← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

[قلت: وسبب قول الحقِّ سبحانه لمنصور: يَا شيخ السوء؛ لأنَّه كان يزهِّدُ النَّاس في الدنيا ويأخذُها، كما فعل مع الليث بن سعد، فإنَّه أخذ منه ألوفًا من الدنانير والمتاع وغيره، وقد ذكرناه في ترجمة الليث، ثمَّ إن الله عفا عنه بعد ذلك. وحَدَّثنا غيرُ واحد عن محمَّد بن أبي القاسم بإسناده إلى أبي العباس القاضي يقول: سمعتُ أَبا الحسين السعداني (١) يقول:] (٢) رأيت منصور بن عمار في المنام فقلت له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: أُوقفت بين يديه فقال: أَنْتَ الذي كنتَ تُزَهِّدُ النَّاسَ في الدنيا وتَرغَبُ فيها؟! فقلت: قد كان ذلك يَا إلهي، ولكن ما اتَّخذتُ مجلسًا إلَّا وبدأتُ بالثناء عليك، وبالصلاة على نبيك محمَّد ﷺ ، وثلَّثتُ بالنصيحة لعبادك، فقال: يَا ملائكتي، صدقَ، اصنعُوا له كرسيًّا في سمائي، فيمجِّدني بينكم كما كان يمجِّدُني بين عبادي. أسندَ عن جماعةٍ من العلماء منهم أبو الخطَّاب معروف الخياط، صَاحِب واثلةَ (٣) بن الأسقع، وروى عن الليثِ بن سعد وابنِ لهيعة وغيرهم. وروى عنه ابنُه سُليم، وعليّ بن خَشْرم، وجنادة بن محمَّد وغيرهم، وقد تكلَّموا فيه (٤). ومن روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن أعيتهُ المكاسبُ فعليه بمصر، وعليه بالجانب الغربي منها" (٥). وهو حديثٌ ضعيف. * * *

стр. 6687

السنة السادسة والعشرون بعد المئتين فيها هلك [الأفشين، والمازيار، و] محمَّد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، فصلَّى عليه المعتصم في داره. وقال ابن حبيب الهاشميّ في "تاريخه": و [في سنة ستِّ وعشرين ومئتين] في ليلة الاثنين النصف من جمادى الآخرة مُطِر أهل تيماء مطرًا وبَرَدًا كالبيض، قَتل ثلاثَ مئةٍ وسبعين إنسانًا، وهَدمَ دورًا كثيرةً، وسُمِع في ذلك صوتٌ يقول: أرحم عبادك، اعفُ عن عبادك، ونَظروا إلى أثر قدمٍ طولُها ذراعٌ، وعرضُها شبرٌ، وليس لها أصابع، ومن الخطوة إلى الخطوة ستةُ أو خمسةُ أذرع، فاتَّبعوا الصوتَ يسمعونه ولا يرونَ الشخص (١). [فصل] وحجَّ بالنَّاس محمَّد بن داود [بن عيسى بن موسى] بأمر أشناس التركي، وكان أشناس قد حجَّ في هذه السنة، ودُعي له على المنابر بالكوفة ومكَّة والمدينة، وولَّاه المعتصمُ إمرةَ كلِّ بلدٍ يمر فيها حتَّى رجعَ إلى سامرَّاء (٢). وفيها توفِّي الأفشينُ حيدر بن كاوس، من أولاد الأكاسرة، والأفشين لقبٌ لمن ملك أشروسنة [كما يُقال لكسرى ملك الفرس، ولقيصر ملك الروم، وللنجاشيّ ملك الحبشة]، وقد ذكرنَا أخبارَه، وأنه كاتبَ المازيار، واتَّفق معه على الفتكِ بالمعتصم، ونقل الملكِ إلى الفرس، وأنَّ المعتصمَ حبسَه في بيتٍ مربَّعٍ ضيِّق. وقال حمدون بن إسماعيل: بعثَ الأفشينُ معي رسالة إلى المعتصم يترفَّق له فيها، ويعتذرُ له، ويحلفُ ويتنصَّل مما قيل عنه، ويقول: مَثَلي ومَثَلُكَ كمثل رَجُلٍ ربَّى عجلًا حتَّى سمن وحسنت حالة، وكان له أصحابٌ، فاشتهوا أن يأكلُوا لحمَه، فعرَّضوا له بذبح العجل، فلم يجبهم، فاتَّفقوا فيما بينهم على أمرٍ، فقالوا له: لم تربِّي هذا الأسد،

стр. 6688

والأسد إذا كبر رجعَ إلى جنسه، وربَّما افترسَكَ؟! فقال لهم: ويحكم، هذا عجلٌ، وليس بأسد، وأنا ربَّيتُه، وأمُّه عندي، فقالوا: سل من شئت عنه، وقد تقدَّموا إلى جميع أصحابه أنَّه إذا سألهم قالوا: أسد، فسألَ الجميع، فقالوا: أسد، فقال: اذبحوه، فذبحوه وأكلوه، وأنا ذلك العجلُ، فكيف أكون أسدًا، فاللهَ اللهَ في أمري، اصطنعتني ورفعتني، فكيف أقابلُ إحسانَك بالإساءة، ولا تسمعْ فيَّ قولَ الأعادي، فإنَّما أنا عبدُك وأنت مولاي. ودعا به أحمدُ بن أبي دؤاد إلى دارِ العامَّة، وقال له: يَا حيدر أنتَ أقلف، وأراد أن يفضحَه بين الخاصَّة والقوَّاد إن يكشف، ويكذِّبه إذا امتنع، ثمَّ رُدَّ إلى حسبه (١). [واختلفوا في سبب وفاته، قال قومٌ: منعوه] (٢) الطعامَ والماءَ فمات. [وقال آخرون:] (٣) قتلَه المعتصم وصُلِب إلى جانب بابك، [وذلك] في شعبان [في هذه السنة] وقيل: في شوال. وقال الصوفي: ماتَ في الحبس، وأخرج فصلبَ بباب العامَّة في شعبان، وأُحضرت أصنامٌ كانت في داره حُمِلت [إليه] من أشروسنة، فأُحرقت بالنار، وطُرِحَ الأفشين فيها، فأحرق بالنار وذري. وقيل: إنَّه أقام مصلوبًا إلى جانب بابك مدَّةً. (٤) [وفيها توفيت] عِنَان جارية الناطفيّ، من مولَّدات المدينة، كانت جميلةً فصيحةً شاعرةً سريعةَ الجواب، بلغ الرشيد خبرُها، فاستعرضَها، فقال مولاها: ما أبيعُها إلَّا بمئة أَلْف درهم، فردَّها [على مولاها] فتصدَّق الناطفيُّ بثلاثين أَلْف درهم، فلما ماتَ مولاها نُودي عليها، فقال مسرور الكبير: عليَّ بمئة أَلْف درهم، فزاد رجلٌ عليه خمسين ألفًا، وخرَج بها إلى خراسان، فماتت هناك.

стр. 6689

[وقال الصوليّ: قال] لها بعضُ الشعراء: أجيزي قَولي: وما زال يشكو الحبَّ حتَّى رأيتُه … تنفَّس من أحشائِه وتكلَّما فقالت: ويبكي فأبكي رحمةً لبكائه … إذا ما بكى دمعًا بَكَيتُ له دمًا (١) [فصل: وفيها تُوفِّي المازيار صاحبُ طبرستان واسمُه محمَّد بن قارن،] (٢) كان مباينًا لعبد الله بن طاهر، وكان الأفشين [يدسُّ] إليه ويشجعه، ويحملُه على خلاف المعتصم، فخالف وصادر النَّاس بطبرستان وأذلَّهم، وجعل السلاسلَ في أعناقهم، وهدم أسوارَ المدن، فهرب النَّاس منه إلى خراسان [إلى عبد الله بن طاهر] وكتبَ المعتصم إلى عبد الله بن طاهر، فأمره بقتاله، فبعثَ إليه عمَّه الحسن بن الحسين بن مصعب، فحاربَه وأحاط به في سنة خمس وعشرين ومئتين، [وقد ذكرناه] وأخذه [الحسنُ] أسيرًا، وقتل أخاه قوهيار، وجاء به إلى عبد الله بن طاهر، فوعَده إن هو أظهرَه على كُتب الأفشين إليه أن يشفع فيه عندَ المعتصم، فأقرَّ له المازيار بالكتب، فأخذَها ابنُ طاهر منه، وبعثَ بها وبالمازيار إلى المعتصم، فسألَ المعتصمُ المازيار عن الكتب فلم يقرّ بها، فأمر بضربه حتَّى مات، وصلِبَ إلى جنب بابك (٣)، [كما ذكرنا أنَّه وافقه على أشياء.] (٤) وقال الصوليُّ: أدخل المازيار سُرَّ من رأى في شوال، وكان المعتصمُ قد أمر أن يركب على الفيل، فامتنع، فأُدخِل على بغلٍ بإكاف، وقيل: كان ذلك في ذي القعدة. وكان الأفشين قد حُبِسَ قبله بيوم، وجلس المعتصم [في مجلس الخلافة، وأمرَ أنْ يُجمعَ بين المازيار والأفشين]، فجمع بينهما، فأقرَّ المازيار أنَّ الأفشين كان يكاتبُه

стр. 6690

ويحمله على الخلاف، فأمر بردِّ الأفشين إلى محبسه، وضُرِبَ المازيار أربعَ مئة وخمسينَ سوطًا، وطلبَ الماء فلم يُسق، فماتَ من ساعته عطشًا. و [قال الصوليُّ:] قيل للمعتصم: لا تعجلْ بقتله، فعنده أموالُ الدنيا، وله ودائعُ بطبرستان وغيرها ممَّا لا يحصى، فاستدرِجْهُ وخذ منه، فإذا حصل الكلُّ عندك فاقتله، فأنشد: [من البسيط] إنَّ الأسودَ أسودُ الغاب همَّتُها … يومَ الكريهة في المسلوبِ لا السَّلبِ (١) وكان عند المازيار خزائنُ الدنيا (٢)، وكان عظيمًا عند المأمون، يكتبُ إليه من عبد الله المأمون إلى أصبهبذ (٣) أَصبهان وصاحب طبرستان (٤) محمَّد بن قارن مولى أمير المُؤْمنين. محمدُ بن الهذيل ابن عبد الله (٥) بن مكحول، أبو الهذيل العلَّاف البَصْرِيّ، مولى عبد القيس، شيخ المعتزلة، مصنِّف الكتب في مذهبهم. ولد سنة خمسٍ وثلاثين ومئة، وقدم بغداد وناظر على مذهب القوم، وكان خبيثَ اللسان، يردُّ نصَّ كتاب الله تعالى، وفارق الإجماع، وزعمَ أنَّ أهلَ الجنَّة تنقطعُ حركاتهم وسكناتهم فيها، حتَّى لا يتكلموا كلمةً، ولزمَ القولَ بانقطاع نعيمِ أهل الجنة. وجَحَد صفات الله، وقال: علمُ الله هو الله، وقدرةُ الله هي الله، فجعل الله عِلمًا وقدرةً، فتعالى الله العظيمُ جلَّ شأنُه وتقدَّسَ أسماؤه عمَّا وصفَه به علوًّا كبيرًا. وكنت (٦) أختلفُ إلى عثمان الطَّويل صاحبِ واصل بن عطاء، فبلغني أنَّ يهوديًّا قَدِم

стр. 6691

البصرة، فقطع عامَّةَ متكلِّميها، فمضيتُ إليه، فوجدته يقرِّرُ نبوَّة موسى ﵇، ويجحدُ نبوَّة نبيِّنا محمَّد ﷺ ، ويقول: قد تساعدنا على نبوَّة موسى، وأنا لا أوافقكم على نبوَّة غيره، وقد بشَّر نبيُّكم به. ولم يكن عند أحدٍ جوابٌ. فقلت له: إنْ كان موسى الذي تشيرُ إليه هو الذي أخبر عن (١) نبيِّنا ﷺ وأمرنا باتِّباعه، فنحن نؤمنُ به، وإن كان موسى الذي أشرفَ إليه لا يقرُّ بنبوَّة نبيِّنا ويجحدُه، فلسنا نعرفُه، فتحيَّر وقال: ما تقول في التوراة؟ فقلت: الجوابُ واحد، إن كانت أُنزِلت على موسى الذي أقرَّ بنبيِّنا فهي حق، وإلَّا فهي باطل، فتقدَّم إلى وسارَّني وشتمني أقبحَ شتم، وظنَّ أنِّي أثبُ به، فيقول: ضربوني، فتأخَّرتُ عنه وقلت للحاضرين: قد سمعتم جوابي وظهر عجزه وانقطاعه، وإنه سارَّني وشتمني شتمًا يجب به الحدُّ عليه، فأخذَتْه النعالُ، وخرجَ هاربًا من البصرة. وقال المأمون لحاجبه: أخرج فانظر مَنْ بالباب من المتكلمين، فخرج وقال: أبو الهذيل المعتزليّ، وعبد الله بن إباض الخارجيّ، وهشام بن الكلبي الرافضيّ، فقال المأمون: ما بقيَ من رؤساء جهنَّم أحدٌ إلَّا وقد حضر. وقال الخَطيب: شربَ أبو الهذيل عند ابنٍ (٢) لعثمان بن عبد الوهَّاب، فراود غلامًا في الكنيف، فضربَهُ الغلامُ بتورٍ سفاذرويه (٣) في رأسه، فدخلَ في رقبته، وصار مثل الطوق، فبعثوا إلى حدَّادٍ ففكَّه عن رقبته. وقال: إنَّه تُوفِّي في سُرَّ مَنْ رأى في هذه السنة، وقد أتت عليه مئة وأربع سنين (٤). ووهم الخَطيب. وقال أبو الفرج الجوزي ﵀: إنَّه مات سنة خمسٍ وثلاثين ومئتين (٥).

стр. 6692

يحيى بن يحيى ابن بَكْر (١) بن عبد الرَّحمن، أبو زكريا التميميُّ المِنْقَرِيُّ الحَنظليُّ النَّيسابوريُّ، الزاهدُ العابدُ الورعُ، إمامُ أهل نيسابور، وهو من ولد قيس بن عاصم المِنْقريّ، ويقال: إنَّه مولى بني مِنْقَر. وقد أثنى عليه الأئمَّة، فقال عبد الله بنُ الإِمام أَحْمد بن حنبل ﵀: رأى أبي يقول: يحيى بن يحيى ريحانةُ خراسان (٢). وقال إسحاقُ بن راهويه: ما رأيتُ مثلَ يحيى، ولا هو رأى مثلَ نفسه. وقال أبو علي الحسن بن عليّ بن بُنْدار الزَّنْجَاني: كان يحيى بن يحيى يحضر مجلس مالك بن أنس، وكان المأمونُ يحضره، فانكسرَ قلمُ يحيى، فناولَهُ المأمون قلمًا من ذهب، فامتنع من قبوله، فقال له المأمون: ما اسمُك؟ فقال: يحيى بن يحيى النَّيسابوريّ، قال: تعرفني؟ قال: نعم، ابنُ أمير المُؤْمنين، فكتب المأمون على ظهرِ جزئه: ناولتُ يحيى بن يحيى النيسابوريَّ قلمًا في مجلس مالك، فلم يقبله. فلما أفضت الخلافةُ إليه كتبَ إلى عاملِه بنيسابور يأمُره أن يولِّيه القضاءَ، فبعث إليه الوالي يستدعيه، فقال بعض من حضر: ليتَه يأذن للرسول فضلًا عن أن يجيء إليك، فبعث إليه بكتاب المأمون، فقُرِيء عليه، فامتنعَ، فردَّ ثانيًا وقال: أميرُ المُؤْمنين يأمرك بشيءٍ وأنت من رعيَّتِه وتأبى عليه، فقال: قل لأمير المُؤْمنين: ناولتني قلمًا وأنا شابّ فلم أقبله، أفتجبرني الآن على القضاء وأنا شيخ، فرُفِع الخبرُ إلى المأمون، فقال: قد علمتُ امتناعَه ولكن ولِّ رجلًا يختاره، فبعث إليه العامل، فاختار رجلًا فولَّاه القضاءَ، فدخل على يحيى وعليه سواده، فضمَّ يحيى فراشَه كراهةَ أن يجمعه وإيَّاه، فقال: أيُّها الشيخ، ألم تخترني؟ فقال: إنَّما قلت: اختاروه، وما قلتُ لك: تتقلَّد القضاء (٣).

стр. 6693

وقالت فاطمة امرأة يحيى: قام يحيى ليلةً لورْدِه، فلمَّا فرغ منه قعد يقرأ، إذ سمعتُ جلبةً، فإذا العسكرُ والمشاعل، وهم يقولون: الأميرُ عبد الله بن طاهر يريدُ زيارةَ أبي زكريا، فاستأذنوا، ففتحنا الباب، فدخل عبد الله بن طاهر وحدَه، فسلَّم وقام يحيى والمصحف في يده، ثمَّ رجع إلى قراءته حتَّى ختمَ السورة التي كان افتتحها، ثم اعتذر إلى عبد الله وقال: لم أشتغلْ تهاونًا، وإنَّما كنتُ قد افتتحتُ سورةً، فكرهتُ أنْ لا أختمها، وحادَثه ساعةً، ثم قال له: ارفع حوائجك، فقال: لي حاجة، قال: هي مقضيَّةٌ مهما كانت، قال: قد كنت أسمعُ محاسنَ وجه الأمير، ولم أعاينها إلَّا في ساعتي هذه، وحاجتي إليكَ أن لا ترتكبَ ما يحرقُ هذه المحاسن بالنار، فأخذ ابنُ طاهر بالبكاء، ثمَّ قام وهو يبكي (١). وشرب يحيى دواءً، فقالت له زوجتُه: قم فتمشَّ في الدار، فقال: أنا أحاسبُ نفسي منذ أربعينَ سنة على خُطاي، فما أعلم ما هذه المِشْية (٢). وكان إسحاقُ بن راهويه قد ركبه دَينٌ، فدخلَ على يحيى بالعلماء إلى أن يكتب إلى ابن طاهر ورقةً، فامتنعَ، فألحُّوا عليه، فكتب من يحيى بن يحيى إلى عبد الله بن طاهر … فدخل إسحاق على عبد الله بالورقة، فقام له واحترمه وقال له: كم دَينُك؟ قال: ثلاثون ألفًا، فقضاها عنه، وجعلَهُ من خواصِّه. تُوفِّي يحيى بنيسابور يوم الأربعاء سَلْخَ صفر، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنة، فقال محمَّد بن الحسن السرَّاج الزَّاهد -وكان من العبَّاد-: رأيتُ رسولَ الله ﷺ في النَّوم، فكأنه قد أقبلَ إلى أن وقف على قبرِ يحيى، فتقدَّم، وصفَّ خلفَه جماعةٌ من أصحابه، فصلَّى عليه، ثمَّ التفتَ إلى أصحابه وقال: هذا القبرُ أمانٌ لأهل هذه المدينة. وقال الحاكم: روى عن يحيى بن يحيى خمس طبقات (٣) من كبار الأئمَّة والعلماء، ورَوى عنه أئمَّة البلدان، وأخرجَ عنه البخاريُّ في مواضع، واتَّفقوا على صدقِه وثقتِه ودينِه وأمانتِه وورعِه.

стр. 6694

السنة السابعة والعشرون بعد المئتين فيها خرجَ أبو حرب المُبَرْقَع اليماني بفلسطين على المعتصم، وسببُ خروجه أنَّ بعض الأجناد أراد أن ينزلَ بداره وهو غائبٌ [عنها]، فمانعته زوجته، [وقيل: زوجته أو أخته،] فقنَّعها بسوطٍ، فاتَّقته بذراعها، فأثَّر السوط فيه، فلما رجعَ أبو حرب [إلى منزله بكت وأخبرته بما فعل بها] (١)، فأتى [أبو حرب] إلى الجنديِّ وهو غارّ، فقتله، وخرجَ إلى جبل من جبال الأردن، فأقامَ فيه وتبرقع؛ لئلَّا يعرف، وكان في النهار يجلس [متبرقعًا على الجبل]، فيراه الرائي فيأتيه فيذكِّره ويحرِّضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعيبُ السلطانَ [وأعوانه] ونوَّابَه، ويذكرُ ظلمَهم، [فما زال حتَّى استجاب له] (٢) خلقٌ من الحرَّاثين وأهل القرى، وكان زعم أنَّه أمويّ، [فقال الذين استجابوا له:] (٣) هذا هو السفيانيّ، فلما كثُرت غاشيتهُ وأتباعه من هذه الطَّبقة دعا أهلَ البيوتات من أهلِ تلك الناحية، فاستجابَ له جماعةٌ من رؤساء اليمانية، منهم] رجلٌ يقال له] ابن بَيهس وكان مُطَاعًا في اليمن، ورجلان من أهل دمشق، فيقال: إنَّه صار في مئة أَلْفٍ، وقيل: في خمسين ألفًا. وبلغَ المعتصمَ خبرُه، وهو مريضٌ مرضَ الموت، فبعثَ إليه رجاء بن أَيُّوب الحِضاريَّ (٤) في ألفِ رجلٍ من الجند، فلمَّا صار إليه [رجاء] وجدَه في عالمٍ عظيم، فكره مواقعته [وهو في مئة أَلْف] فعسكر بحذائه، وطاوَلَه حتَّى جاء أوانُ الزراعة، فانصرفَ الحرَّاثونَ إلى الحرث، وأصحابُ الأراضي إلى أراضيهم، وبقي [أبو حرب] في [نفرٍ زُهاءَ] أَلْفٍ أو ألفين، فناجَزه رجاءٌ، واقتتلوا، فأخذَه رجاء أسيرًا، وقدمَ به على المعتصم، فلامَه لتأخُّر مناجزته، فقال: بعثتني في أَلْفٍ إلى من معه مئةُ أَلْف،

стр. 6695

فتمهَّلتُ حتَّى لاحت [لي] الفرصة، فناهضته، فأمرَ بحبسِه في المطبق (١). [وفي روايةٍ أن خروجه كان في سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، وأنَّه خرج بالرملة وأرض فلسطين، وقال النَّاس: هذا السفيانيّ، وأنَّ ابن بيهس قاتلَ معه، وقُتِل من أصحابه نحو من خمسة آلاف -وقيل: عشرين ألفًا - وأنَّ ابنَ حرب وابنَ بيهس أُخِذَا أسيرين، وقَدِمَ بهما رجاء الحِضاريُّ إلى سُرَّ من رأى، فحُبسَا في المطبق.] (٢) وفيها كانت وفاةُ المعتصم، وولي ولدُه هارون. البابُ التاسع في خلافة الواثق بالله وكنيتُه أبو جعفر، وقيل: أبو القاسم، ولدَ بطريق مكَّة سنة تسعين ومئة، وأمه قراطيس، أمُّ ولدٍ روميَّة. وكان أبيضَ تعلوه صفرةٌ، وقيل: كان مشربًا حمرة، ربعةً حسنَ الوجه، والوجهُ قائم العين (٣) اليسرى، و [كان] بها نكتة بياض، [وقيل:] كالكوكب الخفيِّ لا يكادُ يبين. [ذكر بيعته بويع بسُرَّ من رأى يومَ مات أبوه بعهدٍ منه، وكان له يوم بُويع سبعٌ وثلاثون سنة، وبويع ببغداد، وكتب ببيعته إلى الآفاق. قال الخَطيب (٤): وكان ذلك في يوم الأربعاء لثمانٍ خلونَ من ربيع الأول في هذه السنة. وحُكي عن الخَطيب بإسناده إلى ابن أبي الدنيا قال: كان له يوم بُويع تسعٌ وعشرون سنة (٥).

стр. 6696

قلت: وقد حكى جدِّي في "المنتظم" (١) أنَّه ولدَ سنةَ تسعين ومئة، وهذه سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، فكيف يكون له يوم بويع تسع وعشرون سنة؟! وقد وَهمَ الطَّبرِيُّ أَيضًا في هذا فقال: كان له يومَ بويع إحدى وثلاثون سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا. (٢) وكيف يستقيمُ هذا مع أنَّ المشهورَ أنّه ولدَ في سنة تسعين ومئة.] (٣) وقال عليُّ بن الجهم في ذلك: [من السريع] قد فازَ ذو الدُّنيا وذو الدِّينِ … بدولةِ الواثقِ هارونِ أفاضَ من عدلٍ ومن نائل … ما أحسنَ الدنيا مع الدِّينِ قد عمَّ بالإحسان من فِعْلِهِ (٤) … فالناسُ في خفضٍ وفي لينِ ما أكثر الداعي له بالبقا … وأكثرَ التالي بآمينِ (٥) وقال أَيضًا: [من مجزوء الرمل] وَثقَتْ بالملكِ الوا … ثِقِ بالله النفوسُ ملكٌ يَشقَى به الما … لُ ولا يَشقى الجليسُ أَنِسَ السيفُ به واسـ … توحشَ العِلْقُ النفيسُ أسدٌ يضحك (٦) عن شدْ … دَاته الحرب العبوسُ

стр. 6697

يا بني العباسِ يأبى الـ … ـلَّه إلَّا أنْ تروسُوا (١) ولما بُويع أنشدَه أبو تمام قصيدتَه التي يقول في أوَّلها: [من الكامل] ما للدُّموعِ ترومُ كُلَّ مَرَامِ … [والجفنُ ثاكلُ هَجعةٍ ومنامِ يَا حفرةَ المعصوم تربُكِ مودعٌ] … (٢) ماءَ الحياة وقاتل الإعدامِ ما دام هارونُ الخليفه فالهدَى … في غِبْطةٍ موصولةٍ بدوامِ لمَّا دعوتهم لأجل عهودها (٣) … طار السرورُ بمعرقٍ وشآمِ لو يقدرونَ مَشَوا على وَجَناتهم … وعُيونِهم فضلًا عن الأقدامِ هي بيعةُ الرضوانِ يُشْرَعُ وَسْطَها … بابُ السلامةِ فادخُلوا بسلامِ (٤) وأولُ مجلسٍ جلس فيه الندماء أُنشِدَ بين يديه: [من الخفيف] فليقلْ فيك باكياتُكَ ماشِئـ … نَ صباحًا ووقتَ كلِّ مساءِ فبكى الواثقُ والحاضرونَ، ثم غنَّى بعضُ المغنِّين: [من البسيط] وَدِّع هريرةَ إن الركبَ مرتحلُ … وهل تطيقُ وداعًا أيُّها الرجلُ (٥) فقال الواثقُ: والله ما سمعتُ تعزيةً ولا نعيَ نفسٍ هكذا، ثم قام من مجلسه باكيًا. (٦) وقال العتبيّ (٧): كتب دعبل الخُزَاعِيّ أبياتًا، وبعثَ بها في رقعةٍ مختومةٍ إلى الواثق، وهي [هذه الأبيات:] [من البسيط] الحمدُ لله لا صبرٌ ولا جَلَدُ … ولا رقادٌ (٨) إذا أهلُ الهوى رَقدُوا خليفةٌ مات لم يَحزنْ له أحدٌ … وآخرٌ قامَ لم يَفرح به أحدُ

стр. 6698

فمرَّ هذا ومرَّ الشؤمُ يتبعه … وقامَ هذا فقامَ الويلُ والنَّكَدُ فطلبه فلم يقدر عليه. [وسنذكر القصة في سنة اثنتين وثلاثين ومئتين. واختلفوا مَن] حجَّ بالناس [في هذه السنة على قولين، أحدهما:] جعفر بن المعتصم، [والثاني:] (١) محمَّد بن داود (٢). وكانت أم الواثق قد خرجت تريدُ الحجَّ، فتوفيت بالكوفة لأربعِ خلونَ من ذي القعدة، فدُفِنت في دار داود بن عيسى بالكوفة. [فصل:] وفيها توفي بشرُ بنُ الحارث ابن عبد الرَّحمن بنِ عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله، أبو نصر [المروزي] المعروف بالحافي، وجدُّه عبد الله الذي انتهى إليه نسبُه أسلمَ على يد علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، و [عليٌّ] سمَّاه عبدَ الله. ولد بشر بمرو سنةَ خمسين ومئة، وسكن بغداد، وفاقَ أهلَ عصره في الزهد والورع وحُسنِ الطريقة والعقل والسَّداد، وقد ذكرهُ العلماء وأثنَوا عليه، [فذكره ابنُ سعد فيمن نزل بغداد من المحدِّثين والفقهاء والزهَّاد، فقال: بشر بن الحارث، ويكنى أبا نصر، وكان من أبناء أهل خراسان من أهل مرو، نَزَل بغداد] وطلبَ الحديث، وسمع من حمَّاد بن زيد وشَريك بن عبد الله وابن المبارك وهُشيم وغيرهم سماعًا كثيرًا، ثم أقبلَ على العبادةِ، واعتزلَ الناس فلم يحدِّث، ومات ببغداد يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول [سنة سبع وعشرين ومئتين]، وشهده خلق كثيرٌ من أهل بغداد وغيرها، ودفن بباب حرب، وهو [يومئذٍ] ابن ست وسبعين سنة. [هذه صورة ما ذكر ابن سعد (٣).

стр. 6699

وذكره أبو عبد الرَّحمن السُّلميّ وأثنى عليه، وقيل: كان خال ابن خَشْرَم، وقيل: بل كان عليُّ بن خَشْرم خاله، وقيل: ابن عمِّه. قال السلميّ:] كان [بشر] من أبناء الرؤساء بخراسان [وقال] وصار أوحد (١) الزهَّاد والأئمَّة في زمانه، وصحبه الجُنَيد والفُضَيل بن عِياض وأقرانهما (٢). [وذكره الخطيب وأثنى عليه وقال: ابنُ عمّ علي بن خشرم،] وكان عظيم الشأن، فإنْ أهل عصره في الزهد والورع، وتفرَّد بوفور العقل، وأنواع الفضل، وحسن الطريقة، واستقامة المذهب، وعزوف النفس، [وإسقاط الفضول، وسمع الحديث الكثير]، ودَفَنَ كتبَه في آخر الأمر، وكانت ثمانية عشر قِمَطْرًا وقَوْصوةً من كتب الحديث (٣). [وسنتكلم على هذا في آخر ترجمة بشر إن شاء الله تعالى. وذكره صاحبُ "الرسالة" القشيريُّ وأثنى عليه وقال: هو ابن أخت [علي بن] (٤) خَشْرم، وذكر بعض مناقبه، وسنذكرها. وذكره أبو نعيم الحافظ في "الحلية" وقال: أصله من قرية يقال لها: مَابَرْسام وهو ابن أخت علي بن خَشْرم (٥). وأثنى عليه. وقال: صحب الفُضيلَ بن عياض، وكان عظيم الشأن. قال:] وقال أبو بكر بن أبي دواد: دخلتُ قريَة بشر، وهي على ستَّة [أميالٍ] من مرو، وأقمتُ فيها مدَّةً أكتبُ عن عليِّ بن خَشْرَم. [وقال لي: هذه دار عبد الرَّحمن جدِّي، وجد بشر بن الحارث، أبو علي بن خشرم بن عبد الرَّحمن وبشر بن الحارث بن عبد الرحمن، وَجَّهتُ إليه بثمن حصَّة أبيه منها قال: وأخرج إليَّ كتابًا، وقال: هذه رسالة بشر. وقد ذكرها في "المناقب" (٦) وهي تتضمن الموعظة.]

стр. 6700

ذكر طرف من أخباره: [سبب توبتُه: قرأتُ على شيخنا الموفق المقدسيّ ﵀ من كتاب "التوابين" قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الباقي بإسناده إلى محمد بن عبد الله بن داود الدِّينَوَريّ قال:] سمعتُ بشر بن الحارث [الحافي] وقد سئل: ما كان بدء أمرك؛ [لأن اسمك بين الناس، كأنه اسم نبيّ؟!] قال: [هذا من فضل الله، وما أقول لكم. إني] (١) كنت رجلًا عيَّارًا صاحب عصبية، فجزتُ يومًا، وإذا بقرطاس في الطريق، فرفعته، فإذا فيه: "بسم الله الرَّحمن الرحيم"، فمسحتُه وجعلتُه في جيبي، وكان عندي درهمان لا أملكُ غيرهما، فاشتريتُ بهما غاليةً، ومسحتُ القرطاس بها، فنمت تلك الليلة، فرأيتُ في المنام [كأنَّ] قائلًا يقول: يا بشر، رفعتَ اسمنَا عن الطريق وطيبته؛ لأطيبن اسمك في الدنيا و [في] الآخرة (٢). [وقد روى ابن جهضم بمعناها وقال: لم يكن عندي سوى درهم فيه خمسة دوانيق، فاشتريت بأربعة دوانيق مسكًا، وبدانق ماء ورد، وجعلت أتتبعُ اسمَ الله وأطيِّبُه، ثم رجعتُ إلى منزلي فنمتُ، فأتاني آتٍ في منامي فقال: يا بشر، كما طيَّبت اسمي لأطيبنَّ اسمك، وكما طهَّرته لأطهرنَّ قلبك (٣). وذكره ابن خميس في "مناقب الأبرار" بمعناه وقال: أصاب كاغِدة في الطريق قد وطئتها الأقدام فيها اسمُ الله تعالى، فأخذها وقبَّلها وطيَّبَها، وجعلها في شقِّ حائط، وذكره (٤). وروي لنا في سبب توبة بشر حكايةٌ أخرى قرأتُها على شيخنا الموفق أيضًا من كتاب "التوابين" قال:] (٥) حكي أنَّ بشرًا كان في زمن لهوه في داره وعنده رفقاءُ يشربون

стр. 6701

ويطيبون (١)، فاجتازَ بهم رجلٌ من الصالحين، فَدقَّ الباب، فخرجت إليه جاريةٌ، فقال لها: صاحب هذه الدار حرٌّ أم عبد؟ فقالت: بل حرّ، فقال: صدقت، لو كان عبدًا لاستعملَ أدبَ العبودية، وتركَ اللهو والطرب، فسمعَ بشرٌ محاورتهما، فسارع إلى الباب حافيًا [حاسرًا]، وقد ولَّى الوجل، فقال للجارية: ويحك، من كلَّمك (٢) فأخبرته، [فقال: أيَّ ناحيةٍ أخذ الرجل؟ فقالت: ناحية كذا]، فتبعَه [بشر] حتى لحقَه، فقال له: يا سيدي، أنتَ الذي وقفتَ على الباب وخاطبتَ الجارية؟ قال: نعم، قال: أَعِدْ عليَّ ما قلت لها، فأعاد عليه، فجعلَ بشر يمرِّغُ خدَّيه على الأرض ويقول: بل عبدٌ، عبدٌ، عبدٌ، ثمَّ هامَ على وجهه حافيًا [حاسرًا] حتى عُرِفَ بالحفاء، فقيلَ له: لم لا تلبس نعلًا؟! فقال: لأني ما صالحني مولاي إلَّا وأنا حافٍ، فلا أزولُ عن هذه الحالة حتى الممات (٣). [وقد ذكرنا عن بنت المعافى بن عمران أنَّ بشرًا طرقَ الباب عليها يطلبُ أباها، فقالت: مَنْ بالباب؟ قلت: بشر الحافي، فقالت: لو اشتريتَ نعلًا بدانقين لذهبت عنك هذه الشهرة (٤). وكان لها ستُّ سنين. ذكره زهده وورعه وعبادته وخوفه ونحو ذلك: حكى عنه أبو عبد الرَّحمن السُّلميّ أنَّه قال:] (٥) ما شبعتُ منذ ثلاثين سنة، وفي روايةٍ: منذُ خمسينَ سنة. وقال أبو بكر المروزيّ: قدم بشر من عَبَّادان وهو متَّزرٌ بحصيرٍ بال. [قال:] وكان يقول: إنِّي لأشتهي الشواءَ منذ أربعين سنة، ما صفا لي درهمه، وإنِّي لأشتهي الباذنجان منذ ثلاثينَ سنةً، ما صفت لي حبَّة (٦).

стр. 6702

[وحكى الفتح بن شَخْرف عن عمرَ ابن أخت بشر قال:] (١) سمعتُ خالي بشرًا يقول لأمي: جوفي وجعٌ، وخواصري تضربُ علي من الجوع، فقالت: ائذن لي أن أصلح لك حساءً من دقيق تتحسَّاهُ يَرُمُّ جوفَك، فقال: ويحك، أخافُ أن يقول لي: من أين لك هذا الدقيق؟ فلا أدري ما أقول، [قال:] فبكت أمِّي وبكى معها وبكيتُ معهما. قال: ورأت أمِّي ليلةً ما به من شدَّةِ الجوع، وجعل يتنقسُ نفسًا ضعيفًا، فقالت له أمي: يا أخي، ليتَ أقَكَ لم تلدني، فقد والله تقطَّع كبدي ممَّا أرى بك، فقال لها: وأنا فليتَ أمَّكِ لم تلدني، وإذ قد ولدتني لم يَدِرَّ لها عليَّ ثدي. [قال عمر:] وكانت أمي تبكي عليه الليلَ والنهار (٢). [وحكى الخطيب عن زُبدة أختِ بشر قالت:] (٣) دخل على بشرٌ ليلةً، فوضعَ إحدى رجليه داخل الدار والأخرى من خارج، فلم يزل كذلك إلى الصبح، فقلت له في ذلك، فقال: تفكَّرت في بشرٍ النصرانيّ، وبشر اليهوديّ، وبشر المجوسيّ، وفي اسمي، فقلت: ويحك! ما الذي سبق لكَ حتى خصَّك الله [بالإسلام]، فتفكَّرتُ في هذه السابقة والخاتمة، فحمدتُ الله حيث جعلني من خاصَّته، وألبسني لباس أحبائه (٤). قال الخطيب: وكان يبكي حتى ذهبت أشفارُ عينيه من البكاء، ويقول: ليتَ لا يكون حظِّي من الله قول الناس: بشر بشر (٥). [وحَكى في "المناقب" قال:] مرَّ يومًا على بعض الناس فقال: هذا رجلٌ لا ينامُ الليل، ولا يفطرُ إلَّا في كلِّ ثلاثة أيَّام مرَّة، فبكى بشر وقال: إنِّي لا أذكرُ أنِّي سهرتُ ليلةً كاملة، ولا صمتُ يومًا لم أفطر في ليلته، ولكنَّ الله يلقي في القلوب أكثرَ ممَّا يفعلُه العبدُ لطفًا منه وكرمًا (٦).

стр. 6703

[قال:] وقال ابن أخته: دخلتُ عليه يومًا وهو عُريَانٌ، والبردُ شديد وهو ينتفض، فقلت له: الناسُ يزيدونَ اليوم في الثياب وأنت قد خلعتَ ثوبك، فقال: ذكرتُ الفقراء وما هم فيه، ولم أقدر على مواساتهم، فآسيتُهم بنفسي (١). قال: ودعا رجلٌ يومًا خالي إلى طعام، فامتنع، فألحَّ عليه فحضر، فلمَّا قُدِّمَ الطعام، اجتهدَ بشرٌ أنْ يمدَّ يَده إليه، فما قدر، فقال رجلٌ: ما أغنى صاحبَ الدعوة أن يدعوه. يعني أنَّ يده ما كانت تمتدُّ إلى طعامٍ فيه شبهةٌ (٢)، [والله أعلم. ذكر اجتماعه بالخضر ﵇: حكى عنه في "المناقب" قال:] (٣) دخلتُ يومًا إلى الدار، وكانت لي فيها حُجْرةٌ لا يدخلها غيري، ومفتاحها معي، وإذا برجل طُوالٍ قائم يصلِّي، فقلت: من أين دخل هذا؟! فسلَّم ثمَّ قال: يا بشر لا تُرَع، فأنا أخوك الخضر، [فقلتُ: علِّمني شيئًا أنتفع به، فقال: استغفر الله من كلِّ ذنب (٤) تبت منه ثم عدت فيه، واستغفر الله من كلِّ عقد عقدْتَه معه ثم فسختَه، واستغفر الله من كلِّ نعمةٍ أنعم بها عليك فما استغنيت بها عن معصيته (٥). ذكر قصته مع السائل: حكى الخطيب عن إبراهيم الحربي قال:] (٦) حملني أبي إلى بشر، وقال له: يا أبا نصر إن ابني لمشتغلٌ بكتابة الحديث والعلم، فادعُ له، فقال [لي] بشر: يا بنيّ، ينبغي

стр. 6704

أنْ تعمل بالعلم، وإنْ لم تعمل بكلِّه (١)، فمن كل مئتين خمسة، مثل زكاة الورِق، فقال له أبي: ادع له، فقال: دعاؤك أبلغُ، فإنَّ دعاءَ الوالد لولده كدعاء النَّبيِّ لأمَّته، [قال:] فاستحسنتُ كلامَه، فدخلتُ الجامعَ يوم الجمعة، فإذا بشرٌ يصلِّي [في قبة الشعراء]، فقمتُ خلفَه أركعُ إلى أن نودي بالأذان، فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا قوم (٢)، احذروا أن أكون صادقًا، فليس مع الاضطرار اختيار، ولا يحسن السكوت مع العلم، ولا السؤالُ مع الوجد (٣)، وثَمَّ فاقة، فأعطاه بشر قطعةً قدر دانق، [قال إبراهيم:] فقمتُ فأعطيتُه درهمًا، وطلبتُ الدانق منه، فأبى حتى أعطيتُه عشرةَ دراهم، فقال لي: يا هذا وما رغبتك في دانق تبذلُ فيه عشرةَ دراهم، فقلت: هذا رجلٌ صالحٌ، قال: فأنا في معروفه أرغبُ منك، [ولستُ أستبدل النعم نقمًا، وإلى أن آكل هذه] (٤) القطعة فرجٌ عاجل، أو أجلٌ [آجل، وفي لفظ: أو منيَّةٌ قاضية]، فقلت: انظروا معروفَ من عند من (٥)؟ ثم قلت: يا شيخ دعوة، فقال: أحيا الله قلبكَ ولا أماتَه حتى يميت جسمك، وجَعَلَك ممَّن يشتري نفسَه بكلِّ شيء، ولا يبيعُها بشيء (٦). [قصة البطيخة: قرأت على شيخنا الموفق ﵀ بإسناده إلى فاطمة بنت أحمد أخت أبي علي الرُّوْذَباري قالت] (٧): كان ببغداد عشرةُ فتيان معهم عشرةُ أحداث، فوجَّهوا حَدَثًا منهم في حاجةٍ لهم، فأبطأ، وجاء وهو يضحك، وفي يده بطيخة، فحردوا عليه وقالوا: تبطئ وتجيء وأنت تضحك؟! فقال: جئتُكم بأعجوبةٍ، قالوا: وما هي؟ قال: وضع

стр. 6705

بشرٌ يدَه على هذه البطيخة، فاشتريتُها بعشرين درهمًا، فأخذَ كل واحدٍ يقبِّلُها ويضعها على عينيه، فقال واحدٌ منهم: بأيِّ شيءٍ بلغَ بشرٌ هذه المرتبة؟! فقالوا: بالتقوى، قال: أشهدكم على أنِّي تائبٌ إلى الله تعالى، فقال القوم [كلُّهم:] ونحن تائبون، ثمَّ خرجوا إلى طَرَسُوس، فاستُشْهدوا كلُّهم (١). [قصة المرأة التي تعلَّق بها الرجل: قرأت على شيخنا الموفق ﵀ قال بإسناده إلى الفتح بن شَخْرف قال:] (٢) تعلَّق رجلٌ بباب الشام بامرأةٍ وبيده سكين، لا يدنو منه أحدٌ إلَّا عقرَه، وكان [الرجل] شديدَ البدن، فبينا الناسُ كذلك، والمرأةُ تصيح في يده، إذ مرَّ بشرٌ، فدنا منه، وحكَّ كتفَه بكتف الرجل، فوَقَعَ الرجلُ إلى الأرض، ومضى بشرٌ والمرأة. قال الفتح: فدنوتُ من الرجل وهو يرشحُ عرقًا، فسألته عن حاله، فقال: ما أدري، ولكنه حاكَّني رجلٌ شيخ، وقال: إنَّ الله ناظرٌ إليك وإلى ما تعمل، فضعفتْ لقوله قدماي، وهبتُه هيبة شديدة، لا أدري من هو، فقلت: بشر الحافي، فقال: واسوأتاه، كيف ينظرُ إليَّ بعد اليوم؟! ثم حُمَّ من يومه، ومات من اليوم السابع (٣). [قصة الرجل الذي كان يقع في الصوفيَّة: رواها أبو نعيم، وقرأتُها على الموفق أيضًا بإسناده إلى أبي عبد الله القاضي عن أبيه كان يقول] (٤): كان ببغداد رجل من التجَّار يقعُ في الصوفيَّة، ثمَّ رأيتُه بعد ذلك يصحبهم، وأنفق عليهم جميعَ ما ملك، [قال:] فقلت له: أليس كنتَ تبغصهم؟ فقال ليس الأمرُ على ما (٥) توهمت، قلت: فحدِّثني، قال: صليتُ الجمعةَ يومًا [من الأيام] وخرجت، وإذا ببشرٍ الحافي قد خرجَ من المسجد مسرعًا، فقلت في نفسي: لأنظرنَّ إلى هذا الرجل الموصوفِ بالزهد ما يصنع، فتقدَّمَ إلى الخبَّاز فاشترى خبزًا بدرهم،

стр. 6706

وتقدَّم إلى الشوَّاء، فأخذَ منه شواءً بدرهم، [فزادني غيظًا]، ثمَّ تقدَّم إلى الحلاوي، وأخذ منه بدرهم فالوذجًا، فقلت: والله لأنغصنَّ عليه إذا أراد الأكل، [قال:] فخرج إلى الصحراء، وأنا أقول يريدُ الخضرةَ والماء، فما زال يمشي إلى العصر، وأنا خلفه، حتى أتى قريةً فدخل مسجدَها، وإذا فيه رجلٌ مريضٌ، فجلسَ عند رأسه وجعلَ يلقِّمُه، [قال:] فخرجت [من المسجد] لأنظر في القرية، ثمَّ عدتُ إلى المسجد، فلم أره، فقلت للمريض: أين بشر؟ فقال: ذاك الساعة ببغداد، [قال: فقلت: كم بيني وبين بغداد]؟ فقال: أربعون فرسخًا، فقلت: إنَا لله، أيشٍ عملتُ بنفسي، ما معي ما أكتري به، ولا أقدرُ على المشي! فقال: اقعد حتى يرجع، فقعدتُ إلى الجمعة القابلة، وإذا ببشرٍ قد أقبلَ ومعه شيءٌ، فجلس عند رأس المريض يطعمُه، [قال: فقمت فقلت، أوَ قال له المريض (١):] يا أبا نصر، هذا رجلٌ صحبكَ من بغداد، وهو عندي منذ جمعة، [قال:] فنظرَ إليَّ كالمغضب وقال: لم صحبتني؟ فقلت: أخطأت، فقال: قم، فمشينا إلى المغرب، فلمَّا وصلنا إلى بغداد قال: اذهب إلى محلَّتك، ولا تعد، [قال: وقال في:] ولا تحدِّث به في حياتي، فقلت: نعم، [قال:] وتبتُ إلى الله تعالى ممَّا كنت أعتقده فيهم، وخرجتُ عن مالي، وصحبتُهم (٢) [والحمد لله وحده. ذكرُ زيارته معروفًا الكرخيّ: روى ابن باكويه عن أحمد بن الهيثم قال:] (٣) قال لي بشر: قل لمعروف الكرخيّ: إنني أريدُ أن أزورَه، فقلت لمعروف، قال: نعم، فجاء بشرٌ بعد هوي من الليل، وعلى رأسه سجادة، فمشى على دجلة وأنا أنظر [إليه]، وقام معروف، فسلَّم كلُّ واحد منهما على صاحبه، واعتنقا، وجلسا فتحادثا إلى السحر، ثم ودَّع معروفًا، وخرج معه معروفٌ إلى دِجْلة، وكان معروفٌ في مسجده على دِجْلة، ثمَّ مَشى بشرٌ على الماء حتى عبرَ على دجلة إلى الجانبِ الشرقي، ثم التفتَ [إليَّ] وقال: إيَّاك إيَّاك والحديث، اكتم عليَّ ما رأيت، فما حدَّثتُ به أحدًا حتى مات.

стр. 6707

[ذكر قصَّته مع منصور الصياد: وروى ابن جهضم عن منصور الصياد قال:] (١) صلَّيت صلاة العيد، وأخذتُ الشبكة وخرجتُ، فلقيني بشرٌ، فقال: في مثل هذا اليوم؟! فقلت: ما عندَ العيالِ شيءٌ، فجاء معي إلى الخندق، وقال: ارم وقل: بسم الله، ففعلت ثمَّ جذبتُها فإذا فيها شيءٌ ثقيل، فقلت: يا أبا نصر أعنِّي، فجذبَ معي، وإذا بسمكةٍ كبيرة، فقال: بعها واشتر لعيالك في هذا اليوم ما يأكلون. [قال:] فلقيني راكبٌ على دابَّةٍ، فقال: بكم هذه السمكة؟ فقلت: بعشرة دراهم [فدفع إليَّ عشرةً وأخذها]، فاشتريتُ ما أحتاج إليه، ثمَّ أخذت حلوى فجعلتها على رقاقتين، وأتيت بها إلى بشر، فطرقتُ الباب، فقال لي مِنْ داخلِ الباب: يا منصور، لو أطعمتُ نفسي ما أشرتَ إليه ما خرجت (٢) السمكة، اذهب وكل الذي معك أنت وعيالُك. [حديث السكران: ذكر أبو عبد الرَّحمن السلمي قال:] (٣) لقي بشر بن الحارث سكران، فجعل يقبِّلُ بشرًا، وهو يقول: يا سيِّدي يا أبا نصر، يا سيدي، ويبكي، وبشر لا يدفعُه عن نفسه، [فجعلَ بشر] (٤) يبكي ويقول: رجلٌ أحبَّ رجلًا في الله على خيرٍ توهمه فيه، ولعلَّ المحبَّ قد نجا، والمحبوبُ لا يدري ما حالُه (٥). [حديث الرطب. حكى] ابنُ باكويه (٦) أنَّ رجلًا أهدى لبشرٍ رُطبًا، فجعلَ [بشرٌ] يقلِّبُه [ويلمسه بيده]، ثم ضربَ بيده إلى لحيته وقال: ينبغي لشيخٍ مثلي أنْ يستحيي من الله، إنِّي [عند

стр. 6708

الناس] (١) تارك لهذا في العلانية، وآكله في السّر! [ذكر نبذٍ من كلامه: حكى أبو نعيم عنه أنه] كان يقول (٢): ما اتَّقى الله عبدٌ أحبَّ الشهرة (٣). و [حكى ابن باكويه عنه أنه] قال: إنا لله، عشت [إلى] زمانِ إن لم أعمل فيه بالخفاء (٤) لم يسلم في ديني. [قال:] وقال: إلهي قد شهرتني في الدنيا، فلا تفضحني يومَ القيامة، ولا تسلُبني ما أعطيتني، ما أقبحَ بي أن يظنَّ بي ظنًّا (٥) وأنا على خلافه، إنَّما ينبغي أن أكون أكثرَ ممّا يُظَنُّ بي، إنِّي أكره الموت، وما يكرههُ إلَّا مريب، وإلا لأي شيءٍ أكره الموت (٦)؟! [قال ابن باكويه:] وقال له رجل: ما لي أراك مغمومًا؟! فقال: وما لي لا أغتم، وأنا رجل مطلوب. [وقال:] وقال: ربما رفعت يديّ في الدعاء، فأردُّها وأقول: إنما يفعلُ هذا من له عند الله جاه وقدر [أو وجه] (٧). وحكى السلميُّ عن الحسن الفلَّاس قال:] (٨) طلبتُ بشرًا يومًا، فقيل: هو في المقابر: فقصدتُه، وإذا به في قبة قد صلّى أربعَ ركعاتٍ، لا أحسن أن أصلِّي مثلها، فسمعته يقول: اللهمَّ إنَّك تعلمُ أنَّ الذل أحب إليَّ من العزّ، وأنَّ الفقرَ أحب إلي من الغنى، وأنَّ الموتَ أحبُّ إليَّ من الحياة، [قال:] فبكيت، فالتفتَ فرآني، فقال: وإنَّك

стр. 6709

تعلمُ لو أنِّي أعلم أن هذا هاهنا لما تكلَّمت. قال السلميُّ: فرجعَ الحسنُ [الفلَّاس] لا يأكلُ إلا من قمام المزابل، فأقام أيامًا ثمّ احتضر، فدخلَ عليه بشر وهو مضطجع، وتحتَ رأسه لَبنة، فقال: يا حسن، كيف حالك؟ ففتحَ عينه وقال: لقد أعطاني ما يتنافس فيه الكلّ. و [قال أبو نعيم:] قال بشر: الموتى داخلَ السُّور أكثرُ منهم خارج السور (١). [قال:] وقال: ليس من المروءة أنْ تحبَّ ما يبغضُ حبيبك (٢). [وحكى الخطيب عن إبراهيم الحربي قال: سمعت بشرًا يقول] (٣): حسبك أن [أقوامًا] موتى تحيى بذكرهم القلوب، وأنَّ أقوامًا أحياء تعمى برؤيتهم العيون (٤). [قال:] وقال [بشر:] قد يكون الرجلُ مرائيًا في حياته وبعد مماته قيل [له: أمَّا] في حياته نعم، وأمَّا بعد مماته قكيف؟ قال: يحبُّ أن يكثرَ الناسُ في جنازته (٥). وقال [بشر:] الصدقةُ أفضلُ من الجهاد والحجّ، بهاك يركبُ ويجيء فيراه الناس، وهذا يتصدَّق سرًّا، ولا يعلم به إلَّا اللهُ تعالى. وقال: ما أقبحَ أن يقال: أين فلان العالم أو الفقير؟ فيقال: على باب الأمير. وقال: الحلالُ لا يحتمل السرف. وقال: يأتي على النَّاس زمان تكون الدولة فيه للحمقى على الأكياس. وقال: النظرُ إلى البخيل يقسِّي القلب، وإلى الأحمق يُسخِنُ العين. وقال: الصبرُ الجميل: الذي ليس فيه شكوى إلى الناس. وقال: لا تجدُ حلاوةَ العبادة حتى تجعلَ بينك وبين الشهوات سدًّا من حديد. وقال: هب أنَّك ما تخاف [من النار]، أمَّا تشتاق [إلى الجنة].

стр. 6710

وقال: المتقلِّبُ في جوعه كالمتشحِّطِ في دمه في سبيل الله. وقال: شاطرٌ سخيٌّ أحبُّ إلى الله تعالى من قارئٍ بخيل. وقال: إذا لم تطع مولاك فلا تعصِه. وقال له رجل: يا بشر انقبضتَ عن أخذ البرِّ من أيدي الناس؛ لإقامة الجاه، فإن كنت متحقِّقًا بالزهد، فخذ من أيديهم حتى تمحي جاهَك عندهم، وفرّق ما يعطونَك في الفقراء، وخذ بعقد التوكل قُوْتَك من الغيب (١). فقال له بشر: الفقراءُ ثلاثة؛ فقيرٌ لا يَسْأل، وإن أعطيَ لا يأخذ، فذلك من الروحانيين، إذا سألَ الله أعطاه، كان أقسمَ عليه أبرَّ قسمَه، وفقيرٌ لا يَسْأَل، وإن أعطي أخذ، فذلك من أوسطِ القوم، عقدُه التوكُّل والسكونُ إلى الله تعالى، وهو ممن تُوْضَعُ (٢) له الموائدُ في حضرة (٣) القدس، وفقير اعتقدَ الصبر ومدافعة الوقت، فإذا طرقته الحاجةُ خرجَ إلى عباد الله بالسؤال، وقلبُه مع الله، فكفارةُ مسألتِه صدقُه في السؤال. فقال الرجل: رضيتُ، رضي الله عنك. وقال بشر: من سألَ الله الدنيا، فإنَّما يسألُه طولَ الوقوف للحساب بين يديه. وقيل له: لم لا تخوِّف السلطان بالله؟ فقال: إنّي أُجِلُّ الله تعالى أنْ أَذكرَه عند من لا يعرفهُ. وقال: أردتُ مرَّة أنْ أكتبَ كتابًا، فعرضَ في كلامٌ؛ إن كتبتُه في الكتاب حَسُن وكان كذبًا، كان تركتُه سَمُج وكان صدقًا، فعزمتُ على تركه، فناداني منادٍ من جانب البيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية (٤) [٢٧ من سورة إبراهيم]. وقال: أمس قد مات، واليوم في النزع، وغدًا لم يولد. وقال: من أرادَ أن يكون عزيزًا في الدنيا سالمًا في الآخرة، فلا يحدِّث، ولا

стр. 6711

يشهد، ولا يؤمَّ بقومٍ، ولا يقبل لأحدٍ هديَّةً. وقال: لا تؤثرنَّ على قطع العلائق شيئًا، فإنِّي لو كُلِّفتُ علفَ دجاجةٍ، لخفتُ أن أكون عشَّارًا. وقال: لا يفلحُ من أَلِفَ أفخاذَ النساء. وقال: التوكُّل. اضطرابٌ بغير سكون، وسكونٌ بغير اضطراب، فقيل له: فسِّره لنا، فقال: أمَّا اضطرابٌ بلا سكون، فرجلٌ تضطربُ جوارحُه وقلبُه ساكن إلى الله تعالى لا إلى عمله، وأمَّا سكونٌ بلا اضطراب، فرجلٌ ساكنٌ إلى الله بلا حركة، وهذا من صفاتِ الأبدال (١). وقال: إذا ختمَ الرجلُ القرآن قبَّل المَلَكُ ما بين عينيه. وقال: إذا أعجبكَ الكلامُ فاصمُت، وإذا أعجبكَ الصمتُ فتكلَّم. وقال: إلهي رفعتَني في الدنيا فوقَ قدري، ونوَّهت (٢) باسمي، فأسألُك بوجهك الكريم أن لا تفضحَني غدًا على رؤوس الأشهادِ يوم القيامة. وجاء إليه رجلٌ فقال: رأيتُ ربَّ العزَّة في المنام، فقال لي: اذهب إلى بشر، وقل له: لو سجدتَ لي على الجمرِ ما أدَّيتَ شكري ممَّا قد بثثتُ (٣) لك في قلوب الناس، فجعلَ يبكي ويقول: إلهي إن كنتَ شهرتني في الدنيا، فلا تفضحني يومَ القيامة. وضحكَ رجلٌ عنده فقال [له:] (٤) احذر [أن] يأخذكَ الله على هذا الحال. وقال: فِرَّ من الناس ولا تأنس بهم. وقال: صحبةُ الأشرارِ تورثُ سوءَ الظن بالأخيار. وقال: لا أفلحَ من قال: بأيِّ شيءٍ آكلُ خبزي؟

стр. 6712

وقال: سكونُ النَّفسِ إلى المدح أشدُّ عليها من المعاصي. وقال: كان العلماء يعتبرونَ بثلاثة أشياء؛ صدق اللسان، وطيب المطعم، والمسكن الصالح، ولا أعرف اليوم من فيه من هذه الخلال واحدةٌ، يعبأُ الله بهم، وهم يتغايرون على الدنيا، ويتحاسدون، ويسعون إلى أهلها، ويغتابُ بعضهم بعضًا، يقول أحدهم لصاحب الدنيا: أدخلني وأخرج فلانًا، ويحَكُم، إنَّ الأنبياءَ لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما ورَّثوا العلم، وأنتم حملتموه وما نفعكم، وما على أحدكم أن لا يستكثر من الدنيا، وإنَّما هو عابرُ سبيل، وكأني والله برسول رربه وقد أتاه، فأخذَ روحَه، وأُحضِرَ يومَ الحساب، يوم الحسرة والندامة، فما ظنُّكم بملك الموت، والدُّنيا بين يديه كالطبق، يمدُّ يدَه من المشرق إلى المغرب، فيتناول الأرواحَ، فليطلب أحدكُم من الدنيا معاشًا يبلِّغه (١). وقال: مثلُ الذي يأكلُ الدنيا بالدين، كالذي يغسلُ [بدنه من الزهومةِ بالسَّمك] (٢)، ويطفئُ النارَ بالحَلْفَاء. وقال: لو تفكَّر الناسُ في عظمِة الله لما عصوه. [وذكر أبو عبد الرحمن السُّلمي قال: وقف بشرٌ] على (٣) أصحابِ الفاكهة، فجعلَ ينظرُ إليها، فقيل له: لعلك [تشتهي من هذا شيئًا] (٤)؟ فقال: لا والله، ولكن أفكر (٥) فيها، فقلت: إذا كان الله يطعم هذه من يعصيه، فكيف من (٦) يطيعه! و [قال ابن مسروق:] سئل [بشرٌ]، عن القناعة فقال: لو لم يكن فيها إلا التمتع بعزِّ الغنى لكفى، ثم أنشد: [من الوافر]

стр. 6713

أفادتني القناعةُ أيَّ عزٍّ … ولا عزٌّ أعزُّ من القناعهْ فخُذْ منها لنفسك رأسَ مالٍ … وصيِّر بعدَها التقوى بضاعهْ [تَحُزْ حالين تَغنَى عن بخيلٍ … وتحظَى بالجنانِ بصبر ساعهْ] (١) وكان (٢) ينشد: [من السريع] أُقسمُ بالله لرضخُ النَّوى … وشُربُ ماءِ القُلُبِ المالحهْ أعزُّ للإنسانِ من حرصه .. ومن سؤالِ الأوجهِ الكالحهْ فاستغنِ بالله تكنْ ذا غنى … مغتبطًا بالصفقةِ الرابحهْ فاليأسُ عزٌّ والتُّقى سُؤدُدٌ … ورغبةُ النفس لها فاضحهْ من كانت الدنيا له برَّةً … فإنَّها يومًا له ذابحهْ (٣) وكان ينشد: [من البسيط] قطع الليالي مع (٤) الأيام في حُرَقٍ … والنومُ تحت رِوَاقِ الهمِّ والأرقِ أحرى وأجدرُ بي من أن يُقَال غدًا … إنِّي التمستُ الغنَى من كفِّ ممتلقِ قالوا رضيتَ بذا قلت القنوعُ غنى … ليسَ الغنى كثرةُ الأموال والورقِ رضيتُ بالله في عسري وفي يسري … فلستُ أسلكُ إلَّا واضحَ الطرقِ (٥) وقال عمر ابن أخت بشر: دخلت [على خالي] (٦) وبين يديه بطيخة وهو يقلِّبُها بيده، فقلت له: ما هذه؟! فقال لي: مدَّةَ ستين سنة (٧) أشتهيها، فلمَّا كان اليوم غلبتني نفسي، فأحضرتُها، وقلت: ويحك يا نفس، بعد كذا وكذا أدافعُ هذه الشهوة، وتريدين أنْ تغلبيني اليوم، ثم دحى بها وقال: [من مخلع البسيط] وإنَّ كدِّي لشبع بطني … ببيعِ ديني من المحالِ

стр. 6714

من نال دنيا بغيرِ دينٍ … نال وبالًا على وبالِ (١) [قال عمر:] وكان ينشد [دائمًا:] [من الطويل] صبرتُ على الأيَّام حتى تولَتِ … وألزمتُ نفسي صبرَها فاستمرَّتِ وما النفسُ إلا حيثُ يجعلُها الفتى … فإن أُطمعتْ تاقت وإلَّا تسلَّتِ وقال أحمدُ بن مِسْكين: خرجتُ يومًا أطلبُ بشرًا، وإذا به في مقابرِ باب حرب جالسٌ وحدَه، فخطَّ بيده على الأرض شيئًا، فقام ومضى، فقرأته، وإذا به: [من المنسرح] الحمدُ لله لا شريكَ له … في صُبحهِ دائمًا وفي غَلَسِهْ لم يبقَ لي مؤنسٌ فيؤنسني … إلا أنيسٌ أخافُ من أُنسِهْ فاعتزل الناسَ يا أُخيَّ ولا … تَرْكَن إلى من تخافُ من دنَسِهْ (٢) وقال: رأيت [أمير المؤمنين] علي [بن أبي طالب] رضوان الله عليه في المنام فقلت: [تقول شيئًا لعل الله أنْ ينفعني به يا] أمير المؤمنين، فقال: يا بشر، ما أحسنَ [عطفَ الأغنياء على الفقراء] طلبًا لثواب الله، وأحسنُ منه [تيهُ الفقراء] على الأغنياء ثقةً بالله، فقلت: يا أمير المؤمنين [تزيدنا، فولى] (٣)، فقال: [من مخلع البسيط] قد كنتَ ميتًا فصرتَ حيًّا … وعن قليلٍ تصيرُ ميتًا عزٌّ بدار الفنا بنيتَ … فابنِ بدارِ البقاء بيتًا (٤) [وحكى في "المناقب" عن بشر أن رجلًا قال له:] (٥) أوصني، فقال: عليك بلزوم بيتك وترك ملاقاة الناس (٦) فقال له رجل: بلغني عن الحسن أنَّه قال: لولا الليل وملاقاة الإخوان ما أحببت البقاءَ في الدنيا، فقال بشر: يرحمُ الله الحسن، لقد كان

стр. 6715

الظنُّ به خلاف هذا، ثم أنشد: [من الكامل] يا من يُسرُّ برؤية الإخوان … مهلًا أمنتَ مكائدَ الشيطانِ خَلَتِ القلوبُ من المعاد وذكره … وتشاغلوا بالحرص والخسرَانِ صارت مجالسُ من ترى وحديثهم … في هتكِ مستورٍ وخلق قرانِ (١) ذكر وفاته: [وقد حكينا عن ابن سعد أنه قال: مات بشرٌ في سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (٢)]. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمة الله عليه: مات بشرٌ قبل المعتصم بسبعةِ أيام (٣). [وحكى الخطيب عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال] (٤) رأيتُ أبا نصرٍ التمَّار وعليّ بن المديني في جنازة بشر [يصيحان]: هذا والله شرفُ الدنيا قبل شرفِ الآخرة، [وذلك أنَّ بشرًا] (٥) خرجت جنازتُه [بعد] (٦) صلاة الصبح، ولم يحصل [في قبره] إلَّا في الليل، وكان نهارًا صائفًا [فلم يستقرَّ في قبره إلى العتَمة] (٧). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمة الله عليه: لما ماتَ بشرٌ [وكان يسكنُ معنا في قطيفة الربيع، وفي رواية: في قطيفة أم جعفر] دخلتُ على أبي فقلت: يا أبه، مات بشر [ابن الحارث]، فقال: ﵀، كان لي به أنس، وما رأيتُه قط، ثم قام [فخرج]، فصلَّى عليه (٨).

стр. 6716

كذا وقعت هذه الرواية، قالوا: كانا يخافان من التصنُّع، والمشهورُ أنَّهما اجتمعا وكانا جارين. [وقال عمر ابن أخته: ناحت الجنُّ في البيت الذي يتعبَّدُ فيه (١). ذكر ما رؤيَ له من المنامات في حال حياته وبعد مماته: قد ذكرنا الرجلَ الذي رأى الحق في منامه، وذكر عنه ابن خميس في "المناقب" قال:] (٢) رأيت النبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: يا بشر، أتدري لم رفعك الله من بين أقرانك؟ فقلت: لا، فقال: باتباعك لسنتي، واحترامكَ الصالحين، ونصيحتكَ لإخوانك، ومحبتكَ لأهل بيتي وأصحابي؛ هو الذي أبلغك منازلَ الأبرار (٣). [وحكى في "المناقب" أيضًا أنَّ رجلًا جاءه] (٤) في ليلة فطرٍ أو أضحى، فقال له: يا أبا نصر، رأيتُ الليلةَ في المنام كانَ القيامةَ قد قامت، والناسُ في كربٍ شديد ودموعهم تتحادرُ دمًا، إذ خرجَ منادٍ (٥) ينادي: أين بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل؟ وإذا بكما قد حضرتما، فأدخلَكُما على الله تعالى، فقال أهل الموقف: إنْ حُوسِب هذان هلكنا، وإذا بملَك قد خرج من عند الله، فقلنا: ما فعلَ بِشرٌ وأحمدُ بن حنبل؟ فقال: إنهما يحاسبان بقيام الشكر بما منَّ الله عليهما من سترهما. فقال بشر: أمَّا أحدُ الرجلين، فالتقصيرُ قرينه، وأمَّا الآخرُ فتشهدُ له الحقائق [بقيام الشكر، أو:] (٦) بقيامه بالشكر، ثمَّ بكى بشرٌ، وقال: ويحكَ يا بشر، شُدَّ حزاميك للموت، فإنَّك مطلوب. [وأما ما روي له بعد مماته: فحكى الخطيب عن القاسم بن منبه قال:] (٧) رأيتُ بشرَ بن الحارث في المنام -

стр. 6717

يعني بعد موته- فقلت: ما فعلَ الله بك؟ فقال: غفر لي، وقال: غفرت لك ولكلِّ من شيَّع جنازتك، فقلت: يا ربِّ، ولكلِّ من أحبني، قال: نعم إلى يوم القيامة (١). [وحكى الخطيب عن الكندي قال: رأيث بشرًا في منامي فقال: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: غفرَ لي، وحطَّني في لؤلؤةٍ بيضاء (٢)، وقال: سر في ملكي (٣). وحكى أيضًا عن ابن خزيمة قال: لما مات] أحمدُ بن حنبل [رأيته] في منامي (٤)، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وتوَّجني، وألبسني نعلين من ذهب، وقال: يا أحمد، هذا بقولك: القرآنُ كلامي غيرُ مخلوق، فقلت: ما فعل الله ببشر الحافي؟ قال: بخٍ بخٍ، مَن مثلُ بِشر! تركته بين يدي الجليل على مائدة، والجليل يقول له، وهو مقبل عليه: كُل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم يتنعَّم. (٥) [وحكى ابن خميس في "المناقب" عن بعض الصالحين قال:] (٦) رأيت بشرًا في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال لي: يا بشر، أما استحييت منّي، كنت تخافني ذاك الخوف؟ ثم قال: مرحبًا [بك]، قد توفيتُك [يوم توفيتك] وما على وجه الأرض أحب إليَّ منك (٧). [ذكر ثناءِ العلماء عليه: حكى الخطيب عن الإمامِ أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أنّه سئل] عن مسألةٍ (٨) في الورع، فقال: لا يحلُّ لي أن أتكلَّم في الورع، وأنا آكل من غلَّة بغداد، [لو كان بشر بن

стр. 6718

الحارث صلح أن يجيبك عنه، فإنَّه كان لا يأكل من غلَّة بغداد] (١)، ولا من طعامٍ يُجلبُ من السَّواد، [يصلحُ لبشرٍ أنْ يتكلمَّ في الورع (٢)]. [وحكى أيضًا عن الإمام أحمد ﵀ أنَّه قال:] (٣) إنَّ بين أظهركم رجلًا ما هو عندي بدون عامر بن عبد قيس، [يعني بشرًا (٤). وذكر الحافظُ ابنُ عساكر في "تاريخه" عن أحمد بن حنبل، وقد قيل له: مات بشرٌ، فقال ﵀: ماتَ وما له نظيرٌ في الأمّة إلا عامر بن عبد قيس،] فإن عامرًا مات ولم يترك شيئًا، ولو تزوَّجَ تَم أمرُه (٥). [وحكى الخطيب عن أحمد بن المثنى (٦) قال:] (٧) قلت للإمام أحمد: ما تقول في بشر [الحافي]؟ فقال: سَأَلْتَنِي عن رابع سبعةٍ من الأبدال، ما مَثَلُه عندي إلا مثل رجل جلس على رأس السِّنان، فهل أبقى لأحدٍ معه موضعًا؟ [وحكى الخطيب عن إبراهيم الحربي قال:] (٨) ما أخرجَت بغدادُ أتمَّ عقلًا من بشر، ولا أحفظ للسانه منه. [قال:] وأقام بعَبَّادان يشرب من ماء البحر المالح، ولا يشرب من حياض السلاطين حتى وتَد له ماءُ البحر القولنج (٩).

стр. 6719

[قال:] وما كان يمشي في ظل دار [من حلّ] (١) من أصحاب السلاطين. [وحكى عن يحيى بن أكثم قال:] (٢) قال لي المأمون: ما بقي في هذه الكورة (٣) من يستحيى منه إلَّا هذا الشيخ، يعني بشرًا. [وحكى ابن خميس في "المناقب" عن بلال الخواص قال:] (٤) كنت في تيه بني إسرائيل، فإذا برجلٍ يماشيني، فأُلهمت أنَّه الخضر [﵇]، فقلت: بحقِّ الحقِّ من أنت؟ قال: أخوك الخضر، فقلت: أريد أن أسألكَ، فقال: سل، فقلت: ما تقول في الشافعيّ؟ قال: وتدٌ من الأوتاد، فقلت: فأحمد بن حنبل؟ قال: صدِّيق، قلت: فبشر الحافي؟ قال: لم يخلِّف بعدَه مثله، قلت: فبأيِّ شيءٍ رأيتك؟ قال: ببرِّك لأمِّك (٥). [وحكى في "المناقب" أيضًا عن أبي عبد الله بن الجلَّاء قال:] (٦) رأيت ذا النون، وكانت له العبارة، ورأيت سهل بن عبد الله، وكانت له الإشارة، ورأيتُ بشرًا، وكَان له الورع، قيل له: فإلى أيِّهم تميل؟ قال: بشر أستاذُنا (٧). [وحكى الخطيب عن أيوب العطار قال:] (٨) انصرفتُ مع بشرٍ يومَ الجمعة من الجامع، وإذا بصبيان يلعبون بالجوز، فلمَّا رأوه قالوا: بشر بشر، [ومرُّوا يحضرون]، فالتفتَ إليَّ [بشر] وقال: أيُّ قلبٍ يَقوى على هذا؟ لا مررتُ بهذا الدوب حتى ألقى الله تعالى (٩). أسند بشر عن [إبراهيم بن سعد، و] مالك بن أنس، [وابن المبارك]، والفضيل بن

стр. 6720

عياض، وحمَّاد بن زيد، وغيرهم، [وسمع منهم] و [كان قد] سافرَ إلى الأقطار؛ مكَّة، والمدينة، واليمن، ومصر، والشام، والبصرة، والكوفة، وصعد جبلَ لبنان، وساحَ في الدنيا، واشتغلَ بالعبادة والورع عن الرواية. [قال الخطيب: ومن مسانيده أنَّ عَوج بن عُنُق كان يأتي البحر، فيخوضُه برجله، وكان يأخذُ حوتًا من قرار البحر بيده، ويرفعُه إلى عين الشمس، فيشويه، ويأكله، ويدَّخر له التجار في البحر كُرًّا أو كُرَّين فيحضرهما ويأكلهما في يوم واحد. قال بشر: فهذا -والله- كافرٌ يرزقه الله، وأنت تعبد الله وتوحِّده، ويكفيك رغيف أو رغيفان (١). وقد ذكرنا عوجًا في صدر الكتاب في قصة أريحا] (٢). وقد رَوى عنه الأعيانُ أحمد بن إبراهيم الدَّورقِيّ، وعليُّ بن خَشْرم، وسريّ السقطي، وخلقٌ كثير (٣). [وحكى أيضًا عن أبي الحسن المروزيّ قال:] (٤) كنت عند بشر، فأتاه أصحابُ الحديث، فقال لهم: ما أنتم؟ قالوا: نطلبُ العلم، فقال: أليسَ إذا ملكَ أحدكم مئتي درهم تجب عليه الزكاة خمسةَ دراهم؟ قالوا: بلى، قال: فكذا يجب عليكم إذا سمعتم مئتي حديث أن تعملوا منها بخمسة أحاديث. [وقيل لبشر: لم] لا تحدِّث؟ قال: أنا أشتهي أن أحدِّث، [وإذا اشتهيت] (٥) شيئًا تركتُه. وقال: الحديث له يوم طريق من طريق الدنيا (٦).

стр. 6721

[وقد ذكرنا أنَّه دَفن بشرٌ ثمانية عشر قمطرًا أو قوصرة، واشتغل بالتعبُّد، فلم يضبط من حديثٍ إلَّا اليسير. قلت: فالواجبُ دفن الكتب إذا كان فيها باطل، وإذا لم يكن، فيكون مخالفًا للشرع. ذكر أخوات بشر: حكى الخطيب عن أبي عبد الرَّحمن السُّلميّ قال:] (١) وكان لبشر ثلاث أخوات مُخَّة وزُبْدَة ومُضْغَة [وكانت زُبدة تكنى أمَّ علي، وكانت مضغةُ أكبرَ من بشر، وماتت قبله، وكذا قال أحمد بن حنبل: كانت زُبدة تكنى أمَّ عليّ، إلَّا أنَّه قال: كانت زبدة أكبر من بشر، وماتت قبله، وهي التي توجَّع عليها لما ماتت] (٢) وقال: قرأت في بعض الكتب أنَّ العبدَ إذا قصَّر في خدمة ربِّه سلبَه أنيسَه، وهذه كانت أنيسي من الدنيا (٣). [وروي أنَّ التي ماتت قبل بشر هي مخَّة، وقد ذكرها الخطيب بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول:] (٤) جاءت مخَّة [أخت بشر الحافي] إلى أبي، فقالت: إتي امرأةٌ رأس مالي دانقان، أشتري بهما القطنَ فأغزلُه وأبيعُه بنصف درهم، وأتقوَّتُ بدانقٍ من الجمعة إلى الجمعة، فمرَّ طائف ابن طاهر ومعه مشعل، فوقف يكلِّمُ أصحاب المسالح، فاغتنمتُ ضوءَ المشعل، فغزلتُ طاقات، ثمَّ غاب عني المشعل، فعلمتُ أنَّ لله فيَّ مطالبة، فخلِّصني خلَّصك الله، فقال لها: تُخرجين الدانقين، ثمَّ تبقين بلا رأس مال حتى يعوِّضكِ الله خيرًا منه، [فقال عبد الله:] ققلت لأبي: لو قلتَ لها: أخرجي المغزل الذي فيه الطاقات (٥)، فقال: يا بنيّ، سؤالُها لا يحتملُ التأويل، ثم قال: مَن هذه، قلت: مخَّة أختُ بشرٍ الحافي، فقال: من ها هنا أُتيت.

стр. 6722

[وقد ذكرها جَدِّي في "المنتظم" وقال: كانت مخَّة تذكر بالورع، قال: وماتت في سنة خمس وعشرينَ ومئتين (١). قلت: فالمشهورُ عن السُلميِّ (٢) وغيره أنَّ الزاهدةَ الورعةَ من أخوات بشر هي زبدة أم عليّ، وهي التي ماتت قبله وحزن عليها، وقد نصَّ عليه أحمد بن حنبل، فإنه قال ما حكينا عنه. وقيل إنَّ الزاهدةَ كانت مضغة، ولا تنافي بين الكل، فإنَّهنَّ كلهنَّ زاهداتٌ ورعات، والدليلُ عليه ما حكى الخطيب عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال] (٣): دقَّ علينا الباب داقٌّ، [فقال: اخرج فانظر، قال:] فخرجت، فإذا بامرأةٍ، فقالت: استأذن على أبي عبد الله، فاستأذنتُ لها، فدخلَتْ وسلَّمت فردَّ عليها، فقالت: أنا امرأةٌ أغزلُ [بالليل في السِّراج، فربمَّا طُفئ السراج فأغزل] (٤) في القمر، فهل عليَّ أن أبيِّنَ غزلَ القمر من غزل السراج (٥)، فقال لها: [إن كان] عندك بينهما فرقٌ فبيِّني، فقالت: يا أبا عبد الله، أنينُ المريض شكوى؟ قال: أرجو أن لا يكون شكوى، ولكنَّه اشتكاءٌ إلى الله . ثمَّ ودَّعته وخرجت، فقال [لي:، يا بني، ما سمعت قط إنسانًا يسأل عن [هذا، أو] مثل هذا! اتبع المرأة وانظر أين تدخل، [قال:] فتبعتُها، فدخلَتْ بيتَ وبشرٍ [الحافي]، وإذا هي أختُه، [قال:] فرجعتُ وأخبرته، فقال: [محالٌ أن] تكون مثلُ هذه إلَّا أخت بشر. [ولم يذكر في هذه الرواية اسم المرأة، قال: وكانت مخَّة من بينَ أخوات بشر، تقصد أحمد، وتسأله عن الورع، وكان أحمد يعجبه مسائلها. وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلمي: كان بشرٌ يقول:] (٦) تعلمت الورع من أختي زبدة، وما كانت تأكلُ شيئًا لمخلوقٍ فيه تصنع (٧).

стр. 6723

[قال:] وقالت زبدة: أثقلُ شيءٍ على العبد الذنوب، وأخفُّ شيءٍ عليه التوبة، فما له لا يدفعُ أثقلَ شيءٍ بأخفّ شيء. [ذكر قصة بشر مع أبي عبيدة الخوّاص: حكى عنه في "المناقب" قال (١):] رأيتُ رجلًا على جبال عرفات قد ولع به الوله وهو يقول: [من البسيط] سبحانَ من لو سجدنا بالعيونِ له … على شبا (٢) الشوك والمُخمَى من الإبرِ لم نبلغِ العُشْر من معشارِ نعمتِه … ولا العشيرَ ولا عُشرًا من العشرِ هو الرفيعُ فلا الأبصارُ تدركُه … هو العليُّ على العلياء بالقدرِ سبحان من هو أنسي إذ خلوتُ به … في جَوف ليل وفي الظَّلماء والسَّحَرِ أنت الحبيبُ وأنت الحبُّ يا أملي … من لي سواكَ ومن أرجوهُ يا ذخري وقال: [من البسيط] كم قد زَلَلتُ فلم أذكرك في زَللي … وأنت يا واحدي في الغيب تذكُرُنِي كم أكشفُ السترَ جهلًا عند معصيتي … وأنت تلطفُ بي جُودًا وتستُرني لأبكينَّ بدمع العين من أسفٍ … لأبكينَّ بكاء الوالهِ الحزنِ [قال:] ثم غاص في خلال الناس فلم أره، فسألتُ عنه، فقالوا: هذا أبو عبيدة الخوَّاص، منذ سبعين سنة لم يرفع رأسهُ إلى السماء حياءً من الله تعالى. [هذا ما قد ذكر في "المناقب" (٣). ذكر] ترجمة أبي عبيدة [الخواص] (٤) ذكر البخاريُّ أنَّ كنيتَه أبا عتبة، واسمه عباد بن عباد (٥)، وإنَّما اشتهر بأبي عبيدة، وكان من الخائفين المشتاقين إلى الله تعالى.

стр. 6724

أوذكره الخطيب وغيره، وقال ابن باكويه الشيرازي:] رُئي [أبو عبيدة] وعلى كتفِه خُرَيقة، وعلى سوأته مثلُها في طريق البصرة، وهو يقول: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه (١). [وذكره أبو نعيم الحافظ فقال: دخلَ على أميرِ فلسطين، وهو إبراهيم بن صالح] (٢) فقال له: عظني، فقال: بلغني أنَّ أعمال الأحياء تعرضُ على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرضُ على رسول الله ﷺ من عملك، فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه على لحيته (٣). [وقال ابن أبي الدنيا:] لمَّا كبر أبو عبيدة كان يأخذ بلحيته ويقول: إلهي قد كبرتُ فأعتقني (٤). أسند [أبو عبيدة] عن الأوزاعيّ، [وأبي بكر بن أبي مريم وغيرهما] (٥)، ولم نقف على تاريخ وفاته (٦). ومن المحدِّثين من يقول: اسمُ أبي عبيدة سلم بن ميمون، وهو وهم؛ لأنَّ سلمًا من أهل طبريَّة، وبها مات، كان كبيرَ الشأن، قال إسماعيل بن مسلمة: رأيتُ في المنام كأنَّ القيامةَ قد قامت، وكأنَّ مناديًا ينادي: ألا ليقم السابقون، فقام سفيان الثوري، ثمَّ نادى ثانيًا، فقام سلم، ثم نادى ثالثًا، فقام إبراهيمُ بن أدهم (٧). فأمَّا سليمانُ الخوَّاص فكان من العُبَّاد وأهل الثغور، دخلَ عليه رجلٌ وهو في الظلمة، فقال له: ما هذا؟ فقال: ظلمةُ القبرِ أشدّ. ومرَّ بإبراهيمَ بن أدهم، وهو عندَ قومٍ قد أضافوه وأكرموه، فقال له: يا إبراهيم، نعمَ

стр. 6725

الشيءُ هذا إنْ لم تكن تكرمةً على دين (١). [فصل: وفيها توفي] توفيل ملك الروم مَلَكَ [الروم]، اثنتي عشرةَ سنة، [وقد ذكرنا وقائعه مع المأمون والمعتصم،] وماتَ [في هذه السنة]، فملكَتْ بعده امرأتُه أم ميخائيل بن توفيل، واسمها بدور (٢)، وكان ابنها صبيًّا. فاطمة وتدعى عَرِيب (٣)، جاريةُ المعتصم (٤). كانت شاعرةً حاذقةً بالغناء والخطّ، في غاية الجمال والظرف، ولدت سنة إحدى وثمانين ومئة (٥) وكانت أمها يتيمةً، فتزوَّجها جعفرُ بن يحيى بنِ خالد فقال له أبوه: أتتزوَّجُ من لا يعرف لها أبٌ ولا أمٌّ، فأخرجَها من داره، وأسكنها ناحية عنه (٦)، وكان يتردَّدُ إليها، فولدت فاطمةَ المدعاةَ بعَرِيب (٧)، وماتت أمُّها، فاسترضع لها جعفر،
следующие страницы →