← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

سبع عشرة ومئتين. وحكى الخطيب عنه أنَّه خرجَ على أصحابه فقال لابن المحاضر بن المُوَرِّع: رأيتُ أباك في النوم، فأعطاني درهمين ونصفًا، فأوِّلوها، فقال: خيرًا إن شاء الله ما رأيت، فقال: أمَّا أنا فقد أولتُهما أنِّي أعيشُ يومين ونصفًا، أو سنتين ونصفًا، ثم ألحقُ به، فعاش سنتين ونصفًا (١). أسند عن خلقٍ كثير منهم الأعمش والثوريُّ، وعنده من حديثه أربعةُ آلاف حديث. وروى عنه الأئمَّة، والإمام أحمد بن حنبل، وابنُ المبارك، وابنُ معين، وإسحاقُ بن راهويه، والبخاريُّ، وخلق كثير، واتَّفقوا على صدقه وثقته وورعه، فكان الإمامُ أحمد ﵀ يقول: أبو نعيمٍ يُزاحمُ به ابن عيينة، وهو عندنا أثبتُ من وكيع، ويعرفُ الصدق في حديثه (٢). وكان وكيعٌ يقول: إذا وافقني ذاك الأحولُ في الحديث -يعني أبا نعيم- ما أبالي من خالفني (٣). * * *

стр. 6617

السنة الحادية والعشرون بعد المئتين فيها كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين بابك وبغا الكبير، وذلك لأنَّ بغا لمَّا قدم بالمال على الأفشين خرجَ بغير أمره يقصد البذَّ قرية بابك، والأفشين على حاله ببرزند (١)، وبابك غائب عن البذ فدخله بغا وأقام به يومًا، فرجعَ عليه عسكرُ بابك فقتلوا معظمَ أصحابه وهزموه واستباحوا عسكره، فأقام ببعض الأماكن، وأرسل إلى الأفشين يستمدُّه، فقال: خالفَ أمري، ولم يخبرك بخروجه (٢)، فجهَّز إليه جيشًا مع أخيه الفضل بن كاوس وواعدَه وقتًا بعينه يلتقيه فيه، وسار الفضْل إلى بغا، وخرج الأفشين بعده، والتقَوا في الوقت الذي عيَّنه، وجاءهم بابك فالتقوا، فظهر عليه الأفشين، فهزمه وغنمَ عسكره وخيامه، وانهزم بابك. وقيل: إنَّ بغا لم يحضر هذه الوقعة، اختلفَ مع الأفشين في الوقت والمكان (٣). [قال الطبريُّ: وفي هذه السنة انتقل المعتصم إلى سُرَّ من رأى (٤). وقد حكينا عن الصُّوليّ أنَّه قال: كان ذلك في سنة عشرين ومئتين (٥).] (٦) وحجَّ بالناس محمَّدُ بن داود بن عيسى بن موسى بن محمَّد بن علي، وهو أميرُ مكَّة. [فصل] وفيها توفي إبراهيمُ بن شمَّاس أبو إسحاق السمرقنديّ، كان عالمًا زاهدًا ورعًا ثبتًا ثقةً شجاعًا بطلًا مبارزًا عظيم الهامة. [حكى الخطيب عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أنه قال:] (٧) كتب إليَّ

стр. 6618

[بعض، أصحابنا أنَّه أوصى بمئة ألف يُشتَرى بها أُسارى من الكفار، فاشتُري مئتي أسيرٍ من المسلمين، ثمَّ قتله الترك، فانظر (١) بماذا خُتِم له. وكان يغزو التركَ من وراء النهر، و [اختلفوا في مقتلِه، فقيل: إنَّه] خرج من سمرقند غازيًا، فالتقاه الترك فقتلوه في المحرَّم من هذه السنة. وقيل: قتلوه وهو خارجٌ من ضيعةٍ له، ولم يشعر بهم، ولم يعرفوه، وذلك [خارج سمرقند. وقال الدارمي: كان ذلك] في سنة عشرين ومئتين. [وقال الخطيب: ورد بغداد و] حدَّث [بها] عن [إسماعيل بن عيَّاش، ومسلم بن خالد الزَّنجيّ، و] أبي إسحاق الفزاري، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، [وسفيان بن عيينة،] وغيرهم، ورَوى عنه الإمامُ أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، [وأبو خيثمة، وعباس الدوريُّ، وداود بن رُشَيد، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن علي البَرْبَهاريّ، في آخرين.] (٢) إبراهيم بن سيَّار أبو إسحاق البصري، المعروف بالنَّظَّام، قال: العلمُ شيءٌ لا يعطيكَ بعضَه حتى تعطيه كلَّك، فأنت من إعطائِه لك البعضَ على خطر. ومن شعره: [من السريع] وشادنٌ ينطق بالطَّرفِ … يقصر عنه مُنتهى الوصفِ رقَّ فلو بزَّت سرابيلُه … علقه الجوُّ من اللُّطفِ يجرحه اللحْظُ بتكراره … ويشتكي الإيماء بالطَّرفِ أفديه من مُغرىً بما سَاءني … كأنَّه يَعلمُ ما أخفي (٣) أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي الحداد.

стр. 6619

[نزل بغداد، و] حدَّث [بها] عن حماد بن زيد وغيره. وأسندَ الخطيبُ إليه إلى أنس بن مالك أنَّ غلامًا مَن اليهود كان يخدمُ (١) النبيَّ ﷺ فمرض، فأتاه رسول الله ﷺ يعودُه وهو في الموت، فدعاه إلى الإسلام، وأبوه عند رأسه، فنظر الغلامُ إلى أبيه، فقال له أبوه: أطعْ أبا القاسم، فأسلمَ ومات، فخرجَ رسول الله ﷺ وهو يقول: "الحمدُ لله الذي أنقذه بي من النار" (٢). وكان أحمدُ صدوقًا ثقةً. عيسى بن أبان ابن صَدَقة، أبو موسى القاضي الحنفي، كان سخيًّا جدًّا، وكان يقول: والله لو أُتيتُ برجلٍ يفعل في ماله كفعلي لحجرتُ عليه. وعن محمد بن الخليل عن أبيه صاحب سفيان الثوري قال: كنتُ بالبصرة، فاختصم رجلٌ مسلمٌ ويهوديٌّ عند القاضي عيسى بن أبان، وكان يرى رأي القوم، فوجبت اليمينُ على المسلم، فقال له القاضي: قل: والله الذي لا إله إلا هو، فقال اليهودي: حلِّفه بالخالق، لا تحلِّفه بالمخلوق؛ لأنَّ "الله الذي لا إله إلا هو" في القرآن، وأنتم تَزعمون أنَّه مخلوق. فتحيَّر عيسى عند ذلك، وقال: قومَا حتى أنظرَ في أمركما. أسند عن هُشيم وغيره، وروى عنه الحسنُ بن سلَّام وغيره، وكان صدوقًا ثقةً (٣). عاصم بن عليّ ابن عاصم بن صهيب، مولى قَريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، أبو الحسن الواسطيّ.

стр. 6620

قدم بغداد وحدَّث بها، وكان يحضرُ مجلسَه خلقٌ كثيرٌ لا يُحصَون. وقال محمد بن سويد الطحَّان: كنَّا عند عاصم، ومعنا القاسمُ بن سَلّام وإبراهيم بن أبي الليث، والإمامُ أحمد بن حنبل يُضرَبُ في ذلك اليوم، فجعل عاصمٌ يقول: [ألا رجلٌ يقوم معي فنأتي هذا الرجل فنكلِّمه؟ قال: فما يجيبه أحدٌ، قال: فقال إبراهيم بن أبي الليث:] (١) يا أبا الحسين، أنا أقومُ معك، فصاح عاصم: يا غلام خُفِّي، فقال إبراهيم: امهل حتى أبلُغَ إلى بناتي فأوصيهنَّ، فظننَّا أنَّه ذهبَ يتحنَّط ويتكفَّن، ثم جاء فقال عاصم: يا غلام خُفِّي، فقال له إبراهيم: يا أبا الحسين إني ذهبت إلى بناتي فبكين. قال الخطيب: وجاء كتابُ ابنتَي عاصم من واسط إليه يقولان: يا أبانا بَلَغنا أنَّ هذا الرجل أَخذ أحمدَ بن حنبل وضربَه بالسياط على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتَّقِ الله في نفسك، ولا تجبه إن سألك، فوالله لأن يأتينا نعيُك أحبُّ إلينا من أن يأتينا أنَّك أجبتَه إلى ذلك. توفي عاصم بواسط يوم الاثنين منتصف رجب، وصلَّى عليه المُطَّلبُ بن فَهْم. روى عاصم عن شعبة وغيره، وروى عنه الإمام أحمد رحمة الله عليه والبخاريُّ في "صحيحه" وغيرهما، وكان ثقةً صدوقًا، وقال ابنُ معين: عاصمٌ سيِّد المسلمين (٢)، ورُويَ أنَّه ضعَّفه؛ لأنَّه كان يحدِّثُ من حفظه، فوقعَ الخطأ في حديثه (٣). [وفيها توفي] محمود بن الحسن الورَّاق كان نخَّاسًا يبيع الجواري والغلمان، وكان شاعرًا فصيحًا، [وأكثر شعره في الزهد والأدب والمعاني اللطيفة، ورَوى ابن أبي الدنيا مقطَّعاتٍ من شعره، فقال الخطيب بإسناده إلى أحمد بن جعفر الجَوْزيّ (٤) قال: قال: أبو بكر بن أبي الدنيا (٥): أنشد

стр. 6621

محمود الورّاق لنفسه:] (١) [من الوافر] رجعتُ إلى السفيه بفضل حلمي (٢) … فكان الحِلمُ لي عنه لجَاما فظنَّ بي السفاهَ (٣) فلم يجدني … أسافهُه وقلتُ له سلامَا فقام يجرُّ رجليه ذليلًا … وقد كَسب المذلَّة والملاما وفضلُ الحِلم أبلغُ في سفيهٍ … وأحرى أن تَنَال به انتقامَا وكانت له جارية يقال لها: نشو، أعطي فيها ألوفًا من الدنانير، فماتت، [وروى الخطيب] (٤) عن أبي بكر الطالقاني عن أبيه قال: كنت عنده والناس يعزُّونه [في جاريته]، فشرع بعض النَّاس يكرِّرُ فضائلَها ليحزنه، ففطن محمود فقال: [من الوافر] ومنتصحٍ يكرر ذكرَ نشو … ليحدثَ لي بذكراها اكتئابَا أقول -وَعَدَّ ما كانت تساوي- … سيُخلفها الذي خلقَ السحابَا عطيَّتُه إذا أعطى سُرورًا … وإن أخذَ الذي أعطى أثابَا فأيُّ النعمتين أعمُّ فضلًا … وأكرمُ من عواقبها الإيابَا (٥) أَنِعْمَتُه التي أهدت سُرورًا … أم الأخرى التي أهدَتْ ثوابَا بل الأخرى وإن نزَلت بكُرهٍ … أحقُّ بصبر من صَبرَ احتسابَا (٦) وله: [من المتقارب] يمثِّلُ ذو اللبِّ في نفسه … مصائبَه قبل أنْ تنزلَا فإن نَزلت بغتةً لم تَرُعْهُ … لما كان في نفسه مَثَّلَا رأى الهمَّ يفضي إلى آخر … فصيَّرَ آخرَه أوَّلَا وذو الجهل يأمنُ أيَّامه … وينسى مصارعَ من قد خَلَا

стр. 6622

فإن بَدَهَتْهُ صروفُ الزمان … ببعض مصَائبه أعولَا ولو (١) قَدَّم الحزمَ في نفسه … لعلَّمه الصبرُ حسنَ البلَا (٢) وله: [من البسيط] بقَّيتَ مالكَ ميراثًا لوارثه … فليتَ شعري ما بقَّى لك المالُ القومُ بعدك في حالٍ يسرُّهم … فكيف بعدهمُ دارتْ بك الحالُ مالت إذا عنك دُنيا أقبلتْ بهم … وأدبرتْ عنك والأيَّام أحوالُ ملُّوا البكاءَ فما يَبكيك من أحدٍ … واستحكَم القيلُ في الميراث والقالُ (٣) [وقال العتبي:] استعرض المعتصمُ جاريةً لمحمود الورَّاق (٤)، وكانت رقَّاصة، فقال لها: ما صنعتك؟ فقالت: صنعتي في رجلي، فقال: وكم ثمنك؟ قالت: خمس مئة دينار، فقال: كثير، ولكن نصبرُ حتى يموتَ محمود الوراق، ونأخذك بغيرِ شيء، فقالت: ما سمعنا خليفةً ينتظرُ بشهواته المواريثَ إلَّا أنت، [قال:] فخجل المعتصم. [وقد روى هذه الحكاية الخطيب بإسناده إلى الجاحظ وقال: ثمنُ الجارية سبعة آلاف دينار، فلمَّا مات محمود اشتُرِيت للمعتصم بسبع مئة دينار، فلمَّا دخلت عليه قال: كيف رأيت منَ بركتك من سبعة آلاف (٥) إلى سبع مئة، فقالت: أجل، إذا كان الخليفة ينتظر بشهواته المواريث، فإن سبعين دينارًا كَثيرةٌ في ثمني، فضلًا عن سبع مئة. فأخجلته. وكانت وفاة محمود في هذه السنة ببغداد، وقد رَوى عنه من شعره جماعةٌ من الأعيان، منهم ابنُ أبي الدنيا وابنُ مسروق وغيرهما.] (٦)

стр. 6623

أبو جعفر المُحَوَّلي (١) الزاهدُ العابد، كان يسكن بباب محوَّل [-محلة غربي (٢) بغداد- فنُسبَ إليها، وقد ذكره الخطيب، وأثنى عليه، قال:] وكان [أبو جعفر المحوليُّ] يقول: حرامٌ على قلبٍ مأسورٍ بحبِّ الدنيا أن يسكنَه الورع، وحرامٌ على نفسٍ مَغْرَمةٍ برياء الناس (٣) أن تذوقَ حلاوة الآخرة، وحرامٌ على كلِّ عالمٍ لم يعمل بعلمه أن يتَّخذه المتقون إمامًا. وأقام أبو جعفر ستين سنةً يصومُ النهارَ ويقومُ الليل ويتقوَّتُ كلَّ ليلةٍ برغيفٍ من الشعير وملحٍ جريش، وكان لا يقبلُ برَّ أحدٍ، وتوفي بباب محوَّل رحمة الله عليه [في هذه السنة، والحمد لله وحده.] (٤) * * *

стр. 6624

السنة الثانية والعشرون بعد المئتين فيها أمدَّ المعتصمُ الأفشين بالأموال؛ سيَّر إليه مع إيتاخ وجعفر بن دينار بثلاثين ألف ألف درهم نفقات الجند، وبلغَ بابك، فأرسل قائدًا من قوَّاده إلى أصحاب الأفشين، فواقعهم، واسم القائد آذين، وكان شجاعًا، لمَّا عزم على المسير إلى لقاء أصحاب الأفشين ترك عياله وأهله وأمواله على رأس جبلٍ حصين، فقال له بابك: أَدْخِلْهُم الحصنَ، فقال: لا أكونُ مثل هؤلاء اليهود -يعني المسلمين- يقاتلونَ من وراء الحصون والخنادق. وسار أصحاب الأفشين إلى كَلان رُوذ (١) ومقدَّمهم أبو سعيد، وأردفه الأفشين بجماعة، فبعث أبو سعيد جماعةً من وراء الجبل الذي عليه عيال آذين من مضيقٍ هناك، فأخذ بعض العيال وعطف عليهم آذين، فقاتلَهم فظهرُوا عليه، فأخذوا بعضَ العيال، ورجعوا إلى الأفشين (٢). وفيها فتحت البذُّ مدينة بابك في يوم الجمعة لعشرٍ بقين من شهر رمضان، وسياق الحديث أنَّ الأفشين كان يدنو منها قليلًا قليلًا، فضجَّ الناس من التعب وقالوا: كم نقعد هاهنا، وبيننا وبين العدوِّ مسافةٌ يسيرةٌ؟ وكان بينهم أربعة فراسخ، وقالوا للأفشين: قد استحينا من الناس، فأقدم بنا، فإمَّا لنا وإمَّا علينا. فسار إلى الجبال التي فيها البذّ، فأحدقَ بها، ورتَّب العساكر والرجَّالة، وأنفق الأموال، وفرَّق العُدد، وصيَّر العساكر كراديس كراديس، وأتاه رسولُ بابك ومعه قثاء وبطيخ وخيار، يخبره أنَّه في خفض عيش، وأنَّ الأفشين وأصحابه في أضيق (٣) عيش، فقال للرسول: قد عرفتُ قصدَه، ولكن (٤) الأفشين قد حفر ثلاثَ خنادق، وأقامَ عليها الرجال بالعُدَد خوفًا من البيات، فدارَ الرسول على العساكر فشاهدَ شيئًا لم ير مثلَه قط، فعاد فأخبر بابك.

стр. 6625

ثُمَّ إنَّ الأفشين سار بجنوده والرَّجَّالة فأحدقوا بمدينة بابك، فأرسلَ يطلبُ الأمان من المعتصم على نفسه وعياله، فأرسلَ الأفشين إلى المعتصم بخبره، والقتال يعملُ بينهم إلى عاشر رمضان، فهجمَ المسلمون مدينةَ بابك، فأحرقوا وقتلوا وسبوا، وأفلت بابك في نفرٍ يسيرٍ إلى غيضةٍ هناك، فاختفى بها، وجاء كتاب المعتصم بأمانه، وكان قد أسر الأفشين ولدَ بابك وأصحابه، فقال لهم: هذا ما لم أكن أرجوه من أمير المؤمنين لبابك، فليذهب بالأمان منكم رجلان، وكتب معهما ولد بابك يقول له: صِرْ إلى الأمان فهو خير لك، فلمَّا وصلا إلى بابك قتل أحدهما، وقال للآخر: اذهب إلى ابن الفاعلة -يعني ابنه- وقل له: لو كنت ابني للحقتَ بي. ثمَّ خرق الأمان، وخرج من ذلك المكان، وطلع إلى الجبل يطلب طريقًا يعرفها ليهرب، وقد أقام له الأفشين الكمناء، فأفلتَ إلى جبال إرمينية، فالتقاه رجلٌ أرمنيٌّ، يقال له: سهل البطريق (١)، فقال له: الطلبُ وراءك، فانزل حتى يسكنَ الطلب، فنزل عنده، وبعثَ الأرمنيُّ إلى الأفشين فأعلمه، وقال: أبكروا علينا، وقال لبابك: هذا مكانٌ معمورٌ، فاركب بنا غداة غدٍ نتنزَّهُ في هذا الوادي، فركب وجاء أصحاب الأفشين فأخذوه -وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيًّا ألفي ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم- وأُخِذ بابك وأخوه أسيرين، فأتي بهما إلى الأفشين، فطيفا في البذّ حتى رأيا القتلى والحريق والهدم، وقد مثلوا بقصورهم. وفي روايةٍ أنَّ بابك لمَّا رأى عسكر الأفشين قد ظهر على البذّ، خرج في جماعةٍ من أصحابه يسأل عن الأفشين، وأُخبر الأفشين، فركب ودنا منه، فقال له بابك: أريدُ الأمان من أمير المؤمنين، فقال له الأفشين: قد عرضتُ هذا عليك غيرَ مرَّة، وهو لك منِّي متى شئت، فقال: قد شئت الآن، على أن تُأجِّلني أجلًا أحمل فيه عيالي وأتجهز، فقال له الأفشين: قد نصحتُك غير مرَّة، وخروجك اليوم خيرٌ من خروجك في غد، فقال: قد قبلت ذلك أيُّها الأمير، وأنا على ذلك، فقال له الأفشين: فابعث بالرهائن الذين كنت سألتك، قال: نعم، أمَّا فلانٌ وفلانٌ فإنَّهم على ذلك الجبل، فمرْ أصحابَك بأن يوقفوا.

стр. 6626

فجاء رسول الأفشين ليردَّ الناس، فوجد أعلام المسلمين (١) قد دخلت البلد وصعدتْ على قصورِ البلد، وكانت أربعة قصورٍ فيها ستُّ مئة رجل، فخرجُوا فقاتلوا أصحابَ الأفشين، واشتغل أصحاب الأفشين بالحرب، ومرَّ بابك حتى دخل واديًا في مضيق، وقاتل أصحاب الأفشين، ونصب السلالم على القصور وأحرقوها، وقتلوا ستَّ مئةٍ عن آخرهم، وأخذ الأفشين إلى خندقه، وصعد أصحابُ بابك من الواديَ في الليل، وأخذوا من الزاد ما أمكنهم حملُه ومن الأموال، وعادَ الأفشين من الغد إلى البذّ، تمَّم خرابَه وحريقَه ونهبَه، وأفلت بابك إلى إرمينية، فكتبَ الأفشين إلى ملوكها يأمرُهم بحفظ الطرقات والحوطة على بابك، فإنَّه اختفى في وادٍ كثير الشجر، وأطاف العسكر به ووقفوا على المضائق، وورد في تلك الحال كتابُ المعتصم، مكتوب بالذهب، وفيه أمان بابك، وبعث به الأفشين إليه، فقتل أحد الرجلين، وشتم ابنه على ما ذكرنا، وقال للرسول الآخر (٢): يا ابن الفاعلة، ما أنت بابني، لو كنت ابني لعشتَ يومًا واحدًا رئيسًا خير من أن تعيش أربعين سنةً عبدًا ذليلًا. ثم ارتحل عن طريقٍ لا تعرف، فصار إلى جبال إرمينية ومعه نفرٌ يسيرٌ، فجاع وكان ملوك إرمينية قد أنذروا به، فبينما هو يسير إذا بحرَّاث يحرث في بعض الأودية، فقال لغلامه: خذ دراهم ودنانير وانزل إلى هذا المكان، فإن كان عنده خبزٌ فاشترِ منه، فنزل الغلام إليه، وأعطاه الدنانير، وطلب منه خبزًا، وكان للحرَّاث شريكٌ واقفٌ من بعيد ينظر ما يجري بينهما، وكان على المسلحة في تلك الطريق رجلٌ أرمنيٌّ يقال له: سهل بن سنباط، فجاء شريكُ الحرَّاث فأخبره بالخبر، فجاء سهلٌ إلى الغلام فقال: ما أنت، فأخبره، فقال: وأين مولاك؟ فأشار إليه فصعد سهلٌ إلى الجبل، فرأى بابك فعرفه، فنزل وقبَّل يده، وقال: يا مولاي إلى أين تريد؟ فسمَّى مكانًا، فقال: انزل عندي في صحبي حتى ترى رأيك، فأنا عبدُك ولا بأس عليك، وكلُّ من هاهنا من البطارقة عبيدُك، وقد صار لك منهم أولاد. وكان بابك إذا عَلِم أنَّ عند بعض البطارقة ابنةً جميلةً أو أختًا بعثَ إليه وطلبها منه،

стр. 6627

فإن بعث بها إليه وإلَّا قتله وأخذَها. (١) وكان قد أضرَّ ببابك الجهد والجوع، فأقام، وأرسل سهل إلى الأفشين، فأرسلَ جماعةً، فأخذوا بابك من الوادي كما ذكرنا، فحبسه وأخاه، وكتب إلى المعتصم بخبره، فأمره أن يقدم به إلى بغداد. وحجَّ بالناس محمد بن داود. ووَصل المعتصمُ سهلَ بن سنباط النصرانيّ بألفي ألف درهمٍ، ووهب له جوهرًا كثيرًا، وأطلق له خراجَ عشرين سنة. (٢) وفيها توفي أحمد بن الحجاج الشيبانيّ، ثم الذهليّ، كان عالمًا فاضلًا، قدم بغداد وحدَّث بها عن عبد الله بن المبارك وغيره، ورَوى عنه البخاريُّ، وكان الإمامُ أحمد ﵀ يثني عليه (٣). * * *

стр. 6628

السنة الثالثة والعشرون بعد المئتين وفيها قدم الأفشين ببابك وأخيه سرَّ من رأى على المعتصم في ليلة الخميس لثلاثٍ خلون من صفر، وكان المعتصمُ يبعث إلى الأفشين منذ فصلَ عن برزند إلى سامراء كلَّ يومٍ بفرسٍ وخلعةٍ، ولعناية المعتصم بأمرِ بابك رتَّب البريد من سُرَّ من رأى إلى الأفشين، فكان الخبرُ يصلُ إليه في كل (١) أربعة أيامٍ وأقلّ، وكانت خيلُ البريد تركض ركضًا، ولما وصل الأفشين إلى سُرَّ من رأى ببابك أنزله في قصره بالمَطِيرة، فلمَّا كان في جوف الليل جاء ابن أبي دؤاد متنكِّرًا فأبصره، ثمَّ رجع إلى المعتصم فأخبره، فلم يصبر المعتصم حتى ركب في الليل ودخل عليه متنكِّرًا، فرآه وتأمَّله، وبابك لا يعرفه، وسنذكر مقتله في موضعه. (٢) وفيها غزا المعتصمُ بلاد الروم وفَتَحَ عَمُّورِية، وسببه (٣) أن الأفشين لمَّا ضيَّق على بابك كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جورجس يقول له: ما يقعدكَ عن ملك العرب وعن البلاد؟ وقد وجَّه إلى جميع عساكره ومقاتلته ومواليه وخواصِّه، حتى قد بعث إليَّ بخيَّاطه جعفر بن دينار، وطبَّاخِه يعني إيتاخ، ولم يُبْقِ على بابه أحدًا، فاخرجْ، فليس في وجهك من يمنعك. وكان مقصود بابك أن يتحرَّك ملكُ الروم فينكشف عنه بعضُ ما هو فيه برجوع بعضِ العساكر عنه. فخرج توفيل في مئة ألف من المقاتلة وغيرهم، فأناخ على زِبَطْرة، فأوقع على أهلها فأسرهم وخرَّبها، ومضَى إلى مَلَطْية، فأغار على أهلها وعلى الحصون، وسبَى من المسلمات أكثرَ من ألف امرأة، ومثَّل بمن صار في يده من المسلمين، وسمل أعينهم وقطَّع آذانهم وآنافهم، وبلغ النفيرُ إلى سامرَّاء، ونفرَ أهلُ الجزيرة والشام، وَبلغ الخبرُ

стр. 6629

إلى المعتصم وهو في قصره بسامرَّاء، فقام من وقته، فركبَ فرسه، وسمَّط خلفه خُرْجه وسكَّة حديد، ولم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبئة (١)، فجلسَ في قصره واستدعى القضاةَ والعدول من أهل بغداد، فجاؤوا، وكان القاضي عبد الرَّحمن إسحاق وشعيب ابني سهل (٢)، ومعهما ثلاث مئة وثلاثة وعشرون (٣) رجلَّا مَن أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضِّياع، فجعل ثلثًا لولده، وثلثًا لمواليه، وثلثًا في سبيل الله. ثمَّ عسكر بغربي دجلة، وبعث في مقدمته عُجيف بن عنبسة، وعمرًا الفرغاني، ومحمَّد كوتة، وجماعةً من القواد، فساروا إلى زِبَطْرة، فوجدوا توفيل قد رجع إلى القسطنطينية، فقال المعتصم: أيُّ بلاد الروم أمنع وأحصن؟ قالوا: عَمُّورية، ولم يعرض لها أحدٌ من المسلمين من أول الإسلام، وهي عينُ النصرانيَّة، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية، فسار المعتصم في العساكر إليها في هذه السنة بعدما قتل بابك، وقيل: في سنة أربع وعشرين ومئتين، فيقال: إنَّه تجهَّز جهازًا لم يتجهزهُ خليفةٌ قبلَه من السلاح والعدَّة والآلة والخيل والدوابّ والقِرَب والحديد والنِّفط وغيره، وجعل على مقدمته أشناس، ويتلوه محمَّد بن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار بن عبد الله، وعلى القلب عُجيف، وقدَّم الأفشينَ بين يديه بالدخول من درب الحَدَث، وسمَّى له يومًا بعينه أن يكون دخوله فيه، وكذا أشار إلى أشناس، وأمر المعتصمُ أشناس أن يدخل من درب طرسوس، ويوافيه بالصفصاف. وكان شخوصُ أشناس يوم الأربعاء لثمانٍ بقينَ من رجب، وبعث المعتصم وصيفًا في إثر أشناس على مقدماته، ورحل (٤) المعتصم يوم الجمعة لستٍّ بقين من رجب، ثمَّ كتب إلى أشناس بمرج الأُسْقُف على (٥) الأثقال والزاد والمجانيق، وأخبره أن توفيل

стр. 6630

يريدُه، فأقام أشناس بمرج الأُسقُف، وبعثَ عمرو الفرغانيّ بين يديه يكشفُ له خبر ملك الروم، فكشفه، فأخبروه (١) أنَّ الملك مقيم ينتظر عبورَ المعتصم أو مواقعةَ الأفشين، يعرِّفه أنَّ ملك الروم يريده، ودفع للرسول عشرةَ آلاف درهم، وبعث رسلًا عدَّة، فلم يلحق الأفشينَ أحدٌ منهم (٢)، وكان قد أوغلَ في بلاد الروم، وسار المعتصمُ إلى أشناس، فلحق الأثقال، وأمر أشناس أن يتقدَّمه بمرحلةٍ، ولم يقف المعتصمُ للأفشين على خبرٍ حتى صاروا من أنقرة على مسيرة ثلاث مراحل، فضاقَ عسكرُ المعتصم ضيقًا شديدًا من الماء والعلف. وكان أشناس قد أَسَرَ في طريقه عدَّة، فأمر بهم فضُرِبَت أعناقهم، وفيهم شيخٌ كبيرٌ، فأمر بقتله، فقال: ما تنتفع بقتلي وأنتم في هذا الضيق من قلَّة الماء والزاد؟! وهاهنا قومٌ من أنقرة بالقرب منَّا قد هربوا خوفًا منكم، ومعهم من الزاد والميرة شيءٌ كثيرٌ، فوجِّه معي قومًا لأدفعهم إليهم، وخلِّ سبيلي (٣)، وجهَّز معه خمس مئة فارس، وقال للقائد: متى أوقعَكُم على القوم فأطلِق سبيلَه، فسار بهم الشيخ إلى أوَّل الليل، فأوردَهم واديًا كثيرَ الماء والحشيش، فنزلُوا، ورعوا دوابّهم، وسقوا وشربوا، وسار بهم حتى أوقعهم على أهل أنقرة، فقاتلوهم وأسروا منهم عدَّةً بهم جراحات، فقالوا: ما هذه؟ قالوا: كنا في وقعة الملك مع الأفشين، فقالوا: حدِّثونا بالقصة، فقالوا: كان الملك معسكرًا على أربعة فراسخ من مكانٍ يقال له: اللامِس، وأُخبِر أنَّ عسكرًا قد دخل من ناحية الأرمنياق، فاستخلفَ الملك على عسكره رجلًا من أهل بيته، وأمره بالمقام في موضعه، فإن وَردت عليه مقدمةُ ملك العرب واقعَهم إلى أنْ يذهب الملك فيواقع العسكرُ العسكرَ الذي دخل من ناحية الأرمنياق -يعني عسكر الأفشين- فقال أميرهم: نعم، وكنت ممَّن سارَ مع الملك، فواقعناهم صلاةَ الغداة، فهزمناهم وقتلنا رجَّالهم، وتقطَّعت عساكرنا في طلبهم، فلمَّا كان الظهر رجعَ فرسانُهم فقاتلُوا قتالًا عظيمًا حتى خرقوا عسكرنا واختلطنا بهم، فلم ندرِ في أيِّ كردوسٍ الملك، فلم نزل كذلك إلى وقت

стр. 6631

العصر، ثُمَّ رجعنا إلى موضع العسكر الذي كان على اللامِس مع الذي خلَّفه الملكُ على عسكره، فوجدنا العسكرَ قد انتقض عنه وانصرفوا وتركوه، فأقمنا ليلتنا، فلمَّا كان من الغد وافانا الملكُ دي جماعةٍ يسيرةٍ، فوجَد عسكره قد اختلَّ، فضربَ عُنق الذي استخلفه، وقال: أسأتَ التدبير، وكتبَ إلى المدن والحصون يأمرهم أن يردُّوا الناسَ إلى عسكره، ووجَّه خصيًّا (١) إلى أنقرة يقيمُ بها، ويحفظُ أهلها إن نزلَ بهم ملكُ العرب. قال: فأطلقوا الشيخَ الأسير، ورجعوا بالغنائم والعلوفات والأسارى إلى أشناس، فأخبروه الخبر، ولحقَه المعتصمُ من الغد، فأخبرَه خبرَ الأفشين، فسُرَّ بذلك، وجاءت البشائرُ من الأفشين بعد ثلاثة أيام يخبره بذلك، وأنَّه يوافي المعتصم في أنقرة (٢)، وساروا يقتلُون ويأسرون حتى توافت العساكرُ بعموريَّة، فكان أول من وردها أشناس يوم الخميس ضحًى، فدارَ حولها، ثم نزل على ميلينِ منها. ثم جاء (٣) المعتصم فدارَ حولها، وكذا الأفشين، ثمَّ قسَّم المعتصمُ أبراجها على القواد على مقدار رجالهم، وتحصَّن أهل عَمُّورية (٤)، ونزل إلى المعتصم رجلٌ أسيرٌ كان قد تنصَّر، وأقام عندهم أيامًا، فدلَّه (٥) على عورة البلد، وأنَّ المكان الفلانيَّ مبنيٌّ بالحجارة من خارج ومن داخل حشو، فنقل المعتصم مضربه إلى قبالته، ونصب عليه المجانيق، وألقى عليه أهلُ عمورية البراذع والخشب، وألحَّت عليه المجانيق فانصدع السور، وطمَّ الخنادقَ، وزحف بالدبابات والسلالم، وقاتلها أيَّامًا، ففتحها عَنْوة، وأقبلَ الناس بالأسرى والغنائم من كل وجهٍ حتى امتلأ العسكر، [وبيعت الغنائم في خمسة أيام، وأحرق الباقي] (٦).

стр. 6632

وانصرفَ المعتصم يريد الثغور؛ لأنَّه بلغه أنَّ ملك الروم يريده، وأنه (١) جمع جمعًا عظيمًا، فخرج المعتصمُ على الجادَّة، وعطش القوم، فقتل ستة آلاف أسير (٢) بمكان يقال له وادي الحور (٣). ووصل [المعتصم] إلى طرسوس، وكان [المعتصم] قد أناخ على عَمُّورية يوم الخميس لستٍ خلون من رمضان، وقفل عنها بعد خمسة وخمسين يومًا. [وكان من القواد قد اتفقوا على الوثوب بالمعتصم في هذه السفرة، ويولون العباس بن المأمون، وسنذكره.] وقال الصوليُّ: قتل المعتصم ثلاثين ألفًا من الروم، وسبَى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقًا، وطرَحَ النار في جوانب عَمُّورية فأحرقها، وجاء ببابين إلى العراق في الفرات، فغرقَ واحدٌ، ووصلَ الآخرُ إلى بغداد، وهو الباب الذي على دار الخليفة بالرحبة المجاور للجامع، ويسمى باب العامَّة، [وقد أشار إلى هذا الخطيب أيضًا (٤)، وذكر البابين. وقال الصوليُّ: حدثنا الغلابي، حدثني] يعقوب بن جعفر بن سليمان قال (٥): غزوتُ مع المعتصم عموريَّة، فاحتاج الناس إلى الماء، فمدَّ لهم (٦) المعتصم حياضًا من أَدَمٍ عشرة أميال، وساق الماء فيها إلى سور عموريَّة، وكان رجل من الروم يقوم كلَّ يومٍ على السور ويشتمُ النبيَّ ﷺ بالعربيَّة باسمه ونسبه، فاشتدَّ ذلك على المسلمين، ولم يكن يصل إليه النشاب، [قال يعقوب:] (٧) وكنت أرمي رميًا جيدًا، فاعتمدته بنشابة، فأصابت نحره، فهوى (٨)، وكبَّر المسلمون، وسُرَّ المعتصم وقال: عليَّ بالذي رماه،

стр. 6633

فأُدخلت عليه، [فقال: من أنت؟ فانتسبت] (١) له، فقال: الحمد لله الذي جعلَ ثوابَ هذا السهم لرجلٍ من أهلي، ثم قال: بعني هذا الثواب، فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس الثَّوابُ ممَّا يُباع، قال: فإنِّي أرغبُك، فأعطاني مئة ألف درهم، فقلت: لا أبيعُ ثوابي، فبلغها إلى خمس مئة ألف درهم، فقلت: [ما أبيعه] (٢) بالدنيا وما فيها، ولكن قد جعلتُ لك نصفَ ثوابه، والله يشهد عليَّ بذلك، فقال: جزاك الله خيرًا، قد رضيت [بهذا]، ثمَّ قال: فأين تعلَّمتَ الرمي؟ قلت: بالبصرة في داري، فقال: بِعْنِيهَا، فقلت: [هي] وقف على من يتعلَّم الرمي، فوصلني بمئة ألف درهم (٣). وقال الصوليّ: لمَّا فعل توفيل بالمسلمين ما فعل شقَّ [ذلك] على المعتصم، فوقف أمواله وعقاره على ولده والفقراء والمساكين، وأقسم أنَّه لا يرجع عن الروم حتى يفعلَ ما لم يفعله خليفةٌ، وسار في جيوشٍ لم يقدر أحدٌ على جمعها، ويقال: إنَّه كان في خيله ثمانونَ ألف أبلق وثمانونَ ألف أدهم، فلمَّا فتح عَمُّورية قتل من أهلها ستين ألفًا. [قال: وسببُ فتوحها أنَّ برجًا كان قد انهدمَ منها، فبنوه على غير أساس، ونزلَ إليه أسيرٌ فتدلَّى بحبل، فأخبره خبره، فهدمَه بالمجانيق. وقال الخطيب: عن يحيى بن أكثم قال:] (٤) كنتُ مع المعتصم (٥) في بلاد الروم، فمررنا براهبٍ في صومعته، فقلت: يا راهب، أترى هذا الملك يدخلُ عمورية، قال: لا، إنَّما يدخلها ملكٌ أكثر أصحابه أولاد زنا، فلمَّا دخل المعتصمُ الروم أخبرتُه، فقال: أنا والله صاحبها، لأنَّ أكثر جندي أتراك وأعاجم، ففتحَها. حديث العلويَّة: [روى لنا أشياخنا أنَّه] كان في السبايا التي سباها توفيل من زِبَطْرة امرأةٌ شريفةٌ، فأخذها بطريقٌ [من] أهل عَمُّورية فعذَّبها (٦) حتى تتنصر، فصاحت: وامعتصماه، فقال

стр. 6634

لها البطريق: إيش يعمل بي، يقفز عليَّ بالأبلق. وبلغ المعتصم، فلمَّا فتح عَمُّورية لم يكن له همٌّ سواها، وطلبها فحضرت، وأحضرَ البطريق، وقال لها. نادي كما ناديت، فقالت: وامعتصماه، فقال: لبيكاه، ومدَّ البطريق وقفزَ عليه بسبعين ألف أبلق. [وقال الخطيب: لمَّا تجهَّز المعتصمُ] (١) لفتح عَمُّورية حكم المنجِّمون أنَّه لا يعود من غَزاته، وإن عاد كان معلولًا (٢) خائبًا، فكان من ذلك الفتح العظيم ما لم يكن في الحساب، فقال أبو تمام: [من البسيط] السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتب … في حدِّه الحدُّ بين الصدق والكذبِ (٣) [ومعناه: السيف أصدق أخبارًا من كتب المنجمين وكذبهم.] (٤) بيضُ الصفائح لا سودُ الصحائفِ في … مُتونهنَّ جلاءُ الشكِّ والريبِ والعلمُ في شُهُبِ الأرماح لامعةً … بين الخميسين لا في السبعة (٥) الشهب أين الروايةُ أم أين النجوم وما … صاغُوه من زخرفٍ فيها ومن كَذِبِ تخرُّصًا وأحاديثًا مُلفَّقةً … ليستْ بنبعٍ إذا عُدَّت ولا غربِ عجائبًا زعموا الأيام مجفلةً (٦) … عنهنَّ في صفرِ الأصفارِ أو رجبِ وخاوفوا (٧) الناس من دَهياء مظلمةٍ … إذا بدا الكوكبُ الغربيُّ ذو الذنبِ وصيَّروا الأبرجَ العليا مُرتِّبةً … ما كان منقلِبًا أو غيرَ منقلِبِ يَقضون بالأمر عنها وهي غافلةٌ (٨) … ما كان في فلكٍ منها وفي قُطُبِ

стр. 6635

لو بَيَّنت قطُّ أمرًا قبل موقعِهِ … لم تخفِ ما حلَّ بالأوثان والصُّلُبِ يا يومَ وقعةِ عَمُّوريةَ انصرفَتْ … عنك المُنَى حُفَّلًا معسولة الحَلَبِ فتحَ الفتوحِ تعالى أنْ يحيط به … نَظْمٌ من الشِّعرِ أو نَثْرٌ من الخُطَب من أبيات، وهي نيفٌ وسبعون بيتًا (١) وقال محمد بن عبد الملك الزيات: [من المتقارب] أقام الإمامُ منارَ الهُدى … وأخرسَ ناقوسَ عَمُّوريه فقد أصبحَ الدينُ مستوثقًا … وأضحت (٢) زنادُ الهدى موريهْ وقال يحيى بن أكثم: لمَّا التقى الأفشين وقتل بطارقته فقال له ابن عم توفيل: يا أفشين، بالأمس قتلت بابك واليوم تأخذُ ملكَ الروم، أما تعرف نفاسةَ بني هاشم، والله لا تركوك بعدها، فأطلقه (٣). وقيل: لم يأخذه، وإنَّما كان قادرًا على أخذه، فلمَّا قال له ابن عمه ما قال: أعرض عنه. وفي وقعة الأفشين مع توفيل يقول الحسين بن الضحاك (٤) أبيات: [من الرمل] إنَّما الأفشينُ سيفٌ قاطعٌ … سلَّه الله بكفِّ المعتصمْ كلُّ مجدٍ دون ما أثَّله … لبني كاوسَ أملاكِ العجمْ لم يدع بالبذِّ من ساكنةٍ … غير أمثالي لعادٍ وإرمْ (٥) وقَرَا تَوْفيل طعنًا صادقًا … فضَّ جمعته (٦) جميعًا وهَزَمْ قَتَلَ الأكثرَ منهم ونجا … من نجا منهم على ظهر وخمْ (٧)

стр. 6636

وفي هذه الغزاة اتَّفقَ العباسُ بن المأمون مع جماعةٍ على الفتك بالمعتصم، وكان السبب في ذلك أن المعتصمَ لمَّا بعث عُجيف بن عنبسة ومحمد بن كوتة وعمرو الفرغاني إلى زِبَطْرة ليدفعوا ملك الروم عنها، لم يطلق يدَ عُجيف في النفقات كما أطلقَ يد الأفشين، واستقصرَ المعتصمُ أمر عُجيف، وعرف عُجيف ذلك، فخَلا بالعباس بن المأمون ولامَه على ما فعل عند موت أبيه من ردِّ الخلافة إلى المعتصم، وقال له: استدرك ما كان منك، فقبل العباس ذلك منه، وطمع في الخلافة، ودسَّ رجلًا يُقال له الحارث السَّمرقنديّ، وكان عالمًا، فمَشى في القُوَّاد حتى يتابعه جماعةٌ منهم على الفتك بالمعتصم، ووكَّلوا جماعةً من خواصِّ الأفشين بالأفشين، ومن خواصِّ أشناس بأشناس، ومن خاصَّة المعتصم بالمعتصم؛ أنَّهم يبيتونهم فيقتلونهم. فلمَّا دخل المعتصم الدرب يريد أنقرة وعَمُّورية، ودخل الأفشينُ من ناحية عَمُّورية (١)، أشار عُجيف على العباس أن يثبَ بالمعتصم في الدرب، وهو في قلَّةٍ من الناس، وقد تفرَّقت عنه العساكر، ويرجع إلى بغداد، وأنَّ الناس يفرحون بالانصراف، فأبى العباس عليه، وقال: لا أفسدُ هذه الغزاة. فلمَّا فتحت عَمُّورية، قال عُجيف للعباس: يا نائم، كم تنام، انتبه، فقد فُتِحت، والناس قد اشتغلوا بها، والرجل وحده، فمُرْ بنهب المتاع، فإذا نُهِبَ خرج، فتأمر بقتله، فأبى العباسُ عليه وقال: حتى نصيرَ إلى الدرب. وكان عجيف قد أمر من ينهب بعض المتاع، فركب المعتصم وجاء يركض، فسكن الناس، ولم يطلق العباس أحدًا من أولئك الرجال الذي كان واعدهم، فلم يُحدِثوا شيئًا بغير أمره. وكان الخبر قد بلغ عمرًا الفرغاني في ذلك اليوم، وله قرابةٌ غلامٌ أمردٌ في خاصَّة المعتصم، فقال الغلام (٢) لعمرو: إنَّ أمير المؤمنين اليوم ركب مستعجلًا، وأمرني أن أسلَّ سيفي، ومن استقبلني ضربتُه، فقال له عمرو: أنت غِرٌّ، فإن سمعتَ صيحةً أو

стр. 6637

سعيًا لا تخرج من خيمتك (١)، فعرف الغلام مقالة عمرو. وارتحل المعتصمُ من عَمُّورية يريد الثغر، وجاء إلى المضيق، فوقف حتى يدخل الناس، ومرض أشناس، دعاده المعتصم، وجاء الأفشين، والتقى بالمعتصم يعود أشناس (٢)، ثمَّ خرج، وجاء عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل إلى عسكر الأفشين، وبلغ أشناس، فأرسل إليهما وقال: ما الذي أتى بكما إلى عسكر غيركما، قالا: نشتري من السبي، فقال: الزما عسكركما ولا تخرجا منه، فاغتمَّا وصارا إلى صاحب الخبر، وقالا: إنَّ أشناس في كل وقتٍ يشتمنا ويتوعدنا، ولا طاقة لنا به، ونحن نسأل أن يضمَّنا أمير المؤمنين إلى من أحبَّ. وكتب صاحبُ الخبر إلى المعتصم بذلك، فأمر بحبسهما، وبلغه الحديث من أشناس. ووشى بهم أحمد بن الخليل، فلمَّا جاوزَ المعتصمُ الدربَ دعا بالعباس، فسقاه النبيذ، فسكر، وسأله عن القصَّة واستحلفه أن لا يكتمَه شيئًا، فحكى له القصَّة على وجهها، وسمَّاهم واحدًا واحدًا، وأنَّ الحارثَ السمرقنديَّ كان يَختلفُ إلى القواد، فطيَّب قلب العباس ومنَّاه، وأوهمَه أنَّه قد صفحَ عنه، وتغدَّى معه، وصرفَه إلى مضربه، ثمَّ دعا الحارثَ السمرقنديَّ فسأله عن الأسباب، فقصَّ عليه القصَّة كما أخبر العباس، فقال له المعتصم: قد رُضْتُكَ على أن تكذب، فأجد السبيلَ إلى سفك دمك، فلم تفعل، فقال: يا أمير المؤمنين، لست بصاحب كذبٍ، فأَطلَقَهُ وقال: نجَّاك صدقُك. ثمَّ قيَّد العباس ودفعه إلى الأفشين، وتتبع أولئك القواد، فأُخذوا جميعًا، وكان فيهم الشاه بن سهل (٣) السجستانيّ، فأحضره المعتصم -وكان محسنًا إليه- والعباس حاضر، فقال له المعتصم: يا ابن الزانية، قد أحسنتُ إليك، فلم تشكر إحساني! فقال له: ابن الزانية هذا الذي بين يديك -يعني العباس بن المأمون- لو مكَّنني منك ما كنت قاعدًا في هذا المجلس، فأَمر به المعتصمُ، فضُرِبت عنقه.

стр. 6638

ودفع عُجيف بن عنبسة إلى إيتَّاخ، فثقَّله بالحديد، وحمله على بغل في محملٍ بغير وطاء. فأمَّا العباس فكان في يد الأفشين، فلمَّا نزل المعتصم منبج، وكان العباس جائعًا، فقُدِّم إليه طعامٌ كثير، فلمَّا طلب الماء مُنع منه، وأُدرج في مِسْحٍ، فمات بمنبج. ولمَّا نزل المعتصم نصيبين نزل ببستانٍ، ودعا صاحبه فقال: احفر لي بئرًا قدرَ قامة، ودعا بالفرغانيّ، والمعتصمُ قد شرب أقداحًا، فقال: جَرِّدوه، فجَرَّدوه، وضربه بالسياط حتى مات، وألقاه في البئر، وطمَّ عليه التراب. وأمَّا عُجيف فإنَّ المعتصم سأل محمَّد بن إبراهيم بن مصعب، وكان في يده، فقال: ما فعل عُجيف؟ فقال: اليوم يموت، فدعاه محمد وقال له: ما تشتهي يا أبا صالح، فقال: أسفيداج وحلواء، فأطعمَه ذلك، وطلبَ الماءَ، فلم يسقه، فمات ودفن بباعَيناثا. وقيل: إنه لمَّا مات بباعَيناثا مات (١) في محملٍ، فطُرِح عند صاحب المسلحة، وأمروه بدفنه، فجاء به إلى جانب حائطٍ خربٍ، فطرحه عليه، فقبره هناك (٢). [ومن العجائب ما حكاه القاضي التنوخيُّ في كتاب "الفرج بعد الشدَّة" عن كاتب كان لعُجيف يتولّى ضياعَه، قال: فرفع] (٣) إليه أنَّني قد خنته، فبعثَ إليَّ مَن قيَّدني، وحُمِلتُ إليه، فأمر بالسياط فأُحضِرَت، وقال: أخربتَ ضياعي وأخذتَ مالي، والله لأقتلنَّك، فبلتُ في ثيابي وعلى ساقي، وقال له بعضُ كتَّابه: أيُّها الأمير، أنتَ مشغولٌ في هذا الوقت بالغزاة (٤)، وضَربُ هذا ما يفوت، والمصلحةُ حبسه حتى تتيقن ما قيل عنه، فحبسني ومضَى مع المعتصم إلى عَمُّورية، وبلغَه أنَّه يريد الفتك به (٥)، فقتلَه بالجزيرة، ثمَّ قدم المعتصمُ بغداد، فأطلقني، وولَّاني ديارَ ربيعة والجزيرة، فخَرجتُ

стр. 6639

إليها، فنزلتُ بقريةٍ يقال لها باعيناثا أو كراثا، فأخلي لي بها بيتٌ، فخرجتُ وقت السحر أطلب الكنيف، فرأيته ضيِّقًا، فخرجتُ إلى ظاهر القرية، وإذا بتلٍّ فبُلتُ عليه، فقال لي صاحب البيت: هل تدري على أيِّ شيء بُلْتَ؟ قلت: بُلْتُ على تلِّ تراب، فضحك وقال: هذا قبرُ قائدٍ من قوَّاد المعتصم يقال له عُجيف، سخط عليه وحمله مقيَّدًا، فلمَّا صار هاهنا قتلَه، وطرحه تحت الحائط، فلمَّا انصرف العسكرُ ألقينا عليه الحائطَ خوفًا أن يأكله الكلاب، قال محمد الكاتب: فعجبتُ من بولي خوفًا منه ومن بولي فوق قبره. [واسم هذا الكاتب محمَّد بن الفضل الجرجاني، ووزر بعد ذلك للمعتصم] (١). ثم تتبَّعَ المعتصمُ باقي القواد والفراغنة من الأتراك فقتلَهم، ورُدَّ سالمًا غانمًا، وسمِّي العباسُ يومئذٍ اللعين. [وقال الصوليُّ: كان العباسُ فاجرًا، حدَّه أبوه المأمون] (٢) في الخمر مرارًا، وفيه يقولُ جعفر بن القاسم: [من الكامل] أبت الخلافةُ أن ينال بها … من حُدَّ في خمارة البردانِ وقال يحيى بن مروان في العباس وعُجيف: [من الوافر] ألا يا دولةَ المعصوم (٣) دومي … فإنَّك قلتِ للدنيا استقيمي هو العباسُ حين أراد غَدْرًا … فوافى إذْ هَوى قَعرَ الجحيمِ كذاك هَوى كمهواه عُجيفٌ … فأصبحَ في سواء لظى (٤) السموم (٥) وفيها دفعَ المعتصمُ خاتمه إلى ابنه هارون، وأقامه مُقام نفسه، واستكتب له سليمان

стр. 6640

ابن محمَّد بن عبد الملك الزيَّات. وفي شوال زُلزِلَتْ فرغانة، فمات تحت الهدم خمسة عشر ألف (١). وحجَّ بالناس محمَّد بن داود. [فصل] وفيها قتل بابك الخُرَّمي [ذكر طرف من أخباره: قال علماء السير:] كان [بابك] من الثنويَّة (٢) على مذهب ماني ومزدك وروسا الباطنيَّة، ويقول بالتناسخ، ويرى تحليل البنات والأمَّهات والأخوات، وليس له أصل يرجع إليه. [وحكى الطبريُّ] أنَّه (٣) كان ولد زنا، وكانت أمُّه عوراء تعرف برومية العلجة، [ذكر علي بن مرّ عن رجلٍ من الصعاليك أنه كان يقول:] (٤) بابك ابني، فقلت له: وكيف، قال: نزلت على أمِّه يومًا وقد طالت غربتي (٥) فواقعتُها، ثُمَّ غبتُ عنها، وعدتُ إليها فقالت: حين ملأتَ بطني تركتني، وأذاعت (٦) أنَّه منِّي، فقلت: والله لئن ذكرتيني لأقتلنَّك، [فسكنت] (٧). [وفي روايةٍ عن بعض المؤرخين أنَّ أمَّ بابك] (٨) كانت علجةً (٩) فقيرةً من قرى

стр. 6641

أذربيجان، فشغفَ بها رجلٌ من النبط من أهل السواد (١)، فواقعها، فحملت به، [وكان اسمُ الرجل عبد الله، فقتلَ وبابك حملٌ، فوضعته، وجعلت] (٢) تكتسب له إلى أن بلغ، فاستأجره أهلُ قريته بطعامه وكسوته على رعي أغنامهم، وكان بتلك الجبال قومٌ من الخرَّمية، وعليهم رئيسان، يقال لأحدهما: جاوندان، والآخر: عمران، [وكانا] يتكافحان، فمرَّ جاوندان بقرية بابك، فتفرَّس فيه الجلادة، فاستأجره من أمِّه، وحملَه إلى ناحيته، فعشقته امرأةُ جاوندان، فأفشت إليه أسرارَ زوجها، وأطلعته على دفائنه، فلم يلبث إلَّا قليلًا حتى وقع بين جاوندان و [بين] عمران حربٌ، فأصابت جاوندان جراحةٌ فمات، فزعمتِ امرأتُه أنَّه قد استخلف بابك [على أمره، فصدَّقوها، فجمع] أصحابه، وأمرَهم أن يقتلوا بالليل من لقوا من رجلٍ أو صبيٍّ (٣)، فأصبح الناس قتلى لا يُدرى من قتلهم، ثُمَّ انضوى إليه الذُّغَّار (٤) وقطاع الطريق، حتى صار عنده عشرون ألف فارس، وأظهر مذهبَ الباطنيَّة، واحتوى على مدنٍ وحصونٍ، فأخرب الحصون. ولمَّا ولي المعتصم بعثَ أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصونَ التي أخربها بابك، فبناها، ثم بعثَ إليه الأفشين، فحصره وقاتله وأسره على ما ذكرنا [وقدم به إلى سُرَّ من رأى، فأتى المعتصم وابن أبي دؤاد إليه ليلًا، فأبصره،] فلمَّا كان [يوم الإثنين أو الخميس] في صفر قعد المعتصم، [واصطف النَّاس من قصر الأفشين في المطيرة إلى باب المطيرة،] (٥) وأراد [المعتصم] أن يشهرَه لتراه الناس، فأركبه فيلًا، وألبسه قَباءً من ديباجٍ وقلنسوة سمّور، وهو وحده، وقد خضب الفيل بالحناء، فقال محمَّد بن عبد الملك الزيَّات: [من السريع]

стр. 6642

قد خُضِبَ الفيلُ لعاداته (١) … يحملُ شيطانَ خراسانِ والفيلُ لا تخضبُ أعضاؤه … إلَّا لذي شأنٍ من الشانِ وقال المعتصم: [من مجزوء الرمل] لم يزل بابكُ حتى … صارَ للعالم عبرَهْ ركبَ الفيلَ ومن ير … كبُ فيلًا فهو شهرَهْ (٢) وأمر المعتصم جزارًا أن يقطع يديه ورجليه، فقطعت، [ثم قال المعتصم: أحضروا السيَّاف]، وأمر بذبحه وشقِّ بطنه، وبعثَ برأسه إلى خراسان، وصُلِبَ بدنه بسُرَّ من رأى عند العقبة، وموضع خشبته مشهور، وأمر بحمل أخيه عبد الله إلى بغداد مع ابن شروين الطبري (٣) إلى إسحاق بن إبراهيم [خليفة المعتصم على بغداد، وأمره أن يفعل به كما فعل بأخيه]، فلما صار به الطبري إلى البردان، نزل به في قصر البردان، فقال عبد الله للطبري (٤): من أنت؟ فقال: ابن شروين ملك طبرستان، فقال: الحمدُ لله الذي وفَّق لي رجلًا من الدهاقين يتولَّى (٥) قتلي، فأشار الطبري إلى عبد يقال له: نود نود (٦)، وهو الذي قتل بابك، فقال: إنَّما يتولَّى قتلك هذا، فقال له: أنت صاحبي، وهذا عِلْجٌ. ثمَّ وافى به مدينةَ السلام، ففعلَ به إسحاق كما فعلَ بأخيه، وصُلِب بالجانب الشرقيِّ بين الجسرَين من (٧) بغداد. وكان عبدُ الله أخو بابك أشجعَ منه، فرَوى القاضي عليُّ بن المحسَّن التنوخيُّ عن أبيه أنَّ أخا بابك قال له لما أدخلا على المعتصم: يا بابك، إنَّك قد عملتَ ما لم يعمله

стр. 6643

أحدٌ، فاصبر صبرًا لم يصبره أحدٌ، قال: سترى صبري، فبُدِئ ببابك قبل أخيه، فلمَّا قُطِعت يد بابك مسحَ بها وجهه، فقال المعتصم: سلُوه لم فعل هذا؟ فسألوه، فقال: قولوا للخليفة: إنَّك أمرتَ بقطع يديَّ ورجليَّ، وفي نفسك أنَّك لا تكويها، وتدع دمي ينزف إلى أن أموت أو تضرب عنقي، فخشيتُ إذا خرجَ الدم من جسدي أن يصفرَّ وجهي، فيرى من حضرني أنِّي قد جزعتُ (١) من الموت، فغطَّيتُ وجهي بالدم لهذا، فقال المعتصم: لولا أنَّ أفعاله لا توجب الصنيعة (٢) له والعفو عنه، [لكان] حقيقًا بالاستبقاء (٣)، ثم ضرب عنقه، وجمع الجميع (٤) على بطنه، وصبَّ عليه النفط، وضرب بالنار، وفعل بأخيه مثل ذلك، فما منهما (٥) من صاح [ولا تألَّم]. وقال المصنف ﵀ (٦): قد وهم القاضي التنوخيُّ في ثلاثة مواضع: أحدها في قوله: إنَّ أخا بابك فعل به المعتصمُ كذلك بحضرته؛ لأنَّ أخا بابك قُتِلَ ببغداد على ما ذكرنا. والثاني أنَّه قال: أحرِقَا بالنفط، وليس كما قال؛ لأنَّ بابك صُلِب زمانًا، وصُلِب الأفشين إلى جانبه، [وغيره لما نذكر]. والثالث أنَّه ذكر هذه الحكاية في كتاب "الفرج بعد الشدَّة"، وليس فيها ما يدل على ذلك (٧). وكان ظهورُ بابك في سنة إحدى ومئتين بناحية أذربيجان، وتبعه خلقٌ عظيمٌ ممَّن هو على رأيه، فأقام عشرين سنةً يهزم جيوشَ المأمون والمعتصم، فيقال: إنه قتل مئة

стр. 6644

ألف (١) وخمسة وخمسين ألفًا وخمس مئة إنسان (٢)، ولمَّا أسره الأفشين وفتح مدينته، وجد فيها سبعة آلاف وست مئة امرأة مسلمات. ثُمَّ إنَّ المعتصم توَّج الأفشين بتاجٍ من ذهب، وألبسَه وشاحين بالجوهر، ووصلَه بعشرين ألف ألف درهم، وعقد له على السند، ومدحه الشعراء (٣)، فقال أبو تمام: [من الكامل] بذَّ الجِلادُ البذَّ فهو دفينُ … ما إن بها إلا الوحوشَ قطينُ لم يُقْرَ هذا السيفُ هذا الصبرَ في … هيجاء إلَّا عزَّ هذا الدينُ قد كان عُذْرَة سؤددٍ فافتضَّها … بالسيفِ فحل المشرقِ الأفشين من أبيات (٤) [قلت]: ثم إنَّ المعتصمَ سخط على الأفشين، وصلبه إلى جانب بابك؛ لما نذكر إن شاء الله. [وفيها توفيت] فاطمة النيسابوريَّةُ الزاهدة، جاورت بمكَّة مدَّةً، وكانت تتكلَّم في معاني القرآن، [حكى أبو عبد الرَّحمن السلمي عن ذي النون المصري قال:] (٥) فاطمةُ وليَّة لله تعالى، وهي أستاذتي، سمعتُها تقول: من لم يكن الله تعالى منه على بال، فإنَّه يتخطَّى (٦) في كل ميدان، وينطلقُ بكلِّ لسان، ومن كان الله منه على بال، أخرسه إلَّا عن الصدق، وألزمَه الحياء منه والإخلاص.

стр. 6645

وقال السلميُّ: كانت فاطمة النيسابوريَّة من قدماء نساء خراسان، أتى إليها ذو النون المصري وأبو يزيد البسطاميّ وسألها (١) عن مسائل (٢)، وكانت ترحلُ من مكَّة، فتزورُ البيت المقدس، ثمَّ ترجعُ إلى مكة. وقال أبو يزيد البسطامي: ما رأيت في عمري إلَّا رجلًا وامرأةً، والمرأةُ فاطمة النيسابوريَّة، ما سألتها عن مقامٍ من المقامات إلَّا وكان عندها منه علمٌ، كأنَّها تشاهدهُ عيانًا. وكانت وفاتُها في مكَّة في طريق العمرة. * * *

стр. 6646

السنة الرابعة والعشرون بعد المئتين [وفيها أظهرَ] (١) مازيار بن قارن الخلافَ بطبرستان، وخلعَ المعتصم، وحاربَ أهل تلك البلاد، وسببه أنَّ المازيار كان مباينًا لآل طاهر، وكان المعتصمُ يكتب إليه: احمل الخراج إلى عبد الله بن طاهر، فيقول: لا أحملُه إلَّا إلى أمير المؤمنين، فكان إذا حمل [المازياز إليه الخراج]، وبلغ همذان ردَّه المعتصمُ إلى عبد الله بن طاهر، وأقام على هذا مدَّةً. وكان الأفشين يَسمعُ من المعتصم أحيانًا كلامًا يدلُّ على أنَّه يريد عزلَ عبد الله بن طاهر عن خراسان، فلمَّا ظفر الأفشينُ ببابك، ونزل من المعتصم المنزلةَ التي لم يبلغها منه أحدٌ، [طمع] (٢) في ولاية خراسان، وبلغه منافرةُ المازيار لابن طاهر، فرجَا أن يكون ذلك سببًا لعزل ابن طاهر عن خراسان. وواتر ابنُ طاهر الكتبَ إلى المعتصم في المازيار حتى أغضبه، وتفاقم الأمر فخالف المازيار، وضبطَ جبال طبرستان. فكان ذلك مما يسرُّ الأفشين ويطمعُه في الولاية، وكتبَ المعتصم إلى ابن طاهر بمحاربة المازيار، وكتبَ الأفشين إلى المازيار يقوِّي قلبه ويشدُّ منه في محاربة ابن طاهر؛ طمعًا في أنَّ المازيار يقوى، فيبعثُ المعتصم الأفشينَ وغيره إليه. ولمَّا خالف المازيار دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه كرهًا، فأخذ منهم ما أراد حتى خراجَ سنةٍ في شهرين، واستولى على البلاد، وأخذ رهائن أهل آمُل وغيرها، وأخربَ

стр. 6647

أسوار آمُل والريّ وسارية وبلاد جرجان. وهرب الناس إلى نيسابور، فبعث عبد الله بن طاهر عمَّه الحسنَ بن الحسين بن مصعب في جيشٍ كثيفٍ إلى جُرجان، وبعثَ حيَّان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قُومِس، وجهَّز المعتصم الجيوش إلى المازيار، فبعث محمد بن إسحاق بن مصعب (١) في جمع كثيفٍ، وضمَّ إليه الحسن بن قارن الطبريّ ومن كان بالباب من الطبريّة، ووجَّه منصورَ بنَ الحسن هار صاحب دُنْباوند إلى الريّ ليدخل إلى طبرستان من ناحية الرقي، ووجَّه أبا الساج إلى اللارز، وأحدق الجيوشُ بالمازيار من كلِّ مكانٍ، فبعث إلى المدن والرهائن الذين أخذهم يقول: أدُّوا إليَّ خراج سنتين وأطلقكم، فأجابَ بعضهم، وامتنع البعض وقالوا: ما حبسنا المازيار وعندنا درهمٌ واحد، وقتل بعضهم واستبقى البعض. وكاتب حيَّان بن جبلة مولى عبد الله بن طاهر قارنًا (٢) من قواد المازيار، وسلَّم قارن إلى حيَّان مدينة سارية بجرجان فدخلها، وكان بها قوهيار أخو المازيار فهرب (٣)، وبعث إلى حيَّان ليأخذ له الأمان فأمَّنه، وجرت بين المازيار وابن طاهر حروبٌ كثيرةٌ، إلى أن قُتِل المازيار في سنة خمس وعشرين، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها تزوَّج الحسن بن الأفشين أترجَّة ابنة أشناس، ودخل بها في قصر المعتصم في جمادى الأولى، وحضر المعتصمُ عرسها، وكانوا يغلِّفون الناس بالغالية (٤) من تغارٍ (٥) من فضة (٦).

стр. 6648

وفيها خالفَ منكجور الأشروسنيّ قرابةُ الأفشين بأذرَبيجان، وسببه أنَّ الأفشين لمَّا فرغ من أمر بابك ولَّى منكجور أَذْرَبيجان والجبال، فأصاب في قرية بابك في بعض المنازل أموالًا عظيمةً، واحتجزها لنفسه، ولم يعلم بها الأفشين ولا المعتصم، وكان على البريد بأذْرَبيجان رجلٌ من الشيعة يقال له: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، فكتب إلى المعتصم بخبره، فكتب المعتصم إلى منكجور يحمل المال، فأنكر، وقابله عبد الله، فأراد منكجور قتله، فاستغاثَ بأهل أردبيل (١)، فمنعوه منه، فقاتلهم، فأمر المعتصمُ الأفشينَ بعزله، فبعثَ إليه قائدًا من قوَّاده في جيشٍ ضخمٍ، فلمَّا بلغ منكجور خلعَ الطاعة، وجمع إليه النَّاس، وخرجَ للقاء القائد، والتقوا، فهزمَه القائد، فصار إلى حصنٍ من حصون أذْرَبيجان، فأقامَ بها، فوثبَ به أصحابُه الذين كانوا معه، فقيَّدوه ودفعوه إلى القائد، فبعث به القائدُ إلى المعتصم فحبسه، واتُّهم الأفشين في أمره (٢). وحجَّ بالنَّاس محمدُ بن داود. [فصل] وفيها تُوفِّي إبراهيمُ بن المهدي ابن أبي جعفر المنصور، [وكنيته] أبو إسحاق، [واختلفوا في مولده، فقال ابن ماكولا:] ولد [في] سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة ستِّ وستين ومئة، وأمُّه أمّ ولدٍ يقال لها: شَكْلَة (٣)، كانت سوداء جدًّا فنزع إليها، وكان أسودَ حالكًا شديد السواد عظيم الجثة، [قال ابن ماكولا:] يلقب بالتنين لغلظه (٤). و [قال الخَطيب:] لم يكن في أولاد الخلفاء أفصح ولا أشعر منه (٥). وكان جوادًا حاذقًا بمحنعة الغناء، وفيه يقول دعبل: [من الكامل]

стр. 6649

إن كان إبراهيم مُضْطَلعًا بها … فلتصلُحَنْ من بعده لمُخَارقِ (١) وبويعَ بالخلافة سنة اثنتين ومئتين، فلمَّا قدم المأمون من خراسان استتر، فأقام في استتاره ستَّ سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام، وكان ينتقلُ في المواضع حتَّى ظفر به المأمون وعفا عنه، [وقد ذكرنا تفاصيل ذلك،] ولم يزل على الإكرام عند المأمون والمعتصم حتَّى تُوفِّي [في هذه السنة، والله أعلم. ذكر طرف من أخباره:] ولي [إبراهيم] إمرةَ الحجِّ [في] سنة أربعٍ وثمانين ومئة، و [قال الحافظ ابن عساكر:] ولَّاه أخوه هارون دمشق، وكان قد تنكَّر له، فرأى إبراهيم أباه المهديَّ في المنام، فشكا أخاه هارون إليه، فقال له أبوه: إنَّه قاضٍ عنك دَينَكَ وموليك دمشق، ورأى هارونُ أباه في تلك الليلة وهو يعاتبه فيه، فأصبح فقضَى دَينَه وولَّاه دمشق، فساس اليمانية والمضرية، وأحسنَ إلى الفريقين، فأحبَّوه (٢)، وأقام واليًا على دمشق سنتين، ثمَّ بلغه عنه أنَّه قد احتجبَ وأنَّه اصطبح، فعزله وهجره سنةً، ثمَّ رضي عنه (٣). وقال محمَّد بن القاسم بن مهرويه: قلَّ ما عند إبراهيم وهو خليفة، فاجتمع الغوغاء الأعرابُ على بابه، فخرج الحاجب [وصرَّح لهم أنَّه لا مال عنده،] (٤)، فقال بعضهم: إذا لم يكن عنده شيءٌ، فقل له: فليخرج فليغنِّ [لأهل هذا الجانب] (٥) ثلاثةَ أصوات، ولأهل ذلك الجانب ثلاثة أصوات، وقد رضينا، فقال دعبل: [من السريع] يَا معشرَ الأعرابِ لا تسخطُوا … خُذُوا عطاياكم ولا تقنطُوا فسوف يعطيكم حنينيةً … لا تدخل الكيسَ ولا تُرْبَطُ والمعبديَّات لقُوَّادكم … وما بهذا أحدٌ يُغْبَطُ فهكذا يَرزقُ أجنادَه … خليفةٌ مصحفه البَرْبَطُ (٦)

стр. 6650

وقال منصور بن المهدي: كان أخي إبراهيم إذا تنحنحَ طرِبَ من يسمعُه، فهذا غنَّى أصغت الوحوشُ ومدَّت أعناقَها إليه حتَّى تضعَ رؤوسها في حِجْره، فإذا سكتَ نفرت وهربت في البريَّة، وكان إذا غنَّى لم يبقَ أحدٌ إلَّا ذَهَل، ويتركُ ما في يده حتَّى يفرغ، [من الخدم والحاشية والخاصِّ والعام]. و [حكى محمَّد بن مهرويه عن إبراهيم]، قال إبراهيم: حججت مع هارون وهو خليفة، فدخلنا المدينة، فخرجت أدور في عَرَصاتها (١)، فعطشت، وإذا بجارية تستقي من بئرٍ، فقلت: اسقيني، فقالت: أنا مشغولةٌ عنك بضريبةٍ عليَّ لمولاي، [قال:] فنقرت بسوطي على قربوس سرجي وغنيت بشعر الأحوص (٢): [من الخفيف] كفناني إن متُّ في دِرْعِ أَروَى … وامْتَحا لي من بئرِ عروةَ مائي إنَّني والذي تحجُّ قريشٌ … بيتَه سالكينَ نَقْبَ كداءِ لَمُلِمٌّ بها وإن أُبْتُ منها … صادرًا كالذي وردت بداءِ ولها مَرْبَعٌ ببُرقَة خاخٍ … ومَصِيفٌ بالقصرِ قصرِ قُبَاءِ قَلَبَتْ لي ظهرَ المجنِّ فأضحت … قد أطالتْ مقالةَ الأعداءِ فرفعت الجاريةُ طرفها إليَّ وقالت: أتعرفُ بئر عروة؟ قلت: لا، قالت: هي والله هذه، ثم سقتني حتَّى رَويتُ وقالت: هل لك أن تعيدَه، قلت: نعم، فأعدتُه، فطربَتْ وقالت: والله لأحملنَّ لك قربَة ماءٍ إلى رحلِك، فحملَتْهَا معي، فلمَّا رأتِ الخدمَ والجيشَ فزعت (٣)، فقلت: لا بأسَ عليك، فكسوتُها وأعطيتُها دنانير، وأمسكتُها في الرحل، ثم صرتُ إلى هارون فحدَّثته حديثها، فأمر بابتياعِها، وأعتقَها ووصلَها. [وحدثنا غير واحدٍ عن شَهْدَة الكاتبة بنت أَحْمد بإسنادها إلى أَحْمد بن عليّ بن

стр. 6651

حرب قال:] (١) اختفى إبراهيمُ [بن المهدي] عند أخته عُليَّة بنت المهدي خوفًا من المأمون، فكانت تكرمُه غايةَ الكرامة، ووكَّلت به جاريةً قد أدَّبتها وأنفقت عليها الأموال، وكانت حاذقةً راويةً للشعر، [وكانت] قد طُلِبت منها بمئةٍ وخمسين أَلْف درهم فأبت، وكانت الجاريةُ تتولَّى خدمةَ إبراهيم وتقوم على رأسه، فهويَها، وكرهَ أن يطلبَها من أخته، فلمَّا اشتدَّ وجدُه بها أخذ عودًا وغنَّى بشعرٍ له فيها، وهي واقفةٌ على رأسه: [من مجزوء الرمل] يا غزالًا لي إليه … شافعٌ من مقلتيهِ والذي أجللتُ خدَّيـ … ـه فقبَّلتُ يديه بأبي وجهُك ما أكـ … ثر حُسَّادي عليهِ أنا ضيفٌ وجزاءُ الـ … ضَيف إحسانٌ إليهِ فَفَطِنَت الجارية لشعره، وكانت مولاتُها تسائلها كلَّ يومٍ عن حاله، فأخبرتهَا بالشعر فقالت: اذهبي فقد وهبتُك له، فعادت إليه، فلما رآها أعاد الصوت (٢)، فقبَّلت رأسه، فقال لها: كفِّي، فقال: [قد] وهبتني مولاتي لك، وأنا الرسول، فقال: أمَّا الآن فنعم (٣). [والبيت الأخير، وهو: أنا ضيفٌ … مكتوبٌ على قبر جدِّي ﵀ مع بيتين آخرين ضمْنهُما هذا البيت، وسنذكره في ترجمة جدِّي ﵀. قال الخَطيب: حدَّثنا الجوهريُّ، حَدَّثَنَا محمَّد بن العباس قال: أَنشدني عبيد الله بن أَحْمد المروروذي قال: أنشدني إبراهيم بن المهدي لنفسه هذه الأبيات:] (٤) [من البسيط] قد شابَ رأسي ورأسُ الحرص لم يشبِ … إنَّ الحريصَ على الدُّنيا لفي تعبِ قد ينبغي ليَ مع ما حُزْتُ من أدبٍ … أنْ لا أُخوِّضَ في أمرٍ يُنقِّصُ بي

стр. 6652

لو كان يَصْدُقني دهري (١) بفكرته … ما اشتدَّ غَمِّي على الدُّنيا ولا نَصَبي أسعى وأجهدُ فيما لست أدركه … والموتُ يقدحُ في زندي وفي عصبي بالله ربِّك كم بيتٍ مررتَ به … قد كان يَعْمر باللذاتِ والطربِ طارت عُقابُ المنايا في جوانبه … فصارَ من بعدها للويل والخَربِ فامسك عِنانكَ لا يجمح به طُلَعٌ … فلا وعيشك ما الأرزاقُ بالطلبِ قد يُرزقُ العبد لم تتعب رواحلُهُ … ويحرمُ الرزقَ من لم يؤتَ من طلبِ مع أنني واجدٌ في النَّاس واحدةً … الرزقُ والنَّوكُ مقرونان في سببِ وخَصْلَةٍ ليس فيها مَن ينازعُني … الرزق أروغُ شيءٍ عن ذوي الأدب يَا ثاقبَ الفهمِ كم أبصرت ذا حُمُقٍ … الرزقُ أغرى به من لازم الجَرَبِ (٢) [وقال الصوليّ:] وكان لإبراهيم ولدٌ اسمه [أَحْمد بن] إبراهيم (٣) فمات، فقال يرثيه: [من الطَّويل] نأى آخرَ الأيَّامِ عنكَ حبيبُ … فللعين سَحٌّ دائمٌ وغُرُوبُ دعته نَوًى لا يُرتجَى ثوبةٌ (٤) لها … فقلبُك مسلوبٌ وأنت كَئيبُ يؤوبُ إلى أوطانِهِ كلُّ غائبٍ … وأحمدُ في الغُيَّابِ ليس يَؤوبُ تبدَّل دارًا غيرَ داري وجِيرةً … سوايَ وأحداثُ الزمان تَنوبُ أقام بها مُستوطِنًا غيرَ أنَّه … على طُولِ أيَّام المُقَامِ غريبُ تولَّى وأَبقى بيننا طيبَ ذكره … كباقي ضياء الشّمس حين تَغيبُ وكان نصيبَ العيِن في كلِّ لحظةٍ (٥) … فأضحى وما للعينِ منه نَصيبُ وكان وقد زان الرجال بفعله … فإن قال قولًا قال وهو مصيبُ وكانت يدي ملأى به ثمّ أصبحت … بعدلِ إلهي وَهْيَ منه سليبُ

стр. 6653

جَمعتُ أطبّاءُ البلادِ فلم يُصِبْ … شفاءكَ منهم يا حبيبُ طبيبُ ولم يملك الآسونَ دفعًا لمهجةٍ … عليها لأشراك المَنونِ رقيبُ فما لي إلَّا الموتُ (١) بعدك راحةٌ … وليس لنا في العيشِ بعدك طِيبُ وإنّي وإن قُدِّمتَ قبلي لَعالِمٌ … بأنّي وإن أبطأتُ عنك قريبُ وإنَّ صباحًا نلتقي في مسائه … صباحٌ إلى قلبي الغداةَ حبيبُ (٢) [وكان موتُ ابنه في البصرة. وحكى الخَطيب عن خالد بن يزيد الكاتب قال: أضقتُ إضاقةً شديدةً حتَّى عَدِمتُ القوتَ، فلمَّا كان بعض الليالي إذا الباب يدقُّ، فخرجت فإذا رجلٌ راكبٌ على حمار، وعليه طيلسانٌ أسود، ومعه خادمٌ، فقال: أَنْتَ القائل [من المنسرح]: أقولُ للسُّقم عُدْ إلى بدني (٣) … حبًّا لشيءٍ يكون من سببك قلت: نعم، فقال: أحبُّ أن تنزل عنه، فقال: وهل ينزل الإنسان عن ولده؟! فتبسَّم وقال: يَا غلام، أعطِهِ ما معك، فدفعَ إليه صرَّةً مختومةً، فقلت: لا أقبل عطاءَ مَن لا أعرفه، قال: خذها، فأنا إبراهيمُ بن المهدي، فقبَّلتُ ركابه وأخذتُها (٤)، وإذا فيها ثلاث مئة دينار. وسنذكر خالد بن يزيد في سنة اثنتين وستين ومئتين.] وقال إبراهيم العتبيّ: تنازع إبراهيم بن المهديّ وابن بختيشوع الطبيب بين يدي أَحْمد بن أبي دؤاد في عقارٍ بالسَّواد، فاستطال عليه إبراهيمُ بالكلام، فقال له أَحْمد: يَا إبراهيم إذا نازعتَ أحدًا في مجلس الحكم فلا ترفعنَّ عليه صوتًا، ولا تشيرنَّ إليه بيدٍ، وليكن قَصدُك أَممًا، وطريقُك نهجًا، ووفِّ بمجلس الحكم حقَّه من التوقير والتعظيم؛ فإنّه أشبه بمذهب الحق، [ولا تعجل] (٥) فرب عجلةٍ أورثت رَيثًا، والله يعصمُك من

стр. 6654

الزلل، ويوفقُك في القول والعمل، ويتمُّ نعمتَه عليكَ كما أتمَّها على أبويك من قبل. فقال له إبراهيم: أيُّها القاضي، أصلحَك الله، أمرتَ بسَداد، وحَرَصْتَ على رشاد، ولستُ بعائدٍ إلى ما يَثلِمُ مروءتي عندك، ويسقطني من عينك، ويحوجُني إلى الاعتذار إليك، وقد وهبتُ لابن بختيشوع حقِّي من العقار، وليس ذلك يقومُ بأمر الجناية (١)، ولن يتلفَ مالٌ أفاد موعظةً، وأيقظ من سِنَةٍ، وحسبي الله ونعم الوكيل. قال أَحْمد بن يوسف الكاتب: كنت أنادمُ المأمون قبل وزارتي، وكان يحضر معنا إسحاقُ بن إبراهيم الموصلي واليزيديّ، فلما رضيَ المأمونُ عن إبراهيم بن المهدي نادمَه، ولم يكن ينادمُ غيره، فغنَّى إبراهيم ذات يوم عنده وهو يقول: [من البسيط] صونوا جيادكُمُ واجلُوا سلاحكُمُ … وشمِّروا إنَّها أيَّامُ من غَلَبا فغضب المأمون وقام، ولم يفطن إبراهيم، فلمَّا كان ساعة جلس المأمون في مجلس الخلافة وأحضر القوَّاد، فوقفوا على رأسه، واستدعى إبراهيمَ في ثياب المنادمة؛ ليفضحه بذلك، فلمَّا وقف بين يديه قال له: يَا إبراهيم، ما حملك على الخروج عليَّ، والخطبة لنفسك بالخلافة. فقال له إبراهيم بقلبٍ ثابتٍ وجَنانٍ قويِّ: لستُ أخلو من أن أكونَ عندك إمَّا عاقلًا وإمَّا جاهلًا، فإن كنتُ جاهلًا، فقد سقط اللوم عنِّي، وإن كنت عاقلًا، فيجب (٢) أن تعلمَ أنَّ أخاكَ محمدًا مع أمواله، وأموال أَبيه وأمِّه، وجواهره وذخائره، وعبيده وعسكره، وخيله ورَجِله، ومحبَّة بني هاشمٍ له، لم يثبت لك، وهو خليفةٌ وأنت أميرٌ من أمرائه، فكيف كنت أثبتُ لك وأنا في قومٍ أكثرُهم له في الشهر ثلاثون درهمًا؟! وقد غلبني على بغداد ابن أبي خالد العيار، وأصحابه يحبسون ويقطعون الطريق ويطلقون، وليس معي دينارٌ ولا درهمٌ، وليس لي حكمٌ ينفذ في بغداد، ومعظمُ أهلها ما كانوا معك (٣)، ووالله -وإلَّا بريتُ من نسبي من العباس- إن كنتُ دخلتُ في هذا الأمر إلَّا لأبقي الخلافة عليك وعلى أهل بيتك؛ لمَّا رأيتُ الفضلَ بن سهل قد حملهُ الرفض والبطرُ على أنْ أَخْرَجَ الخلافَةَ إلى غيرك من أعدائك،

стр. 6655

وكان يعمِّي عليك الأخبارَ، وشغبَ ببغداد أهلُ بيتك، فأردتُ ضبطَ هذا الأمر إلى أن تقدم، فأسلمها لك. فأسفر وجهُ المأمون، وقال: عليَّ بنافذ الخادم، فحضرَه، فقال: ورقةٌ دفعتها إليك بمروٍ قبل رحيليِ عنها، وأمرتُك بحفظها وقت أريدها، فمضى وعاد وهي معه بخطِّ المأمون يقول: لئن أظفرني الله بإبراهيم بن المهدي لأسالنَّه بحضرة الأولياء والخاصَّة من أهل بيتي وقوَّادي عن السبب الذي دَعاه إلى الخروج عليّ، فإنْ ذكر أنَّ هذا الأمر عليَّ وعلى أهل بيتي لما جرى في أمر علي بن موسى الرضا، لأخلينَّ سبيلَه ولأحسننَّ إليه، وإن ذكر غير ذلك ضربتُ عنقه. ثمَّ ناولَ إبراهيمَ الرقعةَ فقرأها، فقال له: يَا عم، عد إلى المجلس الذي خلفتك فيه، وقام المأمون، وعُدنا إلى مجلسنا، وإذا بالمأمون قد عَادَ بثياب المنادمة، فقال: ارجعوا إلى ما كنّا فيه (١). ذكر وفاته: قال الصوليّ: بويع بالخلافة ببغداد يوم الجمعة لخمسٍ خلون من المحرَّم سنة إحدى أو اثنتين ومئتين في داره المنسوبة [إليه] بسوق العطش، وسموه المبارك، وقيل: المرتضى (٢)، فكانت خلافته إلى أن استتر سنةً واحد عشر شهرًا، [وأقام مستترًا ستَّ سنين وأربعة أشهر وأيَّامًا،] وظفر به المأمون في سنة عشرين ومئتين، وبقيَ حيًّا إلى هذه السنة، فتوفي يوم الجمعة لسبعٍ خلونَ من رمضان بعلَّة العطش. [قال الصولي:] وكانَ يشربُ الماء ولا يَروى، فماتَ وهو عطشان، وله ثمان وخمسون سنة، وصلَّى عليه المعتصم، ثم قال لولده الواثق [هارون]: قف عند قبره حتَّى تواريه، فوقفَ ودلَّاه في قبره، فلمَّا فرغ منه سأل أهله وابنه هبة الله: هل أوصى بشيء؟ قالوا: نعم، أوصى أن يفرَّق مالٌ عظيم في أولاد الصَّحَابَة إلَّا أولاد عليِّ بن أبي طالب ﵁، [فإنَّه أوصى أن لا يفرَّق فيهم شيء،] قال: ولم؟ فقال بعض
следующие страницы →