إلى صاحب الجسر [فعرفه] فذهب به إلى المأمون، فأمر أن يُحبسَ في الدار. فلمَّا كان صبيحةُ يومِ الأحد، جلس المأمونُ وأَحضر بني هاشمٍ والقوادَ والجندَ والخلائق، فصيَّروا المِقنعةَ التي كان متنقِّبًا بها في عُنقه، والملحفةَ التي كان ملتحفًا بها في صدره؛ ليرى النَّاسُ كيف أُخذ. فلما كان يومُ الخميس، حوَّله المأمونُ إلى منزل أحمدَ بن أبي خالد، فحبسه عنده ثم أخرجه المأمونُ معه لمَّا خرج إلى الحسن بنِ سهلٍ (٦) بواسط، فـ[قال النَّاس: إنَّ الحسن] كلَّمه فيه، فرضي عنه وخلَّى سبيلَه، وصيَّره عند أحمدَ بن أبي خالد،

стр. 6424

و [صيَّر] (١) معه يحيى بنَ معاذ (٢) وخالدَ بن يزيد [بنِ مزيد] (٣) يحفظانه، إلَّا أنَّه موسَّع عليه، عنده أمُّه (٤) وعيالُه، وإذا ركب إلى دار المأمونِ كانا معه [ليحفظاه] (٥). [قال الطبري (٦): وفي روايةٍ أنَّه] لما أُخذ صيرَ به إلى دار أبي إسحاقَ بنِ الرشيد، وأبو إسحاقَ عند المأمون، فحُمل رديفًا لفَرَج التُّركي، فلمَّا دخل على المأمون، قال له: [هيهِ] (٧) يَا إبراهيم، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، وليُّ الثأر محكَّم في القصاص، والعفوُ أقرب إلى التقوى، ومَن تناوله الاغترارُ (٨) بما مُدَّ له من أسباب الشَّقاء، مكَّن عاديةَ الدهرِ من نفْسه، وقد جعلك اللهُ فوق كل شيء عفوًا، كما جعل كل ذي ذنبٍ دون عفوك، فإن تعاقِبْ فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلك، فقال: القدرة تُذهب الحفيظة، والندمُ توبة، وبينهما عفوُ الله. فكبَّر إبراهيمُ ثم خرَّ ساجدًا (٩)، ثم قال: [من الخفيف] إنْ أكن مذنبًا فحظِّيَ أخطأْ … تُ فدعْ عنك كثرةَ التأنيبْ قلْ كما قال يوسفٌ لبني يعـ … قوبَ لما أتوهُ لا تثريبْ فقال: لا تثريب. وأنشده (١٠): [من المجتث] ذنبي إليك عظيم … وأنت أعظمُ منهُ فخذ بحقك أَوْ لا … فاصفح بحِلمك عنهُ إنْ لم أكن في فعالي … من الكرام فكنْهُ وأنشد أَيضًا (١١): [من المجتث]

стр. 6425

أذنبتُ ذنبًا عظيمًا … وأنت للعفو أهلُ فإنْ عفوت فمنٌّ … وإنْ جَزيتَ فعدلُ فرقَّ له المأمون، وأقبل على أخيه أبي إسحاقَ وابنِه العباس والقوَّاد فقال: ما ترون في أمره؟ فقال بعضهم: ضَرْبَ عنقه، وقال آخرون: تُقطع أطرافهُ وتُقصص، فقال المأمون لأحمدَ بنِ أبي خالد: ما تقول أَنْتَ؟ فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، إن قتلتَه وجدت مثلَك قد قتل مثلَه كثيرًا، وإن عفوتَ عنه لم تجد مثلَك عفا عن مثله، فأيُّما أحبُّ إليك: أن تفعلَ فعلًا تجد لك فيه شريكًا، أو تنفردَ بالفضل؟ فأطرق المأمونُ طويلًا، ثم رفع رأسَه وقال: يَا أَحْمد، أَعِد ما قلت، فأعاده، فقال: بل ننفرد بالفضل، ولا رأيَ لنا بالشركة. فكشف إبراهيمُ القناعَ عن رأسه وكبَّر تكبيرةً عالية وقال: عفا أميرُ المُؤْمنين واللهِ تعالى، فقال أميرُ المُؤْمنين: لا بأسَ عليك يَا عمّ. وأمر بحبسه عند أحمدَ بنِ أبي خالد، فلمَّا كان بعد شهر، أحضره وقال: اعتذرْ من ذنبك، فقال: ذنبي أجلُّ من أن أتفوَّه فيه بعذر، وعفوُك أعظم من أن أنطقَ معه بشكر، ولكني أقول: [من الكامل] يَا خيرَ مَن ذَمَلَت (١) يمانيَةٌ به … بعبد الرسولِ لآيسٍ ولطامعِ وأبرَّ مَن عبد الإلهَ على التُّقى … عينًا وأقولَه بحقٍّ صادع متيقِّظًا حَذِرًا وما يخشى العِدَى … نبهانَ من وَسَناتِ (٢) ليلٍ هاجع مُلئت قلوبُ الناسِ منك مهابةً … وتبيت تكلؤهمْ بقلبٍ خاشع ما أكبرَ (٣) الكَنَفَ الذي بوَّأتَني … وطنًا وأمرعَ رتعه للراتع للصالحات أخًا جُعِلتَ وللتُّقى … وأبًا رَؤوفًا للفقير القانع نفسي فداؤك إذ تضلُّ معاذري … وأَلوذ منك بفضلِ حلمٍ (٤) واسع

стр. 6426

أَمَلًا لفضلك والفواضلُ شِيمةٌ … رَفَعَتْ بناءك للمحلِّ الرافع إلَّا العلوَّ عن العقوبة بعدما … ظفرتْ يداك بمستكينٍ خاضع (١) ورحمتَ أطفالًا كأفراخ القَطا … وعويلَ عانسةٍ كقوس النازع (٢) اللهُ يعلم ما أقول فإنَّها … جَهدُ الأَليَّة من حَنيفٍ راكع ما إنْ عصيتُك والغواةُ (٣) تقودني … أسبابُها إلَّا بنيَّةِ طائع حتَّى إذا علقتْ حبائلُ شِقوتي … بردًى إلى حُفَر المهالكِ هائع (٤) لم أدرِ أنَّ لمثل جُرمي غافرًا … فوقفتُ أنظر أيُّ حتفٍ صارعي ردَّ الحياةَ عليَّ بعد ذهابها … وَرَعُ الإمامِ القادرِ المتواضع أَحياك مَن ولَّاك أطولَ مدَّة … ورمى عدوَّك في الوَتين بقاطع (٥) كم من يدٍ لك لم تحدِّثْني بها … نفسي إذا آلت إليَّ مطامعي (٦) أَسديتَها عفوًا إليَّ هنيئةً … فشكرتُ مصطنعًا لأكرمِ صانع إنْ أَنْتَ جُدتَ بها عليَّ تكن لها … أهلًا وإن تمنع (٧) فاعدلُ مانع إنَّ الذي قَسَمَ الخلافةَ حازها … في صُلب آدمَ للإمام السابع فقال المأمون: قد عفوتُ عنك، فاستأنف الطاعةَ متجرِّدًا عن الظِّنَّة، يَصْفُ عيشُك. وأمر بإطلاقه ورد ضِياعه عليه، فقال: [من البسيط] رددتَ مالي ولم تبخل عليَّ به … وقبل ردِّك مالي قد حقنتَ دمي وأُبتُ عنك وقد خوَّلتَني نِعَمًا … هما الحياتانِ من موتٍ ومن عدمِ فلو بذلتُ دمي أَبغي رضاك به … والمال حتَّى أَسُلَّ النعلَ من قدمي

стр. 6427

ما [كان] (١) ذاك سوى عاريةٍ رجعتْ … إليك (٢) لو لم تُعِرها كنتَ لم تُلَمِ وقام علمُك بي (٣) واحتجَّ عندك لي … مقامَ شاهدِ عدلٍ غيرِ متَّهم فقال المأمون: إنَّ من الكلام ما يُشبه الدُّرّ، وهذا منه. وأمر له بخِلعة من ثيابه، ومركبٍ من مراكبه، وقال له: يَا عمّ، إنَّ أَبا إسحاقَ والعباسَ أشارا عليَّ بقتلك، قال: يَا أميرَ المؤمنين، فما قلتَ لهما؟ قال. قلت: إنَّ له قرابةً قريبة، ورَحِمًا ماسَّة، وقد ابتدأناه بأمير ينبغي أن نتمَّه، فإن نكث فاللهُ مغيِّر ما به. قال إبراهيم: أمَّا أن يكونا نصحاك، فقد -لَعَمرو الله- فعلَا، ولكن أبيتَ إلَّا ما أَنْتَ أهلُه، فقال المأمون: مات حقدي بحياة عذرك، وأعظمُ من عفوي أني لم أجرِّعك مرارةَ امتنانِ الشافعين. وقال الفضلُ بن مروان: لما دخل إبراهيمُ على المأمون، كلَّمه بكلامٍ كان سعيدُ بن العاص كلَّم به معاويةَ بن أبي سفيانَ في سَخطةٍ سخطها عليه فاستعطفه به، وكان المأمونُ يحفظ الكلام، فقال: يَا إبراهيم، هيهات، سبقك بهذا الكلامِ فحلُ بني العاص (٤) وفارسُهم (٥) سعيد يخاطب به معاوية، قال إبراهيم: يَا أميرَ المؤمنين، وأنت أَيضًا إن عفوتَ فقد سبقك فحلُ بني حربٍ وقارحُهم إلى العفو، فلا يكن حالي عندك في ذاك أبعدَ من حال سعيدٍ عند معاوية، فأنت أشرفُ منه، وأنا (٦) أشرفُ من سعيد، وأقربُ إليك من سعيدٍ عند معاوية، وإنَّ من أعظم الهُجنة أن تسبقَ أميةُ هاشميًّا (٧) إلى مَكرمة. فقال: صدقتَ يَا عمّ، فقد عفوتُ عنك.

стр. 6428

وقال محمَّد بنُ عبدوس (١): لما ظفر المأمونُ بإبراهيم، حبسه عند أحمدَ بن أبي خالد، فلم يزل عنده في أَزَج (٢)، فقال إبراهيم: الحمدُ لله الذي منَ عليَّ بحبسي في دارك ولم يبتلِني بغيرك، فكشر أحمدُ في وجهه وقال: يَا إبراهيم، أتظنُّ أن أميرَ المُؤْمنين لو أمرني بضرب عُنقِك أكان يسعني مخالفتُه؟! وكان عند أحمدَ وجوهُ أهلِ خُراسان، فعظم قولُه على الحاضرين، وتغيَّرت وجوهُهم إنكارًا على أَحْمد، فبكى إبراهيمُ وقال: يَا ابنَ أبي خالد، إن قتلني المأمونُ كان غيرَ ملوم، وإني لم أَحمد ربِّي لحُسن ظنِّي بك، ولكن لعلمي أنَّ للمأمون خزنةَ سيوفٍ وخزنةَ أقلام، فحمدت ربِّي على ما منَّ به عليَّ من إِحلالي عند مَن يسائلني لا عندَ مَن يعاجلني. فأشرقتْ وجوهُ القوم وأُعجبوا بما كان من إبراهيم، وقال أَحْمد: النَّاس يتكلَّمون على قدر نفوسِهم وأمانهم، وكلامُك على قدرك وقدرِ المهديّ، وكلامي على قدري وقدرِ جدِّي يزيدَ الأحول، وأنا أستقيلك ممَّا بدا مني، فأقِلْني أقال اللهُ عثرتَك، وسقَل أمرك، وأَحسن خَلاصَك. فدعا له إبراهيمُ وأقاله. قال إبراهيم: فلمَّا مضى لي في داره خمسٌ وخمسون ليلة، أخرجني نصفَ الليل على دابَّة وجاء بي إلى ما بين الجسرِ والخُلد (٣)، فأوقفني هناك، وعاد وهو يركض وقال: يَا [إبراهيم] (٤) أميرُ المُؤْمنين يقول لك: أما كفاك توثُّبك عليَّ وفعلُك السابقُ حتَّى وثب عليَّ ابنُ عائشةَ والإفريقي، وأحوجتَني إلى قتلهما وقتلِ مَن قتلتُ معهما في هذه الليلةِ بالمُطبق! وأنا لاحقُك بهما إن لم تحتجَّ بحجَّة. فعلمت أنَّه قد غلب عليه السُّكر، وأني أَحتاج إلى مداراته، فقلت: يَا أَبا العباس، الله الله في دمي، فإنَّه في عنقك، فاتقِ اللهَ في حقنه، فإنَّه أن تؤدِّيَ ما تسمعه مني. فقال: عليَّ عهدُ الله وميثاقُه أن أؤديَ إليه ما تقول، قلت: تقول له: استترتُ عنك وأنت خارجَ البلد ومعي عالمٌ من النَّاس، وأنا اليومَ أسير في سرداب أَحْمد! كيف أُوثب عليك!

стр. 6429

أيفعل هذا عاقل! فمضى إليه وأَخبره بما قلت، فقال: صدق، رُدَّه إلى موضعه. فرجع أحمدُ وهو يقول: السلامة السلامة، فردَّني إلى سِردابه حتَّى خرج المأمونُ إلى فم الصِّلح إلى بُوران بنتِ الحسن، فسألَتْه فيّ، فرضي عني. وقال أبو الفَرَج الأَصبهاني: لما حصل إبراهيمُ في يد المأمونِ لم يشكَّ أحدٌ في قتله، فأقام محبوسًا في مطمورةٍ على أقبح حال، قال إبراهيم: فيئستُ من الحياة وتعرَّيت عنها، وتمنَّيت الموتَ لما أنا فيه، وإذا بأحمدَ بنِ أبي خالدٍ قد دخل عليَّ وقال: اكتبْ وصيَّتك؛ فقد أمرني بضرب عُنقك. فكتبتُ وصيَّتي، وأسندتُها إلى المأمون وشَكلَةَ والدتي، وصلَّيت ركعات، وقعدتُ أنتظر القتل، وإذا بأحمدَ بنِ أبي خالدٍ قد دخل عليَّ وقال: أميرُ المُؤْمنين يسلِّم عليك ويقول لك: اِحمد اللهَ الذي وفَّقني لصِلة رَحِمك والعفو عنك، وانصرفْ إلى دارك، وقد رددتُ عليك أموالك وضِياعك، فغلبني البكاء، فقال أَحْمد: لقد رأيتُ منك عجبًا، أخبرتُك أنَّه قد أمر بضرب عنقِك فلم تبكِ ولم تَجزَع، ثم أخبرتك بعفوه عنك وتفضُّله عليك فبكيت! فقلت: أما الأوَّل؛ فلأني كنت موطِّنًا نفسي عليه غيرَ شاكٍّ فيه، فلم أَجزَع، وأمَّا بكائي الآن، فواللهِ ما هو من سروري بالحياة ورجوعِ النِّعمة، وإنما هو لِمَا كان مني من قطيعة رحمِ مَن فعل معي مثلَ هذا العفو الذي لم يُسمع بمثله في جاهليةٍ ولا في إسلام، فقد حاز الثوابَ من الله في صِلَة الرَّحم، وثناءَ النَّاس عليه، وحزتُ المأثمَ في قطيعة الرَّحم، وذمَّ النَّاس لي. فرجع إلى المأمون وأَخبره، فاستحسن قولي، وبعث إليَّ بالخِلَع والمراكب والأموال، فانصرفتُ إلى داري ونعمتي. وقال التَّنوخي (١): لمَّا أطلق المأمونُ إبراهيم، أمر محمدَ بن يزدادَ (٢) بمنعه من دار الخاصَّة والعامَّة، ويوكّلَ به رجلًا من قِبَله يطالعه بأخباره، فكتب إلى المأمون الرجلُ

стр. 6430

أنَّ إبراهيمَ لما مُنع من دار الخاصَّة والعامة تمثَّل: [من البسيط] يَا سرحةَ الماءِ قد سُدَّت مواردُهْ … أَمَا إليك طريقٌ غيرُ مسدودِ لحائمٍ (١) حامَ حتَّى لا وصولَ له (٢) … مُحلَّأٍ عن طريق الماءِ مطرود فبكى المأمونُ وأمر بإحضاره، فقبَّل بساطَه وقال: البِرُّ بي منك وطَّا العُذْرَ عندك لي … دون اعتذاري فلم تَعذُلْ ولم تَلُمِ تعفو بعدلٍ وتسطو إن سطوتَ به … فلا عَدِمناك من عافٍ ومنتقم [وحكى الأصمعيُّ أن المأمون لما جيءَ إليه وإبراهيم، جمع بني هاشمٍ وغيرهم، وأَقدمه في المِلحفة، ودعا بعودٍ ومنبر وقال: اصعدْ واضرب به، ففعل، ولمَّا نزل من المنبر أَمر بحبسه. وقال الصُّولي:] (٣) لما عفا المأمون عن عمِّه، حَسُنَ ذلك من قلوب النَّاس، فازدادوا محبَّةً له، ولمَّا شفعت فيه بُوران صار نديمًا له. وقال إبراهيم: واللهِ ما طمعتُ في الخلافة، وإنَّما وليتها حفظًا لها؛ لئلا تخرجَ من البيت ويتسلَّطَ عليها الغير لمَّا ولَّى المأمونُ علي بن موسى الرِّضى. [وسنذكر إبراهيمَ في سنة أربعٍ وعشرين ومئتين عند وفاته]. وفيها مضى المأمونُ إلى فم الصِّلح وبنى ببُورانَ بنتِ الحسنِ بن سهل. [وقد ذكر القصَّةَ الطبريُّ والصُّولي والخطيب وغيرُهم، فأمَّا الطَّبرِيُّ فإنَّه ذكر كلامًا طويلًا اختصرته] فقال (٤): خرج المأمونُ من بغدادَ في رمضانَ ومعه إبراهيمُ بن المهديِّ محتاطًا عليه، وتقدَّم العباسُ بن المأمون أباه، فالتقاه الحسن، وأراد أن يترجَّلَ له، فأَقسم عليه العباسُ بحياة أَبيه، فامتنع، ووافى المأمونُ وقتَ العشاءِ في رمضان، فأَفطر في منزل الحسنِ بن سهل، ومعه ولدُه العباس، ودينارُ بن عبدِ الله قائمٌ على رأس المأمون، فلمَّا فرغوا من الأكل دعا المأمونُ بشراب، فأُتي بجامٍ من ذهب، فصبَّ فيه

стр. 6431

وشربه، ومدَّ يده بجامٍ فيه شرابٌ إلى الحسن بنِ سهل، فتَباطأَ عنه؛ لأنَّ الحسن لم يكن يشرب النبيذَ قبل ذلك، فغمز دينار [بن عبد الله] الحسنَ أن اشربه، فقال: يَا أميرَ المُؤْمنين، أَشربه بإذنك وأمرِك؟ فقال [المأمون] (١): لولا أمري لم أَمددْ يدي إليك، فأخذ الجامَ فشربه. [قلت: لقد جنى الطبريُّ على المأمون جنايتَين إحداهما: شربُ النبيذ في رمضان، وهو أنَّه وإن كان مذهبَ أهل العراق، غيرَ أنَّه حرامٌ عند مالك والشافعي وأحمدَ ومحمدِ بن الحسن، وأنه مثلُ الخمر عند البعض، ولو كان مباحًا كان ينبغي أن ينزِّهَ رمضانَ عنه. والثاني: قولُه: إن المأمونَ شرب في جام ذهب، وهل يُستباح استعمال الذهبِ والفضة لأهل العامَّة؟! فكيف بالخليفة! قال:] ولمَّا كانت الليلةُ الثالثة دخل المأمونُ بِبُوران، وكان عندها حمدونةُ وجدَّتها وأمُّ جعفر، فلمَّا جلس المأمونُ معها، نثرت عليها جدَّتُها ألفَ دُرَّة، وكانت في صِينية ذهب، فأمر المأمونُ أن تُجمع، وسألها عن عددها، فقالت: ألفُ حبَّة، فأمر بعدِّها، فنقصت عشرة، فقال: مَن أخذها؟ قالوا: حسينٌ الخادم، فأمر بردِّها، فقال الخادم: إنما نُثرت لنأخذَها، فقال: رُدَّها وعليَّ الخَلَف، فردَّها، فجمع المأمونُ الجميعَ ووضعه في حجرها وقال: هذه نِحلتُك وسلي حوائجَك، فقالت لها جدَّتها: كلِّمي سيِّدَك، فقد أمركِ أن تسأليه حوائجَك، فسألتْه الرِّضا عن إبراهيمَ بنِ المهدي، وسألته الإذنَ لزُبيدةَ في الحجّ، فأجابها إلى ذلك، وألبستها أمُّ جعفر البَدَنةَ (٢) اللؤلؤيةَ الأُموية، وبنى بها من ليلته، وأُوقِد في تلك الليلة شمعةُ عنبر، فيها أربعون مَنًّا في تورٍ (٣) من ذهب، فأنكر المأمونُ ذلك عليهم وقال: هذا سَرَف. فلمَّا كان من الغد دعا بإبراهيم [بن المهدي] (٤) فلمَّا دخل عليه رمى بنفسه، فصاح المأمون: يَا عمّ، لا بأسَ عليك. ودعا بالخِلَع والمراكب، فخلع عليه وقلَّده سيفًا، وخرج فسلَّم على النَّاس ورُدّ

стр. 6432

إلى موضعه. [قال:] وأقام المأمونُ عند الحسنِ سبعةَ عشرَ يومًا يقوم به وبجميع مَن معه، وخلع على القوَّاد على قَدْر مراتبهم ووصلهم، فكان مبلغُ نفقته عليهم خمسين ألفَ ألفِ درهم، وأمر المأمونُ أن يُقطَعَ الحسنُ فمَ الصِّلح ويُحملَ إليه عشرةُ آلافِ ألفِ درهم، فحُملت إليه، ففرَّقها في قوَّاد المأمونِ وخدمه، وانصرف المأمونُ ببُورانَ إلى بغداد. وكتب الحسنُ رِقاعًا فيها أسماءُ ضِياعه ونثرها على القوَّاد وبني هاشم، فمَن وقعت بيده رقعة فيها اسمُ ضَيعة، أقرَ له بها وسلَّمها إليه. [وفي رواية الطَّبريِّ أن الحسنَ بن سهلٍ كان] يصف (١) رجاحةَ عقلِ أم جعفر زبيدةَ وفهمَها، فقال: سألها المأمونُ وسأل حمدونةَ بنت غضيض بفم الصِّلح: كم أنفقتما على بُوران؟ فأما حمدونةُ فقالت: أنفقتُ خمسة وعشرين ألفَ ألفِ درهم، وأما أمُّ جعفر فقالت: ما أنفقت شيئًا، وكانت قد أنفقت ما بين خمسةٍ وثلاثين ألفَ ألفِ درهمٍ إلى سبعةٍ وثلاثين ألفَ ألفِ درهم، ونحلتها أمُّ جعفرٍ في ذلك اليومِ فمَ الصِّلح، وكانت له قبل ذلك. [قال الصُّولي:] ولما بنى المأمونُ ببوران، فرش له الحسنُ [بن سهلٍ يومَ البناء] (٢) حصيرًا (٣) من ذهب مسفوف، ونُثر عليه جوهرٌ كثير، فجعل بياضُ الدُّرِّ يُشرق على صُفرة الذهب، وبعث الحسنُ إلى المأمون: هذا نِثارٌ اسأل أن يُلتقط، وكان حول المأمون بناتُ الخلفاء، فلم يمدَّ أحدٌ يدَه إليه، فقال المأمون: شرِّفْن أَبا محمَّد، فمدَّت كلُّ واحدةٍ منهن يدَها فأخذت دُرَّة، وبقي الباقي يلوح على الحصير، فقال المأمون: قاتل اللهُ أَبا نُواس، فقد شبَّه بشيء ما رآه قطّ، حيث وصف الخمرَ والحَبَابَ (٤) الذي فوقها فقال (٥): [من البسيط]

стр. 6433

كأنَّ صغرى وكُبرى من فواقعها … حصباءُ دُرٍّ على أرضٍ من الذَّهبِ فكيف لو رآه معاينة. وكان أبو نُواسٍ قد مات. و [قال أبو حسَّان الزِّيادي:] (١) كان مقامُ المأمونِ عند الحسن [بنِ سهل] وذهابُه ومجيئُه أربعين يومًا، وعاد إلى بغدادَ يومَ الخميس لإحدى عشرةَ ليلةً خلت من شوَّال. وقيل: إنَّه خرج من بغدادَ لثمانٍ خلونَ من رمضان، وعاد إليها لتسعٍ بقين من شوال. قال الخَطيب (٢): [بلغنا أنَّ الحسن بنَ سهلٍ نثر على المأمون ألفَ حبّةِ جوهر، وأشعل بين يديه شمعةَ عنبر وزنُها مئةُ رَطل، ونثر على القوَّاد رِقاعًا فيها أسامي ضِياعه، فمن وقعت بيده رقعةٌ أشهد له الحسنُ بها]. وكان الحسن يُجري مدةَ إقامةِ المأمون [عنده على ستَّة وثلاثين ألفَ ملَّاح، فلمَّا أراد المأمون] أن يصاعدَ إلى بغداد، أمر له بألف ألفِ دينار، وأقطعه مدينةَ الصِّلح. [وقد ذكرنا أن المأمون تزوَّج بُورانَ في السَّنة الحادية بعد المئتين لمَّا زوَج ابنتَه من عليِّ بن موسى الرضى، ولم يدخلْ بها إلَّا في هذه السَّنة، سنةِ عشرٍ ومئتين. قلت: وقد ذكر ابنُ عبد ربِّه في كتاب "العِقد" (٣) حكايةً طويلة، حاصلها أنَّ إسحاقَ بن إبراهيمَ الموصليَّ خرج ليلة في بغداد، فدخل زُقاقًا، فرأى فيه زِنبيلًا معلَّقًا بحبالٍ من الإبرِيسَم، والزنبيل مجلد، وأنه قعد في الزنبيل، فاستاقُوه إلى دارٍ فيها أنواعُ الفرش، وفيها جوارٍ كالدُّمى، وأنه رأى مجامرَ العُود والنَّدِّ (٤) والمتاعِ ما لم يشاهدْه في دار الخلفاء، وأنه رأى امرأةً على سريرٍ من الذهب لم يشاهِدْ في الدنيا مثلَها حسنًا وجمالًا، وأنه جالسها وشرب معها ونادمها وغنَّى لها، ولمَّا طلع الفجر، حملوه وألقَوه في الزنبيل ودلَّوه إلى الزُّقاق، وأنه طلع إليها مِرارًا، وأنه حكى للمأمون صورةَ الحال وقال للجارية: لي صديق، وأريد أن أُحضرَه عندك، وأنَّها أجابته، وأنَّ المأمونَ صعد إليها في الزنبيل وشرب عندها، ولما ثمل وأخذ منه الشرابُ عرَّفها نفسَه، وأن

стр. 6434

المرأةَ هربت واختبأت منه، وهرب الجواري، وأنَّ المأمون لما طلع الفجرُ أحضر الحسنَ بن سهل وتزوَّجها منه (١). والحكاية مذكورةٌ على حالها في "العِقد" وقد نزَّهت كتابي عن مثل هذه الخرافات، التي ما تُسمع إلَّا من العُميان في الطُّرقات، والله أعلم]. وفيها فتح عبد الله بن طاهرٍ مصر، لمَّا فرغ من أمر نصر بن شَبَث كتب إليه المأمونُ بالمسير إليها، وكان قد تغلَّب عليها عبيدُ الله بن السَّري بنِ الحكم، فلمَّا قرب منها، خندق ابنُ السريِّ عليه، وبعث ابنُ طاهر قائدًا من قوَّاده يرتاد له منزلًا، فالتقى بابن السريِّ فهزمه، وتساقط عامَّةُ أصحابِه في الخندق، وأقام ابنُ السري في الفُسطاط محصورًا. وبعث إلى ابن طاهرٍ بألف وصيفٍ ووصيفة، مع كلِّ وصيفٍ ألفُ دينارٍ في كيس حرير، وبعث بهم ليلًا، فردَّ ابنُ طاهر ذلك عليه، وكتب إليه: لو قبلتُ هديَّتك نهارًا قبلتها ليلًا ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ الآية [النمل: ٣٦ - ٣٧] فحينئذٍ طلب ابنُ السري الأمانَ منه، فأمَّنه. وكتب إلى المأمون فأمضى أمانَه. وكتب المأمونُ إلى ابن طاهرٍ أبياتًا لمَّا فتح مصر: [من الهزج] أخي أنتَ ومولايَ … ومَن أَشكر نُعماهُ فما أحببتَ من شيءٍ … فإنِّي الدَّهرَ أهواه وما تكره من شيءٍ … فإنِّي لست أرضاه لك اللهُ على ذاكَ … لك اللهُ لك اللهُ (٢) ذِكرُ واقعةٍ جرت: قال أبو السَّمراء: خرجنا مع عبدِ الله بن طاهرٍ متوجِّهين إلى مصر، حتَّى إذا كنا بين الرَّملة ودمشق، إذا بأعرابيٍّ قد اعترض على بعيرٍ أَورَق، وكان شيخًا، فسلّم علينا،

стр. 6435

فرددنا عليه¬ السلام، وكنت أنا وإسحاقُ بن إبراهيمَ الرافقيُّ وإسحاقُ بن أبي ربعي، ونحن نساير عبدَ الله بن طاهر، وكانت كِسوتنا أحسنَ من كسوة ابنِ طاهر، ودوابُّنا أَفرهَ من دابَّته، فجعل الأعرابيُّ ينظر في وجوهنا، فقلنا: يَا شيخ، قد ألححتَ في النظر إلينا، عرفتَ شيئًا أم أنكرتَه؟ فقال: لا واللهِ ما عرفتكم قبل يومي هذا، ولا أنكرتكم لسوءٍ أراه فيكم، ولكني رجلٌ حسن الفراسةِ في النَّاس، جيِّدُ المعرفة بهم، فأشرتُ إلى إسحاقَ بن أبي ربعي وقلت: ما تقول في هذا؟ فقال: [من الطَّويل] أرى كاتبًا جاهُ (١) الكتابة بيِّنٌ … عليه وتأديبُ العراقِ منيرُ له حركاتٌ قد يشاهِدنَ أنَّه … عليمٌ بتقسيط الخَراجِ بصيرُ ونظر إلى إسحاقَ بن إبراهيمَ الرافقيّ وقال: ومُظهِر نُسْكٍ ما عليه ضميرُه … يحبُّ الهدايا بالرِّجال نكيرُ (٢) إِخالُ به جُبنٌ وبخلٌ وشيمةٌ (٣) … تخبِّر عنه أنَّه لوزيرُ ثم نظر إليَّ وقال: وهذا نديمٌ للأمير ومؤنسٌ … يكون له بالقُرب منه سرورُ أخا أدبٍ للشِّعر والعلمِ راويًا … فبعضُ نديمٍ مرَّةً وسميرُ ثم نظر إلى الأمير وقال: وهذا الأميرُ المرتجَى سَيبُ كفِّه … فما إنْ له فيمن رأيتُ نظيرُ عليه رداءٌ من جَمالٍ وهيبةٍ … ووجهٌ بإتيان النَّجاحِ بشير لقد عَظُمَ الإِسلامُ [منه] (٤) بذي يدٍ … به عاش معروفٌ ومات نكير أَلَا إنَّما عبدُ الإله ابنُ طاهرٍ … لنا والدٌ بَرٌّ بنا وأمير فوقع ذلك من عبد اللهِ بن طاهرٍ أحسنَ موقع، وأَعجبه ما قال الشيخ، وأمر له بخمس مئةِ دينار، وجعله في صَحَابته.

стр. 6436

ذِكرُ واقعةٍ أخرى: قال الحسنُ بن يحيى الفِهري: بينا نحن مع عبدِ الله بن طاهرٍ مما بين سَلَمْيةَ وحمصَ ونحن يزيد دمشق، إذ عارضنا البُطين الشَّاعر، فلما رأى عبدَ الله قال ينشد: [من الخفيف] مرحبًا مرحبًا وأهلًا وسهلًا … بابن ذي الجُودِ طاهرِ بن الحسينِ مرحبًا مرحبًا وأهلًا وسهلًا … بابن ذي الغُرَّتين في الدَّعوتين مرحبًا مرحبًا بمَن كفُّه البحـ … ـرُ إذا فاض مُزبدَ الرَّجَوَين (١) ما يبالي المأمونُ أيَّده … اللهُ إذا كنتما له باقيَين أَنْتَ غربٌ وذاك شرقٌ مقيمًا … أيُّ فتقٍ أتى من الجانبَين وحقيقٌ إذ كنتما في قديمٍ … لِزُريقٍ ومصعبٍ وحسين أنْ تنالا ما نلتماه من المجـ … دِ وأَن تعلوَا على الثَّقلينِ فأمر له عن كلِّ بيتٍ بألف دينار، وسار معه إلى مصرَ والإسكندرية، فبينا هو راكبٌ على فرسه بالإسكندرية، انخسف به مخرج، فوقع فيه فمات (٢). وفيها فتح عبد الله بنُ طاهر الإسكندرية، وكان قد تغلَّب عليها رجلٌ من أهل الأندلسِ يقال له أبو حفص، وكان قد قصدها في مراكبَ كثيرة، وكانت الحربُ قائمةً بينه وبين ابنِ السري [وحكى القصَّةَ يونسُ بن عبدِ الأعلى: قال ولمَّا ملك ابنُ طاهرٍ مصر، سار إليها ونزل عليها، فعلموا أنَّه لا طاقةَ لهم به، فطلبوا منه الأمانَ على أن يرتحلوا من الإسكندرية وينزلوا بعضَ الجزائر، فأمَّنهم، فرحلوا عنها ونزلوا جزيرةً [من جزائر البحر يقال لها] (٣) أَقْرِيطِش، فاستوطنوها فيقال: إنَّ عَقِبهم بها إلى هلمَّ جرًّا.

стр. 6437

وفيها خلع أهلُ قُمَّ المأمونَ وعصَوا عليه، وسببه أن خَراجَهم كان أَلفَي ألفِ درهم، فاستكثروه، وكان المأمونُ قد حطَّ عن أهل الرَّي لمَّا اجتازهم ألفَ ألفِ درهم، فسأله أهلُ قُمّ أن يفعل بهم كذلك [فقيل له: هذا مالٌ عظيم، فلم يُجبهم إلى ذلك] فمنعوه الخراجَ أصلًا، فبعث إليهم عليَّ بن هشام، فقاتلهم وظهر عليهم وهدم سورَهم، وجباها سبعةَ آلافِ أَلْف درهم [بعدما كانوا يتظلَّمون من أَلفَي ألفِ درهم] وقيل: [إنَّما جباهم] أربعةَ آلافِ أَلْف درهم (١)، ضعفَي ما كانوا يتظلَّمون منه. وحجَّ بالنَّاس [في هذه السنة] صالحُ بن العباس [وهو] عاملُ [المأمونِ على] مكَّة. [فصل] وفيها تُوفِّي أبو عمرٍو الشَّيبانِيّ صاحبُ العربية، واسمه إسحاقُ بن مِرار (٢) الكُوفيّ، نزل بغدادَ وحدَّث بها، وكان عالمًا متقنًا خيِّرًا فاضلًا، وأقوالُه مدوَّنة في كتب النحو واللغةِ وتفاسيرِ القرآن، وجمع أشعارَ العرب ودوَّنها [وكتب بيده ثمانين مصحفًا، وجاوز تسعين سنة، وقال الخَطيب:] (٣) كان أعلمَ النَّاس باللغة، موثَّقًا فيما يحكيه. [وحكى الخطيبُ (٤) عن ثعلبٍ قال: دخل أبو عَمرو الباديةَ ومعه دَسْتيِجتان (٥) حِبرًا، ما خرج منها حتَّى أفناهما] ودوَّن أشعارَ ثمانين قبيلة، وكان كلَّما فرغ من قبيلةٍ كتب مصحفًا. [قال:] وقال ثعلب: كان مع أبي عَمرٍو الشَّيبانِيّ من العلم والسَّماع عشرةُ أضعافِ ما كان مع أبي عُبيدة مَعْمر، ولم يكن بالبصرة مثلُ أبي عبيدةَ في السَّماع والعلم.

стр. 6438

وقال عَمرو (١) بن أبي عَمرٍو الشَّيبانِيّ: كان أبي يُكثر من إنشاد هذا البيت: [من الرمل] لا تُهِنِّي بعد إكرامِك لي … فشديدٌ عادةٌ منتزَعهْ (٢) فقلت له: يَا أَبَة، إنك تُكثر إنشادَ هذا البيت، فقال: يَا بُنيّ، واللهِ أنا أدعو به في صلاتي وقتَ السَّحَر. [قال الخَطيب:] (٣) تُوفِّي أبو عَمرٍو [في سنة عشرٍ ومئتين في] يوم السَّعانين -بسين مهمَلة- وهو عيدٌ من أعياد النَّصارى، وقد أناف على تسعين سنة. وأَسند عن أئمَّة اللغة، وروى الحديثَ عن رُكنٍ الشَّاميّ [وركنٌ روى عن مكحول]. وروى عن أبي عمرٍو الإمامُ (٤) أَحْمد رحمةُ الله عليه وغيرُه. [قال الخَطيب:] وكان الإِمام أحمدُ يثني عليه ويلازم مجلسَه ويسأله ويكتب أماليَه. [قال (٥): وقال أَحْمد: سألت أَبا عمرٍو الشيبانيَّ عن معنى قولِه ﵇: "أَخنعُ الأسامي عند اللهِ يومَ القيامةِ رجلٌ تسمَّى بمَلِك الأَملاك" (٦) فقال: معنى "أخنع" أَوضع. وقد أشار إليه الجوهريُّ (٧) فقال: الخنوع كالخضوع والذُّلّ، والخانع: المُريبُ الفاجر]. وقال الخرائطي (٨): لقي عالمٌ من العلماء راهبًا من الرُّهبان، فقال له: كيف ترى الدَّهر؟ فقال: يُخلق الأبدانَ ويجدِّد الآمال، ويُبعد الأمنية ويقرِّب المَنيَّة. قال: فأيُّ الأصحاب أَبَرّ؟ قال: العملُ الصالح، قال: فأيُّ شيءٍ أضرُّ على المرء (٩)؟ قال: اتِّباع النفسِ والهوى.

стр. 6439

واتفقوا على صِدق أبي عمرٍو ونُبله وفضله، وقد غمزه الخطيبُ [فقال (١): كان مشهورًا] بشُرب النبيذ [فقصَّر به ذلك عند أهلِ العلم، قلت: شربُ النبيذ] (٢) مذهبُ أهل العراق [ولو عابه ذلك لما روى أحمدُ بن حنبل عنه أماليَه، ولا لازم مجلسَه، ولا أثنى عليه، واللهُ أعلم. وفيها تُوفِّي] حُميدُ بن عبد الحميد الطُّوسيّ من قوَّاد المأمون. [ذكره الصوليُّ فقال:] (٣) كان جبَّارًا، قال له رجل: رأيتُ في المنام قصورًا في بساتين، فقلت: ما هذه؟ قالوا: الجنةُ أُعدَّت لحُميد الطوسي، فقال له حميد: إنْ صدقتْ رؤياك، فالجَوْرُ ثَمَّ أشدُّ من ها هنا بكثير. [وروى ابنُ ناصرٍ بإسناده إلى] أبي الحسنِ بن البراءِ قال (٤): مات حميدٌ [الطوسيُّ في سنة عشرٍ ومئتين] (٥) فإنَّا لَجلوسٌ ننتظر إخراجه، إذ أشرفت [علينا] جاريةٌ من القصر، فأنشأتٍ تقول (٦): [من البسيط] مَن كان أصبح هذا اليومَ مغتبطًا … فما غبطنا به واللهُ محمودُ أو كان منتظرًا في الفطر سيِّدهُ … فإنَّ سيَّدنا في اللَّحد ملحود فأقلقتْنا واللهِ وأحزنتنا (٧).

стр. 6440

[قلت: وإنَّما قالت كذا؛ لأن حُميدًا مات يومَ الفطر (١). وقد ذكره أبو جعفرٍ الطبري (٢). وفيها تُوفِّي] شَهريار بن شروين صاحبُ الديلم. وملك بعده ابنُه سابور بن شهريار، فنازعه مازيار بنُ قارن، فأسره وقتله، واستولى مازيار على الجبال والدَّيلم (٣) [وهزمَ أصحابه]. [وفيها تُوفِّي] الأصمعي أبو سعيد الباهليُّ البَصْرِيّ. [وقد نسبه أبو حاتمٍ السِّجستانيُّ فقال:] (٤) عبدُ الملك (٥) بن قُرَيب بن عبدِ الملك بن عليِّ بن أَصْمَعَ بن مظهِّر (٦) بن رِياح بن عَمرو بن عبد شمس ابن أَعْيا بن سعد بن عبد [بن] (٧) غَنْم بن قُتيبة بن مَعْن بن مالك بن أَعْصُر بن سعد بن قَيس عَيلان. [وباهلة قبيلة من قيس عَيلان، وقد ذكرناه، وهي في الأصل اسمُ امرأةٍ من هَمْدان. وقال أبو عُبيد: وقريب الأصمعيّ، بقاف وراءٍ مهمَلة وبالنقطتين من تحتُ وباءٍ منقوطة واحدةٍ من تحت] (٨). وقيل: اسمُ قُريب عاصم، وإنَّما قيل له الأصمعيّ؛ لأنه نُسب إلى جدِّه أصمع [بن مظهر].

стр. 6441

[وقال الجوهريّ (١): يقال: هو أصمعُ القلب، إذا كان متيقِّظا ذكيًّا، والأَصْمَعَان: القلب الذَّكي، والرأيُ الجازم (٢)، والأصمع: الصغيرُ الأُذن، والأنثى صَمْعاء. ولم يذكر الجوهريّ غيرَ هذا.] وذكر ابن الجواليقي في "المعرَّب" (٣): كان عليُّ بن أبي طالبٍ رضوان الله عليه قطع عليَّ بن أصمعَ [جدَّ الأصمعيّ] (٤) في سرقة، فقطع أصابِعَه من أصولها، فلمَّا ولي الحجَّاج [بنُ يوسف] (٥) جاء عليٌّ إليه فقال: إنَّ أهلي عقُّوني، قال: بماذا؟ قال: بتسميتهم إياي عليًّا، فاقْلِب اسمي، قال: قد سمَّيتك سعيدًا، وولَّيتك البَارْجَاه، وأجريتُ عليك في كلِّ يومٍ دانِقَين وطَسُّوجًا (٦)، وبالله أُقسم لئِن زدتَ عليه لأقطعنَّ ما أبقى أبو ترابٍ من جُذْمُورها، أي: من أصلها. [قال ابنُ الجَوَاليقي:] (٧) البَارْجَاه: كلمة أعجميَّة، وهي موضع الإِذْن [وقد تكلَّم بها الحَجَّاج ورُوي أنَّ مالكًا يقول: عبدُ الملك بن قُرَير (٨)، براءٍ مهملة، وقد أخذوا عليه ذلك، وسنذكره في آخر ترجمته]. ذِكرُ طَرَف من أخباره: [قال علماءُ السِّير:] (٩) هو صاحبُ العربية، والنَّحو، والغرائب والمُلَح، وأيامِ النَّاس، والأخبار، وسمع من الأعراب بالبوادي، وقدم بغداد، وصحب [هارون] الرَّشيد، واستفاد منه أموالًا [جمَّة] واختصَّ بالبرامكة.

стр. 6442

[ذِكر قصَّته مع جاره البقَّال: وحكى القاضي التَّنوخي في كتاب "الفرج بعد الشدَّة" (١) عن الأصمعيّ قال: كنت أطلب العلمَ بالبصرة وإنما أنا مُقِلّ، وكان على باب زُقاقنا بقَّال، إذا خرجت بُكرةً يقول: إلى أين؟ أقول: إلى فلان المحدِّث، فإذا عُدتُ آخرَ النهار قال: من أين؟ فأقول: من عند فلانٍ اللغوي، فيقول: اِقبل وصيَّتي، فأنت شابّ، [فلا تضيِّع نفسك] (٢) واطلب معاشًا ينفعُك ويعود [عليك نفعُه] (٣) أعطني جميعَ ما عندك من الكتب لأطرَحه في دَنٍّ وأَصبَّ عليه من الماء عشرةَ أرطال (٤) [وأنبِّذَه] وأنظرَ ما يكون منه، واللهِ لو طلبتَ مني بجميع ما عندك جُرْزةَ بَقلٍ ما أعطيتك. قال: فكان يخاطبني بهذا دائمًا، فيضيِّق صدري، وبلغ بي حتَّى بعت آجُرَّ داري وسقوفَها، وأشرفت على الهلاك. قال: فبينما أنا كذلك، إذ جاءني رسولُ محمدِ بن سليمانَ والي البصرة، فرأى قبيحَ حالي وسوءَ منظري، فعاد إلى الأمير وأخبره، فبعث إليَّ بألف دينارٍ وطِيب وتخت ثياب، وقال: قد أمرني الأميرُ أن أُدخلَك الحمَّام وأُلبسَك من هذه الثياب، فأدخلَني الحمام، وحملني إلى الأمير، فدخلت، فقرَّبني وأدناني، وقال لي: يَا عبدَ الملك، قد اخترتك لتأديب ابنِ أميرِ المُؤْمنين، فارحل إليه. قال: فدعوت له، وجهَّزني من وقتي، فأخذتُ ما أحتاج إليه من كتبي، وتركت الباقي في بيت وطيَّنت بابَه، وأَقعدتُ في الدار عجوزًا من أهلي تحفظ البيت، وأصعدت إلى بغداد، فدخلت على الرشيد، فقرَّبني ورفعني، وقال: أعلم أنَّ ولدَ الرَّجل ثمرةُ قلبه ومُهجته، وأنا مسلِّم إليك ولدي محمدًا -يعني الأمين- بأمانة الله، لا تعلِّمه ما يُفسد عليه دِينَه، فلعلَّه يكون للمسلمين إمامًا. فقلت: سمعًا وطاعة. ثم حوِّلت إلى دارٍ لتأديب محمَّد، ورُتِّبت الموائد، وأُجري عليَّ في كل شهر عشرة

стр. 6443

آلاف درهم، وكنت أقضي حوائج الناسِ عنده، فحصل لي مالٌ عظيم، وكان كلَّما حصل لي شيءٌ أنفذته إلى البصرة أوّلًا فأوَّلًا، فيشترى لي به الدُّورُ والضِّياع والبساتين، وأقمت مع محمدٍ حتَّى تعلَّم القرآنَ وتفقَّه في الدّين، وروى الشعرَ وفهم العربيةَ واللغة، وبرع في النَّحو وأيامِ النَّاس، فاستدعاه هارونُ الرشيد، فاستنطقه، فأُعجب به وقال. يَا عبدَ الملك، أريد أن يصلِّيَ بالنَّاس، فاختر له خطبة، ففعلت، وخطب وصلَّى بالنَّاس الجُمُعة، ونُثرت عليه الدراهمُ والدنانير، ووصلني هارونُ وزبيدةُ بأموالٍ لا تُحصى ولا تُعدّ. قال: فاستأذنته في عَودي إلى البصرة ومشارفةِ أهلي ومالي وأصحابي، فأذن لي، وكتب لي كتابًا إلى العامل بها بوصيَّته، فلمَّا دخلت البصرة، لم يبقَ بهما إلَّا مَن تلقاني. فلما كان في اليومِ الثالث، جاء البقَّال وعليه ثوبٌ وسخ وعِمامةٌ وسخة، فقال لي: كيف أَنْتَ يَا عبدَ الملك؟ وخاطبني بما يخاطبني به الرشيد، فقلت: بخير، وقد قبلتُ وصيَّتك، وجمعت ما عندي من الكتب وجعلته في دَنّ، وصببتُ عليه من الماء عشرةَ أرطال (١)، فخرج كما ترى، فقال: جيدًا عملت، ثم أَحسنتُ عليه وجعلته وكيلي، ثم استقدمه (٢) هارونُ فأعطاه مئةَ أَلْفٍ أخرى. واجتمع الأصمعيُّ بهارونَ الرشيد] قال الأصمعيّ: أمر الرشيدُ بحملي إليه، فأدخلني عليه الفضلُ بن الربيعِ وهو منفرد، فأمرني بالجلوس، فجلست، فقال: يَا عبدَ الملك، وجَّهت إليك بسبب جاريتَين قد أخذتا طَرفًا من الأدب، فأحببت أن تتعرَّف ما عندهما، فأحضر جاريتين لم أرَ مثلهما حُسنًا وجمالًا، فقلت لإحداهما: ما عندكِ من العلم، قالت: ما أمر اللهُ به في كتابه، ثم ما تنظر النَّاسُ فيه من الأشعار والآدابِ والأخبار، فسألتها عن حروفٍ من القرآن، فأجابتني كأنَّها تقرأ الجواب من كتاب، وسألتُها عن النحو والعَروضِ فما قصَّرت، فقلت لها: هل قرضتِ الشِّعر؟ قالت: نعم، ثم أنشدت تقول: [من الخفيف] يَا غياثَ البلادِ في كلِّ مَحْلٍ … ما يريد العبادُ إلَّا رضاكا

стр. 6444

لا ومَن شرَّف الأنامَ (١) وأعلى … ما أطاعَ الإلَهَ عبدٌ عصاكا من أبيات. فقلت: يَا أميرَ المُؤْمنين، ما رأيت امرأةً في مَسْك رجلٍ مثلَها، ثم سأَلتُ الأخرى، فوجدتُها دونها، فأَمر عاتكةَ القيِّمة على النساء أن تزيِّنَ الأولى وتحملهَا إليه في تلك الليلة. ثم قال: حَدَّثني حديثًا أرتاح له، فقلت: يَا أميرَ المُؤْمنين، كان لي صاحبٌ بدور بني فلان (٢)، وكنت أغشاه وأتحدَّث إليه، وكان أصحَّ النَّاس ذِهنًا، وأجودَهم خاطرًا، وأقواهم نفسًا، وكان قد أتت عليه ستٌّ وتسعون سنة، فغبتُ عنه زمانًا ثم جئته، فإذا هو متغيِّر الحال، كاسفُ البال، فقلت: اعتراك المرض؟ قال: لا، قلت: فما الذي بك؟ قال: اجتزتُ بحيِّ بني فلان، فرأيت جارية كأنها غُصن بانٍ وفي عُنقها طَبْل، وهي تنشد: [من الوافر] محاسنُها سِهامٌ للمنايا … مُرَيَّشةٌ بأنواع الخُطوبِ يرى رَيبُ الزمانِ لهنَ سهمًا … تصيب بنَصْله مُهَجَ القلوب قال: فقلت: [من الطَّويل] دعي شَفَتي في موضع الطبلِ ترتقي … كما قد أبحتِ الطبلَ في جِيدكِ الحسنْ هبينيَ عُودًا أجوفًا تحت شَنَّةٍ … تمتَّع فيما بين نَحرِك والذَّقَنْ قال: فرمت الطبلَ من عُنقها ودخلت الخِباء فوقفتُ إلى أن حميت الشمسُ على رأسي، لا تخرج إليَّ ولا تُرجع جوابًا، فكنت معها كما قال الشَّاعر: [من الطَّويل] فواللهِ يَا سلمى لطالت (٣) إِقامتي … على غير شيءٍ يَا سُليمى أُراقبهْ فضحك الرشيدُ حتَّى استلقى، وقال: ويحك، وهل بعد ستٍّ وتسعين سنةً عشق! فقلت: قد كان هذا، فأمر لي بمئة ألفِ درهم، وبعث إلى الجارية الحاذقِة بألف دينارٍ وطيب (٤).

стр. 6445

[ذِكرُ ما نُقل عنه من مُلَح الأعراب: حكى المدائنيُّ عنه] (١) قال: نزلتُ بحيٍّ من كلبٍ مُجْدِبِين، قد توالت عليهم سِنونَ موَّتت الماشية وأَيبست النبات، ومنعت السماءُ قطرَها، فارتفعت سحابة سوداء، فطبَّقت السماء، فاستشرفوا لها ورفعوا أصواتَهم، فمالت عنهم، ثم جاءت سحابةٌ أخرى، فعدلها اللهُ عنهم، فلمَّا كثر ذلك، خرجت عجوز فَعَلَت شَرَفًا ثم نادت بأعلى صوتِها: يَا ذا العرشِ افعلْ ما شئت؛ فإنَّ أرزاقَنا عليك. فوالله ما نزلت من الشَّرف حتَّى مُطروا مطرًا كاد أن يغرقَهم، وأنا حاضر. و [حكى الرِّياشي عنه] قال: مررتُ بصنعاءِ اليمن على مزرعةٍ إلى جانبها عَين، وإذا بغلامٍ قد ملأ قِربةً وقد عجز عنها، فتعلِّق بعُراها (٢) وصاح: يَا أَبة، أدرك فاها، فلم يُجبه أبوه، وقال: يَا أَبة، غلبني فوها، فلم يُجبه، وقال: يَا أَبة، لا طاقةَ لي بفيها. فجمع العربيةَ في ثلاث كلمات. وقال: قدم جماعةٌ من الأَعراب على النَّبِيّ ﷺ وفيهم غلام، فسمع رسولَ الله ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ السورة، فبُهت، ورجع إلى أَبيه فقال: با أَبة، سمعتُ محمدًا ﷺ يُقسم على ربِّه بخيلٍ تصيح من خواصرها، بقُدوح الحصى من سنابكها، تغار على الأحياء في الغَلَس، توسَّط بفارسها الجمع، وسمعته يقول في غُضون كلامه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ فقال: يَا بُني، هذا اللفظُ بعينه سمعتَه منه؟! فقال: يَا أبة، كلامُه لفظٌ شريف، هذا معناه. وقال: دخلتُ الباديةَ فنزلت على بعض الأَعراب، فقلت له: أَفِدني، فقال: إذا شئت أن تعرف وفاءَ الرَّجل وحُسنَ عهده وكرمَ أخلاقه وطهارةَ مولده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وشوقِه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه. وقال: قام أعرابيٌّ بجامع البصرةِ فقال: أيها النَّاس، الحاضرُ يحثُّ على سؤالكم، والحياءُ الزاجر يصدُّ عن التعريض لكم، فرحم اللهُ امرأً ساعد بنَيل، أو دعا بخير؛ فإنَّ
следующие страницы →