وكتب في أسفلها: [من السريع]
بضاعتي تَقْصُر عن هِمَّتي … وهمَّتي تَقْصُر عن مالي
فالملحُ والأُشنان يا سيِّدي … أَحسنُ ما يُهديه أَمثالي
فأخذ الحسنُ المِزْوَدَين والرقعةَ ودخل على المأمون وأَوقفه على الرُّقعة، فاستحسن ذلك، وملأ المِزْودين دنانيرَ بعد أن أَفرغهما.
وقال هُدْبةُ بن خالد: حضرتُ مجلسَ المأمون، فلمَّا رُفعت الموائد، جعلتُ أَلتقط ما على وجه الأرض، فرآني المأمونُ فقال: يا شيخ، أَمَا شبعت؟! فقلت: بلى، ولكن حدَّثني حمَّاد بن سَلَمة عن ثابتٍ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أكل ما سقط على المائدة (١) أَمِنَ الفقر" (٢) فأمر لي بألف دينار، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، وهذا مِصداقُ الحديث [وفي رواية: وهذا من ذاك] (٣).
وأمر المأمونُ محمدَ بن أبي خالدٍ ومحمدَ بن يَزدادَ أن يناظرا عَمرَو بن مَسعدةَ في مال الأهواز، فناظراه، فظهر عليه ستَّةَ عشرَ ألفَ ألفِ درهم، فقال المأمونُ لابن يَزداد: انظر كلَّ ما تعلَّق به عَمروٌ فيما يدَّعيه فأَمضِه، فتعلَّق بأشياءَ لا أصلَ لها، فسقط من المال عشرةُ آلافِ ألفِ درهم، وبقي ستَّةُ آلافِ ألفِ درهمٍ لا حجَّةَ له فيها، فأُخذ خطُّه بها وأنها واجبةٌ للمأمون في ذمَّته، فلما خرج محمدٌ أَحضر المأمونُ عَمرًا وقال: هذا خطُّك؟ قال: نعم، قال: خذْه فقد وهبتُه لك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد وهبته لأحمدَ بنِ عروةَ عاملِ الأهواز؛ فإنَّه يطالب به وهو فقير، فغضب المأمون، وعلم عَمرو أنَّه قد أخطأ، فقام وخرج، فدخل على أحمدَ بن أبي خالدٍ فأخبره، فقال: لا بأسَ عليك، ودخل على المأمون، فقال له: يا أحمد، أَلا تعجبُ من عَمروٍ وهبته ستةَ آلافِ ألف درهمٍ بعد أن تجافيتُ له عن أَضعافها فوهبها بين يديَّ لأحمدَ بنِ عروة! كأنه
стр. 6547
أراد أن يضاهيَني ويصغِّرَ معروفي عنده! فقال أحمد: يا أميرَ المؤمنين، لو لم يفعلْ هذا لكان ينبغي أن يسقطَ حالُه عندك، قال: وكيف؟! قال: أراد أن ينتشرَ في ملوك الأممِ أنَّ بعضَ خدمك اتَّسع قلبُه لهبة هذا المالِ الذي هو من جُملة إِحسانك، فيزيدَ ذلك في جلال الدَّولة، فيذلَّ أعداؤك الذي يكاثرونك (١)، قال: صدقتَ، ورضي عنه.
وقال يحيى بنُ خاقان: أَلزمني المأمونُ بخمسة آلافِ ألفِ درهم، فأخبرته أنِّي لا أملك إلا سبعَ مئةِ ألفِ درهم، وحلفت له على ذلك بالأَيمان المغلَّظة، فلم يصدِّقني، وحبسني عند أحمدَ بنِ هشام، وكان بيني وبينه شرٌّ قد اشتهر، وكان على الحرس، فقال أحمدُ للموكَّلين بي: احفظوه لا يَسمَّ نفسَه، وبلغ المأمونَ ففطن لمراده، فقال: يا أحمد، لا يأكلْ يحيى بنُ خاقانَ ولا يشرب إلَّا ما يؤتَى به من منزله، قال يحيى: فأرسلتُ إلى جماعة، فبعث إليَّ الحسنُ بن سهل وفَرَجٌ الرُّخَّجي وحُميد الطوسيٌّ بثلاثة آلافِ ألفِ درهم، كلُّ واحدٍ بألف ألفِ درهم، فأضفتُ ذلك إلى ما عندي، فكَمُلت خمسةَ آلافِ ألفِ درهم، وكتبت إلى المأمون أعرِّفه، وكان عنده أحمدُ بن أبي خالدٍ وعَمرو بن مَسعدةَ وعليُّ بن هشام، فأَحضرني وقال: ألست الحالفَ لي أنَّك لا تقدر إلَّا على سبع مئةِ ألفِ درهم؟! فمن أين لك هذا المال؟! فقصصتُ عليه القصَّة، فأطرق طويلًا ثمَّ رفع رأسه وقال: قد وهبتُ لك المال، فقال له مَن حضر: أَتهب له هذا المال وليس في خزائنك درهم! قال: نعم، قالوا: خذْ منه قرضًا، وإذا جاءك مالٌ رددتَ عوضه، فقال: أنا أَقدَرُ على المال من يحيى، ولا أرجعُ فيما وهبت. قال يحيى: فقمتُ فرددت على القوم أموالهم وفرَّج اللهُ عني.
وسعى إليه محمدُ بن يَزداد بعَمرو بنِ بهبوبا (٢) أنَّه أخذ الأموال، فقال المأمونُ للفضل بنِ مروان: خُذ عَمرًا إليك فقيِّده وضيِّق عليه ليؤدِّي ما اختانه من المال، قال
стр. 6548
الفضل: فأخذتُ عَمرًا إلى داري، وأفردتُ له حُجرة، وأَقمتُ له ما يُصلحه، وأقام ثلاثةَ أيام، ثم أرسل إليَّ يسألني الاجتماعَ به، فأَذنتُ له، فدخل عليَّ وأخرج رقعةً قد أَثبت فيها ما يملكه، من مالٍ وجوهرٍ وعقار وأثاثٍ ودوابَّ وعبيدٍ وإمامٍ ونحو ذلك، ما مبلغُه عشرون ألفَ ألفِ درهم، وسألني أن أُوصلَ رقعتَه إلى المأمون، وأنه قد جعله في حِلٍّ وسَعَة من جميع ذلك، فقلت له: مهلًا، إنَّ أميرَ المؤمنين أجلُّ قَدْرًا أن يسلُبَك نعمتك كلَّها عن آخرها، فقال: هو كما وصفت، ولكنَّ الساعيَ لا ينام عنِّي ولا عنك، وقد بلغني أنَّه أمرك بالغِلظة عليَّ، وقد عاملتَنِي بضدِّ ذلك، وقد طابت نفسي أن أشتريَ خلاصي وخلاصَك بجميع مالي، فلم أَزل أرفقُ به حتَّى وافقته على شطر مالِه، وهو عشرةُ آلافِ ألفِ درهم، وأخذت خطَّه بها وصرتُ إلى المأمون، وإذا بمحمد بنِ يزدادَ قد سبقني إليه، فلما دخلتُ خرج محمد، فقال لي المأمون: يا فضل، ما هذه الجرأةُ عليَّ! أمرتُك بالتضييق على عَمرو بن بهبوبا فقابلتَ أمري بالضدِّ ووسَّعت عليه وأقمت له الأَنزال (١)!
فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ عَمرًا يطالب بمالٍ عظيم، ولم آمن أن أحبسَه في بعض الدواوين فيبذلَ مالًا يُرغَب في مثله فيخلُص، فجعلت حبسَه في داري، وأشرفتُ على طعامه وشرابِه لأَحرسَ نفسه؛ فإنَّ كثيرًا من الناس اختانوا الأموال وأَودعوها، فاحتيل عليهم بإِتلاف نفوسهم، فذهبت الأموالُ التي كانت لهم عند الناس، فتلفوا وفاز بها غيرُهم.
قال: فسكن غضبُه، ولم أُخرج الرُّقعة، قال: سلِّم عَمرًا إلى محمد بنِ يزداد، فسلَّمته إليه، فعذَّبه بأنواع العذاب، فلم يقرَّ بدرهم، فلمَّا رأى أصحابُه ذلك، جمعوا له ثلاثةَ آلافِ ألفِ درهمِ وبذلوها لمحمد بنِ يزداد، فصار إلى المأمون متبجِّحًا بها، وأخبره وأنا واقف، فرفع المأمونُ رأسَه وقال لي: يا فضل، ألم تعلمْ أنَّ غيرَك أقومُ بأمرنا منك وأَطوعُ لما نأمر! هذا محمدٌ قد أخذ خطَّ عَمروٍ بثلاثة آلافٍ ألفِ درهم، فقلت له -وما اجترأتُ عليه مثلَها قطّ-: أرجو أن أكونَ في حال استبطانك لي أبلغَ من إسراع غيري.
стр. 6549
ثم أَوقفته على الرُّقعة التي كتبها عَمرو، وحدَّثته الحديثَ عن آخره، فقال: واللهِ ما أدري أيُّكما أعجب، أَعمرٌو حيث شكر بِرَّك فطاب نفسًا بالخروج من جميع ما يملكه بهذا السَّبب! أم أنت ومحافظتُك على أهل النِّعم وسَترك عليهم في ذلك الوقت! واللهِ لا كنتما يا نَبَطِيَّان أكرمَ مني، قد وهبتُ له الكلّ، ومزَّق الرُّقعتين اللتين بخطِّ عَمرٍو بعشرة آلاف ألفِ درهم، والتي بثلاثة آلافِ ألفِ درهم، وبعث بعَمرٍو إلى داره مكرَّمًا.
وقال عيسى بنُ عبَّاد (١): دعاني المأمونُ يومًا فدفع إليَّ كتابًا مختومًا وقال: اذهب إلى عَمرو بنِ مَسعدةَ وناظرْه على ما في هذ الكتاب بابًا بَابًا، وخذ خطَّه على كلِّ باب بحجَّة، واختمه بخاتَمي وخاتَمه، ويبقى عندك إلى أن أقولَ لك، ولا تبتدئْني فيها بشيءٍ حتَّى أسألَك.
قال: وكنت شاركت عَمرًا في تلك الأموالِ التي رُفعت علينا، فخفت من ذِكرها في السِّعاية، وأن تكونَ مذكورة في الكتاب، فصرت إلى عَمرٍو وهو جالسٌ يلعب بالشِّطرَنج في بستان، فقلت: لي حديثٌ فأَخْلِني، فقال: دعني أُتمِّم دَسْتي، فغاظني، فبدَّدتُ الرقعةَ وقلت: قد سأل بنا السَّيلُ وأنت لا تدري، ثم ناولتُه الكتاب، فضحك وقال: ويحك! قد خدمتَ رجلًا مدَّة وأنت لا تعرف أخلاقَه ومذهبَه! أتريد أن أُطلعَك على ما هو أشدُّ من هذا؟ قلت: نعم، فأخرجَ إليَّ رقعةً فيها مثلُ ما في تلك، وقال: هذه لها عندي منذ سنة، كتب إليَّ بأن أفعلَ مثلَ هذا ولم أُخبرك.
قال: فجعلت أُرعَد من الخوف وعَمرٌو يضحك، وأنا أقول: عند اللهِ أحتسب نفسي ونعمتي، فقال عَمرو: أنت مجنون، إنَّ صاحبنا ليس بشَرِه ولا بخيل، ولكنه أراد أن يعرِّفَنا أنَّه قد علم ما صار إلينا من إِنفاق، فقلت: لا بدَّ من الكتابة، فكتب رُقعة، فوجد ما نُسب إليه أربعين ألفَ ألفِ درهم، وما نُسب إليَّ سبعةً وعشرين ألفَ ألفِ درهم، وكَتب في أسفلها: لو قصرت بنا هِمَمُنا عن هذا المقدارِ وسعتنا (٢) منازلنا، ونرجو أن يُطيل الله بقاءَ أميرِ المؤمنين ليصلَ إليا أضعافُ ذلك.
стр. 6550
قال: وأخذتُ أنا الرُّقعة، فأقامت معي وأنا أَذوب وأَنحَل، ولا أَشكُّ في زوال نعمتي وهلاكي، فكتبت وصيَّتي وهجرتُ طعامي وشرابي ولذَّاتي، حتَّى بَليت، فنظر المأمونُ إليَّ يومًا فقال: يا عيسى، هل تشكو عِلَّة؟ فقلت: يا أميرَ المؤمنين، لي سنة حيٌّ كميِّت بسبب الكتابِ الَّذي دفعتَه إليَّ لأُناظرَ عليه عَمرو بنَ مَسعدة، فقال: أَمسِك حتَّى أُعيدَ عليك ما جرى بينكما، فأَعاده حرفًا حرفًا وقال: عمرٌو أَعرفُ بنا منَّا، وأوسمعُ صدرًا، وأبعد همَّة، وما أردتُ إلَّا أن أعرِّفكما أني قد علمتُ بما صار إليكما وأنتما تتوقَّيان إظهارَه، وأحببتُ أن أُزيلَ عنكما غَمَّ المساتَرَة وثقلَ المراقبة، وإني خَجِلٌ منكما من ضعف أمري (١) عندكما، فدعوتُ له وقلت: ما أَصنعُ بهذا الكتاب؟ فقال: ترميه في لعنة الله، وامضِ مصاحَبًا في سِتر الله. فدعوتُ له وانصرفت كأنما أُطلقت من عِقال (٢).
و [قال الصُّولي:] (٣) كان بعضُ خدمٍ المأمون [واسمُه رشيد] بلغه عنه أنَّه يسرق، فقال له يومًا: يا رشيد، إذا سرقتَ شيئًا فبِعْنيه، قال: نعم [قال:] وكان يصبُّ على يديه من إِبريق في طَسْت، فقال: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري منِّي هذا الطَّسْتَ والإبريق؟ قال: بكم تريدني أَشتريه، قال: بعشَرة دنانير، فأمر له بها، فقال الرشيد: بقي هذان ما بقي الليلُ والنهار. فضحك المأمونُ [حتى استلقى].
[قال:] (٤) وأهدى مَلِكُ الرومِ إلى المأمون هديَّةً سَنيَّة، فيها مئةُ رطلٍ من المِسك، ومئةُ حُلَّة من سَمُّور (٥)، فقال: أَضعِفوها له ليعلمَ عزَّ الإسلام وذُلَّ الكفر.
وقال العَيشي (٦): كنت مع المأمونِ بدمشق، فضاق ما بيده، فشكا ذلك إلى أخيه أبي إِسحاقَ المعتصم، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، كانَّك بالمال وقد وافاك بعد جُمُعة، وقدم بالمال وكان ثلاثين ألفَ ألفِ درهمٍ من خَراج كان يتولَّاه المعتصم، فقال لابن
стр. 6551
أَكثم: اُخرج بنا ننظرْ إلى المال، فخرجا وقد هُيِّئَ بأحسن هيئته، وزُّيِّنت الجِمالُ بالأَحلاس الموشَّاة، واستشرف الناسُ إلى البِدَر (١) ينظرون إليها، فقال المأمونُ ليحيى: يا أبا محمد، أَننصرف بهذه الأموالِ وينصرف أصحابُنا هؤلاء الذين شاهدوها إلى منازلهم خائبين! إنَّا إذًا لَلِئام.
ثم دعا محمدَ بن يَزدادَ فقال: وقِّع لفلانٍ بألف ألف، ولفلانٍ بمثلها، ولفلانٍ بكذا وكذا. فواللهِ ما زال كذلك حتَّى فرَّق أربعةً وعشرين ألفَ أَلفِ درهم ورِجْلُه في الرِّكاب، ثم قال: ارفع الباقيَ لجندنا.
قال العيشي: فجئتا فقمت نُصبَ عينه، فقال: يا محمد، وقِّع لهذا بخمسين ألفَ درهمٍ من الستَّة آلافِ درهم لا يختلسْ ناظري، فأخذتُها.
وقال محمدُ بن أيوبَ بن جعفرِ بن سليمانَ والي البصرة: كان عندنا بالبصرة شاعرٌ يقال له: ابنُ تميم، ظريف، وكنت آنَس به، فقلت له يومًا: أين أنت من المأمون، فإنَّه أَجودُ من الرِّيح العاصفِ والسَّحاب الحافلَ، فقال: أنا ضعيف، فأعطيتُه نجيبًا فارهًا ونفقة، وعَمِلَ أُرجوزة أثنى عليَّ فيها (٢)، وخرج إلى الشام، فوافي المأمونَ في بلاد الرُّوم.
قال الرجل: فبينا أنا ذاتَ غداةٍ على نجيبي وأنا أردِّد أُرجوزتي، وإذا بكهلٍ على بغلٍ فارِه، فسلَّم عليّ، فرددتُ عليه، فقال: مَن الرجل؟ قلت: من مُضَر، قال: ونحن من مُضَر، قال: ثم ماذا؟ قلت: من بني تميم، ثم من بني سَعد، فقال ورائحةُ المسكِ تفوح منه: ومِن أين وإلى أين؟ قلت: من البصرة إلى هذا المَلكِ العظيمِ الَّذي ما سمعتُ بأندى رائحةً ولا أوسعَ صدرًا وراحةً منه [وقد عملتُ فيه رَجَزًا يَحسُن في مِثله] (٣) وتقتفيه الرُّواة، ويحلو في آذان المستمعين، قال: فأنشدنيه، فغضبتُ وقلت: يا رَكيك (٤)، كيف أفعل هذا وأنا قاصدٌ الخليفة! فتغافل عنها وأَلغى جوابَها ثم قال: وما الذي تروم منه؟ قلت: ألف دينار، قال: إنْ رأيتُ شِعرك جيِّدًا وكلامَك عذبًا
стр. 6552
أعطيتُك ألفَ دينارٍ وأَرحتك من التعب، ومتى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشرةُ آلافِ رامحٍ ونابل! فقلت: واللهِ عليك أن تعطيَني ألفَ دينار؟! قال: نعم، قلت: ومن أين لك ألفُ دينار؟! قال: هذا بغلي خيرٌ من ألف دينار، قال: فغضبت وقلت: ما يساوي هذا البغلُ هذا النَّجيب؟! قال: فدع عنك التعلُّل، ولله عليَّ أن أعطيَك الساعةَ ألفَ دينار، فأنشدته:
مأمون يا ذا المِنَن الشريفهْ … وصاحبَ المراتبِ المُنيفهْ
وقائدَ الكتيبةِ الكثيفه … هل لك في أُرجوزةٍ ظريفه
أظرفَ من فِقه أبي حنيفه … لا والذي أنت له خليفه
ما ظُلِمت في أرضنا ضعيفه … أَميرُنا مُؤنتهُ خفيفه
وما اجتبى [شيئًا] (١) سوى الوظيفه (٢) … فالذئبُ والنَّعجةُ في سَقيفه
واللِّصُّ والتاجرُ في قَطيفه
قال: فما فرغتُ من إنشادها إلَّا وقد أحدق بنا زُهاء على عشرة آلافِ فارس، فأخذني أَفْكَل (٣)، وإذا به المأمون، فقال: أَي أخي لا باسَ عليك، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أَتعرف لغاتِ العرب؟ قال: إِي لَعَمرُ الله، قلت: مَن جعل الكافَ منهم مكانَ القاف؟ قال: حِمْيَر. فقلت: لعنها اللهُ ولعن مَن استعمل هذه اللَّفظة (٤) بعد اليوم. فضحك المأمونُ وعلم ما أردت. يعني: يا ركيك، ثم أعطاني ثلاثةَ آلافِ دينارٍ وقال: سلامٌ عليكم، ومضى، فكان آخرَ العهدِ به (٥).
[وحكى الصُّولي عن يحيى بنِ أكثمَ حديثَ المرأة، قال يحيى: لما دخل المأمونُ بغدادَ جلس لردِّ المظالم، فقعد إلى الظُّهر] فلمَّا أراد القيام (٦)، تقدَّمت إليه امرأةٌ غريبة
стр. 6553
في ثيابٍ رثَّة تتعثَّر بذيلها، ووقفت بين يديه، فقال: ما حاجتُكِ؟ فقالت: امرأةٌ غريبة، وأنشدت: [من البسيط]
يا خيرَ منتصفٍ يُهدَى به الرَّشَدُ … ويا إمامًا به قد أَشرق البلدُ
تشكو إليك عميدَ المُلكِ أَرملةٌ … عَدَا عليها فما يَقوَى به (١) الأَسَد
فابتزَّ منِّي ضِياعي بعد مَنعَتها … لمَّا تفرَّق عنِّي الأهلُ والوَلَد
فأَطرق المأمونُ ساعةً [مفكَرًا] (٢) ثم رفع رأسَه وقال (٣):
مِن دون ما قلت عِيلَ الصبرُ والجَلَدُ … فأَحضِروا خصمَها اليومَ الذيَ أَعِدُ (٤)
والمجلسُ السَّبت إنْ يُقضَ الجلوسُ لنا … أُنْصِفْكِ منه وإلَّا المجلسُ الأَحَد
وقام، فلمَّا كان يومُ الأحدِ حضرت المرأة، فقال لها: وأين الخصم؟ فأشارت إلى العباس بنِ المأمون، وكان قائمًا على رأسِ أبيه وهو غلام، فقالت: غصبني ضَيعتي، فسأله الحجَّة، فسكت، والمرأةُ ترفع عليه صوتَها وهو لا ينطِق، فقال لها بعضُ الحاضرين: أَترفعين صوتَك على ابن أميرِ المؤمنين! فقال له المأمون: اُسكت؛ فإنَّ الحقَّ أَنطقها والباطل أَخرسه، ثم ردَّ عليها ضَيعتَها وأعطاها عشرةَ آلافِ درهمٍ وردَّها إلى أهلها.
وقال إسحاقُ بن إبراهيمَ المَوصلي: كان المأمونُ قد سخط على الخَليع (٥) لأنَّه هجاه ومدح الأَمين. قال إسحاق: فبينا أنا ذاتَ يومٍ عند المأمون، إذ دخل ابنُ البوَّاب الحاجبُ وبيده رُقعة، فاستأذن في إِنشادها، فأذن له، فقال: [من الطويل]
أَجِرني فإنِّي قد ظمئتُ إلى الوعد … متى تُنجز الوعدَ المؤكَّدَ بالعهدِ
أُعيذك من خُلْف الملوكِ فقد ترى … تقطُّعَ أنفاسي عليك من الوَجْد
стр. 6554
أَيبخل فَرْدُ الحُسْنِ عني بنائلٍ … قليلٍ وقد أَفردتُه بهوًى فَرْدِ
رأى اللهُ عبدَ اللهِ خيرَ عبادِه … فملَّكه واللهُ أعلمُ بالعبد
أَلَا إنَّما المأمونُ [للناس] (١) عصمةٌ … مميِّزة بين الضَّلالة والرُّشد
فقال له: أَحسنت، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أَحسن قائلُها، قال: ومَن هو؟ قال: عُبيدك الحسينُ بن الضحَّاك، فقال: لا حيَّاه الله ولا بيَّاه ولا قرَّبه، أليس هو القائل: [من الطويل]
أَعينيَّ جُودا وابكيا لي محمَّدا … ولا تَذْخَرا دمعًا عليه وأَسعِدا
فلا تمَّت الأشياءُ بعد محمدٍ … ولا زال شَملُ المُلكِ فيها مبدَّدا
ولا فرح المأمونُ بالمُلك بعده … ولا زال في الدُّنيا طريدًا مشرَّدا
هذه بتلك، ولا شيء له عندنا، فقال ابنُ البواب: فأين عادةُ عفو أمير المؤمنين؟ قال: أما هذه فنعم، إئذنوا له، فدخل (٢)، فقال المأمون: هل عرفتَ يوم قُتل أخي هاشميةً هُتكت؟ قال: لا، قال: فما معنى قولِك: [من الطويل]
وممَّا شجا قلبي وكفكفَ عَبرتي … محارمُ من آل النبيِّ استُحِلَّتِ
ومهتوكةٌ بالخُلْد عنها سجوفُها … كَعابٌ كقَرن الشمسِ حين تبدَّت
فلا بات ليلُ الشامِتِين بغِبطةٍ … ولا بُلِّغت آمالُهم ما تمنَّت
فقال: يا أميرَ المؤمنين، لوعةٌ غلبتني، وروعةٌ فاجأتني، ونعمةٌ سُلبتُها بعد أن غمرتْني، وإحسان عمَّني سَيبُه فأَنطقني، وسيِّد فقدتُه فأوجعني، فإن عاقبتَ فبحقِّك، وإن عفوتَ فبفضلك، فدمعت عينا المأمونِ وأمر بإدرار رزقِه.
قال المصنِّف ﵀: والذي ذكر الخليعُ هو الصحيح، أيُّ هتكَةٍ أعظمُ من خروج هاشميةٍ حاسرةً مكشوفةَ الرأس ناشرةً شعرَها، ومعها بناتُ الخلفاءِ عليهنَّ المُسوح، يَلْطِمنَ في شوارع مدينةِ أبي جعفرٍ ويَحثين على رؤوسهنَّ الرَّماد، حتَّى بكى عليهنَّ كل صديقٍ وكلُّ عدو، وإنما الخليعُ خاف من المأمون فاعتذر بما ذكر.
وبلغ المأمونَ أن دِعْبِلًا هجاه فقال: [من الكامل]
стр. 6555
أَيسومني المأمونُ خِطَّةَ عارفٍ (١) … أَوَما رأى بالأمس رأسَ محمَّدِ
إنَّ التِّراتِ مسهَّدٌ طُلَّابها … فاكفُفْ لُعابَك عن (٢) لُعاب الأسود
إنِّي من القوم الذين سيوفُهمْ … قتلتْ أخاك وشرَّفتْك بمَقْعد
شادوا بذِكرك بعد طول خُمودِه … واستنقذوك من الحضيض الأَوْهَد
فقال المأمون: قاتله الله، ومتى كنت خاملًا وقد نشأتُ في حجر الخلفاء! ولكن هو يهجو أبا عبَّادٍ لا يهجوني، وكان في [أبي] (٣) عَبَّاد حِدَّة.
قال يحيى بنُ أكثم: قال المأمون: وددتُ لو أنَّ لي رجلًا مثلَ الأصمعيِّ يعرف أيامَ العرب وأشعارَها حتَّى ينادمَني كما نادم الأصمعيُّ أبي، فقلت: ها هنا عَتَّاب بنُ ورقاءَ الشَّيباني، فهو مِثلُ الأصمعي، فقال: عليَّ به، فلما حضر قلت له: إنَّ أميرَ المؤمنين -أطال اللهُ بقاءه- يرغب في مؤانستك ومحادثتِك، فقال: إني شيخٌ كبير عاجزٌ عن ذلك، وقد ذهب مني الأَطْيَبان (٤)، فقال المأمون: لا بدَّ من ذلك، فقال عَتَّاب: [من المجتث]
أبعد سِتِّين أَصبو … والشَّيبُ للمرء حربُ
شيبٌ وعيبٌ وخمر (٥) … هذا لَعَمرُك صعب
فابنَ الإمام فهلَّا … أيام عوديَ رَطْب
وإذ شِفاءُ الغَوَاني (٦) … مني حديثٌ وقُرب
وإذ مَشيبي قليلٌ … ومنهلُ العيش عذْب
[فالآن لمَّا رأى بي … عواذلي ما أحبُّوا] (٧)
آليتُ أَشربُ راحًا … ما حجَّ لله رَكب
стр. 6556
فقال المأمون: ينبغي أن يُكتبَ هذا الشِّعر بماء الذَّهب، وأَجازه وأعفاه.
ولمَّا دخل المأمونُ دمشقَ غنَّاه عَلُّويه بأبيات، وهي:] من الطويل]
برئتُ من الإِسلام إن كان ذا الَّذي … أَتاك به الواشون عنِّي كما قالوا
ولكنَّهم لمَّا رأوكِ غَرِيَّةً … بهجري تواصَوا بالنَّميمة واحتالوا
فقد صرتِ أُذْنًا للوُشاة سميعةً … ينالون من عِرضي ولو شئتِ ما نالوا
فقال المأمون: لمن هذا الشِّعر؟ فقال علُّويه: للقاضي الخَلنْجِي (١) -وكان على قضاء دمشق- فقال: عليَّ به، فقال: أَنشدني قولَك: برئتُ من الإِسلام، فخاف وقال: هذه قلتُها منذ أربعين سنة وأنا صبيّ، وواللهِ ما قلتُ شعرًا منذ عشرين سنةً إلَّا في زُهدٍ أو عتابِ صديق، فناوله كأسًا من نبيذ، فأُرعد وقال: واللهِ ما شربته قطّ، فقال المأمون: لو شربتَه لَضربتُ عُنقَك، وواللهِ لا أولِّي القضاءَ على المسلمين رجلًا بدأ في هَزله (٢) بالبراءة من الإسلام، وقال لعلُّويه: قل: حُرِمتُ مُنايَ منكِ إنْ كان ذا الَّذي. فغيَّره بأَرشقِ عبارة.
وقال حُميد بنُ عبدِ الحميد الطُّوسي: قال لي عليُّ بن جَبلة: امتدحتُ المأمونَ بأبيات، فأَحضرها، فدخلتُ بها على المأمون، فتأمَّلها وقال: خيِّره، إن شاءَ عفونا عنه وجعلنا ذلك ثوابًا لمديحه، وإنْ شاء جمعنا بين هذه وبين شِعره فيك وفي أبي دُلَف، فإنْ كان ما قال فيك وفيه أَجود، ضربناه ظهرًا لبطني وأَطلنا حبسَه، وإن كان ما قال فينا أَجود، أعطيناه عن كلِّ بيتٍ من مديحه ألفَ درهم، وإن شاء أَقلناه، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ومَن أنا ومَن أبو دُلَفٍ حتَّى يمدحَنا باجودَ من مدحك، فقال: ليس هذا الجواب، واعْرض عليه ما قلت، فأَعرضتُ (٣) عليه، فقال: الإِقالةُ أسلمُ لي، فاخبرت المأمون، فقال: هو أعلم.
ثم قلت لعليّ: [إلى] أيِّ شيءٍ ذَهَبَ (٤) في مدحك إياي ومدحِ أبي دُلَف؟ فقال: أمَّا
стр. 6557
مدحي إياك فقَولي: [من مجزوء الكامل]
لولاُ حُميدٌ لم يكن … حَسَبٌ يُعَدُّ ولا نَسَبْ
يا واحدَ الزَّمنِ (١) الَّذي … عزَّت بعِزَّته العَرَبْ
وأمَّا مدحي لأبي دُلَفٍ فقولي: [من المديد]
إنَّما الدُّنيا أبو دُلَفِ … بين باديها (٢) ومُحتَضَرِهْ
فإذا ولَّى أبو دُلَفٍ … ولَّت الدُّنيا على أَثَرِه
فأعطاه حُميدٌ عشرةَ آلافِ درهم [وخِلْعة] (٣) وكذا أبو دُلَف، وقال: اكتم علينا.
وقال أبو نزار (٤): ظننتُ أنَّ المأمونَ انتقد عليه (٥) قولَه في أبي دُلَف: [من الطويل]
تحدَّر ماءُ الجُود من صُلب آدَمٍ … فأَثبته الرحمنُ في صُلب قاسمِ (٦)
وقال عُمارةُ بن عَقيل: قال لي عبدُ الله بنُ أبي السِّمط (٧)، وفي رواية (٨): مروانُ بن أبي حفصة: أَعلمتَ أنَّ المأمونَ لا ينتقد (٩) الشِّعر؟! قلت: ومَن يكون أعلمَ به منه! واللهِ إنا لنُنشده أوَّلَ البيتِ فيسبقنا إلى آخره، قال: فإنِّي قد أَنشدته بيتًا لم يتحرَّك له، قلت: وما هو؟ قال: [من البسيط]
أَضحى إمامُ الهدى المأمونُ مشتغلًا … بالدِّين والناسُ بالدنيا مشاغيلُ
فقلت: ما يُلام، وهل زدتَ على أن جعلته عجوزًا في محرابٍ وبيده سُبحة! فمَن يقوم بأمر الدُّنيا! هلَّا قلتَ كما قال عمُّك جَريرٌ في عبد العزيزِ بن الوليد: [من الطويل]
стр. 6558
فلا هو في (١) الدُّنيا مُضِيعٌ نصيبَه … ولا عَرَضُ الدنيا عن الدِّين شاغلُهْ
وكتب العباسُ الهَمْداني إلى المأمون في يوم نَيروزَ وقد أهدى الناسُ فنونَ الطُّرَفِ واللَّطائف: [من مجزوء الكامل]
أهدى لك الناسُ المرا … كبَ والوصائفَ والذَّهبْ
وهديَّتي جَزْلُ القصا … ئدِ والمدائحِ والخُطَب
فاسلمْ سلمتَ على الزَّما … نِ من الحوادث والعَطَب (٢)
فأمر المأمونُ بأن يُحملَ إليه جميعُ ما أُهدي إليه في ذلك اليوم، وقال: نِعْمَ ما أَهدى إلينا.
وخرج المأمونُ في يوم عيدٍ إلى الصلاة وإلى جانبه يحيى بنُ أكثم، فإذا بغلامٍ مستحسَن يَخطِر في ثوبٍ موشًّى، فقال له: يا يحيى ما تقول في هذه البِضاعة؟ فغضب يحيى وقال: يَقبحُ بإمام مثلِك يقول هذا لفقيهٍ مثلي، فقال المأمون: فمن الَّذي يقول: [من المنسرح]
قاضٍ يرى الحدَّ في الزِّناء ولا … يرى على مَن يَلوط من باسِ
فقال يحيى: الفاجرُ أحمدُ بن أبي نُعيمٍ (٣) الَّذي يقول:
لا أَحسَبُ الجَورَ ينقضي وعلى الـ … أُمَّةِ والٍ من آل عبَّاسِ
فأطرق المأمونُ خَجَلًا وقال: يُنْفى ابنُ أبي نُعيمٍ إلى السِّند.
قال المصنِّف ﵀: هذان البيتان من جُملة أبيات، أوَّلها:
أَنطقني الدهرُ بعد إِخراسِ … لنائباتٍ أَطَلنَ وسواسي
يا بؤسَ للدَّهر لا يزال كما … يرفع ناسًا يحطُّ من ناسِ
لا أَفلحت أمَّةٌ وحُقَّ لها … بطول نَكسٍ وعُظْمِ (٤) إِتعاس
стр. 6559
ترضى بيحيى يكون سائسَها … وليس يحيى لها بسوَّاس
قاضٍ يرى الحدَّ في الزِّناء ولا … يرى على مَن يلوطُ من باس
يحكم للأَمرد الغَريرِ على … مثل جَريرٍ ومثلِ عبَّاس
فالحمدُ لله كيف قد ذهب الـ … ـعدلُ وقلَّ الوفاءُ في الناس
أَميرُنا يرتشي وحاكمُنا … يَلوط والرأسُ شرَّ ما راسِ
لا أَحسبُ الجَورَ ينقضي وعلى الـ … أُمَّةِ والٍ من آل عبَّاس
وقيل: إنَّها لأبي صخرةَ الرِّياشي (١). وقال المأمونُ في ذلك الغلامِ الأَمرد: [من مجزوء الرمل]
أيُّها الراكبُ ثوبا … هُ حريرٌ وحديدُ (٢)
جئتَ للعيد وفي وجـ … ـهك للأَعيُنِ عيد
أنت جنديٌّ ولكنْ … فيك للحُسْن جنودُ (٣)
[حديثُ اليزيديِّ مع المأمون:]
وجاء اليزيديّ إلى باب المأمون، فقال الحاجب: إنَّه قد شرب دواء [وأمرني أَن أَحجُبَ الناسَ عنه] (٤) فكتب إليه اليزيدي: [من الوافر]
هديَّتيَ التحيَّةُ للإِمام … إمامِ العدل والمَلكِ الهُمَامِ
أراك من الدَّواء اللهُ نفعًا … وعافيةً تكون إلى تَمام
وأَعقبك السلامةَ منه ربٌّ … يريك سلامةً في كلِّ عام
أَتأذن في الدُّخول بلا كلامٍ … سوى تقبيلِ كفِّك والسلامِ
[فلمَّا وقف على الرُّقعة خرج الخادم] فقال: اُدخل (٥)، فدخلتُ فسلَّمت وخرجت، فبعث إليَّ بأربعة آلافِ دينار (٦).
стр. 6560
وقال محمدُ بن الجَهم: قال لي المأمون: أَنشِدني ثلاثةَ أبياتٍ في المدح والهجو والمراثي، فأنشدتُه في المدح: [من البسيط]
تجود بالنَّفْس إذ ضمنَّ الجَوَادُ بها … والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجُودِ (١)
وأنشدتُه في الهَجو: [من الكامل]
قَبُحَت مناظرُهمْ فحين خَبَرْتُهمْ … حَسُنَت مناظرهمْ لقُبح المخْبَرِ (٢)
وأنشدتُه في المراثي: [من الطويل]
أرادوا ليُخفوا قبرَه عن عدوِّه … وطِيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبرِ (٣)
فأمر لي بثلاثة آلافِ درهم.
وقال محمدُ بن زياب الأعرابي: بعث إليَّ المأمونُ، فجئتُ إليه وهو في بستانٍ يتمشَّى ومعه يحيى بنُ أكثم، ورأيتهما مولِّيين، فوقفتُ حتَّى أَقبلا، فسلَّمت، فقال: يا محمد، أَخبِرني عن أحسنِ ما قيل في الشَّراب، فقلت: قولُ القائل: [من الطويل]
تُريك القَذى مِن دونها وهْي دونه … إذا ذاقَها مَن ذاقها يتمطَّقُ (٤)
فقال: أَشعرُ منه أبو نُوَاسٍ حيث يقول: [من المديد]
وتمشَّت في مفاصلهمْ … كتمشِّي البُرءِ في السَّقَمِ
واهتدى ساري الظَّلامِ بها … كاهتداء السَّفْر بالعَلَم (٥)
ثم دحا إليَّ بعنبرةٍ (٦) فبعتُها بخمسة آلافِ درهم.
[حديثُ المأمون مع الحارس:
قال يحيى بنُ أكثم:] أشرف المأمونُ ليلةً على الحرس وقال: مَن يُنشدنا قولَ أبي نُواس، فأنشده غلامٌ منهم [هذه الأبيات] (٧): [من البسيط]
стр. 6561
لا تَبكِ ليلى ولا تَطربْ إلى هندِ … واشربْ على الورد من حمراءَ كالوردِ
كأسًا إذا انحدرتْ في حَلْق شارِبها … أَجْدَته حُمْرتَها في العين والخدِّ
فالخمر ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ … في كفِّ جاريةٍ ممشوقةِ القَدِّ
تَسقيك من طَرْفها خمرًا ومن يدها … خَمرًا فما لك من سُكرَينِ من بُدِّ
لي سَكرتانِ (١) وللنَّدمان واحدٌ … شيءٌ خُصصتُ به من بينهمْ وحدي
فصاح المأمون: هذا واللهِ هو السِّحرُ الحلال، لا قولُ عَمرِو بن كُلثوم: [من الوافر]
[أَلَا هُبِّي بصَحنك فاصبَحِينا] (٢)
وأعطى الغلامَ خمسةَ آلافِ درهم.
[حديث المأمون مع الأعرابي:
حكى أبو العيناء قال: وقف أعرابي بباب المأمون، وصاح: نصيحة. فأمر به، فدخل عليه، فقال: ما نصيحتك؟ فقال: [من الكامل]
إني رأيتكَ في منامي سيدي … يا ابنَ الإمام على الجوادِ اللاحقِ
فكسوتني حُلَلًا طرائف حسنها … تَزهو على حُسْنِ الكُمَيت السابقِ
فقال المأمون: أعطوه خلعة وفرسًا كميتًا فقال:
وأَجَزْتَني بخَريطة مملوءةٍ … ذهبًا وأخرى باللُّجين الفائق
فقال: أعطوه ألف دينار وألف درهمٍ، فقبض الربطتين فقال:
وأجزتني بخريدة روميَّةٍ … حسناء تُشْفَعُ بالغلام الفائق
فقال المأمون: أعطوه ذلك، ثم قال: يا أعراب، إياك أن ترى مثل هذا المنام فربما لم نجد من يفسِّره لك] (٣).
وخرج المأمونُ إلى ظاهر دمشق، فصعد جبلَ الثلج، وإذا ببِركة عظيمةٍ من بِرَك بني أُميَّة، وعليها أَربعُ سَرَوات، والماءُ يدخل فيها (٤) ويخرج منها، فاستحسنها وقال لعَلُّويه: غنِّ، فقال -وكان عَلُّويه من موالي بني أُميَّة-: [من الطويل]
стр. 6562
أولئك قومي بعد عزٍّ وثروةٍ … تفانَوا فإلَّا أَذرف الدمع (١) أَكْمَدِ
فقار له المأمون: يا ابنَ الفاعلة، لم تجدْ وقتًا تذكر فيه مواليك إلَّا هذا الوقت! وسخط عليه [أيامًا] (٢) ثم رضي عنه (٣). فأحضره ومعه مُخارق، فقال لمخارق: غَنِّ، فقال -والأبياتُ لجرير-: [من البسيط]
لمَّا تذكَّرتُ بالدَّيرينِ أَرَّقني … صوتُ الدَّجاجِ وقَرعٌ بالنَّواقيسِ
فقلتُ للرَّكب إذ جدُّوا الرحيلَ بنا … يا بُعدَ يَبْرِينَ من باب الفَراديس (٤)
فقال لعلُّويه: غَنِّ، فقال: [من الكامل]
الحَينُ ساق إلى دمشقَ وما … كانتْ دمشقُ لأَهلنا وطنا (٥)
فضرب [المأمونُ] (٦) الأرضَ بالقَدَح فكسره، وقال: هذا واللهِ آخرُ عهدي بالعراق (٧)، لا عُدْتُ إليه أبدًا، فكان كما قال.
وقال محمدُ بن حامد: حضرتُ مجلسَ المأمون، [فغنَّت عَرِيب:
كحاشية البُرد اليماني المسهَّمِ (٨)
فأنكر المأمونُ كونَها لم تذكر أوَّل البيت، وهو للنابغة:
رمى ضَرْعَ نابٍ فاستمرَّ بطعنةٍ … كحاشيةِ البُرد ............. ]
فقال المأمون: مَن أشار منكم إلى عَرِيبٍ بشيء؟ فسكتوا، فقال: برئتُ من هارونَ لئن لم أُصدَق عن هذا الأمر، لأُعاقبنَّ عليه بالضرب الوجيع، ولئن صَدَقني لأُبلغنَّه أَملَه، فقلت: أنا أشرتُ إليها بقُبلة، فقالط: الآن جاء الحقّ، أَتحبُّ أن أزوِّجَك إياها؟
стр. 6563
قلت: نعم، فخطب وزوَّجني إياها على أربع مئةِ درهم.
ودخل مروانُ بن أبي حفصةَ على المأمونِ فأنشده: [من البسيط]
قل للإمام الَّذي تُرجَى فواضلُه … رأسِ الملوكِ وما الأَذنابُ كالرَّاسِ
إنِّي أَعوذُ بهارونَ وعِترتِه … وقبرِ عمِّ (١) رسولِ الله عبَّاس
من أن تُشَدَّ رِحالُ العِيسِ راجعةً … إلى اليمامة من بغدادَ بالياس
لا تحرِمَنِّي عطاءً جئتُ آمُله … مِن بينِ مَن جاء يَبغيه من الناس
فقال المأمون: لا والله، وأَعطاه أربعةَ آلافِ دينار.
وقال إسحاقُ المَوصلي: جفاني المأمونُ مدَّة، فعملتُ بيتَين وقلتُ لعلّويه: غنِّ بهما في مجلسه وهما: [من البسيط]
يا سَرحةَ الماءِ قد سُدَّت مواردُه … أَمَا إليكِ سبيلٌ غيرُ مسدودِ
لحائمٍ (٢) حامَ حتَّى لا حياةَ (٣) به … مُحلَّأٍ عن طريق الماءِ مطرود
فقال المأمون: لمن هذا؟ فقال علُّويه: لعبدٍ من عبيدك جفوتَه واطَّرحته، فقال: ومَن هو؟ قال: إسحاقُ الموصلي، فأَحضرني ورضي عني ووصلني.
وغنى علُّويه بين يديه: [من الطويل]
وإنِّي لَمشتاقٌ إلى ظلِّ صاحبٍ … يَروق ويصفو إنْ كَدَرتُ عليهِ
فقال المأمون: أَعطوني هذا الصاحبَ وخذوا مني نصفَ الخلافة.
وله بيتٌ ثانٍ:
عَذيري من الإنسان لا إنْ جفوتُه … صفا لي ولا إنْ كُنْتُ طَوعَ يديهِ
وهو لا يوافق البيتَ الأوَّل، وهما لأبي العتاهِيَة (٤).
قال المصنِّف ﵀: قلت أنا بعد الأوَّل:
стр. 6564
يوافقني في كلِّ أمرٍ أَرومه … ويغفر ذنبي إنْ أسأتُ إليه
ولمَّا خرج المأمونُ يريد الغزو، دخل عليه أحمدُ بن يحيى (١) النَّحْويُّ اليزيديُّ وكان من ندمائه، وقد نزل بقَارَا من أعمال حِمْص، فأَنشده: [من الكامل]
يا قصرَ ذي (٢) النَّخَلات من بارا … إنِّي حَلَلتُ (٣) إليك من قارا
أَبصرتُ أشجارًا على نَهَرٍ … فذكرتُ أنهارًا وأَشجارا
لله أيَّامٌ نعمتُ بها … في القُفْص (٤) أحيانًا وأطورًا
إذ لا أزال أَرومُ غانيةً … أَلهو بها وأَزور خمَّارا
أَعصي النَّصيحَ وكلَّ عاذلةٍ … وأُطيع أَوتارًا ومِزْمارا
فغضب المأمونُ وقال: أنا في وجه العدوِّ وأنت تذكِّرهم نُزَهَ بغداد! فقال له: يا أميرَ المؤمنين، الشيءُ بتمامه (٥)، ثم قال:
فصحوتُ بالمأمون من سُكري … ورأيتُ خيرَ الأمرِ ما اختارا
ورأيتُ طاعتَه مؤدِّيةً … للفَرْض إِعلانًا وإسرارا
فخلعتُ ثوبَ اللهوِ من عُنقي … ورضيتُ دارَ الشامِ (٦) لي دارا
وظَلِلتُ معتصمًا بطاعته … وجِوارِه وكفى به جارا
إنْ حلَّ أرضًا فهْي لي وطنٌ … وأَسير عنها حيثما سارا
فرضي عنه وأَجازه.
وللمأمون: [من الكامل]
قل للذين ترفَّهوا وتنعَّموا … سَفَهًا جهلتم موضعَ اللذّاتِ
إنَّ النعيمَ إذا أردتمْ غيرُما … أصبحتمُ فيه من الشُّبُهات
стр. 6565
وتركتم النَّفْسَ النَّفيسةَ ضَلَّةً … حَيرى من الآثام والغَفَلات
ونعيمُها طلبُ الخلاصِ لها من الـ … جسمِ المحيطِ بها عن الدَّرجات
سكنتْه مُكرَهةً [و] (١) قُلِّد حُرْمةً … مِن صِرْفها ما ساغ في اللَّهَوات
وله: [من الكامل]
العقلُ أنفعُ للفتى من مالهِ … في الفرق بين رشادِه وضلالهِ
قلبُ الفتى ولسانُه أَولى به … في فخره من عمِّه أو خاله
وتمنَّعت عليه (٢) جاريةٌ له، وكان كَلِفًا (٣) بها، فبعث إليها رسولًا، فأَبطأَ عليه، فلمَّا عاد قال المأمون: [من الطويل]
بعثتُك [مشتاقًا] ففُزتَ بنظرةٍ … وأَخلفتَني (٤) حتَّى أسأتُ بك الظَّنَّا
وناجيتَ مَن أهوى وكنتُ مباعَدًا … فيا ليتَ شِعري عن دُنوِّك ما أَغنى
ونزَّهتَ طَرْفًا في محاسن وجهها … ومتَّعتَ باسْتِسْمتاعِ نغمتِها الأُذْنا
أَرى أَثَرًا منها بعينك لم يكن … لقد سرقتْ عيناك من حُسْنها حُسْنا
فيا ليتني كُنْتُ الرسولَ [وكنتَني] (٥) … وكنتَ الَّذي يُقصَى وكنتُ الَّذي يُدْنَى
وله (٦): [من الوافر]
عَرِيتُ من الهوى وبرئتُ (٧) منه … لَئن أنا لم أُعاقبْ (٨) مُقلتَيكا
بعثتُك رائدًا فسرقتَ منه (٩) … محاسنَه بلحظةِ ناظرَيكا
لَئن كنتَ الغداةَ كتمتَنيها … لقد ظهرتْ محاسنُها عليكا
стр. 6566
وغُنِّي بين يدي المأمونِ بشعرِ بشَّار: [من البسيط]
يا عبدَ قُثْمَ وما حاولتُ صَرْمَكمُ … يومًا من الدَّهر إقصائي وهجراني
هل تعلمين وراءَ الحبِّ منزلةً … تدني إليكِ فإنَّ الحُبَّ أَقصاني (١)
فزاد فيه:
قالت علمتُ وخيرُ القولِ أَصدقُه … بَذْلُ الدَّراهمِ يُدني كلَّ إنسانِ
مَن زاد في النَّقد زِدنا في مودَّته … ما يطلب الناسُ إلا كلَّ رُجْحاني (٢)
وأمر المأمونُ حِمْيرَ (٣) بن نعيمٍ بأمر، فقصَّر فيه، وكان عظيمَ اللحيةِ والجسم، فقال: [من الطويل]
خليلَيَّ ما الفتْيانُ أن تَكبُرَ اللِّحى … وتعظُمَ أبدانُ الرِّجالِ من الأكلِ
ولكنَّما الفتْيانُ كلُّ سَمَيدَع … صَبورٍ على الآفات في الخِصْب والأَزْل (٤)
خَروج عن الغمَّا نَهوضٍ إلى العُلا … ضَروبٍ بِنَصل السيفِ مجتَمِعِ العقل
رأيتُ رجالًا يمنعون نَوالهمْ … وليس يُصان العِرضُ إلَّا مع البَذْل
وله (٥): [من السريع]
أُقسم بالله وآلائه … والمرءُ عفَا قال مسؤولُ
أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ … على التُّقى والبِرِّ مجبول
وأنَّه كان الإمامَ الَّذي … له على الأُمَّة تفضيل
يقول بالحقِّ ويختاره … ولا يعانيه الأَباطيلُ
كان إذا الحربُ براها القَنا … وقصَّرت عنها البَهاليل
يمشي إلى القِرْن وفي كفِّه … أبيضُ ماضي الحدِّ مصقول
стр. 6567
مَشيَ العَفَرْنَى (١) بين أشبالِه … أَسلمه للقانص الغيلُ
وله: [من السريع]
لا تُقبلُ التوبةُ من تائب … إلَّا بحبِّ ابنِ أبي طالبِ
حبُّ عليٍّ لازمٌ واجبٌ … في عُنق الشاهدِ والغائب
أخي رسولِ اللهِ حِلف الهدى … والأخُ فوق الخِلِّ والصاحبِ
وحُبُّ أولادِ نبيِّ الهدف … فرضٌ على الطارق والسَّارب
فإنَّهمْ واللهِ أهلُ العَبَا … فوق مقالِ المارقِ الناصِبي
إنْ مال ذو النَّصب إلى جانبٍ … مِلتُ مع الشِّيعيِّ في جانبِ
وقال ابنُ أكثم: عُرِضت على المأمون جارية فاستحسنها، فأراد أن يَختبرَها فقال: [من البسيط]
ماذا تقولين فيمن شفَّه سقَمٌ … من جَهد حبِّك حتَّى صار حيرانا
فقالت:
إذا وجدنا مُحِبًّا قد أَضرَّ بهِ … داءُ الصَّبَابةِ أَوليناه إِحسانا (٢)
فاشتراها فحَظِيت عنده.
وممَّا يُنسب إلى المأمون: [من الخفيف]
إنَّما مجلسُ النّدامى بساطٌ … للمودَّات (٣) بينهمْ وضعوهُ
فإذا ما انتهَوا إلى ما أَرادوا … من حديثٍ ولذَّة رفعوه
وقال العُتبي: كان المأمونُ إذا جاء آخِرُ شعبانَ اشتغل بلهوه وقال: [من مجزوء المتدارك]
جاءكِ الصَّومُ فاجلسي … وخذي في التنجُّسِ
بادري الصومَ بادريـ … ـه براحٍ وأكؤُس
стр. 6568
وادفني مُغرَمَ الهوى … بين آسٍ ونَرْجِسِ
كلَّما مرَّ مجلسٌ … أتْبِعيه بمجلس
أَطلِقي ألسُنَ السُّرو … رِ فإنْ جاءَ فاحبِسي
[حديثُ الشِّطرنج:]
وقال الصُّولي: كان المأمونُ قد اقترح في الشطرنج أشياء، وكان يحبُّ اللَّعِبَ بها، وينهى مَن يقول: تَعال [حتى] نلعب، ويقول: حتَّى نتناقل.
[قال الصُّولي:] (١) ولم يكن حاذقًا بها، وكان يقول: أنا أدبِّر أمرَ الدنيا وأَتَّسع لها وأَضيق عن تدبير شِبرَين! يعني رُقعةَ الشِّطرنج. وله فيها أشعار، منها: [من البسيط]
أرضٌ مربَّعة حمراءُ من أَدَمٍ … ما بين إِلْفَينِ معروفَين بالكَرَمِ
تذاكرا الحربَ فاحتالا لها حِيَلًا … من غير أنْ يأثما فيها بسَفك دمِ
هذا يُغير على هذا وذاك على … هذا يُغير وعينُ الحَزْم لم تَنَمِ
فانظرْ إلى فِطَنٍ جالت بمعرفةٍ … في عسكرَين بلا طَبْل ولا عَلَمِ (٢)
وقيل: [إنَّ الأبيات] (٣) لعليِّ بن الجَهم.
دخل أحمدُ بن أبي دؤادَ ويحيى بنُ أكثمَ على المأمون، فأُتي بقَدَح فيه مطبوخ، فعرضه عليهما، فأَبياه، وكان ابنُ أكثمَ يُبيح شُربَه ولا يشربه، ودخل عَمرو بنُ مَسعدة، فدفعه المأمونُ إليه، فقال: واللهِ ما شربتُه قطّ، فأَطرق المأمونُ رأسَه طويلًا ثم رفعها وقال: [من الكامل]
رُدَّا عليَّ الكأسَ ويحكما … لا تدريان الكأسَ ما تُجْدي
لو ذُقتما ما ذقتُ ما مُزِجت … إلَّا بدمعكما من الوَجْدِ
خوَّفتماني اللهَ ربَّكما … وكخيفتَيه رجاؤه عندي
إنْ كنتما لا تشربانِ (٤) معي … خوفَ العقابِ شربتُها وحدي
стр. 6569
وقال: [من الوافر]
سأَشربها وأَزعمها حرامًا … وأَرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ
ويَشربها ويزعُمها حلالًا … وتلك على الشَّقِيِّ خطيئتان (١)
و [قال الصُّولي:] (٢) دخل إبراهيمُ بت المهديِّ على المأمون، وكان جسيمًا، فقال له المأمون: ما أظنُّك عشقت قطّ، قال: ولمَ؟ قال: لتمام جسمِك، وصفاءِ لونك، وخلوِّ قلبك، وهذه غيرُ صفةِ العاشق، وأَنشد المأمون: [من السريع]
وجهُ الَّذي يعشقُ معروفُ … لأنَّه أَصفرُ مَنحوفُ
ليس كمن يأتيك ذا جُثَّةٍ … كأنَّه للذَّبح مَعلوف
فأَنشد إبراهيم: [من المنسرح]
وقائلٍ لستَ بالمحبِّ ولو … كنتَ محبًّا هزلْتَ من زَمَنِ (٣)
فقلتُ قلبي مكاتمٌ بدني … حبَّه والحبُّ فيه مُختزَنُ
وعبث أبو عليٍّ بنُ الرشيد بأخيه أبي إسحاقَ في مجلس المأمون، فاحتمله، فأَنشد المأمونُ بعدما قاما: [من الكامل]
يلقى الفتى بلسانه إِخوانَهُ … في بعض منطقِه بما لا يُغفَرُ
ويقول كُنْتُ مداعبًا وممازحًا … هيهاتَ نارُك في الحشا تتسعَّر
أَوَ ما علمتَ وما أَظنُّك جاهلًا … أنَّ المزاحَ هو السِّبابُ الأَصغَر (٤)
[ذِكْرُ ما نُقل من كلام المأمونِ وجواباته ونحوهِ:
حكى الصوليُّ قال: حضر عند المأمونِ ثنَوِيّ، قال المأمون: أسألُك عن حرفَين لا أَزيدك عليهما، قال: اِسأل، قال: هل ندم مسيءٌ على إساءته؟ قال: نعم، قال: فالندمُ على الإساءة إساءةٌ أم إحسان؟ قال الثَّنوي: إحسان، قال: فالذي ندم هو الَّذي أَساءَ أم
стр. 6570
غيرُه؟ قال: هو الَّذي أَساء، قال له المأمون: فندم على شيءٍ كان منه أو من غيره؟ فانتقطع الثَّنوي؟
قلت: والعجبُ من المأمون حيث سمع دعوى الثَّنويِّ، ثم قال له المأمون: أَخبِرني عن قولك: اثنين، هل يستطيع أحدُهما أن يخلقَ خلقًا لا يستعين فيه بصاحبه؟ قال: نعم، قال: فلمَ تعبد اثنين يخالف كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، وواحدٌ يخلق كلَّ شيءٍ خيرٌ لك من اثنين مختلفين؟!.
وقال الصُّولي:] (١) العقلُ أَنفسُ مِنحة، وأَربحُ صفقة، وأبهى حُلَّة، وأفضلُ خلَّة، وأكرمُ صاحب، يؤنسك إذا استوحشتَ من الجهَّال، ويوحشك إذا استأنستَ بالأَغمار، ويريك ما غاب عن عينيك، ويكشف لك ما خَفِيَ عن نظرك، فلله دَرُّ العقلِ من جوهرٍ ما أنفسَه في قلوب الحكماء، وأجلَّه في صدور العلماء، لو تجسَّم حتَّى يُتوسَّم، لكان أحسنَ منظرًا من المعشوق في عين العاشق، وأَحلى من المودَّة في قلب الوامقِ الصادق.
وقال: روِّحوا الأفهامَ كما تروِّحوا الأجسام، فإنَّ العقل المكدودَ ليس لرؤيته لَقاح، ولا لرأيه نَجاح. وقال: العقلُ غريزة، وكما لُه التَّجربة.
وقيل له: بمَ نلتَ ما نلتَ؟ فقال: بطاعة العقلِ وعصيان الهوى.
وقيل له: ما بال الميت يثقل على حامليه؟! فقال: لأنَّه مركَّب من ثِقَل وخِفَّة، فالثقيلُ هو البدن، والخفيفُ هو الرُّوح، فإذا مات بقي الثقيلُ وذهب الخفيف. أخذ هذا المعنى أبو علي بن لاسد (٢) فقال: [من الكامل]
ثَقُلَت زجاجاتٌ أَتتنا فُرَّغًا … حتَّى إذا مُلئت بصِرف الرَّاحِ
خفَّت فكادت أن تطيرَ صَبَابةً … وكذا الجسومُ تَخِفُّ بالأَرواح
стр. 6571
[وكان المأمونُ يقول: إياكم والشُّونيزَ لأي كتبكم. يعني النَّقطَ والشَّكلْ. قال المصنِّف ﵀: كان يعتمد على فِطنته، والأماكن التي فيها الإشكالُ لا بدَّ من ذلك فيها] (١).
وقال [ابنُ أَكثم: سمعت] المأمونَ [يقول:] لا نُزهةَ أَطيبُ من النظر في عقول الرِّجال.
وقال: علَبة الحجَّة أحبُّ إليَّ من غَلَبة القدرة؛ لأنَّ غلبةَ القدرةِ تزول بزوالها، وغَلَبةَ الحجَّةِ لا تزول أبدًا.
وقال: إنَّ رجلًا ليس بينه وبين اللهِ أحدٌ أن يخشاه لَحقيقٌ أن يتَّقيَ الله.
و [قال الصُّولي:] كتب إليه رجلٌ يتظلَّم من عليِّ بن هشامٍ وإنَّه لا يدفع إليه ماله، فوقَّع إلى علي: ليس من المروءة أن تكونَ آنيةُ بيتك ذهبًا وفضةٌ ويكونَ غريمُك عاريًا وجارُك طاويًا.
[وقال اليزيدي: جلس المأمونُ يومًا في مجلس الخلافةِ ومجلسهُ معمورٌ بالعلماء والخلفاء، فتقدَّمت إليه امرأةٌ فقالت: يا أمير المؤمنين، مات أخي وخلَّف ستَّ مئةِ دينار، فأعطَوني دينارًا واحدًا وقالوا. هذا نصيبُك. فأَطرق المأمونُ ساعةً ورفع رأسَه فقال: صدقوا، فقيل له: يا أمير المؤمنين، من أين علمت؟! فقال: هذا رجلٌ مات وترك أربعَ بنات، لهنَّ الثُّلثان أربعُ مئة، وترك والدة، لها السُّدس مئةُ دينار، وزوجةً، لها الثُمن خمسةٌ وسبعون، وخلَّف اثني عشرَ أخًا وأختًا واحدة، لكلِّ أخٍ ديناران والأخت دينارٌ واحد. قالت المرأة: صدقتَ يا أميرَ المؤمنين. فعجب الحاضرون من فِطنته] (٢).
وخرج إلى الصَّيد، فاجتاز ببيوت بعضِ العرب، فرأى غلامًا وَضيئًا، فقال: يا غلام، ممَّن أنت؟ قال: من قُضاعة، قال: من أيِّها؟ قال: من كَلْب، قال: وإنَّك لَمن الكلاب؟! قال: لسنا منهم، وإنَّما نحن من قبيلةٍ تُدْعى كلبًا. ثم قال للمأمون: يا عمّ، فممَّن أنت؟ قال: ممَّن تُبغضه العرب كلُّها، قال: فأنس من نِزار؟ قال: فأنا ممَّن
стр. 6572
تُبغضه النِّزار، قال: فأنت من مُضر؟ قال: فأنا ممَّن تُبغضه المُضَر، قال: فأنت من قُريش؟ قال: لا، قال: فأنت من بني هاشم؟ قال: فأنا ممَّن تَحسُده بنو هاشم. فقام الغلامُ قائمًا وقال: فإذن أنت أميرُ المؤمنين، وسلَّم عليه، فوَصَله.
واعترضه ابنُ زُرعةَ الجُذَامي وقال له: يا أميرَ المؤمنين، انظر لعرب الشام كما تنظر لعَجَم خُراسان، وأَكثر عليه، فقال: قد كثَّرت عليّ، واللهِ ما أنزلتُ قيسًا عن ظهور الخيلِ إلا وأرى أنَّه لم يبقَ في بيت مالي درهمٌ ولا دينار، وأما اليمن، فواللهِ ما تحبُّني ولا أحبُّها قطّ، وأما قُضَاعة، فسادتُها ينتظرون خروجَ السُّفيانيِّ لتكونَ من أَشياعه، وأَمَّا رَبيعة، فساخطةٌ على الله تعالى منذ بُعث محمدٌ ﷺ من مُضَر؛ ولهذا لم يَخرجْ من الخوارج أحدٌ إلَّا وكانوا معه، فكيف لا أَنظر لعجم خُراسان!
وقال: الواجبُ على مَن خدم الملوكَ ألا يغترَّ بهم عند الرِّضا، ولا ينزعجَ عند السَّخَط، ولا يُلحفَ عليهم في السؤال؛ فإنَّ السلطانَ كالبحر تضطرب أمواجُه تارةً وتارة.
وقال: مَن صحب الملوكَ بالنصيحة لهم والأَمانة، كان أكثرَ عدوًّا ممَّن صحبهم بالخيانة؛ لأنَّ الَّذي ينصحه يتَّفق عليه صديقُ السلطان وعدوُّه، فصديقُ السلطانِ يَغبِطه على منزلته، وعدوُّه يكاشره لمناصحته.
وقال لبعض حُجَّابه: لا أراك على بابي ولك خصمٌ أبدًا.
و [قال أبو العَيناء:] (١) تظلَّم إليه رجلٌ من عَمرو بنِ مَسعدةَ، فوقَّع إليه: يا عَمرو، اُعمر نعمتَك بالعدل، وإلَّا هدمها الجَور؛ فليس بين الحقِّ والباطلِ نَسَب.
ورَفع إليه متظلِّم رُقعةً يقول: يا أميرَ المؤمنين، ظلمني أخوك أبو عيسى، فكتب على رأسها: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
ورفع إليه رجلٌ قصَّةً يتظلَّم من محمد بنِ الفضل الطُّوسي، فوقَّع على رأسها: قد احتملنا شراسةَ خُلقِك يا محمد، أما ظلمُك للرعيَّة فلا.
و [قال الصُّولي:] (٢) خرجتْ [يومًا] رقعةٌ من المأمون وفيها: يُعطى غسانُ بن عبَّادٍ
стр. 6573
ثلاثةَ آلافِ دينار؛ لتَركه ما لا يعنيه، واليزيديُّ خمسين ألفًا؛ لصمته، وثُمامةُ بن أَشرسَ ثلاثَ مئةِ ألف؛ لحُسن جَدَله، وأحمدُ بن أبي خالدٍ ألفَ ألفِ درهم، لإِفراط شهوته.
وقال عليُّ بن صالح: قال لي المأمونُ لمَّا قدم الشام. أَبغِني رجلًا من أهل الشامِ له أدبٌ يجالسني ويُقِلُّ كلامَه، فدخلت على رجلٍ فقلت: إنِّي مدخلُك على المأمون، فلا تسألْه عن شيءٍ حتَّى يبتدئَك، فأَدخلتُه عليه، فاستدناه وقال: إنِّي أريدك لمحادثتي، فقال الشامي: إنَّ الجليسَ إذا كانت ثيابُه دون ثيابِ جليسه دخلته غَضَاضة، فأمر له المأمونُ بدَستٍ من ثيابه، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، إذا كان قلبي متعلِّقًا بعيالي لم يُنتفعْ بمجالستي، فاقال: خمسون ألفًا تُحمَل إلى منزله، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، وثالثة، قال: ما هي؟ قال: دعوتَني إلى شيءٍ يحول بين المرءِ وعقله، يعني الشَّراب، فإنْ كانت منِّي هَنةٌ تغتفرها، قال: لك.
وقال عُمارةُ بن عَقيل: أَنشدتُ المأمونَ قصيدةً فيها مديح، وهي مئةُ بيت، فلمَّا بدأتُ بصدر البيتِ سبقني إلى قافيته، فقلت: واللهِ ما سمعها منِّي أحد، قال: هكذا ينبغي أن تكون، ثم أَقبل عليَّ وقال: أَمَا بلغك أنَّ عُمرَ (١) بنَ أبي ربيعةَ أَنشد ابنَ عباسٍ عبدَ اللهِ قصيدتَه التي يقول فيها: [من المتقارب]
تَشُطُّ غدًا دارُ جيرانِنا
فقال ابنُ عباس:
ولَلدَّارُ بَعدَ غدٍ أَبعدُ
فأَنشد ابنُ عباسٍ القصيدة، فأنا من ذاك.
وقال عُمارة: قال لي المأمونُ يومًا ونحن على الشَّراب: يا أَعرابيّ، حلفتُ ما أخبثَك! قلت: وما ذاك؟! فقال: ألستَ القائل: [من البسيط]
قالت مُفدَّاةُ لمَّا أنْ رأتْ أَرَقي … والهمُّ يعتادني من طَيفه لَمَمُ
أَنهبتَ مالك في الأَدْنَينَ أَوَّلَه … [و] في الأَباعد حتَّى مسَّك العَدَم
فقلتُ عَذْلَكِ قد أكثرتِ لائمتي … ولم يمتْ (٢) حاتِمٌ هُزْلًا ولا هَرِم
стр. 6574
أين رميت نفسَك! إلى هَرِم بن سنانَ وحاتِمٍ الطائيِّ وهما سيِّدا العربِ وقد فعلا وفعلا! وأخذ يعدِّد أفعالهما، فقلت: أنا خيرٌ منهما، أنا رجل من العرب مسلم، وهما كانا كافرين. فسكت.
ودخل المأمونُ يومًا بيتَ الدِّيوان، فرأى غلامًا جميلًا، فقال: مَن أنت يا غلام؟ فقال: أنا الناشئُ في دونتك، المتقلِّب في نعمتك، المؤمِّل لخدمتك، الحسنُ بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، ارفعوا هذا الغلامَ فوق مرتبته.
وقال سعيدُ بن سَلْم (١) بنِ قُتيبةَ له: يا أميرَ المؤمنين، لو لم أَشكر اللهَ إلَّا على حُسن ما أبلاني من قصدك إليَّ بحديثك وإشاريك إليَّ بطَرْفك، لَكان ذلك من أعظمِ ما توجبه النِّعمة، فقال له: واللهِ إنِّي لَأجد عندك من حُسْن الإِفهام إذا حدَّثت وحسن الاستماع إذا حُدِّثت ما لا أَجده عند غيرِك.
[وقال ابنُ أَكثم: كان رجلٌ يسبق الحاجَّ ليرتادَ لهم منزلًا، فخرج مرَّةً فأبطأ، فسبقه غيرُه وجاء في الأخير] فلمَّا عاد إلى بغداد، كتب رُقعةً إلى المأمون يسأله شيئًا وكتب فيها: العبدُ سابقُ الحاجّ، فنقط المأمونُ [نقطةً] أخرى إلى جانب الباء، فصار سايقًا؛ لأنَّه جاء في الأخير.
وقال ثُمامةُ [بنُ أشرس:] (٢) لما وَلي المأمونُ الخلافةَ قلتُ له: قد كان لي فيك أَملان، فبلغت أَحَدهما، فقال: ونبلِّغك الآخَر. فأما الأوَّل فأَشار [ثُمامة] إلى المال، و [أمَّا] الثاني [فأشار] إلى مُنادمة (٣) [المأمون] فرفعه المأمونُ وجعله من خواصِّه وسُمّاره.
وقال العُتْبي: دخل أبو علي المِنْقَريُّ على المأمون، وكان أُميًّا لُحَنة، فقال له: يا أبا عليّ، بلغني أنك لُحَنة، وأنَّك لا تقيم الشِّعر، وأنك أمِّيّ، فقال: أما اللَّحن فيسبقني لساني إليه، وأما الشِّعر والأمِّيَّةُ فقد كان سيِّدُ الأوَّلين والآخِرين كذلك، فقال له
стр. 6575
المأمون: سألتك عن عيوبٍ ثلاثةٍ فزدتَني عيبًا رابعًا، وهو الجهل، فإنَّ ذلك كان في رسول اللهِ ﷺ فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصةٌ ورذيلة، وإنَّما مُنع من ذلك لنفي الظِّنَّةِ عنه، لا لعيبٍ في الشِّعر والكتابة.
وقال ثُمامة: كُنْتُ جالسًا عند المأمونِ إذ دخل النَّوشَجان، وكان على بيت المال، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد كَثُرت أسماءُ الغارمين، وليس في بيت مالِ الصَّدقات درهمٌ واحد، فقال له المأمون: وكيف لا تَكثُر وموسِرُ الناس لا يفتقد مُعْسِرَهم، وقويُّهم لا يراعي ضعيفَهم، وغنيُّهم لا يَحنو على فقيرهم! واللهِ لقد أدركتُ أيامَ أبي والمالُ فيها أقلُّ من هذه الأيَّام، وإنَّ فيها لمئةَ ألفِ يدٍ طويلةٍ في الخيرات، باذلةٍ للمعروف، مُراعيةِ الإخوان، واللهِ إني لأَحسب أنَّه خرج من يد أخي محمدٍ وأمِّه أمِّ جعفرٍ لمن قصدهما ما يزيد على ثلاث مئةِ ألفِ ألفِ دينار، ومنهم البرامكة، وأين مِثلُهم! كان معروفُهم يُشرق [تارةً] ويُغرِب أخرى، لا يَقصدون إلا تثميرَه وتوفيرَه، وكان لمن ذكرتُ بِطانة [ولكل بطانة] (١) بطانة، يقصد كلُّ واحدٍ منهم ما يفعله المتبوعُ من الصِّلات والعطايا، أَليس من انقلاب هذا الدَّهرِ وبوارِ هذا العالمِ أنْ ليس في سلطاني مَن يجود بدرهمٍ إلا مالكُ بن شاهي وعبدُ الله بنُ بشير! كيف بنا إذا جمع اللهُ الأوَّلين والآخِرين وحضر كلُّ إمامٍ وزُمرتُه في الموقف وتفاخر الأئمَّة بعضُهم على بعضٍ في الأفعال التي فعلوها! فبمن أُباهي! بابن شاهي أم بابن بشير!
ثم قال: أَحضِروا أساميَ الغارمين، فأَحضروها، فوقَع عليها بثلاث مئةِ ألف دينار، وقال: لا يتجاوز الضعفاءُ البصرةَ والموصل، وقال: أرجو أن أكونَ قد أدَّيتُ بعضَ ما أَوجبه اللهُ عليّ. قال ثُمامة: هذا وقد أحصيت عطايا مالِك بن شاهي وعبدِ الله بن بشيرٍ فكانت ستَّ مئةِ [ألفِ] (٢) دينار.
وقال المأمون: مَن أراد أن يكتبَ إلى رجلٍ كتابًا ولا يقفَ عليه سوى ذلك الرَّجل، فلْيكتبْه بلبن حليبٍ من ساعته ويبعثه إليه، فيحرق المكتوبُ إليه قِرطاسًا وَيذُرُّ عليه من رَماده، فيقرأ ما كتب به إليه، وهذه من الخواصّ.
стр. 6576
وقال [بنُ أكثم: قال لي] المأمون: الملوكُ تحتمل كلَّ شيء إلَّا القدحَ في المُلك، وإفشاء السِّرِّ، والتعرُّض للحَريم.
[وقد ذكرنا طرفًا من كلام المأمون للعتابي سنة ثمانٍ ومئتين.
حديثُ المأمون مع الحسن بنِ زيادٍ اللؤلؤي:]
وقال رشيدٌ الخادم: كان الحسنُ بن زيادٍ اللؤلؤيُّ يساهر المأمونَ ويسامره، فَنَعَس المأمونُ ليلة، فقال الحسن: أنَعَستَ يا أميرَ المؤمنين، ففتح المأمونُ عينَه وقال: لستَ تصلح أن تكونَ من سُمَّار الملوك، وإنما تصلحُ أن تُفتيَ في مُحْرِمٍ صاد ظبيًا، ونحن ظلمناك إذ كلَّفناك ما ليس لك بخُلُق، ثم أنشد: [من الطويل]
ظلمتُ امرأً كلَّفتُه فوق خُلْقه … وهل كانت الأخلاقُ إلَّا غرائزا
يا غلام، خذ بيده فأَقمه. ولم يسامرْه بعد ذلك.
[حديثُ الخارجيّ:
حكى العَتَّابيُّ قال:] أُتي المأمونُ بخارجي، فقال له: ما حَمَلك على الخروج علينا؟ قال: قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقال له المأمون: وتشهد أنَّ اللهَ أَنزل هذه الآية؟ قال: نعم، قال: من أين علمتَ ذلك؟ قال: من إِجماع الأمَّة، قال: كيف رضيتَ بإجماعهم في التنزيل ولم ترضَ بإِجماعهم في التأويل؟! ففهم الرجلُ، فقال: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. ومعنى كلامِ المأمون أنَّها نزلت في المستحلِّين [فهذا معنى التأويل (١).
حديثُ المأمون مع الذين ادَّعَوا النُّبوَّة:
حكى العتَّابي] أنَّ رجلًا في زمن المأمون ادَّعى النبوَّة (٢)، فقال [المأمون] ليحيى بنِ أكثم: قُمْ بنا إليه، فخرجا متنكِّرَين، فدخلا عليه، فجلس المأمونُ عن يمينه ويحيى عن يساره، فقال له المأمون: مَن يأتيك من الملائكة؟ قال: جبريل، قال: ومتى كان عندك؟ قال: الساعةَ، قال: وما الَّذي قال لك؟ قال: يدخل عليك رجلان يقعد أحدُهما عن يمينك والآخَرُ عن يسارك، والذي عن يسارك أَلْوطُ خَلقِ الله، فقال
стр. 6577
المأمون: أَشهد أنَّك رسولُ الله. ثم قاما وهما يتضاحكان.
[قال:] وأُتي بآخَر [يدَّعي النبوَّة] فقال: [له المأمون:] ما علامةُ نبوَّتك؟ قال: أَعلمُ ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: تقول إنَّني كاذب. فحبسه [المأمون] أيامًا، ثم أَحضره فقال: أُوحي إليك بشيء؟ قال: لا، قال: ولِم؟ قال: لأنَّ الملائكةَ لا يدخلون الحبس، فضحك وأَطلقه.
[وادّعى آخَرُ النبوَّة، فأَحضر ثُمامةَ وقال له: ناظِرْه، فقال له ثُمامة بنُ أَشرس: يا أميرَ المؤمنين، ما أكثرَ الأنبياءَ في زمانك! ثم قال له ثمامة: ما علامةُ نبوَّتك؟ قال: أَنكِحُ امرأتَك في حضرتك فتلد غلامًا يَنطِق في المهد أنَّني نبيّ، فقال ثُمامة: أَشهد أنَّك نبيٌّ مُرسَل، فقال المأمون: ما أَسرعَ ما آمنتَ به! فقال: ما أَهون عليك! يفعلُ بامرأتي وأنا أُبصر! فضحك المأمونُ وأَطلقه].
وقال ابنُ أكثم: بِتُّ ليلة عند المأمون، فانتبه نصفَ الليل وقد طفئ المصباح، فصاح: يا غلام، شَمعة، فجاء الفرَّاشُ بها، فقال: اكشفوا فراشي، فكشفوه، فإذا حيَّة بطوله، فقتلها، [قال يحيى:] (١) يا أميرَ المؤمنين، قد انضاف إلى كمالك عِلمُ الغيب، فقال: معاذَ الله، وإنَّما هتف بي هاتفٌ الساعةَ يقول: [من مجزوء الكامل]
يا راقدَ الليلِ انتبهْ … إنَّ الخُطوبَ لها سُرَى
ثِقةُ الفتى مِن دهره (٢) … ثقةٌ محلَّلَةُ العُرى
فعلمتُ أنَّه حدث أَمر.
[حديثُ المأمون مع القُضاة ومدحُ إسمماعيلَ بن حمادِ بن أبي حنيفة:
حكى بشرُ بن الوليدِ القاضي قال: قال المأمون: صِفْ لي أبا يوسُفَ القاضي؛ فإنِّي لم أرَه، فذكرتُ له بعضَ محاسنه، فقال: وددتُ واللهِ كان زين مجلسنا به، ثم قال لي: يا بِشر، ما من شيءٍ من أمر الخلافةِ إلَّا وأنا قادرٌ على تدبيره، إلَّا ما كان من أمر القُضاة؛ فإنَّه قد أَعياني، هذا فلانٌ ولَّيناه قضاءَ الأُبُلَّة وأَجرينا عليه في كلِّ يومٍ (٣) ألفَ
стр. 6578
درهمٍ وليس له صَنعةٌ ولا مات، فرفع إليَّ صاحبُ الخبرِ أنَّ نفقتَه في كلِّ شهرٍ أربعةُ آلاف درهم، من أين الثلاثةُ آلاف! وهذا محمدُ بن سماعةَ ولَّيناه قضاءَ دمشق ورزقناه في كلِّ شهرٍ ألفَ درهم، وقد رُفع إلينا أنَّه يملك من العقار والعبيدِ والإِماء والدوابِّ ما قيمتُه مئةُ ألفِ دينار، وأشار علي عليُّ بن هشامٍ في فلان، فولَّيته القضاء، فمضى إلى ابن هشامٍ وقبَّل رأسَه وشكره حيث أَشار بولايته، فعلمتُ أنَّه لا خيرَ عنده، إذ لو كان عنده خيرٌ لعَدَّ الَّذي صار إليه مصيبة، ولكن إذا أردتَ العفيفَ النظيف الطاهرَ التَّقي، فعليك بإسماعيلَ بن حمادِ بن أبي حنيفة؛ فإنَّه على الحالة التي عرفناه عليها، ما بدَّل ولا غيَّر.
قال: فقلت: جزاك اللهُ خيرًا عن أَمانتك، ما لك من الخلفاء نظيرٌ إلا عمرُ بن الخطاب؛ فإنَّه كان يفحص عن عمَّاله وقُضاته، فقال: يا بِشر، إنَّ أهمَّ الأمور أمرُ القضاة؛ إذ حكَّمناهم في الأموال والفُروجِ والدِّماء، واللهِ لَوددتُ أن يتأتَّى رجلٌ مَرضيٌّ (١) وأَني أجوع يومًا وأَشبع يومًا].
وقال إبراهيمُ بن عيسى بن بُريهةَ بن المنصور: لمَّا أراد المأمونُ المسيرَ إلى الشام، أَقمتُ يومَين وبعضَ الثالث أُهيِّئُ له كلامًا، فدخلتُ عليه فقلت: أطال اللهُ بقاءَ أميرِ المؤمنين في أَدوم العزِّ وأَسبغِ الكرامة، وجعلني من كلِّ سوءٍ فداه، إنَّ مَن أمسى وأصبح يتعرَّف من نعمة اللهِ -وله الحمدُ كثيرًا عليه- برأي (٢) أميرِ المؤمنين -أيَّده الله- وحُسْنِ (٣) تأييده له، حَسُنَ أن يستديمَ هذه النِّعمة، ويلتمسَ الزيادةَ فيها بشكر اللهِ وشكرِ أمير المؤمنين [وقد أحبَّ أن يَعدمَ أميرُ المؤمنين] (٤) أنِّي لا أرغب بنفسي عن خدمتِه بشيءٍ من الخَفض والدَّعة، إذ كان هو يتجشَّم خُشونةَ السَّفرِ ونَصَبَ الطريق، وأنا أوْلى الناسِ بمواساته، وبذلِ نفسي في خدمته، فإنْ رأى -أَكرمه الله- أن يُكرمَني بلزوم خدمتِه والكينونةِ معه، فعل.
стр. 6579
فقال لي مبتدئًا من غير تَروية: لم يَعزمْ أميرُ المؤمنين في ذلك على شيء، وإن استصحب أحدًا من أهل بيتك بدأَ بك، وكنتَ المقدَّمَ عنده، ولا سيَّما إذا أَنزلتَ نفسَك بحيث أَنزلك أميرُ المؤمنين من نفسه، [فإنْ] (١) ترك ذلك فمن غير قِلىً لمكانك، ولكن بالحاجة إليك. فكان ابتداؤه أَحسنَ من رَويَّتي.
وقال سعيدُ بن زياد: لمَّا قدم المأمونُ دمشقَ دخلتُ عليه، وكان عندي خاتَمُ رسولِ الله ﷺ وعليه عِقدٌ [معقودٌ] (٢) على كتابٍ كتبه لنا، فأخذه المأمونُ فوضعه على عينه، وبكى وقال: أَشتهي أدْرِي ما تحت هذا الغشاءِ على هذا الخاتَم [فقال له أخوه أبو إسحاق: حُلَّ العَقد] فقال: ما كنت لِأَحُل عِقدًا عَقَده رسولُ اللهِ ﷺ ثم قال: خذه فضعْه على عينك، لعلَّ اللهَ أنْ يشفيَك.
ذِكْرُ وفاةِ المأمون (٣):
قال سعيدٌ العلَّاف القارئ: كنت في صَحَابة المأمونِ في بلاد الرُّوم، فدعاني يومًا، فوجدتُه جالسًا على شاطئ نهرِ البَذَنْدون، وأخوه المعتصمُ جالسٌ عن يمينه وقد دلَّيا أرجلَهما في النَّهر، فقال: يا سعيد، دلِّ رِجلَيك معنا، وانظر هل رأيت ماءً قطُّ أشدَّ بردًا ولا أعذبَ ولا أَصفى منه، قلت: نعم (٤)، قال: فأيُّ شيءٍ يطيب أن يؤكَلَ ويُشربَ على هذا الماء؟ فقلت: أميرُ المؤمنين أعلم، قال: رُطَب الأَزَاد. فبينا هو يقول هذا إذ سمعنا وَقعَ لِجامِ البريد، وإذا البغالُ عليها حقائبُ فيها الظرف فيها رُطَب أَزاد، كأنه قد جُني في تلك الساعة، فقال: ادنُ فكل. فأكلنا جميعًا وشربنا من ذلك الماء، فو اللهِ ما قام منا أحدٌ إلَّا وهو محموم، وكانت منيَّةُ المأمون في تلك العِلَّة، ولم يزل المعتصمُ مريصًا حتَّى دخل العراق.
[وقال العُتْبي:] (٥) إنَّما جلسوا على عينٍ يقال لها القشيرة (٦). وقال قوم: أقام مريضًا
стр. 6580
أيَّامًا، وحدثت له مادَّةٌ في حَلْقه، فبطَّت (١) قبل أن تبلغَ وقتَ تمامها، فمات.
[ذِكرُ وصيَّته:
قال علماءُ السِّيَر:] (٢) ولما اشتدَّ به المرض، بعث إلى ابنه العباسِ وهو يظنُّ أنَّه لا يأتيه، فأتاه وقد تغيَّر عقله، فأَقام عند أبيه، وكان قد أَوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاقَ المعتصم، ونفذت الكتبُ إلى البلاد بأنَّه الخليفةُ من بعده، ثم أَحضر القضاةَ والعلماءَ والقوَّاد، وكتب كتابَ الوصيَّة بمحضرٍ من المعتصم والعباس، ومضمونُه (٣):
هذا ما أَشهد عليه عبدُ الله بن هارونَ أميرُ المؤمنين أنَّه يشهد أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّه واحدٌ لا شريكَ له في ملكه، ولا مدبِّرَ غيرُه، وأنَّه خالقٌ، وما سواه مخلوق، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن الموتَ حقّ، والبعثَ حقّ، والحسابَ حقّ، والجنَّةَ والنار حقّ، وأنَّ محمدًا ﷺ قد بلَّغ عن ربِّه شرائعَ دينه، وأدَّى النصيحةَ إلى أمَّته حتى قبضه اللهُ إليه، فصلَّى اللهُ عليه أفضلَ صلاةٍ صلَّاها على أحدٍ من ملائكته المقرَّبين وأنبيائه المرسَلين، وأنِّي مُقِرٌّ مذنب، أَرجو وأخاف، إلَّا أني إذا ذكرتُ عفوَ الله رجوت، فإذا أنا متُّ فوجِّهوني وغمِّضوني، وأَسبغوا وُضوئي، [وذكر الكفن والصلاة، فقال:] وأَجيدوا كفني، ولْيصلِّ عليَّ أقربُكم منّي نَسَبًا، وأكبرُكم سِنًّا، ولْيكبِّر خمسًا، ثم لينزلْ في حفرتي أَقربُكم قرابة، وضعوني في لَحدي، وسدُّوا عليَّ باللَّبِن، ثم احثُوا الترابَ عليّ، وخلُّوني وعملي، فكلكم لا يُغني عني شيئًا، ولا يدفعُ عني مكروهًا، ثم قِفوا بأَجمعكم، فقولوا خيرًا إنْ علمتم، وأَمسكوا عن ذِكر سيِّئَ إنْ عرفتم.
ونهى عن البكاءِ عليه والنَّوح، وقال: يا ليت عبدَ الله بنَ هارونَ لم يكن شيئًا، يا ليته لم يُخلَق.
ثم قال لأخيه المعتصم: يا أبا إسحاق، ادنُ منِّي واتَّعظْ بما ترى، وخُذْ بسيرة: أَخيك في القرآن وغيره، واعمل في الخلافة إذ طوَّقكها اللهُ [بعنقك] عملَ المريدِ لله، الخائفِ من عقابه، ولا تغترَّ بالله وإمهاله، فكأنْ وقد نزل بك الموت، ولا تغفل عن أمر الرعيَّة،
стр. 6581
اللهَ اللهَ فيهم، وانظرْ في أمر العامَّة، فإنَّ المُلْكَ إنما يقوم بهم، ولا ينتهينَّ إليك أمرٌ فيه صلاحُ المسلمين إلَّا وقدَّمتَه على غيره وإنْ خالف هواك، وخذ من قويِّهم لضعيفهم، وعجِّل الرِّحلةَ إلى العراق، إلى مَقرِّ ملكِك وسلطانك، وانظرْ هؤلاء القومَ الذين أنست بساحتهم فلا تغفل عن أمرهم، وقوِّهم على الغزو بالعُدَّة والسِّلاح والرِّجال، واتقِ اللهَ في أمرك كلِّه، والسلام.
ولما اشتدَّ به الموت، أَوصاه وصيةً بالغةً ثم قال: وعليك بأبي عبدِ الله أحمدَ بن أبي دُؤاد، لا تفارقْه وأَشركه في المشورة في أمورك؛ فإنَّه موضعٌ لذلك، ولا تتَّخذنَّ بعدي وزيرًا تُلقي إليه شيئًا، فقد علمتَ ما نكبني به يحيى بنُ أكثمَ في معاملة الناسِ وخُبْثِ سيرته، حتَّى أبان اللهُ لي ذلك منه في صحَّة منِّي، فصرتُ إلى مفارقته، فأنا له غير راضٍ بما صنع في أموال اللهِ وصدقاتِه، فلا جزاه اللهُ عن الإِسلام خيرًا، وهؤلاء بنو عمِّك من ولد أميرِ المؤمنين عليِّ بن أبي طالب، فأَحسِن صُحبتَهم، وتجاوزْ عن مسيئهم، واقْبَل من محسنهم، ولا تغفُل عن صِلاتهم؛ فإنها واجبةٌ عليك، ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ الآيات [آل عمران: ١٥٢ وما بعدها].
وكان قريبًا من مدينة طَرَسُوس [قال الصُّولي:] عهد [المأمونُ] إلى أخيه (١): وعبدُ الله بن طاهرٍ فأقِرَّه على عمله، وكذا إسحاقُ بن إبراهيمَ بنِ مصعب، وكان على بغداد.
[وحكى العُتْبيُّ عن] أحمدَ بن مرزوقٍ قال (٢)؛ لما دخل المأمونُ بلادَ الروم آخرَ مرَّة، وقف قريبًا من طَرَسوسَ على تلٍّ عالٍ وأنشأ يقول: [من البسيط]
حتَّى متى أنا في شَدٍّ (٣) وتَرْحال … وطولِ سَعيٍ وإدبارٍ وإقبالِ
ونازحُ الدارِ لا أنفكُّ مغتربًا … عن الأَحبَّة لا يدرون ما حالي
بمَشرِق الأرض طَورًا أو بمغربها … لا يخطرُ الموت من حرصٍ على بالي
ولو قعدتُ أَتاني الرزقُ في دَعَةٍ … إنَّ القُنوعَ الغِنى لا كثرةُ المال
стр. 6582
وكان يقول: لا أَرجع من هذه السَّفرة، وتوفِّي على نهر البَذَنْدُون يومَ الخميس وقتَ الظُّهر لاثنتي عشرةَ ليلةً بقيت من رجب، وصلَّى عليه المعتصم، وحمله ابنُه العباسُ إلى طَرَسوسَ فدفنه بها، ووكَّل بقبره مئةً من الحرس، وأَجرى على كل رجلٍ منهم في كلِّ شهرٍ تسعين درهمًا، ودُفن بدار الإمارة، وتُعرف بدار خاقانَ مولى الرشيد، وهي اليومَ كنيسة، وقبرُه بها، والروم تعظِّمه وتوقد عليه القناديل. [وقال المسعودي:] (١) دُفن عن يسار المسجد.
و [اختلفوا في سِنِّه على قولَين: أحدهما: أنَّه] عاش ثمانيةً وأربعين سنة.
والثاني (٢): خمسين سَنَة، والأوَّل أصحّ؛ لأنه وُلد سنةَ سبعين ومئة [على ما ذكرنا].
و [اختلفوا في خلافته على قولَين: أحدهما: أنَّها] كانت (٣) عشرين سنةً وخمسةَ أشهرٍ وثلاثةَ عشَرَ يومًا سوى سَنتَين وخمسةِ أَشهر [كان دُعي له فيها بمكَّةَ وأخوه الأمينُ ببغداد (٤). والثاني: أنَّها كانت إحدى وعشرين سنة (٥).
وقد رثاه جماعةٌ منهم أبو سعيدٍ المخزومي، وهي من أحسن الشعر وأَجودِه، فقال:] (٦) [من الخفيف]
أيُّها الجاهلُ المفكِّرُ في الشَّمـ … سِ المعنَّى بها اعتناءَ المجوسِ
تاركًا حظه (٧) المسير من السَّبـ … ـتِ يروم المسيرَ يومَ الخميس
ما رأينا النُّجوم أَغنت عن المأ … مونِ في عزِّ مُلكِه المأسوس
خلَّفوه بعَرْصَتَي طَرَسوسٍ … مِثلَما خلَّفوا أباه بطُوس (٨)
стр. 6583
وقال الرَّيحاني (١): [من الخفيف]
ما أقلَّ الدُّموعَ للمأمون … لستُ أَرضى إلَّا دمًا من جُفوني
من أبيات.
وقالت حَظِيَّة [كانت للمأمون اسمُها] (٢) تزيف: [من السريع]
يا مَلِكًا لستُ بناسيهِ … نعى إليَّ الموتَ ناعيهِ
واللهِ لو كنتُ (٣) أرى أنني … أَقوم في الباكين أَبكيه
واللهِ لو يُقبل فيه الفدا … لَكنتُ بالمُهجة أَفديه
عاذلتي من جَزَعٍ أَقصري … قد غَلِقَ الرَّهنُ بما فيه
ذِكْرُ أَولادِه:
[قال الصُّولي وغيره:] كان له تسعةَ عشَرَ ذَكَرًا وتسعُ بنات، فالذُّكور: العبَّاس، وعبدُ الله الأكبر، وعبد اللهِ الأَصغر، ومحمدٌ الأكبر، ومحمدٌ الأصغر، والحسن، وسليمان، وجعفر، وإِسحاق، وعيسى، وهارون، وأحمد، والحُسين، والفضل، وإِسماعيل، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب، وعليّ.
ولم يشتهر [بالذِّكْر] سوى [اثنين:] (٤) العباسِ، وعليٍّ وكنيته أبو الحسن.
فأمَّا العباس، فكان مُغْزًى بشراء الضِّياع والعقار، وكان المعتصم مغرًى بجمع المالِ واقتناءِ الغِلمان والعُدَّة والرِّجال، فكان المأمونُ إذا رآهما تمثَّل: [من الكامل]
стр. 6584
قَلِقٌ بكثرة مالِه وجيادِه (١) … حتَّى يفرِّقها على الأبطالِ
يبني الرِّجال وغيرُه يبني القُرى … شتَانَ بين قرًى وبين رِجال
وجرت للعباس مع المعتصمِ قِصصٌ نذكرها [في مواضعها] (٢) إن شاء اللهُ تعالى.
وأمّا عليّ [بن المأمون]، فإنَّه تزهَّد وترك الدنيا (٣)، وسنذكره آنفًا إن شاءَ الله تعالى.
ولم يشتهرْ من بنات المأمون سوى اثنتين: أمِّ حَبيب زوجةِ علي بن موسى الرِّضا، مات عنها، وأعادها المأمونُ إلى قصره. وأختِها أمِّ الفضل زوجةِ محمد بنِ عليٍّ الرضا، حملها إلى المدينة ثم قدم بها بغدادَ فمات عنها [وسنذكرها] (٤).
قِصَّةُ علي بنِ المأمون:
[قرأتُ على شيخنا الموفَّق المقدسيِّ ﵀ من كتاب "التَّوابين" قال: ذكر إبراهيمُ بن الجنيدِ في كتاب "الرَّوضة في زهَّاد الملوك" (٥) بإسناده عن] عبد الحميدِ بن محمدٍ أنَّ المأمونَ كان (٦) يَجِدُ بابنه عليٍّ وَجْدًا شديدًا، ويقدِّمه على أولاده، وكان عليٌّ من أحسن الناسِ وأَجملهم، مع حياءٍ وبَشَاشة وتواضع، يلاطف جلساءه، ولا يشرب شيئًا من الأَنبذة، وكان أسخى الناسِ وأَحسنَهم خُلقًا.
وكان سببُ تزهّده ما أخبرني به شاكرٌ مولاه قال: جلس يومًا في مستشرَفٍ له على دِجلة، وإذا بحمَّال قد أقبل عند الزوال وعليه دُرَّاعة صوفٍ بيضاءُ بالية، بغير قميصٍ تحتها ولا سراويل، وقد شدَّ على رِجلَيه خِرَقًا من الحرِّ، وفي رِجلَيه نعلان متخرِّقان، وعلى رأسه خِرقة، وفي عُنُقه كَرْزَنُه (٧) وطَبَقُه، فأَتى دجلةَ فوضع الطبقَ والكَرْزَنَ على الأرض، وحلَّ الخِرَقَ عن رجليه، وتوضَّأ وغسل أَعضاءه، وصلَّى ركعتين، وفتح
стр. 6585
جِرابًا وأخرج منه كِسَرًا يابسةً مختلفةَ الألوان، فتركها في قصعةٍ وذرَّ عليها ملحًا، وصبَّ عليها من الماء، وأكل أكلَ جائعٍ وهو يشكر اللهَ ويَحمده، ثم قام فشرب من الماء بكفَّيه وقال: لك الحمدُ يا سيِّدي على هذه النِّعمةِ التي تفضَّلتَ بها عليّ، ثم نام سماعة، وقعد فتوضَّأْ، ثم صلَّى الظُّهر، وعليٌّ يشاهد ذلك، فقال لبعض الغِلمان: اُخرج إلى ذلك الإنسانِ فأَحضره، فجاء إليه فقال: أَجِب الأمير، فقال: ما لي وللأمير! فأغلظ له [فقام] (١) وهو يقرأ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ثم دخل فسلَّم، فردَّ عليه وأَمره بالقعود، فقال له جلساؤه: ومَن هذا حتَّى تأمرَه بالقعود! فزجرهم، ثم أَقبل عليه الأميرُ وقال: أَمِن أهلها أنت؟ قال: نعم، قال: ما صناعتُك؟ قال: الحملُ كما ترى، قال: وكم عيالُك؟ قال: نحن عيالُ الله، لي والدةٌ عجوزٌ مُقعدة وأختٌ عمياء، قال: فإلى متى تَحمك من النهار؟ قال: إلى الظُّهر، وأُجِمُّ نفسي (٢) باقيَ النهارِ إلى الليل، قال: أولستَ تكون جمَّامًا بالليل؟! قال: إنْ أَجممتُ نفسي [بالليل] (٣) تركني فقيرًا يومَ القيامة، قال: فإنِّي رأيتك تأكل وحدك! قال: إنَّ أمِّي وأختي تصومان، فأَجعلُ عَشائي معهما إذا أَفطرتا، فقال: يا شاكر، ادفع إليه خمسةَ آلافِ درهمٍ ليُصلحَ بها حاله، فقال: أنا في غِنًى عنها، فاجتهدَ به فلم يقبلْها، فقام عليٌّ وأخذ بيده وخلا به وقال: لي إليك حاجة، قال: وما حاجةُ مثلِك إلى مِثلي وأنت ابنُ الخليفة! فقال: بلى، قد ترى حالي وما أنا فيه من المُلك والنعيمِ وأمرِ الدنيا، فادعُ اللهَ تعالى أن يزهِّدَني في الدنيا ويرغِّبني في الآخرة، فقال الحمَّال: يا حبيبي، ما لي عند اللهِ من القَدْر أن أدعوَه، فقال: لا بدّ، فرفع الحمَّالُ يديه وطأطأ رأسَه ودمعت عيناه وقال: اللهم أَخرِج حبَّ الدنيا من قلب عبدِك عليّ، وحبِّب إليه طاعتَك وجنِّبه معصيتَك.
ثم قام وخرج، وعاد عليٌّ إلى موضعه وقد ذهب نشاطُه، ثم قال لجلسائه: انصرفوا فاشهدوا طعامَ أميرِ المؤمنين، وجعل يصف طعامَ أبيه، ثم قال لمُنيبٍ خازنِ الكتب: أَخرِج إليَّ سيرةَ عمرَ بن الخطابِ ﵁، فأخْرَجها، فجعل يقرؤها ويبكي، ثم قال: