← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

[وقال الجوهريّ (١): يقال: هو أصمعُ القلب، إذا كان متيقِّظا ذكيًّا، والأَصْمَعَان: القلب الذَّكي، والرأيُ الجازم (٢)، والأصمع: الصغيرُ الأُذن، والأنثى صَمْعاء. ولم يذكر الجوهريّ غيرَ هذا.] وذكر ابن الجواليقي في "المعرَّب" (٣): كان عليُّ بن أبي طالبٍ رضوان الله عليه قطع عليَّ بن أصمعَ [جدَّ الأصمعيّ] (٤) في سرقة، فقطع أصابِعَه من أصولها، فلمَّا ولي الحجَّاج [بنُ يوسف] (٥) جاء عليٌّ إليه فقال: إنَّ أهلي عقُّوني، قال: بماذا؟ قال: بتسميتهم إياي عليًّا، فاقْلِب اسمي، قال: قد سمَّيتك سعيدًا، وولَّيتك البَارْجَاه، وأجريتُ عليك في كلِّ يومٍ دانِقَين وطَسُّوجًا (٦)، وبالله أُقسم لئِن زدتَ عليه لأقطعنَّ ما أبقى أبو ترابٍ من جُذْمُورها، أي: من أصلها. [قال ابنُ الجَوَاليقي:] (٧) البَارْجَاه: كلمة أعجميَّة، وهي موضع الإِذْن [وقد تكلَّم بها الحَجَّاج ورُوي أنَّ مالكًا يقول: عبدُ الملك بن قُرَير (٨)، براءٍ مهملة، وقد أخذوا عليه ذلك، وسنذكره في آخر ترجمته]. ذِكرُ طَرَف من أخباره: [قال علماءُ السِّير:] (٩) هو صاحبُ العربية، والنَّحو، والغرائب والمُلَح، وأيامِ النَّاس، والأخبار، وسمع من الأعراب بالبوادي، وقدم بغداد، وصحب [هارون] الرَّشيد، واستفاد منه أموالًا [جمَّة] واختصَّ بالبرامكة.

стр. 6442

[ذِكر قصَّته مع جاره البقَّال: وحكى القاضي التَّنوخي في كتاب "الفرج بعد الشدَّة" (١) عن الأصمعيّ قال: كنت أطلب العلمَ بالبصرة وإنما أنا مُقِلّ، وكان على باب زُقاقنا بقَّال، إذا خرجت بُكرةً يقول: إلى أين؟ أقول: إلى فلان المحدِّث، فإذا عُدتُ آخرَ النهار قال: من أين؟ فأقول: من عند فلانٍ اللغوي، فيقول: اِقبل وصيَّتي، فأنت شابّ، [فلا تضيِّع نفسك] (٢) واطلب معاشًا ينفعُك ويعود [عليك نفعُه] (٣) أعطني جميعَ ما عندك من الكتب لأطرَحه في دَنٍّ وأَصبَّ عليه من الماء عشرةَ أرطال (٤) [وأنبِّذَه] وأنظرَ ما يكون منه، واللهِ لو طلبتَ مني بجميع ما عندك جُرْزةَ بَقلٍ ما أعطيتك. قال: فكان يخاطبني بهذا دائمًا، فيضيِّق صدري، وبلغ بي حتَّى بعت آجُرَّ داري وسقوفَها، وأشرفت على الهلاك. قال: فبينما أنا كذلك، إذ جاءني رسولُ محمدِ بن سليمانَ والي البصرة، فرأى قبيحَ حالي وسوءَ منظري، فعاد إلى الأمير وأخبره، فبعث إليَّ بألف دينارٍ وطِيب وتخت ثياب، وقال: قد أمرني الأميرُ أن أُدخلَك الحمَّام وأُلبسَك من هذه الثياب، فأدخلَني الحمام، وحملني إلى الأمير، فدخلت، فقرَّبني وأدناني، وقال لي: يَا عبدَ الملك، قد اخترتك لتأديب ابنِ أميرِ المُؤْمنين، فارحل إليه. قال: فدعوت له، وجهَّزني من وقتي، فأخذتُ ما أحتاج إليه من كتبي، وتركت الباقي في بيت وطيَّنت بابَه، وأَقعدتُ في الدار عجوزًا من أهلي تحفظ البيت، وأصعدت إلى بغداد، فدخلت على الرشيد، فقرَّبني ورفعني، وقال: أعلم أنَّ ولدَ الرَّجل ثمرةُ قلبه ومُهجته، وأنا مسلِّم إليك ولدي محمدًا -يعني الأمين- بأمانة الله، لا تعلِّمه ما يُفسد عليه دِينَه، فلعلَّه يكون للمسلمين إمامًا. فقلت: سمعًا وطاعة. ثم حوِّلت إلى دارٍ لتأديب محمَّد، ورُتِّبت الموائد، وأُجري عليَّ في كل شهر عشرة

стр. 6443

آلاف درهم، وكنت أقضي حوائج الناسِ عنده، فحصل لي مالٌ عظيم، وكان كلَّما حصل لي شيءٌ أنفذته إلى البصرة أوّلًا فأوَّلًا، فيشترى لي به الدُّورُ والضِّياع والبساتين، وأقمت مع محمدٍ حتَّى تعلَّم القرآنَ وتفقَّه في الدّين، وروى الشعرَ وفهم العربيةَ واللغة، وبرع في النَّحو وأيامِ النَّاس، فاستدعاه هارونُ الرشيد، فاستنطقه، فأُعجب به وقال. يَا عبدَ الملك، أريد أن يصلِّيَ بالنَّاس، فاختر له خطبة، ففعلت، وخطب وصلَّى بالنَّاس الجُمُعة، ونُثرت عليه الدراهمُ والدنانير، ووصلني هارونُ وزبيدةُ بأموالٍ لا تُحصى ولا تُعدّ. قال: فاستأذنته في عَودي إلى البصرة ومشارفةِ أهلي ومالي وأصحابي، فأذن لي، وكتب لي كتابًا إلى العامل بها بوصيَّته، فلمَّا دخلت البصرة، لم يبقَ بهما إلَّا مَن تلقاني. فلما كان في اليومِ الثالث، جاء البقَّال وعليه ثوبٌ وسخ وعِمامةٌ وسخة، فقال لي: كيف أَنْتَ يَا عبدَ الملك؟ وخاطبني بما يخاطبني به الرشيد، فقلت: بخير، وقد قبلتُ وصيَّتك، وجمعت ما عندي من الكتب وجعلته في دَنّ، وصببتُ عليه من الماء عشرةَ أرطال (١)، فخرج كما ترى، فقال: جيدًا عملت، ثم أَحسنتُ عليه وجعلته وكيلي، ثم استقدمه (٢) هارونُ فأعطاه مئةَ أَلْفٍ أخرى. واجتمع الأصمعيُّ بهارونَ الرشيد] قال الأصمعيّ: أمر الرشيدُ بحملي إليه، فأدخلني عليه الفضلُ بن الربيعِ وهو منفرد، فأمرني بالجلوس، فجلست، فقال: يَا عبدَ الملك، وجَّهت إليك بسبب جاريتَين قد أخذتا طَرفًا من الأدب، فأحببت أن تتعرَّف ما عندهما، فأحضر جاريتين لم أرَ مثلهما حُسنًا وجمالًا، فقلت لإحداهما: ما عندكِ من العلم، قالت: ما أمر اللهُ به في كتابه، ثم ما تنظر النَّاسُ فيه من الأشعار والآدابِ والأخبار، فسألتها عن حروفٍ من القرآن، فأجابتني كأنَّها تقرأ الجواب من كتاب، وسألتُها عن النحو والعَروضِ فما قصَّرت، فقلت لها: هل قرضتِ الشِّعر؟ قالت: نعم، ثم أنشدت تقول: [من الخفيف] يَا غياثَ البلادِ في كلِّ مَحْلٍ … ما يريد العبادُ إلَّا رضاكا

стр. 6444

لا ومَن شرَّف الأنامَ (١) وأعلى … ما أطاعَ الإلَهَ عبدٌ عصاكا من أبيات. فقلت: يَا أميرَ المُؤْمنين، ما رأيت امرأةً في مَسْك رجلٍ مثلَها، ثم سأَلتُ الأخرى، فوجدتُها دونها، فأَمر عاتكةَ القيِّمة على النساء أن تزيِّنَ الأولى وتحملهَا إليه في تلك الليلة. ثم قال: حَدَّثني حديثًا أرتاح له، فقلت: يَا أميرَ المُؤْمنين، كان لي صاحبٌ بدور بني فلان (٢)، وكنت أغشاه وأتحدَّث إليه، وكان أصحَّ النَّاس ذِهنًا، وأجودَهم خاطرًا، وأقواهم نفسًا، وكان قد أتت عليه ستٌّ وتسعون سنة، فغبتُ عنه زمانًا ثم جئته، فإذا هو متغيِّر الحال، كاسفُ البال، فقلت: اعتراك المرض؟ قال: لا، قلت: فما الذي بك؟ قال: اجتزتُ بحيِّ بني فلان، فرأيت جارية كأنها غُصن بانٍ وفي عُنقها طَبْل، وهي تنشد: [من الوافر] محاسنُها سِهامٌ للمنايا … مُرَيَّشةٌ بأنواع الخُطوبِ يرى رَيبُ الزمانِ لهنَ سهمًا … تصيب بنَصْله مُهَجَ القلوب قال: فقلت: [من الطَّويل] دعي شَفَتي في موضع الطبلِ ترتقي … كما قد أبحتِ الطبلَ في جِيدكِ الحسنْ هبينيَ عُودًا أجوفًا تحت شَنَّةٍ … تمتَّع فيما بين نَحرِك والذَّقَنْ قال: فرمت الطبلَ من عُنقها ودخلت الخِباء فوقفتُ إلى أن حميت الشمسُ على رأسي، لا تخرج إليَّ ولا تُرجع جوابًا، فكنت معها كما قال الشَّاعر: [من الطَّويل] فواللهِ يَا سلمى لطالت (٣) إِقامتي … على غير شيءٍ يَا سُليمى أُراقبهْ فضحك الرشيدُ حتَّى استلقى، وقال: ويحك، وهل بعد ستٍّ وتسعين سنةً عشق! فقلت: قد كان هذا، فأمر لي بمئة ألفِ درهم، وبعث إلى الجارية الحاذقِة بألف دينارٍ وطيب (٤).

стр. 6445

[ذِكرُ ما نُقل عنه من مُلَح الأعراب: حكى المدائنيُّ عنه] (١) قال: نزلتُ بحيٍّ من كلبٍ مُجْدِبِين، قد توالت عليهم سِنونَ موَّتت الماشية وأَيبست النبات، ومنعت السماءُ قطرَها، فارتفعت سحابة سوداء، فطبَّقت السماء، فاستشرفوا لها ورفعوا أصواتَهم، فمالت عنهم، ثم جاءت سحابةٌ أخرى، فعدلها اللهُ عنهم، فلمَّا كثر ذلك، خرجت عجوز فَعَلَت شَرَفًا ثم نادت بأعلى صوتِها: يَا ذا العرشِ افعلْ ما شئت؛ فإنَّ أرزاقَنا عليك. فوالله ما نزلت من الشَّرف حتَّى مُطروا مطرًا كاد أن يغرقَهم، وأنا حاضر. و [حكى الرِّياشي عنه] قال: مررتُ بصنعاءِ اليمن على مزرعةٍ إلى جانبها عَين، وإذا بغلامٍ قد ملأ قِربةً وقد عجز عنها، فتعلِّق بعُراها (٢) وصاح: يَا أَبة، أدرك فاها، فلم يُجبه أبوه، وقال: يَا أَبة، غلبني فوها، فلم يُجبه، وقال: يَا أَبة، لا طاقةَ لي بفيها. فجمع العربيةَ في ثلاث كلمات. وقال: قدم جماعةٌ من الأَعراب على النَّبِيّ ﷺ وفيهم غلام، فسمع رسولَ الله ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ السورة، فبُهت، ورجع إلى أَبيه فقال: با أَبة، سمعتُ محمدًا ﷺ يُقسم على ربِّه بخيلٍ تصيح من خواصرها، بقُدوح الحصى من سنابكها، تغار على الأحياء في الغَلَس، توسَّط بفارسها الجمع، وسمعته يقول في غُضون كلامه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ فقال: يَا بُني، هذا اللفظُ بعينه سمعتَه منه؟! فقال: يَا أبة، كلامُه لفظٌ شريف، هذا معناه. وقال: دخلتُ الباديةَ فنزلت على بعض الأَعراب، فقلت له: أَفِدني، فقال: إذا شئت أن تعرف وفاءَ الرَّجل وحُسنَ عهده وكرمَ أخلاقه وطهارةَ مولده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وشوقِه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه. وقال: قام أعرابيٌّ بجامع البصرةِ فقال: أيها النَّاس، الحاضرُ يحثُّ على سؤالكم، والحياءُ الزاجر يصدُّ عن التعريض لكم، فرحم اللهُ امرأً ساعد بنَيل، أو دعا بخير؛ فإنَّ

стр. 6446

الدعاءَ إحدى الصَّدقتين. فقلت: مَن الرَّجل؟ فقال: سوءُ الاكتساب يمنع من الانتساب، وكان معي أربعُ مئةِ درهمٍ فدفعتها إليه. وقال: رأيتُ بعرفاتٍ أعرابيًّا يقول ويتضرَّع قائمًا: اللهم إنَّ لك على حقوقًا فتصدَّق بها عليّ، وإنَّ قِبَلي للنَّاس [تَبِعات] فتحمَّلها عني، وقد أوجبتَ لكلِّ ضيف قِرَى، وأنا الليلةَ ضيفُك، فاجعل قِراي المغفرة [أو الجنة]. وقال: رأيتُ أعرابيًّا قد أخذ بأستار الكعبةِ وهو يقول: سائلُك ببابك، ذهبت أيَّامه، وبقيت آثامُه، وانقضت شهوتُه، وبقيت تَبِعته، فارضَ عنه، فإن لم ترضَ عنه فاعفُ عنه؛ فإنَّ المولى [قد] يعفو عن عبده وهو غيرُ راضٍ عنه. وقال: رأيت آخَرَ قد وقف عند البيتِ وقال: اللهم إن أقوامًا آمنوا بك بألسنتهم ليَحقنوا دماءَهم، فأدركوا ما أفَلوا، وقد آمنَّا بك بألسنتنا وقلوبنا، فأَجِرنا من عذابك، وأَنِلنا ما أمَّلنا من عفوك. قال: وسمعت أعرابيًّا يطوف بالبيت ويقول: إلهي، إليك عجَّت الأصواتُ بصنوف اللُّغات، يسألونك الحاجات، وحاجتي أن تذكرني في البلاءِ إذا نسيني أهلي. وقال: حجَّت أعرابية فقطعت عليها الطريق، فقالت: ربِّ أنعمتَ ثم سلبت، وكلُّ ذلك منك فضلٌ وعدل، وعزَّتِك لا بسطتُ لساني بمسألة غيرِك، ولا بذلتُ رغبتي إلَّا إليك، يَا قُرَّة عيونِ الطالبين، أَغِثني بجُودٍ منك أَتبحبح به في فراديس نعمتِك، وأرتفع به في غياض فضلِك، احملني بكَرَمك بغير راحلة، وأَوصِلني بغير مطيَّة، وأَسبغ عليَّ سِترك الذي لا تحرِّكه الرياح، ولا تخرِّقه الرِّماح. وقال: سمعتُ أعرابيًّا ذكر قومًا تغيَّرت حالُهم فقال: كانوا واللهِ في عيشٍ رقيق الحواشي، فطواه الدهرُ بعد سَعة، ولم أرَ صاحبًا أغرَّ من الدنيا، ولا ظالمًا أغشمَ من الموت، ومَن عصف عليه الليلُ والنهار أدَّباه، ومن وُكِّل به الموتُ أفناه. قال: وسمعتُ آخَرَ يصف منزلًا باد أهلُه فقال: رحل عنه واللهِ ربَّات الخدور، وأقامت فيه رواجلُ (١) القُدور، وكان أهلُه يعفون آثارَ الرياح، فأصبحت الرياحُ تعفو

стр. 6447

آثارَهم، فالعهدُ قريب، والملتقَى بعيد. وقال: سمعت أعرابيًّا يقول: إنَّ الدنيا تنطق بغير لسان، فتُخبر عمَّا يكون بما قد كان. وقال: قلت لأعرابيّ: حدِّثني عن ليلتك مع فلانة، فقال: نعم، خلوتُ بها والقمرُ يُرينيها، فلمَّا غاب أَرتْنيه، قلت: فما كان بينكما؟ فقال: الإشارةُ لغير ما باس، والدنوُّ بغيرِ إِمساس، ولَعمري إن كانت الأيامُ طالت (١) بعدها، لقد كانت قصيرةً (٢) معها. أَنشدني عليُّ بن الحسن الإسكافيُّ في المعنى وقال: [من المنسرح] ما إنْ دعاني الهوى لفاحشةٍ … إلَّا نهاني (٣) الحياءُ والكرمُ فلا إلى ريبةٍ مددتُ يدي … ولا مشتْ لي بزلَّةٍ قَدَمُ و [حكى الخرائطيُّ عن الأصمعيّ] (٤) قال: خلا رجلٌ من الأعراب بامرأةٍ وقعد بين رجليها، ثم قام سالمًا منها، فقالت له: ما لك؟! فقال: إن امرأً باع جنَّةً عرضُها السماواتُ والأرضُ بعَرْضِ ما بين (٥) رِجلَيكِ لَقليلُ الخبرةِ بالمساحة. وقال: قيل لأعرابيّ -وقد تزوَّج بنت عمٍّ له-: أَيسرُّك أن تظفرَ بها الليلة؟ فقال: نعم والذي منعني عنها وأَشقاني بطلبها، قيل له: فإن ظفرتَ بها ما كنت صانعًا؟ فقال: أُطيع الحبَّ في لثمها، وأعصي الشيطانَ في إِثمها، ولا أُفسد عشقَ سنينَ بما يَبْقى ذميمُ عاره، ويُنشْر قبيحُ آثاره، في لحظةٍ تَنْفَد لذَّتها، وتبقى تَبِعتها، إنِّي إذن لَلئيم، لم يَغذُني أصلٌ كريم. وقال: قلت لأعرابيَّة: ما تعدُّون العشقَ فيكم؟ فقالت: القُبلة والضمَّة والغَمزة، ثم قالت: [من مجزوء الرجز] ما الحبُّ إلَّا قُبلةٌ … وغمزُ كفٍّ وعضدْ

стр. 6448

ما الحبُّ إلا هكذا … إنْ نكح الحبّ فسدْ (١) قلت: أما نحن، فالعشقُ عندنا أن يقعدَ بين رجلَيها ويُجهدَ نفسَه، فقالت: ما هذا عاشق، هذا طالبُ وَلَد. وقال: رأيت جاريةً بالطواف كأنَّها مَهاةُ رَمْلٍ، فجعلتُ أَنظر إليها وأملأ عيني من محاسنها، فقالت: [من الطويل] وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَك رائدًا … لقلبك يومًا أَتعبتْك المناظرُ رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌ … عليه ولا عن بعضه أنت صابر (٢) وقال: رأيتُ بالرَّبَذة جاريةً متبرقعة وهي تقول: يا معاشرَ الحجيج، نفرٌ من هُذَيل، ذهب بنعمتهم السَّيل، وضرمت بهم الأيام، حتى ما بهم نُجعة (٣)، ولا لهم قعدة، فمن يراقب منهم الدارَ الآخرة، ويعرف لهم حقَّ الآصرة؟ فقلنا: هل قلتِ في ذلك شيئًا؟ قالت؟ نعم: [من الكامل] كفُّ الزمانِ توسَّدتْنا عَنوةً … شلَّت أناملُها عن الأعرابِ قومٌ إذا حلَّ العُفاةُ ببابهمْ … أَلقَوا نوافلَهم بغير حساب فقلنا: لو مَتَّعتينا بالنظر إلى وجهك، فكشفَت البُرقعَ عن وجهٍ لا تهتدي العقولُ بوصفه، فبُهتنا، فقالت: [من الكامل] الدَّهرُ أبدى صفحةً قد صانها … أَبوايَ قبل تمرُّسِ الأيام فتمتَّعوا بعيونكم في حُسنها … وانهَوا جوارحَكم عن الآثام (٤) وقال: سمعت أعرابيةً تودِّع ابنها وتقول: كان اللهُ صاحبَك في سفرك، وخليفتَك في أهلك، وتولَّى نُجحَ طِلْبتك، امضِ مصاحَبًا مكلوءًا، لا شمَّت اللهُ بك عدوًّا، ولا أراني فيك سوءًا. وقال: مات لأعرابيٍّ ولد، فقال: اللهمَّ إني وهبتُ له ما قصَّر فيه من بِرِّي، فهَبْ له

стр. 6449

ما قصَّر فيه من طاعتك، فأنت أجودُ وأكرم. وقال: سمعتُ أعرابيةً تقول -وقد ذكرتْ مصيبة-: تركتْ واللهِ سودَ الرؤوس بيضًا، وبيضَ الوجوه سُودًا، وهوَّنت المصائبَ بعدها، فنظر شاعرٌ فقال (١): [من الوافر] رمى الحدَثانُ نِسوةَ آلِ (٢) حربٍ … بأقدارٍ سَمدْنَ لها سُمُودا فردَّ شعورهنَ السُّودَ بيضًا … وردَّ وجوههنَّ البيضَ سُودا فإنَّك لو سمعتَ بكاء هندٍ … ورَملةَ إذ تَصُكَّان الخُدودا بكيتَ بكاءَ موجعةٍ بحزنٍ … أصاب الدَّهرُ واحدَها الفريدا (٣) وقال: خاصم أعرابيٌّ امرأتَه إلى زيادٍ فقال: أصلح اللهُ الأمير، خيرُ عُمرِ الرجل آخرُه، يذهب جهله، ويثوب حِلْمُه، ويجتمع رأيُه، وإنَّ شرَّ عُمرِ المرأة آخرُه، يسوء خُلُقها، ويشتدُّ لسانها، ويَعقمُ رَحِمُها، فقال له: زياد: صدقت، خذ بيد امرأتِك. وقلت لأعرابيّ: أَتهمز إسراييل؟ فقال: إنِّي إذن لَرجل سَوء، قلت: أتجرُّ فلسطين؟ فقال: إني إذن لَقويّ. [قال: وخطب أعرابيٌّ امرأةً وكان طُوالًا قبيحًا، فقيل له: بأيّ ضربٍ تريدها؟ فقال: قصيرة جميلة؛ ليأتيَ ولدُها في جَمالها وطولي. وتزوَّجها على تلك الصِّفة فجاء ولدُها على قصرها وقُبح أبيه. قال: وغزا أعرابيٌّ مع رسول الله ﷺ ، فلمَّا عاد إلى أهله سألوه: ما رأيتَ في غَزاتك مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: وضح عنَّا شطرَ الصلاة] (٤). وقال: وَلِيَ اليمامةَ أعرابيّ [يقال له: أبو مهديَّة]، وكان بها يهودٌ لهم مال، فجمعهم وقال: ما تقولون في المسيح؟ قالوا: نحن قتلناه وصلبناه، فقال: فهل غَرِمْتم دِيَته؟

стр. 6450

قالوا: لا، فقال: واللهِ ما تبرحون حتى تؤدُّوا دِيَته، فأرضَوه بمالٍ فأطلقهم (١). وقال: مررتُ بالبادية على بئرٍ عليها جَوارٍ، وبينهنَّ جاريةٌ كأنها البدر، فوقعتْ عليَّ رِعدة، وقلت: [من البسيطٍ يا أحسنَ الناسِ إنسانًا وأملَحَهم … هل باشتكائي إليك الحبَّ من باسِ فَبَيِّني لي بقولٍ غير ذي خُلُفٍ … أبالصَّريمة نمضي عنكِ أم ياسِ فقالت: اِخسأ. فوقع في قلبي مثلَ جَمرِ الغَضَا، ثم قالت: [من البسيط] هلمَّ نمحُ الذي قد كان أوَّلُه … ونظهر الآن إِقبالًا من الراسِ حتى نكونَ سواءً في مودَّتنا … مِثلَ الذي يحتذي نَعلًا بمقياس فسألت عن أبيها، فدُللت عليه، فخطبتها منه، فزوَّجني إياها، فهي أمُّ ابني (٢). [قال: وقلت: لأعرابي: لمَ لا تتزوَّج؟ فقال: لو قدرتُ على طلاق نفسي لطلَّقتها. قال: وقلتُ لآخَر: ما عندكم في البادية (طبيب)؟ فقال: حُمر الوحش لا تحتاج إلى بَيطار] (٣). وقال: قلت لأعرابيّ: ما تعدُّون البلاغةَ فيكم؟ فقال: قلَّة الكلام، وإصابةُ الصواب، والقصدُ في المعنى. وقال: سمعتُ أعرابيًّا يقول: اللهمَّ إنَّ استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي لؤم، وإنَّ تركي الاستغفارَ مع علمي بسَعة قدرتِك لَعجز، إلهي كم تتحبَّب إليَّ بنعمتك وكم أتبغَّض إليك بذنوبي وأنا فقيرٌ إليكَ! اللهم أَعِذني من سَطَواتك، وأَجِرني من نَقِماتك، فإني أتوسَّل إليك بك، وأفرُّ منك إليك. وقال: كنت أتردَّد إلى أعرابيّ، فكنت أسمعه يذكر أُمامة، ثم ترك ذِكرَها، فقلت له: لمَ تركت ذِكرَها؟ فقال: [من مجزوء الكامل]

стр. 6451

ذهبتْ (١) أُمامةُ بالطلاقِ … ونجوتُ من حبل الوَثاقِ بانت فلم يألمْ لها … قلبي ولم تبكِ المآقي ودواءُ مَن لا تشتهيـ … ــهِ النفسُ تعجيلُ الفراقِ والعيشُ ليس بطيِّب … إنَّ كان من غير اتِّفاق وقال: سمعت أعرابيًّا يقول: خَفِ الشرَّ من موضع الخير، وارجُ الخيرَ من موضع الشرّ، فربَّ حياةٍ سببُها طلبُ الموت، وربَّ موتٍ سببُه طلب الحياة، وأكثرُ ما يأتي الآمنَ الخوفُ من مأمنه. وقال: مررت بالمِربَد، إذا بأعرابيةٍ تبكي عند قبرٍ وتقول: [من مخلع البسيط] هل أخبر القبرُ سائليه … أم قرَّ عينًا بزائريهِ أم هل تراه أَحاط علمًا … بالحَسَن (٢) المستكِنِّ فيه لو يعلم القبرُ مَن يواري … تاه على كلِّ مَن يليه (٣) يا جبلًا كان لامتناعٍ (٤) … ورُكنَ عِزٍّ لآمليه ونخلةً طلعها نضيدٌ … يَقرُب مِن كفِّ مُجتنيه ويا مريضًا على فراشٍ … تؤذيه أيدي ممرِّضيه ويا صَبورًا على بلاءٍ … كان [به] (٥) اللهُ يَبتليه يا موتُ لو تقبل افتداءً … كنتُ بنفسي سأفتديه يا موتُ ماذا أردتَ مني … حقَّقتَ ما كنتُ أَتَّقيه موتٌ (٦) رماني بفقد إِلفي … أَذُمُّ دهري وأشتكيه آمنك اللهُ كلَّ رَوعٍ … وكلَّ ما كنتَ تتَّقيه (٧)

стр. 6452

فقلت لها: يا جارية، أَعيدي عليَّ شِعرَك، فقالت: أسمعتَ ذلك مني؟ فأعدتُ (١) شِعرها عن آخره، فقامت تنفض ثيابَها وتقول: إنْ كان حقًّا في عبادك أصمعيٌّ فهو هذا. ومررتُ بأعرابيَّة عند قبرٍ وهي تقول: [من الطويل] فإن تسألاني فيمَ حُزْني فإنَّني … رهينةُ هذا القبر يا فتيانِ عزيز عليَّ أن أراه كما ترى … عزيزٌ عليه بعضُ ما تريان وإني لأستحييه والتُّرب بيننا … كما كنتُ أستحييه وهو يراني (٢) وقال الأصمعيّ: وقع طاعونٌ بالبصرة، فخرج رجلٌ من أهلها على حمارٍ ومعه أهلُه وولدُه، وخلفه عبدٌ حبشيٌّ يمشي ويسوق الحمارَ ويرتجز: لن يُسبقَ اللهُ على حمارِ … ولا على ذي مَيعةٍ مُطَارِ (٣) قد يصبح اللهُ أمامَ الساري فلما سمع الرجل قولَ العبد، رجع بأهله وولدِه. وركب الأصمعيُّ يومًا حمارًا دميمًا، فقيل له: بعد مراكبِ الخلفاءِ تركب هذا! فقال متمثِّلًا: [من الطويل] ولمّا أبتْ إلَّا انصرافًا (٤) بودِّها (٥) … وتكديرِها الشِّربَ الذي كان صافيا (٦) شَرِبنا برَنْقٍ (٧) من هواها مكدَّرٍ … وليس يَعاف الرَّنْقَ من كان صاديا ثم قال: ركوبُ هذا مع سلامة ديني أحبُّ إليَّ من ركوب تلك وتذهب آخرتي.

стр. 6453

[حديث الأصمعيِّ مع يحيى بنِ خالدٍ والجارية: ذكر الخطيبُ (١) بإسناده الواقعةَ إلى محمد بنِ القاسم بن خلّاد قال: كان الأصمعيُّ دميمًا قصيرًا، كريه المنظر، استحضره يحيى بنُ خالدٍ وقال له: هل لك زوجة؟ [قال: لا، قال: فجارية؟ قال: جاريةٌ للمِهنة، قال: هل لك أن أهبَ لك جارية] (٢) حسناء؟ قال: نعم، فأخرج له جاريةً لم يرَ مثلَ حسنها، فقال: خذها، فجزعت الجاريةُ وبكت، وقالت: يا سيِّدي، تدفعني إلى هذا الشيخِ القبيح! فقال له يحيى: هل لك في ألف دينارٍ وتدعها؟ قال: نعم، فأعطاه ألفَ دينار، ثم قال: يا أصمعيُّ، تظنُّ أني سمحتُ لك بها! وإنما كان بيني وبينها أمرٌ فأنكرتُه عليها فأردتُ أن أعاقبَها بك ثم رَحمتها، قال الأصمعي: فكنتَ أخبرتَني قبل ذلك حتى كنت أسرِّح لحيتي وأسوِّي عمامتي، فلو رأتَنْي كذلك لَما كرهتني، فضحك يحيى (٣). ذِكر دخولِ الغاضريِّ عليه: حكى عنه ابنُ الأعرابيِّ قال: قال لي الأصمعي: دخل عليَّ الغاضريُّ وكان أحمق، فقال لي: يا أصمعيّ، مَن حفر البحر؟ وأين ترابُه؟ يقدر الخليفةُ يحفر مثلَه في ثلاثة أيام؟ قلت: لا. ذِكرُ حديثه مع الأحمقَين:] وقال: كان لي صديقان أحمقانِ ولهما عبد، فقام أحدُهما يضربه، فقال له شريكُه: تضربُ عبدي! فقال له: ما عليك أنا أضربُ في حصَّتي! فقام الآخر يضرب في الجانب الآخَر، فسلح (٤) العبدُ عليهما وقال: اقتسما هذه بينكما بالحِصَص. [ذِكرُ حديثِه مع أحمقٍ آخرَ قال: مرَّ أحمق على امرأةٍ تبكي عند قبر، فقال لها: ما هذا الميتُ منك؟ قالت:

стр. 6454

زوجي، قال: فما كان يصنع؟ قالت: كان يحفر القبور، قال: ويحه، أمَّا علم أنَّ مَن حفر لأخيه المؤمنِ قَليبًا أوقعه اللهُ فيها قريبًا! حديثُ الأصمعيِّ مع المرأة الطائفةِ بالبيت: حكى الأصمعيُّ عن المازنيِّ قال: بينما أنا أطوف بالبيت إذ جاء رجلٌ على قفاه كارةٌ (١) وهو يطوف، فقلت له: ما هذه الكارةُ التي على عُنقك؟ فقال: هذه والدتي أريد أن أؤدِّيَ حقَّها، فقلت: ألا أدلّك على ما تؤدِّي به حقَّها قال: وما هو؟ قلت: تزوّجها، فقال: يا عدوَّ الله، تستقبلني في أمِّي بمثل هذا! قال: فرفعت أمُّه يدها وصفعت ابنَها في قفاه وقالت: إذا قيل لك الحقُّ تغضب؟! ذِكر نُبذة من كلامه: حكى المازنيُّ عنه أنَّه] (٢) قال: الفرس لا طِحال له، والبعيرُ لا مَرَارةَ له، والظَّليم (٣) لا مُخَّ لساقه، والسمكة لا رئةَ لها، وكلُّ ذي رئةٍ يتنفَّس. [قال] (٤) وقال: البصرة عُثمانيّة، والكوفة عَلَويَّة، والشامُ أمويّ، والجزيرة خارجيَّة، وإنما صارت البصرةُ عثمانيةً من يوم الجَمَل، وإنما صارت الكوفةُ علويةً من يومِ استوطنها أميرُ المؤمنين ﵁، والشام لمّا سكنها معاويةُ بن أبي سفيان، وإنما صارت الجزيرةُ خارجيةً لأنَّها مسكن ربيعة، وهي رأسُ كلِّ فتنة. ولما سأل الرشيدُ [يزيدَ] بن مَزْيَد قال: ما أكثرَ الخلفاءَ في ربيعة! قال: نعم ومنا برُهم الجذوع. يعني الخوارج (٥). وقال الأصمعيّ: مَن دخل أرضًا وَبِيئَةً فأخذ من ترابها وجعله في ماءٍ وشربه، فإنَّه يَسلم من وبائها. وقال: بين بغدادَ وإفريقيةَ ألفُ فرسخ، وبين الكوفةِ والبصرة ثمانونَ فرسخًا،

стр. 6455

وواسطُ في الوسط. وقال: سمعت الحسنَ بن سهلٍ في وزارته يتمثَّل ويقول: [من الوافر] وما بقيت من اللذَّات إلَّا … محادثةُ الرِّجال ذوي العقولِ وقد كانوا إذا ذُكروا قليلًا … وقد صاروا أقلَّ من القليل (١) ذِكرُ وفاته. [اختلفوا فيها، فقال ابنُ الأعرابي: توفِّي الأصمعيُّ بالبصرة سنةَ ثلاثَ عشرةَ (٢) ومئتين وقد بلغ ثمانيةً وثمانين، وقيل: ستَّةً وثمانين. وحكى السِّيرافي (٣) عن أبي العَيناءِ قال: مات الأصمعيُّ بالبصرة سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومئتين. وقد حكى معظمَ هذه الأقوالِ الخطيب] (٤). أسند [الأصمعيُّ] عن الأئمَّة: عبد الله بن عون، والحمَّادَين، وشعبةَ [بن الحجَّاج، ومِسعرِ (٥) بن كِدام الهلالي، والمباركِ بن سعيدٍ الثوري، ونافعِ بن أبي نعيم] (٦) وأبي عَمرو بنِ العلاء [وسليمانَ التَّيمي، وقُرَّة بن خالد، وهشامِ بن سعد] وسفيانَ بن عُيينة [وعبد العزيز بن أبي حازم] وخلقٍ كثير. وروى عنه الإمامُ أحمد [بن حنبل]، وابن مَعين، وابن المَديني (٧)، ومالكُ بن أنس، [وأبو عُبيد] القاسم بن سلَّام [وأحمدُ الدَّورقي، وأبو حاتم السِّجِستاني، واسمه

стр. 6456

سهلُ بن محمد، ومحمدُ بن مسلم بنِ وَارَة] وأبو حاتِمٍ الرازي [وأبو الفضل الرِّياشي، واسمه: العباسُ بن الفرج (وأحمدُ) (١) بن محمد اليزيدي] في آخرين. وكان [الأصمعيُّ] يقول: لقيتُ من العلماء والفقهاءِ ورُواة الحديثِ والفصحاءِ خلقًا لا أُحصيهم، ولقيتُ من الشعراء رُؤبة، وبلالًا ونوحًا ابنَي جرير، ولَبْطة بنَ الفرزدق [ومحمدَ بن علقمةَ التيمي، وأبا نائل إهابَ بن عُمَير، وابنَ ميَّادة] (٢) والحسينَ بن مُطير، وابن هَرْمَة، وابن أُذينة، وابن الدُّمَينة، وابن الطَّثْرِية. و [سبقني] (٣) زيادٌ الأعجم ونَهارُ بن تَوسِعة، وذكر غيرَهم. و [روى الخطيب (٤) عن عمرَ بن شبَّة قال:] قال [الأصمعيّ]: أَحفظ ستَّةَ عشرَ ألفَ أُورجوزة. وكان الإمامُ أحمد ﵀ يُثني عليه. وقال الإمام الشافعيُّ رحمة اللهِ عليه: ما رأيتُ بذلك العسكر أصدقَ لهجةً منه، ولا عبَّر أحدٌ عن العرب بمثل ما عبَّر. ولقد كان يتَّقي أن يفسِّرَ حديث النبيِّ ﷺ كما يتَّقي أن يفسِّر القرآن. وقال ابن مَعين وابن مَهديٍّ وغيرهما: كان ثقةً صدوقًا، أمينًا فيما يرويه. [وقال ابن مَعين: وقد وهم مالكٌ في اسم أبيه فقال: حدَّثنا عبدُ الملك بن قُرَير بالراء، وإنما هو: قُريب، بالباء. قلت: وقد ذكر الدارَقُطنيُّ في "المؤتلِف والمختلِف" (٥) وقال: الذي روى عنه مالكٌ إنما هو عبدُ الملك بن قُرير أخو عبدِ العزيز بن قرير، روى عن ابن سِيرينَ وعطاء (٦). فعلى هذا القولِ الوهمُ من ابن معينٍ لا من مالك.

стр. 6457

قلت:] ولم يتكلَّموا في الأصمعيِّ إلَّا من حيث البخلُ وسقوطُ الهمّة [وخساسةُ النفس. حكى ابنُ دُريد عن] أبي عبيدةَ [معَمر] قال (١): كان الأصمعيُّ ساقطًا خسيسًا، يجمع أخبارَ البخلاءِ ويحدِّث بها أهلَه وأولادَه، ويأمرهم بالعمل بها. [قال:] وارتفعت يومًا في داره ضجَّة، فقيل: إنما يفعلون هذا عند تفرقةِ الخبز. وقال المبرِّد: كان الأصمعيُّ ينشد لنفسه: [من السريع] يا أُمَّةَ اللهِ أَلَم تَسْمَعِي (٢) … ما قال عبدُ الملكِ الأصمعي واحدةٌ أثقلني حملُها … فكيف لو قمتُ على أربعِ يريد أربع نسوة. وهجا يحيى بنُ المبارك اليزيديُّ الأصمعيَّ فقال: [من المتقارب] أَبِنْ لي دَعِيَّ بني أَصمعٍ … أَقَفرٌ رباعُك أم (٣) آهلهْ ومَن أنت هل أنت إلَّا امرؤٌ … إذا صحَّ أنَّك (٤) من باهله يشير إلى خساسة باهلةَ في العرب. وقال أبو العَيناء: لما رُفعت جنازةُ الأصمعيِّ حدَّثني أبو قِلابةَ الجَرمي، ثم قال وأشار إلى الجنازة: [من الخفيف] قبَّح (٥) اللهُ أَعظُمًا حملوها … نحو دارِ البِلى على خشباتِ أعظُمًا تُبغض النبيَّ وأهلَ الـ … بيتِ والطَّيِّبين والطيبات [فقال أبو العيناء:] ثم حدَّثني أبو العَتَاهيةِ (٦) وقال: [من البسيط] لا دَرُّ دَرِّ بناتِ الأرضِ إذ فُجعت … بالأصمعيِّ لقد أَبقتْ لنا أسفا

стр. 6458

عِشْ ما بدا لك في الدنيا فلستَ ترى … في الناس منه ولا من عِلمه خَلَفا قال أبو العَيناء: فعجبتُ من اختلافهما فيه. وقال [الخطيب (١): لمّا مات الأصمعيُّ جزع عليه] أبو العَتَاهية [ورثاه بأبياتٍ وقال] (٢): [من الطويل] لَهفي (٣) لِفَقد الأصمعيِّ لقد مضى … حميدًا له في كلِّ صالحةٍ سهمُ تقضَّت بَشاشاتُ المجالسِ بعده … وودَّعنا إذ ودّع الأُنس والعِلم وقد كان نجمَ العلمِ فينا حياتَه … فلمَّا انقضت أيامُه أَفَلَ النَّجم [قلت: وقد ذكر صاحبُ "بيت مال العلوم" حكايةً تدلُّ على خَساسة نفسِ الأصمعيِّ وسقوطِ همَّته، فقال: روى السِّندي بنُ شاهك قال: ركب جعفرُ بن يحيى بنِ خالد يومًا بعيرَه، فاجتاز بباب الأصمعيِّ وقال لغلامه: إذا أشرتُ إليك فأعطِه ألفَ دينار، فلما نزل دارَ الأصمعيِّ فرأى زِيًّا عجيبًا، رأى منزلَه أوسخ المنازل وأقذرَها، تحته مصلَّى عتيق (٤)، وتحته بُردٌ خَلَق، وعمامةٌ عتيقة وسخة، وإلى جانبه حُبٌّ مكسور، وقصعة مُشعَّبة، وحصيرٌ قد اسودَّ من طول اللَّبث (٥)، ومنارةٌ من خشب قد اسودَّت من الزيت، فوجم جعفر، وأخذ الأصمعيُّ يحادثه ويمازحه ويباسطه، فلم يدعْ مضحكةً ولا نادرةً إلَّا وأتى بها، وجعفرٌ واجم، وأشار لغلامه أن لا، ثم قام وخرج فلمَّا ركبا، قال السِّندي: [قام] (٦) جعفرٌ إليَّ وقال: يا سِندي، مَن استرعى الذئبَ ظلم ووضع النِّعمةَ في غير موضعها، ولقد نفخنا نحن وأميرُ المؤمنين في غير ضَرَم، إنَّ هذا يأخذ من مال اللهِ في كلِّ سنةٍ ما يبني به قصورًا، ويشتري به سراريَّ وغِلمانًا وأثاثًا، ودوابَّ كثيرة،

стр. 6459

وقُرى، وهمَّته كما ترى، واللهِ لو عَلِمْنا أنه يكتم المعروفَ بفعله ما قبلنا قولَه. فصل وفيها توفي] (١) عفان بن مُسلم أبو عثمانَ الصفَّار [البَصْري]. من الطبقة السابعةِ من أهل البصرة، مولى عَزرةَ (٢) بن ثابتٍ الأنصاري.، ولد سنةَ أربعٍ وثلاثين ومئة. وكان قد جمع بين العلمِ والزهد والسُّنة [فروى الخطيبُ (٣) بإسناده إلى حنبلِ بن إسحاقَ قال:] كتب المأمونُ إلى إسحاقَ بن إبراهيم عامِله بالبصرة أن ادعُ عفانَ بن مسلمٍ إلى القول بخلق القرآن، فإن أجاب وإلَّا فاقطع عنه ما يجري عليه، وكان له في كلِّ شهرٍ] خمسَ مئةِ درهم، وقيل: في [كلِّ شهر] ألفَ درهم. فدعاه إسحاقُ وعرض عليه الكتاب، فقال له [عفَّان:] ما تقول في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أهذا مخلوق؟ فقال: ما أدري إلَّا أنَّه قد أمر بقطع ما يجري عليك، فقرأ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] واللهِ لا قلتُ هذا أبدًا. وكان في داره أربعون نَفْسًا، فقال: اصبروا، فدقَّ [البابَ] داقّ، فأذن له، فدخل رجلٌ كأنه زيَّات أو سمَّان ومعه كيسٌ فيه ألفُ درهم، فقال له: يا أبا عثمان، ثبَّتك اللهُ كما ثبَّتَّ الدِّين، وهذا لك عندي في كلِّ شهر. وقال الخطيب أيضًا عن عفَّان بن مسلم أنَّه أُعطي عشرةَ آلاف دينار على أن يسكتَ عن رجلٍ من أهل البصرة، فلا يقول: إنَّه عدلٌ، ولا: غيرُ عدل، فامتنع وقال: لا أضيِّع حقًّا من حقوق اللهِ تعالى (٤). و [اختلفوا في وفاته: فقال ابنُ سعد:] (٥) توفِّي ببغداد، وصلَّى عليه عاصم [بنُ عليِّ

стр. 6460

ابن عاصم، وكان ثقة ثبتًا حجَّة، كثيرَ الحديث [ولم يذكر ابنُ سعد تاريخَ وفاته (١)، وحكى الخطيبُ عن الزِّيادي قال: مات في سنة عشرٍ ومئتين] (٢). وقال ابنُ سعد (٣): سمعته يقول سنةَ عشرٍ ومئتين: أنا في ستٍّ وسبعين سنة [وقيل: مات في سنة تسعَ عشرة، أو في سنة عشرين ومئتين، والأولُ أشهر]. أسند عن شعبةَ والحمَّادَين وخلقٍ كثير. وروى عنه الإمام أحمدُ بن حنبل وابن مَعين وابنُ المديني (٤) [ومحمد بنُ سعدٍ صاحبُ "الطبقات"] (٥) وأخرج عنه البخاريُّ في "صحيحه"، واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وورعه. [وفيها توفِّيت] (٦) عُلَيَّة بنتُ المَهدي [أختُ هارونَ الرشيد] وأمُّها أمُّ ولد اسمُها مكنونة، واشتُريت للمهدي بمئة ألفِ درهم، فغلبت عليه، وكانت الخَيزُران تقول: ما ملك أَمَةً هي عليَّ أشدُّ منها، فولدت عُلَية سنةَ ستِّين ومئة. وكانت عُلَية من أجمل النساءِ وأظرفهنَّ، وأكملِهنَّ عقلًا وأدبًا، ونزاهةً وصيانة، وكان في جبهتها سَعةٌ تَشين وجهها، فاتَّخذت العصابةَ المكلَّلة بالجوهر لتسترَ جبينَها، فهي أول من اتخذها. [قال جَدِّي ﵀ في "المنتظم":] (٧) كانت [عُلَية] لا تشرب النَّبيذ، وتقول: ما حرَّم اللهُ شيئًا إلَّا وجعل فيما أحلَّ عوضًا عنه، فبماذا يحتج العاصي؟!

стр. 6461

[قال:] وكانت تقول: اللهمَّ لا تغفرْ لي حرامًا أتيتُه قطّ، ولا عزمًا على حرامٍ إن كنتُ عزمته، ولا استفزعني لهوٌ إلا ذكرتُ نسبي من رسول اللهِ ﷺ فقصَّرت عنه، ولا أقول ما أقول في شِعري إلَّا عبثًا. وكانت تدخل على الرشيدِ فيُكرمها ويأمرها بالحلوس معه على سريره فتأبى. وكانت تحبُّ المراسلةَ بالأشعار لمن تختصُّه [قال:] فاختصَّت خادمًا للرشيد يقال له: طَلّ، فلم تره أيامًا، فمشت على ميزابٍ حتى أبصرتْه وقالت. [من مجزوء الكامل] قد كان ما كُلِّفتُه زمنًا … يا طلُّ من وَجدٍ بكمْ يكفي حتى أتيتُك زائرًا عَجلًا … أَمشي على حَتْفي إلى حَتْفي (١) فحلف عليها الرشيدُ ألا تكلِّم طلًّا ولا تسمِّيه باسمه، فضمنتْ له ذلك، فاستمع عليها يومًا وهي تقرأ: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] [فقالت: فإن لم يصبها وابل، وإلّا] فالذي نهاني عنه أميرُ المؤمنين، فدخل الرشيد، فقبَّل رأسها ووهب لها طلًّا. وتزوَّجها موسى بنُ عيسى بن موسى بن محمدِ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباس (٢). قال: وسببُ وفاتها أنَّ المأمونَ دخل عليها يومًا، فضمَّها إليه وقبَّل رأسها ووجهُها مغطًّى، فتأذَّت بذلك وشَرِقت وسَعَلت، ثم حُمَّت أيامًا وماتت [في هذه السَّنة عن خمسين سنة. وهذا الذي ذكره جدِّي في "المنتظم" (٣). قلت:] ولها ديوانٌ مشهورٌ، فمن ذلك: [من مجزوء الكامل] أَوقعتِ في قلبي الهوى … ونجوتِ منه سالمهْ وبدأتِني بالوصل ثمَّ … قطعتِ وَصْلِي ظَالِمَه (٤) وقالت أيضًا: [من الكامل] اليأسُ (٥) بين جوانحي يتردَّد … ودموعُ عيني تستهل وتَنفَدُ

стр. 6462

إنِّي لَأطمع ثم أَنهض بالمُنى … واليأسُ يجذبني إليه فأَقعدُ وقالت أيضًا: [من السريع] أصابني بعدَك ضُرُّ الهوى … واعتادني شوقٌ وإِقلاقُ قد يعلم اللهُ وحسْبي به … أنِّي إلى وجهك مشتاقُ (١) وقالت أيضًا: [من الوافر] كتمتُ اسمَ الحبيبِ من العباد (٢) … وردَّدتُ الصَّبابةَ في فؤادي فيا شوقي إلى بلدٍ خَلِيٍّ … لعلِّي باسمِ مَن أهوى أُنادي [وكان لها وكيلٌ يقال له: سباع، فكان يخونها في مالها ويتصدَّق به، فكتبت إليه تقول: [من الطويل] أَتسلبني مالي ولو جاء سائلٌ … رققتَ له إن حطه نحوَك الفقرُ كشافِيَةِ المرضى بعائدة الزِّنى … تؤمِّل أجرًا حيث ليس (٣) لها أجر] وكتبت إلى بعض الرؤساءِ شفاعة: سألني -أعزَّك الله- فلانٌ أن أكتبَ إليك في حقِّه، ورأيت حقَّه عليك شامله كحقِّه عليَّ بقصده لي، ولستُ برعاية حرمتِه أولى منك بإسعاف طِلْبته، إذ كان ما يَمتُّ به إليَّ من جهة القصدِ يوازي ما يمتُّ به إليك من الثقة بالقَبول، وهو في نفسه من رجال الشُّكر، ومعادن الحمدِ والأجر، فإن حَسُنَ في رأيك أن تقضيَ حقِّي عليك بقضاء حقِّه، وتحققَ آماله بتحقيق رجائه، فإنَّه كالواصل إليّ، والمحسوبِ عليّ، وأن تهنِّئَني وإياه في إيصال معروفِك وتعجيله وتضاعف موقعه بتسهيله، فعلتَ موفَّقًا إن شاء الله تعالى (٤). ولها (٥) قصصٌ وأخبار [خشينا التطويل، والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم].

стр. 6463

ميخائيل بن جُرجُس ملكُ الروم. كان ملكُه تسعَ سنين، ولمَّا مات، ملك بعده ابنُه توفيل. وقيل: كان ذلك في سنة تسعٍ ومئتين (١). [وفيها توفي هَوْذة بن خليفة ابن عبد الله بن أبي بكرة، أبو الأشهب الثقفي البصري الحنفي. وأمه الزُّهرة بنت عبد الوحمن بن يزيد بن أبي بكرة. قال الخطيب: ولد هوذة سنة خمس وعشرين ومئة، وكان أطروشًا، وطلب الحديث وسمع الشيوخ، وكانت وفاته ببغداد في شوال في هذه السنة، ودفن خارج باب خراسان. أسند عن ابن عون وأبي حنيفة النعمان وابن جريج وسليمان التيمي، وكانت كتبه قد ذهبت، فلم يرو عنه إلَّا القليل، وروى عنه محمد بن سعد كتب الواقدي] (٢). * * *

стр. 6464

السَّنة الحاديةَ عشرة بعدَ المئتين فيها قدم السَّري بغدادَ لسبعٍ بقين من رجب، وأُنزل مدينةَ أبي جعفر، وأقام عبدُ الله بن طاهرٍ بمصرَ واليًا عليها وعلى الشام والجزيرة. [وقال طاهرٌ الغسَّاني: وفيها كتب المأمونُ إلى ابن طاهر: [من الهزج] أخي أنتَ ومولايَ … ومَن أَشْكُرُ نُعْمَاهُ وقد ذكرنا الأبيات (١)]. وفيها قال رجلٌ من إِخوة المأمون: إنَّ عبدَ الله بن طاهرٍ يميل إلى آل أبي طالب، وكذا كان أبوه من قبله، فدسَّ المأمونُ رجلًا وقال: اذهب في زِيِّ النُّسَّاك إلى مصر، وادعُ [جماعة] (٢) من كبرائها إلى القاسم بنِ إبراهيمَ بن طباطبا العَلَوي، واذكر ما فيه من الزُّهد والفضل، ثم صِر إلى ابن طاهرٍ فادعُه إليه ورغِّبه فيه، وائتني بما تسمع منه. ففعل الرجلُ ما أمره به، ثم جاء فقعد على باب عبدِ الله بن طاهر، فلمَّا خرج دفع إليه رُقعة، فدخل دارَه وقرأها واستدعى الرجل، فدخل عليه، فقال له: هاتِ ما عندك، قال: ولي أمانُك وذمَّة اللهِ معك؟ قال: لك ذلك. فدعاه إلى القاسم، وأخبره بزُهده وفضله، قال له عبدُ الله: أَتنصفني؟ قال: نعم، قال: هل يجب شكرُ اللهِ على العباد؟ قال: نعم، قال: هل يجب شكرُ بعضِهم لبعض عند الإحسانِ والتفضُّل؟ قال: نعم، قال: فتجيءُ إليَّ وأنا في هذه الحالِ التي (٣) ترى، لي خاتَمٌ في المشرق وخاتَمٌ في المغرب، وفيما بينهما أمري مطاعٌ وقولي مقبول، ثم ما التفتُّ يمينًا ولا شِمالًا، ولا وراءً ولا قُدَّامًا، إلَّا أرى نعمةً لرجل أنعمها عليّ، ومنَّةً ختم بها رقبتي، ويدًا لائحة بيضاءَ ابتدأني بها تفضُّلًا وتكرُّمًا، تدعوني إلى الكفر بهذه النعمةِ لَهُذا الإحسان، وتقول لي: اغدُرْ بمن كان أوَّلًا لهذا الأمرِ وآخرِه، وَاسْعَ في سفك دمِه! أتراك لو

стр. 6465

دعوتَني إلى الجنَّة عِيانًا فعلتُ ذلك، وكيف أكفر إحسانَه ومنَّته؟! فسكت الرجل، فقال له عبدُ الله: أما إنِّي قد بلغني خبرُك، وتاللهِ إنَّ أخوفَ ما أخاف عليك نفسُك، فارحل من هذا البلد. فخرج الرجلُ وأتى المأمونَ فأخبره، فاستبشر وقال: ذاك غَرس يدي، وإِلفُ أدبي. ولم يعلم ابنُ طاهرٍ بذلك إلَّا بعد موتِ المأمون. وأقام ابنُ طاهرٍ ظاهرَ مصرَ ولم يدخلْها، فقيل له في ذلك، فقال: قبَّح اللهُ همَّة فرعون، أيفتخر بقريةٍ من قرى الدنيا ويقول: أليس لي ملكُ مصر! واللهِ لا دخلتُها أَنفةً منه. ثم فرَّق في أهلها أربعةَ آلاف ألفِ دينار. وفيها كتب المأمونُ إلى ابن طاهرٍ بالقدوم عليه إلى بغداد، فقدم عليه ومعه المتغلِّبون على الشام؛ كابن أبي الصفر (١) وابنِ أبي الجمل وغيرِهما، وتلقَّاه الناس، فلم يتخلَّف عنه سوى المأمون. قال إسحاقُ بن إبراهيمَ الموصلي: لما ولَّى المأمونُ عبدَ الله بن طاهرٍ الجزيرةَ والشامَ ومصر، خرج بنفسه معه يودِّعهُ، وقد حلَّ من قلبه محلًّا عظيمًا، وقال له: قد حكَّمتك في الأموال والرجالِ والأمصار، فقال. يا أميرَ المؤمنين، حسبي منها حُسنُ رأيك بي، واعلم أنَّ نصر اللهِ لمن أنت وليُّه، فقبَّل المأمونُ ما بين عينيه وقال: لا يقرب مكانَك من قلبي أخٌ أَثير، ولا ابنُ عمٍّ خطير، فنزل ابنُ طاهرٍ وقبَّل ركابَه ثم ودَّعه، وسار ابنُ طاهر إلى الجزيرة، فأباد ألخوارجَ الذين كانوا بها، وجمع أموالها، وفتح الشامَ ومصر، ثم عاد إلى بغداد، فلمَّا قرب منها قال المأمون: لا يبقى أحدٌ من الأقارب ولا من غيرهم إلّا ويخرج لاستقبال عبدِ الله وتقبيلِ ركابه، وكان في الجماعة المعتصم والعباس بنُ المأمون، وبقي ذلك في قلب المعتصم، ولما ولي الخلافةَ قال لي: يا إسحاق، لقد غرس المأمونُ في قلب ابنِ طاهر شجرًا إن لم يُجتثَّ من أصله وإلَّا طالت فروعُه في الخلافة، فقلت: فما يمنعك؟ فتنفَّس الصعداء وقال. هيهاتَ هيهات! نَيلُ السماءِ أهونُ من ذلك، إنَّ معه من الأولياءِ مَن قد شاهد فعلَ المأمون معه، فلم تَخرج تلك الهيبةُ من قلوبهم، ثم تمثَّل: [من الطويل]

стр. 6466

فإنْ تُمكن الأيامُ من حِيلتي به … ترى ضيغمًا قد هرَّه بابُ ضيغمِ وإلَّا فهذا في الحشا غيرُ زائلٍ … تذوب له نفسُ الشجاع المصمِّمِ ثم قال: إياك أن يشردَ عنك هذا الكلام، فإنَّه ينفعك. وفيها أمر المأمونُ مناديًا يناديَ: برئت الذمَّة ممَّن ذكر معاويةَ بن أبي سفيانَ بخير أو فضَّله على أحدٍ من الصحابة. وكتب إلى الآفاق بذلك، وأن أفضلَ العالمِ بعد رسولِ الله ﷺ عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁. [وحجَّ بالناس صالحُ بن العباسِ بن محمد بن عليّ، وكان على مكَّة. فصل] (١) وفيها توفي أبو العَتَاهِيَة الشاعر واسمه إسماعيلُ بن القاسم بن سُويد بن كَيسان، أبو إسحاقَ العَنَزي (٢). أصله من عَين التَّمر، ونشأ بالكوفة، وسكن بغداد، وكان يقوك في الغَزَل والمدحِ والهجاء، ثم تنسَّك وصار يقول في الزُّهد والوعظ. [وأبو العتاهية لقب له واختلفوا لمَ سمِّي بأبي العتاهية، فقال أبو زكريا يحيى بنُ عليٍّ التَّبريزي (٣): العتاهية من التعتُّه، وهو التحسُّن والتزيُّن، وقد كان يتحسَّن في شبابه ويتزيَّن. وقيل: إنما لقِّب بذلك لاضطرابٍ فيه، قال الجوهري (٤): المعتوه: الناقص، والتعتُّه: التجنُّن والرُّعونة. وقال أبو عُبيد: وأبو العتاهية كُنيته. وأبو العتاهية شاعرٌ مشهور، انتشر شعرُه وسار ذِكره، وكان يحبُّ الخلاعة، ثم عدل إلى الحِكَم والرَّقائق. وذكر الخطيب (٥) سببَ عدوله إلى المواعظ والزُّهدِ فقال: حدَّثنا أبو حنيفةَ المؤدِّبُ

стр. 6467

بإسناده إلى] أبي سلمةَ الغَنَويِّ (١) قال (٢): قلت لأبي العتاهِيَة: ما الذي صرفك عن الغزل إلى الزُّهد؟ فقال: إذن واللهِ أُخبرك، إني لمَّا قلت: [من المنسرح] اللهُ بيني وبين مولاتي … أهدت (٣) لي الصَّدَّ والمَلَالاتِ هيَّمني حبُّها وصيَّرني … أُحدوثةً في جميع جاراتي رأيتُ في المنام تلك الليلةَ كأنَّ آتيًا أتاني فقال: يا إسماعيل، ما وجدتَ أحدًا يدخل بينك وبين عتبةَ يحكم لك عليها بالمعصية إلَّا اللهُ تعالى! تبًّا لك. قال: فانتبهت مذعورًا، وتبتُ إلى الله تعالى من ساعتي من قولي الغزل. [قلت:] (٤) وهذه عُتبةُ جارية المَهدي، كانت تخرج من دار المهدي مع الخدم فتشتري الدُّرَّ (٥) والمصاغَ وغيرَه، فرآها أبو العتاهية، فهَويها وشبَّب فيها في شِعره. [وقد ذكرها الخطيبُ فقال (٦): أخبرني ابنُ أيوبَ القُمِّي [بإسناده] (٧) عن أبي شعيب أحمدَ بن يزيدَ قال: قلتُ لأبي العتاهية: يا أبا إسحاق، حدِّثْني بقصَّتك مع عتبة، فقال: نعم، قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيانٍ شباب، وليس لنا ببغدادَ من نقصده، فنزلنا بالقُرب من الجسر في غرفة، وكنا نبكِّر في مسجدٍ بباب الجسر كلَّ غداة، فمرَّت بنا امرأةٌ راكبة ومعها خدَّام سودان، فقلنا: مَن هذه؟ فقالوا: خالصة، فقال أحدُنا: قد عشقتُها، وعمل فيها شعرًا، وأَعنَّاه. ثم لم يلبث إذ مرَّت امرأةٌ أخرى راكبة ومعها خدمٌ بيض، فقلنا: مَن هذه؟ فقالوا: عُتبة، فقلت: قد عشقتها، ولم أعملْ فيها شعرًا. فلم نزل كذلك كلَّ يومٍ إلى أن التأمت لنا أشعارٌ كثيرة، فدفع صاحبي شِعرَه إلى خالصة، ودفعت أنا شعري إلى عُتبة، وألححنا إلحاحًا شديدًا، فمرَّةً تُقبل أشعارُنا ومرَّة تُطرد، إلى أن أخذوا في طردنا.

стр. 6468

فجلست عتبةُ يومًا في سوق الجوهر، فلبستُ ثيابَ راهبٍ وجلست إلى شيخٍ صائغ، وقلت له: قد رغبتُ في الإسلام على يد هذه المرأة، فقام معي ومعه جماعة، فقالوا: إنَّ الله قد ساق إليكِ أجرَ هذا الراهب، ويريد أن يسلمَ على يديك، فقالت: هاتوه، فدنوت منها وأسلمت، وقطعت الزُّنَّار وقبَّلت يديها، فعرفتني، فقالت: نحُّوه لعنه الله، فقالوا: قد أَسلمَ فلا تلعنيه، فقالت: إنَّما لعنته لقذره. فعرضوا عليَّ كسوة، فأبيت وقلت: إنَّما كان قصدي أن أتشرَّفَ بولائها. ثم انصرفتْ فشكت إلى خالصة، وقالت: ليس يخلو إمَّا أن يكونا مستأكِلَين أو عاشقين، فنحن نمتحنهما بمال، فإنْ قبلاه كانا مستأكلين، وإلَّا فهما عاشقان. فلمَّا كان من الغد، مرَّت خالصة، فتعرَّض لها صاحبي، فقالت له الخدم: اِتْبعنا، فتبعهم، فمرَّت عتبة، فقال لي الخدم: اتبعنا، فتبعتُهم، فمضت إلى منزل، ثم دعت بي وقالت: يا هذا، إنك شابٌّ وأرى بك أدبًا، وأنا حُرمةُ الخليفة، فإن أنت كففتَ وإلا أنهيتُ حالك إليه، ولا آمن عليك. قال: فقلت: أسألك بالله إلَّا فعلت (١)؛ فإنَّ سفكَ دمي أهونُ عليَّ مما أُقاسي في حبِّك، فقالت: لا تفعل، واتَّقِ الله في نفسك، وخذ هذه الخمسَ مئة دينارٍ واخرج عن هذا البلد. فلما سمعتُ ذِكرَ المال ولَّيت هاربًا، فقالت: ردُّوه، فردُّوني، وقلت: جُعلت [فداكِ] ما أصنع بعرضٍ من الدنيا وأنا [لا] (٢) أراك! فقالت: خذ ألفَ دينار واخرج، فقلت: لو أعطيتيني جميعَ مالِ الخليفة ما كانت لي فيه حاجةٌ بعد أن لا أراك. ثم قمتُ وخرجت، وأتيت الغرفَة التي نزلنا بها، وإذا صاحبي مورَّمُ الأُذنين، وقد امتُحن بمثل ما امتُحِنْتُ به، فلما مدَّ يده إلى المال، أمرت خالصةُ بصفعه وضربه، وحلفتْ إن وقف لها بعد ذلك لَتودعنَّه الحبس، ثم التقتا فأخبرتها عتبةُ الخبر، فصحَّ عندها أني محبٌّ محقٌ. فلمَّا كان بعد أيام، دعتني عتبةُ فقالت: بحياتي عليك، إن كنتَ تحبُّني فخذ ما

стр. 6469

يعطيك الخادمُ فأَصلح به من شأنك، فقد غمَّني سوءُ حالك، فامتنعتُ، فقالت: ليس هذا مما تظنّ، ولكن لا أحبُّ أن أراك في هذا الزِّيّ، قال: فأخذت الصُّرَّةَ -وفيها خمسُ مئة دينار (١) - فغيَّرت من حالي. وهذا حديثٌ مختصر. وروى الخطيبُ بإسناده إلى] أشجعَ السُّلميِّ (٢) قال (٣): أذن [لنا] المهديُّ [و] للشُّعراء في الدُّخول عليه، فدخلنا، فأمرنا بالجلوس، فاتَّفق أن جلس إلى جانبي بشارُ بن برد، فقال: يا أشجع، مَن هاهنا؟ قلت: أبو العَتَاهية، قال: أَتراه يُنشد في هذا المحفل؟ قلت: ما أعلم، فقال له المهديّ: أنشِدْ، فأَنشد: [من المتقارب] ألا ما لسيِّدتي مالها فقال بشار: ويحك، رأيتَ أَجسرَ (٤) من هذا يُنشد مثلَ هذا في هذا الموضع؟! فلمَّا بلغ إلى قوله: أتته الخلافةُ منقادةً … إليه تجرِّر أَذيالها ولم تَكُ تصلح إلَّا له … ولم يَكُ يَصلح إلَّا لها ولو رامها أحدٌ غيرُه … لَزُلزلت الأرضُ زِلزالها ولو لم تُطعْه سَخًا بالنُّفوس (٥) … لَما قبل اللهُ أعمالها فقال له بشَّار: ويحك يا أشجع، هل طار الخليفةُ من الفُرُش؟! قال أشجع: فما انصرف أحدٌ من ذلك المجلسِ بجائزة غيرُ أبي العتاهية. و [حكى الخطيبُ (٦) عن] العُتبيِّ قال (٧): رُئي مروانُ بن أبي حفصةَ واقفًا بباب الجسر كئيبًا حزينًا أسفًا، ينكت بسَوطه في مَعْرَفة (٨) دابَّته، فقيل له: يا أبا السِّمط، ما الذي بك؟

стр. 6470

فقال: أُخبركم بالعَجَب، مدحتُ أميرَ المؤمنين، ووصفت له [ناقتي من خِطامها إلى خُفَّيها، ووصفت له الفيافي من اليمامة إلى بابه] (١) أرضًا أرضًا ورَمْلةً رَمْلة، حتى إذا أَشفيتُ منه على غنى الدَّهر، جاء ابنُ بيَّاعة الفخاخير -يعني أبا العَتاهية- فأنشده بيتين، فضعضع بهما شِعري وسوَّاه في الجائزة بي، قيل: وما البيتان؟ فأنشد: [من الكامل] إنَّ المطايا تشتكيك لأنَّها … قطعتْ إليك سَبَاسِبًا ورِمالا فإذا رَحَلْنَ بنا رَحَلْنَ مُخِفَّةً … وإذا رجعْن بنا رجعن ثِقالا (٢) [وحدَّثنا غيرُ واحد: حدَّثنا إسماعيلُ بن أحمدَ السمرقنديُّ بإسناده إلى أبي الحسين بنِ المنادي قال: أنشدني يوسفُ بن يعقوبَ لأبي العَتَاهية] (٣) [من الخفيف] كم يكون الشتاءُ ثم المَصِيفُ … وربيعٌ يمضي ويأتي خريفُ وانتقالٌ من الحَرور إلى الظِّلِّ … وسيفُ الرَّدى عليك مُنيف يا قليلَ البقاءِ في هذه الدا … رِ إلى كم يَغرُّك التسويفُ عجبًا لامرئٍ يذلُّ لذي دُنـ … ــــيا (٤) ويكفيه كلَّ يومٍ رغيفُ و [روى ابنُ ناصرٍ بإسناده إلى أبي بكرٍ الأُموي قال:] (٥) قال الرشيدُ لأبي العتاهية: الناسُ يزعمون أنك زِنديق، فقال: يا أمير المؤمنين كيف أكون زنديقًا وأنا الذي أقول: [من الخفيف] أيا عَجَبًا كيف يُعصى الإلـ … ـــــــهُ أم كيف يجحده الجاحدُ ولله في كلِّ تسكينةٍ … وفي كل تحريكةٍ شاهد (٦) وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ … تدلُّ على أنَّه واحد

стр. 6471

و [روى الصُّولي عن] هارونَ بن سعدٍ قال (١): كنتُ جالسًا مع أبي نُواس في بعض طرقِ بغداد، وبنو هاشمٍ والأشرافُ يمرُّون به ورِجلُه ممدودة، فيسلِّمون عليه، وما يلتفت وما يكفُّ رِجلَه، إذ أقبل شيخُ على حمارٍ وعليه رداء، فقام إليه أبو نُواس وعانقه وجعل يحادثه، وأطال الوقوف، وجعل يرفع إحدى رِجلَيه ويضع الأخرى من الإِعياء، فلما انصرف الشيخُ قلت لأبي نُواس: مَن هذا الشيخُ الذي عظَّمتَه هذا التعظيمَ وأجللتَه هذا الإِجلال؟! فقال: هذا أبو العَتَاهية، فقلت: فأنت عند الناسِ أكبرُ منه! فقال: مَهْ، فواللهِ ما رأيته قطُّ إلَّا وتوهَّمتُ أنه سماويٌّ وأنا أرضيّ. وقال أبو تمَّام الطائي: قد قال أبو العَتَاهية شِعرًا لم يَشركْه أحدٌ فيه، منه [قولُه في موسى الهادي:] [من المتقارب] ولمَّا استقلُّوا بأثقالهمْ … وقد أَزمعوا بالذي (٢) أَزمعوا قرنتُ التفاتي بآثارهمْ … وأَتْبعتهمْ مُقلةً تدمعُ ومنه: [من الوافر] هَبِ الدُّنيا تُساق إليكَ عفوًا … أليس مصيرُ ذاك إلى زوالِ (٣) ومنه: [من مجزوء الكامل] الناسُ في غَفَلاتهمْ … ورحى المنيَّة تَطحنُ (٤) ومنه: [من الطويل] ألم ترَ أنَّ الفقرَ يُرجَى له الغِنى … وأنَّ الغنى يُخشى عليه من الفقرِ (٥) ومنه: [من الطويل] وإنِّي لَمشتاقٌ إلى ظِلِّ صاحبٍ … يروقُ ويصفو إنْ كَدَرتُ عليهِ (٦) [وهذا البيتُ له قصَّة نذكرها في ترجمة المأمون.

стр. 6472

وقال الصُّولي] (١): وقف أبو العتاهيةِ بباب رجل، فحجبه، فقال: [من الطويل] لَئن عدتُ بعد اليومِ إني لَظالمٌ … سأصرفُ وجهي حيث تُبغَى المكارمُ متى يظفرُ الغادي إليك بحاجةٍ … ونصفُك محجوبٌ ونصفُك نائم (٢) وقال: [من البسيط] يا مَن تشرَّف بالدنيا وزينتِها … ليس التشرُّفُ رفعَ الشِّيدِ والطينِ (٣) إذا أردتَ شريفَ الناسِ كلِّهمِ … فانظرْ إلى مَلِكٍ في زِيِّ مسكين ذاك الذي عَظُمَت في الله نعمتُه … وذاك يصلح للدُّنيا وللدِّين وكان أبو العَتَاهية مع فضلِه إذا سمع شعرًا رائقًا ولفظًا فائقًا يعترف بفضل قائِله، ويبكي بكاءَ مَن أُصيبت مقاتلُه. ذكرُ وفاته: [روى الخطيبُ عن] (٤) أحمدَ بن عليِّ بن مرزوقٍ قال (٥): دخلتُ عليه وهو يجود بنفسه ويقول: [من مجزوء الكامل] يا نفسُ قد مثَّلتُ حا … لي هذه لكِ منذ حينِ وشككتِ أنِّي ناصحٌ … لكِ فاشتملتِ على الظُّنونِ (٦) فتأمَّلي ضعفَ الحَرا … كِ وكَلَّه بعدَ السُّكونِ وتيقَّني أنَّ الذي … بكِ من علامات المنونِ و [اختلفوا في وفاته، فقال الخطيب:] (٧) مات سنة إحدى عشرةَ ومئتين ببغداد يومَ الخميس لتسعٍ (٨) خلونَ من جُمادى الآخرة، ودُفن على جانب نهرِ عيسى قُبالةَ قنطرة

стр. 6473

الزيَّاتين. وقيل: مات سنةَ اثنتي عشرة (١). وقيل: ثلاثَ عشرةَ ومئتين وله تسعون سنة (٢). وقال [الخطيب (٣): حدَّثني عبدُ العزيز بن عليّ الورَّاق قال: سمعتُ عُبيد الله (٤) بنَ أحمد المقرئَ يقول: سمعت محمدَ بن مَخلدٍ العطارَ يقول: سمعت] إسحاقَ بن إبراهيمَ البغويَّ [يقول:] قرأتُ على قبر أبي العتاهية: [من مجزوء الخفيف] أُذْنَ حيٍّ تسمَّعي … اسمعي ثم عِي وعِي أنا رهنٌ بمصرعي … فاحذري مثلَ مَضجحي (٥) عشتُ تسعين حِجَّةً … ثم فارقتُ مَجمعي ليس زادٌ سوى التُّقى … فخُذي منه أو دَعي [وفيها توفي] (٦) عبدُ الرزاق بن همَّام بنِ نافع أبو بكرٍ الصَّنعاني الحِميَري، مولًى لحمير [ذكره ابنُ سعد] (٧) في الطبقة الرابعةِ من أهل اليمن. وقيل: مات باليمن في النِّصف من شوال سنةَ إحدى عشرةَ ومئتين. [هذا صورةُ ما قاله ابنُ سعد، وقال غيره:] ولد في سنةِ ستٍّ وعشرين ومئة، وهو من الأبناء من اليمن. [ذِكر طَرفٍ من أخباره:] (٨) حكى عبدُ الله بنُ الإمام أحمدَ بن حنبل عن أبيه حديثَ رحلته إلى عبد الرزاق فقال: حدَّثني أبي فقال: قدمتُ صنعاءَ أنا ويحيى بنُ مَعين وأبو خيثمةَ زهيرُ بن حرب، وكنَّا

стр. 6474

قد حججنا في ذلك العام، فلما أتينا منزلَ عبدِ الرزاق وكان بقريةٍ يقال لها: الرَّمادة، وتخلَّف يحيى بنُ معين، فلما جئت منزلَه ذهبت لأدقَّ الباب، فقال لي رجل: لا تدقّ؛ فإنَّ الشيخ مَهيب. فجلستُ من العصر إلى المغرب، فخرج، فقمتُ إليه وفي يدي أحاديثُ قد انتقيتُها، فسلَّمت عليه وقلت له: حدِّثني بهذه الأحاديثِ فأنا رجلٌ غريب، فقال: مَن أنت؟ قلت: أحمدُ بن حنبل، قال: أبو عبدِ الله؟ قلت: نعم، فضمَّني إلى صدره، وصلَّى المغرب، وقرأتُ عليه الأحاديث، فسلَّم إليَّ مفتاحَ البيت الذي فيه كتبُه وقال: أنت أمينُ اللهِ على هذه الكتب، فهذا بيتٌ ما دخله غيري منذ ثمانين سنة. قال الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه: فكتبتُ عنه ثلثي العلم، وجاء ابنُ معينٍ وأبو خيثمة، فأنزلنا وأكرمنا، وخصَّني من دونهم ببيته الذي فيه الكتب، وكان قد كتب إليه أصحابُه من مكَّة: قد قدم عليك الحفَّاظ، فانظر كيف تكون. وكان عبدُ الرزاق يقول: كتب عني ثلاثةٌ لا أبالي مَن لا يكتب عني غيرَهم: أحمدُ بن حنبل، وابنُ معين، والشاذَكُوني، فأحمد أزهدُ الناس، وابن مَعينٍ أَعرفُهم بالرجال، والشاذكونيُّ أحفظُ الناس. [وروى الحافظ ابنُ عساكر عن] (١) فيَّاض بن زهيرٍ النَّسائي قال (٢): قدمنا على عبد الرزَّاق، فامتنع علينا، فتشفَّعنا إليه بامرأته، فلمَّا دخلنا عليه قال: تشفَّعتم إليَّ بمن يبيت معي في فراشي! ثم أنشد: [من البسيط] ليس الشفيعُ الذي يأتيك متَّزرًا … مثلَ الشفيعِ الذي يأتيك عُريانا (٣) [وفي روايةٍ (٤) أنَّه قال لهم: أما سمعتم قولَ عمرو بن معدي كَرِب: [من الوافر] إذا لم تستطعْ أمرًا فدعْهُ … وجاوزْهُ إلى ما تستطيعُ وحدَّثنا غيرُ واحدٍ عن إسماعيلَ بن أحمدَ بإسناده إلى إبراهيمَ بن عبدِ الله بن همامٍ

стр. 6475

قال: سمعتُ] عبدَ الرزاق يقول (١): حججتُ فقدمت المدينة، الدخولَ على مالك بنِ أنس، فحجبني ثلاثةَ أيام، ثم أذن للنَّاس، فدخلت معهم، وإذا به جالسٌ على الخزِّ يتقلب في فُرُش الحرير، فقلت: حدَّثني مَعمر، عن الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ في جهنَّمَ رحًى تطحن جبابرةَ العلماءِ طحنًا" فقال مالك: مَنْ هذا الذي يروي عن معمر؟! فقلت: أنا عبدُ الرزاق بن همَّام، فقال: با أبا بكر، وإنَّك لَهُو! واللهِ ما علمتُ بقدومك، ولو علمت لتلقَّيتك. ثم أخرج إليَّ كتبَه فكتبت منها. [وقد أخرج ابنُ عساكرٍ الحافظُ هذا الحديثَ في تاريخه (٢) وقال: هذا الحديثُ في إسناده إبراهيمُ بن عبد اللهِ بن همَّام، كان كذَّابًا. قلت: هذا الحديث وإن كان ضعيفًا فمعناه صحيح، ودلَّت عليه الأخبار] (٣). وقال عبدُ الرزاق: كان أحمدُ بن حنبلٍ يكتب مني الحديث، وابنُ مَعين يكتب الحديثَ والشِّعر، فأنشدتُ يومًا: [من السريع] كنْ موسِرًا إن شئتَ أو معسِرًا … لا بدَّ في الدنيا من الهمِّ وكلَّما زادك من نعمةٍ … زاد الذي زادك من غَمِّ (٤) فكتبهما أحمدُ بن حنبل عنِّي. [ذِكر وفاته: حكينا عنَ ابن سعدٍ أنَّه قال: مات عبدُ الرزاق في نصف شوَّال من هذه السَّنة. قال (٥): ولأبيه همَّام بن نافعٍ رواية، روى عن سالم بنِ عبد الله وغيرهِ. وقال أحمدُ بن حنبل: مات عبدُ الرزاق وله ستٌّ وثمانون سنة]. أسند عبدُ الرزاق عن الأوزاعيّ [وسعيدِ بن عبد العزيز، ومحمد بن راشدٍ المكحولي، وإسماعيلَ بن عيَّاش، ومالك بن أنس، وسفيانَ الثوري، وثورِ بن يزيد،

стр. 6476

ومَعْمر بن راشد، وابن جُرَيج وعبد الرحمن بن زيدِ بن أسلم، وقيسِ بن الربيع، وابن عُيينة، وأيمن بن نابِل] (١) وخَلقٍ كثير. وروى عنه الإمامُ أحمد بنُ حنبل، وابن مَعين [وأبو خَيثمة] وابن راهُويه [والشاذَكوني، ومحمدُ بن يحيى الذُّهْلي، وابنُ المَديني وغيرُهم في آخرين. قلت:] (٢) وقد تكَّلموا فيه بعلَّة ذهابِ بصره [روى الحافظ ابنُ عساكرٍ (٣) عن أحمدَ بن حنبل قال: أتيناه قبل المئتين وهو صحيحُ البصر، ثم ذهب بصرُه بعد ذلك، فمن سمع منه قبلَ ذهابِ بصره فهو صحيح، أما بعدَ ذهابِ بصره فضعيفُ السَّماع. وقال ابنُ عساكر: كان عبدُ الرزاق أحدَ الثِّقات المشهورين، قدم الشامَ، وسمع من زكريا (٤). وضعَّفه النَّسائي بعلَّة ذهابِ بصره (٥). وقال أحمدُ العِجلي: كان عبدُ الرزاق ثقةً] وكان يتشيَّع فلا يرى تقديمَ عثمانَ على عليٍّ ﵄ (٦). [وذكروا يومًا عنده معاوية، فقال: لا تقذِّروا مجلسَنا بِذكره. قال [عبدُ الله بن] (٧) أحمدَ بن حنبل: وسألتُ أبي عن هذا فقال: أمَّا أنا فلم أسمعْ منه هذا، ولم أسمعْ منه شيئًا من هذا]. وقال أبو زكريا غلامُ أحمدَ بنِ أبي خيثمة: كنتُ جالسًا في مسجد الرُّصافة وفيه ابنُ معين، فجاءه رسولُ أحمدَ بن حنبلٍ فقال له: أخوك أحمدُ يسلِّم عليك ويقول: إنك تُكثر الحديثَ عن عُبيد الله بنِ موسى العَبْسي، وأنت وأنا سمعناه يتناول معاويةَ بن أبي سفيان، وقد تركتُ الحديثَ عنه. فقال ابنُ معين: سلِّم على أبي عبدِ الله وقل له: أنا وأنت سمعنا عبدَ الرزاقِ يتناول عثمان، فاترك الحديثَ عنه؛ فإنَّ عثمانَ أفضلُ من معاوية.

стр. 6477

ثم قال ابن مَعين: واللهِ لقد سمعتُ من عبد الرزاق أنا وأحمدُ بن حنبلٍ أعظمَ مما سمعتُ من العبسي، ولكن خاف أَحمدُ أن تذهبَ رحلتُه إلى عبد الرزاق. قال المصنِّف ﵀: ولم يرجع ابنُ مَعينٍ عن الرِّواية عن عبد الرزاق؛ لأجل الرِّحلة، وقال: ولو ارتدَّ ما تركنا حديثَه. وقال أبو أحمدَ بنُ عَدِي: كان عبدُ الرزاق ثقةً كثيرَ الحديث، رحل إليه الأئمَّة، إلَّا أنهم نسبوه إلى التشيُّع، وروى أحاديث في الفضائل أَنكرها عليهُ الحفَّاظ، فهذا أعظمُ ما رمَوه به (١). وكان (٢) عبدُ الرزاق يقول: أخزى اللهُ سِلْعَةً لا تَنفق [إلَّا] (٣) في آخر العُمر بعد الكِبَر والضَّعف، حتى إذا بلغ الرجلُ مئةَ سنةٍ كتبوا عنه، فإما أن يقال: كذَّاب، فيُبطلون حديثَه، وإما أن يقال: مبتدع، فيبطلون عِلمَه، وما أقلَّ مَنْ ينجو من ذلك. [وفيها توفي] مُعلَّى (٤) بنُ منصور أبو يعلى الرازيُّ الحنفي [صاحبُ أبي يوسفَ ومحمد، وذكره ابنُ سعدٍ (٥) فيمن نزل بغدادَ من الفقهاء، قال: وطلب الحديث. وقال الخطيب (٦): نزل قطيعةَ الربيعِ بالكَرخ، وأثنى عليه. أخذ الفقهَ عن أبي يوسف] سُئل عن القرآن فقال: مَنْ قال: إنَّه مخلوق فهو كافر، وطُلب للقضاء [مِرارًا] فامتنع. [وقال الخطيبُ بإسناده إلى إبراهيمَ بن سعيدٍ قال: أحضر المأمونُ موسى بنَ

стр. 6478

سليمان (١) الجُوزجاني ومعلَّى الرازي، فعرض على موسى القضاءَ فامتنع، فأقبل على معلَّى فقال له مثلَ ذلك، فقال: لا أصلح، قال: ولمَ؟ قال: لأني رجلٌ أُداين، فأنا بين مطلوبٍ وطالب، قال: نأمر بقضاء ديونِك وتتقاضى ديونَك، فمن أعطاك قبلنا منه، ومن لم يُعطِك عوَّضناك بمالك عليه، قال: ففيَّ شكوكٌ في الحكم، وفي ذلك تلفُ أموالِ الناس، قال: يحضر مجلسَك أهلُ الدِّين إخوانُك، فما شككتَ فيه سألتهم عنه، وما صحَّ عندك أمضيتَه، فقال: يا سبحانَ الله! فأنا أرتاد منذ أربعين سنةً رجلًا أُوصي إليه فما أقدر عليه، فمن أين أجد مَن يُعينني على قضاء حقوقِ الله الواجبةِ حتى أأتمنَه! أعفني. فأعفاه. وروى الخطيبُ (٢) عن ابن مَعينٍ قال:] كان معلى يومًا يصلِّي، فوقع على رأسه كُورُ الزَّنابير، فما التفَتَ ولا انفتلَ حتى أتمَّ صلاته، فنظر، فإذا رأسُه قد صار هكذا من شدَّة الانتفاخ. و [قال خليفةُ (٣) والخطيب (٤):] مات [المعلَّى] ببغدادَ سنةَ إحدى عشرةَ أو اثنتي عشرةَ ومئتين. [وقال الخطيب] (٥): حدَّث [ببغدادَ] عن مالك بنِ أنس [والليثِ بن سعد، وأبي عَوَانة، وشريكٍ القاضي، وابن لَهِيعة، وموسى بن أَعْيَن، ويحيى بنِ زكريا بنِ أبي زائدة، وأبي بكرٍ بن عياش، وهُشَيم] وغيرهم (٦). وروى عنه ابنُ المديني وغيرُه، ولم يسمع منه الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه، وكان في قلبه غُصَص من أحاديثَ ظهرت على الملأ كان يحتاج إليها، وإنَّما لم يسمع منه لأنَّه كان يكتب الشُّروط، وكاتبُها لا يخلو من التزيُّد في الكلام، فتورَّع الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه عنه على عادته، فإنَّه كان ينظر في باب الورع.

стр. 6479

واتَّفقوا على أنَّه كان ثقةً صدوقًا، صاحبَ فقهٍ وسنَّة، نبيلًا جليلًا، كثيرَ الحديث صحيح السَّماع [كتب عنه الأئمَّة والحفَّاظ، وذكره الحافظُ ابن عساكرٍ فقال (١): قدم دمشقَ وسمع يحيى بنَ حمزة، وصَدَقة بنَ خالد، وأبا عَوَانة، وأبا يوسفَ القاضي. وذكر بعضَ مَن ذكرنا، قال: وقال البخاريّ: دخلنا عليه سنةَ عشرٍ ومئتين، كذا ذكر في "التاريخ الصغير" (٢) ولم يُخرِّج عنه في "الصحيح"، وإنَّما خرَّج عن رجلٍ عنه]. موسى بنُ سليمانَ الجُوزجانيّ أبو سليمان، الفقيهُ الحنفي. [كان] (٣) فقيهًا بصيرًا بالرأي، ويذهب مذهبَ أهل السنَّة، وكان صدوقًا. عرض عليه المأمونُ القضاء، فقال: يا أميرَ المؤمنين، احفظ حقوقَ اللهِ في القضاء، ولا تولِّ على أمانتك مثلي؛ فإني واللهِ غيرُ مأمون الغضب، ولا أرضى نفسي لله أن أحكمَ في عباده. فقال: صدقتَ وقد أعفيناك. وكانت وفاتُه ببغداد. أسند عن ابن المباركِ وغيره، واتَّفقوا على دينه وورعِه وثقته وصدقِه رحمةُ الله عليه. * * *

стр. 6480

السَّنةُ الثانيةَ عشرةَ بعد المئتين فيها أَظهر المأمونُ القولَ بخلق القرآن، ولم يسبقْه إلى هذا أحد، وثارت الفتنُ في الدنيا، واشمأزَّت قلوبُ الخواصِّ والعوامِّ منه، وامتحن العلماءَ، وآذاهم وضربهم وسجنهم ونفاهم. وقويت شوكةُ الخوارج. وخلعه أحمدُ بن محمدِ العمريُّ باليمن، ويعرف بالأحمر العين، فبعث إليه محمدَ بن عبدِ الحميد [ويعرف بأبي (١) الرازي]. واشتدَّت شوكةُ بابك، فأغار على البلاد، فبعث إليه المأمونُ محمدَ بن حُميد (٢) الطوسيَّ لمحاربته. وفيها في ربيعٍ الأوَّل كتب المأمونُ إلى الآفاق بتفضيل علي بن أبي طالبٍ رضوانُ الله عليه على جميع الصحابة، وقال: هو أفضلُ الناسِ بعد رسولِ الله ﷺ . وفيها توجَّه المأمونُ إلى دمشقَ فصام بها رمضان. وصلَّى بالناس عيدَ الفطر عبدُ الله بن عُبيد الله بنِ العباس بن محمد بن علي بن عبد اللهِ بن عباس، ثم توجَّه فحجَّ بالناس. وفيها توفي أحمدُ بن أبي خالدٍ أبو العباس، وزيرُ المأمون (٣)، كان أبوه كاتبًا لأبي عبدِ الله وزيرِ المهدي. وكان أحمدُ فاضلًا مدبِّرًا جَوَادًا، ذا رأيٍ وفطنة، إلَّا أنه كانت له أخلاق وفَظَاظة، قال له رجلٌ يومًا: واللهِ لقد أُعطيتَ ما لم يُعطَه رسولُ الله ﷺ ، فقال: واللهِ لئن لم تخرجْ ممَّا قلتَ لأعاقبنَّك، فقال: قال اللهُ تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وأنت فظٌّ غليظُ القلب وما ننفضُّ من حولك.
следующие страницы →