← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

اللهَ اللهَ فيهم، وانظرْ في أمر العامَّة، فإنَّ المُلْكَ إنما يقوم بهم، ولا ينتهينَّ إليك أمرٌ فيه صلاحُ المسلمين إلَّا وقدَّمتَه على غيره وإنْ خالف هواك، وخذ من قويِّهم لضعيفهم، وعجِّل الرِّحلةَ إلى العراق، إلى مَقرِّ ملكِك وسلطانك، وانظرْ هؤلاء القومَ الذين أنست بساحتهم فلا تغفل عن أمرهم، وقوِّهم على الغزو بالعُدَّة والسِّلاح والرِّجال، واتقِ اللهَ في أمرك كلِّه، والسلام. ولما اشتدَّ به الموت، أَوصاه وصيةً بالغةً ثم قال: وعليك بأبي عبدِ الله أحمدَ بن أبي دُؤاد، لا تفارقْه وأَشركه في المشورة في أمورك؛ فإنَّه موضعٌ لذلك، ولا تتَّخذنَّ بعدي وزيرًا تُلقي إليه شيئًا، فقد علمتَ ما نكبني به يحيى بنُ أكثمَ في معاملة الناسِ وخُبْثِ سيرته، حتَّى أبان اللهُ لي ذلك منه في صحَّة منِّي، فصرتُ إلى مفارقته، فأنا له غير راضٍ بما صنع في أموال اللهِ وصدقاتِه، فلا جزاه اللهُ عن الإِسلام خيرًا، وهؤلاء بنو عمِّك من ولد أميرِ المؤمنين عليِّ بن أبي طالب، فأَحسِن صُحبتَهم، وتجاوزْ عن مسيئهم، واقْبَل من محسنهم، ولا تغفُل عن صِلاتهم؛ فإنها واجبةٌ عليك، ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ الآيات [آل عمران: ١٥٢ وما بعدها]. وكان قريبًا من مدينة طَرَسُوس [قال الصُّولي:] عهد [المأمونُ] إلى أخيه (١): وعبدُ الله بن طاهرٍ فأقِرَّه على عمله، وكذا إسحاقُ بن إبراهيمَ بنِ مصعب، وكان على بغداد. [وحكى العُتْبيُّ عن] أحمدَ بن مرزوقٍ قال (٢)؛ لما دخل المأمونُ بلادَ الروم آخرَ مرَّة، وقف قريبًا من طَرَسوسَ على تلٍّ عالٍ وأنشأ يقول: [من البسيط] حتَّى متى أنا في شَدٍّ (٣) وتَرْحال … وطولِ سَعيٍ وإدبارٍ وإقبالِ ونازحُ الدارِ لا أنفكُّ مغتربًا … عن الأَحبَّة لا يدرون ما حالي بمَشرِق الأرض طَورًا أو بمغربها … لا يخطرُ الموت من حرصٍ على بالي ولو قعدتُ أَتاني الرزقُ في دَعَةٍ … إنَّ القُنوعَ الغِنى لا كثرةُ المال

стр. 6582

وكان يقول: لا أَرجع من هذه السَّفرة، وتوفِّي على نهر البَذَنْدُون يومَ الخميس وقتَ الظُّهر لاثنتي عشرةَ ليلةً بقيت من رجب، وصلَّى عليه المعتصم، وحمله ابنُه العباسُ إلى طَرَسوسَ فدفنه بها، ووكَّل بقبره مئةً من الحرس، وأَجرى على كل رجلٍ منهم في كلِّ شهرٍ تسعين درهمًا، ودُفن بدار الإمارة، وتُعرف بدار خاقانَ مولى الرشيد، وهي اليومَ كنيسة، وقبرُه بها، والروم تعظِّمه وتوقد عليه القناديل. [وقال المسعودي:] (١) دُفن عن يسار المسجد. و [اختلفوا في سِنِّه على قولَين: أحدهما: أنَّه] عاش ثمانيةً وأربعين سنة. والثاني (٢): خمسين سَنَة، والأوَّل أصحّ؛ لأنه وُلد سنةَ سبعين ومئة [على ما ذكرنا]. و [اختلفوا في خلافته على قولَين: أحدهما: أنَّها] كانت (٣) عشرين سنةً وخمسةَ أشهرٍ وثلاثةَ عشَرَ يومًا سوى سَنتَين وخمسةِ أَشهر [كان دُعي له فيها بمكَّةَ وأخوه الأمينُ ببغداد (٤). والثاني: أنَّها كانت إحدى وعشرين سنة (٥). وقد رثاه جماعةٌ منهم أبو سعيدٍ المخزومي، وهي من أحسن الشعر وأَجودِه، فقال:] (٦) [من الخفيف] أيُّها الجاهلُ المفكِّرُ في الشَّمـ … سِ المعنَّى بها اعتناءَ المجوسِ تاركًا حظه (٧) المسير من السَّبـ … ـتِ يروم المسيرَ يومَ الخميس ما رأينا النُّجوم أَغنت عن المأ … مونِ في عزِّ مُلكِه المأسوس خلَّفوه بعَرْصَتَي طَرَسوسٍ … مِثلَما خلَّفوا أباه بطُوس (٨)

стр. 6583

وقال الرَّيحاني (١): [من الخفيف] ما أقلَّ الدُّموعَ للمأمون … لستُ أَرضى إلَّا دمًا من جُفوني من أبيات. وقالت حَظِيَّة [كانت للمأمون اسمُها] (٢) تزيف: [من السريع] يا مَلِكًا لستُ بناسيهِ … نعى إليَّ الموتَ ناعيهِ واللهِ لو كنتُ (٣) أرى أنني … أَقوم في الباكين أَبكيه واللهِ لو يُقبل فيه الفدا … لَكنتُ بالمُهجة أَفديه عاذلتي من جَزَعٍ أَقصري … قد غَلِقَ الرَّهنُ بما فيه ذِكْرُ أَولادِه: [قال الصُّولي وغيره:] كان له تسعةَ عشَرَ ذَكَرًا وتسعُ بنات، فالذُّكور: العبَّاس، وعبدُ الله الأكبر، وعبد اللهِ الأَصغر، ومحمدٌ الأكبر، ومحمدٌ الأصغر، والحسن، وسليمان، وجعفر، وإِسحاق، وعيسى، وهارون، وأحمد، والحُسين، والفضل، وإِسماعيل، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب، وعليّ. ولم يشتهر [بالذِّكْر] سوى [اثنين:] (٤) العباسِ، وعليٍّ وكنيته أبو الحسن. فأمَّا العباس، فكان مُغْزًى بشراء الضِّياع والعقار، وكان المعتصم مغرًى بجمع المالِ واقتناءِ الغِلمان والعُدَّة والرِّجال، فكان المأمونُ إذا رآهما تمثَّل: [من الكامل]

стр. 6584

قَلِقٌ بكثرة مالِه وجيادِه (١) … حتَّى يفرِّقها على الأبطالِ يبني الرِّجال وغيرُه يبني القُرى … شتَانَ بين قرًى وبين رِجال وجرت للعباس مع المعتصمِ قِصصٌ نذكرها [في مواضعها] (٢) إن شاء اللهُ تعالى. وأمّا عليّ [بن المأمون]، فإنَّه تزهَّد وترك الدنيا (٣)، وسنذكره آنفًا إن شاءَ الله تعالى. ولم يشتهرْ من بنات المأمون سوى اثنتين: أمِّ حَبيب زوجةِ علي بن موسى الرِّضا، مات عنها، وأعادها المأمونُ إلى قصره. وأختِها أمِّ الفضل زوجةِ محمد بنِ عليٍّ الرضا، حملها إلى المدينة ثم قدم بها بغدادَ فمات عنها [وسنذكرها] (٤). قِصَّةُ علي بنِ المأمون: [قرأتُ على شيخنا الموفَّق المقدسيِّ ﵀ من كتاب "التَّوابين" قال: ذكر إبراهيمُ بن الجنيدِ في كتاب "الرَّوضة في زهَّاد الملوك" (٥) بإسناده عن] عبد الحميدِ بن محمدٍ أنَّ المأمونَ كان (٦) يَجِدُ بابنه عليٍّ وَجْدًا شديدًا، ويقدِّمه على أولاده، وكان عليٌّ من أحسن الناسِ وأَجملهم، مع حياءٍ وبَشَاشة وتواضع، يلاطف جلساءه، ولا يشرب شيئًا من الأَنبذة، وكان أسخى الناسِ وأَحسنَهم خُلقًا. وكان سببُ تزهّده ما أخبرني به شاكرٌ مولاه قال: جلس يومًا في مستشرَفٍ له على دِجلة، وإذا بحمَّال قد أقبل عند الزوال وعليه دُرَّاعة صوفٍ بيضاءُ بالية، بغير قميصٍ تحتها ولا سراويل، وقد شدَّ على رِجلَيه خِرَقًا من الحرِّ، وفي رِجلَيه نعلان متخرِّقان، وعلى رأسه خِرقة، وفي عُنُقه كَرْزَنُه (٧) وطَبَقُه، فأَتى دجلةَ فوضع الطبقَ والكَرْزَنَ على الأرض، وحلَّ الخِرَقَ عن رجليه، وتوضَّأ وغسل أَعضاءه، وصلَّى ركعتين، وفتح

стр. 6585

جِرابًا وأخرج منه كِسَرًا يابسةً مختلفةَ الألوان، فتركها في قصعةٍ وذرَّ عليها ملحًا، وصبَّ عليها من الماء، وأكل أكلَ جائعٍ وهو يشكر اللهَ ويَحمده، ثم قام فشرب من الماء بكفَّيه وقال: لك الحمدُ يا سيِّدي على هذه النِّعمةِ التي تفضَّلتَ بها عليّ، ثم نام سماعة، وقعد فتوضَّأْ، ثم صلَّى الظُّهر، وعليٌّ يشاهد ذلك، فقال لبعض الغِلمان: اُخرج إلى ذلك الإنسانِ فأَحضره، فجاء إليه فقال: أَجِب الأمير، فقال: ما لي وللأمير! فأغلظ له [فقام] (١) وهو يقرأ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ثم دخل فسلَّم، فردَّ عليه وأَمره بالقعود، فقال له جلساؤه: ومَن هذا حتَّى تأمرَه بالقعود! فزجرهم، ثم أَقبل عليه الأميرُ وقال: أَمِن أهلها أنت؟ قال: نعم، قال: ما صناعتُك؟ قال: الحملُ كما ترى، قال: وكم عيالُك؟ قال: نحن عيالُ الله، لي والدةٌ عجوزٌ مُقعدة وأختٌ عمياء، قال: فإلى متى تَحمك من النهار؟ قال: إلى الظُّهر، وأُجِمُّ نفسي (٢) باقيَ النهارِ إلى الليل، قال: أولستَ تكون جمَّامًا بالليل؟! قال: إنْ أَجممتُ نفسي [بالليل] (٣) تركني فقيرًا يومَ القيامة، قال: فإنِّي رأيتك تأكل وحدك! قال: إنَّ أمِّي وأختي تصومان، فأَجعلُ عَشائي معهما إذا أَفطرتا، فقال: يا شاكر، ادفع إليه خمسةَ آلافِ درهمٍ ليُصلحَ بها حاله، فقال: أنا في غِنًى عنها، فاجتهدَ به فلم يقبلْها، فقام عليٌّ وأخذ بيده وخلا به وقال: لي إليك حاجة، قال: وما حاجةُ مثلِك إلى مِثلي وأنت ابنُ الخليفة! فقال: بلى، قد ترى حالي وما أنا فيه من المُلك والنعيمِ وأمرِ الدنيا، فادعُ اللهَ تعالى أن يزهِّدَني في الدنيا ويرغِّبني في الآخرة، فقال الحمَّال: يا حبيبي، ما لي عند اللهِ من القَدْر أن أدعوَه، فقال: لا بدّ، فرفع الحمَّالُ يديه وطأطأ رأسَه ودمعت عيناه وقال: اللهم أَخرِج حبَّ الدنيا من قلب عبدِك عليّ، وحبِّب إليه طاعتَك وجنِّبه معصيتَك. ثم قام وخرج، وعاد عليٌّ إلى موضعه وقد ذهب نشاطُه، ثم قال لجلسائه: انصرفوا فاشهدوا طعامَ أميرِ المؤمنين، وجعل يصف طعامَ أبيه، ثم قال لمُنيبٍ خازنِ الكتب: أَخرِج إليَّ سيرةَ عمرَ بن الخطابِ ﵁، فأخْرَجها، فجعل يقرؤها ويبكي، ثم قال:

стр. 6586

اسمعوا ما كان طعامُ أمير المؤمنين عمرَ بن الخطابِ ﷺ ، عُراقُ (١) لحمِ الإِبل مطبوخٌ بماءٍ وملح، وأقراصٌ من شعيرٍ غيرِ منخول، فقيل له: لو أكلتَ غيرَ هذا الطعام، فقد وسَّع اللهُ عليك، فقال: إنَّ اللهَ عيَّر أقوامًا بأكلهم فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]. ثم قال: عليَّ بسيرة عمرَ بن عبدِ العزيز رحمةُ الله عليه، فجعل يقرؤها ويصف عيشَه ويبكي، ثم أخرجَ ساعدًا مثلَ الفضَّة فقال: هذا الساعدُ يَبلى غدًا في التُّراب كما يبلَى ساعدُ الحمَّال، ثم صرف النُّدماءَ والغلمانَ وبقي وحده مفكِّرًا، فلما ذهب بعضُ الليل ناداني: يا شاكر، دونك والخزائنَ فاحفظها، فإني ذاهبٌ إلى سيِّدي، وأنا أظنُّ أنَّه يعني بسيِّده المأمون. ثم خرج وعلى رأسه إِزار، وفي رِجله نعلان طاقان، وخلفه خادمٌ صغير، فلما ارتفع النهارُ عاد الخادمُ وحده، فقلت: أين الأمير؟ فقال: نزل في سفينةٍ مع ملَّاح وقال: احملني إلى واسط فلي حاجةٌ مهمَّة، وأَعطاه دنانير. قال: ولمَّا علم به المأمونُ ضاقت عليه الدنيا، وكتب إلى جميع الآفاقِ والعمَّال أن يطلبَ وتوضعَ عليه العيون، فما وقف أحدٌ له على خَبَر. قال: وأما علي، فإنَّه لما وصل إلى واسط، نزل البصرةَ وتنكَّر واشترى ثيابًا وطبقًا كهيئة الحمَّال، وجعل يحمل على عُنقه بالأُجرة بمقدار قُوته، ويظلُّ النهارَ صائمًا والليلَ قائمًا، يمشي حافيًا حتَّى تقطَّعت رِجلاه، يبيت في المساجد يتخلَّلها لئلَّا يُفطنَ به، فمرض، فاكترى غرفةً في بعض الخانات، وألقى نفسَه على بارِيَّة (٢)، فلما أَيِسَ من نفسه، دعا صاحبَ الخانِ وناوله رقعةً مختومةً وخاتَمًا وقال: إذا قضيتُ فادفع هذه الرُّقعة والخاتَمَ إلى والي البلد، ثم مات. فجاء الرجلُ إلى دار الوالي وصاح: نصيحة، فأُدخل على الوالي فقال: ما نصيحتُك؟ فأراه الخاتَم، فعرفه، فقال: وأين صاحبُه؟ فقال: في الخان، في غرفةٍ

стр. 6587

ميِّت. فقام الوالي فجاءَ إلى الخان، فرآه على تلك الحال، فبكى بكاءً شديدًا، وحوَّله إلى القصر، فغسَّله وطلاه بالكافور والمِسك والصَّبِر، ولفَّه في قَبَاطي مِصْر، وحمله في تابوتٍ إلى بغداد، وبعث بالخاتم والرُّقعة وعليها مكتوب: لا يفتحها إلَّا المأمون، وكتب إلى المأمون يُخبره بحاله ويقول: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي وجدته في بعض الخاناتِ في غرفةٍ على بارِيَّة، ليس تحته فراشٌ ولا عنده نائحةٌ ولا باكية، مُغمضَ العينين، طيِّبَ الرائحة، مستنيرَ الوجه. فلمَّا وصل تابوتُه إلى بغداد، خرج إليه المأمونُ والحاشيةُ والأشرافُ والخَدَم، فلما رأى التابوتَ قام قائمًا وكشف عن وجهه، وجعل يقبِّله ويبكي، وارتفعت الضَّجَّة، ثم فكَّ الرُّقعة، فإذا فيها بخطِّه: يا أميرَ المؤمنين، اقرأ سورةَ الفجرِ إلى أربعَ عشْرةَ آيةً منها واعتبرْ بها؛ فإنَّ اللهَ مع الذين اتَّقوا والذين هم مُحْسِنون. وصلَّى عليه المأمون ومشى إلى قبره، فلمَّا وُضع فيه اطَّلع المأمونُ قيه فقال: رحمك اللهُ يا بُنَيّ، وأعطاك أمنيتَك ورجاءك، إنِّي لأرجو أن يكونَ اللهُ قد أسعدك ونفعني بك، فنعمَ الولدُ كنت، جمع اللهُ بيني وبينك، ورزقني الصَّبرَ عليك، وأَنالكَ شفاعةَ ابنِ عمِّك سيِّدنا محمدٍ ﷺ قال: والغبارُ قد علاه، والخدمُ حوله بالمناديل ينحُّون الغبارَ عنه، فقال: إليكم، تنحُّون الغبار عنِّي وعليٌّ يَبلَى في التراب! ثم دعا بمن قرأ سورةَ الفجرِ حتَّى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهو يبكي ويقول: رحمك اللهُ يا بُنَيّ، فلقد نصحتَ أباك. وتصدَّقَ عنه بألف ألفِ درهم، وأَطلق المحبوسين، وكتب إلى العمَّال بردِّ المظالم وإنصافِ الرَّعية، وما زال منغَّصَ العيش، والعلماءُ ينتابونه ويعزُّونه، وهو لا يقبل عزاءً، ويُصبِّرونه وهو لا يستطيع الصَّبر، وهو متكسرُ النفس، حزينُ القلب، قليلُ النشاط. فلم يزل على حاله تلك حتَّى توفِّي رحمه اللهُ تعالى. ذِكرُ وزراءِ المأمون وحُجَّابِه وقُضاته: أوَّل ما وَزَرَ له بخُراسانَ الفضلُ بن سهل، ثم أخوه الحسنُ بن سهل، ثم أحمدُ بن أبي خالد، وعَمرو بن مَسعدة.

стр. 6588

وقضى له الواقديّ، ويحيى بنُ أكثم، وإسماعيلُ بن حمَّادِ بن (١) أبي حنيفة، والحسنُ بن زيادٍ اللؤلؤي، ومحمدُ بن سَمَاعة. وحَجَبه عبدُ الحميد بن شَبَث، ومحمدٌ وعليٌّ ابنا صالحٍ مولى (٢) المنصور، وغيرُهم. أَسند المأمونُ الحديثَ عن أبيه هارون، ومالكِ بن أنس، وهُشَيم بنِ بشير، وحمَّاد بنِ زيد، وأبي معاوية الضَّرير، وعبَّادِ بن العوَّام، وإسماعيلَ بن عُلَيَّة، وغيرِهم. [وقال الحافظُ ابن عساكر (٣):] وروى عنه أبو حذيفةَ إسحاقُ بن بِشْر، وهو أسنُّ منه، والقاضي يحيى بنُ أكثم، واليزيدي، وعَمرو بن مَسعدة، وعبدُ الله بن طاهر؛ ودِعْبِلٌ الشاعر، في آخَرين. و [قال ابنُ أكثم:] كان [المأمونُ] يقول: إنَّما الحلاوةُ لأصحاب الخُلْقان [والمحابر] يقال لأحدهم: حدِّثني رحمك الله. انتهت ترجمةُ المأمونِ ﵀. عبدُ الملك بنُ هشام بنِ أَيُّوب أبو محمدٍ الذُّهْلي البصري النَّحوي. سمع مغازيَ ابنِ إسحاقَ من (٤) زياد بنِ عبد اللهِ البكَّاء؛ وكان ثقة، وتوفِّي بمصرَ في ربيعٍ الأوَّل. عبدُ الأعلي بنُ مُسْهِرِ ابن عبد الأعلى، أبو (٥) مُسْهرٍ الغسَّاني الدمشقي، ويعرف بابن أبي دُرَامة. كان سيِّدًا عالمًا فاضلًا زاهدًا عابدًا [وأثنى عليه الأئمَّة، قال الحافظُ ابن عساكر: كان] شيخَ الشامِ في وقته (٦)، وفقيهَهم ومفتيهم وزاهدَهم، لم يكن في زمانه في الشام

стр. 6589

مِثلُه، ومولدُه في صفرٍ سنةَ أربعين ومئة. [ذكره ابنُ سعد] (١) في الطبقة السابعةِ (٢) من أهل دمشقَ [وقال: كان راويةً لسعيد بنِ عبد العزيز التَّنوخي وغيرِه من الشاميين] وكان أُشخص من دمشقَ إلى عبد اللهِ بن هارونَ وهو بالرقَّة، فسأله عن القرآن، فقال: هو كلامُ الله، وأَبى أن يقول: هو مخلوق، فدعا له بالسَّيف والنِّطع ليضربَ عُنقَه، فلما رأى ذلك أَجاب، فتركه وقال: أَمَا إنَّك لو قلتَ ذاك قبل السَّيف قبلتُ منك، ورددتُك إلى أهلكَ وبلادِك، ولكنك الآنَ تخرج فتقول: قلتُ ذلك فَرَقًا من القتل، فأشخِصوه إلى بغدادَ فاحبسوه بها حتَّى يموت، فحملوه إلى بغدادَ في شهر ربيعٍ الآخِر سنةَ ثمان عشرةَ ومئتين، فحُبس عند إسحاقَ بن إبراهيم، فلم يلبث في الحبس إلَّا يسيرًا حتَّى مات فيه غُرَّةَ رجب [هذه السنة]، فأخرج ليُدفنَ فشهده قومٌ كثيرٌ من أهل بغداد. وقال أبو الحسينِ الرازي: لمَّا دخل على المأمون بالرَّقة قال له -والسيفُ مشهور- ما تقول في القرآن؟ قال: أَقول كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فقال المأمون: هو مخلوق، فقال: عمَّن تنقل هذا؟ عن رسول اللهِ ﷺ أم عن الخلفاءِ الراشدين أم عن الصَّحابة والتابعين؟ قال: بالنَّظر، فقال: نحن مع الكتابِ والسُّنَّة والإجماعِ أو مع النظر؟ فقال: أنت عملتَ للسُّفياني، فقال: كلامُ الله قديمٌ غيرُ مخلوق. فأَشخصه إلى بغدادَ وكتب إلى إسحاقَ بن إبراهيمَ أن يمتحنَه على رؤوس الناس، فأَقامه كذلك وقال: إن لم تُجِب وإلَّا فقد أمرني أميرُ المؤمنين بقتلك، فقال: أيها الناس، أَلَا إنَّ أميرَ المؤمنين قال لي: قل: القرآنُ مخلوق، وإلا ضربتُ عنقَك، أَلَا فهو مخلوق. فعجب الناسُ من توريته، وازداد عندهم فضلًا. قال الرازيّ: ومرض في حبسه، فتوفِّي لليلتَين مضتا من رجب [في هذه السَّنة] (٣) وهو ابنُ تسعٍ وسبعين سنة، وأُخرج فلم يبقَ ببغدادَ إلا مَن شهد جنازتَه، ودُفن بمقبرة

стр. 6590

بابِ التِّبْن [ومات المأمونُ بعده بعشرة أيَّام. وقال ابنُ عساكر (١): قرأ أبو مُسْهرٍ القرآنَ على أيوبَ بنِ تميم ويحيى بنِ الحارث، وقرأ يحيى على عبد اللهِ بن عامر. قال: و] أَسند عن مالك بنِ أنس [وسعيدِ بن عبد العزيز التَّنوخي، وعبدِ الله بن العلاءِ بن زَبْر، وإسماعيلَ بن عيَّاش، وسفيانَ بن عُيينة، وسلمةَ بن العيَّار] وخلق كثير. وروى عنه [مروانُ بن محمد، ويحيى بنُ مَعين، و] أبو زُرعة الدِّمشقي [وأبو حاتِم الرازي، وأحمدُ بن أبي الحَوَاري، والأئمّة] (٢). واتَّفقوا على صدقه وأمانتِه وورعه، قال أبو داودَ ﵀: لقد كان من الإسلام بمكانٍ جميل، حُمل على السيف، فمدَّ رأسَه وأبي أن يُجيب، [وكان أحمدُ بن حنبلٍ يقول: رحم اللهُ أبا مسهرٍ ما كان أثبتَه! وكان أحمدُ يوادُّه ويكاتبه. وحكى ابنُ عساكرٍ عن يزيدَ بنِ عبد الصمدِ قال:] (٣) كنا عند أبي مُسهرٍ وهو يُملي علينا من كتاب، فمرَّ بحرفٍ قد اندرس، فلم يعرفْه، فنظر إليه يحيى بنُ مَعينٍ وقال: [يا أبا مسهر،] هو كذا وكذا، فقال: اضربوا على هذا الحديثِ فإني لا أَروي بتلقينٍ ولا آخذ به. قال ابن مَعين: فأردتُ أن أقومَ فأقبِّل رأسَه. وقال يحيى: لا أحدِّث في بلدٍ فيه أبو مُسْهر. وقال ابنُ أبي حاتم: ما رأينا مَن كتبنا عنه أفصحَ منه، وما رأيتُ أهلَ كُورةٍ يعظِّمون عالمهم مثلَ [أهل] كُورته، وإنَّه عندهم لَجليلُ القَدْر. قال المصنِّف ﵀: ولم يحبسْه المأمونُ لأجل القرآنِ لا غير، وإنَّما كان قد أَنكر عليه أشياء، منها أنَّ أبا العَمَيطَرِ عليَّ بنَ عبدِ الله بن خالِد بن يزيد بن معاوية [بنِ أبي سفيان] (٤) لمَّا استولى على دمشقَ أَكره أبا مُسْهِرٍ على القضاء، فلمَّا زالت أيامُ أبي العَميطَر

стр. 6591

عزل أبو مُسهرٍ نفسَه، فلما دخل المأمونُ دمشقَ لم يلتفت إليه أبو مُسْهر، فحقد عليه. ومنها ما حكاه (١) [الحافظُ ابن عساكرٍ في تاريخه] (٢) عن علي بن عثمانَ الحَرَّانيِّ قال: مرض أبو مُسهرٍ بدمشق، فدخلنا عليه نعوده، وكنا جماعةً من أهل الحديث، فقلنا: كيف تجدك؟ قال: راضيًا عن الله ساخطًا عن الإِسكندر (٣)، قيل له: ولم؟ فقال: حيث لم يجعلْ بيننا وبين العراقِ سدًّا كما جعل بين أهل خُراسانَ ويأجوجَ ومأجوج. [قال:] (٤) فما كان بعد هذا بيسيرٍ حتَّى قدم المأمونُ دمشقَ ونزل بسفح جبلِ دَير مُرَّان، وبنى القُبيبةَ التي على الجبل، فكان في الليالي المظلمةِ يأمر [المأمون] بجمرٍ عظيم، فيوقد في الليل ويُجعل في طُسُوت كبارٍ وتُدلَّى بسلاسلَ من فوق الجبلِ عند القُبيبة، حتَّى تضيءَ الغوطةُ فيُبصرَها في الليل، وكان لأبي مُسهر حلقةٌ بجامع دمشقَ بين العشاءين عند الحائطِ الشَّرقي، فبينا هو جالسٌ في حلقته ليلة، إذ دخل ضوءٌ عظيم، فقال: ما هذا؟! فقالوا: النارُ تدلَّى لأمير المؤمنين من الجبل حتَّى تضيءَ له الغوطة، فقال أبو مُسهر: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ … ﴾ الآيات [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] وكان في حلقته صاحبُ خبرٍ للمأمون، فرفع إليه ذلك، فلما صار [المأمونُ] إلى الرقَّة استقدمه وفَعَل به ما ذكرنا. وكان على خاتَم أبي مُسهرٍ مكتوب: أَبرمتَ فقُم، فإذا جاءه ثقيلٌ يقول له: اقرأْ ما على هذا. وقيل: إنَّما كان ذلك على خاتم جدِّه (٥). [وذكر ابنُ عساكرٍ شيئًا من شِعره فقال: حدَّثنا أبو القاسمِ الشحَّامي بإسناده إلى محمد بنِ يحيى قال: سمعتُ أبا مُسهرٍ يُنشد لنفسه:] (٦)

стр. 6592

ولا خيرَ في الدُّنيا لمن لم يكن له … من اللهِ في دار البقاء نصيبُ فإنْ تعجب الدنيا رجالًا فإنَّها … متاعٌ قليل والزَّوالُ قريب وله: [من الطويل] أَلَا قِفْ بدار المُترَفين فقل لها … إذا جئتَها أين المساكنُ والقُرى وأين الملوكُ الناعمون بغِبطةٍ … ومَن عانقَ البيضَ الرَّعابيبَ كالدُّمى فلو نطقتْ دار لقالت لأَهلها … لك العِلْم (١) صاروا في التُّراب وفي البِلى عليُّ الجَرْجَرائيُّ (٢) الزاهد كان ينزل بجبل لبنانَ يتعبَّد فيه [ورُوي عن عبد الواحدِ بن عليٍّ بإسناده إلى] بِشْرٍ الحافي قال (٣): لقيتُ عليًّا الجَرْجَرائيَّ بجبل لبنانَ على عين ماء، فلمَّا أَبصرني هرب وقال: بذنبٍ منِّي رأيت اليومَ إِنسيًّا، فعدوتُ خلفه وقلت: أوصني، فالتفت إليَّ وقال: عانقِ الفقر، وعاشِر الصَّبر، وعادِ الهوى، وعَفِ الشَّهوات، واجعل بيتَك أَخلى من لَحْدك، فعلى هذا طاب المسيرُ إلى الله . [والله أعلم بالصواب]. محمدُ بن مصعبِ (٤) بن صَدَقةَ القَرْقَساني كان من أهل الخيرِ والصَّلاح، وإنما كان كثيرَ الغلط؛ لأنَّه كان يحدِّث من حفظه. أَسند عن الأوزاعيِّ وغيرِه، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمةُ اللهِ عليه وغيرُه. وقال البخاري: كان ابنُ مَعين سيِّئَ الرأيِ فيه (٥)، جاء إليه فقال له: يا أبا الحسن،

стр. 6593

أَخرِج إلينا كتابًا من كتبك، فقال: عليك بأَفلحَ الصَّيدلاني. لأنَّه كان احتقر ابنَ مَعين، فقام ابن مَعينٍ مُغْضَبًا وهو يقول: لا ارتفعتْ لك معي رايةٌ أبدًا، فقال له ابنُ مصعب: إذا لم ترتفع إلَّا بكَ فلا رفعها اللهُ تعالى أبدًا. محمد بن نوح ابن ميمون بن عبد الحميد (١) بن أبي الرِّجال العِجْلي. صاحب الإمام أحمد رحمة الله عليه، ويعرف والده بالمضروب. كان محمد عالمًا زاهدًا ورعًا، مشهورًا بالسنة والدين والثقة، امتحن بالقول بخلق القرآن فثبت على السنة. وقال الخطيب (٢): كتب المأمونُ إلى إسحاقَ بن إبراهيمَ -والمأمونُ بالرَّقَّة- أن يَحملَ إليه الإمامَ أحمدَ بن حنبلٍ ﵀ وصاحبَه محمدَ بن نوح، وكان جارَه، فحُملا إلى الرقَّة على بعيرٍ متزاملَين، فمرض محمدُ بن نوح في الطريق، وقال للإمام أحمد: أبا عبدِ الله، اللهَ الله؛ فإنَّك لستَ مثلي، أنت رجلٌ يُقتدى بك، وقد مدَّ هذا الخَلْقُ أعناقَهم إليك، ولِمَا يكون منك، فاتَّقِ اللهَ فاثبتْ لأمره. قال الإمامُ ﵀: فمات بعانة، فدفنتُه بها، وإني لأرجو أن يكونَ اللهُ قد رحمه وختم له بالخير، فما رأيتُ أحدًا على حَدَاثة سِنِّه وقِلَّة علمِه أقومَ بأمر اللهِ منه ﵀. * * *

стр. 6594

السَّنةُ التاسعةَ عشْرةَ بعد المئتين فيها ظهر محمدُ بن القاسمِ بن عُمرَ بن علي بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ بالطَّالقَانِ يدعو إلى الرِّضا من آل سيِّدنِا رسولِ الله ﷺ ، واجتمع إليه خلقٌ كثير، فبعث إليه عبدُ الله بن طاهرٍ من خُراسانَ جيوشًا، فكانت بينهم وقعات، ثم هزمه قوَّادُ ابنِ طاهر، فمضى يريد بعضَ كُوَر خُراسان، وكان قد كاتبه أهلُها، فلما كان بنَيسابورَ (١) دخلها رجلٌ ممن كان معه، وكان من أهل نَسَا [فأَخبرهم بأمره] (٢) وأنَّه قاصدٌ إلى كُورة كذا وكذا، فمضى أبو الرِّجال (٣) إلى والي نَسَا فاخبره، فخرج والي نسا وأخذ ابنَ القاسم وأَوثقه وبعث به إلى ابن طاهر، فبعث به ابنُ طاهرٍ إلى المعتصم، فقدم بغدادَ في ربيعٍ الآخر، فحُبس مضيَّقًا عليه، ثم وسِّع عليه، فلمَّا كانت ليلةُ عيد الفطرِ اشتغل الموكَّلون به عنه، فدُلِّي إليه حبلٌ من كوة الحبس، فهرب، فلمَّا افتقدوه لم يجدوه، فنادَى منادي المعتصم: مَن جاء به فله مئةُ ألفِ درهم، فلم يُعرَف له خَبَر. وقال الطبري (٤): حُبس عند مسرورٍ الكبيرِ في مكانٍ مقدارَ ثلاثةِ أَذْرُعٍ في ذراعَين، فمكث فيه ثلاثةَ أيام، ثم حوِّل إلى مكانٍ أَوسع [منه]، وأُجري عليه طعام، ووكِّل به مَن يحفظه. وفيها قدم إسحاقُ بن إبراهيمَ إلى بغدادَ من الجبل يوم الأحد لإحدى عشْرةَ ليلةً خلت من جُمادى الأُولى، ومعه الأَسرى من الخُرَّميَّة وغيرِهم ممَّن استأمن، بعد أن قتل منهم مئةَ ألفٍ سوى النساءِ والصبيان. وفيها غلب الزُّطُّ بأرض البصرة، واحتملوا الغلَّاتِ من كَسْكَرَ وما يليها من ناحية البصرة، وأَخافوا السبيل، وقتلوا وأَخذوا المال، فبعث إليهم المعتصمُ عُجيفَ بن عَنْبسةَ في جيشٍ كثيف، فخرج من بغدادَ في جمادى الآخرة، ورتَّب بريدًا على

стр. 6595

الطُّرقات بحيث يصل الخبرُ من البصرة إلى بغدادَ في يومٍ واحد، وسار عُجيفٌ حتَّى نزل الصافية، وهي قريةٌ أسفلَ وأَسط، وكان في خمسة آلاف، فسدَّ عليهم الأنهارَ وأخذ عليهم الطُّرق، وقاتلهم، وأَسر منهم خمسَ مئةٍ وقتل ثلاثَ مئة، وضرب أعناقَ الأَسرى، وبعث برؤوسهم ورؤوس القتلَى إلى المعتصم، وأَقام عُجيفٌ يقاتلهم سبعةَ أشهر، وكان رئيسَ الزُّطِّ رجلٌ يقال له: محمدُ بن عثمان، وكان صاحبَ أمرِه والقائمَ بالحرب رجلٌ يقال له: سملق، وخرجت هذه السَّنة [وعُجيفٌ] (١) محاربٌ لهم، وخرج إليه خلق كثيرٌ بالأمان، وكان الزُّطُّ خمسةَ عشَرَ ألفًا، وبعث بالمستأمنة إلى بغداد، وقيل: أَقام يحاربهم خمسةَ عشَرَ شهرًا، وقيل: تسعةَ أشهُر (٢). وفيها كانت ظُلمة شديدةٌ بين الظُّهر والعصرِ وزلازلُ هائلة. وفيها امتحن المعتصمُ الإمامَ أبا عبد اللهِ أحمدَ بن حنبلٍ ﵀ [وهل ضربه بين يديه أم لا؟ ففيه قولان: أحدُهما: أنَّه ضربه بين يديه، فحكى، الصُّولي أنَّ المعتصمَ أَحضره (٣) وعنده ابنُ أبي دؤاد، فقال له: ما تقول في القرآن؟ قال: يسعني فيه ما وسع أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، إنَّه كلامُ اللهِ قديمٌ منزَّل غيرُ مخلوق، فقال له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]؟ فقال: خصَّ القرآنَ عن هذا بقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرَّق بينهما، أَلَا ترى إلى قوله جلَّت عظمتُه وتقدَّست أَسماؤه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] وما دمَّرت السَّماواتِ والأرض، فقال المعتصمُ لابن أبي دُؤاد: زعمتَ أنَّه حَدَث، وما أُراه إلَّا كهلًا، وزعمتَ أنه عامِّيٌّ وما أُراه إلا مُغْرِبًا. [واختلفوا في السِّياط التي ضُربها على أقوال: أحدها: أنَّها كانت] (٤) ثمانيةَ عشرَ

стр. 6596

سَوطًا. [والثاني:] (١) ثمانين سَوطًا. [والثالث:] تسعةً وعشرين. ثم ندم المعتصمُ على ضربه وعفا عنه. [قال الصُّولي: والذي حمله على ضربه أحمدُ بن أبي دؤاد بعد أن حبسه. قال الصُّولي: وكان ذلك في سنة عشرين ومئتين. والثاني: أنَّ المعتصمَ أمر بضربه ولم يَحضره، حدَّثنا عبدُ الوهاب بإسناده إلى] ميمونِ بن الأَصبغِ قال (٢): كنت ببغداد، فسمعتُ صيحة، فقلت: ما هذا؟! قالوا: أحمدُ بن حنبلٍ يُمتحن. فدخلتُ عليهم وقد مُدَّ أحمدُ بين العُقَابين، فلما ضُرب سَوطًا قال: بسم الله، فلمَّا ضُرب الثاني قال: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله، فلما ضُرب الثالثَ قال: القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوق، فلما ضُرب الرابعَ قال: لن يُصيبَنا إلَّا ما كتب اللهُ لنا. وكان تِكَّتُه حاشيةَ ثَوب، فانقطعت، فنزل السَّراويل [إلى عانته، فرمى أحمدُ طَرْفَه إلى السماء وحرَّك شفتَيه، فبقي السراويل] ولم ينزل. وقال ميمون [بنُ الأَصبغ:] فدخلتُ عليه بعد سبعة أيامٍ فقلت له: رأيتك تحرِّك شفتيك، فأيَّ شيءٍ قلت؟ قال: قلت: اللهمَّ إني أسألك باسمك الَّذي ملأتَ به عرشَك، إنْ كنتَ تعلم أنِّي على الصواب فلا تَهتِكْ لي سِترًا. ولمَّا بالغوا في ضربه ولم يُجِب أَظهروا أنَّه قد عُفي عنه وتُرك. وقال إبراهيمُ الحَرْبي: أحلَّ الإمام أحمدُ ﵀ مَن حضر ضربَه وكلَّ مَن شايع فيه والمعتصمَ، وقال: لولا أنَّ ابنَ أبي دؤاد داعيةٌ لأَحللته. وقال الصُّولي: الَّذي ضربه اسمُه شاباص، كان يقول: لقد ضربتُه ثمانين سَوطًا، لو ضربتُ بها فيلًا لهدَّتْه. وقال عبدُ الله بن الإمامِ أحمدَ: كان أبي قد وطَّن نفسَه على القتل، قيل له: لو عُرضتَ على القتل تُجيب؟ قال: لا. [قال:] (٣) وكان يقول: رحم اللهُ خالدًا الحدادَ وأبا الهيثم، فأما خالدٌ فكان

стр. 6597

شاطرًا، لما أُخذ الإمامُ أحمدُ اعترضه وقال له: إني ضُربت في [غير] (١) اللهِ عشرةَ آلاف سَوط، فاصبِرْ أنت في الله. وكان يُضرب المثلُ بصبر خالد، قيل له: ما بلغ من صبرك؟ قال: ملؤوا جِرابًا عقاربَ وأَدخلوا رأسي فيه، قال: ولو جُعلت في فمي خِرقةٌ وقتَ الضرب لاحترقتْ من حرارة جوفي، فقيل له: مع هذا الصبرِ والعقلِ وأنت في الباطل (٢)! فقال: نعمْ أُحبُّ الرِّئاسة. وكانت أَليتاه ولحمُ أفخاذِه قد انمحق من الضَّرب. وأما أبو الهيثمِ العيَّار، فقال الإمام أحمدُ رحمة اللهِ عليه: لما مدُّوني للضَّرب جذب بثوبي من ورائي، فالتفتُّ وإذا بشابٍّ، فقال: أَتعرفني؟ فقلت: لا، قال: أنا أبو الهيثمِ الشاطر، اسمي مكتوبٌ عندهم في الدِّيوان أني ضُربت ثمانيةَ عشرَ ألفَ سَوط فما أَقررت، وصبرتُ لأجل الدُّنيا في طاعة الشيطان، فاصبرْ أنت لأجل الدِّين في طاعة الرَّحمن. وقال عبدُ الله بن أحمدَ رحمةُ اللهِ عليه: كتب أهلُ المطاميرِ والسُّجون إلى أبي يقولون: إنْ رجعتَ عن مقالتك ارتددنا عن الإِسلام. وقال أبو بكرٍ النَّجاحي: في الوقت الَّذي ضُرب فيه الإمامُ أحمد ﵀ أَظلمت الدنيا وزُلزلت. وفيها امتحن ابنُ أبي دؤاد الحارثَ بن مسكين، فقال: قل: القرآنُ مخلوق. فبسط أصابعَه [وقال: أشهد أنَّ هذه مخلوقة، أشار إلى أصابعه] ثم قال: القرآنُ والتَّوراة والإِنجيل والزَّبور. وحجَّ بالناس صالحُ بن العباسِ بن محمد بن عليّ. وفيها توفِّي عليُّ بن عبيدة أبو (٣) الحسنِ الكاتب، ويعرف بالرَّيحاني. كان أديبًا فصيحًا بليغًا، صنَّف الكتبَ

стр. 6598

في الحِكَم والأمثال، واختصَّ به المأمون. وقال عليّ: التقى أَخوان متوادَّان، فقال أحدُهما لصاحبه: كيف وُدُّك لي؟ فقال: متوشِّح [بفؤادي] وذِكرُك سميرُ سُهادي (١)، فقال الآخَر: وأمَّا أنا فأُوجز في وصفي، ما أُحبُّ أن يقعَ على سواك طَرْفي. [وفيها توفِّي] محمدُ بن عبدِ الله ابن محمدِ بن عبدِ الملك [البصري] أبو عبدِ الله الرَّقاشي، الزاهدُ العابد. كان يصلِّي في كلِّ يومٍ وليلة أربعَ مئةِ ركعة، وهو من شيوخ [محمدِ بن إسماعيلَ] (٢) البخاري، سمع مالك بن أنس [وحمادَ بن زيدٍ وابنَ سلمة] (٣) وغيرَهم (٤)، وروى عنه ابنُه أبو قِلابة [وأبو حاتِمٍ الرازي]. وكان [مُتقنًا] ثقةً رحمةُ الله عليه [وهو والدُ أبي قِلابةَ الزاهد. وحكى الخطيبُ عن أبي حاتمٍ الرازيِّ (٥) أنَّه كان يقول: الرَّقَاشي ثقة]. محمُد بن عليِّ ابنِ موسى بن جعفرِ بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، أبو جعفر، وقيل: أبو محمَّد، وقيل: أبو عبدِ الله. ويلقَّب بالجَوَاد، والمرتضَى، والقانع [وأَشهرُ ألقابِه الجواد] (٦). وُلد سنةَ خمسٍ وتسعين ومئة، وكان على منهاج أبيه في العلم [والجود] والتُّقى والسُّؤدَد والكرم، وهو الذي ذُكر أن المأمون زوَّجه ابنتَه أمَّ الفضل، وكان يعطيه في كلِّ

стр. 6599

سنةٍ (١) ألفَ ألفِ درهمٍ وزيادة، وقدم من المدينة وافدًا على المعتصم ومعه امرأتُه أمُّ الفضل بنتُ المأمون، فأَكرمه المعتصمُ ووصله، ولما زوَّجه المأمون ابنتَه كان عُمُرُه سبعَ سنين. وقال العُتْبي: إنما سُمِّي الجَوَادَ لما حكى بعضُ العَلَويين قال: كنتُ أهوى جاريةً بالمدينة ويدي تَقصُر عن ثمنها، فشكوتُ ذلك إلى محمد بنِ عليِّ [بن موسى الرِّضا] (٢) فقال: ولمن هي؟ فأخبرتُه، فلمَّا كان بعد أيامٍ سألتُ عن الجارية، فقيل لي: بيعت، قلت: ومَن اشتراها؟ قالوا: لا ندري -وكان محمدٌ قد اشتراها سِرًّا- قال: فزاد قلقي، فأتيتُ إليه فقلت له: بيعت فلانة، فقال: ومَن اشتراها؟ قلت: لا أدري، قال: هل لك في الفَرْجة؟ قلت: نعم. فخرجنا إلى ظاهر المدينةِ إلى قصرٍ له عند ضَيعةٍ فيها نخْلٌ وشجر، وقد قدم من الطَّعام ما شاء، فلمَّا صرنا إلى القصر، دخل وأَخذ بيدي وأخذ يقول: بيعت فلانةُ وما تدري مَن اشتراها؟ وأنا أبكي وأَقول: نعم، حتى انتهى بي إلى بيتٍ على بابه سِترٌ وفيه جاريةٌ جالسة على فُرُشٍ لها قيمة، فرجعتُ، فقال: واللهِ لَتدخلَنّ، فدخلت، وإذا بالجارية التي كنت أُحبُّها، فبُهِتُّ وتحيَّرت، فقال: أتعرفها؟ قلت: نعم، هي فلانة، فقال: هي لك والقصرُ والضَّيعة والغَلَّة وجميعُ ما في القصر، فأَقِم معها بحياتي اليوم، وكلْ هذا الطعامَ واقضِ من الجارية وَطَرَك، ثم خرج فقال لأصحابه: أما طعامُنا فقد صار إلى غيرنا، فجدِّدوا لنا طعامًا، ثم دعا الأَكَّارَ (٣) فعوَّضه عن حقِّه من الغَلَّة حتى صارت لي تامَّة، وتركني ومضى إلى المدينة، فقبضتُ الجاريةَ والجميع. ذِكْرُ وفاتِه: [قال الخطيب:] توفِّي يومَ الثُّلاثاء لخمسِ (٤) ليالٍ بقين من ذي الحِجَّة سنةَ تسعَ

стр. 6600

عشْرةَ ومئتين (١). وقيل: سنةَ عشرين ومئتين. وصلَّى عليه هارونُ بن المعتصم، ودُفن في مقابر قريشٍ عند جدِّه موسى بنِ جعفرٍ وهو ابنُ خمسٍ وعشرين سنةً وثلاثةِ أَشهرٍ واثني عشَرَ يومًا. وحُملت امرأتُه [أمُّ الفضلِ بنتُ المأمون] (٢) إلى قصر عمِّها المعتصم فكانت مع الحُرُم. [وقال الخطيب (٣): صلَّى عليه هارونُ عند منزلِه في رحبة سوارِ بن ميمونٍ ناحيةَ قنطرةِ البَرَدان]. وكان له أولاد، منهم عليٌّ أبو الحسنِ العسكري. [وسنذكره في أيام المتوكِّل]. أَسند محمدٌ الحديثَ عن آبائه الطَّاهرين ﵃. * * *

стр. 6601

السنة العشرون بعد المئتين فيها بنى المعتصم سُرَّ من رأى، و [سببه ما حكى الصوليُّ قال:] (١) سبب بنائها أنَّ غلمانه الأتراك كَثُروا ببغداد وتولَّعوا بحُرَم الناس وأولادهم، فاجتمع أهل بغداد إلى المعتصم، وتقدَّم أشرافهم وقالوا: يا أمير المؤمنين، والله ما أحدٌ أحبَّ إلينا من مُجاورتك، وقد آذانَا غلمانُك، فانظر في حالنا، فقال: نعم، وازداد فسادُ الأتراك، فعاودوه مرَّةً ثانية وثالثةً، فقالوا: أنصفنا وتحوَّل (٢) عنا وإلَّا قاتلناك، فقال: كيف تقاتلوني وفي عسكري ثمانون ألف دارع (٣)، قالوا: نقاتلُك بسهام الليل، فقال: والله ما لي بها طاقة، فخرج عنهم فاختار مكان سُرَّ من رأى، فبناها، واتَّخذها دارًا. [وفي روايةٍ أنَّهم لمَّا قالوا له: تحوَّل عنَّا، قال: سمعًا وطاعةً، ورأى الفتن واقعةً، فتحوَّل. قالوا: وكان قد ولد بالقاطول، فكانت نفسه تتوق إلى تلك الأماكن.] (٤) وقال اليزيديُّ (٥): وكان المعتصم قد بنى قصرًا ببغداد [بالميدان] (٦)، فجلس فيه جلوسًا عامًّا لم يجلسه خليفة؛ جلس على سريرٍ من ذهبٍ مرصَّعٍ بالجواهر، وعلى رأسه التاجُ الذي فيه الدُّرَّة اليتيمة، وعن يمينه وشماله أسرَّة الأبَنوس بالذهب، ومماليكُه قيام على رأسه، وهم عن يمينه وشماله، وعليهم أقبيةُ الدِّيباج، وفي أوساطهم مناطقُ الذهب والفضَّة، فأنشده إسحاقُ بن إبراهيم المَوْصليّ شعرًا في صفة المجلس، إلَّا أنَّه افتتحه بقوله: [من الكامل] يا دارُ غيَّركِ البِلى ومحاكي … يا ليتَ شِعْرِي ما الذي أبلاكي (٧)

стр. 6602

فتطيَّر (١) المعتصم، وتغامزَ الناس وعجبوا، كيف خفي هذا عن إسحاق، مع ذكائه وفطنته وفضله ومعرفته بمجالس الخلفاء وأغراضهم! قال اليزيديُّ: وانصرفنا، فوالله ما عاد أحدٌ منَّا إلى ذلك القصر [والمجلس] (٢)، وانتقل المعتصم إلى سُرَّ من رأى، وخَرِب القصر. [واختلفوا في سَامرَّا، فذكرها الجوهريُّ فقال: وسَامَرَّا: المدينةُ التي بناها المعتصم، وفيها لغات؛ سامَرّا، وسُرَّ من رأى بضمِّ السين. (٣) قلت: وقولهم: ساء من رأى (٤) -من السُّوء- غلظٌ ظاهرٌ منهم، بعكس اللفظ والمعنى، فإنَّ هشامَ بن الكلبيّ رَوى عن أبيه قال: لمَّا خرج نوح من السفينة وتفرَّق أولادُه، جاء سام إلى هذه البقعة فأعجبته، فبنى بها مدينة، وقال: هذه وسط الدنيا. فقيل: سام رأى، أي: رآها فاختارَها، فلمَّا بناها المعتصم شقَّ على عسكره النقلةُ من بغداد، فلمَّا انتقلوا إليها أعجبتهم، فقالوا: سُرَّ من رأى. وقد اضطُرَّ البحتريُّ فقال في صَلْب بابك: [من الكامل] ونصبتَهُ علمًا بسامرَّاء (٥) فهذه.] (٦) وفيها قدم عُجيف بالزُّطِّ إلى بغداد في ذي الحجَّة، وكانوا قد طلبوا منه الأمان على أموالهم وأهاليهم فأعطاهم، وكانت عدَّتهم سبعةً وعشرين ألفًا؛ المقاتلة منهم اثنا عشر ألفًا، وجعلهم عُجيف في السفن، ثمَّ دخل بهم بغداد، وعليهم آلة الحرب والزينة والدبادب (٧) والبوقات، فكان أولهم في القُفْص وآخرهم في الشَّمَّاسيَّة، فأقاموا في سفنهم ثلاثة أيَّام، ثم أرسلَهم المعتصمُ إلى خانقين، ثم نقلَهم إلى [الثغور إلى] (٨) عين

стр. 6603

زَرْبَة، [فأقاموا بها]، فأغارت عليهم الروم، فاجتاحتهم، فلم يفلت منهم أحد. وقال الطبريُّ: دخل بهم عُجيف بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين ومئتين، وكانت الزُّطُّ قد استولوا على طريق واسط وبغداد والبصرة، ومَنعوا التمر عن بغداد، حتى قال شاعرهم: [من البسيط] يا أهلَ بغدادَ موتوا دام غَيظكمُ … شوقًا إلى تمرِ بَرْنيٍّ وشُهريزِ نحن الذين ضربناكم مجاهرةً … قَسرًا وسُقناكم لمَوت المعاجيزِ لم تشكروا اللهَ نُعماهُ التي سلفت (١) … ولم تحوطوا أياديه بتعزيزِ فاستنصروا الغيد (٢) من أبناء دولتكم … مِنَ العراق ومن بلخٍ وتوزيزِ (٣) ومن شناسَ وأقسيمٍ ومن فرحٍ (٤) … المُعْلِمين بديباجٍ وإبريزِ يفري ببِيضٍ من الهنديِّ هامتَهم … بنو بهيلة (٥) من أبناء فيروزِ فوارسٌ حيلُها دُهْمٌ مودَّعةٌ (٦) … على الخراطيمِ منها والقراقيزِ (٧) نحن الذين سقينا الحربَ دِرَّتَها … وثقفتنا (٨) مقاساة الكواكيزِ (٩)

стр. 6604

لنَسفعنَّكمُ سفعًا يَذِلُّ له … ربُّ السرير ويشجا (١) صاحب الشيزِ (٢) فابكوا على التمر أبكَى اللهُ عينكُم … في كل أضحى وفي فطرٍ ونيروزِ من أبيات وفيها وجَّه المعتصمُ الأفشين -واسمه حيدر (٣) بن كاوس- إلى البذِّ، وعقد له على الجبال وحربِ بابك الخُرَّمي، ووصله بألف درهم (٤)، ويوم لا يركب خمسة آلاف درهم، وكان بابك من مدينة البذّ، فسار الأفشين إلى قتاله، فنزل بَرْزَند وبنى الحصون التي خرَّبها بابك فيما بين أردبيل وبَرْزَند، وخندق على نفسه، وبثَّ العساكرَ بينه وبين بابك. ذكر واقعةٍ كانت بينهما وسببه أنَّ المعتصم بعثَ بمالٍ مع بغا الكبير إلى الأفشين ليفرِّقه في الجند، فوصل إلى أَرْدَبيل، وبلغ بابك، فخرج ليقطعَ عليه الطريق، وبلغ الأفشين، فكتب إلى بغا بأنْ يُقيم بأردبيل حتى يأتيه أمره، وقال: أظهر أنَّك خارجٌ إلى بَرْزَند، وهيِّئ المال على الإبل، وسِرْ عن أردبيل عن فرسخين، ثمَّ ارجع في الليل إلى أردبيل. وكان مقصود الأفشين أنْ يَعلمَ بابك بخروج بغا فيقصدَه، وبلغ بابك خروجُ بغا من أردَبيل فقصدَه، وسار الأفشين في ذلك اليوم يريدُ أردبيل، ولم يعلم بابك بمسيره، وقد فاتَه المال، فنازل حصنًا للمسلمين، ووضِعَ له كرسيٌّ، وقعدَ يشرب الخمَر على عادته، وكان الهيثم -من أصحاب الأفشين- قد التجأ إلى هذا الحصن في أربع مئة فارس وست مئة راجل، وخندقَ عليه، فأرسل إليه بابك: خلِّ الحصن واخرج حتى أهدمَه، فلم يفعل، وكان الأفشين على أقل من فرسخٍ من الحصن، ولم يعلم به بابك، وبلغ الأفشين الخبرُ، فسار من ساعته، فرأى بابك على الحصن جالسًا على الكرسيِّ يشربُ الخمر،

стр. 6605

وبين يديه الطبولُ والزمور والبغايا، فلم يتحرك بابك، واقتتلوا، وحمل الأفشين بنفسه، فقتل رجال بابك، وأفلت بابك وحده في نفرٍ يسير إلى مُوقان ثم عاد إلى البذِّ (١)، وبعث الأفشين بالرؤوس والأسارى إلى المعتصم (٢). وفيها خرج المعتصم إلى القاطول -على ما قيل- وانتقل إلى سُرَّ من رأى [في سنة إحدى وعشرين ومئتين. وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومئتين، ويقال: إنه اشترى مكان سُرَّ من رأى] بخمس مئة (٣) درهم، وكان ديرًا فبناها. وسبب خروجه ما ذكرنا أنَّ مماليكه الأتراك آذَوا أهل بغداد وشوارعَها بإفساد حريمهم وتطرُّقهم إلى الدور والأموال، وكانوا جفاةً عجمًا يركبونَ الخيل ويركضون الدوابَّ في طرق بغداد وشوارعها، فيصدمون الرجال والنساء، فكان شطار بغداد يقتلونَهم غيلةً وينكسُونهم عن الدوابّ، وثارت بهم العامَّة، فصلى المعتصمُ يوم الفطر بالمصلَّى ورجع، فالتقاه شيخٌ فناداه: [يا أبا] إسحاق، فابتدره الجند ليضربوه، فأشار إليهم؛ كفُّوا، ثُمَّ قال للشيخ: ما لك؟ فقال: لا جزاك الله عن جوارنا خيرًا، أتيتنا بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا، فأيتمتَ لهم صبياننا، وقتلتَ رجالنا، وأرملتَ نساءنا، فوجمَ المعتصمُ ودخلَ داره، فلم يُرَ خارجًا (٤) إلى مثل ذلك اليوم بعد سنة، فصلَّى بالناس العيد، وخرجَ من بغداد إلى القاطول ولم يعد إليها. وفيها غضبَ المعتصمُ على وزيره الفضل بن مروان، وأخذ منه عشرة آلاف ألف دينار، وأصل الفضل من البَرَدان، كان متَّصلًا برجلٍ من العمَّال، يكتب (٥) له، ثم

стр. 6606

اتصل بيحيى الجُرْمقاني كاتب المعتصم، فكان يكتب بين يديه، فلما مات الجُرْمقاني صار الفضل موضعَه، فاستولى على المعتصم، وصار يكتبُ على لسانه ما أراد، والدواوينُ كلُّها إليه، وكان المعتصم يطلق للمغنِّي والملهي عطاءً، فلا ينفذُه الفضل، فأطلق يومًا لرجل يقال له إبراهيم الهَفْتيُّ عطاءً، فمطلَه شهرين، فداعب المعتصمُ الهَفْتيَّ يومًا وقال: كيف ترى ملكي وخلافتي، فقال: ما أنتَ خليفة، الخليفةُ الفضل بن مروان، أطلقتَ لي شيئًا فما أعطاني، وكذا يفعل بإطلاقاتك! فغضب المعتصم على الفضل واستأصله وأهلَ بيته، ثَمّ نفاه إلى السن -قريةٍ في طريق الموصل- وولَّى مكانه محمد بن عبد الملك الزيَّات، وكان بينهما عداوةٌ، وكان المعتصم يقول: الفضلُ عصى الله وأطاعني، فسلَّطني الله عليه. وفيها ظهر إبراهيم بن سيّار (١) النظَّام، فقرَّر مذهبَ الفلاسفة، وتكلَّم في القدر، وتبعه النَّظَام وجماعةٌ منهم أحمد بن حائط الأسواريّ وغيرهما، وكان قد طالعَ الفلاسفة (٢)، فخلطها بكلام المعتزلة، وانفردَ عنهم بمسائل. وحجَّ بالناس صالح بن العبَّاس بن محمَّد بن عليّ. [فصل] وفيها توفي آدمُ بن أبي إياس [واسم أبي إياس] ناهية، [وقال البخاريُّ: هو آدم بن] (٣) عبد الرحمن بن محمد، أبو الحسن العسقلانيّ، مولى أصله من خراسان (٤)، ونشأ ببغداد، وطلبَ العلم، ورحل إلى البلاد؛ [الكوفة، والبصرة، والحجاز، والشام]، واستوطن عسقلان [فسمي العسقلاني]، وكان صالحًا، متمسِّكًا بالسنَّة، فاضلًا، من الأبدال الثقات.

стр. 6607

[ذكر الخطيب عن أبي علي المقدمي (١) قال:] لما احتضر [آدم بن أبي إياس] ختم القرآن وهو مسجًّى، ثُمَّ قال: بحبِّي لك إلَّا رَفقتَ بي في هذا المصرَع، فلهذا اليوم كنتُ أؤمِّلُك، ثم قال: لا إله إلَّا الله، ثمَّ قضى [﵀]. أسند الحديث عن خلقٍ كثير (٢)، [منهم شعبة، والليثُ بن سعد، وحمَّاد بن سَلَمة، وإسماعيل بن عيَّاش]، وروى عنه البخاريُّ، [وأبو حاتم الرازيّ، ويعقوب بن سفيان الفسويّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وغيرهم]، وكان [يقرأ القرآنَ ويُقرِئه] (٣)، ويستملي في مجلس شعبة ببغداد وهو قائم. [وروى الخطيب عن أبي بكر الأعْيَن قال (٤):] أتيتُ آدمَ بعسقلان فقلت له: عبدُ الله بن صالح كاتبُ الليث يُقرِئك السلام، فقال: لا سلَّم الله عليه، قلت: ولم؟ قال: لأنَّه قال: القرآن مخلوق، فقلت [له: أشهد عليه أنا وجماعةٌ] أنَّه قد ندم ورجع وأخبر الناس برجوعه، فقال: [إن كان الأمر كما تقول] فأقرئه مني السلام، فقلت: إنِّي استخرتُ الله أن أقصد بغداد (٥)، فهل [لك] من حاجة؟ فقال: نعم، اقرأ على أحمد بن حنبل السلام وقل له: يقول لك آدم بن أبي إياس: اتَّقِ الله، ولا يستفزَّنك أحدٌ عن أمرك، فإنَّك مشرفٌ على الجنَّة، وقد عرفتَ حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "من أرادكم على معصيةٍ فلا تطيعوه" الحديث. [قال:] فأتيتُ الإمامَ أحمد بن حنبل، فأعدتُ عليه ما قال، فقال: ﵀ حيًّا وميتًا، فلقد أحسن النصيحة (٦). [قلت:] واتَّفقوا على صدق آدمَ وثقته وزهده وورعه، [وإنَّما رُكْن الذي حدَّث عنه آدم ضعيف، ضعَّفهُ النسائي (٧)]، وكانت وفاته بعسقلان في جمادى الآخرة، [تمت

стр. 6608

ترجمة آدم بن أبي إياس، والحمد لله وحده] (١). خلف بن أيوب أبو سعيد العامريُّ البلخيُّ (٢). الفقيه الحنفي، مفتي أهل بلخ وخُراسان وزاهدهم. أخذ الفقهَ عن أبي يوسف وابن أبي ليلى، والزهدَ عن إبراهيم بن الأدهم، وانتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وكان إمامًا فاضلًا ورعًا عابدًا. قال أبو عمرو محمد بن علي البيكندي (٣): سمعتُ مشايخنا يذكرون أنَّ السبب (٤) لثبات ملك آل سامان أنَّ (٥) أسدَ بن نوح خرج إلى المعتصم، وكان حسنَ المنظر شجاعًا عاقلًا فصيحًا، فعجبَ المعتصمُ من حسنه وجماله وشجاعته، فقال له: هل في أهل بيتك أشجعُ منك؟ قال: لا، قال: ولا أعقل؟ قال: لا، قال: فلم يعجب المعتصم ذلك منه، فأعاد عليه الكلام وهو يجيبه بهذا الجواب، فغضب المعتصم وقال: ولم؟ قال أسد: لأنَّه لم يطأ أحدٌ من أهل بيتي بساطَ أمير المؤمنين ولا شاهد طلعتَه، فاستحسنَ المعتصمُ ذلك منه، وخيَّره الأعمال بكور خراسان، فاختار ولايةَ بلخ، فكتب له عهده عليها، فلمَّا قدمها سألَ عن أعلم أهلها وأزهدِهم، فدُلَّ على خلف بن أيوب، قالوا: وإنَّه يتجنَّبُ السلطان، ولا يخرج إلَّا يوم الجمعة، فرصدَه أسد، وإذا به قد خرج إلى الجامع، فلمَّا رآه أسد ترجَّل عن دابَّته ومشى إليه، فلمَّا رآه خلف قعدَ مكانه، وغطَّى وجهَه بردائه، فسلَّم عليه أسد، فردَّ ردًّا ضعيفًا ولم يرفع رأسه، فرفع أسد رأسَه إلى السماء وقال: اللهمَّ إنَّ هذا العبد الصالح يُبغِضنا فيك، ونحن نحبُّه فيك. ثم ركب

стр. 6609

ومضى، ومرض بعد ذلك خلف، فاستأذنَ عليه أسد، فلمَّا دخل جلس عند رأسه، وقال: هل من حاجة؟ قال: نعم، لا تعودني، وإذا متُّ لا تصلي عليَّ [وعليك السَّواد] (١)، فلمَّا توفي خلف جاء أسد يمشي راجلًا في جنازته، ونزع السَّواد عنه، وصلى عليه، فلمَّا كان في الليل سمع صوتًا -وفي رواية أنَّه رأى النبيَّ ﷺ فقال له: يا أسد، ثبَّت الله ملككَ وملكَ بنيك بإجلالك وتواضعك لخلف بن أيوب (٢). سليمان بن داود ابن علي بن عبد الله بن العباس، أبو أيوب الهاشميُّ. مات أبوه وأمُّه حاملٌ به (٣). وكان جوادًا صالحًا عاقلًا زاهدًا عفيفًا ورعًا. قال الشافعيُّ: ما رأيتُ أعقل من رجلين؛ أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشميّ. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: لو قيل: اختر للأمَّة رجلًا فيستخلف عليهم، لاخترتُ سليمان بن داود. وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: في سنة تسع عشرة ومئتين. سمع سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وغيره، واتَّفقوا على صدقه وثقته. [وفيها توفي] فتح بن سعيد المَوْصلي أبو نصر الكاري، [وكان من قريةٍ شرقي دجلة من أعمال الموصل، وكان] من أقران

стр. 6610

بشر [بن الحارث] الحافي وسريّ السقطي، كبير الشأن في علم المعاملات والورع، [ويُحكى عنه من الحكايات من جنس ما حكينا عن فتح الموصلي الذي ذكرناه في سنة سبعين ومئة. وأنبأنا جدِّي ﵀ عن محمَّد بن أبي منصور بإسناده إلى] إبراهيم (١) بن موسى يقول: سمعت فتحًا في يوم عيد، [وقد] رأى على الناس الطيالسَ والعمائم، فقال: يا إبراهيم إنَّما ترى ثوبًا يبلى، وجسدًا يأكله الدود غدًا، هؤلاء قومٌ أنفقوا خزائنهم على بطونهم، ويَقْدُمون (٢) غدًا على ربهم مفاليس (٣). [وروى أبو نعيم الأصفهاني عن] عمران بن موسى الطَّرَسُوسيّ قال: مرَّ فتحٌ بصبيين، مع أحدهما كِسرةٌ عليها كامَخٌ، ومع الآخر كِسرةٌ عليها عسل، فقال صاحب الكامخ لصاحب العسل: أطعمني من عسلك، فقال: إن صرتَ لي كلبًا أطعمتكُ، فقال: نعم، فجعل في عنقه حبلًا وجعل يقوده [ويضربه] ويقول [له]: انبح انبح. فقال له فتح [الموصلي]: لو قنعتَ بكامَخك ما صرتَ كلبًا له، ثم قال: هكذا الدنيا (٤). [وذكر ابنُ أبي الدنيا أنَّ فتحًا جاء] (٥) إلى بيت صديقٍ له يقال له: عيسى التمَّار، فقال لجاريته: أخرجي لي كيس أخي، فأخرجَتْهُ، فأخذ منه درهمين ومضى، وجاء عيسى، قال: فأخبرته، فقال: إنْ كنتِ صادقةً فأنت حرَّةٌ لوجه الله، فعَتَقت (٦). [وأنبأنا مشايخنا عن شَهدة بنت أحمد الكاتبة بإسنادها إلى عبد الله بن الفرج العابد قال:] (٧) كان بالمَوْصل رجلٌ نصرانيٌّ يقال له: أبو إسماعيل، مرَّ ليلةً برجلٍ يقرأ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]

стр. 6611

فأسلم [النصرانيُّ] بعد أن صرخ وغُشِيَ عليه، وصحبَ فتحًا الموصليَّ، وبكى حتى ذهبت إحدى عينيه وعَشِيَ من الأخرى، فقيل له ذات يوم: حدَّثنا عن فتح، فبكى وقال: كان والله كهيئة الروحانيين، قلبه معلَّقٌ بما هنالك، لقد خرجَ ذات يومٍ في عيد ثم رجع، فرأى الدخان يخرج من نواحي المدينة، وشمَّ روائح القُتَار (١)، فبكى وقال: تقرَّب إليك المتقرِّبون بقرابينهم، وأنا أتقرَّبُ إليك بحزني (٢) أيهُّا المحبوب، فليت شعري ما أنت فاعلٌ بي، ثمَّ غشي عليه فأفاق، فأقام أيَّامًا ومات (٣). [وروى الخطيب بإسناده إلى بشر الحافي قال:] (٤) بلغني أنَّ بنتًا لفتح الموصليِّ عريت، فقيل له: ألا تطلبُ من يكسوها؟! فقال: أدعها (٥) لعلَّ الله [أن] يَرى عُريها وصبري عليها، قال: وكان الشتاء إذا جاء جمع عياله، ومدَّ عليهم كساءه ثم قال: اللهمَّ إنَّك أفقرتني وأفقرتَ عيالي، وجوَّعْتَني وجوَّعتَ عيالي، وأعريتَني وأعريتَ عيالي، فبأيِّ وسيلةٍ توسَّلتُ إليك؟ وإنَّما تفعلُ هذا بأوليائك وأحبائك، فهل أنا منهم فأفرح (٦)؟ [وروى ابن جهضم بإسناده إلى إبراهيم بن نوح قال:] (٧) رجع فتحٌ إلى أهله بعد العتمة، وكان صائمًا، فقال: عشُّوني، قالوا. ما عندنا شيء، قال: فما بالكم جلوسٌ في الظلمة، قالوا: ما عندنا زيتٌ، فجلس يبكي من الفرح ويقول: إلهي مثلي يُترَك بغير عَشاء ولا سراج، بأيِّ يدٍ كانت مني؟ فما زال يبكي إلى الصباح (٨). وقال بشر الحافي: كان فتحٌ يتجزَّأ بفَلْسٍ في اليوم، يشتري به نخالةً فيتقوَّتُ بها (٩). وروى أبو نعيم عنه أنَّه صُدِع، فقال: يا ربّ، ابتليتَني ببلاء الأنبياء، فشُكْرُ هذا أن

стр. 6612

أصلِّيَ الليلةَ أربع مئة ركعة (١). وكان فتحٌ يزور بشرًا من الموصل، [وروى الخطيب عن أبي جعفر (٢) ابن أخت بشر قال:] (٣) كنت يومًا واقفًا بباب خالي بشر، وإذا بشيخٍ ثائر الرأس ملتفٍّ بعَباء، فقال لي: بشرٌ هاهنا؟ قلت: نعم، قال: ادخل فاستأذن لي عليه، فدخلت فقلت: يا خالي، بالباب شيخ [من] صفته كذا وكذا، فخرج بشرٌ مسرعًا، فصافحه واعتنقَه، فقال له الشيخ: يا أبا نصر، ذكرتُك البارحة فاشتقتُ إلى لقائك. قال: فدفع إليَّ خالي درهمًا وقال: خذ بأربعة دوانيق خبزًا وبدانقين تمرًا، [فقال الشيخ: يكون سهريزًا (٤)، فجئته به]، فقال الشيخ: قل له يأكل معنا، فقال: كل [معنا،، فأكلتُ معهم، فلمَّا أكل أخذ ما فضل في طرف العباء وقام، فخرج معه خالي يودِّعه [أو يشيِّعه، إلى باب حَرْب، فلمَّا رجع قال: يا بنيَّ، تدري من هذا؟ قلت: لا، قال: هذا فتح المَوْصليّ، جاءني من الموصل الساعة. [وفي روايةٍ قال بشر:] (٥) أتدري لم حمل باقي الطعام؟ قلت: لا، قال: فإذا صحَّ التوكلُ لم يضرَّ الحملُ. وذكر ابن خميس [في "المناقب"] (٦) أن فتحًا بكى الدم، [وكذا روى أبو الحسن عليُّ بن جهضم، عن بعض أصحاب فتح قال:] (٧) دخلت عليه يومًا [وهو يبكي]، وقد خالط دموعَه صفرةٌ، فقلت له: بالله عليك، بكيت الدم؟ فقال: لولا أنَّك حلفتني بالله العظيم ما أخبرتك، نعم بكيتُ الدم، قلت: فعلى ماذا [بكيت الدموع؟ وعلى ماذا] بكيت الدم؟ فقال: بكيتُ الدموع على تخلُّفي عن واجب حقِّ الله تعالى، وبكيت الدَّم خوفًا أن تكون الدموع ما صحَّت لي. قال الرجل: فرأيت فتحًا في المنام بعد موته،

стр. 6613

فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: فما صنع ربُّك في دموعك؟ فقال: قال لي: يا فتح، ماذا أردت ببكائك الدمع والدم؟ فوعزتي لقد صعد إليَّ حافظاك أربعينَ سنة بصحيفتك (١) ما فيها خطيئة (٢). [ذكر طرف من كلامه: حكى عنه في "المناقب" وغيرها أنَّه قال:] (٣) صحبتُ ثلاثينَ شيخًا كانوا يُعدُّون من الأبدال، وكلُّهم أوصاني عند فراقي له: إيَّاك ومعاشرةَ الأحداث. وقال: من اشتاق إلى المحبوب زهدَ فيما سواه. وقال: أليس الإنسان إذا امتنع من الطعام والشراب يموت؟ قالوا: بلى، قال: وكذلك القلب إذا امتنعَ من الذِّكر مات. وقال: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؟ فأيُّ قلب يطمئن إليها بعد هذا؟! [وحكى في "المناقب" عن سالم الحداد -وكان من الأبدال- قال:] (٤) جاءني فتحٌ يومًا ومعه مِسْحَاةٌ، فقال لي: يا سالم بعها (٥) فليس عند الصبيان شيءٌ، فنظرت إليه نظرةً منكرةً وقلت: يا فتح، أتدري من شكوت (٦)؟ فمرَّ باكيًا ولم يَعد إليَّ ولا ذكر المسحاة. أسند فتحٌ عن عيسى بن يونس وأقرانه، واشتغلَ بالعبادة عن الرواية. [انتهت ترجمة فتح]. أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين ودُكَين اسمه عمرو بن حماد بن زهير بن درهم، مولى آل (٧) طلحة بن عبد الله التيميّ

стр. 6614

﵁، الكوفيُّ الإمام الحافظ، من الطبقة السابعة. ولد سنة ثلاثين ومئة، وقيل: سنة تسع وعشرين. وبرع في العلم، وسمع الأئمَّة، وهو أحد العلماء المشهورين بعلم الحديث والمتقدِّمين فيه. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: قام أبو نعيم لله بأمرٍ لم يقم به أحد. وكان قد امتحن بالكوفة على أنْ يقولَ: القرآنُ مخلوق، فقال: أدركتُ بالكوفة سبع مئة شيخ منهم الأعمش فمن (١) دونه يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والله إنَّ عنقي عليَّ أهونُ من زرِّي هذا، ثم قطع زرَّه فألقاه. وقال عبد الصَّمد بن المهتدي (٢): لمَّا دخل المأمون بغداد، نادى بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لأنَّ الشيوخَ كانوا يَضْرِبون ويَحْبِسون ببغداد، فنظر إلى جنديِّ قد أدخل يديه بين فَخِذي امرأة، فزجره أبو نعيم، فحمله إلى صاحب الشرطة، فأخبر المأمونَ، فأحضره عنده، قال أبو نُعيم: فدخلتُ عليه وقد صلَّى الغداة، وهو جالسٌ يسبِّح، فسلَّمتُ عليه، فردَّ ردّا خفيًّا شبه الواجد، ودعا بَطسْتٍ وإبريقٍ، وقال: توضَّأ، فتوضأت على ما روى عبدُ خير عن عليٍّ ﵇ -يعني ثلاثًا ثلاثًا- ثمَّ دعا بحصير، فصلَّيت ركعتين، فقال: اقعد، فقعدت، فقال: ما تقول في رجلٍ مات وخلَّف أبوين؟ قلت: لأمِّه الثلث، وما بقي لأبيه، قال: فإن خلَّف [أبويه وأخاه؟ قلت: المسألة بحالها، وسقط الأخُ. قال: فإن خلَّف] (٣) أبوين وأخوين؟ قلت: المسألة بحالها ويسقط الأخوان، قال: في قول الناس كلِّهم؟ قلت: لا؛ فإنَّ جدَّك ابن عباس ما حَجب الأمَّ عن الثلث إلَّا بثلاثة إخوة، فقال: يا هذا من نهى مثلك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إنَّما نهينا أقوامًا يجعلونَ المعروفَ منكرًا. ثم خرجت.

стр. 6615

قال عبد الله بن الصلت: كنت عند أبي نُعيم فجاءه ابنه يبكي، فقال له: ما لك؟ فقال: الناس يقولون: إنَّك متشيِّع فأنشدَه: [من الطويل] وما زال بي حبَّيْكِ (١) حتى كأنَّني … بِرَجْعِ جواب السَّائلي عنه (٢) أعجمُ لأسلَمَ من قولِ الوشاة وتسلمي … سلمتِ وهل حيٌّ من (٣) الناس يسلمُ (٤) وقال: سمعتُ الحسنَ بن صالح يقول: سمعتُ جعفرَ بن محمد يقول: حُبُّ عليٍّ عبادة، وأفضلُ العبادة ما كُتِم. وقال أبو نعيم: كثر تعجُّبي من استشهاد عائشة ﵂ بقول لبيد: [من الكامل] ذهب الذين يُعَاشُ في أكنافهم (٥) ولكنَّ أبا نعيم يقول: [من الخفيف] ذهبَ النَّاسُ فاستقلُّوا وصرنَا … خلفًا في أراذلِ النسناسِ في أُناسٍ نعدُّهم من عَديدٍ … فإذا فُتِّشُوا فليسوا بناسِ كلَّما جئتُ أبتغي النيلَ منهم … بَادروني قبل السؤال بياسِ وبَكَوا لي حتى تمنَّيت أنِّي … مفلتًا منهم فرأسًا براسِ وتوفي في هذه السنة. وقيل: سنةَ ثمانية عشرة (٦)، وقيل: سنة تسع عشرة، ليلة الثلاثاء لانسلاخ شعبان بالكوفة، طُعِن في عنقه ويده وظهر به وَرْشكين (٧)، وقيل: سنة

стр. 6616

سبع عشرة ومئتين. وحكى الخطيب عنه أنَّه خرجَ على أصحابه فقال لابن المحاضر بن المُوَرِّع: رأيتُ أباك في النوم، فأعطاني درهمين ونصفًا، فأوِّلوها، فقال: خيرًا إن شاء الله ما رأيت، فقال: أمَّا أنا فقد أولتُهما أنِّي أعيشُ يومين ونصفًا، أو سنتين ونصفًا، ثم ألحقُ به، فعاش سنتين ونصفًا (١). أسند عن خلقٍ كثير منهم الأعمش والثوريُّ، وعنده من حديثه أربعةُ آلاف حديث. وروى عنه الأئمَّة، والإمام أحمد بن حنبل، وابنُ المبارك، وابنُ معين، وإسحاقُ بن راهويه، والبخاريُّ، وخلق كثير، واتَّفقوا على صدقه وثقته وورعه، فكان الإمامُ أحمد ﵀ يقول: أبو نعيمٍ يُزاحمُ به ابن عيينة، وهو عندنا أثبتُ من وكيع، ويعرفُ الصدق في حديثه (٢). وكان وكيعٌ يقول: إذا وافقني ذاك الأحولُ في الحديث -يعني أبا نعيم- ما أبالي من خالفني (٣). * * *

стр. 6617

السنة الحادية والعشرون بعد المئتين فيها كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين بابك وبغا الكبير، وذلك لأنَّ بغا لمَّا قدم بالمال على الأفشين خرجَ بغير أمره يقصد البذَّ قرية بابك، والأفشين على حاله ببرزند (١)، وبابك غائب عن البذ فدخله بغا وأقام به يومًا، فرجعَ عليه عسكرُ بابك فقتلوا معظمَ أصحابه وهزموه واستباحوا عسكره، فأقام ببعض الأماكن، وأرسل إلى الأفشين يستمدُّه، فقال: خالفَ أمري، ولم يخبرك بخروجه (٢)، فجهَّز إليه جيشًا مع أخيه الفضل بن كاوس وواعدَه وقتًا بعينه يلتقيه فيه، وسار الفضْل إلى بغا، وخرج الأفشين بعده، والتقَوا في الوقت الذي عيَّنه، وجاءهم بابك فالتقوا، فظهر عليه الأفشين، فهزمه وغنمَ عسكره وخيامه، وانهزم بابك. وقيل: إنَّ بغا لم يحضر هذه الوقعة، اختلفَ مع الأفشين في الوقت والمكان (٣). [قال الطبريُّ: وفي هذه السنة انتقل المعتصم إلى سُرَّ من رأى (٤). وقد حكينا عن الصُّوليّ أنَّه قال: كان ذلك في سنة عشرين ومئتين (٥).] (٦) وحجَّ بالناس محمَّدُ بن داود بن عيسى بن موسى بن محمَّد بن علي، وهو أميرُ مكَّة. [فصل] وفيها توفي إبراهيمُ بن شمَّاس أبو إسحاق السمرقنديّ، كان عالمًا زاهدًا ورعًا ثبتًا ثقةً شجاعًا بطلًا مبارزًا عظيم الهامة. [حكى الخطيب عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أنه قال:] (٧) كتب إليَّ

стр. 6618

[بعض، أصحابنا أنَّه أوصى بمئة ألف يُشتَرى بها أُسارى من الكفار، فاشتُري مئتي أسيرٍ من المسلمين، ثمَّ قتله الترك، فانظر (١) بماذا خُتِم له. وكان يغزو التركَ من وراء النهر، و [اختلفوا في مقتلِه، فقيل: إنَّه] خرج من سمرقند غازيًا، فالتقاه الترك فقتلوه في المحرَّم من هذه السنة. وقيل: قتلوه وهو خارجٌ من ضيعةٍ له، ولم يشعر بهم، ولم يعرفوه، وذلك [خارج سمرقند. وقال الدارمي: كان ذلك] في سنة عشرين ومئتين. [وقال الخطيب: ورد بغداد و] حدَّث [بها] عن [إسماعيل بن عيَّاش، ومسلم بن خالد الزَّنجيّ، و] أبي إسحاق الفزاري، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، [وسفيان بن عيينة،] وغيرهم، ورَوى عنه الإمامُ أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، [وأبو خيثمة، وعباس الدوريُّ، وداود بن رُشَيد، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن علي البَرْبَهاريّ، في آخرين.] (٢) إبراهيم بن سيَّار أبو إسحاق البصري، المعروف بالنَّظَّام، قال: العلمُ شيءٌ لا يعطيكَ بعضَه حتى تعطيه كلَّك، فأنت من إعطائِه لك البعضَ على خطر. ومن شعره: [من السريع] وشادنٌ ينطق بالطَّرفِ … يقصر عنه مُنتهى الوصفِ رقَّ فلو بزَّت سرابيلُه … علقه الجوُّ من اللُّطفِ يجرحه اللحْظُ بتكراره … ويشتكي الإيماء بالطَّرفِ أفديه من مُغرىً بما سَاءني … كأنَّه يَعلمُ ما أخفي (٣) أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي الحداد.

стр. 6619

[نزل بغداد، و] حدَّث [بها] عن حماد بن زيد وغيره. وأسندَ الخطيبُ إليه إلى أنس بن مالك أنَّ غلامًا مَن اليهود كان يخدمُ (١) النبيَّ ﷺ فمرض، فأتاه رسول الله ﷺ يعودُه وهو في الموت، فدعاه إلى الإسلام، وأبوه عند رأسه، فنظر الغلامُ إلى أبيه، فقال له أبوه: أطعْ أبا القاسم، فأسلمَ ومات، فخرجَ رسول الله ﷺ وهو يقول: "الحمدُ لله الذي أنقذه بي من النار" (٢). وكان أحمدُ صدوقًا ثقةً. عيسى بن أبان ابن صَدَقة، أبو موسى القاضي الحنفي، كان سخيًّا جدًّا، وكان يقول: والله لو أُتيتُ برجلٍ يفعل في ماله كفعلي لحجرتُ عليه. وعن محمد بن الخليل عن أبيه صاحب سفيان الثوري قال: كنتُ بالبصرة، فاختصم رجلٌ مسلمٌ ويهوديٌّ عند القاضي عيسى بن أبان، وكان يرى رأي القوم، فوجبت اليمينُ على المسلم، فقال له القاضي: قل: والله الذي لا إله إلا هو، فقال اليهودي: حلِّفه بالخالق، لا تحلِّفه بالمخلوق؛ لأنَّ "الله الذي لا إله إلا هو" في القرآن، وأنتم تَزعمون أنَّه مخلوق. فتحيَّر عيسى عند ذلك، وقال: قومَا حتى أنظرَ في أمركما. أسند عن هُشيم وغيره، وروى عنه الحسنُ بن سلَّام وغيره، وكان صدوقًا ثقةً (٣). عاصم بن عليّ ابن عاصم بن صهيب، مولى قَريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، أبو الحسن الواسطيّ.

стр. 6620

قدم بغداد وحدَّث بها، وكان يحضرُ مجلسَه خلقٌ كثيرٌ لا يُحصَون. وقال محمد بن سويد الطحَّان: كنَّا عند عاصم، ومعنا القاسمُ بن سَلّام وإبراهيم بن أبي الليث، والإمامُ أحمد بن حنبل يُضرَبُ في ذلك اليوم، فجعل عاصمٌ يقول: [ألا رجلٌ يقوم معي فنأتي هذا الرجل فنكلِّمه؟ قال: فما يجيبه أحدٌ، قال: فقال إبراهيم بن أبي الليث:] (١) يا أبا الحسين، أنا أقومُ معك، فصاح عاصم: يا غلام خُفِّي، فقال إبراهيم: امهل حتى أبلُغَ إلى بناتي فأوصيهنَّ، فظننَّا أنَّه ذهبَ يتحنَّط ويتكفَّن، ثم جاء فقال عاصم: يا غلام خُفِّي، فقال له إبراهيم: يا أبا الحسين إني ذهبت إلى بناتي فبكين. قال الخطيب: وجاء كتابُ ابنتَي عاصم من واسط إليه يقولان: يا أبانا بَلَغنا أنَّ هذا الرجل أَخذ أحمدَ بن حنبل وضربَه بالسياط على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتَّقِ الله في نفسك، ولا تجبه إن سألك، فوالله لأن يأتينا نعيُك أحبُّ إلينا من أن يأتينا أنَّك أجبتَه إلى ذلك. توفي عاصم بواسط يوم الاثنين منتصف رجب، وصلَّى عليه المُطَّلبُ بن فَهْم. روى عاصم عن شعبة وغيره، وروى عنه الإمام أحمد رحمة الله عليه والبخاريُّ في "صحيحه" وغيرهما، وكان ثقةً صدوقًا، وقال ابنُ معين: عاصمٌ سيِّد المسلمين (٢)، ورُويَ أنَّه ضعَّفه؛ لأنَّه كان يحدِّثُ من حفظه، فوقعَ الخطأ في حديثه (٣). [وفيها توفي] محمود بن الحسن الورَّاق كان نخَّاسًا يبيع الجواري والغلمان، وكان شاعرًا فصيحًا، [وأكثر شعره في الزهد والأدب والمعاني اللطيفة، ورَوى ابن أبي الدنيا مقطَّعاتٍ من شعره، فقال الخطيب بإسناده إلى أحمد بن جعفر الجَوْزيّ (٤) قال: قال: أبو بكر بن أبي الدنيا (٥): أنشد
следующие страницы →