← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

حرب قال:] (١) اختفى إبراهيمُ [بن المهدي] عند أخته عُليَّة بنت المهدي خوفًا من المأمون، فكانت تكرمُه غايةَ الكرامة، ووكَّلت به جاريةً قد أدَّبتها وأنفقت عليها الأموال، وكانت حاذقةً راويةً للشعر، [وكانت] قد طُلِبت منها بمئةٍ وخمسين أَلْف درهم فأبت، وكانت الجاريةُ تتولَّى خدمةَ إبراهيم وتقوم على رأسه، فهويَها، وكرهَ أن يطلبَها من أخته، فلمَّا اشتدَّ وجدُه بها أخذ عودًا وغنَّى بشعرٍ له فيها، وهي واقفةٌ على رأسه: [من مجزوء الرمل] يا غزالًا لي إليه … شافعٌ من مقلتيهِ والذي أجللتُ خدَّيـ … ـه فقبَّلتُ يديه بأبي وجهُك ما أكـ … ثر حُسَّادي عليهِ أنا ضيفٌ وجزاءُ الـ … ضَيف إحسانٌ إليهِ فَفَطِنَت الجارية لشعره، وكانت مولاتُها تسائلها كلَّ يومٍ عن حاله، فأخبرتهَا بالشعر فقالت: اذهبي فقد وهبتُك له، فعادت إليه، فلما رآها أعاد الصوت (٢)، فقبَّلت رأسه، فقال لها: كفِّي، فقال: [قد] وهبتني مولاتي لك، وأنا الرسول، فقال: أمَّا الآن فنعم (٣). [والبيت الأخير، وهو: أنا ضيفٌ … مكتوبٌ على قبر جدِّي ﵀ مع بيتين آخرين ضمْنهُما هذا البيت، وسنذكره في ترجمة جدِّي ﵀. قال الخَطيب: حدَّثنا الجوهريُّ، حَدَّثَنَا محمَّد بن العباس قال: أَنشدني عبيد الله بن أَحْمد المروروذي قال: أنشدني إبراهيم بن المهدي لنفسه هذه الأبيات:] (٤) [من البسيط] قد شابَ رأسي ورأسُ الحرص لم يشبِ … إنَّ الحريصَ على الدُّنيا لفي تعبِ قد ينبغي ليَ مع ما حُزْتُ من أدبٍ … أنْ لا أُخوِّضَ في أمرٍ يُنقِّصُ بي

стр. 6652

لو كان يَصْدُقني دهري (١) بفكرته … ما اشتدَّ غَمِّي على الدُّنيا ولا نَصَبي أسعى وأجهدُ فيما لست أدركه … والموتُ يقدحُ في زندي وفي عصبي بالله ربِّك كم بيتٍ مررتَ به … قد كان يَعْمر باللذاتِ والطربِ طارت عُقابُ المنايا في جوانبه … فصارَ من بعدها للويل والخَربِ فامسك عِنانكَ لا يجمح به طُلَعٌ … فلا وعيشك ما الأرزاقُ بالطلبِ قد يُرزقُ العبد لم تتعب رواحلُهُ … ويحرمُ الرزقَ من لم يؤتَ من طلبِ مع أنني واجدٌ في النَّاس واحدةً … الرزقُ والنَّوكُ مقرونان في سببِ وخَصْلَةٍ ليس فيها مَن ينازعُني … الرزق أروغُ شيءٍ عن ذوي الأدب يَا ثاقبَ الفهمِ كم أبصرت ذا حُمُقٍ … الرزقُ أغرى به من لازم الجَرَبِ (٢) [وقال الصوليّ:] وكان لإبراهيم ولدٌ اسمه [أَحْمد بن] إبراهيم (٣) فمات، فقال يرثيه: [من الطَّويل] نأى آخرَ الأيَّامِ عنكَ حبيبُ … فللعين سَحٌّ دائمٌ وغُرُوبُ دعته نَوًى لا يُرتجَى ثوبةٌ (٤) لها … فقلبُك مسلوبٌ وأنت كَئيبُ يؤوبُ إلى أوطانِهِ كلُّ غائبٍ … وأحمدُ في الغُيَّابِ ليس يَؤوبُ تبدَّل دارًا غيرَ داري وجِيرةً … سوايَ وأحداثُ الزمان تَنوبُ أقام بها مُستوطِنًا غيرَ أنَّه … على طُولِ أيَّام المُقَامِ غريبُ تولَّى وأَبقى بيننا طيبَ ذكره … كباقي ضياء الشّمس حين تَغيبُ وكان نصيبَ العيِن في كلِّ لحظةٍ (٥) … فأضحى وما للعينِ منه نَصيبُ وكان وقد زان الرجال بفعله … فإن قال قولًا قال وهو مصيبُ وكانت يدي ملأى به ثمّ أصبحت … بعدلِ إلهي وَهْيَ منه سليبُ

стр. 6653

جَمعتُ أطبّاءُ البلادِ فلم يُصِبْ … شفاءكَ منهم يا حبيبُ طبيبُ ولم يملك الآسونَ دفعًا لمهجةٍ … عليها لأشراك المَنونِ رقيبُ فما لي إلَّا الموتُ (١) بعدك راحةٌ … وليس لنا في العيشِ بعدك طِيبُ وإنّي وإن قُدِّمتَ قبلي لَعالِمٌ … بأنّي وإن أبطأتُ عنك قريبُ وإنَّ صباحًا نلتقي في مسائه … صباحٌ إلى قلبي الغداةَ حبيبُ (٢) [وكان موتُ ابنه في البصرة. وحكى الخَطيب عن خالد بن يزيد الكاتب قال: أضقتُ إضاقةً شديدةً حتَّى عَدِمتُ القوتَ، فلمَّا كان بعض الليالي إذا الباب يدقُّ، فخرجت فإذا رجلٌ راكبٌ على حمار، وعليه طيلسانٌ أسود، ومعه خادمٌ، فقال: أَنْتَ القائل [من المنسرح]: أقولُ للسُّقم عُدْ إلى بدني (٣) … حبًّا لشيءٍ يكون من سببك قلت: نعم، فقال: أحبُّ أن تنزل عنه، فقال: وهل ينزل الإنسان عن ولده؟! فتبسَّم وقال: يَا غلام، أعطِهِ ما معك، فدفعَ إليه صرَّةً مختومةً، فقلت: لا أقبل عطاءَ مَن لا أعرفه، قال: خذها، فأنا إبراهيمُ بن المهدي، فقبَّلتُ ركابه وأخذتُها (٤)، وإذا فيها ثلاث مئة دينار. وسنذكر خالد بن يزيد في سنة اثنتين وستين ومئتين.] وقال إبراهيم العتبيّ: تنازع إبراهيم بن المهديّ وابن بختيشوع الطبيب بين يدي أَحْمد بن أبي دؤاد في عقارٍ بالسَّواد، فاستطال عليه إبراهيمُ بالكلام، فقال له أَحْمد: يَا إبراهيم إذا نازعتَ أحدًا في مجلس الحكم فلا ترفعنَّ عليه صوتًا، ولا تشيرنَّ إليه بيدٍ، وليكن قَصدُك أَممًا، وطريقُك نهجًا، ووفِّ بمجلس الحكم حقَّه من التوقير والتعظيم؛ فإنّه أشبه بمذهب الحق، [ولا تعجل] (٥) فرب عجلةٍ أورثت رَيثًا، والله يعصمُك من

стр. 6654

الزلل، ويوفقُك في القول والعمل، ويتمُّ نعمتَه عليكَ كما أتمَّها على أبويك من قبل. فقال له إبراهيم: أيُّها القاضي، أصلحَك الله، أمرتَ بسَداد، وحَرَصْتَ على رشاد، ولستُ بعائدٍ إلى ما يَثلِمُ مروءتي عندك، ويسقطني من عينك، ويحوجُني إلى الاعتذار إليك، وقد وهبتُ لابن بختيشوع حقِّي من العقار، وليس ذلك يقومُ بأمر الجناية (١)، ولن يتلفَ مالٌ أفاد موعظةً، وأيقظ من سِنَةٍ، وحسبي الله ونعم الوكيل. قال أَحْمد بن يوسف الكاتب: كنت أنادمُ المأمون قبل وزارتي، وكان يحضر معنا إسحاقُ بن إبراهيم الموصلي واليزيديّ، فلما رضيَ المأمونُ عن إبراهيم بن المهدي نادمَه، ولم يكن ينادمُ غيره، فغنَّى إبراهيم ذات يوم عنده وهو يقول: [من البسيط] صونوا جيادكُمُ واجلُوا سلاحكُمُ … وشمِّروا إنَّها أيَّامُ من غَلَبا فغضب المأمون وقام، ولم يفطن إبراهيم، فلمَّا كان ساعة جلس المأمون في مجلس الخلافة وأحضر القوَّاد، فوقفوا على رأسه، واستدعى إبراهيمَ في ثياب المنادمة؛ ليفضحه بذلك، فلمَّا وقف بين يديه قال له: يَا إبراهيم، ما حملك على الخروج عليَّ، والخطبة لنفسك بالخلافة. فقال له إبراهيم بقلبٍ ثابتٍ وجَنانٍ قويِّ: لستُ أخلو من أن أكونَ عندك إمَّا عاقلًا وإمَّا جاهلًا، فإن كنتُ جاهلًا، فقد سقط اللوم عنِّي، وإن كنت عاقلًا، فيجب (٢) أن تعلمَ أنَّ أخاكَ محمدًا مع أمواله، وأموال أَبيه وأمِّه، وجواهره وذخائره، وعبيده وعسكره، وخيله ورَجِله، ومحبَّة بني هاشمٍ له، لم يثبت لك، وهو خليفةٌ وأنت أميرٌ من أمرائه، فكيف كنت أثبتُ لك وأنا في قومٍ أكثرُهم له في الشهر ثلاثون درهمًا؟! وقد غلبني على بغداد ابن أبي خالد العيار، وأصحابه يحبسون ويقطعون الطريق ويطلقون، وليس معي دينارٌ ولا درهمٌ، وليس لي حكمٌ ينفذ في بغداد، ومعظمُ أهلها ما كانوا معك (٣)، ووالله -وإلَّا بريتُ من نسبي من العباس- إن كنتُ دخلتُ في هذا الأمر إلَّا لأبقي الخلافة عليك وعلى أهل بيتك؛ لمَّا رأيتُ الفضلَ بن سهل قد حملهُ الرفض والبطرُ على أنْ أَخْرَجَ الخلافَةَ إلى غيرك من أعدائك،

стр. 6655

وكان يعمِّي عليك الأخبارَ، وشغبَ ببغداد أهلُ بيتك، فأردتُ ضبطَ هذا الأمر إلى أن تقدم، فأسلمها لك. فأسفر وجهُ المأمون، وقال: عليَّ بنافذ الخادم، فحضرَه، فقال: ورقةٌ دفعتها إليك بمروٍ قبل رحيليِ عنها، وأمرتُك بحفظها وقت أريدها، فمضى وعاد وهي معه بخطِّ المأمون يقول: لئن أظفرني الله بإبراهيم بن المهدي لأسالنَّه بحضرة الأولياء والخاصَّة من أهل بيتي وقوَّادي عن السبب الذي دَعاه إلى الخروج عليّ، فإنْ ذكر أنَّ هذا الأمر عليَّ وعلى أهل بيتي لما جرى في أمر علي بن موسى الرضا، لأخلينَّ سبيلَه ولأحسننَّ إليه، وإن ذكر غير ذلك ضربتُ عنقه. ثمَّ ناولَ إبراهيمَ الرقعةَ فقرأها، فقال له: يَا عم، عد إلى المجلس الذي خلفتك فيه، وقام المأمون، وعُدنا إلى مجلسنا، وإذا بالمأمون قد عَادَ بثياب المنادمة، فقال: ارجعوا إلى ما كنّا فيه (١). ذكر وفاته: قال الصوليّ: بويع بالخلافة ببغداد يوم الجمعة لخمسٍ خلون من المحرَّم سنة إحدى أو اثنتين ومئتين في داره المنسوبة [إليه] بسوق العطش، وسموه المبارك، وقيل: المرتضى (٢)، فكانت خلافته إلى أن استتر سنةً واحد عشر شهرًا، [وأقام مستترًا ستَّ سنين وأربعة أشهر وأيَّامًا،] وظفر به المأمون في سنة عشرين ومئتين، وبقيَ حيًّا إلى هذه السنة، فتوفي يوم الجمعة لسبعٍ خلونَ من رمضان بعلَّة العطش. [قال الصولي:] وكانَ يشربُ الماء ولا يَروى، فماتَ وهو عطشان، وله ثمان وخمسون سنة، وصلَّى عليه المعتصم، ثم قال لولده الواثق [هارون]: قف عند قبره حتَّى تواريه، فوقفَ ودلَّاه في قبره، فلمَّا فرغ منه سأل أهله وابنه هبة الله: هل أوصى بشيء؟ قالوا: نعم، أوصى أن يفرَّق مالٌ عظيم في أولاد الصَّحَابَة إلَّا أولاد عليِّ بن أبي طالب ﵁، [فإنَّه أوصى أن لا يفرَّق فيهم شيء،] قال: ولم؟ فقال بعض

стр. 6656

الحاضرين: كان يبغضُ عليًّا، فغضبَ الواثق فقال: [لعنه الله، والله لقد دلَّيتُه في قبره كافرًا، فلا ﵀] ويحه! ينحرف عن شرفه وخير أهله، [والله لولا أميرُ المُؤْمنين ما وقفت على قبره]، ثمَّ أمر ففرّقَ من المال في أولاد عليٍّ رضوان الله عليه أضعاف [أضعاف] ما فُرِّق [في غيرهم (١)، وقد استوفى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب "الأغاني" أخبار إبراهيم بن المهدي وما كان يغني به من الأصوات]. قلت: يحتمل أنَّ إبراهيم أوصى بذلك من زكاةٍ وجبت عليه، واستثنى بأولاد عليٍّ رضوان الله عليه، فإنَّه يحرم عليهم ذلك (٢). [وفيها تُوفِّي] سليمانُ بن حَرْب [ابن بجيل]، أبو أَيُّوب الأَزدِيّ الواشحيّ البصريّ، ولد في صفر سنة أربعين ومئة، وكان إمامًا فاضلًا. [ذكر الخَطيب عن يحيى بن أكثم قال:] (٣) لمَّا عدتُ من البصرة إلى بغداد، قال لي المأمون: مَنْ تركتَ بالبصرة من مشايخهم، قلت: سليمان بن حرب، حافظ الحديث، ثِقَة عاقل في نهاية السِّتر والصيانة. [قال:] فأمر بحمله إليه، فكتبتُ إليه، فقدم فاتفق أنَّه كانَ في مجلس المأمون أحمدُ ابن أبي دؤاد وثُمامةُ وأشباههما، فكرهتُ أن يدخُل مثلُه في حضرتهم (٤)، فلمَّا دخل سلم على المأمون فردَّ عليه¬ السَّلام] ورفع مجلسه. قال ابن أبي دؤاد: يَا أميرَ المُؤْمنين، نسألُ الشيخ عن مسألةٍ، فنظر المأمون إلى

стр. 6657

سليمان نَظَرَ تخييرٍ (١) له، فقال سليمان: حدَّثنا حمادُ بن زيد، قال: قال رجلٌ لابن شُبْرُمة: إنِّي أريدُ أن أسألك مسألةً، فقال له: إن كانت مسألتك لا تُضحِك الجليس ولا تُزري بالمسؤول فسل، وإلَّا فلا. قال يحيى: فهابَه القوم، فما نطق أحدٌ منهم بكلمة. [وحكى الخَطيب عن أبي حاتم الرَّازيّ قال:] (٢) حضرتُ مجلسَ سليمان بن حرب ببغداد، فَحُزِرَ الجمعُ، فكانوا أربعين ألفًا، وكان مجلسه عند قصر المأمون، والمأمون جالسٌ فوق القصر، وبينه وبين النَّاس سترٌ رقيق، وهو خلفه يكتب ما يملي سليمان، وسليمانُ على منبر، وبابُ القصر مفتوح (٣). وجاءه (٤) رجلٌ فقال: قد ماتَ مولاك فلان، وخَلَّفَ عشرين أَلْف درهم، فقال: فلانٌ -لقريبٍ له- أقربُ إليه منِّي. ولم يأخذ منه درهمًا، وهو محتاجٌ إلى درهم. وقال [الخطيب: قال أبو حاتم:] كان سليمان يُحدِّث بالمعنى (٥) ولا يدلِّس، وظهرَ من حديثه نحو من عشرة آلاف حديث، وما رأيت في يده كتابًا قطّ، وكان فقيهًا (٦). وولي قضاء مكَّة فخرج إليها في سنة أربع عشرة ومئتين، فأقام إلى سنة تسع عشرة [ومئتين]، ثمَّ عُزِلَ عنها، فرجع إلى البصرة، فمات بها في ربيع الآخر [سنة أربعٍ وعشرين ومئتين]. سمع خلقًا كثيرًا منهم شعبة، [وجرير بن حازم، والحمادان،] (٧) وروى عنه الإِمام

стр. 6658

أَحْمد، والبخاريُّ، [ويحيى بن سعيد القطَّان، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزُّبير شيخ البُخَارِيّ، وهو الحميديّ،] وأبو زرعة، [وأبو حاتم الرَّازيّ، ومحمَّد بن سعد كاتب الواقدي، وإبراهيم الحربيّ] وغيرهم. واتَّفقوا على صدقه وورعه [وثقته] (١). [وفيها تُوفِّي] أبو عبيد القاسم بن سلَّام كان أبوه عبدًا روميًّا لرجلٍ من أهل هَرَاة من الأزد. ولد أبو عبيد بهراة، [وذكره الخَطيب فقال:] (٢) القاسم بن سلَّام التركيّ، صاحب الكتب المصنَّفة، منها: "غريب الحديث"، و"الغريب المصنف"، و"كتاب الأموال"، و"الأمثال"، و"المجاز" (٣)، و"القراءات"، و"الناسخ والمنسوخ"، وكان مؤدِّبًا لآل هَرْثمة، صاحب فقهٍ وعربيَّة، وليَ القضاء بطَرَسوس أيَّام ثابت بن نصر بن مالك، ولم يزل معه ومع ولده، وقدمَ بغداد يصنِّف الكتب، وصحب عبدَ الله بن طاهر، وكان [عبد الله] يحبُّه ويثني عليه (٤). وقال عبد الله بن جعفر، ابنُ دُرُسْتُويه النَّحويّ: كان أبو عبيد ذا فضلٍ ودينٍ ومذهبٍ حسن، وكان إذا ألَّف كتابًا بعثَ به إلى عبد الله بن طاهر، فيحمل إليه مالًا جليلًا استحسانًا لذلك (٥). وقال أَحْمد بن يوسف: سمعت كتاب "غريب الحديث" من أبي عبيد ورويتُه عنه،

стр. 6659

ولمَّا عمله عرضه على (١) عبد الله بن طاهر، فاستحسنَهُ وقال: إنَّ عقلًا بعث (٢) صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيقٌ أن لا يُحوَجَ (٣) إلى طلب المعاش، فأجرى له عشرةَ آلاف درهم في كلِّ شهر (٤). وأوَّل من سمع هذا الكتاب منه يحيى بنُ معين وابنُ المدينيّ. وكان الأصمعيّ يقول: لن يضيعَ النَّاس ما بقي أبو عبيد (٥). وكان إبراهيم الحربيّ يقول: ما شبَّهت أَبا عبيدٍ إلَّا بجبلٍ نُفِخَ فيه روح (٦). وقال الفسطاطيّ: وجَّه أبو دلف العجليُّ يستهدي أَبا عبيد مدَّة شهرين من ابن طاهر، فبعثَ إليه به، فأقامَ عنده شهرين، فلمَّا أراد الانصرافَ وصلَه بثلاثين أَلْف درهم، فلم يقبلها وقال: أنا في ظلِّ رجلٍ ما يحوجني إلى صلة أحد، وبلغ ابنَ طاهر، فلمَّا عاد إليه وصلَه بثلاثين أَلْف دينار، فقال: أيُّها الأمير قد قبلتُها، ولكن قد أغنيتني بمعروفِك وبرِّك عنها، فقال: لا بدَّ من قبولها، فقال: قد قبلتُها وجعلتُها في سبيل الله، فاشترِ بها سلاحًا وخيلًا وابعث بها إلى الثغور؛ ليكونَ الثواب متوفِّرًا للأمير، فاستحسنَ ابنُ طاهر فعلَهُ، واشترى بها ما قال (٧). وكان عبد الله بن طاهر ببغداد يطمعُ أن يأتيَه القاسم، يجيءُ إلى منزله فيسمع منه، فلم يفعل، [حتى كان هذا يأتيه] (٨)، فقدمَ ابن المدينيّ وعبَّاس (٩) العنبريّ، فأرادا أن

стр. 6660

يسمعَا منه الغريب، وكان أبو عبيد يحملُ "غريب الحديث" كلَّ يومٍ إليهما في منزلهما فيحدِّثهما به (١). [وكان أبو عبيد قد صحبَ طاهرَ بن الحسين. قال: وقال أبو عبيد: أقمتُ في تصنيف "غريب الحديث" أربعين سنة. قال الخَطيب:] ولما وقفَ الإمامُ أَحْمد بن حنبل رحمة الله عليه قال: جزاه الله خيرًا. وقال عبد الله بن أَحْمد بن حنبل: أولُ من كتب "غريب الحديث" أبي وسمعه (٢) منه. [قال: وقال أبو عبيد: كنت أسمعُ الفائدةَ من أفواه الرجال، فأضعُها مواضعَها منه، وأَبيتُ الليلَ ساهرًا؛ فرحًا مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني فيقيمُ عندي أربعةَ أشهرٍ أو خمسة، فيقول: قد أقمتُ الكثير (٣). وقال الخَطيب:] قال أبو عبيد: الألفاظ الشريفة والمعاني اللطيفة مثلَ القلائد اللائحة في الترائب الواضحة (٤). [قال: وكان عبد الله بن طاهر يقول: النَّاسُ أربعة؛ ابن عباس في زمانه، والشعبيُّ في زمانه، والقاسمُ بن معن، وأبو عبيد في زمانه (٥). قال]: وقال هلال بن العلاء الرقيّ: منَّ الله على هذه الأمَّة بأربعة؛ بالشافعيِّ؛ فَقِهَ أخبار رسول الله ﷺ ، وبابن معين؛ نَفَى الكذبَ عن رسول الله ﷺ ، وبأحمدَ بن حنبل؛ ثبتَ في دين الله، وبأبي عبيد؛ فَسَّر أحاديثَ رسول الله ﷺ (٦). [قال: وقال إبراهيم الحربيّ: وَلي أبو عبيد القضاءَ بطَرَسوس في سنة ثمان عشرة

стр. 6661

ومئتين في ولاية ثابت بن نصر الخُزَاعِيّ، كان يؤدِّبُ ولده.] (١) وقال الخطيب: كان أبو عبيد يَقسِم الليل ثلاث أثلاث؛ يصلِّي ثُلثَه، وينام ثُلثَه ويصنِّف الكتبَ في ثلثه (٢). وقال: ما أتيتُ عالمًا قطُّ فاستأذنت عليه، إنَّما كنت أقعدُ على بابه حتَّى يخرج، كنت أتأوَّل قولَه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيهِمْ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]. [قال: وقال أبو عبيد: وقد رأيتُ القَلوطَ وهو نهرٌ قذرٌ إلَّا أنَّه جاري (٣). قلت: قَلوط هو النهرُ الخارج من دمشق من ناحية القبلة بالأوساخ والأقذار، فلا يجوزُ الوضوءُ به، وإن كان جاريًا، ونجاستُه لتغيُّر أوصافه، فأما إذا بَعُد وامتدَّ فقد أفتى بعضُ الفقهاء بجواز الوضوء منه، والاعتماد على الظنِّ بطهارته، مع زوال الأوصاف المانعة، وكون الطباع السليمة لا تستقذره ولا تستحسنه، وغيرُه خيرٌ منه. وقال ابن المنادي: كان أبو عبيد يَنزلُ بغداد في درب الريحان، وخرج إلى مكَّة في سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (٤). وكتاب "الأموال" من أحسن ما صُنِّفَ في الفقه.] ذكر وفاته: [واختلفوا فيها، فقال الخَطيب:] خرجَ إلى مكَّة سنةَ تسع عشرة ومئتين (٥)، [وكذا قال البُخَارِيّ] (٦) وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين [ومئتين] (٧).

стр. 6662

أسند عن خلقٍ كثيرٍ؛ منهم هشام بن عمار، [وهشيم بن بشير]، وحفص بن غياث، وابن عيينة، [وأبو معاوية الضَّرير، وابنُ مهدي، ويحيى بنُ سعيد القطَّان، ووَكيع، وابن عُلَيَّة، وأبو بكر وإسماعيل ابنا عياش، ويزيد بن هارون، وشريك القاضي] وغيرهم. [وكان قد رحل إلى الآفاق، ولقي الأئمّة البصريين والكوفيين، فروى عن أبي زيد، وأبي عبيدة معمر، والأصمعيّ، واليزيديّ، وأبي عمرو الشيبانيّ، والكسائيّ، والفرَّاء، وابن الأعرابيّ، وأبي زياد الكلابيّ، والأمويّ، وغيرهم. ورَوى عنه الأئمة: سعيدُ بن الحكم بن أبي مريم، وهو من شيوخه، وأحمدُ بن حنبل، ومن سمَّينا وغيرهم (١). وليس في الرجال من اسمُه القاسم بن سلَّام غير اثنين، أحدهما هذا، والثاني القاسمُ بن سلَّام بن مسكين البصريّ، وكنيته أبو محمَّد، حدَّث عن أَبيه (٢).] (٣) واتفقوا على صدقِه وورعه وثقته. وسئل ابنُ معين عنه فقال: مثلي يُسأل عن أبي عبيد؟! [أبو عبيد] (٤) يُسأل عن النَّاس. وقال الإِمام أحمدُ ﵀: أبو عبيد عندنا أستاذٌ، ويزداد كل يومٍ خيرًا (٥). [وفيها تُوفِّي محمَّد بن عثمان ابن أبي الجُمَاهِر (٦)، أبو عبد الرَّحْمَن التنوخي الدِّمشقيّ من أهل كفرسوسة (٧) قرية

стр. 6663

غربي دمشق. ولد سنة إحدى وأربعين ومئة. قال الحافظ ابن عساكر: تُوفِّي في هذه السنة (١). أسندَ عن إسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، والدراورديّ، وغيرهم. وروى عنه أَحْمد بن أبي الحَواري، وأبو زُرعة وأبو حاتم الرازيّان، وأبو زُرعة الدِّمشقيّ، وأبو داود في "سننه"، وخلقٌ كثير. واتَّفقوا على صدقة وثقته وصلاحه.] (٢) * * *

стр. 6664

السنة الخامسة والعشرون بعد المئتين فيها استوزرَ المعتصمُ محمَّد بن عبد الملك الزَّيات، وخَلَعَ عليه خِلَعَ الوزارة، ورفعَ منزلته (١). وفيها أُسِرَ المازيار وقتل بسامرّاء. وفيها حَبَسَ المعتصمُ الأفشين، ونقم عليه، وسببُه عداوةُ ابن طاهر وابن أبي دؤاد للأفشين، فأوقعَا في قلب المعتصم أنَّه يريدُ قتلَه وزوال الخلافة عنه. [فحكى الصوليّ أن أحمدَ بن أبي دؤاد نقل] إلى (٢) المعتصم أنَّ الأفشين كان يكاتب المازيار، فقال له [المعتصم:] ومن أين أعلمُ حقيقةَ ذلك؟ قال: تبعث إلى كاتِبه فتهدّده وتواعده بالقتل، فأرسلَ إلى كاتبه ليلًا، فسألَه، فأنكر، فتوعَّده فأقرَّ، وقال: كتبتُ كتابًا إليه بخطّي؛ إنَّه لم يبق في العصر غير بابك وأنت وأنا، وقد مَضى بابك، وجيوشُ المعتصم عند ابن طاهر، فلم يبقَ عنده غيري، فإنْ هزمتَ ابنَ طاهر كفيتُك أنا المعتصم، ويخلصُ لنا الدين الأبيض -يعني المجوسيَّة لأنَّه كان يُتَّهمُ بها- فقال المعتصم للكاتب: إنْ ظهر أنَّكَ اجتمعتَ بي قتلتُك. ووهبَ له مالًا. قال أَحْمد بن أبي دؤاد: فدخلتُ على المعتصم وهو يبكي ويقلق، فقلتُ: لا أبكى الله عينيك، ما الذي بك؟ فقال: يَا أَبا عبد الله، رجلٌ أنفقتُ عليه ألفَ أَلْف دينار، ووهبت له مثلها، يريدُ قتلي، قد تصدَّقتُ لله تعالى بعشرة آلاف درهم، فخذها ففرِّقها. وكانت الكرخُ قد احترقت، فقلت: أرى أن يُفرَّقَ نصفُ هذا المال في أهل الكرخ، ونصفُها في أهل الحرمين (٣)، فقال: افعل (٤). ولمَّا كان الأفشينُ يحارب بابك كان لا يأتيه هديَّةٌ ولا مالٌ من أهل إرمينية إلَّا بعث بها إلى مدينته أشروسنة، ويجتازُ بعبد الله بن طاهر، فيخبرُ المعتصمَ بها، فكتب إليه

стр. 6665

المعتصم أن يكاتبه بذلك، وبلغَ الأفشين، وكان يشدُّ الهمايين فيها الدنانير في أوساطِ أصحابه بقدر ما يحملُ الرَّجل، ويبعثُ بهم إلى أشروسنة، وعلم ابن طاهر فاجتاز يومًا جماعةٌ من أصحاب الأفشين، ففتَّشهم ابنُ طاهر، فوجدَ معهم الأموال، فقال: من أين لكم هذه الأموال؟ فقالوا: هذه للأفشين، فقال: كذبتم، لو أَرادَ أخي الأفشين أن يُرسِل بهذه الأموال لكتب إليَّ يخبرُني بها؟ لآمر ببذْرَقتها (١) إلى أشروسنة، وإنَّما أنتم لصوص، وأخذَ منهم المال، ففرَّقه في جنده، وكتبَ إلى الأفشين يذكرُ له ما قال القوم، ويقول: إنْ كان هذا المال ليس لك فقد أعطيتُه لجند أمير المُؤْمنين، وإن كان لك فأمير المُؤْمنين يعوِّضُك، فكتب إليه الأفشين: الأموال كلُّها لأمير المُؤْمنين، أطلق القومَ يمضوا في سبيلهم. واستوحش كلُّ واحدٍ منهما من صاحبه، وبلغ ابنَ طاهر أنَّ الأفشين يطمعُ في ولاية خراسان، فازدادت الوحشة، ووقع ابن طاهر بكتبِ الأفشين إلى المازيار، فبعثَ بها إلى المعتصم، وكان من عصيان منكجور بأذربيجان ما كان، فحقَّق المعتصم الأمر، وتيقَّن الأفشين ذلك، فعزم على الهرب إلى الزاب على أطواف (٢)، ويمضي من هناك إلى إرمينية وإلى الخزر، ثم إلى أشروسنة، فتعسَّر عليه، فهيَّأ طعامًا كثيرًا، وجعل فيه سمًّا، وعزم على أن يدعو المعتصمَ وقوَّاده، ويسمَّهم، فإن لم يجبه المعتصمُ دعا الأتراك مثل إيتاخ وأشناس وغيرهما فسمَّهم، وخرجَ أوَّل الليل بالأطواف على الدوابّ إلى الزاب، فيعبر عليها إلى إرمينية، وكانت ولايتها إليه، فإذا وصل إليها صارَ إلى بلاد الخزر، ثمَّ يدور منها إلى بلاد الترك، ويرجع من بلاد الترك إلى أشروسنة، ويحمل الخزر والتركَ على أهل الإسلام يشغلهم عنه. وطال به الأمرُ، ولم يتهيَّأ له ذلك، وكان بعضُ خواصِّه قد اطَّلع على أمره، فجاء

стр. 6666

الجوسق (١)، وبنى له حبسًا مرتفعًا (٢) وسماه لؤلؤة، وكتبَ المعتصمُ إلى عبد الله بن طاهر بأنْ يحتال (٣) على الحسن بن الأفشين وزوجته أُتْرُجَّة بنت أشناس في يومٍ عيَّنه له، وكان الحسنُ قد كثرت شكاويه من نوح بن أسد وأنَّه يتحاملُ على ناحيته وضياعِه، فكتبَ إليه ابنُ طاهر بولاية نوح، وكتبَ إلى نوح يأمُره إذا وصل إليه الحسن بقبضه وشدِّه وإيثاقه، فسارَ الحسنُ، ولا يشكّ أنَّه والي الناحية، فخرج إليه نوح، فأخذه وشدَّه وثاقًا، وبعث به إلى ابنِ طاهر، فبعثَ به ابنُ طاهر إلى المعتصم. ذكرُ مناظرة أَحْمد بن أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمَّد بن عبد الملك الزَّيات وابن أبي دؤاد هو القاضي، وإسحاق صاحبُ الشرطة، وابنُ الزيَّات الوزير، فأتي بالأفشين وبالمازيار صاحب طبرستان، وموبذ موبذان، وهو أحد ملوك السُّغد، والمرزبان، وأحضروا رجلين، فكشفوا الثياب عن ظهورهما، فإذا هي عاريةٌ من اللحم، فقال له ابن الزَّيات: يَا حيدر (٤)، هل تعرف هذين؟ قال: نعم، هذا مؤذنٌ، وهذا إمامٌ، بنيا مسجدًا بأشروسنة، فضربتُ كلَّ واحدٍ منهما ألفَ سوط، قال: ولم؟ قال: بيني وبين ملوك السُّغد عهدٌ أن أترك كلَّ قومٍ على دينهم، فوثبَ هذان على بيتٍ كانت فيه أصنامهم -يعني أهل أشروسنة- فأخرجَا الأصنام واتَّخذاه مسجدًا، فضربتُهما على تعدِّيهما. فقال له ابن الزَّيات: فما عندك كتابٌ قد زينته بالجواهر والذهب وجعلته في الديباج، فيه الكفر بالله تعالى؟ فقال: كتابٌ ورثتُه عن أبي، فيه آدابٌ وحكمٌ من آداب الأكاسرة، فأنا آخذُ منه الأدب، وأدفعُ ما سواه؛ ما ذكرت أنَّه كفر، مثلُ كتاب "كليلة

стр. 6667

ودمنة"، وما ظننتُ أن هذا يخرجني من الإِسلام. فقال ابن الزيَّات للموبذ: ما تقول؟ فقال: إنَّ هذا كان يأكلُ المخنوقة ويحملني على [أكلها، ويزعمُ أنَّ لحمها [أرطب] (١) لحمًا من المذبوحة، وقال لي: إنِّي قد دخلتُ لهؤلاء القوم في كلِّ ما أكره، حتَّى أكلتُ الزيت، وركبتُ الجمل، ولبست النعل، غير أنِّي إلى هذه الغاية لم يسقط عنِّي شعرة، يعني: لمَ يَطَّلِ بالكلس ولم يختتن. وكان الموبذ إذ ذاك مجوسيًّا، وإنَّما أسلمَ بعد ذلك على يد المتوكل. فقال الأفشين: خبِّروني عن هذا الذي تكلَّم بهذا الكلام أثقةٌ هو في دينه؟ قالوا: لا، قال: فما معنى قَبولكم شهادةَ من لا تثقون به ولا تعدِّلونه!؟ ثم أقبلَ على الموبذ وقال له: هل كان بيني وبينك باب أو كوَّةِّ تطَّلعُ عليَّ منها وتعرف أخباري؟ قال: لا، قال: أفليس كنتُ أدخلكَ منزلي، فأبثُّك سرِّي وميلي إلى الأعجميَّة وأهلها، قال: نعم، قال: لستَ بالثِّقة في دينك، ولا الكريمِ في عهدك، إذ أفشيتَ عليَّ سرًّا أسررتُه إليك. ثمَّ تقدَّم المرزبان فقال: يَا أفشين، كيف يكتبُ إليكَ أهلُ ملَّتك (٢)؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجدِّي، فقال ابن الزيَّات: وما كانوا يكتبون إليه؟ قال: يكتبون بالفارسية: إلى الإله من عبده، فقال ابن الزيَّات: أكذا هو؟ قال: نعم، قال: فما أبقيتَ لفرعون حين قال لقومه: "أنا ربكم الأعلى"، فقال: خفتُ أن يَفسُدوا عليَّ بتغيير ما يعهدونه، فقال له إسحاق: ويحَكَ يَا حيدر، كيف تحلفُ لنا بالله فنصدِّقك وأنت تدَّعي ما ادَّعى فرعون! فقال له الأفشين: يَا إسحاق، هذه سورةٌ قرأها عُجيف على عليِّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليَّ، فانظر غدًا من يقرؤها عليك. ثم تقدَّم المازيار، فقالوا له (٣): أتعرف هذا؟ قال: نعم، قالوا: هل كاتبته؟ قال: لا، فقالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: كتبَ إلي أخوه على لسانه أنَّه لم يكن ينصر

стр. 6668

هذا الدين الأبيض غيري وغيرك وغير بابك، فأمَّا بابك فإنّه بحمقه قتلَ نفسَه، ولقد اجتهدتُ في صرف الموت عنه، فأبى حمقُه إلى (١) أن دلَّاه فيما وقع فيه، فإن خالفتَ لم يكن للقوم منَ يؤمَرُ بقتالك غيري، ومعي الفرسان وأهل النجدة والباس، فإن وجِّهتُ إليكَ لم يبقَ أحدٌ يحاربنا إلَّا ثلاثة؛ العربُ والمغاربةُ والأتراك، وأمَّا العربي بمنزلة الكلب، اطرح له كسرةً، ثمَّ اضرب رأسه بالدّبوس، وهؤلاء الذئاب -يعني المغاربة- فإنَّما هم أَكَلَةُ رأس، وأما أولادُ الشياطين -يعني الأتراك- فإنَما هي ساعةٌ حتَّى تنفد سهامُهم، ثم تجولُ عليهم الخيلُ جولةَ (٢) فتأتي على آخرهم، ويعود الدينُ إلى ما لم يزل عليه أيَّام العجم. فقال الأفشين: هذا يدَّعى على أخي دعوى لا تسمع عليه، ولو كنتُ كتبت إليه بهذا الكتاب لأستميله (٣) إليَّ حتَّى يثق بي كان غيرَ مستنكرٍ؛ لأني إذا نصرتُ الخليفةَ بيدي، كنتُ أنْ أنصرَه بالحيلة أحرى؛ لآخذه بقفاه، وآتي به الخليفةَ فأحظى عنده كما حظي عنده عبد الله بن طاهر. فزجر أحمدُ بن أبي دؤاد الأفشينَ لما قالوا له ما قالوا، فقال له الأفشين: أَنْتَ يَا [أَبا] (٤) عبد الله ترفعُ طيلسانك بيدك، فلا تضعُه على عاتقك حتَّى تقتلَ به جماعة، فقال له ابن أبي دؤاد: أمطهَّرٌ أَنْتَ؟ قال: لا، قال: فما منعَك من ذلك، وبه تمامُ الإِسلام والطهور من النجاسة؟ قال: أوليس في الإِسلام استعمال التقيَّة؟ قال: بلى، قال: خفت أن أقطع ذلك العضو مني فأموت، فقال أَحْمد: أَنْتَ تطعن بالرمح وتضربُ بالسيف، فما يمنعُك ذلك من أن تكونَ في الحرب، وتخافُ من قطع (٥) قلفة؟! قال: تلك ضرورةٌ أصبرُ عليها، وأمَّا القلفة فلا وأبي أخرج بها من الإِسلام! (٦)

стр. 6669

فقال ابن أبي دؤاد: وقد بانَ لكم أمره، ثم التفتَ ابن أبي دؤاد إلى بغا الكبير فقال: عليك به، فضربَ بغا على منطقته بيده، فجذبَها، فقال: قد كنتُ أتوقَّع منكم هذا قبلَ اليوم، فقلب بغا ذَيل القباء على رأسه، ثم أخذ بمجامعه، ورَدَّه إلى حبسه (١). [وفي هذه السنة] (٢) رجفتِ الأهوازُ وتصدَّعت الجبالُ، وخصوصًا الجبل المطلُّ على الأهواز، وسقط معظمُ البلد ونصف الجامع، وهرب أهلها إلى البرِّ والسفن، ودَامت أيَّامًا. وحجَّ بالنَّاس محمَّد بن داود (٣). [فصل] وفيها تُوفِّي سَعْدُويَه واسمه سعيدُ بن سليمان، وكنيته أبو عثمان، الواسطيّ الواعظ البزَّاز. سكن بغداد. [قال الخَطيب:] امتُحنَ في القرآن فأجاب، فقيل له بعد ذلك: ما فعلت؟ فقال: كفرنا ورجعنا (٤). وكانت وفاته في ذي الحجَّة ببغداد، وله مئة سنة. حدَّث عن [الليث بن سعد، وزهير بن معاوية، وحمَّاد بن سَلَمة، وغيرهم،] (٥) وروى عنه يحيى بن معين، [وأبو زُرعة، وأبو حاتم في آخرين. قال الخَطيب:] وكان ثقةً مأمونًا (٦). حجَّ ستينَ حجَّةً (٧).

стр. 6670

أبو عمر (١) صالح بن إسحاق النَّحويّ الجَرْميّ؛ وإنَّما سُمّي الجَرْميّ؛ لأنَّه نزل في قبيلةٍ من جَرْم، فنُسِبَ إليها. وقيل: كان مولاهم. وقيل: مولى بَجيلة (٢). وكان إمامًا عالمًا فاضلًا، يعرف العربيَّة والنحو وأيَّام النَّاس وأشعار العرب، وله اختيارات وأقوالٌ وتصانيف ومقدِّمةٌ في النحو مشهورة، وكان ممن اجتمع له مع العلم صحَةُ الاعتقاد وحسنُ المذهب، وقَدِم بغداد، وناظرَ يحيى بن زياد الفرَّاء، وظهر عليه. وحَكى ثعلب عن ابن قادم قال: قدم الجرميُّ بغداد، فقال الفراء: إنِّي أحبُّ لقاءه، فجمعتُ بينهما، فغلبه الجرميُّ وأفحمه، فندمتُ على جمعي بينهما، قال ثعلب: فقلت لابن قادم: لم ندمتَ؟ قال: لأنَّ علمي علمُ الفراء، فلمَّا رأيتُه مقهورًا قلَّ في عيني، ونقص علمُه عندي. أسندَ الحديث عن يزيد بن زُريع وغيره، ورَوى عنه أَحْمد بن مُلاعب المُخَرِّمي (٣) وغيره، وكان ذا ورعٍ ودين (٤). عبد الله بن عَمرو ابن أبي الحجاج، أبو مَعْمَر المِنْقَرِيُّ البصريُّ، كان فاضلًا. قال: روى لنا شعبةُ يومًا قول كعبِ بن مالك الأَنْصاريّ من أبيات: [من الوافر] قَضينَا من تهامةَ كُلَّ ريبٍ … وخيبرَ ثمَّ أجمعنا (٥) السيوفَا نسائِلُها ولو نطقتْ لقالت … قواطعُهنّ دَوْسًا أو ثقيفَا فلستُ لمالكٍ (٦) إن لم نزركُمْ … بساحةِ دارِكم منّا الضيوفَا (٧)

стр. 6671

وننتزعُ العروسَ عروسَ وجٍّ … وتصبح دارُكم منا (١) خُلُوفا فصحَّفَ شعبةُ، ورواها عروس بسين مهملة، فقلت له: وأيُّ عروسٍ كانت؟ قال: فما هي؟ قلت: عروش، بشين معجمة، فكان بعد ذلك يكرمني ويرفع منزلتي. سمع شعبةَ وعبد الوارث بن سعيد -وبه يعرف، يقال: صاحب عبد الوارث- وغيرهما. ورَوى عنه البُخَارِيّ وغيره، وكان تقيًّا ثقةً، وأُقعِدَ في آخر زمانه (٢). [وفيها توفي] علي بن رَزِين أبو الحسن الخراسانيّ الترمذيّ، ويقال: الهرويّ، أستاذ أبي عبد الله المغربي. كان صاحبَ آياتٍ وكرامات، [روى أبو جهضم أنَّه] شاعَ في النَّاس أنَّه يشربُ في كلِّ أربعة أيَّام (٣) شربةً من ماء، فسأله رجلٌ من أهل قَرْميسين عن ذلك، فقال: وأيُّ شيء في ذلك، سأَلتُ الله أن يكفيني مؤنةَ بطني، ففعل. وله سياحاتٌ مشهورةٌ، وقال السلميّ: ماتَ ابن رَزين في هذه السنة، ودُفن على جبل الطُّور، وعمره عشرونَ ومئة سنة. [وقال إبراهيم بن شيبان: كان يقال إن ابن رَزين صَحِب الحسن البَصْرِيّ.] (٤) أبو دُلَف العِجْليّ واسمه القاسمُ بن عيسى بن إدريس بن مَعْقِل بن سيّار (٥) بن شمخ، وقيل: [بن] شيخ الخزاعيّ (٦)، من ولد عِجْل بن لُجَيم، [وذكره الخطيب فقال: أبو دُلَف العجليّ] أمير الكرج.

стр. 6672

كان شجاعًا جوادًا شاعرًا أديبًا فصيحًا سخيًّا، ورد بغداد عدَّة دُفعات، و [قال أبو نُعيم]: كان من الأجواد الممدَّحين، تولى محاربة الخرَّمية، فأفناهم (١). [ذكرُ طرفٍ من أخباره: قد ذكره أربابُ السير، كالقاضي التنوخيّ في كتاب "الفرج بعد الشدَّة"، وكالخطيبِ وابن عساكر وغيرهم، فروي عن إبراهيم بن الحسن بن سَهْل قال:] (٢) كنَّا في موكب المأمون، فجاء أبو دُلَفٍ فترجَّل، فقال له المأمون: ما أخَّرك عني؟ فقال: يَا أمير المُؤْمنين، [مرضٌ عرضَ لي، فقال له المأمون:] شفاك الله وعافاك، اركب، فوثبَ من الأرض إلى الفرس من غير أنْ يمسَّ بيده قَرَبُوس سرجه، فقال له المأمون: ما هذه وثبةُ مريض! فقال: بدعاءِ أمير المُؤْمنين شُفيت (٣). وقال أبو الفرج الأَصْبهانِيّ: كان أبو دُلَف في جملة من كان مع الأفشين يحاربُ بابك، ثم تنكَّر له، وأخذه لمَّا قدمَ إلى سرَّ من رأى ليقتلَه، فقال المعتصم لابن أبي دؤاد: أدركه، ما أراك تلحقُه، وتلطَّف في خلاصه كيف شئت. قال ابن أبي دؤاد: فركضتُ إلى داره ركضًا، فدخلت وإذا بأبي دُلَف قائمٌ بين يديه، وقد أخذ بيده غلامان تركيَّان، وهو يريد قتلَه، فرميتُ بنفسي على البساط، وكان من عادته أن يفرش لي مُصَلى، فقال: سبحان الله! ما حملك على هذا؟ قلت: أَنْتَ حملتني عليه، وكلَّمته في القاسم وخضعت له، وهو لا يزدادُ إلَّا غِلْظةً، فقلت في نفسي: هذا عبد، وقد خضعتُ له ولم ينفع، وليس يؤخذُ إلَّا بالرهبة، فقمت قائمًا وقلتُ له: كم تقتلُ أولياءَ أمير المؤمنين واحدًا بعد واحد، وتخالفُ أمرَه في قائدٍ بعد قائد؟! إنَّ أمير المُؤْمنين يقولُ لك: إن قتلته قتلَك، فذلَّ ولَصِقَ بالأرض واضطرب، فأخذتُ بيد أبي دُلَفٍ وخرجت، وهو يقول: لا تفعل، فقلت: قد فعلتُ بأمر أمير المُؤْمنين (٤). وفي رواية القاضي التنوخيّ أنَّ أَبا دُلَف كان مع الأفشين في حرب بابك، فحسدَه

стр. 6673

الأفشين لشجاعته وكرمه، فلمَّا عاد من حرب بابك سألَ المعتصمَ أنْ يطلق [يدَه على] (١) أبي دُلَف، وما كان يخالفُه في شيء، وكان يَدخلُ على المعتصم بغير إذن، فأطلقَه، فأخذه فقيَّده، وبلغ ابنَ أبي دؤاد، فدخلَ على الأفشين وقال: أبو دُلفٍ فارسُ العرب وشريفُها وملكها، وقد علمتَ ما كان من كسرى إلى النُّعمان حيث ملَّكَه على العرب، وأنتَ اليوم بقيَّةُ كسرى، فكن شريفَ العجم، كما أنَّ القاسم شريفُ العرب، فلم يجب، فقلت: أميرُ المُؤْمنين قد أطلقَه، وأخذت بيده وخرجت (٢)، ودخلتُ على المعتصم فأخبرتُه، فقال: قتلني الله إن لم أقتله، وإذا بالأفشين قد جاء، فقال: يَا أمير المُؤْمنين، أطلقتَ يدي في رجلٍ سعى في دمي، وفعل ما فعل، ثم بعثت إليَّ مع أَحْمد تلك الرسالة، فقال: نعم، لا تعترضْ للقاسم، فقام الأفشينُ متذمّمًا، واتبعتُه لأتلافاه، فصاح بي المعتصم: ارجعْ أَبا عبد الله، وأطلق أَبا دُلَف من القتل. وبعث الأفشين إلى ابن أبي دؤاد يقول له: لا تقربني، فقال لرسوله: قل له: إنما أَنْتَ رجلٌ رفعتكَ دولة، فإن جئتكَ فلها، وإن قعدتُ فعنك، وما أتيتك من قلَّة، ولا اعتززت بك من ذلَّة (٣). وقال أبو عبد الرَّحمن التَّوَّزي: استهدى المعتصم من أبي دُلَف كلبًا للصيد، فجعل في عنقه قلادةً وكتب عليها: [من المنسرح] أوصيكَ خيرًا به فإنَّ له … خلائقًا لا أزالُ أحمدُها يدلُّ ضيفي علي في ظُلَم الليـ … ـل إذا النارُ نامَ موقدُها (٤) [وروى الخَطيب عن العتَّابي قال:] (٥) اجتمعنا على باب أبي دُلَف جماعة، وكان يعدنا بأموالٍ تأتيه من الكَرَج وغيره، فجاءته الأموال، فبسَط [الأنطاع]، وجلسنا حوله، فقام قائمًا، واتكأ على قائم سيفه وقال: [من الطَّويل]

стр. 6674

ألا أيُّها الزوَّارُ لا يدَ عندكم … أياديكم عندي أجلُّ وأكبرُ فإن كنتمُ أفردتُمونيَ للرَّجا … فشُكري لكم من شكركم ليَ أكثرُ كفاني من مالي دِلاصٌ وسابحٌ … وأبيضُ من صافي الحديد ومِغْفَرُ (١) ثم أمر بنهب تلك الأموال، فأخذَ كلُّ واحدٍ على قدر قوَّته. وقال الفضلُ بن محمَّد بن أبي محمَّد اليزيديّ: كان لرجلٍ حجازيٍّ جاريةٌ حسناء، وكانت شاعرةً حاذقةً بالغناء، فأملقَ، فقدم بغداد، فلم يَحْظَ بطائل، وكان شاعرًا، فقيل له: عليك بأبي دُلَف، فخرج إليه إلى الكَرَج فامتدحه، وباعَه الجاريةَ بثلاثة آلاف دينار، ووصلَه، ورجعَ إلى بغداد حزينًا باكيًا على فقد الجارية، فسلماها إليه، فسألها عن حالها (٢)، فقالت: لما فارقتُك استوحشتُ وامتنعتُ من الطعام والشراب والنوم، فدعاني أبو دُلَف وقال: غنِّي، فخنقتني العبرةُ، ولم أستطع الكلام، فجفاني واطَّرحني، وجعلني في حجرةٍ، وأقام عندي امرأة تخدمني، فقلتُ أبياتًا وكتبتها في ورقة، وكنت أتسلَّى بها وهي: [من البسيط] لو يَعلمُ القاسمُ العِجْليّ ما فعلَا … لعاد معتذرًا ومطرقًا خجلَا ماذا دعاه إلى هجرِ المروءة في … تفريقِ إلفينِ كانَا في الهوى مَثَلَا فإنَّ مولاي أصمتهُ الخطوبُ بما … لو مرَّ بالطفلِ عاد الطفلُ مكتهلَا فباعني بيع مضطرٍّ وصيَّرهُ … فرطُ الندامةِ بعد البين مختبِلَا وبتُّ عادمةً للصبر باكيةً … كأنَّني مُدْنَفٌ قد شارفَ الأجلَا بين الضرائرِ أُدعى بالغريبةِ إن … هفوتُ لم ألقَ (٣) لي في النَّاس محتمِلَا فما تبدَّلتُ إلفًا بعد فُرقَته … ولا تَعوَّضَ مني عابرٌ (٤) بدلَا

стр. 6675

قالت: واتَّفق أنَّ أَبا دُلَف اجتازَ بباب الحجرة، فدخل لينظرَ هل خفَّ ما أجد، فجلس يعاتبني ويرفقُ بي، فوجدني على حالي والرقعةُ بين يدي، فأخذَها ونظر فيها وقال: الآن يئستُ منك، وإن رددتُك على مولاك، فمن يردُّ علي المال؟ فقلت: الذي قبضَه منك، أو ما بقيَ منه وهو الأكثر، والله تعالى يخلفُ عليك ما ذهبَ منه، فأطرقَ ساعةً، ثم قال: بل يخلفُ الله الأصلَ، وقد رددتُكِ على مولاك، ووهبتُ لك ما أعطيتُك من الحلي والجواهر والمتاع، لحسن عهدك ورعايتك حقَّ الصحبة، فاستتري منِّي، فقد خرجتِ من ملكي، ثمَّ جهَّزني مع خادمٍ وامرأة وأعطاني كسوة وكراعًا وثيابًا، فقلت له: يَا مولاي، قد حضرَ بيتان، فقال: قُولي، فقلت: [من البسيط] لم يخلق الله خلقًا صيغَ من كرمٍ … إلَّا أمير الندى المكنى أَبا دُلَفِ رَثى لمحزونةٍ بالبين مُدْنفَةٍ … فردَّها طالبًا أجرًا على دنفِ فدمعت عيناه، وأمر لي بخلعة ومئةِ دينار، وردَّني إلى مولاي. قال اليزيديُّ: فسمرتُ ليلةً عند المأمون، وحدَّثتهُ الحديثَ، فاستحسنه وقال: ما قصَّرتِ الجاريةُ في حفظِ عهد مَن ربَّاها، وما قصَّر القاسمُ في فعله، ونحتاجُ إلى أن نقوِّيَ نيَّته (١) في مثل هذا الفعل الجميل الذي هو معدودٌ من مفاخرِ أيَّامِنا، فقل لأحمد بن أبي خالد (٢) يبعث إلينا مالًا، ونكتب إليه نعرفه انتهاءَ الحالِ إلينا، واستحسنا ما فعلَه (٣)، ليزدادَ حرصًا على انتهازِ الفرص في مثل هذه المكارم. وقال الصوليُّ: تذاكرنَا يومًا عندَ المُبَرِّد في الحظوظ والأرزاق، وأنَّ الإنسان يأتيه رزقه من حيث لا يحتسب، قال: [هذا يقع كثيرًا، فمنه قول] (٤) ابن أبي فنن قال أبياتًا اتِّفاقيةً لمعنى أراده وهي: [من البسيط] مالي ومالكِ قد كلَّفتِني شططًا … حَمْلَ السلاح وقولَ الدَّارعين قفِ أمِنْ رجالِ المنايا خِلْتِني رجلًا … أُمسي وأُصبِح مشتاقًا إلى التَّلَفِ

стр. 6676

تمشي المنونُ إلى غيري فأكرهها … فكيف أسعَى إليها بارزَ الكتفِ أم هل حسبتِ سوادَ الليل شجَّعني … أو أنَّ قلبيَ في جَنْبَي أبي دُلَفِ فبلغ أَبا دُلَفٍ هذا الشعرُ فبعثَ إليه بأربعة آلاف دينار، جاءته على بغتة. وقال الأصمعيُّ: دخلَ أبو دُلَفٍ يومًا على المأمون وقد نَصَلَ خصْابُه، وعنده جاريةٌ، فغمزَها عليه، فقالت له: شبتَ يَا أَبا دُلَف، واسترتجعَت، فأعرض عنها، فقال له المأمون: ألا تجيبُها، فأطرقَ ساعةً ثم رفعَ رأسه وقال: [من البسيط] تَهزَّأت أن رأتْ شيبي فقلتُ لها … لا تهزئي من يَطُل عمرٌ به يَشبِ شيبُ الرجال لهم زينٌ ومكرُمةٌ … وشيبكُنَّ لكنَّ العارُ فاكتئبِي فينا لَكُنَّ وإن شيبٌ بدأ أربٌ (١) … وليس فيكنَّ بعد الشيبِ من أربِ (٢) واجتمعَ الشعراءُ بباب أبي دُلَف، ولم يكن عنده مالٌ، فحجبَهم حياءً منهم، واعتذر إليهم، فكتبوا: [من الخفيف] أيُّهذا العزيزُ قد مسَّنا الدَّهـ … ـر بضُرٍّ وأهلُنا أشتاتُ (٣) وأبونا شيخٌ كبيرٌ فقيرٌ … ولدينا بضاعةٌ مُزجَاةُ قلَّ طُلَّابها فبارَتْ علينا … وبضاعتُنا بها التُرَّهاتُ فاغتنم شكرنَا وأوفِ لنا الكَيـ … ـلَ صدِّق (٤) فإنَّنا أمواتُ فقال: أبوا أنْ يضربوا وجهي إلَّا بسورة يوسف، فدعا بهم وقال: والله ما معي درهم، وأنا معكم كما قيل: [من الوافر] لقد أُخبرتُ أن عليك دينًا … فزد في رقم دينك واقضِ ديني يَا غلام، اقترض لهم عشرين ألفًا بأربعين ألفًا، فأخذوها وانصرفوا (٥).

стр. 6677

ودخل أبو دُلَف على المأمون، وكان قد تنكَّر له، فنظر إليه شَزرًا، وقال له: أَنْتَ الذي يقول فيك عليُّ بن جبلة: [من الطَّويل] له راحةٌ لو أنَّ معشارَ عشرها … على البَرِّ كان البَرُّ أندى من البحرِ له هِمَمٌ لا منتهى لكبارها … وهمَّتُه الصغرى أجلُّ من الدَّهرِ أَبا دُلَفٍ بُوركت في كلِّ وجهةٍ … كما بوركَتْ في شهرِها ليلةُ القدرِ فقال: ما أعرفُ من هذا حرفًا، فقال: بلى، وفيك يقول أَيضًا: [من البسيط] ما قال لا قطُّ من جودٍ أبو دُلَفٍ … إلَّا التشهد لكن قولُه نعمُ فقال: ما أعرفه، قال: بلى، وفيك يقول أَيضًا: [من البسيط] اللهُ أجرَى من الأرزاقِ أكثرها … على العبادِ على أيدي أبي دُلَفِ (١) ما خطَّ لا كاتباهُ في صحيفتِه … كما تُخطَّطُ لا في سائرِ الصحفِ أعطى أبو دُلَفٍ والريحُ جاريةٌ … حتَّى إذا وقفتْ أَعطى ولم يقفِ قال: ما أعرفه، قال: بلى، وهو القائلُ فيك أَيضًا: [من المديد] إنَّما الدنيا أبو دُلَفٍ … بين باديهِ (٢) ومحتضرِهْ فإذا ولَّى أبو دُلَفٍ … ولَّتِ الدنيا على أَثَرِهْ (٣) (٤) فقال: ما أعرفه، قال: بلى، وأعطيتَه عليهما ثلاثينَ ألفًا، فقال: مكذوبًا علي، وأصدقُ منه قول القائل: [من الطَّويل] دَعيني أجوبُ الأرضَ ألتمسُ الغنى … فلا الكَرَجُ الدُّنيا ولا النَّاسُ قاسمُ إذا كانت الأرزاقُ في كفِّ قاسمٍ … فلا كانت الدُّنيا ولا كانَ قاسمُ فضحكَ المأمون وسكنَ غضبُه (٥).

стр. 6678

وقال الأصمعيُّ: كتبَ إليه رجلٌ يقول: إنِّي مديون، فكتب أبو دُلَف: وأنا والله مديون، فكتب إليه الرَّجل: [من الوافر] وقد خُبِّرتُ أنَّ عليك دينًا … فزدْ في رقمِ دينِك واقْضِ ديني فقال: نعم، فاستدان، وقضى دينه (١). [وذكر] (٢) العتبيّ أنَّ جارًا لأبي دُلَف ركبه دينٌ، فأرادَ بيع داره فساومَهم فيها أَلْف دينار، فقالوا: قيمتُها خمسُ مئة، فقال: نعم، أبيعُكم إيَّاها بخمس مئة [دينار]، وجوارُ أبي دُلَف بخمس مئة دينارٍ أخرى، وبلغَ أَبا دُلَفٍ فأرسلَ إليه بألف دينار، وقال: لا تبعْ دارك، ولا تنتقل من جوارنا، وقضَى دينه (٣). و [قال العتبيُّ:] وقف ببابه شاعرٌ مدَّةً، فلم يصل إليه، فكتب إليه: [من الوافر] إذا كان الكريمُ له حجابٌ (٤) … فما فضلُ الكريم على اللئيمِ [فكتب عليها: جواب ذلك (٥)]: [من الوافر] إذا كان الكريمُ قليلَ مالٍ … ولم يُعذَر تعلَّلَ بالحجابِ (٦) ووقف ببابه رجلٌ فلم يصل إليه، فكتب إليه: والله إنِّي لأعرفُ أقوامًا لو علموا أنَّ

стр. 6679

سفَّ الترابِ يقيمُ أصلابَهم لجعلوه مُسْكَة لأرماقهم؛ إيثارًا للتنزُّه عن عيشٍ رقيق الحواشي، فتحبَّب إلى النَّاس بتسهيلِ الحجاب، فإنَّ حيَّا عبادِ الله موصولٌ بحبِّ الله تعالى، وكذا بغضهم؛ لأنَّهم شهداء الله في أرضه، ورقباؤه على من اعوجَّ عن سبيله، فاعتذرَ عليه ووصله (١). وقال محمَّد بن حامد: كان العمريُّ الشاعرُ عند المأمون، فأنشدَ بعضُ الحاضرين: [من الطَّويل] إذا لم تَصُنْ عِرْضًا ولم تخشَ خالقًا … وتستحي مخلوقًا فما أنتَ صانعُ فقال العمريُّ: لمن هذا؟ قال المأمون: لأبي دُلَف، فقال العمريُّ: والله لئن لقيتُه لأبولنَّ عليه. فما استتمَّ كلامَه حتَّى دخل الحاجبُ فقال: القاسمُ على الباب، جاء من عند ابن طاهر، فأذِنَ له، فدخلَ فسلَّم عليه بالخلافة، فأحسنَ الردَّ، وقرَّبه، ورحَّبَ به، وقال: كيف خلَّفتَ أَبا العباس -يعني عبد الله بن طاهر- فقال: خلَّفتُه أمينَ غيبة، نقي الجيب، يتَّقي الرِّماح بصدره، والسهام بنحره في طاعة أمير المُؤْمنين، قامَ (٢) في الأمور على ساق التسهير (٣)، يردعُها بكيده، ويفلُّها بحدِّه، فهو في شجاعته كما قاد العباس بن مرداس: [من الوافر] أَشُدُّ على الكتيبة لا أُبالي … أفيهَا كان حتفي أم سِوَاهَا وفي سخائه كما قال زهير: [من الطَّويل] تراه إذا ما جئتَه متهلِّلًا … كأنَّك تعطيه الذي أَنْتَ سائلُه (٤) وفي عفَّته كما قال الأسود: [من الكامل] وأغضُّ طرفيَ ما بدت لي جارتي … حتَّى يواري جارتي مأواهَا (٥)

стр. 6680

فقال العمريّ: من هذا؟ قال: الذي آليتَ أن تبولَ عليه، فقال: أَنْتَ أبو دُلَف؟ قال: أنا القاسم. ولم يتكنَّ بحضرة أمير المُؤْمنين، فقال: قلْ بيتًا على هذه القافية والوزن: [من الرمل] خذ يا قاسم كأسًا مرَّةً … مرَّةً كأسًا يا (١) قاسمُ خذْ فأطرقَ أبو دُلَف ساعةً، فقال العمري: إنَّ أهل الجبال بأكلهم الحشرات أحذقُ منهم بقول الشِّعر، فرفع أبو دُلَفٍ رأسَه وقال: والله ما عجزتُ عنه، ولقد أجزتُه من حين سمعتُه، وإنما أُطرقُ تعجبًا منك، كيف هجوتَني من غير معرفةٍ ولا سبب، وقد سمعت بذكري على لسان الركبان؟! بل الحسد، ثمَّ قال: [من الرمل] لذَّ شربُ الكاسِ يَا صاحِ لنا … ولنا يَا صاحِ شربُ الكاس لذ من يغنيِّني ببيتٍ بعده … شذَّ عنه مسلكٌ للخير شذ وأيور الزنج من حِر امِّهِ … مذ برا الله أيورَ الزنج مذْ فقال له المأمون: مه، فإنَّه العمري، فقال العمري: ما ظننتُ أنَّ الجبال تُخْرِجُ مثله، فقال المأمون: إنَّ بالجبال قومًا يعطون السيف حدَّه، والشعر حظَّه، والمال حقَّه، وإنَّ القاسم وأهله منهم (٢). وقال العتبي: كان أبو دُلَف مع جلالة قدره وعلوّ منزلته وفضله مولعًا بالغناء، حسنَ الضرب بالعود. قال المعتصم يومًا لأحمد بن أبي دؤاد: تريدُ أن أسمعكَ غناء صديقك، فقال أَحْمد: القاسم في شجاعته وبراعته وكرمه أعظمُ من هذا، فضرب بستارة، وجعل أبو دُلَفٍ خلف (٣) منها، وقال: غنِّي، فغنَّى، فقال المعتصم لابن أبي دؤاد: ما تقول في هذا؟ ولم يعلم أنَّه القاسم، فقال: أسمعُ غناءً حسنًا، وأميرُ المُؤْمنين أعلمُ منِّي بهذا، فأشار المعتصم إلى من هتكَ الستارة، وإذا بأبي دُلَف، فتحيَّر أَحْمد، وقال: ويحكَ يَا ماجن،

стр. 6681

ما هذا؟ فقال: أُجبرت، قال: فهب أنَّك أُجبرت، من أجبرك على أن تحسن الغناء (١)؟ [ذكر وفاته: قال الصوليُّ: مات أبو دُلف ببغداد في هذه السنة. وقال الخَطيب:] (٢) حدَّث عن هُشيم بن بشير، وروى عنه الهيثمُ بن زياد. [وروى الخَطيب بإسناده إلى] دُلَف ابن أبي دُلَف [العجليِّ قال:] لمَّا مات أبي رأيتُ في المنام [كأنَّ] آتيًا أتاني فقال: أحب الأمير، فقمتُ معه، فأدخلني دارًا وَحْشَةً وعرةً، حيطانها سود، فصعد بي إلى غرفةٍ، فأدخلني إيَّاها، وإذا في حيطانها أثرُ النيران، وفي أرضها رماد، وإذا بأبي عريان، واضع رأسَه بين ركبتيه، فقال [لي] كالمستفهم: دُلَف؟ قلتُ: نعم، أصلح الله الأمير، فقال: [من الخفيف] أَبْلِغَنْ أهلَنا ولا تخفِ عنهم … ما لَقينا في البرزخ الخَنَّاقِ قد سُئلنا عن كلِّ ما قد فَعَلنَا … فارحموا وحدَتي (٣) وما قد ألاقِي أفهمت؟ قلت: نعم، فقال: [من الوافر] ولو أنَّا إذا مِتْنَا تُرِكنا … لكانَ الموتُ راحةَ كلِّ حيِّ ولكنَّا إذا مَتْنَا بُعِثنا … ونُسألُ بعده عن كلّ شيِّ [ثم قال:] انصرف، قال: فانتبهت. [وفيها تُوفِّي] منصور بن عمَّار بن كثير أبو السريِّ، الواعظُ الخراسانيّ، وقيل: البصريّ، [وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلمي:] (٤) هو من أهل مرو، من قريةٍ يقال لها: دَنْدانَقان، وقيل: هو من أَبِيوَرْد،

стр. 6682

وقيل: من بُوْشَنج. رحل إلى العراق [وحدَّث بها] وأوتي الحكم، ولم يقصّ أحدٌ في زمانه مثله. [وذكره ابنُ خميس في "المناقب" وقال: كان من أحسن الواعظين كلامًا، ومن حكماء المشايخ،] (١) كبيرَ الشأن في علم الورع والتقلُّل. [قال:] وسبب توبته أنَّه وجدَ في الطريق رقعةً فيها مكتوب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فرفعها، فلم يجد لها موضعًا، فأكلها فرأى في المنام قائلًا يقول: قد فتحَ الله عليك أبوابَ الحكمة لاحترامك لتلك الكَاغِدَة (٢). وروي أنَّه رأى النَّبِيّ ﷺ ، فتَفلَ في فيه، فتكلَّم بالحكمة (٣). و [قال أبو سعيد بن يونس:] قدم [منصور] مصرَ فجلس يقصُّ على النَّاس، وبلغ الليثَ بن سعد، فأرسلَ إليه وقال: أَسْمِعني شيئًا من كلامك، فأسمعَهُ، فاستحسنه وبكى وقال: ما الذي أقدمك [إلى] بلادنا؟ فقال: دَيْن، فقال: صُنِ الحكمةَ التي آتاك الله ولا تبذلها للعوام، وأعطاه أَلْف دينار. [وقد ذكرنا بمعنى هذا عن الليث بن سعد في ترجمته سنة خمسٍ وسبعين ومئة. وذكره الحافظ ابن عساكر وقال:] (٤) لما قدمَ مصر أحضرهُ الليث [بن سعد] وقال: ما حملكَ على أن تكلَّمتَ في بلدنا بغير أمرنا؟ فقال: أنا أعرضُ عليك ما قلت، فإنْ كان مكروهًا نهيتني فانتهيت، وإلا لم ينلني مكروه، فقال له: تكلَّم، فتكلَّم، فقال له: قم فتكلَّم على النَّاس، فلا يحلُّ لي أن أسمعَ هذا الكلام وحدي (٥). وأقام في ضيافة الليث بمصر وجرايته إلى أنْ عادَ إلى بغداد، ودفع إليه بنو الليث مثلَ ما دفع إليه الليث.

стр. 6683

[ذكر طرف من أخباره: حكى ابن باكويه الشيرازيّ وابنُ خميس في "مناقب الأبرار" عن منصور بن عمار قال:] (١) خرجتُ ليلةً من الليالي المقمرة أظنُّ أنَّ الصبحَ قد طلع، فإذا عليَّ ليلٌ، فجلست على بعض الأبواب أنتظر الصبح، وإذا بصوت رجلٍ يبكي ويقول: إلهي، [وعزَّتك] ما أردتُ بمعصيتك حين عصيتك مخالفتَك، ولكن سوَّلت لي نفسي، وغلبتْ عليَّ شقوتي، وغرَّني ستركَ المرخى عليّ، فالآن مِن عذابك مَن يُنقذني؟ ومن أيدي زبانيتك من يخلِّصني؟ وبحبل من أتَّصل إن قطعت حبلَك عنِّي؟ واسوأتاه (٢) إذا قيل للمخِفِّين جوزوا، وللمثقلِين حطُّوا، يَا ليتَ شعري مع المثقلين أحطُّ، أم مع المخفِّين أجوز؟ كلَّما كَبرت سنِّي كثرت خطاياي، كم أتوبُ وأعود وما أستحي من ربّي، قال: فاستعذتُ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآيات، فاضطرب الفتى اضطرابًا شديدًا، ثم هذا الصوتُ، فعلَّمت البابَ بعلامة، ومضيتُ في حاجتي، وعدتُ بعد ارتفاع النهار، وإذا بجنازةٍ موضوعةٍ عند الباب، وعجوزٌ تذهبُ وتجيء كئيبةً باكية، فقلت لها: [يا] أمةَ الله، ما هذا الميت منك؟ فقالت: [إليك عني، لا تجدِّد عليَّ أحزاني، فقلت: أنا غريب، فقالت: لولا غربتك ما أخبرتك، هذا] ولدي [ومن نزل عن كبدي]، وكنت أرجو أن يواريني، وهو من موالي رسول الله ﷺ ، وكان يَسُفُّ الخُوصَ (٣)، ويقسم ثَمَنه ثلاثةَ أثلاث، يُطعمني ثلثه، ويَتصدَّق بثلثه، ويُفطر على ثلثه، وكان من العبَّاد الخائفين، فمرَّ به البارحة رجلٌ -لا جزاه الله خيرًا- فقرأَ آيةً فيها ذكر النَّار، فسمعها، فما زال يضطربُ حتَّى مات، [فبكى منصور وقال: ويحكَ يَا ابن عمار، هذه صفةُ الخائفين. وقيل: إنَّ هذه الواقعة كانت في سنة إحدى وثمانين ومئة، واسمُ الشابّ يعقوب، من قوَّاد الكوفة (٤).

стр. 6684

وحكى في "المناقب" عن منصور بن عمار قال:، (١) كان رجلٌ يشربُ الخمر، فجمعَ يومًا ندماءه، ودفع إلى غلامٍ له أربعةَ دراهم يشتري له بها فاكهة، فمر الغلامُ بمجلسي، وأنا أسألُ لفقيرٍ ثوبًا، وأقول: من أعطاهُ أربعةَ دراهم دعوتُ له أربعَ دعوات، فدفعَ الغلامُ الدراهمَ إلى الفقير، [قال:] فقلت: ما الذي تريد أن أدعوَ لك به؟ فقال: الأولى أن يخلِّصني اللهُ من الرق، فدعوت له، قلت: والثانية؟ قال: أن يُخْلف الله عليَّ دراهمي، فدعوتُ له، قلت: فالثالثة؟ قال: يتوبُ الله على سيدي، فدعوتُ له، قلت: والرابعة؟ قال: أن يغفرَ الله لسيِّدي ولي ولك وللحاضرين، فدعوتُ له، فرجعَ الغلامُ إلى مولاه، فقال: ما الذي أبطأَ بك، فقصَّ عليه القصَّة، فبكى مولاه وقال: أمَّا الأولى فأنتَ حرٌّ لوجه الله، وأمَّا الثَّانية فلي في صندوقي أربعة آلاف درهم (٢) [فهي لك] (٣)، وأمَّا الثالثة فأنا تائبٌ إلى الله تعالى، فهذه ثلاثة قد فعلتُها، وأمَّا الرابعة فليست إليّ، هي إلى الله تعالى، فلمَّا جاء الليلُ نام الرجلُ، فرأى الحق ﵎ في المنام، فقال: يَا فلان، قد فعلت ما كانَ إليك، وهي الثلاث، أترانا ما نفعلُ ما كان إلينا، وهي واحدة؟ قد غفرتُ (٤) لك وللغلام ولمنصور وللحاضرين. [وذكر في "المناقب" أَيضًا عن سليم بن منصور قال:] (٥) كنتُ في مجلس أبي [منصور] وإذا برقعةٍ قد رُفعت إليه وفيها: يَا أَبا السريّ، أنا رجل ممن تابَ على يديك، وأنا اشتريتُ من الله حوراء على صَداقٍ مبلغه ثلاثينَ خَتْمَةً، فختمت تسعةً وعشرين، فبينا أنا في الثلاثين نمتُ، فرأيت حوراء قد خرجت من المحراب، وأنشدت تقول: [من المتقارب] أتخطبُ مثلي بعينٍ (٦) تنام … ونومُ المحبِّين عنِّي حرامْ فقلت: لمن أَنْتَ؟ فقالت:

стр. 6685

لأنَّا خلقنا لكلِّ امرئٍ … كثيرِ الصلاة بَرَاهُ الصيامْ ذكر نبذة من كلامه: [حكى في "المناقب" عنه أنَّه] قال: سروركَ بالمعصية إذا أظهرتَها شرٌّ من مباشرتِك لها. [قال:] وقال: سبحانَ من جعل قلوبَ العارفين أوعيةً للذكر، وقلوبَ الغافلين أوعيةً للطمع، وقلوبَ الزاهدين أوعيةً للتوكل، وقلوبَ الفقراء أوعيةً للقناعة، وقلوبَ المتوكِّلين أوعية للرضا. وقال: اترك الدنيا تسترح من الهمّ (١)، واحفظ لسانك تسترح من المعذرة. [قال:] وقال لرجلٍ تاب ثم رجع: ما أراك رجعتَ عن طريق الآخرة إلَّا من الوَحشة لقلَّة سالكيها. وقال: النَّاسُ رجلان، رجلٌ عارفٌ بنفسه، فشُغْلُه المجاهدةُ والرياضة، ورجلٌ عارفٌ بربِّه، فَشُغْلُه الخدمة والعبادة (٢). [وقال الخَطيب:] تُوفِّي منصور [بن عمار في هذه السنة] ببغداد، ودُفن بباب حَرْب قريبًا من قبر بشر الحافي، وإلى جانبه ابنُه سُليم [بن منصور. والله أعلم (٣). ذكر ما رُؤي له من المنامات: ذكر الخَطيب بإسناده إلى سُليم بن منصور بن عمار يقول:] (٤) رأيتُ أبي [منصور] في المنام، فقلت له: ما فَعَل الله بك، قال: قَرَّبني وأدناني وقال: يَا شيخَ السوء، تدري لم غفرتُ لك؟ فقلت: لا يَا إلهي، قال: إنَّك جلستَ للنَّاس مجلسًا فبكَّيتَهم، فبكى فيهم عبدٌ من عبادي لم يَبكِ من خشيتي قطّ، فغفرتُ له، ووهبتُ أهلَ المجلس كلَّهم، ووهبتُكَ فيمن وهبتُ له (٥).

стр. 6686

[قلت: وسبب قول الحقِّ سبحانه لمنصور: يَا شيخ السوء؛ لأنَّه كان يزهِّدُ النَّاس في الدنيا ويأخذُها، كما فعل مع الليث بن سعد، فإنَّه أخذ منه ألوفًا من الدنانير والمتاع وغيره، وقد ذكرناه في ترجمة الليث، ثمَّ إن الله عفا عنه بعد ذلك. وحَدَّثنا غيرُ واحد عن محمَّد بن أبي القاسم بإسناده إلى أبي العباس القاضي يقول: سمعتُ أَبا الحسين السعداني (١) يقول:] (٢) رأيت منصور بن عمار في المنام فقلت له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: أُوقفت بين يديه فقال: أَنْتَ الذي كنتَ تُزَهِّدُ النَّاسَ في الدنيا وتَرغَبُ فيها؟! فقلت: قد كان ذلك يَا إلهي، ولكن ما اتَّخذتُ مجلسًا إلَّا وبدأتُ بالثناء عليك، وبالصلاة على نبيك محمَّد ﷺ ، وثلَّثتُ بالنصيحة لعبادك، فقال: يَا ملائكتي، صدقَ، اصنعُوا له كرسيًّا في سمائي، فيمجِّدني بينكم كما كان يمجِّدُني بين عبادي. أسندَ عن جماعةٍ من العلماء منهم أبو الخطَّاب معروف الخياط، صَاحِب واثلةَ (٣) بن الأسقع، وروى عن الليثِ بن سعد وابنِ لهيعة وغيرهم. وروى عنه ابنُه سُليم، وعليّ بن خَشْرم، وجنادة بن محمَّد وغيرهم، وقد تكلَّموا فيه (٤). ومن روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن أعيتهُ المكاسبُ فعليه بمصر، وعليه بالجانب الغربي منها" (٥). وهو حديثٌ ضعيف. * * *

стр. 6687

السنة السادسة والعشرون بعد المئتين فيها هلك [الأفشين، والمازيار، و] محمَّد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، فصلَّى عليه المعتصم في داره. وقال ابن حبيب الهاشميّ في "تاريخه": و [في سنة ستِّ وعشرين ومئتين] في ليلة الاثنين النصف من جمادى الآخرة مُطِر أهل تيماء مطرًا وبَرَدًا كالبيض، قَتل ثلاثَ مئةٍ وسبعين إنسانًا، وهَدمَ دورًا كثيرةً، وسُمِع في ذلك صوتٌ يقول: أرحم عبادك، اعفُ عن عبادك، ونَظروا إلى أثر قدمٍ طولُها ذراعٌ، وعرضُها شبرٌ، وليس لها أصابع، ومن الخطوة إلى الخطوة ستةُ أو خمسةُ أذرع، فاتَّبعوا الصوتَ يسمعونه ولا يرونَ الشخص (١). [فصل] وحجَّ بالنَّاس محمَّد بن داود [بن عيسى بن موسى] بأمر أشناس التركي، وكان أشناس قد حجَّ في هذه السنة، ودُعي له على المنابر بالكوفة ومكَّة والمدينة، وولَّاه المعتصمُ إمرةَ كلِّ بلدٍ يمر فيها حتَّى رجعَ إلى سامرَّاء (٢). وفيها توفِّي الأفشينُ حيدر بن كاوس، من أولاد الأكاسرة، والأفشين لقبٌ لمن ملك أشروسنة [كما يُقال لكسرى ملك الفرس، ولقيصر ملك الروم، وللنجاشيّ ملك الحبشة]، وقد ذكرنَا أخبارَه، وأنه كاتبَ المازيار، واتَّفق معه على الفتكِ بالمعتصم، ونقل الملكِ إلى الفرس، وأنَّ المعتصمَ حبسَه في بيتٍ مربَّعٍ ضيِّق. وقال حمدون بن إسماعيل: بعثَ الأفشينُ معي رسالة إلى المعتصم يترفَّق له فيها، ويعتذرُ له، ويحلفُ ويتنصَّل مما قيل عنه، ويقول: مَثَلي ومَثَلُكَ كمثل رَجُلٍ ربَّى عجلًا حتَّى سمن وحسنت حالة، وكان له أصحابٌ، فاشتهوا أن يأكلُوا لحمَه، فعرَّضوا له بذبح العجل، فلم يجبهم، فاتَّفقوا فيما بينهم على أمرٍ، فقالوا له: لم تربِّي هذا الأسد،

стр. 6688

والأسد إذا كبر رجعَ إلى جنسه، وربَّما افترسَكَ؟! فقال لهم: ويحكم، هذا عجلٌ، وليس بأسد، وأنا ربَّيتُه، وأمُّه عندي، فقالوا: سل من شئت عنه، وقد تقدَّموا إلى جميع أصحابه أنَّه إذا سألهم قالوا: أسد، فسألَ الجميع، فقالوا: أسد، فقال: اذبحوه، فذبحوه وأكلوه، وأنا ذلك العجلُ، فكيف أكون أسدًا، فاللهَ اللهَ في أمري، اصطنعتني ورفعتني، فكيف أقابلُ إحسانَك بالإساءة، ولا تسمعْ فيَّ قولَ الأعادي، فإنَّما أنا عبدُك وأنت مولاي. ودعا به أحمدُ بن أبي دؤاد إلى دارِ العامَّة، وقال له: يَا حيدر أنتَ أقلف، وأراد أن يفضحَه بين الخاصَّة والقوَّاد إن يكشف، ويكذِّبه إذا امتنع، ثمَّ رُدَّ إلى حسبه (١). [واختلفوا في سبب وفاته، قال قومٌ: منعوه] (٢) الطعامَ والماءَ فمات. [وقال آخرون:] (٣) قتلَه المعتصم وصُلِب إلى جانب بابك، [وذلك] في شعبان [في هذه السنة] وقيل: في شوال. وقال الصوفي: ماتَ في الحبس، وأخرج فصلبَ بباب العامَّة في شعبان، وأُحضرت أصنامٌ كانت في داره حُمِلت [إليه] من أشروسنة، فأُحرقت بالنار، وطُرِحَ الأفشين فيها، فأحرق بالنار وذري. وقيل: إنَّه أقام مصلوبًا إلى جانب بابك مدَّةً. (٤) [وفيها توفيت] عِنَان جارية الناطفيّ، من مولَّدات المدينة، كانت جميلةً فصيحةً شاعرةً سريعةَ الجواب، بلغ الرشيد خبرُها، فاستعرضَها، فقال مولاها: ما أبيعُها إلَّا بمئة أَلْف درهم، فردَّها [على مولاها] فتصدَّق الناطفيُّ بثلاثين أَلْف درهم، فلما ماتَ مولاها نُودي عليها، فقال مسرور الكبير: عليَّ بمئة أَلْف درهم، فزاد رجلٌ عليه خمسين ألفًا، وخرَج بها إلى خراسان، فماتت هناك.

стр. 6689

[وقال الصوليّ: قال] لها بعضُ الشعراء: أجيزي قَولي: وما زال يشكو الحبَّ حتَّى رأيتُه … تنفَّس من أحشائِه وتكلَّما فقالت: ويبكي فأبكي رحمةً لبكائه … إذا ما بكى دمعًا بَكَيتُ له دمًا (١) [فصل: وفيها تُوفِّي المازيار صاحبُ طبرستان واسمُه محمَّد بن قارن،] (٢) كان مباينًا لعبد الله بن طاهر، وكان الأفشين [يدسُّ] إليه ويشجعه، ويحملُه على خلاف المعتصم، فخالف وصادر النَّاس بطبرستان وأذلَّهم، وجعل السلاسلَ في أعناقهم، وهدم أسوارَ المدن، فهرب النَّاس منه إلى خراسان [إلى عبد الله بن طاهر] وكتبَ المعتصم إلى عبد الله بن طاهر، فأمره بقتاله، فبعثَ إليه عمَّه الحسن بن الحسين بن مصعب، فحاربَه وأحاط به في سنة خمس وعشرين ومئتين، [وقد ذكرناه] وأخذه [الحسنُ] أسيرًا، وقتل أخاه قوهيار، وجاء به إلى عبد الله بن طاهر، فوعَده إن هو أظهرَه على كُتب الأفشين إليه أن يشفع فيه عندَ المعتصم، فأقرَّ له المازيار بالكتب، فأخذَها ابنُ طاهر منه، وبعثَ بها وبالمازيار إلى المعتصم، فسألَ المعتصمُ المازيار عن الكتب فلم يقرّ بها، فأمر بضربه حتَّى مات، وصلِبَ إلى جنب بابك (٣)، [كما ذكرنا أنَّه وافقه على أشياء.] (٤) وقال الصوليُّ: أدخل المازيار سُرَّ من رأى في شوال، وكان المعتصمُ قد أمر أن يركب على الفيل، فامتنع، فأُدخِل على بغلٍ بإكاف، وقيل: كان ذلك في ذي القعدة. وكان الأفشين قد حُبِسَ قبله بيوم، وجلس المعتصم [في مجلس الخلافة، وأمرَ أنْ يُجمعَ بين المازيار والأفشين]، فجمع بينهما، فأقرَّ المازيار أنَّ الأفشين كان يكاتبُه

стр. 6690

ويحمله على الخلاف، فأمر بردِّ الأفشين إلى محبسه، وضُرِبَ المازيار أربعَ مئة وخمسينَ سوطًا، وطلبَ الماء فلم يُسق، فماتَ من ساعته عطشًا. و [قال الصوليُّ:] قيل للمعتصم: لا تعجلْ بقتله، فعنده أموالُ الدنيا، وله ودائعُ بطبرستان وغيرها ممَّا لا يحصى، فاستدرِجْهُ وخذ منه، فإذا حصل الكلُّ عندك فاقتله، فأنشد: [من البسيط] إنَّ الأسودَ أسودُ الغاب همَّتُها … يومَ الكريهة في المسلوبِ لا السَّلبِ (١) وكان عند المازيار خزائنُ الدنيا (٢)، وكان عظيمًا عند المأمون، يكتبُ إليه من عبد الله المأمون إلى أصبهبذ (٣) أَصبهان وصاحب طبرستان (٤) محمَّد بن قارن مولى أمير المُؤْمنين. محمدُ بن الهذيل ابن عبد الله (٥) بن مكحول، أبو الهذيل العلَّاف البَصْرِيّ، مولى عبد القيس، شيخ المعتزلة، مصنِّف الكتب في مذهبهم. ولد سنة خمسٍ وثلاثين ومئة، وقدم بغداد وناظر على مذهب القوم، وكان خبيثَ اللسان، يردُّ نصَّ كتاب الله تعالى، وفارق الإجماع، وزعمَ أنَّ أهلَ الجنَّة تنقطعُ حركاتهم وسكناتهم فيها، حتَّى لا يتكلموا كلمةً، ولزمَ القولَ بانقطاع نعيمِ أهل الجنة. وجَحَد صفات الله، وقال: علمُ الله هو الله، وقدرةُ الله هي الله، فجعل الله عِلمًا وقدرةً، فتعالى الله العظيمُ جلَّ شأنُه وتقدَّسَ أسماؤه عمَّا وصفَه به علوًّا كبيرًا. وكنت (٦) أختلفُ إلى عثمان الطَّويل صاحبِ واصل بن عطاء، فبلغني أنَّ يهوديًّا قَدِم
следующие страницы →