المصراعَين، وإذا بقُبَّة من الرُّخام] مكتوبٌ عليها (١) بالحِمْيَرية: [من مجزوء الرجز]
لَهْفي على مختلَسِ … في قبرِه محتَبَسِ
قد عاش دهرًا مَلِكًا … منعَّمًا بالأُنْس
لم ينتفعْ لمَّا أتى … بجنده والحَرَس
وفي القُبَّة قبر، فأمر بفتحه، ففُتح، وإذا بميِّت على سريرٍ من الذهب، وعند رأسه لوحٌ من الذهب مكتوبٌ عليه بالحِمْيَرية: [من البسيط]
الموتُ أَخرجني من دار مملكتي … فالتُّربُ مُضطَجَعي من بعد تَتْريفِ
للهِ عبدٌ رأى قبري فأَحزنه … وخاف من دهره رَيبَ التصاريف
أستغفرُ اللهَ من ذنبي ومن زَلَلي … وأسأل اللهَ عفوًا يوم توقيفي
[وقيل: إنَّ هذا القصرَ وُجد باليمن، وإنَّ الميِّتَ هو تُبَّعٌ المؤمن. والله أعلم] (٢)
وفيها وثب عبدُ القُدُّوس (٣) الفِهري بمصرَ وقتل عمَّال المعتصم، وذلك في شعبان، فسار المأمونُ إلى مصرَ في ذي الحِجَّة.
وفيها قدم الأَفشينُ من بَرْقَة منصرفًا عنها، فأقام بمصر.
وفيها كتب المأمونُ إلى إسحاقَ بن إبراهيمَ ببغداد [يأمره] أن يأخذَ الجندَ بالتكبير إذا صلَّوا الجُمُعة، وبعد الصَّلوات الخمسِ إذا قضَوا الصلواتِ أن يقوموا قيامًا ويكبِّروا ثلاثَ تكبيرات، ففعل ذلك في شهر رمضان [جانبَي بغداد] في جامع المنصورِ وجامع الرُّصافة [فكانوا يفعلون ذلك عقيبَ كلِّ صلاة] (٤) فقال الناس: هذه بدعةٌ ثانية.
وفيها أباح المأمونُ المُتعةَ، فقال الناس: بدعةٌ ثالثة [وسنذكر القصَّة في ترجمة ابنِ أكثم] (٥).
стр. 6512
وفيها غضب المأمونُ على عليِّ بنِ هشام، وبعث إليه عُجيفًا وأحمدَ بن هشامٍ لقبض أموالِه وأسبابه.
وفيها قدم غسانُ بن عبَّادٍ من السِّند وقد استأمن إليه بِشرُ بن داودَ المهلَّبي، وأصلح غسانٌ السِّند، واستعمل عليها عمرانَ بن موسى البرمكي، فقال شاعرٌ من الشعراء:
سيفُ غسان رونقُ الحزمِ فيهِ … وسهامُ الحتوفِ في ظُبَتَيهِ
فإذا جرَّه (١) إلى بلد السِّنـ … ـــدِ فأَلقى المقادَ بِشرٌ لديه
ظالمًا لا يعود ما حجَّ لله … مصلٍّ وما رمى جَمْرتَيه
غادرًا يخلع الملوكَ (٢) ويقتا … دُجنودًا تأوي إلى ذِرْوَتَيه
ثمَّ لحق غسانٌ بالمأمون.
و [اختلفوا فيمن] حجَّ بالناس [على قولين: أحدهما]: سليمانُ بن عبدِ الله بن سليمانَ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباس. [الثاني:] (٣) عبدُ الله بن عُبيد اللهِ بن العباس بن محمَّد بن عليِّ بن عبد اللهِ بن عباس، وكان المأمونُ قد ولَّاه اليمن [وجعل إليه ولايةَ كلِّ بلدٍ يدخله حتى يصلَ إلى اليمن] فخرج من دمشقَ فوصل إلى بغداد، فصلَّى بالناس يومَ الفطر، ثمَّ شخص إلى الحجِّ يومَ الاثنين لليلةٍ خَلَتْ من ذي القَعدة، فأقام الحجَّ للناس.
وفيها توفِّي
إسماعيلُ بن جعفر
ابن سليمانَ بن عليِّ بن عبدِ الله بن عباس، أبو الحسن.
كان من رِجالات بني هاشمٍ وأفاضلِهم، طُوالًا مَهيبًا، جَوَادًا، محترمًا بين أهلِه، ذا مروءةٍ ظاهرة، عاقلًا، لم يلِ له ولاية (٤)، ولم يدخلْ في أمرٍ من أمور الدنيا.
стр. 6513
وكانت وفاتُه ببغدادَ والمأمونُ في بلاد الروم، فصلَّى عليه إسحاقُ بن إبراهيم، ودُفن بمقابر قريش، وروى عن أبيه وجدِّه (١).
[وفيها توفِّيت]
زُبيدةُ
أَمَةُ العَزيز بنتُ جعفرِ بن أبي جعفرٍ المنصور وتُكنى أمَّ جعفر.
وُلدت في زمن المنصور [وكان يرقّصها ويقول: أنت زُبدة وزُبَيدة، فغلب ذلك الاسمُ عليها، وقد ذكرناها] وهي زوجةُ الرشيد وأمُّ الأَمين.
وكان هارونُ قد شكا لعبد اللهِ بن مصعبٍ الزُّبيري أن زبيدة لا تَحمل [منه]، فقال [له]: أَغِرها؛ فإنَّ إبراهيمَ الخليلَ ﵇ كانت عنده سارةُ فلم تَحملْ منه، فحملت هاجرَ، فغارت سارةُ فحملت بإسحاق، فأَغار هارونُ زبيدةَ بمَرَاجل، فولدت زبيدةُ الأمين، وولدت مراجلُ المأمونَ في سنةٍ واحدة.
[قلت: وقد أخطأَ الزُّبيريّ؛ فإنَّ حَمْلَ سارةَ ما كان باعتبار الغَيرة، وقد ذكرناه في صَدر الكتاب.
ذكرُ طَرَفٍ من أخبارها:
قال علماءُ السِّيَر:] (٢) كانت زُبيدةُ صاحبةَ المعروفِ والصَّدقات، وأبوابِ البرِّ على الفقراء والعلماءِ والمساكين وأَربابِ البيوت، ولها الآثارُ الجميلة بأرض الحجازِ ومكَّةَ والمدينة، وحفر الآبارِ والمصانع، وإنفاق الأموالِ الجزيلة في أهل الحَرَمين، وأُحصي ما أنفقت في الحجاز فكان ألفَي ألفِ دينار، وبلغت نفقتُها في حَجَّتها ألفَ ألفِ دينار.
[وروى الخطيبُ (٣) عن] إسماعيلَ بن جعفرِ بن سليمانَ قال (٤): حجَّت أمُّ جعفرٍ
стр. 6514
فبلغت نفقتُها في ستِّين يومًا أربعةً وخمسين ألفَ ألفِ درهم، فرفع إليها وكيلُها (١) حسابَ النفقة، فنهته عن ذلك وقالت: ثوابُ اللهِ بغير حساب.
وحبس وكيلُها رجلًا كان ينظر في ضِياعها، قد أَخذ من مُغَلِّها مئتَي ألفِ درهم، فشفع فيه الفيضُ بن أبي صالح، فلم تشفِّعْه وقالت: لا بدَّ من المال، وكان الفيضُ قد أتى إلى بابها، فلما مَنعتْ، أخذ الدَّواة وكتب إلى وكيله يحمل ما على الرَّجل إلى ديوانه (٢)، وكتب إليها صاحبُ الخبرِ بذلك، فقالت: نحن أَوْلى من الفيض بهذه المَكْرُمة، أَطلِقوا له الرَّجل، ولم تأخذْ منه شيئًا.
[وقد ذكرنا اجتماعَ المأمونِ بزبيدةَ وما جرى له معها لمَّا دخل بغداد] (٣).
و [قال الصُّولي:] دخل المأمونُ يومًا على أمِّ جعفرٍ وعلى رأسها جاريةٌ من جواري الأمينِ مُغنِّية، فعرفها [المأمون] فقال: غنِّي، فقالت: أَبعدَ مولاي! فأشارت إليها زُبيدة: غنِّي، فغنَّت: [من الطويل]
همُ قتلوه كي يكونوا مكانَه … كما غدرتْ يومًا بِكسرى مَرَازِبُهْ
فإلَّا تكونوا قاتِلِيه فإنَّه … سواءٌ عليه ما سِكُوه وضارِبُهْ
فتغيَّر وجهُ المأمون، فقالت زُبيدة: واللهِ ما علمتُ ما في ضميرها، فصدَّقها، وعجب من هذا الاتِّفاق، فتطيَّر وأَيقن بالموت وقُربِ الأجل، فخرج إلى بلاد الرومِ ولم يعُدْ إلى بغداد.
[وهذا الشِّعر للوليد بن عُقبة في عثمان ﵁، وقد ذكرناه فيما تقدَّم، إلَّا أنَّ فيه زيادةً ذكرها الصُّولي، وهي أنَّ المأمون لم يَعُدْ إلى بغداد] (٤).
وكانت وفاة زبيدة في جمادى الأولى هذه السنة، ودفنت بمقابر قريش.
стр. 6515
[وروى الخطيبُ (١) عن] عبد الله بن المبارك الزَّمِنِ قال (٢): رأيتُ زبيدةَ في المنام وفي وجهها صُفْرة، فقلت: ما فعل اللهُ بكِ؟ قالت: غفر لي في أوَّل مِعْوَلٍ ضُرب بطريق مكَّة، قلت فما هذه الصُّفرةُ في وجهك؟ قالت: دُفن بين أَظهُونا رجلٌ يقال له: بِشْرٌ المَرِيسي، زفرت عليه جهنمُ زفرةً فاقشعرَّ لها جِلدي [أو جسدي]، فهذه الصُّفرةُ من تلك الزَّفرة، [وفي رواية: فرأيتُ في وجهها سُفْعة] (٣)، وأصاب مَن حولي من ذلك.
وقال القاضي التَّنوخي: إنَّ زبيدةَ لمَّا ماتت رُئيت في المنام، فقيل لها: ما فعل اللهُ بك؟ قالت: غفر لي، قيل: بحفرك الآبارَ والمصانع وفعلِك بطريق مكَّة ما فعلت؟ قالت: لا، تلك أموالٌ كانت مغصوبة، رجع ثوابُها إلى أَربابها. قيل: فبماذا؟ قالت: جلستُ يومًا وبين يديَّ جواريّ، فأخذن العيدانَ وشرعنَ يغنِّين، وإذا بصوت المؤذِّن، فقلت: ضعْن عيدانكنّ، وقلنَ كما قال المؤذِّن، فلما متُّ أَوقفني الحقُّ بين يديه وقال: يا ملائكتي، هذه زبيدةُ التي ذكرتْني في وقت لذَّتِها، أُشهدكم أنِّي قد غفرتُ لها.
[انتهت ترجمة زبيدة، والحمد لله.
فصل: وفيها توفِّي
محمدُ بن بكَّار
ابنِ بلال أبو عبدِ الله، قاضى دمشق. ذكره أبو زُرعةَ الدمشقيُّ في "أهل الفتوى بدمشق" وأَثنى عليه. قال: (٤) وشهدت جنازتَه عند منصرِفه من الحجِّ في المحرَّم سنةَ ستَّ عشرةَ ومئتين.
وكان ثقةً صدوقًا، أخذ عن اللَّيث بنِ سعد وغيره، وروى عنه ابناه هارونُ والحسن، وابنُ ابنه أبو عليٍّ الحسنُ [بن أحمدَ] (٥) بن محمَّد بن بكار، وأحمدُ بن أبي الحَوَاري، وأبو زُرعةَ الدمشقي، وأبو حاتِمٍ الرازي، وغيرُهم.
стр. 6516
ومات وهو ابن أربعٍ وسبعين].
محمدُ بن عبَّاد
[ابنِ عبَّاد] (١) بن حَبيب بن المهلَّب بن أبي صُفْرةَ ظالمِ بن سرَّاق. ولي إِمرةَ البصرة والصلاةَ بها، وكان جَوادًا ممدَّحًا.
قدم على المأمون، فقال له: يا محمَّد، لقد أردتُ أن أولِّيَك، فمنعني إسرافُك في المال، فقال: يا أميرَ المؤمنين، مَنْعُ الموجودِ سوءُ ظنٍّ (٢) بالمعبود. فقال له المأمون: لو شئتَ أبقيتَ على نفسك؛ فإنَّ الذي تنفقه بعيدُ الرجوع، فقال محمَّد: مَن له مولَى غنيٌّ لا يفتقر. فاستحسن ذلك منه، وقال للناس: مَن أراد أن يُكرِمَني فلْيكرمْ ضيفي محمدَ بن عباد، فجاءت الأموالُ من كلِّ ناحية، فما برح وعنده منها درهمٌ واحد، وقال: إنَّ الكريمَ [لا] (٣) تحنِّكه التجارب.
ووصله المأمونُ بستَّة آلافِ ألف درهم، ومات وعليه خمسون ألفَ دينار.
وقال له المأمون: يا محمَّد، بلغني أنَّه لا يَقدَم أحدٌ البصرةَ إلَّا دخل دارَ ضيافتِك قبل أن ينصرفَ في حاجاته، فكيف تَسَعُ لهذا!
وكتب إليه منصورُ بن المَهديِّ يسأله دَينًا عليه، فبعث إليه بعشرة آلافِ دينار.
وقال له المأمون: ما أكثرَ الطاعنين في آل المهلَّب! فقال: [من البسيط]
إنَّ العرانينَ (٤) تلقاها مُحسَّدةً … ولا ترى لِلِئامِ الناسِ حُسَّادا
وهذا البيتُ لعُمرَ بنِ لجأَ (٥) في يزيدَ بنِ المهلَّب من أبيات، منها:
стр. 6517
آلُ المهلَّب قومٌ إنْ نسبتَهمُ … كانوا الأكارمَ (١) آباءً وأجدادا
كم حاسدٍ لهمُ يَعْيَا (٢) لفضلهمُ … ولا دنا من مساعيهمْ ولا كادا
وقال إبراهيمُ بن عبدِ الرحمن: لمَّا احتضر محمدُ بن عبَّاد، دخل عليه نفرٌ من قومه كانوا يحسُدونه، فلمَّا خرجوا قال متمثِّلًا: [من الطويل]
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ فإنْ أَمُت … فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأَوحدِ
فما عيشُ مَن يبقى خلافي بضائري … ولا موتُ مَن يَمضي أمامي بمُخْلِدي (٣)
فقل (٤) للذي يبقى خلافَ الذي مضى … تهيَّأ لأُخرى مِثلها فكأنْ قدِ
وكانت وفاتُه بالبصرة. وقيل: للعُتْبي: مات محمدُ بن عبَّاد، فقال: [من مجزوء الخفيف]
نحن متْنا بفَقْدِهِ … وهو حيٌّ بمجْدِهِ
قدم محمدٌ بغداد، وحدَّث بها عن أبيه وعن صالح المُرِّي وهُشَيم، وروى عنه إبراهيمُ الحَرْبي والكُدَيمي وأبو العَيناءِ وغيرُهم.
* * *
стр. 6518
السنةُ السابعةَ عشْرةَ بعد المئتين
فيها ورد المأمونُ مصرَ في المحرَّم، فأُتي بعبدوس الفِهري، فضرب عُنقَه وعاد إلى دمشق.
وفيها قتل المأمونُ عليًّا وحُسينًا ابنَي هشامٍ بأَذَنَةَ في جُمادى الأولى.
وفيها دخل المأمونُ أرضَ الروم، فنزل على لؤلؤة، فأقام عليها ثلاثةَ أشهرٍ وعشرةَ أيام، ورحل عنها وخلَّف عليها عُجَيفًا، فخدعه أهلُها وأَسَروه، فأقام في أيديهم ثمانيةَ أيام، ثمَّ أَطلقوه، وسار توفيل ملكُ الرومِ إلى لؤلؤة، فأحاط بعُجَيف، وبلغ المأمونَ، فصرف الجنودَ إليه، فارتحل قبل موافاتهم، ورجع أهلُ لؤلؤةَ إلى عُجَيف بأمان.
وفيها كتب توفيل ملكُ الرومِ إلى عبد اللهِ ملكِ المسلمين: أما بعد، فإنَّ اجتماع المختلفَين على حظِّهما أَولى بهما من الدأْب فيما يعود بالضَّرر عليهما، ولستَ حَرِيًّا أن تدعَ لحظٍّ يصل إلى غيرك حظًّا تجرُّه إلى نفسك، وفي علمك كافٍ عن إخبارك، وقد كتبتُ إليك داعيًا إلى المسالمة، راغبًا في فضيلة المهادَنة، لنضعَ أوزارَ الحرب عنَّا، وتكونَ الموادعة، وتتصلَ بيننا المرافقُ بأمن السُّبل، فإن أجبتَ حصل المراد، وإن أبيتَ خضت إليك همًّا وغمًّا، وملأت بلادَك بخَيل الروم ورَجِلها، وقدَّمتُ المعذرةَ إليك، وأقمت الحجَّةَ عليك، والسلام.
وبعث بالكتاب مع وزيرٍ يقال له: الصقيل (١)، فلما قرأه المأمونُ استشاط غضبًا، وكتب إليه:
من عبد اللهِ المأمونِ أميرِ المؤمنين إلى كُليب الروم، أما بعد: فقد بلغني كتابُك فيما سألتَ من الهُدنة، ودعوتَ إليه من الموادعة، وخلطتَ فيه من اللِّينَ بالشدَّة. . . وذكر كلامًا في هذا المعنى، وقال في آخره: وأنا أدعوك للمِلَّة الحنيفية، والشريعةِ الإِسلامية، أو جزيةٍ تَحقن بها دمَك، فإن أَبيت، ففي المعاينة ما يُغني عن الإغراق في
стр. 6519
الصِّفة، ولا ينال عهدي الظالمين.
ثمَّ تقدَّم فنزل على سَلَغُوس، وعزم يُنيخ على خليج القُسْطنطينية، فخاف هجوم الشتاء.
وفيها وقع حريقٌ بالبصرة، فأَتى على أكثرها، فصاح رجل: قد علمتم أنَّ لي في نهر كذا وكذا كذا وكذا جَرِيبًا، فمن خلَّص ابنتي أخذ منها عشرة، قبلَّ رجلٌ كساءَه ودخل النار، وغاب ساعةً ثمَّ خرج ومعه بنتُ الرَّجل، فوقع مغشيًّا عليه من حرِّ النار، فلمَّا أفاق قال له أبوها: اذهب فخذْ ما شئت، فقال: لا واللهِ لا آخذ شيئًا، قال: ولم؟ قال: لو دخلتُ النارَ على طمعٍ لَمَا خَلَصتُ لا أنا ولا هي، ما دخلتها إلَّا على غير طمع، بل لله تعالى. ولم يأخذْ منه شيئًا.
وحجَّ بالناس سليمانُ بن عبدِ الله بن سليمانَ بن عليّ.
وفيها توفِّي
عليُّ بن هشامِ بن فَرَّخُسْرو (١)
أبو الحسن، القائدُ المَرْوَزي. أحد قوَّاد المأمونِ وندمائه، وكان قريبًا منه، فرُفع إلى المأمون سوءُ سيرته في رعيَّته، وكان قد ولّاه كُوَر الجبال، فقتل الرِّجال وأخذ الأموال، فوجَّه إليه المأمونُ عُجَيفَ بن عَنْبسة، فأراد أن يفتكَ به ويلحقَ ببابَك الخُرَّمي، فظفر به عُجيفٌ وقدم به على المأمون، فأمر بضرب عُنقِه، فقتله عليُّ بن الخليل ابنُ أخيه، وأمر بضرب عُنقِ أخيه الحسينِ (٢) محمدَ بنَ يوسف ابنَ أخيه، فقتله، وذلك يومَ الأربعاء، بأَذَنَة، في جُمادى الأولى.
وبعث المأمونُ برأس عليِّ إلى بغدادَ وخُراسانَ والجزيرةِ والشام ومصر، وطيف به، وأُلقي في البحر. وكتب المأمونُ على الرأس رُقعة، وفيها:
стр. 6520
أما بعد، فإنَّ أميرَ المؤمنين دعا عليَّ بن هشامٍ فيمن كان دعا أيامَ المخلوعِ (١) من أهل خُراسانَ إلى معاونته، فأجاب، فرعى له ذلك، وولَّاه الأعمال السَّنيَّة، ووصله بالصّلات الجزيلة، فبلغت أكثرَ من خمسين ألفَ ألفِ درهم، فمدَّ يده إلى الخيانة، والتضييعِ لما استرعاه من الأمانة، فباعده عنه وأَقصاه، ثمَّ استقال أميرَ المؤمنين، فأَقاله عَثْرتَه، وولَّاه الجبال وإِرْمِينيَةَ وأَذْرَبيجان، ومحاربةَ أعداءِ الله الخُرَّميَّة، على ألا يعودَ إلى ما كان، فأَساء السِّيرة، وعَسَفَ الرَّعية، وسفك الدماءَ المحرَّمة، فوجَّه أميرُ المؤمنين عُجيفَ بن عنبسةَ مباشرًا لأمره، وداعيًا إلى تلافي ما كان منه، فوثب بعجيفٍ يريد قتلَه، فظفر به عجيفٌ ودفعه عن نفسه، ولو تمَّ ما أراد [لَكان في ذلك ما لا يُستدرك ولا يستقال، ولكنَّ الله إذا أرادَ] (٢) أمرًا كان مفعولًا، فلما أَمضى أميرُ المؤمنين من حكم اللهِ في عليِّ بن هشام، رأى ألا يؤاخذَ مَن خلفه بذنبه، وأَجرى على مَن ترك من ولده وعيالِه ومَن اتصل بهم في حال حياتِه ما كان جاريًا عليهم بعد مماتِه، والسلام.
وكان عليُّ بن هشامٍ فاضلًا شاعرًا، وكان المأمونُ يزوره في بيته، ومن شِعره: [من البسيط]
يا موقِدَ النارِ يُذْكيها فيُخمدُها … قُرُّ الشتاءِ بأرياحٍ وأمطارِ
قم فاصطلِ من فؤادي النار مُضْرَمَةً (٣) … بالشوق تَغْنَ بها يا موقدَ النار
ويا أخا الذّودِ قد طال الظَّماءُ بها … ما تعرف الرِّيَّ من جَدْبٍ وإِقتار
رُدَّ العِطاش على عيني ومَحْجِرِها … تُروَ العِطاشُ بدمعٍ واكفٍ جاري
إنْ غاب شخصُك عن عيني فلم تره … فإنَّ ذِكرَك مقرونٌ بإضماري
ومرَّت جاريةٌ له بعد قتلِه على قصره، فبكت وقالت: [من السريع]
يا مَنْزلًا لم تَبْلَ أطلالُهُ … حاشا لأطلالك أن تَبلَى
стр. 6521
لم أَبْكِ أطلالكَ لكنَّني … بكيتُ عيشًا فيك إذ ولَّى
قد كان لي فيك هوىً مرَّةً … غيَّبه التُّربُ وما مُلَّا
والعيشُ أَوْلى ما بكاه الفتى … لا بدَّ للمحزون أن يَسْلَى (١)
واسمُ هذه الجاريةِ مُراد، وكانت شاعرةً فصيحةً رئيسة، فقالت: [من المجتث]
هل مُسْعِدٌ لبكائي … بعَبرةٍ (٢) أو دماءِ
وذاك منِّي قليلٌ … لسيِّد النُّجبَاء
أبكيتهمْ (٣) في صباحي … بلَوعتي ومسائي
[وفيها توفِّي]
عَمرُو بن مَسعدةَ
ابنِ سعيد بن صُوْل أبو الفضل الصُّولي. أحدُ كتَّاب المأمون وخاصَّتِه.
[وقال الخطيب:] (٤) كان له ببغدادَ فوق الجسرِ ساباطٌ يُعرف به، وكان جوادًا ممدَّحًا فاضلًا رئيسًا نبيلًا جليلًا، ذا مروءةٍ ظاهرةٍ، وفيه يقول الشاعر (٥): [من الطويل]
لَشتَّانَ بين المدَّعين وزارةً … وبين الوزيرِ الحقِّ عَمرِو بن مَسعَدهْ
فهمُّهمُ في الناس أن يَجبَهوهمُ … وهمُّ أبي الفضلِ اصطناعٌ ومَحمدَه
قال عَمرو بن مَسعدة: كنت مُصعدًا من واسط إلى بغدادَ في حرٍّ شديد، فبينا أنا في الزلَّال (٦)، إذا برجلٍ ينادي: يا صاحبَ الزلَّال، بنعمة اللهِ عليك إلَّا نظرتَ إليّ،
стр. 6522
فكشفتُ [سَجْفَ] (١) الزلَّالِ، وإذا بشيخٍ ضعيفٍ حاسر، فقال: قد ترى ما أنا فيه، ولستُ أجد من يحملني، فابتغِ الأجرَ فيَّ، فأدركتني له رِقَّة، وأمرتُ بحمله، وكسوته ثوبًا ونقدًا معي، فقلت: حدِّثني حديثَك. فقال: حديثي طويل:
أنا رجلٌ كانت لله عليَّ نعمة، وكنت صَيرفيًّا، فابتعتُ جاريةً بخمس مئةِ دينار، فشُغفتُ بها، وكنت لا أقدر أن أُفارقَها ساعة، فتعطَّل مكسبي، وأنفقتُ رأسَ المال، ولم يبقَ لي قليلٌ ولا كثير، وحَمَلَت الجارية، فأقبلتُ أَنقض داري وأبيع الأنقاضَ حتى فرغت من ذلك، ولم يبقَ لي حيلة، فأَخذها الطَّلْق، فقالت: إنني أموت، فاحتلْ في دقيقٍ وعسل وشَيْرَج (٢) وحاجتي، قال: فبكيت، وخرجتُ على وجهي وجئت إلى دِجلة، وهممتُ أن أُغرق نفسي فيها، فخفتُ من الله ، فخرجت على وجهي في البرِّيَّة من قريةٍ إلى قرية، حتى بلغت خُراسان، فصادفتُ مَن عرفني، واكتسبتُ مالًا عظيمًا، وكتبتُ إلى بغدادَ كتبًا كثيرةً نحو ستِّين كتابًا، إلى الجارية، فلم يَصِلني جواب، فلم أشكَّ إلا أنَّها ماتت.
وتراخت فيَّ الأيامُ والسِّنون، وحصل معي ما قيمتُه عشرون ألفَ دينار، فقلت: أَعود إلى وطني، فاشتريتُ متاعًا من خُراسانَ وخرجت، فقطع عليَّ اللصوصُ الطريق، فأخذوا ما معي وما كان في القافلة، وعُدْتُ فقيرًا كما خرجتُ من بغداد، ولي منذ فارقت بغدادَ ثمانيةٌ وعشرون سنة.
قال عَمرو: فقلت: إذا صرتَ إلى بغدادَ فَصِرْ إليَّ حتى أُصرِّفَك فيما يصلح لمثلك، ووهبتُ له دراهم، ودخلنا بغداد، ومضت مدَّةٌ ونسيته، فبينا أنا يومًا في موكبي أريد دارَ الخلافة، وإذا بالشيخ راكبًا على بغلٍ بمركب ثقيلٍ وعليه ثيابٌ رفيعة، وبين يديه غلامٌ أسودُ وهو واقفٌ على بابي، فسلَّم علي، فرحَّبتُ به وقلت: ما الخبر؟ قال: حديثي طويل، فقلت: عُدْ غدًا إليّ، فلما كان من الغد جاءني، فقلت: قد سُرِرت بحالك فحدِّثْني.
стр. 6523
قال: لمَّا صعدتُ من زَلَّالك قصدت داري، فرأيت حائطَها كما تركته، إلا أنَّ الباب قد غُيِّر بباب مَجلوٍّ نظيف، وعليه بوَّاب، فقلت: إنَّا لله، ماتت جاريتي وملك الدارَ بعضُ الجيران فباعها على رجلٍ من أصحاب السلطان، ثمَّ تقدَّمتُ إلى دكَّان بقَّالٍ كنت أعرفه في المحلَّة، وإذا فيها غلامٌ حَدَث، فقلت: مَن تكون من فلانٍ البقَّال؟ فقال: ابنُه، قلت: ومتى مات أبوك؟ قال: منذ عشرين سنة، قلت: ولمن هذه الدار؟ قال: لابن دايةِ أمير المؤمنين، وهو الآن جِهْبِذُه (١) وصاحبُ بيت ماله، قلت: فبمن يُعرف؟ قال: بابن فلانٍ الصَّيرفي، فذكر اسمي، قلت: فهل يعيش أبوه؟ فقال: كان رجلًا جليلًا فافتقر، وإنَّ أمَّ هذا الصبيِّ ضربها الطَّلق، فخرج أبوه يطلب لها شيئًا، ففُقد وهلك. قال لي أبي: فجاءني رسولُ هذه المرأةِ يستغيث بي، فقمت لها بحوائج الولادة، ودفعت إليها عشرةَ دراهم، فأنفقتها، فقيل: وُلد لأمير المؤمنين الرشيدِ وَلَدٌ ذَكَر، وقد عرض عليه الداياتِ فلم يقبل ثديَ امرأة، قال أبي: فأرشدتُ الذي كان يطلب الداياتِ إلى أمِّ هذا، فحُملت إلى دار أميرِ المؤمنين الرشيد، فحين وُضع فمُ الصبيِّ على ثديها قَبِلَه، فأَرضعته، وكان الصبيُّ المأمون، ونشأ الصبيُّ وصار عندهم في حالةٍ جليلة، ووصل إليه منهم أموالٌ عظيمة.
ثمَّ خرج المأمونُ إلى خُراسان، فخرجت هذه المرأةُ وابنُها معها، ولم نعرفْ من أخبارهم شيئًا إلا منذ قريبٍ، لمَّا عاد المأمونُ من خُراسانَ وعادت حاشيتُه معه، رأينا هذا قد صار رجلًا، ولم أكن رأيته قطّ، فقيل: هذا ابنُ كان الصيرفيِّ وابنُ دايةِ أميرِ المؤمنين، فبنى هذه الدارَ وسوَّاها.
قلت: فهل عندك علمٌ من أمّه أَحيَّةٌ هي أم ميِّتة؟ قال: حيَّة، تمضي إلى دار الخليفةِ فتكون عندهم أيامًا، وتأتي إلى ابنها فتكون عنده أيامًا، قال: فحمدتُ اللهَ على هذه الحالة، وجئت فدخلت مع الناس إلى الدار وقد تغيَّرت عمارتها، وفيها مجلسٌ كبير مفروش، وفي صدره شابّ، وبين يديه كتَّابٌ وجهابذةٌ وأموال وشواهين (٢)، وهم يَقبَضُون ويُقبِضُون، ورأيت شَبَهي في الغلام، فعلمت أنَّه ابني، فجلست في غِمار
стр. 6524
الناسِ إلى أن لم يبقَ في المجلس غيري، فأَقبل عليَّ وقال: يا شيخ، هل من حاجة؟
قلت: نعم، ولكنها أمرٌ لا يجوز أن يسمعَها غيرك، فأشار إلى الغِلمان فتأخَّروا، فقلت: أنا أبوك، فلمَّا سمع ذلك تغيَّر وجهه، ولم ينطقْ بحركة ولا بحرفٍ واحد، وقام مسرعًا وتركني في مكان، فلم أَشعرْ إلا بخادمٍ قد جاء وقال: قم يا سيِّدي، فقمت أمشي، فبلغت إلى سِتارة ممدودةٍ في دارٍ لطيفة، وكرسيٌّ بين يديها والفتى جالسٌ عليه، وكرسيٌّ آخَر، فقال: اجلسْ أيها الشيخ، فجلست وقلت: أظنُّك تريد أن تعتبرَ (١) صدقَ قولي من جهة فلانة، وذكرتُ اسمَ جاريتي، وإذا بالسِّتارة قد هُتكت وخرجت الجاريةُ فأَلقت نفسَها عليّ، وجعلت تبكي وتقول: مولاي والله، وقام الفتى وخرج، والجاريةُ تبكي وتقول: حدِّثْني حديثَك، فحدَّثتها حديثي من يومِ فارقتُها إلى ذلك اليوم، وجاء خادمٌ فقال: يا مولاي، ولدُك يسألك أن تخرج إليه، فخرجت إليه، فلمَّا رآني من بعيدٍ قام قائمًا وقال: العذرُ إلى الله وإليك يا أَبَهْ من تقصيري في حقِّك، فإنَّه قد جاءني ما لم أظنَّ أن يكونَ مثلُه، والآن فهذه النعمةُ لك، وأنا ولدُك، وأميرُ المؤمنين يجتهد لي منذ دهرٍ طويل أن أدعَ الجِهبذةَ وأتوفَّرَ على خدمته، فلا أفعلُ طمعًا للتمسُّك بصَنعتي، والآن فأنا أسأله أن يردَّ إليك عملي، وأخدمه أنا في غيره، قم عاجلًا فأَصلِحْ أمرَك.
فدخلت الحمَّام وتنظَّفت، وجاؤوني بخِلعة فلبستها، ثمَّ أَدخلني على أمير المؤمنين وحدَّثه بحديثي، فأمر لي بخِلعة، فهي هذه، وردَّ إليَّ العملَ الذي كان إلى ابني، وأمر لي من الرِّزق بكذا وكذا، وقلَّد ابني أعمالًا هي أجلُّ من عمله، فجئت أشكرك على ما عاملتَني به من الجميل، وأعرِّفك تجدُّدَ النعمة.
قال عَمرو: فلما سمَّى لي الفتى عرفته، وعلمت أنَّه ابن دايةِ أمير المؤمنين.
واستبطأ المأمونُ عَمرَو بنَ مسعدةَ في أشياء، وكان أحمدُ بن أبي خالدٍ حاضرًا، فأخبر عَمرًا بذلك، فدخل على المأمون ورمى سيفَه وقال: أنا عائذٌ بالله من سخط أميرِ المؤمنين، فقال له: وما ذاك؟! فأخبره بما قال أحمد، فاستحيى منه، فلما خرج دخل أحمد، فقال له المأمون: أما لمجلسي حرمة! أشكو إليك خادمي سرًّا فترفعه إليه،
стр. 6525
فقال يا أمير المؤمنين، مثل عمرو مناصحته لا يوجد، فأخبرته بتفريط ليستدرك ما مضى، فقال له المأمون: أحسنت.
[ولعَمرو بن مَسعدةَ حكاياتٌ مستطرَفة، منها ما ذكره القاضي التَّنوخي في كتاب "الفَرج بعد الشدَّة" (١) وحكاه جدِّي ﵀ في "المنتظم" (٢) فقال: حدَّثنا محمَّد بنُ عبدِ الباقي: حدَّثنا عليُّ بن المحسِّن التنوخيُّ، عن أبيه] قال: قال عَمرو بن مَسعدة (٣): كنتُ مع المأمون عند قدومِه من بلاد الروم، حتى إذا نزل الرَّقَّةَ قال: يا عَمرو، ما ترى الرُّخَّجيَّ (٤) قد احتوى على [أموال] الأهواز وجمعها وطمع فيها؟! وكتبي متصلةٌ في حملها، وهو يتعلَّل [ويتربَّص بي الدوائر!] (٥) فقلت: أنا أكفي أميرَ المؤمنين بأمره، قال: تخرجُ إليه بنفسك حتى تصفِّدَه بالحديد وتحملَه إلى بغداد، وتقبضَ على جميعِ ما في يده من أموالنا، وتنظرَ في العمل وترتِّب فيه عمَّالًا، فقلت: السمع والطاعة.
فلمَّا كان من غدٍ دخلتُ عليه [فاستعجلني] فانحدرتُ (٦) في زلَّال أُريد البصرة، واستكثرت من الثلج لشدَّة الحرِّ، فلما صرت بين جَرْجَرَايا وجَبُّل سمعت صائحًا من الشاطئِ يصيح: يا ملَّاح، فرفعت سُجُفَ الزلَّال، فإذا بشيخٍ كبير السِّنّ، حاسر، حافي القدمين، خَلَقِ القميص، فقلت للغلام: أَجِبه، فأجابه، فقال: يا غلام، أنا شيخٌ كبير
стр. 6526
السِّنِّ على هذه الصورةِ التي ترى، وقد أحرقتني الشمسُ وكادت تُتلفني، وأريد جَبُّل، فاحملوني معكم، فإنَّ اللهَ يُحسن أَجرَ صاحبكم، فشتمه الملَّاح وانتهره، فأدركتني رِقَّة عليه، فقلت للغلام: خذوه معنا، فحملناه، فتقدَّمت بأن يُدفَعَ إليه قميصٌ ومنديل، وغسل وجهَه واستراح، وحضر وقتُ الغداء، فقلت للغلام: هاتِه يأكلْ معنا، فجاء فأكل أكلَ أديب، غير أنَّ الجوع بيَّن عليه، فلمَّا أكلنا قلت: يا شيخ، أيُّ شيءٍ صناعتُك؟ قال: حائك، فتناومتُ عليه ومددتُ رِجلي، فقال: وأنت أعزَّك اللهُ أيُّ شيءٍ صناعتُك؟ فأَكبرت ذلك وقلت: أنا جَنَيتُ على نفسي، أَتُراه لا يرى زلَّالي وغِلماني ونعمتي وأنَّ مثلي لا يقال له هذا! [قلت:] ليس إلَّا الهَزْلُ (١) بهذا، فقلت: كاتب، فقال: أصلحك الله، إنَّ الكُتَّاب خمسة، فأيُّهم أنت؟
فسمعت كلمةً أكبرتها، وكنت متّكئًا فجلست، ثمَّ قلت: فصِّل الخمسة، قال: نعم، كاتبُ خَراج: يحتاج أن يكونَ عالمًا بالشُّروط والطُّسوق (٢) والحسابِ والمساحة والبُثوق والفُتوق والرُّتوق، وكاتبُ أحكامٍ: يحتاج أن يكونَ عالمًا بالحلال والحرامِ والاختلاف والأُصول والفروع، وكاتب معونةٍ: يحتاج أن يكونَ عالمًا بالقصاص والحدودِ والجِراحات، وكاتبُ جيشٍ: يحتاج أن يكونَ عالمًا بحُلي الرِّجال وسِمات الدوابِّ ومداراةِ الأولياءِ وشيءٍ من العلم بالنَّسب والحساب، وكاتبُ رسائلَ: يحتاج أن يكونَ عالمًا بالصُّدور والفصول والإِطالة والإيجاز وحُسنِ الخطِّ والبلاغة [فما أنت من هؤلاء؟!].
فقلت له: فإني كاتبُ رسائل، فقال: أَصلحك الله، لو أنَّ رجلًا من إخوانك تزوَّجتْ أمُّه فأردتَ أن تكاتبَه مهنِّئًا، كيف كنت تكاتبه؟ ففكَّرت في الحال، فلم يخطرْ ببالي شيء، فقلت: ما أرى للتهنئة وجهًا، قال: فكيف تكتب إليه تعزِّيه؟ ففكرت فلم يخطرْ ببالي شيء، فقلت: أَعفِني، قال: قد فعلت، ولكنك لستَ بكاتب رسائل، قلت: فأنا كاتبُ خَرَاج، قال: لو أنَّ أميرَ المؤمنين ولَّاك ناحيةً وأمرك فيها بالعدل واستيفاءِ حقِّ السلطان، فتظلَّم إليك بعضُهم من مسَّاحك، وأحضرتَهم للنظر بينهم وبين
стр. 6527
رعيَّتك، فحلف المسَّاح بالله لقد أنصفوا، وحلفت الرعيةُ لقد ظُلموا، فقالت الرعية: قفْ معنا على ما مسحوه، فخرجتَ لتقف، فوقفوا بك على قَرَاحٍ (١) شكلُه: قاتل [قثا] (٢) كيف كنتَ تمسحه؟ قلت: كنت آخذ طولَه على انعواجه وآخذ عرضَه ثمَّ أَضربه في مثله، قال: إنَّ شكل: قاتل قثا، يكون (٣) رأساه محدَّدان، وفي تحديده تقويس، قلت: فآخذ الوسَطَ فأَضربه في العرض (٤)، قال: إذن ينثني عليك العمود، قال: ولستَ كاتبَ خراج. قلت: فأنا كاتب قاضٍ، قال: أرأيتَ لو أنَّ رجالًا توفِّي وخلَّف امرأتين حاملتين، إحداهما حُرَّة والأخرى سُرِّيَّة، فولدت السُّرِّيةُ غلامًا، والحرَّة جاريةً، فعمدت الحرةُ إلى ولد السُّرية فجعلته في مهدها، ووضعت ابنتَها في مهد السُّرية، واختصمتا في ذلك، كيف يكون الحكمُ بينهما؟ قلت: لا أدري، قال: ولست بكاتب قاض. قلت: فأنا كاتبُ جيش، قال: أرأيت لو أنَّ رجلين جاءا إليك لتحلِّيَهما، وكلُّ واحدٍ منهما اسمُه واسم أبيه كاسم الآخَر واسمِ أبيه، إلَّا أنَّ أحدهما مشقوقُ الشَّفة العليا، والآخر مشقوقُ الشَّفةِ السفلى، كيف كنت تحلِّيهما؟ قال: أكتب: فلانٌ الأَعلم وفلانٌ الأَعلم، قال: إنَّ رزقَيهما مختلفان، فيجيءُ كلُّ واحد منهما في دعوى الآخَر، قلت: لا أدري، قال: فلست كاتبَ جيش. قلت: أنا كاتبُ معونة، قال: لو أنَّ رجلَين رُفعا إليك، قد شجَّ أحدُهما صاحبَه شجَّةً واضحة، وشجَّ الآخَرُ صاحبَه شجَّة مَأْمُومة (٥)، كيف تفصل بينهما؟ قلت: لا أدري، قال: ولست إذن كاتبَ معونة، اُطلب لنفسك أيها الرجلُ شغلًا.
стр. 6528
فقَصُرت نفسي إليَّ، وغاظني، فقلت: سألتَ عن هذه الأمورِ، ويجوز ألا يكونَ عندك جوابُها كما لم يكن عندي، فإنْ كنتَ عالمًا بالجواب فقل؟! قال: نعم، أما الذي تزوَّجَتْ أمُّه، فتكتب إليه: أمَّا بعد، فإنَّ الأمور تجري من عند اللهِ من غير محبَّة عباده ولا اختيارهم، بل هو تعالى يختار لهم ما أَحبّ، وقد بلغني تزويجُ الوالدة، خار اللهُ لك في قبضها؛ فإنَّ القبورَ أكرمُ الأزواج، وأسترُ للعيوب، والسلام.
وأما قَراح: قاتل [قثا] فتمسح العمود، حتى إذا صار عددًا في يدك ضربتَه في مثله ومثلِ ثُلثه، فما خرج فهو مساحتُه.
وأمَّا الجاريةُ والغلام، فيوزن اللَّبنان، فأيُّهما كان أخفّ، الجاريةُ له.
وأمَّا المرتزقان والمتوافقا الاسمَين، فإنَّه إذا كان الشَّقُّ في الشَّفة العليا كتبتَ: فلانٌ الأعلم، وإذا كان في الشَّفة السُّفلى كتبت: فلانٌ الأَفلح.
وأما صاحبا الشَّجَّتين، فلصاحب المُوْضِحة ثُلث الدِّيَة، ولصاحب المأمومةِ نصفُ الديَة.
فقلت: يا شيخ، ألست زعمتَ أنَّك حائك؟! قال: أنا - أصلحك الله - حائكُ كلام، ولست بحائك نسَّاجة، ثمَّ أنشأ يقول: [من مجزوء البسيط]
ما مرَّ بؤسٌ ولا نعيمٌ … إلَّا ولي فيهما نصيبُ
نوائبُ الدَّهرِ أدَّبتني … وإنَّما يوعَظ اللَّبيب
قد ذُقتُ حُلْوًا وذقتُ مُرًّا … كذاك عيشُ الفتى ضُروب
قلت: فما الذي أرى بك من سوءِ الحال؟ فقال: أنا رجلٌ دامت عطلتي، وكثرت عَيلتي، وتواصلت مِحنتي، فخرجت أطلب التصرُّف، فقُطع عليَّ الطريق، فتُركت كما تراني، فمشيت على وجهي، فلمَّا لاح لي الزلَّال استغثتُ بك.
قلت: فإني قد خرجتُ إلى تصرُّف جليل، أَحتاج فيه إلى جماعةٍ مثلِك، وقد أمرتُ لك عاجلًا بخِلعة حسنةٍ وخمسةِ آلاف درهمٍ تُصلح بها أَمرَك، وتُنفِذ منها إلى عِيالك، وتصير معي إلى عملي، فأولِّيك أجلَّه.
فقال: أحسن اللهُ جزاءك، إذن تجدني بحيث يسرُّك، فانحدر معي، فجعلتُه المناظرَ
стр. 6529
للرُّخَّجي، والمحاسبَ له، فقام بذلك أحسنَ قيام، فحسنت حالُه معي وعادت نعمتُه.
[قلت: هذا صورةُ ما حكى جدِّي عن التَّنوخي].
وكانت وفاةُ عَمروٍ [بن مسعدة] في هذه السَّنة بأَذَنَة.
[قال الخطيب:] (١) رُفع إلى المأمون أنَّه خلَّف ثمانين ألفَ ألفِ درهم [قال] فوقَّع [المأمون:] هذا قليلٌ لمن اتصل بنا، وطالت خدمتُه لنا، فبارك اللهُ لوَرَثته فيه.
[وكان عَمرو من أكابر أصحابِ المأمون، وله قصصٌ نذكرها في ترجمة المأمونِ إن شاء اللهُ تعالى.]
* * *
стр. 6530
السَّنةُ الثامنةَ عشرةَ بعد المئتين
فيها شدَّد المأمونُ على الناس في القول بخلق القرآن، وذلك في [شهر] ربيعٍ الأوَّل [فمات المأمونُ في رجبٍ في هذه السَّنة، ومات بِشرٌ المَرِيسيُّ بعده، وقد اختلفت الرواياتُ في ذلك، فروي أن المأمونَ لمَّا عاد من بلاد الرُّوم] (١) نزل الرقَّة وأمر بتفريغ الرافقةِ لينزلَ بها حشمُه وخواصُّه، فاستغاث أهلُها وضجُّوا، فخاف من الشَّناعة، فكفَّ عنهم ونزل الرقَّة، وهي الخرابُ اليوم، والرافقة هي القائمةُ اليوم، فلما نزل الرقةَ بعث ابنَه العباسَ إلى الطُّوَانة وأمر ببنائها، فشرع فيها، وبناها مِيلًا في ميلٍ، وجعل دورَ سورها ثلاثةَ فراسخ، وجعل لها أربعةَ أبواب، وبنى على كلِّ بابٍ حصنًا منيعًا، وكتب إلى المعتصم أن يضربَ البعوثَ على أهل الشامِ ومصرَ والجزيرة، ويسيرَ بنفسه فينزلَ الطُّوانةَ مع العباس، ففرض على جند مصرَ أربعةَ آلافِ رجل، وعلى الأُرْدُنِّ والسواحل ثلاثةَ آلاف، وعلى حِمْصَ ودمشقَ وقِنَّسرينَ والعواصم [أربعةَ آلاف] (٢) وعلى الجزيرة وبغداد كذلك، وجعل للفارس في كلِّ شهرٍ مئةَ درهم، وللراجل أربعين درهمًا، ونزل الجميعُ الطُّوانة مع المعتصم والعباسِ بن المأمون.
وفي شهر ربيعٍ الأوَّل كتب المأمونُ إلى بغدادَ إلى إسحاقَ بن إبراهيمَ بامتحان القضاةِ والمحدِّثين وإِشخاصِ جماعةٍ منهم إلى الرَّقة، وكان في الكتاب:
أمَّا بعد: فإن حقَّ اللهِ على أئمَّة المسلمين وخلفائهم الاجتهادُ في إقامة دينِ الله تعالى الذي استحفظهم، ومواريثِ النبوَّة التي ورَّثهم، وأثرِ العلمِ الذي استودعهم، والعمل بالحقِّ في رعيَّتهم، والتشمير لطاعة اللهِ فيهم، واللهَ يسأل أميرُ المؤمنين أن يوفِّقَه لعزيمة الرشد، والنظرِ فيما ولَّاه اللهُ من رعيَّته ومِنَّته، وقد عرف أميرُ المؤمنين أنَّ الجمهورَ الأعظم والسوادَ الأكبر من حَشْو الرعيَّة وسَفِلة العامَّة، ممَّن لا نظرَ له ولا رويَّة، ولا استدلال له بدلالة اللهِ تعالى وهدايته، والاستضاءةِ بنور العلمِ وبرهانه، في
стр. 6531
جميع الأقطارِ والآفاق، أهلُ جهالة بالله وعمًى عنه، وضلالةٍ عن حقيقة دينِه وتوحيده والإيمانِ به، وما قَدَروا اللهَ حقَّ قَدْرِه، ولا عرفوه كُنْهَ معرفته، ولا فرَّقوا بينه وبين خلقِه؛ لضعفِ آرائهم ونقصِ عقولهم، فإنهم ساوَوا بين اللهِ تعالى وبين ما أَنزل من القرآن، أَطبقوا أجمعين، واتَّفقوا غيرَ متعاجمين، على أنَّه أوَّلٌ قديمٌ لم يخلقه اللهُ ولم يُحدثه ولم يخترعْه، وقد قال اللهُ تعالى في كتابه الذي جعله شفاءً لما في الصدور، وهدىً ورحمةً للمؤمنين: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وكلُّ ما جعله فقد خلقه، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] فأخبر أنَّه قَصَّ لأمورٍ أَحدثه بعدها وتلا به متقدِّمها، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] وكلُّ مُحْكَم مفصَّل [فله مُحكم مفصِّل] (١) واللهُ تعالى مُحكمٌ كتابَه ومفصِّلُه، وخالقُه ومبتدعُه، ثمَّ هم الذين جادلوا بالباطل ودعَوا إلى قولهم، ونسبوا نفوسَهم إلى السُّنَّة، ثمَّ زعموا أنهم أهلُ السُّنة والجماعة، وأنَّ مَن سواهم على الباطل، فاستطالوا بذلك على الناس، وغرُّوا به الجهَّال، فمال قومٌ من أهل السَّمْتِ الكاذبِ والتخشُّع الباطل والتقشُّفِ لغير الدِّين إلى موافقتهم، ومواطأتِهم على سيِّئ آرائهم، تزيينًا (٢) بذلك عندهم وتصنُّعًا للرِّئاسة. وذكر كلامًا طويلًا في هذا المعنى.
قال المصنِّف رحمه الله تعالى: لم تُعرف هذه المقالةُ قبل المأمون، وقد كان اجتماعُ الصحابةِ والتابعين والسَّلفِ الماضين على أنَّ كلامَ اللهِ تعالى قديمٌ أَزَليٌّ غيرُ مخلوق ولا مُحدَث، حتى نبغ ابنُ أبي دُؤاد، فجسَر المأمونُ على هذه المقالة، وتبعته المعتزلةُ من أهل البصرة وبغدادَ وبِشرٌ المَرِيسي، فقالوا: إنَّه مخلوق، وحملوا الخواصَّ والعوامَّ على ذلك، فعرض إسحاقُ بن إبراهيمَ كتابَ المأمونِ على العلماء ببغداد، فمنهم مَن أجاب ومنهم مَن توقَّف، فكتب إلى المأمون يعرِّفه، فكتب إليه: اِبعث إليَّ نَفَرًا منهم، وذكر سبعةً (٣) من العلماء: محمدَ بن سعدٍ كاتبَ الواقدي، وأبا
стр. 6532
مسلمٍ مستلميَ يزيدَ بنِ هارون (١)، ويحيى بنَ مَعين، وزهيرَ بن حَرْبٍ أبا (٢) خَيثمة، وإسماعيلَ بن داود، وأحمدَ بن الدَّورقي (٣)، وإسماعيل بن [أبي] مسعود.
فلمَّا قدموا الرقَّة، أحضرهم المأمونُ وامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوا جميعًا: إنَّ القرآنَ مخلوق، فأعادهم إلى بغداد، وكتب إلى إسحاقَ بن إبراهيمَ بأن يُحضرَ الفقهاءَ ومشايخَ الحديث ويُخبرَهم بما أجاب به هؤلاء، ففعل فأجاب البعضُ وتوقَّف البعض.
قال المصنِّف ﵀: وكان محمدُ بن سعدٍ وابنُ معينٍ وأبو خيثمةَ وأبو مسلمٍ يقولون: إنَّا أجبنا خوفًا من السيف.
ثمَّ كتب المأمون إلى إسحاقَ كتابًا آخرَ من جنس الأوَّل، وأمره بإحضار مَن امتنع، وأن يقرأَ عليه، فأحضر جماعة، منهم الإمامُ أحمد بن حنبل، وأبو حسَّان الزِّيادي، وبِشرُ بن الوليد الكِندي، وعليُّ بن أبي مقاتل، وسجَّادة، والقواريري، والفضلُ بن غانم، والذَّيَّال بن الهيثم، وقتيبةُ بن سعيد (٤)، وسَعدويه الواسطي، وعليُّ بن الجعد، وإسحاقُ بن أبي إسرائيل، وابنُ عُليَّة الأكبرُ، ومحمدُ بن نوح، وغيرُهم، وقرئ عليهم كتابُ المأمون، فورَّوا، ولم يجيبوا ولم يُنكروا، فكان ممَّا قال إسحاقُ لبشر بنِ الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامُ الله، فقال: أمخلوقٌ هو؟ قال: اللهُ خالق كلِّ شيء، قال: فالقرآن؟ فقال: كلامُ اللهِ شيء، قال: هو شيء، فمخلوقٌ هو؟ قال: ليس بخالق، قال: ما أسألك عن هذا، فمخلوقٌ هو؟ قال: فما أُحسن غيرَ ما قلتُ لك. ثمَّ قال لعليِّ بن أبي مقاتل: ما تقول أنت؟ فقال: القرآنُ كلام الله، وإنْ أَمَرَنا أميرُ المؤمنين بشيءٍ سمعنا وأَطعنا. وسأل أبا حسَّان الزِّيادي، فأجاب بنحو ذلك.
ثمَّ قال للإمام أحمدَ بن حنبلٍ ﵀: ما تقول؟ فقال: القرآن كلامُ الله، قال: أمخلوقٌ هو؟ قال: القرآنُ كلام الله، ما أَزيدُ على هذا.
стр. 6533
ثمَّ امتحن الباقين وكتب بجواباتهم إلى المأمون، فجاء جوابه يقول: [قد عرف] (١) أميرُ المؤمنين ما ذهب إليه مُتَصَنِّعة أهل القِبْلة، وملتمسو الرِّئاسة، فمن لم يقلْ منهم: إنَّ القرآنَ مخلوق، فمُرْهُ بالإمساك عن الحديث والفتوى، وأما بشرُ بن الوليد، فإن أجاب إلى خلق القرآنِ، وإلَّا فاضرب عُنقَه وابعث برأسه إليّ، وأما عليُّ بن أبي مقاتل، فقل له: ألست المكلِّمَ (٢) لأمير المؤمنين بما كلَّمته به من قولك: إنك تحلِّل وتحرِّم؟ وأما الذَّيَّال، فأَعلِمْه أن أميرَ المؤمنين قد عرف مقالتَه، واستدلَّ على آفته وجهله، وأما الفضلُ بن غانم، فأَعلِمه أنَّه لم يخفَ على أمير المؤمنينَ ما خان فيه من الأموال بمصر. ثمَّ ذكر لكلِّ واحدٍ منهم عيبًا، وقال في كتابه: ومَن لم يرجعْ منهم عن شِركه، فاحمِلْهم جميعًا موثَقين إلى عسكر أميرِ المؤمنين ليَعرِضَهم على السيف.
فعرض عليهم إسحاقُ ما قال المأمون، فأجاب الكلُّ إلا أربعة: الإمامُ أحمد بن حنبل، وسَجَّادة، والقواريري، ومحمدُ بن نوح. فأمر بهم إسحاقُ فشُدُّوا في الحديد، فلمَّا كان من الغد، دعاهم فأعاد عليهم المِحنة، فأجاب سَجَّادةُ وخلَّى سبيلَه، ثمَّ أعاد القول، فأجاب القواريريُّ فأَطلقه، وأصرَّ الإمام أحمدُ ومحمدُ بن نوح، فشُدُّوا في الحديد وبُعث بهما إلى طَرَسُوس، فلمَّا وصلا إلى الرقَّة بلغتهم وفاةُ المأمون، فرُدُّوا إلى بغداد، فأمرهم إسحاقُ بلزوم منازلِهم، ورخَّص لهم بعد ذلك في الخروج.
وتوفِّي المأمونُ في هذه السَّنة، ووَلِي أخوه أبو إسحاقَ بنُ الرشيد.
الباب الثامنُ في ولايته
واسمُه محمَّد، ولقبه المعتصمُ بالله، وأمُّه ماردةُ بنت شبيب، من مولَّدات الكوفة، لم تُدرك خلافته، وكانت حَظيَّة عند الرشيد، أولدها أبا إسحاقَ وأبا إسماعيل وأمَّ حبيب.
[واختلفوا في مولد المعتصم، فحكى الصوليُّ أنَّه] (٣) وُلد بالرافقة في شعبانَ سنةَ
стр. 6534
ثمانٍ وسبعين ومئة. [وقال الطَّبري:] (١) ولد ببغدادَ بالخُلْد قصرِ المنصور سنةَ ثمانين ومئة. وقيل: ولد بالقاطول، فكانت نفسُه تشتاق إلى تلك النواحي؛ ولهذا بني سُرَّ مَن رأى. قال: وكان هارونُ يومَ لا يصل إلى ماردةَ يبعث إليها بألف دينار.
[ذكر صفته:]
وكان المعتصمُ أبيضَ مربوعًا، طويلَ اللحية، حَسَنَ الوجه، وقيل: كان أصهب (٢) [قال الصُّولي:] وكان المأمونُ قد أمر ابنَه العباسَ وإسحاقَ بن إبراهيم إن حدث به حَدَثُ الموتِ أن الخليفةَ بعده أبو إسحاق بنُ الرشيد.
[ذكر بيعته:] (٣)
فلما احتضر ببلاد الرُّوم مال الجندُ إلى العباس [بن المأمون]، وأرادوه على البَيعة، فأبى، فشَغَبوا، فخرج إليهم وقال: ما هذا الحبُّ البارد! قد بايعتُ عمِّي وسلَّمت إليه الأمر، فسكن الجندُ وبايع الناس.
ولم يَعهد الرشيدُ إلى ابنه المعتصمِ مع شدَّة محبَّته له ولأمِّه، فساق اللهُ إليه الخلافة، وكان المأمونُ قد بني الطُّوانة، فهدمها المعتصمُ وحمل ما كان فيها من السلاح وغيرِه، وأحرق ما لم يَقدرْ على حمله، وأمر الناسَ الذين أسكنهم المأمونُ بها فانصرفوا إلى بلادهم، وسار مُجدًّا فدخل بغدادَ يومَ السبت غُرَّةَ رمضان، وكان إسحاقُ بن إبراهيمَ قد أَخذ له البيعةَ ببغداد، ومدَّ الفضلُ بن مروانَ يَدَه فبايع وقال: [من الكامل]
بايعتُ منبسطًا ولو لم تنبسطْ … كفِّي لبيعته قطعتُ بَنانَها (٤)
مَن ذا إليها لا يَمدُّ يمينَه … قطع الإلهُ يمينه فأَبانها
[قال الخطيب (٥): كان من أولاد هارونَ جماعةٌ اسمُ كلِّ واحدٍ منهم محمَّد: الأمين، وأبو إسحاق، وأبو العبَّاس، وأبو أحمد، وأبو عيسى، وأبو أيُّوب، وأبو
стр. 6535
يعقوب. وقد ذكرناهم في أولاد هارون].
وكان المعتصمُ أمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ [إلا كتابةً ضعيفة وقراءةً غيرَ جيِّدة. قال الخطيب:] (١) وسببُه أنَّ المعتصم كان معه غلامٌ في الكُتَّاب يتعلَّم معه [فمات الغلام] (٢) فقال الرشيد: يا محمَّد مات غلامُك. قال: نعم [يا سيِّدي] (٣) واستراح من الكتَّاب، فقال له الرشيد: وإنَّ الكُتَّاب لَيبلُغ منكَ هذا المبلغ؟! دَعُوه إلى حيث انتهى ولا تعلِّموه شيئًا. فكان يكتب ضعيفًا ويقرأ قراءةً ضعيفة.
وكان المعتصمُ في فتنة الأمينِ يتردَّد إلى عليِّ بن الجنيد بمكانٍ يقال له: إِسْكاف، فيُقيم عنده فيخدمه بنفسه ومالِه، فغاظ (٤) المعتصمُ يومًا عليًّا، فقال له على وجه المِزاح: واللهِ لا أفلحتَ أبدًا، فأخذها المعتصمُ في نفسه، فلما قدم بغدادَ أَحضر عليًّا وقال له: زعمتَ أنني لا أُفلح، فأيُّ فلاحٍ بعد هذا! وكان عليٌّ عدوَّ الفضلِ بن مروان، فقال له: الذي أفلح الفضلُ بن مروان، فضحك المعتصم، وحدَّث نفسه بالإيقاع بالفضل.
وكان إبراهيمُ بن المهديِّ لما دخل المعتصمُ بغدادَ ترجَّل وقبَّل يدَ المعتصم، فقال المعتصم لعليِّ بن الجنيد: أَتذكر حين وقفتُ لإبراهيمَ بالمربعة، فلما مرَّ بي نزلتُ فقبَّلت يده وأَدنيتُ منه ابني هارونَ وقلت: عبدُك ابني هارون، فقبَّل يد إبراهيم، فأمر لي بعشرة آلافِ درهم؟ قال علي: نعم، قال: فإنَّ ابن المهديِّ ترجَّل اليومَ لي في ذلك الموضعِ بعينه وقبَّل يدي وقال لي: عبدُك هبةُ الله ولدي، وأَدناه فقبَّل يدي، فقال له عليّ: فكم أعطيتَه؟ قال: عشرة آلافِ درهم، لم تَطِب نفسي بغيرها، فقال له علي: بئس ما فعلت، قال: وكيف؟! قال: لأنَّ ابن المهديِّ أمر لولدك بعشرة آلافِ درهمٍ وليس في يده غيرُ بغدادَ وحدها، وأنت في يدك المشرقُ والمغربُ تقابله بمثلها! فقال: صدقت، اجعلوها عشرةَ آلافِ دينار.
وقال الصُّولي: ولا يُعرف خليفةٌ قبَّل يدَ خليفةٍ إلَّا إبراهيم بن المهديِّ
стр. 6536
[والمعتصم] (١).
وفيها دخل جماعةٌ من أهل أصبهانَ وهَمَذانَ وتلك النواحي في دين بابَكَ الخُرَّمي، فاستباحوا الحُرُمات، فبعث إليهم المعتصمُ إسحاقَ بن إبراهيمَ واليَ بغدادَ في جندٍ كثيف، فأَوقع بهم في ذي الحِجَّة، فقتل منهم ستِّين ألفًا، وهرب الباقون إلى البلاد.
وحجَّ بالناس صالحُ بن العباسِ بن محمدِ بن علي.
[فصل] (٢) وفيها توفِّي
إبراهيمُ بن إسماعيل
[ابنِ إبراهيم] (٣) بن مِقْسَم، أبو إسحاق، البصريُّ الأَسَدي المعتزلي، ويُعرف بابن عُلَيَّة.
كان أحدَ المتكلِّمين القائلين بخلق القرآن، وله مع الإمام الشافعيِّ ﵀ مناظراتٌ بمصر، ومع غيره ببغداد [فذكر الخطيبُ (٤) أنَّه اجتمع بأحمدَ بن حنبلٍ والشافعيُّ حاضرٌ ببغداد] فقال له الشافعي رحمة الله عليه: أَخبِرني عن خبر الواحدِ العَدْل، بإجماعٍ دفعتَه أو بغير إجماع؟ فلم يَدْرِ ما يقول.
و [كان ابنُ عُلَيَّةَ من أصحاب الأصمّ] (٥) قدم مصرَ فنزل بمكانٍ يقال له: باب الضَّوال، فقال الإمامُ الشافعيّ رحمةُ الله عليه: قد نزل بباب الضوالِّ ليُضِلَّ الناس.
و [ذكر الخطيبُ (٦) عن يعقوبَ بن سفيانَ قال:] خرج [ابن عليةَ] ليلةً من مسجد مصر وقد صلَّى العَتَمةَ في زُقاق القناديلِ ومعه رجل، فقال له الرجل: إنِّي قرأت البارحةَ سورةَ الأنعامِ فرأيت ينقض بعضُها بعضًا، فقال ابن عُلَية: وما لم ترَ أكثر.
وكان الإمامُ أحمد رحمةُ الله عليه يقول: ابنُ عُلَيَّة ضالٌّ مُضِلّ. وكانت وفاتُه بمصرَ
стр. 6537
ليلةَ عَرَفةَ وله سبعٌ وستُّون سنة.
[وقال الحافظ ابن عساكر: حدث عنه بحر بن نصر الخولاني وياسين بن أبي زرارة وغيرهما. (١)
وفيها توفِّي]
بِشْرُ بن غياثِ
ابن أبي كَريمةَ، أبو عبدِ الرحمن المَرِيسي.
[ذكره الخطيبُ (٢) وقال:] مولى زيدِ بن الخطَّاب، كان أبوه يهوديًّا، وكان يسكن ببغدادَ في الدَّرب المعروفِ ببشر المريسي، بين نهر الدَّجاج (٣) ونهرِ البزَّازين.
[قال:] سمع الفقهَ من أبي يوسُف، إلا أنَّه اشتغل بالكلام، وجرَّد القولَ بخَلق القرآن.
[وقد روى من الحديث شيئًا يسيرًا عن حمَّاد بنِ سَلَمةَ وسفيانِ بن عُيينة] (٤). وكان أبو زُرعةَ الرازيُّ يقول: بِشر بن غياثٍ زنديق. وقال يزيدُ بن هارون: هو كافرٌ حلالُ الدم.
[وروى الخطيبُ (٥) أن] الرشيدَ [كان] يقول (٦): بلغني أنَّ بِشْرًا المَرِيسيَّ يزعم أنَّ القرآنَ مخلوق، عليَّ إن أظفرني اللهُ به لأقتلنَّه قِتلةً ما قتلتُها أحدًا قطّ، فهرب منه.
وروى الخطيب (٧) عن حُميدٍ أنَّه قال: يا أميرَ المؤمنين، هذا سيِّد الفقهاء، قد رفع
стр. 6538
عذابَ القبر ومساءلةَ مُنْكَرٍ ونكيرٍ والميزانَ والصِّراط، ثمَّ نظر إلى بِشرٍ وقال: لو رفعتَ الموتَ كنت سيدَ العلماءِ حقًّا.
[وحكى الخطيبُ (١) عن] محمَّد بن عليِّ بن ظَبيان القاضي قال (٢): قال لي بِشرٌ المريسي: القولُ في القرآن قولُ مَن خالفني أنَّه غيرُ مخلوق [قال:] فقلت له: فارجعْ عنه، فقال: كيف أرجع وقد قلته منذ أربعين سنةً ووضعتُ فيه الكتبَ واحتججت فيه بالحُجَج!
و [حكى الخطيبُ (٣) أيضًا عن الحسين بن عليٍّ الكرابيسيِّ قال:] جاءت أمُّ بِشرٍ [المريسي] إلى الشافعيِّ رحمةُ اللهِ عليه فقالت: يا أبا عبدِ الله، أرى ابني يهابك ويحبُّك، وإذا ذُكرتَ عنده أجلَّك، فلو نهيتَه عن هذا الرأيِ الذي هو فيه، فقد عاداه الناسُ عليه، ويتكلَّم في شيءٍ يواليه الناسُ عليه ويحبُّونه، فقال الشافعيُّ رحمة اللهِ عليه: نعم، ودخل عليه بِشْر، فقال له: أَخبِرني عمَّا تدعو إليه، فيه كتابٌ ناطق، أو فرض مفترَض، أو سنَّة قائمة، أو وجوب عن السلف البحث فيه والسؤال عنه؟ فقال بِشْر: ليس فيه شيءٌ من ذلك، إلا أنَّه لا يسعنا خلافُه، فقال له الشافعي: فقد أَقررتَ على نفسك بالخطأ، فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبارِ، يواليك الناسُ عليه وتترك هذا! فقال: لنا نَهْمَةٌ فيه. ثمَّ قام [بشر] وخرج، فقال الشافعيّ: لا يُفلح هذا أبدًا.
وقال الخطيب (٤): حُكي عنه أقوالٌ شنيعة ومذاهبُ مستنكَرة، كفَّره أهلُ العلم بها.
[وحكى أيضًا (٥) عن] يحيى بنِ عليٍّ بن عاصمٍ قال (٦): استأذن بِشْرٌ المَرِيسي على أبي، فأذن له، فقلت له: أَتُدخل عليك مثلَ هذا وهو يقول: القرآنُ مخلوق، وإنَّ اللهَ معه في الأرض، وإن الجنةَ والنارَ لم يُخلقا، وإن مُنكَرًا ونَكيرًا باطل، وكذا الصِّراطُ
стр. 6539
والشفاعةُ والميزان! فقال: أَدخِله، فلمَّا دخل قال له: ويحك مَن تعبد؟! وأين ربُّك؟! وما تقول فيما نُقل عنك؟ فقال: ما جئتك لهذا، إنَّما جئتك في كتابٍ أَقرؤه عليك، قال: لا، ولا كرامة، حتى أعلمَ ما أنت عليه، قال: أَوَ تُعفيني؟ فقال: لا أُعفيك، قال: أمَّا إذا أبيتَ، فإنَّ ربِّي نورٌ في نور، فصاح أبي: اقتلوه، فإنَّه واللهِ زنديق.
وقال الإمامُ الشافعيُّ (١) رحمة اللهِ عليه: قلت لبِشر: ما تقول في رجلٍ قُتل وله أولياءُ صغارٌ وكبارٌ، فهل للكبار أن يقتلوا القاتلَ دون الصِّغار؟ قال: لا، قلت: فقد قَتَلَ الحسنُ بن عليٍّ ﵄ ابنَ مُلْجِمٍ ولعليٍّ رضوانُ الله عليه أولادٌ صغار، فقال: أخطأَ الحسن، فقلت: أما عندك جوابٌ أحسنُ من هذا؟! قال الشافعي: فهجرتُه من يومئذ (٢). [قلت: إنَّما قتله الحسنُ سياسة، وللإمام هذه الولاية، وهذا جوابُ أبي حنيفةَ في المسألة.
قال الخطيب:] (٣) قال الشافعيّ: قلت لبِشر: أَدخلك اللهُ جهنمَ في أسفلِ سافلينَ مع فرعونَ وهامانَ وقارون، فقال لي بِشر: أسكنك اللهُ أعلى عِلِّيين مع إبراهيمَ ومحمدٍ وعيسى وموسى. يعني أنَّه يستهزئ؛ لأنَّه ما كان يعتقد جنَّةً ولا نارًا.
قال: وكان إذا دعا قَلَبَ يديه إلى الأرض، وجعل باطنَهما إلى الأرض، ويقول: إنَّ اللهَ تعالى في الأرض تحتها كما هو فوق السماء.
[وحكى الخطيبُ (٤) عن] إسحاقَ بن إبراهيم [أنه] مرَّ (٥) ببغدادَ في طريقٍ والناسُ مجتمعون على بِشر، فمرَّ يهوديٌّ فقال: أيها الناس، احذروه لا يُفسِدْ عليكم دِينَكم وكتابَكم كما أفسد علينا أبوه نبيَّنا (٦) وكتابَنا. يعني التوارة، وكان أبوه غياثٌ يهوديًّا.
стр. 6540
[وحكى الخطيبُ أيضًا عن] صالحٍ العِجْلي (١) قال (٢): رأيتُ بِشْرًا شيخًا قصيرًا دميمًا، قبيحَ المنظر، وَسِخَ الثياب، أشبَه شيءٍ باليهود، وكان أبوه يهوديًّا بالكوفة، صبَّاغًا في سوق المراضع.
و [قال يزيدُ بن خالد:] (٣) دخل بِشرٌ على المأمون فقال: إنَّ ها هنا رجلًا قد هجانا فيما أَحدثناه من القول بخلق القرآن، فعاقِبْه، فقال: إن كان شاعرًا لم أُقدِم عليه، فقال: إنه يدَّعي الشِّعرَ وليس بشاعر، فقال المأمون: حتى أَختبرَه، فكتب إليه: [من المنسرح]
قد قال مأمونُنا وسيِّدنا … قولًا له في الكتاب تصديقُ
إنَّ عَليًّا أعني أبا حَسَنٍ … أفضلُ مَن أَرقلتْ (٤) به النُّوقُ
بعد نبيِّ الهدى وإنَّ لنا … أعمالنا والقرآنُ مخلوق
فلمَّا وقف الرجلُ على الأبيات كتب: [من البسيط]
يا أيها الناسُ لا قولٌ ولا عملٌ … لمن يقول كلامُ اللهِ مخلوقُ
ما قال ذاك أبو بكرٍ ولا عُمرٌ … ولا الرسولُ ولم يذكرْه صِدِّيق
ولم يقل ذاك إلَّا كلُّ مبتدعٍ … عند العبادِ وعند اللهِ زنديق
فلمَّا وقف عليه المأمونُ قال لبِشْر: يا ماصّ، ألستَ زعمتَ (٥) أنَّه ليس بشاعر! ثمَّ أَغلظ له في القول.
ذِكرُ وفاتِه:
[واختلفوا فيها، فقال الخطيب:] (٦) مات في ذي الحِجَّة سنةَ ثمانِ عشرةَ ومئتين [هو والمأمونُ في سَنَةٍ واحدة]. وقيل: في سنة تسعَ عشرة. [والأوَّل أصحّ.
стр. 6541
قال الخطيب:] (١) وكان الصبيانُ يتعادَون في جنازته بين يديها ويقولون: مَن يكتب إلى مالكٍ خازنِ النار كتابًا؟
[قال (٢): ولما مات بِشرٌ] لم يشهد جنازتَه [أحدٌ] من أهل العلمِ والسُّنَّة إلَّا عُبيدٌ الشُّونيزي [فلمَّا رجع من جنازته] لامَهُ (٣) الناس، فقال: أَنظروني حتى أُخبرَكم، ما شهدت جنازةً رجوتُ فيها من الأجر ما رجوتُ في هذه، قمت في الصفِّ فقلت: اللهم إنَّ هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة فاحجبْه عن النظر إليك، وإنَّه كان لا يؤمن بعذاب القبرِ فعذِّبه في قبره عذابًا لم تعذِّبه أحدًا من العالمين، اللهم إنَّه كان ينكر الميزانَ فخفِّف ميزانه، اللهم إنه كان يُنكر الشفاعةَ فلا تشفِّع فيه أحدًا من خَلْقك. فضحك الناسُ وأَمسكوا عنه.
[وحكى الخطيبُ (٤) عن] يحيى بنِ يوسفَ الزَّمِّي قال (٥): رأيتُ إبليسَ في المنام مشوَّهَ الخَلق، وهو مُلبَسٌ بالشَّعر، ورأسُه إلى أسفلَ، ورجلاه إلى فوق، وفي بدنه عيونٌ مثل النار، فقال: ما من مدينةٍ إلَّا ولي فيها خليفة، قلت: ومَن خليفتُك بالعراق؟ قال: بِشرٌ المَرِيسي، دعا الناسَ إلى ما عجزتُ عنه، قال: القرآنُ مخلوق.
[وحكى (٦) عن] سفيانَ بن عُيينةَ قال لمَّا بلغه قولُ بِشرٍ (٧): إنَّ اللهَ لا يُرى يومَ القيامة، قال: قاتله الله، ألم يسمع قولَه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فجعل احتجابَه عنهم عقوبةً لهم، فإذا احتجب عن الأعداءِ والأولياء، فأيُّ فضلٍ للأولياء على الأعداء؟!
[انتهت ترجمة بشر المريسي] (٨).
стр. 6542
ذِكر عبدِ الله المأمونِ بن هارونَ الرَّشيد (١)
ولد سنةَ سبعين ومئة. و [قال علماءُ السِّيَر:] كان المأمون إمامًا في كلِّ فنٍّ من العلوم العربيةِ والنَّحو والشِّعر والحديثِ والطِّبِّ وعلومِ الأوائل والنجومِ والأَرصاد، وعمل الزِّيجَ المأموني، واستخرج كتبَ الحكماءِ واليونانِ من جزيرة قُبرس، فنقلها له أبو مَعشرٍ المنجِّمُ إلى العربية [وله معه قِصص.
وقد وصفه الحسنُ بن وَهْبٍ فقال:] كان محمودَ السيرة، عفيفَ الطبيعة، كريم الشِّيمة، مباركَ الرأي، ميمون النَّقيبة، مؤدِّيًا حقَّ الله، مقرًّا له بالشكر على نِعمه، لا يأمر إلَّا بالعدل، ولا ينطِق إلَّا بالفضل، عاملًا بكتاب الله، مراعيًا لدينه وأَمانته، كافًّا للسانه ويدِه عن رعيَّته، وإنَّما شان الكلَّ بما أَحدث من المقالة القبيحة بخلق القرآن، ولم يكن له فيه رأي، وإنَّما حمله عليه أحمدُ بن أبي دُؤاد، فقال له: هذا من [باب] الدِّين ومعالمِ الإِسلام [وإنَّه لا يصحُّ الدينُ إلَّا به، فقَبِله.
وكان هارونُ يقول: إني لَأعرف في عبد اللهِ حزمَ المنصور، ونُسكَ المهدي، وعزَّة نفسِ الهادي، ولو أشاء أن أنسُبَه إلى الرابع لنسبتُه، واللهِ إني لأَحمدُ سيرتَه، وأرضى طريقتَه، وأَستحسن سياستَه، وأرى قوَّته وذهنه، وآمَن ضعفَه ووهنه، وقد قدَّمت محمدًا عليه، وإنِّي لأعلم أنَّه منقادٌ إلى هواه، منصرفٌ مع طربه، مبذِّر لما حوته يده، مشارك الإماءِ والنساءِ في رأيه، ولولا أمُّ جعفرٍ وميلُ بني هاشمٍ لقدَّمت عبدَ الله عليه.
قِصَّة المأمونِ مع اليهوديّ:
روى الحسينُ بن فَهمٍ عن يحيى بنِ أكثمَ قال: كان المأمونُ قبل الخلافةِ يَجلس للفطر، فدخل عليه رجلٌ حَسَن الوجه طيِّب الرائحةِ نقيُّ الثوب، فتكلَّم فأحسن الكلام، فلمَّا تقوَّض المجلسُ دعاه، قال له: يهوديٌّ أنت؟ قال: نعم، قال: أَسِلمْ حتى أفعلَ معك كذا وكذا، فقال: ديني ودينُ آبائي لا أَتركه.
فلما كان بعد سنةٍ دخل على المأمون وقد أَسلم، فتكلَّم في الفقه فأَحسن، فلما
стр. 6543
تقوَّض المجلسُ دعاه المأمون فقال: ألستَ صاحبَنا بالأمس؟ قال: بلى، قال: ما الذي دعاك للإسلام وقد عرضتُه عليك بالأمس فأَبيت؟! فقال: أُخبرك، إني أُحسن الخطَّ، كتبتُ ثلاثَ نسخٍ من التوراة، فزدتُ فيها ونقصت، ثمَّ أَدخلتها الكنيسةَ فبعتها، فاشتُريتْ بأَوفى ثمن، ثمَّ كتبت ثلاث نُسخٍ من الإنجيل، فزدتُ فيها ونقصتُ منها، وأدخلتها البيعةَ فبعتها بأَوفى ثمن، وعمدتُ إلى القرآن فكتبت منه ثلاثَ نسخ، فزدت فيها، ونقصتُ منها، وأدخلتها إلى الورَّاقين فعرضتها عليهم، فتصفَّحوها، فرأوا الزيادةَ والنقصانَ، فرَموا بها، فعلمت أنَّ هذا الكتابَ محفوظٌ فأسلمت.
وقال يحيى بنُ أكثم: فحججت، فلقيني سفيانُ بن عُيينة، فحدَّثته بهذا الحديث، فقال: مِصداق ذلك من كتاب الله، قلت: وأين؟ فقال: في قول اللهِ تعالى في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] فجعل حِفظَه إليهم فضاع، وقال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فحفظه اللهُ تعالى فلم يضيَّع.
ذِكر نُبذةٍ من كلامه وتواضعِه وعَفوه:
حكى الصُّولي عن] المأمون أنَّه كان يقول (١): لو عرف الناسُ حُسنَ العفو لتقرَّبوا إليَّ بالجرائم، وودت أنَّ أهلَ الجرائم عرفوا رأيي فيه؛ ليذهبَ الخوفُ عن قلوبهم، وأخاف ألَّا أُوجرَ على العفو. يعني أنَّه صار له اختيارًا [وطبعًا] (٢).
وقال يحيى بن أكثم: بِتُّ ليلةً عند المأمون، فعطشت، فقمتُ لأشربَ ماء، فرآني فقال: عُدْ إلى موضعك، فعُدت، فقام وأتاني بكُوزٍ من ماءٍ وقال: اشرب، وهو قائمٌ على رأسي، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، يشقُّ عليَّ قيامُك وتأتيني بالكوز! فقال: حدَّثني أبي، عن أبيه المَهديّ، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمدِ بن علي، عن أبيه عليّ (٣)، عن أبيه عبدِ الله بن عباس، عن النبيِّ ﷺ (٤) أنَّه قال: "سيِّدُ القومِ خادمُهم" [وفي روايةٍ
стр. 6544
أنَّ الذي عطش المأمون.
قال يحيى:] وكان لا يَدَعُني أَسقيه ويقول: استخدامُ الرجل ضيفه لؤم، ويقوم هو فيشرب، فأقول له: أَلَا أُوقظ الخدم؟ فيقول: لا، هم نيام، وقد تعبوا في الخدمة، وإنِّي لَأكون في المتوضَّأ فأَسمعهم يشتموني فأَعفو عنهم.
قال [يحيى:] (١) وَبِتُّ عنده ليلة، فأخذه سعال، فجعل يسدُّ فاهُ بكمِّه لئلا أنتبه.
وقال: كنت معه في بستانٍ ونحن نتساير، وأنا في الشمس وهو في الظِّلّ، فلمَّا رجعنا، تحوَّل إلى الشمس وقال: سِرْ في الظِّل، فقلت: أميرُ المؤمنين أَوْلى بذلك منِّي؛ لأنك ظلُّ اللهِ في الأرض، فقال: الواجبُ على الملك العدلُ في بِطانته أوَّلًا، ثمَّ في الذين يلونهم، ثمَّ في الذين يلونهم، حتى بلغ إلى الطَّبقة السُّفلى.
وقال [يحيى]: كان المأمونُ يَحلُم حتى يَغيظَنا، جلس يومًا على جانب دجلةَ يتسوَّك عند دخولِه إلى بغداد، وعنده جماعةٌ من العلماء والقوّاد والأَشراف، وإذا بملَّاح في سفينة عتيقةٍ يدخل الماءُ من جوانبها، وعليه ثوبٌ خَلَق، وهو يصيح بأعلى صوتِه: أتظنُّون أنَّ هذا [المأمون] يَنبُل في عيني وقد قتل أخاه الأمين! قال: فسمعه المأمون، فتبسَّم والتفتَ إلينا وقال: ما الحيلةُ عندكم حتى أَنبُلَ في عين هذا السَّيِّد الجليل؟
و [قال إبراهيمُ بن سعيدٍ الجوهري:] وقف رجلٌ بين يدي المأمونِ وقد جنى جناية، فقال له: واللهِ لأَقتلنَّك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، تأنَّ عليّ؛ فإنَّ التأنِّيَ نصفُ العفو. فقال: وكيف وقد حلفتُ، فقال: لَأَن تلقى اللهَ حانثًا خيرٌ لك من أن تلقاه قاتلًا، فعفا عنه.
وقال لإسحاقَ بن العباس: لا تحسبني أغفلتُ إِجلابَك مع ابن المهديِّ وتأييدَك لرأيه وإِيقادَك لناره، فقال: يا أميرَ المؤمنين، لَإجرامُ قريشٍ إلى رسول اللهِ ﷺ أَعظمُ من إجرامي إليك، ولَرَحِمي أمسُّ من أرحامهم، وقد قال لهم يومَ الفتح: لا تثريبَ عليكم اليوم (٢)، وأنت وارثُ ابنِ عمِّ رسولِ الله ﷺ ، فأنت أحقُّ بهذه المِنَّة، فقال: هيهات، تلك أجرامٌ جاهلية عفا الإِسلامُ عنها، فقال إسحاق: واللهِ، المسلمُ بإِقالة
стр. 6545
العَثْرةِ أَوْلى من الكافر، وقد أمر اللهُ بالعفو عن المسلم والكافر، فقال: صدقتَ [وَرِيَتْ بك زِنادي] (١) وعفا عنه.
و [قال إبراهيمُ بن سعيدٍ الجوهري:] سخط [المأمونُ] على نعيم بن حازم، فقال له الحسنُ بن سهل: يا أميرَ المؤمنين، قد تقدَّمَت لنعيمٍ طاعة، وتأخَّرت له توبة، وليس للذَّنب بينهما موضع، ولو وُجد فما ذنبُه بأعظمَ من عفوك، فعفا عنه.
وأذنب رجلٌ من بني هاشمٍ إلى المأمون، فعاتبه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، مَن حمل مِثلَ دالَّتي، ولبس ثوبَ حُرمتي، وَمَتَّ بمثل قرابتي، غُفر له فوق زلَّتي، فقال: صدقتَ يا ابنَ عمّ، وعفا عنه.
و [قال الصُّولي:] (٢) وغضب [المأمونُ] على رجل، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ قديمَ الحُرمة وحديثَ التوبةِ يمحوان ما بينهما من الإساءة، فرضي عنه.
و [قال أيضًا:] أساء رجلٌ إليه مرارًا، فلمَّا حضر بين يديه قال له المأمون: إنما هو عُذرٌ أو يمين، وقد وهبتهما لك، ولا تزال تُسيء وأُحسن، وتُذنب وأَعفو، حتى يكونَ العفوُ هو الذي يُصلحك.
[قال:] وجاءه الحسنُ بن سهلٍ برجلٍ قد أذنب، فقال [له الحسن]: هَبْه لي، فقال المأمون: وكيف لا أَهبه لمن به قَدرتُ عليه!
[ذِكر طَرَف من جود المأمون وكرمِ أخلاقه:
حكى الحسنُ بن عبدوسٍ الصفَّارُ قال:] لمَّا بني [المأمون] (٣) على بُوران، كان رجلٌ من أهل الأدبِ يحضر مجلسَ الحسنِ بن سهل، وكان فقيرًا، فعمد إلى مِزْودَين، فملأ أحدَهما ملحًا والآخرَ أُشنانًا، وبعث بهما إلى الحسن، وكتب معهما رُقعةً يقول فيها: خِفَّة البضاعةِ قصرتْ يدَ (٤) الهِمَّة، وكرهتُ أن تُطوَى صحيفةُ أهل البِرِّ وليس لي فيها ذِكْر، فوجَّهت إلى سيِّدي بالمبتدأ به ليُمنه وبركتِه، وبالمختَتَم به لطِيبه ونظافتهِ.
стр. 6546
وكتب في أسفلها: [من السريع]
بضاعتي تَقْصُر عن هِمَّتي … وهمَّتي تَقْصُر عن مالي
فالملحُ والأُشنان يا سيِّدي … أَحسنُ ما يُهديه أَمثالي
فأخذ الحسنُ المِزْوَدَين والرقعةَ ودخل على المأمون وأَوقفه على الرُّقعة، فاستحسن ذلك، وملأ المِزْودين دنانيرَ بعد أن أَفرغهما.
وقال هُدْبةُ بن خالد: حضرتُ مجلسَ المأمون، فلمَّا رُفعت الموائد، جعلتُ أَلتقط ما على وجه الأرض، فرآني المأمونُ فقال: يا شيخ، أَمَا شبعت؟! فقلت: بلى، ولكن حدَّثني حمَّاد بن سَلَمة عن ثابتٍ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أكل ما سقط على المائدة (١) أَمِنَ الفقر" (٢) فأمر لي بألف دينار، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، وهذا مِصداقُ الحديث [وفي رواية: وهذا من ذاك] (٣).
وأمر المأمونُ محمدَ بن أبي خالدٍ ومحمدَ بن يَزدادَ أن يناظرا عَمرَو بن مَسعدةَ في مال الأهواز، فناظراه، فظهر عليه ستَّةَ عشرَ ألفَ ألفِ درهم، فقال المأمونُ لابن يَزداد: انظر كلَّ ما تعلَّق به عَمروٌ فيما يدَّعيه فأَمضِه، فتعلَّق بأشياءَ لا أصلَ لها، فسقط من المال عشرةُ آلافِ ألفِ درهم، وبقي ستَّةُ آلافِ ألفِ درهمٍ لا حجَّةَ له فيها، فأُخذ خطُّه بها وأنها واجبةٌ للمأمون في ذمَّته، فلما خرج محمدٌ أَحضر المأمونُ عَمرًا وقال: هذا خطُّك؟ قال: نعم، قال: خذْه فقد وهبتُه لك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد وهبته لأحمدَ بنِ عروةَ عاملِ الأهواز؛ فإنَّه يطالب به وهو فقير، فغضب المأمون، وعلم عَمرو أنَّه قد أخطأ، فقام وخرج، فدخل على أحمدَ بن أبي خالدٍ فأخبره، فقال: لا بأسَ عليك، ودخل على المأمون، فقال له: يا أحمد، أَلا تعجبُ من عَمروٍ وهبته ستةَ آلافِ ألف درهمٍ بعد أن تجافيتُ له عن أَضعافها فوهبها بين يديَّ لأحمدَ بنِ عروة! كأنه
стр. 6547
أراد أن يضاهيَني ويصغِّرَ معروفي عنده! فقال أحمد: يا أميرَ المؤمنين، لو لم يفعلْ هذا لكان ينبغي أن يسقطَ حالُه عندك، قال: وكيف؟! قال: أراد أن ينتشرَ في ملوك الأممِ أنَّ بعضَ خدمك اتَّسع قلبُه لهبة هذا المالِ الذي هو من جُملة إِحسانك، فيزيدَ ذلك في جلال الدَّولة، فيذلَّ أعداؤك الذي يكاثرونك (١)، قال: صدقتَ، ورضي عنه.
وقال يحيى بنُ خاقان: أَلزمني المأمونُ بخمسة آلافِ ألفِ درهم، فأخبرته أنِّي لا أملك إلا سبعَ مئةِ ألفِ درهم، وحلفت له على ذلك بالأَيمان المغلَّظة، فلم يصدِّقني، وحبسني عند أحمدَ بنِ هشام، وكان بيني وبينه شرٌّ قد اشتهر، وكان على الحرس، فقال أحمدُ للموكَّلين بي: احفظوه لا يَسمَّ نفسَه، وبلغ المأمونَ ففطن لمراده، فقال: يا أحمد، لا يأكلْ يحيى بنُ خاقانَ ولا يشرب إلَّا ما يؤتَى به من منزله، قال يحيى: فأرسلتُ إلى جماعة، فبعث إليَّ الحسنُ بن سهل وفَرَجٌ الرُّخَّجي وحُميد الطوسيٌّ بثلاثة آلافِ ألفِ درهم، كلُّ واحدٍ بألف ألفِ درهم، فأضفتُ ذلك إلى ما عندي، فكَمُلت خمسةَ آلافِ ألفِ درهم، وكتبت إلى المأمون أعرِّفه، وكان عنده أحمدُ بن أبي خالدٍ وعَمرو بن مَسعدةَ وعليُّ بن هشام، فأَحضرني وقال: ألست الحالفَ لي أنَّك لا تقدر إلَّا على سبع مئةِ ألفِ درهم؟! فمن أين لك هذا المال؟! فقصصتُ عليه القصَّة، فأطرق طويلًا ثمَّ رفع رأسه وقال: قد وهبتُ لك المال، فقال له مَن حضر: أَتهب له هذا المال وليس في خزائنك درهم! قال: نعم، قالوا: خذْ منه قرضًا، وإذا جاءك مالٌ رددتَ عوضه، فقال: أنا أَقدَرُ على المال من يحيى، ولا أرجعُ فيما وهبت. قال يحيى: فقمتُ فرددت على القوم أموالهم وفرَّج اللهُ عني.
وسعى إليه محمدُ بن يَزداد بعَمرو بنِ بهبوبا (٢) أنَّه أخذ الأموال، فقال المأمونُ للفضل بنِ مروان: خُذ عَمرًا إليك فقيِّده وضيِّق عليه ليؤدِّي ما اختانه من المال، قال
стр. 6548
الفضل: فأخذتُ عَمرًا إلى داري، وأفردتُ له حُجرة، وأَقمتُ له ما يُصلحه، وأقام ثلاثةَ أيام، ثم أرسل إليَّ يسألني الاجتماعَ به، فأَذنتُ له، فدخل عليَّ وأخرج رقعةً قد أَثبت فيها ما يملكه، من مالٍ وجوهرٍ وعقار وأثاثٍ ودوابَّ وعبيدٍ وإمامٍ ونحو ذلك، ما مبلغُه عشرون ألفَ ألفِ درهم، وسألني أن أُوصلَ رقعتَه إلى المأمون، وأنه قد جعله في حِلٍّ وسَعَة من جميع ذلك، فقلت له: مهلًا، إنَّ أميرَ المؤمنين أجلُّ قَدْرًا أن يسلُبَك نعمتك كلَّها عن آخرها، فقال: هو كما وصفت، ولكنَّ الساعيَ لا ينام عنِّي ولا عنك، وقد بلغني أنَّه أمرك بالغِلظة عليَّ، وقد عاملتَنِي بضدِّ ذلك، وقد طابت نفسي أن أشتريَ خلاصي وخلاصَك بجميع مالي، فلم أَزل أرفقُ به حتَّى وافقته على شطر مالِه، وهو عشرةُ آلافِ ألفِ درهم، وأخذت خطَّه بها وصرتُ إلى المأمون، وإذا بمحمد بنِ يزدادَ قد سبقني إليه، فلما دخلتُ خرج محمد، فقال لي المأمون: يا فضل، ما هذه الجرأةُ عليَّ! أمرتُك بالتضييق على عَمرو بن بهبوبا فقابلتَ أمري بالضدِّ ووسَّعت عليه وأقمت له الأَنزال (١)!
فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ عَمرًا يطالب بمالٍ عظيم، ولم آمن أن أحبسَه في بعض الدواوين فيبذلَ مالًا يُرغَب في مثله فيخلُص، فجعلت حبسَه في داري، وأشرفتُ على طعامه وشرابِه لأَحرسَ نفسه؛ فإنَّ كثيرًا من الناس اختانوا الأموال وأَودعوها، فاحتيل عليهم بإِتلاف نفوسهم، فذهبت الأموالُ التي كانت لهم عند الناس، فتلفوا وفاز بها غيرُهم.
قال: فسكن غضبُه، ولم أُخرج الرُّقعة، قال: سلِّم عَمرًا إلى محمد بنِ يزداد، فسلَّمته إليه، فعذَّبه بأنواع العذاب، فلم يقرَّ بدرهم، فلمَّا رأى أصحابُه ذلك، جمعوا له ثلاثةَ آلافِ ألفِ درهمِ وبذلوها لمحمد بنِ يزداد، فصار إلى المأمون متبجِّحًا بها، وأخبره وأنا واقف، فرفع المأمونُ رأسَه وقال لي: يا فضل، ألم تعلمْ أنَّ غيرَك أقومُ بأمرنا منك وأَطوعُ لما نأمر! هذا محمدٌ قد أخذ خطَّ عَمروٍ بثلاثة آلافٍ ألفِ درهم، فقلت له -وما اجترأتُ عليه مثلَها قطّ-: أرجو أن أكونَ في حال استبطانك لي أبلغَ من إسراع غيري.
стр. 6549
ثم أَوقفته على الرُّقعة التي كتبها عَمرو، وحدَّثته الحديثَ عن آخره، فقال: واللهِ ما أدري أيُّكما أعجب، أَعمرٌو حيث شكر بِرَّك فطاب نفسًا بالخروج من جميع ما يملكه بهذا السَّبب! أم أنت ومحافظتُك على أهل النِّعم وسَترك عليهم في ذلك الوقت! واللهِ لا كنتما يا نَبَطِيَّان أكرمَ مني، قد وهبتُ له الكلّ، ومزَّق الرُّقعتين اللتين بخطِّ عَمرٍو بعشرة آلاف ألفِ درهم، والتي بثلاثة آلافِ ألفِ درهم، وبعث بعَمرٍو إلى داره مكرَّمًا.
وقال عيسى بنُ عبَّاد (١): دعاني المأمونُ يومًا فدفع إليَّ كتابًا مختومًا وقال: اذهب إلى عَمرو بنِ مَسعدةَ وناظرْه على ما في هذ الكتاب بابًا بَابًا، وخذ خطَّه على كلِّ باب بحجَّة، واختمه بخاتَمي وخاتَمه، ويبقى عندك إلى أن أقولَ لك، ولا تبتدئْني فيها بشيءٍ حتَّى أسألَك.
قال: وكنت شاركت عَمرًا في تلك الأموالِ التي رُفعت علينا، فخفت من ذِكرها في السِّعاية، وأن تكونَ مذكورة في الكتاب، فصرت إلى عَمرٍو وهو جالسٌ يلعب بالشِّطرَنج في بستان، فقلت: لي حديثٌ فأَخْلِني، فقال: دعني أُتمِّم دَسْتي، فغاظني، فبدَّدتُ الرقعةَ وقلت: قد سأل بنا السَّيلُ وأنت لا تدري، ثم ناولتُه الكتاب، فضحك وقال: ويحك! قد خدمتَ رجلًا مدَّة وأنت لا تعرف أخلاقَه ومذهبَه! أتريد أن أُطلعَك على ما هو أشدُّ من هذا؟ قلت: نعم، فأخرجَ إليَّ رقعةً فيها مثلُ ما في تلك، وقال: هذه لها عندي منذ سنة، كتب إليَّ بأن أفعلَ مثلَ هذا ولم أُخبرك.
قال: فجعلت أُرعَد من الخوف وعَمرٌو يضحك، وأنا أقول: عند اللهِ أحتسب نفسي ونعمتي، فقال عَمرو: أنت مجنون، إنَّ صاحبنا ليس بشَرِه ولا بخيل، ولكنه أراد أن يعرِّفَنا أنَّه قد علم ما صار إلينا من إِنفاق، فقلت: لا بدَّ من الكتابة، فكتب رُقعة، فوجد ما نُسب إليه أربعين ألفَ ألفِ درهم، وما نُسب إليَّ سبعةً وعشرين ألفَ ألفِ درهم، وكَتب في أسفلها: لو قصرت بنا هِمَمُنا عن هذا المقدارِ وسعتنا (٢) منازلنا، ونرجو أن يُطيل الله بقاءَ أميرِ المؤمنين ليصلَ إليا أضعافُ ذلك.
стр. 6550
قال: وأخذتُ أنا الرُّقعة، فأقامت معي وأنا أَذوب وأَنحَل، ولا أَشكُّ في زوال نعمتي وهلاكي، فكتبت وصيَّتي وهجرتُ طعامي وشرابي ولذَّاتي، حتَّى بَليت، فنظر المأمونُ إليَّ يومًا فقال: يا عيسى، هل تشكو عِلَّة؟ فقلت: يا أميرَ المؤمنين، لي سنة حيٌّ كميِّت بسبب الكتابِ الَّذي دفعتَه إليَّ لأُناظرَ عليه عَمرو بنَ مَسعدة، فقال: أَمسِك حتَّى أُعيدَ عليك ما جرى بينكما، فأَعاده حرفًا حرفًا وقال: عمرٌو أَعرفُ بنا منَّا، وأوسمعُ صدرًا، وأبعد همَّة، وما أردتُ إلَّا أن أعرِّفكما أني قد علمتُ بما صار إليكما وأنتما تتوقَّيان إظهارَه، وأحببتُ أن أُزيلَ عنكما غَمَّ المساتَرَة وثقلَ المراقبة، وإني خَجِلٌ منكما من ضعف أمري (١) عندكما، فدعوتُ له وقلت: ما أَصنعُ بهذا الكتاب؟ فقال: ترميه في لعنة الله، وامضِ مصاحَبًا في سِتر الله. فدعوتُ له وانصرفت كأنما أُطلقت من عِقال (٢).
و [قال الصُّولي:] (٣) كان بعضُ خدمٍ المأمون [واسمُه رشيد] بلغه عنه أنَّه يسرق، فقال له يومًا: يا رشيد، إذا سرقتَ شيئًا فبِعْنيه، قال: نعم [قال:] وكان يصبُّ على يديه من إِبريق في طَسْت، فقال: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري منِّي هذا الطَّسْتَ والإبريق؟ قال: بكم تريدني أَشتريه، قال: بعشَرة دنانير، فأمر له بها، فقال الرشيد: بقي هذان ما بقي الليلُ والنهار. فضحك المأمونُ [حتى استلقى].
[قال:] (٤) وأهدى مَلِكُ الرومِ إلى المأمون هديَّةً سَنيَّة، فيها مئةُ رطلٍ من المِسك، ومئةُ حُلَّة من سَمُّور (٥)، فقال: أَضعِفوها له ليعلمَ عزَّ الإسلام وذُلَّ الكفر.
وقال العَيشي (٦): كنت مع المأمونِ بدمشق، فضاق ما بيده، فشكا ذلك إلى أخيه أبي إِسحاقَ المعتصم، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، كانَّك بالمال وقد وافاك بعد جُمُعة، وقدم بالمال وكان ثلاثين ألفَ ألفِ درهمٍ من خَراج كان يتولَّاه المعتصم، فقال لابن