← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

ومَعْمر بن راشد، وابن جُرَيج وعبد الرحمن بن زيدِ بن أسلم، وقيسِ بن الربيع، وابن عُيينة، وأيمن بن نابِل] (١) وخَلقٍ كثير. وروى عنه الإمامُ أحمد بنُ حنبل، وابن مَعين [وأبو خَيثمة] وابن راهُويه [والشاذَكوني، ومحمدُ بن يحيى الذُّهْلي، وابنُ المَديني وغيرُهم في آخرين. قلت:] (٢) وقد تكَّلموا فيه بعلَّة ذهابِ بصره [روى الحافظ ابنُ عساكرٍ (٣) عن أحمدَ بن حنبل قال: أتيناه قبل المئتين وهو صحيحُ البصر، ثم ذهب بصرُه بعد ذلك، فمن سمع منه قبلَ ذهابِ بصره فهو صحيح، أما بعدَ ذهابِ بصره فضعيفُ السَّماع. وقال ابنُ عساكر: كان عبدُ الرزاق أحدَ الثِّقات المشهورين، قدم الشامَ، وسمع من زكريا (٤). وضعَّفه النَّسائي بعلَّة ذهابِ بصره (٥). وقال أحمدُ العِجلي: كان عبدُ الرزاق ثقةً] وكان يتشيَّع فلا يرى تقديمَ عثمانَ على عليٍّ ﵄ (٦). [وذكروا يومًا عنده معاوية، فقال: لا تقذِّروا مجلسَنا بِذكره. قال [عبدُ الله بن] (٧) أحمدَ بن حنبل: وسألتُ أبي عن هذا فقال: أمَّا أنا فلم أسمعْ منه هذا، ولم أسمعْ منه شيئًا من هذا]. وقال أبو زكريا غلامُ أحمدَ بنِ أبي خيثمة: كنتُ جالسًا في مسجد الرُّصافة وفيه ابنُ معين، فجاءه رسولُ أحمدَ بن حنبلٍ فقال له: أخوك أحمدُ يسلِّم عليك ويقول: إنك تُكثر الحديثَ عن عُبيد الله بنِ موسى العَبْسي، وأنت وأنا سمعناه يتناول معاويةَ بن أبي سفيان، وقد تركتُ الحديثَ عنه. فقال ابنُ معين: سلِّم على أبي عبدِ الله وقل له: أنا وأنت سمعنا عبدَ الرزاقِ يتناول عثمان، فاترك الحديثَ عنه؛ فإنَّ عثمانَ أفضلُ من معاوية.

стр. 6477

ثم قال ابن مَعين: واللهِ لقد سمعتُ من عبد الرزاق أنا وأحمدُ بن حنبلٍ أعظمَ مما سمعتُ من العبسي، ولكن خاف أَحمدُ أن تذهبَ رحلتُه إلى عبد الرزاق. قال المصنِّف ﵀: ولم يرجع ابنُ مَعينٍ عن الرِّواية عن عبد الرزاق؛ لأجل الرِّحلة، وقال: ولو ارتدَّ ما تركنا حديثَه. وقال أبو أحمدَ بنُ عَدِي: كان عبدُ الرزاق ثقةً كثيرَ الحديث، رحل إليه الأئمَّة، إلَّا أنهم نسبوه إلى التشيُّع، وروى أحاديث في الفضائل أَنكرها عليهُ الحفَّاظ، فهذا أعظمُ ما رمَوه به (١). وكان (٢) عبدُ الرزاق يقول: أخزى اللهُ سِلْعَةً لا تَنفق [إلَّا] (٣) في آخر العُمر بعد الكِبَر والضَّعف، حتى إذا بلغ الرجلُ مئةَ سنةٍ كتبوا عنه، فإما أن يقال: كذَّاب، فيُبطلون حديثَه، وإما أن يقال: مبتدع، فيبطلون عِلمَه، وما أقلَّ مَنْ ينجو من ذلك. [وفيها توفي] مُعلَّى (٤) بنُ منصور أبو يعلى الرازيُّ الحنفي [صاحبُ أبي يوسفَ ومحمد، وذكره ابنُ سعدٍ (٥) فيمن نزل بغدادَ من الفقهاء، قال: وطلب الحديث. وقال الخطيب (٦): نزل قطيعةَ الربيعِ بالكَرخ، وأثنى عليه. أخذ الفقهَ عن أبي يوسف] سُئل عن القرآن فقال: مَنْ قال: إنَّه مخلوق فهو كافر، وطُلب للقضاء [مِرارًا] فامتنع. [وقال الخطيبُ بإسناده إلى إبراهيمَ بن سعيدٍ قال: أحضر المأمونُ موسى بنَ

стр. 6478

سليمان (١) الجُوزجاني ومعلَّى الرازي، فعرض على موسى القضاءَ فامتنع، فأقبل على معلَّى فقال له مثلَ ذلك، فقال: لا أصلح، قال: ولمَ؟ قال: لأني رجلٌ أُداين، فأنا بين مطلوبٍ وطالب، قال: نأمر بقضاء ديونِك وتتقاضى ديونَك، فمن أعطاك قبلنا منه، ومن لم يُعطِك عوَّضناك بمالك عليه، قال: ففيَّ شكوكٌ في الحكم، وفي ذلك تلفُ أموالِ الناس، قال: يحضر مجلسَك أهلُ الدِّين إخوانُك، فما شككتَ فيه سألتهم عنه، وما صحَّ عندك أمضيتَه، فقال: يا سبحانَ الله! فأنا أرتاد منذ أربعين سنةً رجلًا أُوصي إليه فما أقدر عليه، فمن أين أجد مَن يُعينني على قضاء حقوقِ الله الواجبةِ حتى أأتمنَه! أعفني. فأعفاه. وروى الخطيبُ (٢) عن ابن مَعينٍ قال:] كان معلى يومًا يصلِّي، فوقع على رأسه كُورُ الزَّنابير، فما التفَتَ ولا انفتلَ حتى أتمَّ صلاته، فنظر، فإذا رأسُه قد صار هكذا من شدَّة الانتفاخ. و [قال خليفةُ (٣) والخطيب (٤):] مات [المعلَّى] ببغدادَ سنةَ إحدى عشرةَ أو اثنتي عشرةَ ومئتين. [وقال الخطيب] (٥): حدَّث [ببغدادَ] عن مالك بنِ أنس [والليثِ بن سعد، وأبي عَوَانة، وشريكٍ القاضي، وابن لَهِيعة، وموسى بن أَعْيَن، ويحيى بنِ زكريا بنِ أبي زائدة، وأبي بكرٍ بن عياش، وهُشَيم] وغيرهم (٦). وروى عنه ابنُ المديني وغيرُه، ولم يسمع منه الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه، وكان في قلبه غُصَص من أحاديثَ ظهرت على الملأ كان يحتاج إليها، وإنَّما لم يسمع منه لأنَّه كان يكتب الشُّروط، وكاتبُها لا يخلو من التزيُّد في الكلام، فتورَّع الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه عنه على عادته، فإنَّه كان ينظر في باب الورع.

стр. 6479

واتَّفقوا على أنَّه كان ثقةً صدوقًا، صاحبَ فقهٍ وسنَّة، نبيلًا جليلًا، كثيرَ الحديث صحيح السَّماع [كتب عنه الأئمَّة والحفَّاظ، وذكره الحافظُ ابن عساكرٍ فقال (١): قدم دمشقَ وسمع يحيى بنَ حمزة، وصَدَقة بنَ خالد، وأبا عَوَانة، وأبا يوسفَ القاضي. وذكر بعضَ مَن ذكرنا، قال: وقال البخاريّ: دخلنا عليه سنةَ عشرٍ ومئتين، كذا ذكر في "التاريخ الصغير" (٢) ولم يُخرِّج عنه في "الصحيح"، وإنَّما خرَّج عن رجلٍ عنه]. موسى بنُ سليمانَ الجُوزجانيّ أبو سليمان، الفقيهُ الحنفي. [كان] (٣) فقيهًا بصيرًا بالرأي، ويذهب مذهبَ أهل السنَّة، وكان صدوقًا. عرض عليه المأمونُ القضاء، فقال: يا أميرَ المؤمنين، احفظ حقوقَ اللهِ في القضاء، ولا تولِّ على أمانتك مثلي؛ فإني واللهِ غيرُ مأمون الغضب، ولا أرضى نفسي لله أن أحكمَ في عباده. فقال: صدقتَ وقد أعفيناك. وكانت وفاتُه ببغداد. أسند عن ابن المباركِ وغيره، واتَّفقوا على دينه وورعِه وثقته وصدقِه رحمةُ الله عليه. * * *

стр. 6480

السَّنةُ الثانيةَ عشرةَ بعد المئتين فيها أَظهر المأمونُ القولَ بخلق القرآن، ولم يسبقْه إلى هذا أحد، وثارت الفتنُ في الدنيا، واشمأزَّت قلوبُ الخواصِّ والعوامِّ منه، وامتحن العلماءَ، وآذاهم وضربهم وسجنهم ونفاهم. وقويت شوكةُ الخوارج. وخلعه أحمدُ بن محمدِ العمريُّ باليمن، ويعرف بالأحمر العين، فبعث إليه محمدَ بن عبدِ الحميد [ويعرف بأبي (١) الرازي]. واشتدَّت شوكةُ بابك، فأغار على البلاد، فبعث إليه المأمونُ محمدَ بن حُميد (٢) الطوسيَّ لمحاربته. وفيها في ربيعٍ الأوَّل كتب المأمونُ إلى الآفاق بتفضيل علي بن أبي طالبٍ رضوانُ الله عليه على جميع الصحابة، وقال: هو أفضلُ الناسِ بعد رسولِ الله ﷺ . وفيها توجَّه المأمونُ إلى دمشقَ فصام بها رمضان. وصلَّى بالناس عيدَ الفطر عبدُ الله بن عُبيد الله بنِ العباس بن محمد بن علي بن عبد اللهِ بن عباس، ثم توجَّه فحجَّ بالناس. وفيها توفي أحمدُ بن أبي خالدٍ أبو العباس، وزيرُ المأمون (٣)، كان أبوه كاتبًا لأبي عبدِ الله وزيرِ المهدي. وكان أحمدُ فاضلًا مدبِّرًا جَوَادًا، ذا رأيٍ وفطنة، إلَّا أنه كانت له أخلاق وفَظَاظة، قال له رجلٌ يومًا: واللهِ لقد أُعطيتَ ما لم يُعطَه رسولُ الله ﷺ ، فقال: واللهِ لئن لم تخرجْ ممَّا قلتَ لأعاقبنَّك، فقال: قال اللهُ تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وأنت فظٌّ غليظُ القلب وما ننفضُّ من حولك.

стр. 6481

ومازح أحمدُ يومًا ثُمامةَ بن أشرسَ في دار المأمونِ بمحضرٍ من الناس فقال: يا ثُمامة، كلُّ مَن ها هنا له معنًى إلَّا أنت، فإنَّك لا معنى لك، فقال ثُمامة: بلى، معناي أنَّني أُشاوَر في مثلك هل يصلح للوزارة أم لا. وكان المأمونُ قد سأل ثمامةَ أن يليَ له الوزارةَ فأبى، فقال: أَشِر عليّ، فقال: أحمدُ بن أبي خالد، يقوم بالأمر حتى ينظرَ أميرُ المؤمنين فيمن يصلح. وقال إبراهيمُ بن العباس: دخلتُ على أحمدَ وقد ألحَّ عليَّ الهمّ، فترنَّمت وقلت: [من الهزج] أرى الموتَ لمن أَمسى … على الذُّلِّ له أصلحْ أَلَا [يا] (١) أيُّها القلبُ الـ … ــذي بالهمِّ قد يَطفحْ إذا ضاق بك الأمرُ … ففكِّر في ألم نَشرَحْ فإنَّ العُسرَ مقرونٌ … بيُسرَينِ فلا تَبْرَحْ قال: فزال همِّي فسُورت. ومات يومَ الاثنين لعشرٍ خلونَ من ذي الحِجَّة سنةَ إحدى عشرةَ ومئتين، وقيل: سنةَ اثنتي عشْرة، وصلَّى عليه المأمون، فلما دُلِّي في قبره ترحَّم عليه وقال: يا أحمد، كنتَ واللهِ كما قال الشاعر: [من الطويل] أخو الجِدِّ إن جَدَّ الرِّجال وشَمَّروا … وذو باطلٍ إن كان في القوم باطلُ (٢) [وفيها توفي] إسماعيلُ بن حمَّاد (٣) ابنِ أبي حنيفةَ النعمانِ بن ثابت [وكُنيته] أبو عبدِ الله، وقيل: أبو حيَّان. كان عالمًا زاهدًا عابدًا وَرِعًا، وكان المأمونُ يثني عليه [وسنذكره في ترجمته].

стр. 6482

وقال [الخطيبُ (١) بإسناده إلى] محمدِ بن عبد اللهِ الأنصاريِّ [أنه قال:] ما وَلِيَ القضاءَ من لَدُنْ عمرَ بن الخطاب ﵁ إلى اليوم مثلُ إسماعيل [بن حمادِ بن أبي حنيفة] فقيل له: ولا الحسن [البصريّ؟! فقال: لا واللهِ، ولا الحسن. وقال الخطيب (٢): كان إسماعيلُ بن حمَّاد أحدَ الفقهاء على مذهب جدِّه أبي حنيفة] وكان ولي القضاءَ بالجانب الشرقيِّ من بغدادَ سنةَ أربعٍ وتسعين ومئةٍ بعد محمدِ بن عبد اللهِ الأنصاري، فأقام مدَّة، ثم صُرف وولِّي قضاءَ البصرة [في سنة عشرٍ ومئتين] لمَّا عُزل يحيى بنُ أكثمَ عنها، ثم عُزل عنها بعد سنةٍ بعيسى بنِ أَبَان. [قال الخطيب: ولما عُزل إسماعيلُ عن البصرة [شيَّعه (٣) أهلُها ودعَوا له، وقالوا: عففتَ عن أموالنا ودمائنا، فقال: وعن أبنائكم. يعرِّض بيحيى بنِ أكثم (٤). وفي رواية ابنِ يحيى: لما عُزل عن البصرة وخرج عنها، التقى إسماعيلَ بن حماد وهو داخل، فوقف ابنُ أكثمَ يُثني عليه ويقول: واللهِ يا أهلَ البصرة ما وليكم مثل إسماعيلَ العفيفِ عن أموالكم ودمائكم، فقال إسماعيل: وعن أولادهم. فوجم يحيى. وقيل: كانت الواقعةُ بالكوفة. [وحكى الخطيب (٥) عن] إسماعيلَ قال (٦): ما ورد عليَّ مثلُ امرأةٍ تقدَّمت إليَّ فقالت: أعزَّ اللهُ القاضي، إنَّ ابن عمِّي زوَّجني من هذا ولم أعلم، فلما علمتُ رددتُ، فقلت لها: متى رددتِ؟ فقالت: وقتَ ما علمت. قلت: ومتى علمت؟ قالت: وقتَ ما رددت. فما رأيتُ مثلَها. و [قال أبو العَيناء:] (٧) لما ولي إسماعيل القضاء، دسَّ إليه محمدُ بن عبد الله الأنصاريُّ رجلًا يسأله عن مسألة، فقال له: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت.

стр. 6483

فقطع إسماعيلُ الكلامَ عليه وقال: قل للذي بعثك إنَّ القاضيَ لا يفتي. أسند إسماعيلُ عن أبيه [عن جدِّه (١)، وعن مالك بن مِغوَل، وعمر بن ذَرّ، ومحمدِ بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، والقاسمِ بن مَعن، وأبي شهابٍ الحنَّاط] وغيرِهم (٢). وروى عنه غسانُ بن المفضَّل [الغَلَابي، وعمرُ بن إبراهيمَ الثَّقفي، وسهلُ بن عثمان العسكري، وعبدُ المؤمق بن عليٍّ الرازي، في آخرين]. وكان ثقةً صدوقًا [أمينًا فاضلً] لم يغمزْه سوى الخطيب، فإنه روى عن سعيد بنِ سالم (٣) الباهليَّ قال: سمعتُ إسماعيلَ في دار المأمونِ يقول: القرآن مخلوق، وهو دِيني ودين أبي وجدِّي. قال المصنِّف ﵀: لو صحَّ أنه قال ذلك؛ فإنَّما قال تقيَّة؛ لأن المأمونَ ما أبقى في الإكراه على هذا القولِ بقيةً لنا. والحمد [لله] وحده وصلى الله على سيّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلّم. * * *

стр. 6484

السنةُ الثالثة عشرةَ بعد المئتين فيها عصى بِشر بنُ داودَ بنِ يزيدَ على المأمون بالسِّند، وجبى الخَراجَ لنفسه ولم يحملْ منه [إلى المأمون (١)] شيئًا، فعزله وولَّى غسانَ بن عباد، وكان استشار أصحابَه، فتكلَّم مَن حضر وأَطنبوا في ذِكره وفي مدحه، فنظر المأمون إلى أحمدَ بن يوسفَ بن القاسمِ الكاتب، وكان سيِّئ الرأي في غسان، فقال: ما تقول أنت يا أحمد؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ذاك رجلٌ محاسنه أكثرُ من مساوئه، لا تصرفه إلى طبقةٍ إلَّا انتصف منهم، فمهما تخوَّفتَ عليه فإنه لن يأتيَ أمرًا يعتذر منه؛ لأنه قد قسم أيامَه بين أهلِ (٢) الفضل، فجعل لكلِّ خلقٍ نَوبة، فإذا نظرتَ في أمره لم تدرِ أيُّ حالاته أعجب، ما هداه إليه عقلُه، أو ما اكتسبه بالأدب. فقال المأمون: لقد مدحتَه على سوء رأيك فيه، فقال: لأنَّه كما قال الشاعر: [من الوافر] كفى شكرًا بما أَسديتَ أنِّي … مدحتك في الصَّديق وفي عِداتي فأعجب المأمونَ كلامُه واسترجح أدبه، وولَّى غسانًا السِّند. وفيها خلع عبدُ السلام وابنُ جَليسٍ (٣) المأمونَ بمصر، وساعدتهما القَيسيةُ واليمانية وبيوتُها (٤)، فولَّى المأمونُ أخاه المعتصمَ الشامَ ومصر، وولَّى ابنَه العباسَ الجزيرةَ والعواصم، وأمر لكلِّ واحدٍ منهما [ولعبد اللهِ بن طاهر] بخمس مئةِ ألف دينار، فيقال: إنَّه لم يفرَّق في يومٍ من المال مثلُ ذلك اليوم. وحجَّ بالناس عبدُ الله [بنُ عبيد الله] (٥) بنِ العباس بن محمد بن عليّ.

стр. 6485

[فصل] (١) وفيها توفي أحمدُ بن يوسفَ ابنِ القاسم بن صبيح، أبو جعفر، الكاتبُ الكوفي، مولى بني عِجْل. [قال الخطيب (٢): كان] كاتبَ المأمونِ على ديوان الرسائل، وكان من أفاضل الكتَّاب وأذكاهم وأجمعِهم للمحاسن، فصيحَ اللسان، مليحَ الخطّ، يقول الشِّعر في الغَزَل والمديح، [له أخبارٌ مع إبراهيمَ بن المَهدي وأبي العتاهية وغيرِهما، وكتب للمأمون بعد أحمدَ بن أبي خالد]. وقال له رجلٌ يومًا: ما أدري ممَّ أعجب: مما وَليَه اللهُ من حُسْنِ خَلقك، أو ممَّا وليتَه من تحسين خُلقك، فوَصَله. ومن شِعره: [من الطويل] إذا قلتَ في شيء نَعَمْ فأتِمَّه … فإنَّ نَعَمْ دَينٌ على الحرِّ واجبُ وإلَّا فقل لا واسترحْ وأَرح بها … لكيلا يقولَ الناس إنَّك كاذب (٣) ومنه: [من الطويل] إذا المرءُ أَفشَى سِرَّه بلسانه … ولام عليه غيرَه فهو أحمقُ إذا ضاق صدرُ المرءِ عن سِرِّ نفِسِه … فصدرُ الذي يُستودَع السِّرَّ أَضيق (٤) و [قال الصُّولي:] وماتت لبعض إخوانِه الكتَّاب بَبْغاء، وكان للكاتب أخٌ اسمه عبدُ الحميد وكانت فيه غفلة [وتضعُّف (٥)، فحزن عليها أخوه (٦)] فكتب إليه أحمدُ [بنُ

стр. 6486

يوسف:] [من الخفيف] أنت تبقى ونحن طُرًّا فِداكا … أحسنَ اللهُ ذو الجلالِ عَزَاكا فلقد جلَّ خطبُ [دهرٍ] أتانا … بمقاديرَ أَتلفتْ ببَّغاكا عَجَبًا للمَنون كيف أتتْها … وتخطَّت عبدَ الحميد أخاكا كان عبدُ الحميد أصلحَ للمو … تِ من الببَّغاءِ وأَولى بذاكا شَمِلتنا المصيبتانِ جميعًا … فَقدُنا هذه ورؤيةُ ذاكا وقد أخذ هذا المعنى أبو الحارثِ النَّوفلي، فإنَّه قال: كنت أكرهُ القاسمَ بن عُبيد اللهِ لمكروهٍ نالني منه، فلما مات ابنُه وبقي أخوه الحسنُ (١) وكان يضعف، قلتُ على لسان ابنِ بسَّام: [من مخلع البسيط] قلْ لأبي القاسمِ المرجَّى … قابلكَ الدهرُ بالعجائبْ مات ابنُك وكان زَينًا … وعاش ذو الشَّينِ والمعايب حياةُ هذا كموتِ (٢) هذا … فلستَ تخلو من المصائب وكان المأمونُ قد سخط على أحمد، فمات في سَخَطه سنةَ ثلاثَ عشْرة، وقيل: سنةَ أربعَ عشرةَ ومئتين. وقال [ابنُ أبي الدُّنيا: حدَّثنا] الحسينُ بن عبدِ الرحمن [قال]: أشرف أحمدُ بن يوسفَ بن عليٍّ على بستانٍ له بشاطئ دِجلة -وهو يموت- فجعل [يتأمَّله و] (٣) يتأمَّل دِجلة، ثم تنفَّس وقال متمثِّلًا: [من البسيط] ما أطيبَ العيشَ لولا موتُ صاحبِه … ففيه ما شئتَ من عيبٍ لعائبه فما أنزلناه حتى مات. و [قال الصُّولي:] (٤): رثتْه جاريةٌ له مُغَنِّيَةٌ شاعرةٌ فقالت: [من البسيط] نفسي فداؤك لو بالناس كلِّهمِ … ما بي عليك تمنَّوا أنَّهمْ ماتوا

стр. 6487

وللورى موتةٌ في الدَّهر واحدةٌ … ولي من الهمِّ والأحزانِ موتاتُ (١) [قال الخطيب (٢): كان لأحمدَ بن يوسفَ أخٌ يقال له: القاسم بن يوسف، كان كاتبًا شاعرًا أديبًا، وهما وأولادُهما جميعًا من أهل الأدبِ والبلاغة. قال: وحكى أحمدُ بن يوسفَ عن المأمون وعق عبد الحميدِ بن يحيى الكاتب وقدم الشامَ صحبةَ المأمون. وقال أحمد بن كامل القاضي]: وأهدى أحمدُ بن يوسفَ إلى المأمون هديةً في يوم نَيروز [أو يومِ مهرجان] (٣) وكتب إليه [هذه الأبيات]: [من الطويل] على العبد حقٌّ فهْو لا بدَّ فاعلُه … وإن عَظُمَ المَولى وجلَّت فواضلُه أَلَمْ تَرنَا نُهدي إلى الله ما لَه … وإنْ كان عنه ذا غنًى فهْو قابله ولو كان يُهدَى للمليك بقَدرهِ … لقصَّر عافي (٤) البحرِ عنه وناهله ولكنَّنا نُهدي إلى مَن نُجِلُّهُ … وإنْ لم يكن في وُسعنا ما يُشاكله انتهت ترجمته. [وفيها توفي] أسودُ بن سالم أبو محمدٍ البغدادي، الزاهدُ الورع. كان بينه وبين معروفٍ الكرخيِّ مودَّة ومحبةٌ ومصافاة. قال [الخطيبُ (٥) بإسناده إلى] عليِّ بن محمدٍ الصفار: أنشدتُ للأسود [بن سالم] ليلةً [هذه الأبيات]: [من الوافر] أمامي موقفٌ قدَّامَ ربِّي … يسائلني وينكشف الغطاءُ وحسْبي أنْ أَمُرَّ على صراطٍ … كحدِّ السَّيف أسفلُه لَظاءُ [قال:] فصرخ أسودُ [صرخة] وغُشي عليه، فما أَفاقَ حتى طلع الفجر.

стр. 6488

و [حكى الخطيب قال:] (١) جاء رجلٌ إلى ابن حميدٍ فقال: اغتبتُ الأسود، فأُتيتُ في منامي فقيل لي: أتغتاب وليًّا من أولياء الله تعالى لو ركب حائطًا ثم قال له: سِرْ، لَسَارَ به!!. [وروى ابنُ باكويه الشيرازيُّ عن أسودَ أنَّه قال:] (٢) رَكعتان أصلِّيهما أحبُّ إليَّ من الجنَّة، فقيل له في ذلك، فقال: دعونا من كلامكم، فإنَّ الرَّكعتين رضا ربِّي، والجنَّة رضا نفسي، ورضا ربِّي أحبُّ إليَّ من رضا نفسي. [قال الخطيب:] (٣) وكان يُسرف في الوضوء ثم ترك، فقيل له في ذلك، فقال: أسرفتُ (٤) ليلة، فهتف بي هاتف: يا أسود، ما تصنع! حدَّثنا يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ عن سعيد بنِ المسيَّب قال: إذا جاوز الوضوءُ ثلاثًا لم يُرفَعْ إلى السماء، فقلت: أجِنِّيٌّ أم إِنْسي؟! فقال: هو ما تسمع، قال: فقلت: فأنا تائبٌ، فأنا اليومَ يكفيني كفٌّ من ماء. وكانت وفاتُه ببغدادَ في هذه السَّنة، وقيل: في سنة أربعَ عشرةَ ومئتين، وقيل: في سنة عشرٍ ومئتين (٥). أسند عن [حمَّاد بنِ زيد، و] سفيانَ بن عُيينة [وإسماعيل بن عُلَيَّة، ومعتمرِ بن سليمان، وغيرِهم. وروى عنه حاتِمُ بن الليث [الجوهري، وعبدُ الوهاب بن عبدِ الحكم الورَّاق] وغيرُهما (٦). وكان صدوقًا ثقة. [وقال الخطيب] (٧): غسل وجهَه يومًا من بُكرة إلى نصف النَّهار، فقيل له في ذلك، فقال: رأيتُ مبتدعًا، وقد غسلتُ وجهي إلى الساعة وما أظنُّه ينقى.

стр. 6489

[وفيها توفي] بِشْر بن أبي الأزهر يزيد [وكُنية بشر] أبو سهل، القاضي، الحنفي، الكوفي. كان من أعيان أهلِ الكوفة وزهَّادهم [أخذ الفقه والحديث عن القاضي أبي يوسف. وذكر الحاكمُ أبو عبد الله النيسابوريُّ قال:] (١) سأله رجلٌ عن مسألةٍ فأخطأ فيها، فعزم أن يقصدَ عبدَ الله بن طاهرٍ ليناديَ في البلد أنَّ بِشرًا قد أخطأ في مسألةٍ في النِّكاح، فقال له رجل: أنا أعرف الرجلَ الذي سألك، فأتاه به، فقال: أخطأتُ، وقد رجعتُ عن قولي، والجوابُ فيها كذا وكذا. وكانت وفاتُه في رمضانَ [في هذه السَّنة] أسند عن ابن المباركِ وابن عُيَينةَ وأبي معاوية [الضَّرير] وغيرِهم [انتهت ترجمته. وفيها توفي] ثُمامة بن أَشْرَسَ أبو مَعْنٍ النُّميري البَصْري [رئيس المعتزلة] الماجِن. [ذكره الصوليُّ والخطيبُ وغيرهما] كان له نوادر [قال الخطيب (٢): كان أحدَ معتزلةِ البصرة] ورد بغدادَ واتَّصل بالرَّشيد والمأمون [والأكابر، وحكى عنه الجاحظُ وغيره. وروى الصوليُّ عن المقدَّمي عن الحارث بن أبي أسامةَ قال: حدثني] الوليدُ بن عباس قال (٣): خرج ثمامةُ [بنُ أشرس] من منزله بعد المغربِ وهو سكران، فإذا هو بالمأمون قد ركب في نفر، فلمَّا رآه ثمامةُ عدل عن طريقه، وبَصُرَ به المأمون، فساق إليه وحاذاه، فوقف ثمامة، فقال له المأمون: ثُمامة؟ قال: إي والله، قال: أسكرانُ أنت؟!

стр. 6490

قال: لا والله، قال: أَفتعرفني؟ قال: إي والله، قال: فمن أنا؟ قال: لا أدري والله، فضحك المأمونُ حتى انثنى عن دابَّته وقال: عليك لعائنُ الله، قال: تَتْرى إن شاء الله، فضحك المأمونُ حتى كاد يقع من دابَّته، وأمر له بخمسين ألفًا. وقال [الصُّولي: قال الجاحظ: قال] ثُمامة: دخلتُ على صديقٍ لي أعوده وتركتُ حماري على الباب، فخرجتُ وإذا فوقه صبيّ، فقلت: ما هذا؟ قال: حفظتُه لك، قلت: لو ذهب كان أعجبَ إليَّ، قال: فاحْسبه قد ذَهَبَ وهَبْه لي وارْبَح شكري، قال: فلم أدرِ ما أقول. [وحكى الصوليُّ عن سَلَّام الأبرش قال:] (١) غضب الرشيدُ على ثمامةَ، وأمرني أن أَحبسَه في بيتٍ فيه ثقب، [وأنزل فيه هنا، ففعلت، قال:] (٢) فجلس سلامٌ ليلةً يقرأ في المصحف، فقرأ: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ [بفتح الذال، فقال ثُمامة: ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾] بكسر الذال، وهم الذين كذَّبوا الرُّسل، والمكذَّبون هم الرسل، وجعل يشرحه، فقال له سلَّام: قد قيل لي إنَّك زنديقٌ، ولم أقبل. ثم ضيَّق عليه أشدَّ الضيق وسدَّ الطاقة، ثم رضي الرشيدُ عن ثمامةَ وجالسه، ثم قال [الرشيدُ] ليلة: مَن أسوأُ الناسِ حالًا؟ فقال كلُّ واحدٍ شيئًا، فقال ثمامة: أسوأُ الناسِ حالًا عاقلٌ يجري عليه حكمُ جاهل، فغضب الرشيدُ وتغيَّر وجهه، فقال ثمامة: يا أميرَ المؤمنين، ما أظنُّك وقفتَ على ما أردت، قال: فاشرح لي، قال. يا أمير المؤمنين، قصَّتي مع سلَّامٍ كذا وكذا، فجعل يضحك حتى استلقى، وقال: واللهِ لقد صدقت. و [حكى عنه محمدُ بن يزيدَ النحويُّ] (٣) قال: خرجتُ من البصرة أُريد المأمون، فلمَّا وصلت إلى دَير هِرَقْل دخلتُه، فإذا مجنونٌ مشدودٌ بسلسلة، فقال: ما اسمُك؟ قلت: ثُمامة، قال: المتكلِّم؟ قلت: نعم، قال: أَخبِرني متى يجد القائمُ لذَّةَ النوم، إن قلتَ: قبل أن ينام، أَحلتَ؛ لأنَّه يقظان، وإن قلت: في حالة النَّوم، أَبطلت؛ لأنَّه لا يعقل، وإن قلت: بعد يقظته، أخطأت؛ لأنَّه لا يوجد الشيءُ بعد فقده [قال:] فواللهِ ما

стр. 6491

دريتا ما أقول. قال: ودخلتُ على المأمون وعنده أبو العَتَاهِيَة، فقال: أتأذن لي يا أميرَ المؤمنين بمناظرته؟ قال: نعم، فأخرج أبو العتاهيةِ يدَه من كُمِّه وحرَّكها، ثم قال. يا ثُمامة، مَن حرَّك يدي؟ فقال: مَن أمُّه زانية، فقال أبو العتاهية: تشتمني يا ثمامة، فقال ثمامة: ناقضتَ أصلَك، فقال المأمون: قد أجابك، فسكت أبو العتاهِيَة (١). و [حكى عنه الجاحظُ] قال: مررتُ ببغداد، فإذا برجلٍ قد قدَّم رجلًا إلى الوالي وقال: أصلح اللهُ الأمير، هذا خصمي، ناصبيٌّ رافضيٌّ جَهمي مشبِّهي، يلعن معاويةَ بن أبي طالبٍ (٢) ويحبُّ [عليَّ] بن أبي سفيان، فقال له الوالي: ثَكِلتك أمُّك، ما أدري من أيِّ شيءٍ أعجب، من علمك بالمقالات أو من معرفتك بالأَنساب! فقال الرجل: ما خرجت من الكتَّاب حتى تعلَّمتُ هذا كلَّه، فقال الوالي: لا جَرَم. وقال [ثُمامة:] مررت بجامع المهديّ، وإذا بقاصٍّ يقصُّ على الناس، فذكر حديثَ غَزاةِ أُحد، وأنَّ هِنْدًا بقرت بطنَ حمزةَ رضوانُ الله عليه وأَخرجت كبده، فلاكَتْها فلم تُسِغْها، فبلغ رسولَ الله ﷺ فقال: "لو ازدردتْها لم تمسَّهُا النار" (٣) ثم رفع القاصُّ يديه وقال: أَطعِمنا من كَبِد حمزة. وقال: خطب بعضُ الأمراء بخُراسان فقال: إن الله خلق السماواتِ والأرضَ في ستَّة أشهر، فقيل له: في ستَّة أيام، فقال: قد سمعتُ هذا ولكني استقللتُها. وقال: دخلتُ مروَ فرأيت الديكَ يأكل وحده، فعلمت أنَّ لؤم أهلِ مروَ وبخلَهم علَّم الديكَ ذلك. وقال: من رؤساء البخلاءِ محمدُ بن الجهم، لم يسألْه أحدٌ شيئًا من ماله إلَّا شغله بالطَّمع في غيره، ولا شفع لصديقٍ في حاجة إلَّا لقَّن المسؤولَ المنع؛ وفتح على السائل بابَ الحرمان.

стр. 6492

قال: وقال له أصحابه: اجعلْ لنا علامةً في القيام عنك لئلا نُثقلَ عليك بقعودنا، فقال: علامةُ ذلك إذا قلت: يا غلام هاتِ الغَداء. ذكر وفاته: [ذكر أبو منصورٍ عبدُ القاهر بن طاهرٍ التَّيميُّ قال: قُتل ثمامةُ بين الصَّفا والمروةِ في سنة ثلاثَ عشرةَ ومئتين] قتلته خُزاعةُ من أجل سعيه على أبي أحمد (١) الخُزاعي (٢). [وفيها توفي] أبو عاصمٍ النَّبيل واسمُه الضحَّاك بن مَخْلَدِ بن الضحَّاك بن مسلمٍ الشَّيباني البَصري. [ذكره ابنُ سعد] (٣) في الطبقة السادسة [من أهل البصرة، قال: و] كان ثقةً فقيهًا، مات بالبصرة ليلةَ الخميس لأربعَ عشرةَ ليلةً خلت من ذي الحِجَّة سنةَ اثنتي عشرة [ومئتين في خلافة عبدِ الله بن هارون. هذا صورةُ ما ذكر ابنُ سعد. وذكره خليفةُ وقال:] ولد في سنة اثنتين وعشرين ومئة (٤). [وقد ذكرنا في ترجمة زُفَرَ بن الهُذَيلِ في سنة ثمانٍ وخمسين ومئة لمَ سمِّي النبيل؛ لأنه كان يتجمَّل في ملبوسه (٥). قال:] وكان كبيرَ الأنف [قال: أُخبركم عن شيء؟ تزوَّجت امرأة، فلمَّا أردت أن أقبِّلها منعني أنفي، فقالت: نَحِّ ركبتكَ عن وجهي، فقلت: ما هذه رُكبتي، هذا أنفي. قال:] ولم يُرَ في يد أبي عاصم كتابٌ ينظر فيه، وكذا سفيانُ الثوري وشُعبة وابن عُيينة.

стр. 6493

وقال أبو عاصم: رأيت أبا حنيفةَ في المسجد الحرامِ يُفتي وقد اجتمع عليه الناسُ فآذَوه، فقال: ما ها هنا أحدٌ يأتينا بشُرْطيٍّ يفرِّق هؤلاء عنا؟ فدنوتُ منه وقلت: تريد شرطيًّا؟ قال: نعم، قلت: اقرأْ عليَّ هذه الأحاديثَ التي معي، فقوأها، فقمتُ عنه ووقفت بإزائه، فقال: وأين الشُّرطي؟ فقلت: لا أدري، قال: فأين ذهب قولُك؟ فقلت: أنا قلت لك: تريد شُرطيًّا؟ ولم أقل: إني أَجيبه، فقال: اُنظروا، أنا أحتال منذ كذا وكذا وقد احتال عليَّ هذا الصبيّ. [واختلفوا في وفاته، فحكينا عن ابن سعدٍ أنَّه مات في سنة اثنتي عشرةَ ومئتين، وكذا قال خليفة. قال: وهو ابنُ تسعين سنةً وأربعةِ أشهر (١). وقال غيرُه: سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومئتين، أو أربعَ عشرةَ ومئتين] (٢). أسند عن [خلقٍ كثير؛ لأنه طاف الدنيا، فسمع بالحجاز] جعفرَ بن محمدٍ الصادق، ومالكَ بن أنس [وابن جُرَيج] وسليمان (٣) [وغيرَهم، وبالعراق] الثوريَّ (٤) [وشُعبة، وسعيدَ بن أبي العروبة، في آخرَين، وسمع بالشام الأوزاعيَّ وأقرانَه، وبمصرَ حَيوَةَ بن شُرَيح وطبقتَه]. وروى عنه [جَرير بن حازمٍ الجَهضمي، وعبدُ الله بن داودَ الخُرَيبي، وهما أكبرُ منه (٥)، و] الإمامُ أحمد بن حنبلٍ رحمةُ الله عليه، وابن المَديني [والأصمعي] (٦) ومحمد بن إسماعيل البخاري، وخلقٌ كثير. واتفقوا على صدقه وثقتِه وأَمانته وديانته. و [روى ابنُ عساكرٍ (٧) عنه أنه] كان يقول:

стр. 6494

ما اغتبتُ أحدًا مذ علمتُ [تحريمه]. وكان الإمام أحمدُ ﵀ يعظِّمه. [وروى الخطيبُ عن] حمدانَ بن عليٍّ الوارقِ قال (١): ذهبنا إلى أحمدَ بن حنبل سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومئتين نسأله أن يحدِّثَنا، فقال: تسمعون مني ومثلُ أبي عاصمٍ في الحياة! اُخرجوا إليه. طلحةُ بن طاهرِ بن الحسين والي خُراسان. كان جَوَادًا سَمْحًا شجاعًا، أقام على خُراسانَ سبعَ سنين واليًا عليها نيابةً عن أخيه عبدِ الله، ومات بمَرْو (٢). عبدُ الله بن داودَ ابن عامرِ بن الربيع أبو عبد الرحمنِ الهَمْداني الخُرَيبي. أصلُه من الكوفة، وسكن محلَّة بالبصرة يقال لها: الخُرَيبَة، فنُسب إليها. وكان عالمًا ناسكًا من الطبقة السادسةِ من أهل البصرة، وُلد سنةَ ستٍّ وعشرين ومئة. مضى إليه جماعةٌ من أهل الحديثِ يسمعون عليه، فقال لهم: إني مشغولٌ عن هذا ببُسَيتينةٍ لي فيها معاش، وتحتاج إلى سَقي، وليس لي مَن يسقيها، فقال: إنْ حضرتكم نيَّةٌ فافعلوا، فأداروا الدولابَ وسقَوها، وقالوا له: حدِّثْنا الآن، فقال: ليس لي نيَّةٌ في أن أحدِّثَكم، وأنتم لكم نيَّةٌ تؤجَرون (٣) عليها. فانصرَفوا وهم يذمُّونه. وقال بِشر بنُ الحارث: كنت عند الخُريبي، فجاءه قومٌ [فقالوا له: ما تقول] (٤) فيمن يقول: القرآنُ مخلوق؟ فقرأ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] ثم قال: أمخلوقٌ هذا؟!

стр. 6495

ودخل عليه يحيى بنُ أكثم، فرأى مِشيتَه فأنكرها، فقال له يحيى: حدِّثْني، فقال: لا أحدِّث مَن يمشي هذه المِشية. وبلغه أنَّ يحيى جلس بين يديه خصمان، فتربَّع أحدُهما، فأمر به أن يقامَ ويجلسَ جالسًا، فجاء إليه يحيى ليحدِّثَه، فقال له الخُرَيبي: [لو أنَّ رجلًا صلَّى متربعًا؟ قال: فقال له يحيى: لا بأسَ بذلك، فقال له عبدُ الله بن داود:] (١) فحالٌ يكون عليها بين يدي اللهِ لا يكرهها تَكرهها أنت! ثم ولَّاه ظهرَه. فقام يحيى وخرج. وجاءه أبو العيناءِ محمدُ بن القاسم، فقال له الخُريبي: ما جاء بك؟ قال: فقلت له: طلبُ الحديث، فقال: اذهب فاحفظ القرآن، فقلت: قد حفظتُه، فقال: اِقرأ: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١] فقرأتُها، فقال: اذهب فتعلَّم الفرائض، قلت: قد حفظتُها، فقال: أيُّما أقرب إليك ابنُ أخيك أو ابن عمِّك؟ قلت: ابنُ أخي؛ لأنَّ أخي من أبي، وعمِّي من جدِّي، قال: اذهب فتعلَّم العربية، فقلت: قد تعلَّمتها، قال: فلمَ قال عمرُ ﵁ لمَّا طُعن: يا لَله يا لِلمسلمين، بفتح الهمزةِ الأولى وكسرِ الثانية؟ قلت: فتح الأولى بالدُّعاء، وكسر الثانيةَ للاستنصار، فقال: اذهبْ فلو حدَّثتُ أحدًا لَحدَّثتك. وقال الخريبي: كلُّ صديقٍ ليس له عقلٌ فهو أشدُّ عليك من عدوِّك. أسند عن هشام بنِ عروةَ وغيرهِ، وروى عنه سفيانُ بن عُيينةَ وخلقٌ كثير، واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وورعه. [وفيها توفي] (٢) عليُّ بن جَبَلَةً بن مُسْلم أبو الحسن، الشاعرُ البغدادي [ويقال له:]: العَكَوَّك (٣). ولد سنةَ ستِّين ومئة، وذهب بصرُه بالجُدَريِّ وله سبعُ سنين.

стр. 6496

مدح الخلفاءَ وأبا دُلَفٍ العِجْلي، فأَفرط في قوله، ومن ذلك قولُه: [من البسيط] أنت الذي تُنْزل (١) الأيامَ منزلَها … وتَنقُل الدهرَ من حالٍ إلى حالِ وما مددتَ مَدَى طَرْفٍ إلى أَحدٍ … إلَّا قضيتَ بأرزاقٍ وآجال فأعطاه [أبو دُلَف] مئة ألفِ درهمٍ وقال: واللهِ لو أعطيتُه مئةَ ألف دينارٍ ما وفيتُ له، ولا كنتُ قاضيًا حقَّه. ولما بلغ المأمونَ قولُه دعاه وقال له: فضَّلتَ أبا دُلَفٍ على العرب كلِّها في أَشعارك، وأدخلتَ في ذلك قريشًا وآلَ رسولِ الله ﷺ وعِترتَه، وأنا لا أستحلُّ دمَك بهذا، بل أكفِّرك بقولك: أنت الذي تُنْزل الأيامَ منزلَها وذكر البيتَين وقال: ما يَقْدر على ذلك إلَّا اللهُ تعالى. فيقال: إنَّه أَمر به فسُلَّ لسانُه من قَفاه، والصحيحُ أنَّه هرب من المأمون فمات ببغدادَ في هذه السَّنةِ ولم يُقْدر عليه. [وقال الخطيب: مدح ابن جبلة حميد بن عبد الحميد الطوسي فبالغ، فقيل له: بالغت فِي مدحه، فقال: لا أمدح من كنت عنده في يوم سرور فأنشدته قصيدة فأمر أن يحمل إلي كل ما حمل إليه، مئة ألف درهم! (٢) وفي حُميدٍ يقول: لولا حُميدٌ لم يكن … حَسَبٌ يُعَدُّ (٣) ولا نَسَبْ وروى الخطيبُ جملةً من أشعاره فقال (٤): أخبرني عليُّ بن أيوبَ الكاتب: حدَّثنا محمدُ بن عمرانَ المَرْزُباني: حدَّثني عليُّ بن هارونَ عن أبيه قال] ومن [مختار] شعرِه: لو أنَّ لي صبرَها أو عندها جَزَعي … لكنتُ أَعلمُ ما آتي وما أَدَعُ لا أَحملُ اللَّومَ فيها والغرامَ بها … ما حمَّل اللهُ نَفْسًا غيرَ ما تَسَعُ

стр. 6497

إذا دعا باسمها داعٍ فأَسمَعَني … كادت له شُعبةٌ من مُهجتي تَقَعُ (١) وقال: كنتُ لا أدخل على أبي دُلَفٍ إلَّا تلقَّاني ببرٍّ، فلما أَفرط انقطعتُ عنه، فبعث إليَّ أخاه يقول: لمَ هجرتنا؟ فكتبتُ إليهُ [هذه الأبيات]: [من الطويل] هجرتُك لم أَهجرْك من كُفرِ نعمةٍ … وهل يُرتجَى نيلُ الزيادةِ بالكفرِ ولكنَّني لمَّا أتيتُك زائرًا … فأَفرطتَ في بِرِّي عجزتُ عن الشُّكر فَمِ الآنَ (٢) لا آتيك إلَّا مسلِّمًا … أَزورك في شهرين يومًا وفي شهر فإنْ زدتَني بِرًّا تزايدتُ جَفوةً … ولم تَلقَني طولَ الحياةِ إلى الحشر [قال: فلمَّا قرأها أبو دُلَفٍ كتب إليه هذه الأبيات:] (٣) أَلَا رُبَّ ضيفٍ طارق قد بسطتُه … وآنستُه قبل الضيافةِ بالبِشْرِ أتاني يرجِّيني فما حال دونه … ودون القِرى من نائلي عندهُ سِتري وجدتُ له فَضْلًا عليَّ بقصدهُ … إليَّ وبِرًّا يستحقُّ به شكري فلم يعدُ (٤) أنْ أدنيتُه وابتدأته … ببِشرٍ وإِكرامٍ وبِرٍّ على بِرِّ وزوَّدته مالًا قليلًا بقاؤه … وزوَّدني مدحًا يدوم على الدَّهر وبعث بالأبيات مع الوصيفِ يحمل كيسًا فيه ألفُ دينار. قال المصنِّف رحمه اللهُ تعالى: لله دَرُّ أبي دُلَفٍ هو كما قال الشاعر: تأخذ من ماله ومن أَدبه كم بين شِعره وشعر ابنِ جَبَلة؟! فسبحانَ مَن على الجود والفضلِ جَبَلَه. وابنُ جَبَلةَ هو القائلُ في أبي دُلَفٍ قصيدةً منها: [من المديد] إنَّما الدنيا أبو دُلَفٍ … بين ناديه (٥) ومُحْتَضَرِهْ

стр. 6498

فأعطاه مئةَ ألفِ درهم. [وفيها توفي] محمدُ بن يوسفَ بن واقد أبو عبد اللهِ الفِرْيَابي. [قال ابنُ ماكولا (١): هو منسوبٌ إلى فيرياب (٢). ونزل قَيسارِيَّة]. ولد سنةَ عشرين ومئة. وكان عالمًا زاهدًا ورعًا [ذكره ابنُ سُمَيع] في الطبقة السادسة. [حكى عنه محمد بن مسلم بن وارة قال: قال الفريابيُّ:] رأيتُ في المنام كأني دخلتُ كَرْمًا فيه عِنَب، فأكلتُ من عنبه كلِّه إلا الأبيض، فقصصتُ رؤياي على سفيانَ الثوري، فقال: تُصيب من العلوم كلِّها إلَّا الفرائض؛ فإنها جوهرُ العلم، كما أنَّ العِنَبَ الأبيضَ جوهرُ العنب. فكان كما قال. وكانت وفاتُه في هذه السَّنة (٣). وقيل: سنة اثنتي عشرةَ ومئتين. [أسند عن الأوزاعيِّ ببيروت، و] روى عن الثوريِّ [وابنِ عُيينة، وابنِ أبي عَبلةَ، وأبي بكرِ بن عيَّاش] وغيرهم (٤). وروى عنه الإمامُ أحمد بن حنبل رحمةُ الله عليه [والبخاري، ومحمدُ بن مسلمِ بن وارَة، وابنُ أبي الحَوَاري، ودُحَيم، والقاسم الجُوعي، وأحمدُ بن عبد الرحيم البَرقي] في آخرين. [وقال أحمدُ بن حنبل: كتبتُ عن الفريابي بمكَّة]. وقال البخاريّ: كان الفِريابيُّ من أفضل أهلِ زمانه. وكان ثقةً صدوقًا مُجابَ الدَّعوة.

стр. 6499

[وجرت له مع عبدِ الله بن طاهرٍ حكايةٌ عجيبة، رواها] السَّريُّ بن معاذٍ أميرُ الرَّي قال (١): كنتُ مع أبي، وكان قائدًا من قوَّاد عبدِ الله بنِ طاهر [وأنا غلام، فخرج عبدُ الله بن طاهرٍ إلى الشام ونحن معه، وكان قريبًا من شهر رمضان، فقال عبدُ الله بن طاهر: ها هنا أحدٌ من العلماء نسأله عن الإِفطار وعن الصيام؟ فإنَّا على ظهر سَفَر] فقيل له: ها هنا بالقُرب منك محمدُ بن يوسفَ الفِريابي صاحبُ سفيانَ الثوري. فضرب بعسكره إلى باب دارِه، وكان له حاجبان، أحدُهما يقال له: عُزَير، والآخر: ميكال، وكانا على مقدِّمته، فتقدَّما على بابه، فأومأ إليهما عبدُ الله بن طاهرٍ أن ترفَّقا في قَرع الباب، فقرعاه ثمَّ وقفا مليًّا، فخرجت جاريةٌ تخدُم الفِريابي، فقالت: مَن أنتما؟ فقالا: قولي للشيخ: الأميرُ عبد اللهِ بنُ طاهرٍ بالباب. [قال:] فمضت الجاريةُ فأطالت، ثمَّ عادت فقالت: يقول لكما الشيخ: ما حاجتُه؟ فتذمَّرا، فأومأَ إليهما ابنُ طاهرٍ أن اسكتا، وتقدَّم ابنُ طاهرٍ إلى الباب فقال لها: قولي للشيخ: يقول لك عبدُ الله بنُ طاهر: إنَّنا على سفر، وقد أظلَّنا رمضان، أفنصوم أم نُفطر؟ ما ترى في ذلك؟ [قال:] (٢) فمضت الجاريةُ ورجعت بعد هُنيَّة، فقالت: يقول لكم الشيخ: إنْ كنتم على سفرٍ في طاعة اللهِ فأنتم مخيَّرون بين الصومِ والإفطار، وإن كنتم على سفرٍ في معصية الله، فلا تجمعوا بين العصيانِ والإفطار. فانصرف ابنُ طاهر، ثمَّ التفتَ إلى عُزير وميكال، وقال: هذا واللهِ العزّ، لا الذي نحن عليه. * * *

стр. 6500

السَّنةُ الرابعةَ عشرةَ بعد المئتين فيها التقى بابكُ الخُرَّمي بمحمد بنِ حُميد الطُّوسي، فقتله بابَك يومَ الخميس لخمسِ ليالٍ بقين من ربيعٍ الأوَّل، وقتل عامَّةَ عسكرِه قتلًا ذريعًا، وغنم غنائمَ كثيرة. وفيها التقى عبدُ السلام وابنُ جَلِيس الخارجان بمصرَ بعُمير بنِ الوليد الباذَغيسي عاملِ المعتصمِ بالحَوْف، فقتلا عُميرًا، فسار المعتصمُ بنفسه إليهما، والتقاهما، فقتلهما وفتح مصر. وفيها خرج بلالٌ الضَّبابيّ، فبعث إليه المأمونُ العباسَ ابنَه ومعه جماعةٌ من القوَّاد، منهم هارونُ بن أبي خالد، فقتل هارونُ بلالًا وفضَّ جمعَه. وفيها خرج عبدُ الله بن طاهرٍ إلى الدِّينَور، فبعث إليه المأمونُ يحيى بنَ أكثمَ وإسحاقَ بن إبراهيمَ يخيِّرانه بين ولايةِ خُراسان، وبين ولاية إِرْمِينِيةَ وأَذْرَبيجانَ والجبالِ، ومحاربةِ بابَك، فاختار ولايةَ خُراسانَ وسار إليها. وحجَّ بالناس إسحاقُ بن العباسِ بن محمدِ بن علي. وعُزل القاضي عِكرمةُ (١) بن طارقٍ عن قضاءِ الشرقيَّة ببغداد، وولَّى المأمونُ عليَّ بن هشامٍ إِرمِينيَةَ وأَذْرَبيجانَ والجبال وقتال بابَك. وفيها توفي إسحاقُ بن حسَّان أبو يعقوب، الشاعرُ المعروف بالخُرَيمي. أصلُه من خُراسان من أبناء السُّغد (٢)، واتصل بخُريم بنِ عامر المُرِّي فنُسب إليه. وقيل: لاتِّصاله بعثمانَ بن خُرَيمٍ [الموصوف بـ] الناعم. وكان إسحاقُ من أكابر الشعراءِ الفصحاء، وكان يتديَّن. و [قال أبو حاتِم

стр. 6501

السِّجِستاني:] (١) هو أَشعرُ المُحْدَثين. [وذكر الخطيبُ (٢) أبياتًا من شعره فقال: حدثنا عليُّ بن أيوبَ القُمِّي: حدَّثنا محمدُ بن عمرانَ الكاتب: حدثنا الصُّولي قال: أَنشدني عَونٌ لأبي يعقوبَ الخُرَيميِّ الأبيات:] باحَتْ ببلواه جفونُهْ … وجرتْ بأَدمُعه شؤونهْ لمّا رأى شَيبًا علا … هُ ولم يَحِنْ في الوقت حينه فعَلَا على فقد الشَّبا … بِ وفَقدِ مَن يهوى أَنينُه ما كان أَنجحَ سعيَهُ … وشبابهُ فيه مُعينُه واللَّهو يَحسُن بالفتى … ما لم يكن شَيبٌ يشينه [وكانت وفاته في هذه السَّنة] (٣). * * *

стр. 6502

السنة الخامسة عشرة بعد المئتين فيها سار المأمونُ من بغدادَ طالبًا الغزوَ لبلاد الرومِ لثلاثٍ بقينَ من المحرَّم، واستخلف على بغدادَ إسحاقَ بن إبراهيمَ بنِ مصعب، وولَّاه مع ذلك السَّوادَ وحُلوانَ وكُوَرَ دِجلة. [ولمَّا لبس درعَه بكت جاريةٌ له، وقد ذكر قصَّتَها جعفرٌ السرَّاج في "مصارع العُشَّاق" (١)، حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ العزيز بن دُلَفٍ القارئ قال: أَخبرتنا شُهْدة الكاتبةُ بإسنادها (٢) إلى يحيى بن أبي حمَّاد، عن أبيه قال:] وُصفت للمأمون (٣) جاريةٌ بكلِّ ما توصَف به امرأةٌ من الكمال والجمال، فبعث لشرائها، فأُتي بها في وقت خروجِه [إلى بلاد الروم] فلمَّا همَّ ليلبَسَ دِرعَه خطرت بباله فأمر فأُخرجت إليه، فلمَّا نظر إليها أُعجب بها وأُعجبت به، وقالت: ما هذا؟! فقال: أريد الخروجَ إلى بلاد الروم، فقالت: قتلتَني [يا سيِّدي] وحدرت دموعَها [على خدِّها كنظام اللؤلؤ، وأنشأتْ تقول] (٤): [من الوافر] سأدعو دعوةَ المضطرِّ رَبًّا … يُثيب على الدُّعاءِ ويستجيبُ لعلَّ اللهَ أنْ يكفيكَ حربًا … ويَجمعَنا كما تهوى القلوب فضمَّها المأمونُ إلى صدره وأنشأ [متمثِّلًا] يقول: [من الطويل] فيا حُسنَها إذ يغسل الدمعُ كُحلَها … وإذ هي تُذرِي الدمعَ منها الأناملُ صبيحةَ قالت في العِتاب قتلتَني … وقَتْلي بما قالت هناك تحاول (٥) ثمَّ قال لخادمه مسرور: احتفظْ بها وأَكرِم مَحَلَّها، وأصلحْ لها كلَّ ما تحتاج إليه من

стр. 6503

المقاصير والخَدَمِ والجواري إلى وقتِ أن أَرجع [فلولا ما قال الأخطلُ لأقمت] (١): قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزِرَهم … دون النساءِ ولو باتتْ بأَطهارِ ثمَّ خرج. فأصلح مسرورٌ حالها، فاعتلَّت الجارية علَّةً شديدة، أَشفق مسرورٌ عليها منها، وورد نَعْيُ المأمونِ بعد ذلك، فلمَّا علمت تنفَّست الصُّعَداء وماتت. [قال علماءُ السِّير:] (٢) ولما وصل المأمونُ إلى تَكريت، قدم عليه محمدُ بن عليِّ بن موسى الرِّضا (٣) في صَفَر (٤)، فأجازه وأمره أن يدخلَ بابنة المأمونِ أمِّ الفضل، وكان زوَّجها منه، فقدم إلى بغداد، فدخل بها في دار أحمدَ بن يوسفَ التي على شاطئ دِجلة، وأقام بها [حتى جاء أوانُ الحجّ، فخرج بأهله وعياله، فشهد الموسم، وقدم المدينةَ وأَقام بها] وأمَّا المأمون، فإنَّه أتى الموصلَ وسار إلى حلبَ فنزل مَرجَ دابِق، ثم خرج إلى أَنطاكِيةَ، ثم إلى المَصِّيصة، ثم إلى طَرَسُوس، وكان دخولُه الدَّربَ في جُمادى الأولى، ودخل العباسُ بن المأمونِ من ناحية مَلَطْيَة، ونزل المأمونُ على حصنٍ [يقال له] (٥): قُرَّة، فحصره وفتحه عَنوة، وهدمه، وذلك في جُمادى الأولى، وكان قد افتتح قبلَه حِصنًا [يقال له:] ماجدة (٦)، فمنَّ على أهله. وقدم أبو إسحاق المعتصمُ من مصرَ فوافى المأمونَ بالروم، وقيل: بالموصل. وبثَّ المأمونُ عساكرَه في بلاد الروم، ففتحوا وغَنِموا، وخاف نزولَ الثلج، فعاد إلى حلب، ثمَّ سار إلى دمشقَ فأَقام بها. وفيها ظهر قومٌ من الزُّطِّ بالبطائح التي عند واسط، وهي مغيضُ دجلةَ والفرات، وكانوا ثلاثين ألفًا (٧)، فقطعوا الطرقَ وسفكوا الدماءَ ما بين البصرةِ وواسط، فأرسل إليهم المأمونُ عيسى بنَ يزيدَ في جيشٍ كثيف، فالتقوه فهزموه، ولم يظفرْ منهم بطائل،

стр. 6504

فداموا على الفساد وقطعِ الطُّرقات. وحجَّ بالناس عبدُ الله بنُ عُبيد اللهِ بن العباس بن محمدِ بن عليِّ. فصل وفيها توفي أحمدُ بن جعفر أبو عبدِ الرحمن الضريرُ الوكيعيُّ البغدادي. وسُمِّي الوكيعيِّ؛ لملازمته لوكيع. قال إِبراهيمُ الحَرْبي: كان الوكيعيُّ يحفظ مئةَ ألفِ حديث، ما أَحسَبه سمع حديثًا قطُّ إلَّا وحفظه. وروى عن وكيعٍ وغيره، وروى عنه إبراهيمُ الحربيُّ وطبقتُه. وكان ثقة (١). أبو زيدٍ النَّحويُّ البصري واسمه سعيدُ بن أَوس بنِ ثابت بن بَشير بن أبي زيدٍ الأنصاري. وقيل: ثابت بنُ زيد (٢). وأبو زيدٍ من الستَّة الذين جمعوا القرآن على عهد النبيِّ ﷺ . كان أبو زيدٍ إمامًا في النَّحو واللغةِ والأَشعار ومذاهبِ العربِ وأيامهم. وقال المازِني (٣): كنا عند أبي زيد، فجاء الأصمعيُّ فأكبَّ على رأسه وجلس، وقال: هذا عالمُنا ومعلِّمنا منذ ثلاثين سنة، وجاء خَلَفٌ الأحمر ففعل مثلَ ذلك، وقال: هذا عالمنا ومعلِّمنا منذ عشرين سنة (٤). وقال رَوحُ بن عُبادة: كنا عند شعبةَ بن الحجَّاج، فضَجِرَ من الحديث، فرمى بطَرْفه فرأى أبا زيدٍ في أُخرَيات الناس، فقال: إليَّ إليَّ يا أبا زيد، فجعلا يتناشدان الأَشعار، فقال بعضُ أصحاب الحديثِ لشعبة: يا أبا بِسطام، نقطعُ إليك ظهورَ الإبل لنسمعَ منك

стр. 6505

حديثَ رسولِ الله ﷺ فَتَدعنا وتُقْبِل على الأشعار! فغضب شعبةُ غضبًا شديدًا وقال: يا هؤلاء، أنا أعلمُ بالأصلحِ لي، أنا واللهِ الذي لا إله إلَّا هو في هذا أَسلَمُ منِّي في ذاك. توفِّي أبو زيدٍ بالبصرة سنةَ خمسَ عشْرةَ ومئتين. وقيل: سنة أربعَ عشرة، وله ثلاثٌ وتسعون سنة. حدَّث عن شعبةَ وغيرِه، وروى عنه القاسمُ بن سلَّامٍ وغيرُه. واتَّفقوا على صدقه وثقتِه وبصحَّة روايته (١). [وفيها توفي] قَبِيصةُ بن عُقبةِ أبو عامر السُّوائيُّ، من بني عامرِ بن صَعْصَعة. كان زاهدًا قنوعًا. [حكى الخطيبُ (٢) عن] جعفرِ بن حَمْدويهْ (٣) قال (٤): كنا على باب قَبيصةَ ومعنا دُلَف بن [أبي دُلَفٍ أبو] (٥) عبدِ العزيز ومعه الخدم، فأبطأ قَبيصةُ في الخروج، وعاوده الخَدَمُ وطرقوا عليه الباب، وقالوا: ابنُ مَلِك الجبالِ (٦) على بابك وأنتَ لا تخرج إليه! [قال:] (٧) فخرج قَبيصةُ وفي طَرَف إزاره كِسرٌ من الخبز، فقال لهم: رجلٌ قد رضي من الدنيا بمثل هذا ما يصنع بابن مَلِكِ الجبال! اذهبوا فواللهِ لا حدَّثتُه. ولم يحدِّثه. وكانت وفاته في هذه السنة. وقيل: سنة ثلاث وعشرين (٨) ومئتين، والأول أصحُّ. أسند عن الثوري والحمَّادَين (٩) وغيرهم. وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمة

стр. 6506

الله عليه وابن معين وغيرهما، واتفقوا على صلاحه (١) وثقته [وبعضُهم قال: سمع من سفيانَ الثوريِّ وكان صغيرًا] (٢). محمدُ بن عبدِ الله ابن المثنَّى بن أنسِ بن مالكٍ الأنصاريُّ البصري، أبو عبدِ الله. وُلد سنةَ ثمانِ عشرةَ ومئة، ووَلِي قضاءَ البصرة للرشيد، ومات بالبصرة وله نيِّفٌ وتسعون سنة. وجَّه المأمونُ إليه خمسين ألفَ درهمٍ، وأمره أن يقسمَها بين الفقهاءِ بالبصرة، وكان هلالُ بن مسلمٍ يتكلَّم على أصحابه، والأنصاريُّ يتكلَّم على (٣) أصحابه، فقال هلال: هي لي ولأصحابي، قال الأنصاريُّ كذلك، واختلفا، فقال الأنصاريُّ لهلال: كيف تتشهَّد؟ فقال: أَوَ مِثلي يُسأل عن التشهُّد! فتشهَّدَ على حديث ابنِ مسعود، فقال له الأنصاريّ: مَن حدَّثك به؟ من أين ثبت عندك؟ فبقي هلالٌ ساكتًا لا يدري ما يقول، فقال له الأنصاري: أنت تصلِّي كلَّ يومٍ وليلة خمسَ صَلَوات منذ سنين وتردِّد فيها هذا الكلامَ وأنت لا تدري مَن رواه عن نبيِّك ﷺ قد باعد اللهُ بينك وبين الفقه. فقسمها الأنصاريُّ في أصحابه. أَسندَ عن أبيه وغيرِه، وروى عنه الإمام أحمدُ رحمة اللهِ عليه وغيرُه، وكان صدوقًا ثقة. [وفيها توفِّي] مكِّيُّ بن إبراهيمَ ابنِ بشير بن فَرقد، أبو السَّكَن، التميمي البُرْجُمي البَلخي الحنظلي. أحدُ الرحَّالين

стр. 6507

في طلب العلم. [وذكره خليفةُ (١)] في الطبقة الخامسةِ من أهل خُراسان (٢) [وذكره ابنُ سعدٍ (٣) فيمن كان في خُراسانَ من الفقهاء والمحدِّثين بعد الصحابة. وقال: توفِّي ببلخَ سنةَ خمسَ عشرةَ ومئتين، وكان ثقة. قال: وقدم بغدادَ يريد الحجّ، فحجَّ ورجع، وحدَّث الناسَ في ذهابه ورجوعِه، وكتبوا عنه] وكان ثَبْتًا في الحديث [هذا صورةُ ما قال ابنُ سعد. وقال الخطيب:] (٤) وُلد سنةَ ستٍّ وعشرين ومئة. وقال [مكي بن إبراهيم]: رأيت بالرَّملة كُرومًا، فقيل لي: هذه غرسها إبراهيمُ بن أدهمَ بيده، يُعرف بها البركةُ إلى اليوم. وقال [الخطيبُ (٥) بإسناده إلى عبد الصمدِ بن الفضلِ يقول: سمعت مكِّيَّ بن إبراهيمَ يقول:] حججتُ ستِّين حَجَّة، وتزوَّجت ستِّين امرأة، وجاورتُ بمكَّةَ عشْرَ سنين، وكتبت عن سبعةَ عشرَ نَفْسًا من التابعين، ولو علمتُ أن الناسَ يحتاجون إليَّ ما كتبتُ دون التابعين عن أحد. وفي رواية: وقطعتُ الباديةَ من بلخَ خمسين مرَّةً حاجًّا، ودفعت في كِراء بيوتِ مكةَ ألفَ دينار ومئتي دينارٍ ونيِّفًا. وكانت وفاته [ببلخَ في هذه السَّنة] ليلةَ نصف شَعبانَ وقد قارب مئةَ سنة. أَسند عن بَهْز بنِ حَكيم [وابن جُرَيج، ومالكِ بن أنس، وهشام بن حسَّان] وغيرِهم (٦)، وروى عنه الإمامُ أحمد ابن حنبل ﵀ [وعُبيدُ الله (٧) القواريري، والعبَّاس الدُّوري، والحسنُ بن عَرَفة] وأَخرج عنه البخاريُّ في صحيحه، واتَّفقوا على

стр. 6508

أنَّه محلُّ الصِّدق ﵀. الوليدُ بن أَبَان الكرابيسي (١) من أكابر المعتزلةِ بالبصرة، وله مقالاتٌ معروفة يقرِّر فيها مذاهبَ المعتزلة (٢). وقد رُوي رجوعُه عن علم الكلام؛ فقال أحمدُ بن سنان: كان الوليدُ خالي، فلمَّا حضرته الوفاةُ قال لبنيه: هل تعلمون أحدًا أعلمَ مني بعلم الكلام؟ قالوا: لا، قال: فتتَّموني؟ قالوا: لا، قال: فأُوصيكم أَتقبلون مني؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحابُ الحديث، فإني رأيت الحقَّ معهم، ولست أعني الرؤساء، ولكن هؤلاء الممزّقين، ألم ترَ أحدَهم يأتي إلى الرئيس منهم فيخطِّئه ويهجِّنه! [وفيها توفِّي] يَسَرةُ بن صفوانَ ابن جميل أبو صفوانَ الدِّمشقي. أصلُه من البَلَاط قريةٍ بغوطة دمشق [كان يسكنها واثلةُ بن الأسقع. وحكى الحافظُ ابن عساكرٍ عن أبي زُرعةَ الدمشقيِّ أنَّه ذكره في "أهل الفتوى من أهل دمشق" (٣) قال: وقال الكلاباذي:] وُلد سنةَ عشرٍ ومئة، وأنشد له (٤): [من الكامل] ولَربَّما ابتسم الكريمُ من الأذى … وضميرُه من حرّه يتأوَّهُ ولربَّما خَزَنَ التَّقيُّ لسانَه … حَذَرَ الجوابِ وإنَّه لَمفوَّه و [اختلفوا في وفاته، فقال الكلاباذي:] مات في سنة عشرٍ ومئتين، [وقال أبو

стр. 6509

زُرْعة:] (١) سنة خمسَ عشرةَ ومئتين. أسند عن إبراهيمَ بن سعدٍ الزُّهريِّ [وهشيم بن بشير، وشريك بن عبد الله القاضي] وغيرِهم (٢)، وروى عنه [ابنهُ صفوانُ بن يَسَرة، ودُحَيم، و] أبو زُرْعَة الدمشقي [وأبو حاتِمٍ الرازي، في آخرين. قال الكلاباذي: وأخرج عنه البخاريُّ في تفسير سورة الحُجُرات، وغَزَاة أُحد، والتوحيد، ووفاةِ النبيِّ ﷺ ]. وكان صالحًا صدوقًا ثقة. * * *

стр. 6510

السنة السادسةَ عشْرةَ بعد المئتين فيها عاد المأمونُ من دمشقَ إلى بلاد الروم [واختلفوا في سبب عودِه إليها على قولَين: أحدهما أنَّه بلغه] أنَّ ملكَ الروم (١) قَتَلَ من أهل طَرَسوسَ ألفًا وستَّ مئة رجلٍ ومن أهل المَصِّيصة، فقطع المأمونُ الدربَ [وذلك] في [شهر] جُمادى الأولى، فلم يزل مقيمًا إلى نصف شعبان. والثاني (٢): أنَّ توفيل كتب إلى المأمون كتابًا بدأ فيه بنفسه، فعزَّ على المأمون ولم يقرأْه، وسار يقصده، فوافته رسلُ ملكِ الرُّوم بأَذَنَة، وبعث معهم بخمس مئةِ أسيرٍ من المسلمين، ونزل المأمونُ على الهِرَقْلة، فخرج إليه أهلُها على صُلح، وبعث أخاه أبا إسحاقَ [بن الرشيد] ففتح ثلاثين حصنًا، ووجَّه يحيى بنَ أكثمَ من طُوَانة، فقتل وسبى وعاد إلى العسكر، وعاد المأمونُ إلى الشام وجعل طريقَه على كَيسُوم (٣)، فأقام يومين [أو ثلاثة] (٤) ثمَّ سار إلى حلبَ وعاد إلى الشام. و [روى الحافظُ ابن عساكرٍ (٥) بإسناده إلى أبي القاسمِ العَبديِّ أنَّ] في هذه الغَزَاةِ (٦) وجد المأمونُ قصرًا عاديًّا مبنيًّا بالرُّخام الأبيض [ببلاد الروم وكأنَّ الصابغ قد خرج منه الآن، وعليه مِصراعان مردومان، عليهما كتابةٌ بالحِميَرية، فنُقل إلى العربية، وإذا هي: باسمك اللَّهم (٧): [من المنسرح] ما اختلف الليلُ والنهارُ ولا … دارت نجومُ السماءِ في فَلَكِ وقد ذكرنا الأبياتَ في ترجمة الأمينِ في السَّنة الثامنةِ والتسعين ومئة. فأمر بفتح

стр. 6511

المصراعَين، وإذا بقُبَّة من الرُّخام] مكتوبٌ عليها (١) بالحِمْيَرية: [من مجزوء الرجز] لَهْفي على مختلَسِ … في قبرِه محتَبَسِ قد عاش دهرًا مَلِكًا … منعَّمًا بالأُنْس لم ينتفعْ لمَّا أتى … بجنده والحَرَس وفي القُبَّة قبر، فأمر بفتحه، ففُتح، وإذا بميِّت على سريرٍ من الذهب، وعند رأسه لوحٌ من الذهب مكتوبٌ عليه بالحِمْيَرية: [من البسيط] الموتُ أَخرجني من دار مملكتي … فالتُّربُ مُضطَجَعي من بعد تَتْريفِ للهِ عبدٌ رأى قبري فأَحزنه … وخاف من دهره رَيبَ التصاريف أستغفرُ اللهَ من ذنبي ومن زَلَلي … وأسأل اللهَ عفوًا يوم توقيفي [وقيل: إنَّ هذا القصرَ وُجد باليمن، وإنَّ الميِّتَ هو تُبَّعٌ المؤمن. والله أعلم] (٢) وفيها وثب عبدُ القُدُّوس (٣) الفِهري بمصرَ وقتل عمَّال المعتصم، وذلك في شعبان، فسار المأمونُ إلى مصرَ في ذي الحِجَّة. وفيها قدم الأَفشينُ من بَرْقَة منصرفًا عنها، فأقام بمصر. وفيها كتب المأمونُ إلى إسحاقَ بن إبراهيمَ ببغداد [يأمره] أن يأخذَ الجندَ بالتكبير إذا صلَّوا الجُمُعة، وبعد الصَّلوات الخمسِ إذا قضَوا الصلواتِ أن يقوموا قيامًا ويكبِّروا ثلاثَ تكبيرات، ففعل ذلك في شهر رمضان [جانبَي بغداد] في جامع المنصورِ وجامع الرُّصافة [فكانوا يفعلون ذلك عقيبَ كلِّ صلاة] (٤) فقال الناس: هذه بدعةٌ ثانية. وفيها أباح المأمونُ المُتعةَ، فقال الناس: بدعةٌ ثالثة [وسنذكر القصَّة في ترجمة ابنِ أكثم] (٥).

стр. 6512

وفيها غضب المأمونُ على عليِّ بنِ هشام، وبعث إليه عُجيفًا وأحمدَ بن هشامٍ لقبض أموالِه وأسبابه. وفيها قدم غسانُ بن عبَّادٍ من السِّند وقد استأمن إليه بِشرُ بن داودَ المهلَّبي، وأصلح غسانٌ السِّند، واستعمل عليها عمرانَ بن موسى البرمكي، فقال شاعرٌ من الشعراء: سيفُ غسان رونقُ الحزمِ فيهِ … وسهامُ الحتوفِ في ظُبَتَيهِ فإذا جرَّه (١) إلى بلد السِّنـ … ـــدِ فأَلقى المقادَ بِشرٌ لديه ظالمًا لا يعود ما حجَّ لله … مصلٍّ وما رمى جَمْرتَيه غادرًا يخلع الملوكَ (٢) ويقتا … دُجنودًا تأوي إلى ذِرْوَتَيه ثمَّ لحق غسانٌ بالمأمون. و [اختلفوا فيمن] حجَّ بالناس [على قولين: أحدهما]: سليمانُ بن عبدِ الله بن سليمانَ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباس. [الثاني:] (٣) عبدُ الله بن عُبيد اللهِ بن العباس بن محمَّد بن عليِّ بن عبد اللهِ بن عباس، وكان المأمونُ قد ولَّاه اليمن [وجعل إليه ولايةَ كلِّ بلدٍ يدخله حتى يصلَ إلى اليمن] فخرج من دمشقَ فوصل إلى بغداد، فصلَّى بالناس يومَ الفطر، ثمَّ شخص إلى الحجِّ يومَ الاثنين لليلةٍ خَلَتْ من ذي القَعدة، فأقام الحجَّ للناس. وفيها توفِّي إسماعيلُ بن جعفر ابن سليمانَ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباس، أبو الحسن. كان من رِجالات بني هاشمٍ وأفاضلِهم، طُوالًا مَهيبًا، جَوَادًا، محترمًا بين أهلِه، ذا مروءةٍ ظاهرة، عاقلًا، لم يلِ له ولاية (٤)، ولم يدخلْ في أمرٍ من أمور الدنيا.

стр. 6513

وكانت وفاتُه ببغدادَ والمأمونُ في بلاد الروم، فصلَّى عليه إسحاقُ بن إبراهيم، ودُفن بمقابر قريش، وروى عن أبيه وجدِّه (١). [وفيها توفِّيت] زُبيدةُ أَمَةُ العَزيز بنتُ جعفرِ بن أبي جعفرٍ المنصور وتُكنى أمَّ جعفر. وُلدت في زمن المنصور [وكان يرقّصها ويقول: أنت زُبدة وزُبَيدة، فغلب ذلك الاسمُ عليها، وقد ذكرناها] وهي زوجةُ الرشيد وأمُّ الأَمين. وكان هارونُ قد شكا لعبد اللهِ بن مصعبٍ الزُّبيري أن زبيدة لا تَحمل [منه]، فقال [له]: أَغِرها؛ فإنَّ إبراهيمَ الخليلَ ﵇ كانت عنده سارةُ فلم تَحملْ منه، فحملت هاجرَ، فغارت سارةُ فحملت بإسحاق، فأَغار هارونُ زبيدةَ بمَرَاجل، فولدت زبيدةُ الأمين، وولدت مراجلُ المأمونَ في سنةٍ واحدة. [قلت: وقد أخطأَ الزُّبيريّ؛ فإنَّ حَمْلَ سارةَ ما كان باعتبار الغَيرة، وقد ذكرناه في صَدر الكتاب. ذكرُ طَرَفٍ من أخبارها: قال علماءُ السِّيَر:] (٢) كانت زُبيدةُ صاحبةَ المعروفِ والصَّدقات، وأبوابِ البرِّ على الفقراء والعلماءِ والمساكين وأَربابِ البيوت، ولها الآثارُ الجميلة بأرض الحجازِ ومكَّةَ والمدينة، وحفر الآبارِ والمصانع، وإنفاق الأموالِ الجزيلة في أهل الحَرَمين، وأُحصي ما أنفقت في الحجاز فكان ألفَي ألفِ دينار، وبلغت نفقتُها في حَجَّتها ألفَ ألفِ دينار. [وروى الخطيبُ (٣) عن] إسماعيلَ بن جعفرِ بن سليمانَ قال (٤): حجَّت أمُّ جعفرٍ

стр. 6514

فبلغت نفقتُها في ستِّين يومًا أربعةً وخمسين ألفَ ألفِ درهم، فرفع إليها وكيلُها (١) حسابَ النفقة، فنهته عن ذلك وقالت: ثوابُ اللهِ بغير حساب. وحبس وكيلُها رجلًا كان ينظر في ضِياعها، قد أَخذ من مُغَلِّها مئتَي ألفِ درهم، فشفع فيه الفيضُ بن أبي صالح، فلم تشفِّعْه وقالت: لا بدَّ من المال، وكان الفيضُ قد أتى إلى بابها، فلما مَنعتْ، أخذ الدَّواة وكتب إلى وكيله يحمل ما على الرَّجل إلى ديوانه (٢)، وكتب إليها صاحبُ الخبرِ بذلك، فقالت: نحن أَوْلى من الفيض بهذه المَكْرُمة، أَطلِقوا له الرَّجل، ولم تأخذْ منه شيئًا. [وقد ذكرنا اجتماعَ المأمونِ بزبيدةَ وما جرى له معها لمَّا دخل بغداد] (٣). و [قال الصُّولي:] دخل المأمونُ يومًا على أمِّ جعفرٍ وعلى رأسها جاريةٌ من جواري الأمينِ مُغنِّية، فعرفها [المأمون] فقال: غنِّي، فقالت: أَبعدَ مولاي! فأشارت إليها زُبيدة: غنِّي، فغنَّت: [من الطويل] همُ قتلوه كي يكونوا مكانَه … كما غدرتْ يومًا بِكسرى مَرَازِبُهْ فإلَّا تكونوا قاتِلِيه فإنَّه … سواءٌ عليه ما سِكُوه وضارِبُهْ فتغيَّر وجهُ المأمون، فقالت زُبيدة: واللهِ ما علمتُ ما في ضميرها، فصدَّقها، وعجب من هذا الاتِّفاق، فتطيَّر وأَيقن بالموت وقُربِ الأجل، فخرج إلى بلاد الرومِ ولم يعُدْ إلى بغداد. [وهذا الشِّعر للوليد بن عُقبة في عثمان ﵁، وقد ذكرناه فيما تقدَّم، إلَّا أنَّ فيه زيادةً ذكرها الصُّولي، وهي أنَّ المأمون لم يَعُدْ إلى بغداد] (٤). وكانت وفاة زبيدة في جمادى الأولى هذه السنة، ودفنت بمقابر قريش.

стр. 6515

[وروى الخطيبُ (١) عن] عبد الله بن المبارك الزَّمِنِ قال (٢): رأيتُ زبيدةَ في المنام وفي وجهها صُفْرة، فقلت: ما فعل اللهُ بكِ؟ قالت: غفر لي في أوَّل مِعْوَلٍ ضُرب بطريق مكَّة، قلت فما هذه الصُّفرةُ في وجهك؟ قالت: دُفن بين أَظهُونا رجلٌ يقال له: بِشْرٌ المَرِيسي، زفرت عليه جهنمُ زفرةً فاقشعرَّ لها جِلدي [أو جسدي]، فهذه الصُّفرةُ من تلك الزَّفرة، [وفي رواية: فرأيتُ في وجهها سُفْعة] (٣)، وأصاب مَن حولي من ذلك. وقال القاضي التَّنوخي: إنَّ زبيدةَ لمَّا ماتت رُئيت في المنام، فقيل لها: ما فعل اللهُ بك؟ قالت: غفر لي، قيل: بحفرك الآبارَ والمصانع وفعلِك بطريق مكَّة ما فعلت؟ قالت: لا، تلك أموالٌ كانت مغصوبة، رجع ثوابُها إلى أَربابها. قيل: فبماذا؟ قالت: جلستُ يومًا وبين يديَّ جواريّ، فأخذن العيدانَ وشرعنَ يغنِّين، وإذا بصوت المؤذِّن، فقلت: ضعْن عيدانكنّ، وقلنَ كما قال المؤذِّن، فلما متُّ أَوقفني الحقُّ بين يديه وقال: يا ملائكتي، هذه زبيدةُ التي ذكرتْني في وقت لذَّتِها، أُشهدكم أنِّي قد غفرتُ لها. [انتهت ترجمة زبيدة، والحمد لله. فصل: وفيها توفِّي محمدُ بن بكَّار ابنِ بلال أبو عبدِ الله، قاضى دمشق. ذكره أبو زُرعةَ الدمشقيُّ في "أهل الفتوى بدمشق" وأَثنى عليه. قال: (٤) وشهدت جنازتَه عند منصرِفه من الحجِّ في المحرَّم سنةَ ستَّ عشرةَ ومئتين. وكان ثقةً صدوقًا، أخذ عن اللَّيث بنِ سعد وغيره، وروى عنه ابناه هارونُ والحسن، وابنُ ابنه أبو عليٍّ الحسنُ [بن أحمدَ] (٥) بن محمَّد بن بكار، وأحمدُ بن أبي الحَوَاري، وأبو زُرعةَ الدمشقي، وأبو حاتِمٍ الرازي، وغيرُهم.
следующие страницы →