← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

[وقد ذكرنا أنَّه دَفن بشرٌ ثمانية عشر قمطرًا أو قوصرة، واشتغل بالتعبُّد، فلم يضبط من حديثٍ إلَّا اليسير. قلت: فالواجبُ دفن الكتب إذا كان فيها باطل، وإذا لم يكن، فيكون مخالفًا للشرع. ذكر أخوات بشر: حكى الخطيب عن أبي عبد الرَّحمن السُّلميّ قال:] (١) وكان لبشر ثلاث أخوات مُخَّة وزُبْدَة ومُضْغَة [وكانت زُبدة تكنى أمَّ علي، وكانت مضغةُ أكبرَ من بشر، وماتت قبله، وكذا قال أحمد بن حنبل: كانت زُبدة تكنى أمَّ عليّ، إلَّا أنَّه قال: كانت زبدة أكبر من بشر، وماتت قبله، وهي التي توجَّع عليها لما ماتت] (٢) وقال: قرأت في بعض الكتب أنَّ العبدَ إذا قصَّر في خدمة ربِّه سلبَه أنيسَه، وهذه كانت أنيسي من الدنيا (٣). [وروي أنَّ التي ماتت قبل بشر هي مخَّة، وقد ذكرها الخطيب بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول:] (٤) جاءت مخَّة [أخت بشر الحافي] إلى أبي، فقالت: إتي امرأةٌ رأس مالي دانقان، أشتري بهما القطنَ فأغزلُه وأبيعُه بنصف درهم، وأتقوَّتُ بدانقٍ من الجمعة إلى الجمعة، فمرَّ طائف ابن طاهر ومعه مشعل، فوقف يكلِّمُ أصحاب المسالح، فاغتنمتُ ضوءَ المشعل، فغزلتُ طاقات، ثمَّ غاب عني المشعل، فعلمتُ أنَّ لله فيَّ مطالبة، فخلِّصني خلَّصك الله، فقال لها: تُخرجين الدانقين، ثمَّ تبقين بلا رأس مال حتى يعوِّضكِ الله خيرًا منه، [فقال عبد الله:] ققلت لأبي: لو قلتَ لها: أخرجي المغزل الذي فيه الطاقات (٥)، فقال: يا بنيّ، سؤالُها لا يحتملُ التأويل، ثم قال: مَن هذه، قلت: مخَّة أختُ بشرٍ الحافي، فقال: من ها هنا أُتيت.

стр. 6722

[وقد ذكرها جَدِّي في "المنتظم" وقال: كانت مخَّة تذكر بالورع، قال: وماتت في سنة خمس وعشرينَ ومئتين (١). قلت: فالمشهورُ عن السُلميِّ (٢) وغيره أنَّ الزاهدةَ الورعةَ من أخوات بشر هي زبدة أم عليّ، وهي التي ماتت قبله وحزن عليها، وقد نصَّ عليه أحمد بن حنبل، فإنه قال ما حكينا عنه. وقيل إنَّ الزاهدةَ كانت مضغة، ولا تنافي بين الكل، فإنَّهنَّ كلهنَّ زاهداتٌ ورعات، والدليلُ عليه ما حكى الخطيب عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال] (٣): دقَّ علينا الباب داقٌّ، [فقال: اخرج فانظر، قال:] فخرجت، فإذا بامرأةٍ، فقالت: استأذن على أبي عبد الله، فاستأذنتُ لها، فدخلَتْ وسلَّمت فردَّ عليها، فقالت: أنا امرأةٌ أغزلُ [بالليل في السِّراج، فربمَّا طُفئ السراج فأغزل] (٤) في القمر، فهل عليَّ أن أبيِّنَ غزلَ القمر من غزل السراج (٥)، فقال لها: [إن كان] عندك بينهما فرقٌ فبيِّني، فقالت: يا أبا عبد الله، أنينُ المريض شكوى؟ قال: أرجو أن لا يكون شكوى، ولكنَّه اشتكاءٌ إلى الله . ثمَّ ودَّعته وخرجت، فقال [لي:، يا بني، ما سمعت قط إنسانًا يسأل عن [هذا، أو] مثل هذا! اتبع المرأة وانظر أين تدخل، [قال:] فتبعتُها، فدخلَتْ بيتَ وبشرٍ [الحافي]، وإذا هي أختُه، [قال:] فرجعتُ وأخبرته، فقال: [محالٌ أن] تكون مثلُ هذه إلَّا أخت بشر. [ولم يذكر في هذه الرواية اسم المرأة، قال: وكانت مخَّة من بينَ أخوات بشر، تقصد أحمد، وتسأله عن الورع، وكان أحمد يعجبه مسائلها. وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلمي: كان بشرٌ يقول:] (٦) تعلمت الورع من أختي زبدة، وما كانت تأكلُ شيئًا لمخلوقٍ فيه تصنع (٧).

стр. 6723

[قال:] وقالت زبدة: أثقلُ شيءٍ على العبد الذنوب، وأخفُّ شيءٍ عليه التوبة، فما له لا يدفعُ أثقلَ شيءٍ بأخفّ شيء. [ذكر قصة بشر مع أبي عبيدة الخوّاص: حكى عنه في "المناقب" قال (١):] رأيتُ رجلًا على جبال عرفات قد ولع به الوله وهو يقول: [من البسيط] سبحانَ من لو سجدنا بالعيونِ له … على شبا (٢) الشوك والمُخمَى من الإبرِ لم نبلغِ العُشْر من معشارِ نعمتِه … ولا العشيرَ ولا عُشرًا من العشرِ هو الرفيعُ فلا الأبصارُ تدركُه … هو العليُّ على العلياء بالقدرِ سبحان من هو أنسي إذ خلوتُ به … في جَوف ليل وفي الظَّلماء والسَّحَرِ أنت الحبيبُ وأنت الحبُّ يا أملي … من لي سواكَ ومن أرجوهُ يا ذخري وقال: [من البسيط] كم قد زَلَلتُ فلم أذكرك في زَللي … وأنت يا واحدي في الغيب تذكُرُنِي كم أكشفُ السترَ جهلًا عند معصيتي … وأنت تلطفُ بي جُودًا وتستُرني لأبكينَّ بدمع العين من أسفٍ … لأبكينَّ بكاء الوالهِ الحزنِ [قال:] ثم غاص في خلال الناس فلم أره، فسألتُ عنه، فقالوا: هذا أبو عبيدة الخوَّاص، منذ سبعين سنة لم يرفع رأسهُ إلى السماء حياءً من الله تعالى. [هذا ما قد ذكر في "المناقب" (٣). ذكر] ترجمة أبي عبيدة [الخواص] (٤) ذكر البخاريُّ أنَّ كنيتَه أبا عتبة، واسمه عباد بن عباد (٥)، وإنَّما اشتهر بأبي عبيدة، وكان من الخائفين المشتاقين إلى الله تعالى.

стр. 6724

أوذكره الخطيب وغيره، وقال ابن باكويه الشيرازي:] رُئي [أبو عبيدة] وعلى كتفِه خُرَيقة، وعلى سوأته مثلُها في طريق البصرة، وهو يقول: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه (١). [وذكره أبو نعيم الحافظ فقال: دخلَ على أميرِ فلسطين، وهو إبراهيم بن صالح] (٢) فقال له: عظني، فقال: بلغني أنَّ أعمال الأحياء تعرضُ على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرضُ على رسول الله ﷺ من عملك، فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه على لحيته (٣). [وقال ابن أبي الدنيا:] لمَّا كبر أبو عبيدة كان يأخذ بلحيته ويقول: إلهي قد كبرتُ فأعتقني (٤). أسند [أبو عبيدة] عن الأوزاعيّ، [وأبي بكر بن أبي مريم وغيرهما] (٥)، ولم نقف على تاريخ وفاته (٦). ومن المحدِّثين من يقول: اسمُ أبي عبيدة سلم بن ميمون، وهو وهم؛ لأنَّ سلمًا من أهل طبريَّة، وبها مات، كان كبيرَ الشأن، قال إسماعيل بن مسلمة: رأيتُ في المنام كأنَّ القيامةَ قد قامت، وكأنَّ مناديًا ينادي: ألا ليقم السابقون، فقام سفيان الثوري، ثمَّ نادى ثانيًا، فقام سلم، ثم نادى ثالثًا، فقام إبراهيمُ بن أدهم (٧). فأمَّا سليمانُ الخوَّاص فكان من العُبَّاد وأهل الثغور، دخلَ عليه رجلٌ وهو في الظلمة، فقال له: ما هذا؟ فقال: ظلمةُ القبرِ أشدّ. ومرَّ بإبراهيمَ بن أدهم، وهو عندَ قومٍ قد أضافوه وأكرموه، فقال له: يا إبراهيم، نعمَ

стр. 6725

الشيءُ هذا إنْ لم تكن تكرمةً على دين (١). [فصل: وفيها توفي] توفيل ملك الروم مَلَكَ [الروم]، اثنتي عشرةَ سنة، [وقد ذكرنا وقائعه مع المأمون والمعتصم،] وماتَ [في هذه السنة]، فملكَتْ بعده امرأتُه أم ميخائيل بن توفيل، واسمها بدور (٢)، وكان ابنها صبيًّا. فاطمة وتدعى عَرِيب (٣)، جاريةُ المعتصم (٤). كانت شاعرةً حاذقةً بالغناء والخطّ، في غاية الجمال والظرف، ولدت سنة إحدى وثمانين ومئة (٥) وكانت أمها يتيمةً، فتزوَّجها جعفرُ بن يحيى بنِ خالد فقال له أبوه: أتتزوَّجُ من لا يعرف لها أبٌ ولا أمٌّ، فأخرجَها من داره، وأسكنها ناحية عنه (٦)، وكان يتردَّدُ إليها، فولدت فاطمةَ المدعاةَ بعَرِيب (٧)، وماتت أمُّها، فاسترضع لها جعفر،

стр. 6726

وسلَّمها إلى امرأةٍ نصرانية، وجعلها داية لها، فلما نُكِبَ البرامكة، باعتها النصرانيَّةُ، فاشتراها محمد الأمين من رجل يقالُ له: سِنْبِس، ولم يوفِّ ثمنها، فلما قُتِل الأمين عادت إلى سيِّدها، فلما قدم المأمون بغداد وُصِفَت له، فاشتراها من سنبس كرهًا، وكان سِنْبِس عاشقًا لها (١)، فمات من عِشقها، ومات المأمونُ، فاشتراها المعتصمُ بمئة ألف درهم، فأعتقَها، فهي مولاته، وكانوا إذا نظروا إلى قدميها علموا أنَّها من جعفر؛ لشبهها به، ولها أصواتٌ وأشعارٌ معروفة (٢). [فصل وفيها توفي] محمد بن هارون [المعتصم وقد ذكرنا بعض أخباره، وأنه ولد بالقاطول (٣) سنة ثمانين ومئة. وقال بعض علماء السير:] (٤) كان يُدعى بالثمانيني؛ لأنه ولد سنة ثمانين ومئة في شهر رمضان، وهو الثامن من السنة (٥)، ومات لثماني عشرة ليلةً خلت منه، وهو ثامنُ الخلفاء من ولد العباس، وفتح ثمانيةَ فتوح؛ البذّ مدينة بابك، وعَمُّورية، ومدينة الزط، وقلعةَ الأجراف، ومصر (٦)، وديار ربيعة، وأَذْرَبيجان، وإرمينية (٧)، ووقف ببابه ثمانية

стр. 6727

ملوك؛ الأفشين ملك أشروسنة، والمازيار ملك طبرستان، وبابك ملك أذربيجان، وباطس (١) ملك عَمُورية، وعُجَيف ملك أستاجيح (٢)، وصول أرتكين ملك أستيجاب (٣)، وهاشم ناحور ملك طخارستان، وكناسة ملك السُّغد، وقتلَ ثمانيةَ أعداء؛ بابك، والمازيار، والأفشين، وعجيفًا، وباطس، وقارن، وكناسة ملك السُّغد (٤)، والسير ملك منان (٥)، وكان عمرُه ثمانيًا وأربعين سنة، وكانت خلافتُه ثماني سنين، وثمانية أشهر، وثمانية أيام، وخلَّفَ من الولد ثمانية بنين، وثمان بنات، وخلَّف من العين ثمانية آلاف ألف دينار، ومثلُها دراهم، وقيل: ثمان مئة ألف ألف درهم، وقيل: ثمانية عشر ألفًا، ومن الخيول ثمانين ألف فرس، وثمانين ألف جملٍ وبغلٍ ودابَّةٍ، وثمانين ألف خيمة، وثمانية آلاف عبدٍ، وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور، وكان نقشُ خاتمه: الحمد لله، ثمانية أحرف. وقيل: كان عددُ غلمانه الأتراك ثمانيةَ عشر ألفًا، فكان طالعه الثمانية في كلِّ شيءٍ، ويدعى أيضًا بالمثمَّن، [ولما جاءه الموتُ ما نفعه شيءٌ من ذلك، ولا ردَّ عنه مكروهًا.] (٦). وقال (٧) إسحاق بن إبراهيم (٨): قال لي المعتصم يومًا بعد ما باسطني: في نفسي شيءٌ أريدُ أن أسألك عنه، قلت: اسأل، أمير المؤمنين، فقال: إنَّ أخي أمير المؤمنين اصطنعَ قومًا فأنجبوا، وإنِّي اصطنعتُ قومًا فلم يَنْجُبوا، فقلت: يا أمير المؤمنين من هم؟ فقال: اصطنعَ طاهرًا، وابنه عبد الله بن طاهر، والفضل بن سهل وأخاه

стр. 6728

الحسن (١)، وقد رأيتَ ما ظهر من نجابتهم، واصطنعتُ الأفشين، وقد رأيت ما صار إليه من أمره، وأشناس وإيتاخ ووصيفًا، ولم أجد فيهم نجابةً، فقلت: نظر أخوك إلى الأصول، فأنجبت فروعها، واستعملتَ أنت فروعًا لا أصولَ لها، فلم تنجب. فقال: يا إسحاق، لَمُقاساةُ ما مرَّ بي في هذه المدَّة أهونُ عليَّ من سماعي لهذا الجواب (٢). وقال أحمد بن أبي دؤاد: قال لي المعتصم ونحن بعَمُّورية: يا أبا عبد الله، أتحبُّ البُسْر؟ قلت: وأنَّى به وهو في العراق؟! فقال لإيتاخ: هات تلك الكِبَاسة، فأحضرها، فمدَّ المعتصمُ يده، وجعل الكِبَاسَة على ذراعه، وقال: كل، قلت: ضعها على الأرض، فقال: لا والله، ما تأكلُ إلا وهي على يدي، فما زلت آكل وذراعه ممدودةٌ حتى ما بقي في العرقِ شيء. قال: وأتينا واديًا قد مد (٣)، وأنا على جملٍ، وهو على بغل، فقال: قف حتى أدخل قبلَك، فدخل، وقال: اتبعْ أثري، وجعلَ يقولُ بيده: تعال كذا، تعال كذا، حتى قطعنَا الوادي. وقال أحمد بن أبي دؤاد: تصدَّق المعتصمُ على يدي بألف ألف درهم وأكثر (٤). وقال إسحاق بن إبراهيم: لما تغيَّر المعتصم على الحسن بن سهل، أقطعَ ضياعَه أشناس التركي، وعلمَ الحسن، فبعث بكتبها إلى أشناس وكتب إليه: لما عَرَفتُ رأيَ أمير المؤمنين فيك، أحببتُ أن لا يتعرَّض عقبي لعقبك، فأرسلتُ إليك قِبالات الضياع معتدًّا في ذلك سبوغ النعمة عليّ، وادخارَ الشكر عندي، ومتقرِّبًا إلى أمير المؤمنين بذلك، ورأيُك في الامتنان بقبولها أعلى. فلما قرأ أشناس رقعتَه بعثَ بها إلى المعتصم، فلما وقف عليها قال: ضِيمَ فصبر،

стр. 6729

وسُلِب فعذَر، فليقابل بالشكر على صبره، وبالإحسان على عذرِه، ويترك له ضياعه، ويسقط له خراجها، ويعوَّض أشناس عنها، ولا يعاود في ذلك، والسلام (١). وقال المعلَّى بن أيوب الكاتب: عنَّتني الفضل بن مروان … (٢) المعتصم، وطلبَ مني حسابًا طويلًا، حتى خفتُ من المعتصم يتغيَّرُ عليَّ، فجلست ليلةً، وأوقدتُ بين يديَّ نفَّاطةً، وشرعت في عمل الحساب إلى نصفِ الليل، فغلبتني عيناي، فرأيتُ في المنام شخصًا يقرأ: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآيات [الأنعام: ٦٣ - ٦٥]، فانتبهتُ فزِعًا، وكنّا في الخيام، وإذا بمشعلِ صاحب الحرس قد أنكر نفَّاطتي في ذلك الوقت، فجاء، فوقف عليَّ وقال: ما الذي تصنع؟ فأخبرتُه، فمضى إلى المعتصم، فأخبره، وإذا الرسل (٣) قد جاءت يطلبوني، فدخلتُ عليه وهو قاعد، ولم يبق من الشمع إلَّا أسافله، فسألني عن حالي، فأخبرته، فقال: ويلي على النبطيّ، امتهنك، وأيُّ يدٍ له عليك؟! أنتَ كاتبي، وهو كاتبي، ثم قال: اصبر ترى ما تحب، فانصرفتُ، وقد سُرَيَ عنّي، وقبضَ على الفضل بعد أيامٍ، واستأصلَه. وقال ابن أبي دؤاد: استخرجتُ من المعتصم ألفي ألف درهم لأجل الشاش في حفر نهرٍ كان قد أضرَّ بهم اندراسه، فقال لي: يا أبا عبد الله مالي ومالك، تأخذ مالي فتعطيه لأهل الشاش وفرغانة! فقلت: المالُ لله، وهم رعيَّتُك، ولا فرق بين الأقصى والأدنى في حسن نظر الإمام، فسكت (٤). ولمَّا وصف ابن أبي دؤاد … (٥) المعتصم وحسن عشرته وتواضعه ولين جانبه (٦) كلامه غير أن سلطان الغضب استولى عليه، فكان إذا غضب لم يبالِ من قتل وما فعل. وقال الفضلُ بن مروان: لم يكن للمعتصم لذَّةٌ في تزيين الدنيا والبناء وكانت غايته

стр. 6730

الإحكام، ولم يكن على شيء أسمح (١) منه بالنفقة على الحرب. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلتُ على المعتصم وعنده قَينة، وهي تغنِّي، فقال لي: يا إسحاق، كيف تراها؟ فقلت: تقهر الغناء بحذف، وتختله (٢) [برفق]، ولا تخرج من شيءٍ إلَّا إلى أحسن منَّه، وفي صوتها شجًى وشذورٌ أحسن من نظم الدرِّ على النحور. فقال: يا إسحاق، لصفتُك لها أحسنُ منها ومن غنائها، خذها فهي لك، فامتنعتُ لعلمي بمحبته لها، فوصلني بمقدارِ قيمتِها. وقال أحمد بن أبي دؤاد: ما رأيتُ رجلًا نزلَ به الموت فما أشغله ولا أذهله عمَّا هو فيه غير تميم بن جميل، كان قد تغلَّب على شاطئ الفرات، فأخذ خذ وجيء به إلى بين يدي المعتصم، فدعا بالنطع والسيف بمشهدٍ من الخلائق، وكان وسيمًا جسيمًا، فأراد المعتصمُ أن يستنطقه؛ ليعلم أين جنانه ولسانه من منظره، فقال له: يا تميم، إن كان لك عذرٌ فتكلَّم، أو لك حجَّةٌ فأتِ بها، فقال: الحمد لله ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧]، ثمَّ قال: جبرَ الله بك يا أمير المؤمنين صدعَ الدين، و [لمَّ] (٣) شعث الأمة، وأخمدَ بك شهاب الباطل، وأوقد بك سراجَ الحقّ، إنَّ الموتَ (٤) يُخرسُ الألسن الفصيحة، ويَصدَعُ الأفئدة الصحيحة، ولقد عَظُمت الجريرة، وكَبُر الذنب، وساء الظنّ، ولم يبقَ إلَّا العفو أو الانتقام، وأرجو أن يكون العفوُ أقربهما منك، وأشبههما بأخلاقك، ثم نظرَ إلى السيفِ والنطع وقال: [من الطويل] أرى الموتَ بين السيف والنطع كامنًا … يلاحظني من حيثما (٥) أتلفَّتُ وأكبرُ ظنِّي أنَّك اليوم قاتلي … وأيُّ امرئٍ ممَّا قضى اللهُ يُفْلِتُ ومن ذا الذي يُدلي بعذرٍ وحُجَّةٍ … وسيفُ المنايا بين عينيه يصْلَتُ (٦) وما جَزَعي من أنْ أموتَ وإنَّني … لأعلمُ أنَّ الموتَ شيءٌ موقَّتُ

стр. 6731

ولكنَّ خلفي صبيةً قد تركتُهم … وأكبادُهم من حسرةٍ تتفتَّتُ كأنِّي أراهم حين أُنعى إليهمُ … وقد خَمشوا تلكَ الوجوهَ وصوَّتُوا فإن عشت عاشوا خافضين بغبطةٍ … أذودُ الردَى عنهم وإنْ متُّ مَوتُوا فمن قائلٍ لا يُبعِد الله روحَه … وآخر جذلانٌ بسرُّ ويَشمَتُ يعِزُّ على الأوسِ بن تغلبَ موقفٌ … يهزُّ عليه السيفُ فيه ويسكتُ فرقَّ له المعتصمُ وقال: كاد واللهِ أن يسبقَ السيف العَذَل، اذهب فقد وهبتك للصبية، وعفوتُ لك عنْ الصَّبوة (١). وغضبَ المعتصُم على الحسين بن الضحاك، لأنَّه مدحَ العباس بن المأمون (٢)، فاستتر وكتب إليه: [من الكامن] غضبُ الإمامِ أشدُّ من أدبه … وقد استجرتُ وعُذتُ من غضبِه أصبحتُ معتصمًا بمعتصمٍ … أثنى الإلهُ عليه في كتبِه لا والذي لم يُبْقِ لي سببًا … أرجو النجاةَ به سوى سببِه ما لي شفيعٌ غيرُ (٣) رحمته … ولكل من أَشْفَى على عَطبِه فلما قرأها التفتَ إلى ولده الواثق وقال: بمثل هذا الكلام يستعطَف الكرام، فقال: هو حقيقٌ بأن يُتجَاوز عنه، فرضيَ عنه وأعاده إلى مكانه. ومن شعره: [من المتقارب] وداعُك مني وداعُ الربيع … وفقدُكَ مثلُ افتقادِ النديم عليكَ السلامُ فكم من نَدى … فقدناه منكَ وكم مِنْ كريم (٤) وقيل: إنَّه يَرثي بهما.

стр. 6732

ذكر وفاته: [اختلفوا فيها، فحكى الطبريُّ قولين؛ أحدهما] (١) في هذه السنة (٢)، [والثاني في] (٣) سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، [واختلفوا في أيِّ شهرِ مات، فقيل:] في شهر رمضان، وقيل: في ربيع الأول لثماني عشرة ليلة مضت منه، [وقيل:] لساعتين [مضتا] من نهار [يوم] الخميس. وقيل: إنَّ بدوَّ علَّته أنَّه احتجمَ أوَّل يومٍ من المحرم، فمرضَ ودام مرضُه إلى أن مات [في ربيع الأول] (٤). [وروى الخطيب بإسناده إلى علي بن يحيى المنجِّم قال:] (٥) لمّا استتمَّ المعتصمُ عدَّةَ غلمانه الأتراك بضعة عشرَ ألفًا، وعُلِّق له خمسون ألف مخلاة على فرس وبغل [وبرذون]، وذلَّلَ العدوَّ [بكل النواحي]، أتته المنيَّة على غفلة، [قال:] فقيل: إنَّه قال في حُمَّاه التي ماتَ فيها: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٦) [الأنعام: ٤٤]. [وحكى الطبريّ عن زنام الزامر قال:] (٧) وجدَ المعتصم في علَّته [التي ماتَ فيها خفَّةً وإفاقةً، فقال: هيِّئوا لي الزُّلال، فهيَّؤه له، وركب] (٨)، وركبت معه فقال: [يا زنام] ازمر لي: [من مجزوء البسيط]

стр. 6733

يا منزلًا لم قبل أطلالُه … حاشا لأطلالكَ إنْ تبلَى لم أبكِ أطلالكَ لكنَّني … بكيتُ عيشًا فيكَ إذْ ولَّى والعيشُ أولى ما بكاهُ الفتى … لا بدَّ للمحزون أن يَسْلَى [ثم دعا برطلية، فشربها] وما زال يبكي، وأنا أزمر، حتى رجع إلى قصره، [قال:] وعاشَ بعد ذلك خمسة أيام. [قلت: قد أفحشَ الطبريُّ في لفظ زنام وملفوظ المعتصم، فإن الخلافاء ينبغي أن يُصانوا عمَّا يشين ويصم.] (١) وقال علي بن الجعد: لما احتضر جعل يقول: [ذهبت] الحِيَلُ فلا حيلة، إنِّي أُخذت من بين هذا الخلق، لو عَلمت أنَّ عمري يكون هكذا قصيرًا لما فعلت ما فعلت، ودُفن بسُرَّ من رأى. [وقد ذكرنا أنَّ خلافته كانت ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وقيل: ويومين. واختلفوا في سنِّه، فإن كان قد ولد سنة ثمانين ومئة، فإنَّه قد عاش ثمان وأربعين سنة (٢). وقال الصوليُّ: ودفن] (٣) بقصره المعروف بالخاقاني، وصلَّى عليه ابنه الواثق. وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه: [من المنسرح] قد قلتُ إذ غيَّبوك واصطفقَتْ … عليكَ أيدٍ بالتُّربِ والطِّينِ اذهبْ فنعمَ الحفيظُ كنتَ على الد … دنيا ونعمَ الظهيرُ للدينِ لا جَبَرَ اللهُ أمَّةً فَقدتْ … مثلكَ إلَّا بمثلِ هارونِ (٤) وقال مروان بن أبي الجنوب: [من الوافر]

стр. 6734

أبو إسحاقَ ماتَ ضحىً فمتنا … وأمسينَا بهارون حَيينَا لئن جاءَ الخميسُ بما كَرهنا … لقد جاءَ الخميسُ بما هوينَا (١) ذكر أولاده ونحو ذلك: قد ذكرنا أنَّه خلَّف ثماني بنين وثمان بنات، والمشهورُ من أولاده هارون الواثق، وجعفر المتوكِّل، وأحمد المستعين، وكلُّهم وليَ الخلافة. قلت: في المستعين نظرٌ، فإنَّ كتبَ المؤرِّخين تنطقُ بأنه ابنُ ابنه. والله أعلم. وقضاته: أحمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن سماعة. ووزيره: الفضل بن مروان، ثم محمد بن عبد الملك الزيات. وحاجبه: وصيف مولاه (٢). أسندَ المعتصم الحديثَ، قال الصوليُّ: حدثنا المعتصم عن أبيه هارون عن جده أبي جعفر عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي عن (٣) عبد الله بن عباس قال: نظر رسول الله ﷺ إلى قومٍ من بني أمية يتبختَرون في مشيهم، فعُرِفَ الغضبُ في وجهه، فقرأ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] فقيل: يا رسول الله، أيُّ الشجر حتى نجتنبها (٤)؟ قال: "ليست بشجر نبات، إنَّما هم بنو أمية، إذا مَلكوا جارُوا، وإذا ائتمنوا خانوا"، وضربَ بيده على ظهر العباس، وقال: "يا عمّ، يخرجُ من ظهرك" أو: "فيُخرِجُ الله من ظهرك رجلًا يكونُ هلاكهم على يديه" (٥). [وقد رُوي حديثٌ في حياته، رَواه إسحاقُ بن يحيى الخَتْليّ (٦) من ختلان بلدٍ عند سَمَرقند، وكان فاضلًا، مات إسحاق سنة خمس وثلاثين ومئتين وسنذكره، قال:] (٧)

стр. 6735

دخلتُ على المعتصم وهو مريض، فقلت: يا أميرَ المؤمنين أنت في عافية، قال: كيف تقول هذا، وقد سمعت أبي الرشيد يحدِّث عن أبيه المهدي، عن أبيه المنصور، عن جدَّه عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من احتجم يوم الخميس فحُمَّ فيه، مات فيه" (١). وقيل: هو موقوف على ابن عباس. [انتهت سيرة المعتصم والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم]. أبو حرب المبرقع اليماني قد ذكرنَا خروجه في أوَّل هذه السنة بفلسطين، وأنَّ المعتصم جهَّزَ إليه رجاء بن أيوب الحِضاريّ، فهزم أصحابَه، وأسرَه، وقدمَ به على المعتصم، وأنه حبسَه في المطبق، فمات فيه في آخر هذه السنة. وقيل: إنَّه خُنِق. * * *

стр. 6736

السنة الثامنة والعشرون بعد المئتين فيها خَلَعَ الواثقُ على أشناس، وتوَّجه، وطوَّقه، وألبسَه وشاحين مجوهرين في شهر رمضان (١). وفيها حَبسَ الواثقُ سليمان بن وهب (٢)، وكنيته أبو أيوب، فكتب إليه [أخوه الحسني (٣) بن وهب رقعةً فيها: [من الكامل] اصبر أبا أيوب صبرًا يُرتَضَى … فإذا جزعتَ من الخُطوبِ فمن لها إن الذي عقدَ الذي عُقِدت به … عُقَدُ المكارِه فيكَ يُحسِنُ حلَّها فاصبر فإنَّ الصبرَ يفرجُ كربَها … ولعلَّها أنْ تنجلِي ولعلَّها فوقعت الرقعة بيد الواثق فقال: والله لا تركتُ أحدًا يرجو الفرج بموتي، ثم أطلقه (٤). وكان سليمان من الأجواد، كتب إليه رجلٌ يستمنحه، ولم يكن عنده شيء، فكتب إليه سليمان: [من البسيط] الجودُ طبعي ولكن ليس لي مال … فكيفُ يحتالُ من بالرهن يحتالُ فهاك خطِّي فزرني حيثُ لي نَشَبٌ … وحيثُ يمكنُ إحسانٌ وإفضالُ إلى دمشقَ ففيها إن قصدتَ غنى … وثَمَّ يا صاحبيّ الجاهُ والمالُ (٥)

стр. 6737

و [فيها] حج بالناس محمدُ بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عبد الله بن عباس. وعطش الناس بطريق مكَّة فبلغت الراويةُ أربعين درهمًا، وبيع الخبز كلُّ (١) رطلٍ بالبغداديِّ بدرهم، وأصاب الناسَ (٢) في الموقف بعرفة حرُّ شديدٌ، وذهبَ من ساعتِه، وجاءَ بردٌ شديدٌ، فأضرَّ بهم الحرُّ والبردُ في ساعة، ومَطَرت بمنى مطرًا عظيمًا يوم النَّحْر، لم يروا مثلَه، وكان الناسُ وقوفًا عند جمرة العقبة يرمونها، فوقعت قطعةٌ من الجبل الذي عندها، فقَتَلت عدَّةً من الحُجَّاج. وكان في الحج سليمان بن طاهر بن حسين (٣). وفيها توفي عبدُ الله بنُ محمد بنِ عبد الله أبو جعفر البخاريُّ المُسْنَدِيُّ، وقيل له: المُسْنَدِيّ؛ لأنَّه كان يطلبُ الأحاديثَ المُسْنَدَة، وهو مولى محمد بن إسماعيل البخاري من فوق، وكان حافظًا متقنًا. سمع سفيان بن عيينة، وعبد الرِّزاق، والفُضيل بن عِياض، وغيرهم. وروى عنه البخاريُّ في "صحيحه". وقال البخاريُّ: قال لي الحسنُ بن شجاع: من أين يفوتُك الحديث، وقد وقعتَ في هذا الكنز؟ يعني: المُسْنَديّ. واتَّفقوا على صدقه وزهده وثقته وفضله (٤). عبيدُ الله بنُ محمد ابنِ حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمَر، أبو عبد الرَّحمن التيميُّ،

стр. 6738

ويعرف بابن عائشة؛ لأنَّه من ولد عائشةَ بنت طلحة ﵃. قدم بغداد فحدَّثَ بها، ثمَّ عاد إلى البصرة، وكان فصيحًا، أديبًا، سخيًّا، حسن الخُلُق، ورعًا عارفًا بأيام الناس، صدوقًا، أمينًا، ثقةً. قال إبراهيم الحربي: ما رأت عيناي مثل ابن عائشة، فقيل له: قد رأيتَ الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وتقول هذا! فقال: نعم، بُلِّغَ الرشيدُ شيئًا من أخلاقه (١)، فأحضرَه، وعدَّد عليه جميعَ ما سمع منه، وهو يقول: بفضل الله وفضل أمير المؤمنين، فلمَّا سكتَ قال له: يا أميرَ المؤمنين، وأحسن من هذا المعرفةُ بقدري، والقصدُ في أمري، فقال: أحسنت يا عم. وقال محمد بن زكريا الغَلابي: كنت عند ابن عائشة، فجاءه رجل فسأله أن يهبَ له شيئًا، فنزع جُبَّةً كانت عليه تساوي ستة أو سبعة دنانير، فدفعَها إليه، فقال له وكيله: ما أخوفني عليك أن تموتَ فقيرًا، قال: وكيف؟ قال: كانت لك ستُّ جبات (٢)، فوهبتَها، وبقيت لك هذه فوهبْتَها، وهذا الشتاءُ يقبل، فقال: إليك عني، فإني أريدُ أن أكون كما قال الأول: [من مجزوء الكامل] وفتًى خلا من مالهِ … ومن المُروءةِ غيرُ خالي أعطاكَ قبل سُؤاله … فكفاكَ مكروة السؤالِ وإذا وَعى (٣) لكَ موعدًا … كان الفعالُ مع المَقالِ لله درُّكَ من فتًى … ما فيكَ من كَرَمِ الخلالِ وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٤): قال جدِّي: أنفقَ ابنُ عائشة على إخوانه (٥) أربع مئة ألف دينار في الله تعالى، حتى باعَ سقفَ بيته. وكان مع هذه الفضائلِ الكاملة شديدَ القوى، كان يُمسكُ بيمينه ويساره شاتين إلى

стр. 6739

أنْ تسلخا. وقال جعفر بن [القاسم بن جعفر بن] (١) سليمان الهاشمي له: ها هنا آية نزلت فينا بني هاشم خاصَّة، قال: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فقال: ونحن معكم فيها، فقال جعفر: بل هي لنا خاصَّة، قال: فخذ معها: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، فسكت ولم يحر جوابًا. توفي بالبصرة في شهر رمضان. ورآه رجلٌ في المنام، فقال له: ما فعلَ الله بك؟ قال: غفرَ لي بحبِّي إياه. سمع حمَّادَ بن سَلَمة، وكان عنده تسعة آلاف حديث، وسمع أيضًا سفيان بن عيينة، وصالح المُرِّيّ، وخلقًا كثيرًا. ورَوى عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وإبراهيم الحربيّ، والبغويّ وغيرهم. واتَّفقوا على فضله وثقته وصدقه، وكان من سادات أهل البصرة غيرَ مُدَافع. وقال أبو يحيى السَّاجي: حدَّث بوَاسِط، فدخل إلى البصرة (٢)، وكان قد فاتَ بعضَ أهل واسط شيءٌ من حديثه، فأخذ جرَّةً جده يدة، وملأها ماءً وغطاها، وتبعه، فلحقه بالبطائح، وقد عدم الماءَ العذبَ، فسُرَّ به، وأخذ الجرَّةَ فوزعها بين أصحابه، وقال: ما حاجتُك؟ قال: فاتني شيءٌ من حديثك، فقال: اقرأ، فقرأه عليه، فأعطاه خمسين دينارًا، ثم أعطاه دراهم، وقال: أنفق هذه في طريقك؛ لتسلم لك الخمسون. عبدُ الملك بن عبد العزيز أبو نصر التمَّار، كان عالمًا فاضلًا صدوقًا ثقة زاهدًا، يعدُّ من الأبدال، إلَّا أنه كان ممَّن أجابَ في المحنة، فنهى الإمامُ أحمد رحمة الله عليه عن الكتابة عنه، ولم يُصَلِّ عليه لذلك، وكان جاوز التسعين سنة، وذهب بصره، ومات أولَ يوم من المحرَّم. سمع مالكَ بن أنس وخلقًا كثيرًا، وأخرج عنه مسلم في "صحيحه" وغيره (٣).

стр. 6740

علي بن عثَّام بن علي أبو الحسن العامريُّ الكوفيُّ، الزاهد الفاضل، سكن نيسابور، فقدمها عندُ الله بن طاهر، فبعث إليه يسأله حضورَ مجلسه، فامتنع، وخرج من نيسابور، وحجَّ، وسكن طَرَسُوس فتوفيَ بها، وكان لا يحدِّث إلَّا عن جهدٍ جهيد. ومن كلامه: اتّقوا سوال الليل، يعني أهلَ التعفُّف والستر. وقال: العلمُ خشية الله، وأمَّا الحديثُ فمعينٌ فيه (١). وقال: لا أحدِّثُ إلَّا رجلًا يهتمُّ بأمر دينه، أمَّا غيره فلا. سمع مالك بن أنس وغيره، ورَوى عنه الأئمَّة، وكان ثقةً (٢). محمد بنُ عبيد الله ابن عَمرو بنِ معاوية بن عمرو بن عُتبة بن أبي سفيان بن حرب، العتبيُّ البصريُّ، صاحب الآدابِ والأخبارِ والطرائفِ والمُلَح. قال أحمد بن عبد الصَّمد أنشدنا: [من البسيط] لا خيرَ في عِدَةٍ إنْ كنت ماطِلَها … وللوفاءِ على الإخلاف تفضيلُ الخيرُ أنفعُه للناسِ أعجلُه … وليس ينفعُ خيرٌ فيه تطويلُ (٣) وقال: حدَّثني بعضُ الأعراب قال: خرجتُ في بعض الليالي المظلمة، فإذا بجاريةٍ كأنَّها علمٌ، فأردُتها على نفسها، فقالت: ويحك! أمَّا لك زاجرٌ من عقلٍ إذا لم يكن لك ناهٍ من دين؟! فقلت: ما يرانَا إلَّا الكواكب، قالت: فأين مُكَوْكِبُها؟ (٤). قال العتبيّ: خرجتُ إلى البريَّة بالبصرة، فإذا أنا بأعرابيٍّ غَزِل، فملتُ إليه، فذكرتُ

стр. 6741

عنده النساء، فتنفَّسَ الصعداء، ثمَّ قال: يا ابن أخي، وإنَّ من كلامهنَّ ما يقومُ مقام الماء فيشفي من الظمأ، فقلت: صف في النساء، فقال: [من الكامل] رُجْحٌ وليس من اللواتي بالضُّحى … لذيولهنَّ على الطريقِ غبارُ يأنسن عند بعولهنَّ إذا خَلَوا … وإذا هُمُ خَرجُوا فهنَّ خِفَارُ فذكرتُ ذلك لأبي فقال: أخذَ قوله: من كلامهنَّ ما يقومُ مقامَ الماء فيشفي من الظمأ، من قول القطاميّ: [من البسيط] يَقْتُلننا بحديثٍ ليس يعلمُهُ … من يتَّقينَ ولا مكنونُهُ بادِي فهنَّ يبدينَ (١) من قولٍ يُصِبْنَ به … مواقعَ الماء من ذي الغُلَّةِ الصادي (٢) وقال العتبي: [من الطويل] رأينَ الغواني الشيبَ لاح بمَفْرقي … فأعرضنَ عني بالخدودِ النواضرِ وكنَّ إذا أبصرنَني أو سمعنَ بي … سعينَ فرفعنَ الكُوى بالمحاجرِ (٣) وفي نسخةٍ أخرى: فصرنَ إذا أبصرنني أو سمعنَني … نهضنَ فرقَّعنَ الكُوى بالمعَاجرِ (٤) وقال العتبيُّ: خرجتُ إلى المربَد وإذا بأعرابي، فملتُ إليه لأقتبسَ من علمه، فقلت: يا أعرابيّ، حَدَّثني بأعجبِ ما رأيتَ، فقال: نعم، ضلَّت إبلي من أرنب خرجَ في وجهها ليلًا، فركبتُ قَعودًا لي، وخرجتُ في طلبها، فأتعبتني، فصرتُ إلى بلاد عَذَرة، فإذا ببيتٍ منتبذٍ عن الأخبية، ليس بقُرْبهِ أنيسٌ، وإذا على بابه جويرية، كأنَّ وجهها سيفٌ صقيل، فلمَّا رأتني متأمِّلًا لها أرخت البرقع وقالت: يا عم، انزل على بركة الله، وإن أحببتَ قرًى كان لبنًا أو ماءً، فنزلتُ، فقالت: ما تشاء؟ فقلت: لبنًا، فقامت كأنها قضيبٌ يتثنَّى، فأخرجَت علبةً مملوءةً لبنًا، فشربتُ حتى رَويتُ، ثمَّ

стр. 6742

استلقيتُ وأنيت، فقالت: يا عمّ، أراك تعبًا؟ قلت: نعم، ضلَّت إبلي منذ ثلاث، فخرجتُ في طلبها، فقالت: هل لك في أن أدلَّك على من يعلمُ علمها؟ فقلت: إي والله، وتتَّخذي عندي [يدًا]، (١) فقالت: سل الذي أعطاك سؤال يقين، لا سؤال اختبار، فقلت: يا حبيبة، هل لك من بعل؟ فقالت: قد كان، فدُعي إلى ما منه خُلِق، قلت لها: فهل لك في بعلٍ لا تذمُّ خلائقه، ويأمنُ إلفُه بوائقَه، فاستعبرت باكيةً، ثم قالت: [من البسيط] كنّا كغصنين في عودٍ غذاؤهما … ماءُ الجداول في روضاتِ جنَّاتِ فاجتثَّ خيرَهما من دونِ صاحبه … دهرٌ يَكُرُّ بروعاتٍ وترحاتِ (٢) وكنتُ عاهدتُه (٣) إن خانني زمني … ألا يضاجعَ أنثى بعد مثواتي وكانَ عاهدَني (٤) أيضًا فعاجَلَهُ … ريبُ المنون قريبًا مذ سُنَيَّاتِ فاصرفْ عِنَانك عمَّن ليس يصرفُها … عن الوفاء خلافٌ (٥) في التحيَّاتِ إنِّي حلفتُ يمينًا غيرَ كاذبةٍ … والكِذْبُ يُزْرِي بأصحابِ المروآتِ أنْ لا يضاجعني من بعدِه أحدٌ … حتى يغيَّب رمسِي بين أمواتِ وسكتت، فاجتهدت بها أن تكلِّمني أو تريني الطريق، فأبت (٦). وقال العتبي: [من الطويل] إذا ما تقضَّى الودُّ إلَّا تكاشرًا … فهجرٌ جميلٌ للفريقين صالحُ تَلَوَّنْتَ ألوانًا عليَّ كثيرةً … ومازجَ عذبًا من إخائِك مالحُ فلي عنك مستغنىً وفي الأرض مذهبٌ … فسيحٌ ورزق الله غادٍ ورائحُ لتعلمَ أنِّي حيث رُمتَ قطيعة … وعرَّضتَ لي بالهجرِ عنك مسامحُ

стр. 6743

على أنَّني لا مائلٌ بعداوةٍ … عليكَ ولا صَبٌّ إلى الودِّ جانحُ نعانيَ ناعٍ حين يطمعُ صاحبي … يرى الشرَّ (١) في وجهي له وهو كالحُ حَدَّث العتبيّ عن سفيانَ بن عيينة وغيره، وروى عنه أبو حاتم السجستاني وغيره، وكان ثقة (٢). محمد بن مصعب أبو جعفر البغدادي (٣)، كان أحد العبَّاد المذكورين، والقرَّاء المعروفين، أثنى عليه الإمام أحمد رحمة الله عليه، ووصفَهُ بالسُّنَة، وقال: كان رجلًا صالحًا، يقصُّ في المسجد ويدعو، وربما كان ابن عُلَيَّة يجلسُ إليه فيسمعُ دعاءَه، جاءني وكتب عني أحاديث، ثمَّ كان يقول: يا رب أخبئني [تحت] (٤) عرشك. وقال: ويحكِ يا نفس ابنِ مصعب، من أين لك في النار برَّادة (٥)؟ ثم رفعَ صوته وقرأ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩]. وكان مجاب الدعوة، بلغَ المأمونَ عنه شيءٌ فأمرَ بحبسِه، فلمَّا دخله رفعَ رأسه إلى السماء وقال: أقسمتُ عليكَ إنْ حبستَني عندهم الليلة. فأُخْرجَ في جوف الليل، فصلَّى الغداةَ في منزله. وتوفي ببغداد. أسندَ عن ابن المبارك وغيره. ورَوى عنه ابن سام (٦) وغيره، واتَّفقوا على صدقه وثقته.

стр. 6744

[وفيها توفي] مُسَدَّد بن مُسَرْهد ابن مُسَربل بن مُغَربل بن مُرَغبَل بن أرندل بن سَرَندل بن عَرَندل بن ماسك بن المستورد الأسدي [كذا نسبه ابن ماكولا (١). وأمَّا ابنُ سعد فذكره في أوائل الطبقة الثامنة من أهل البصرة وقال:] (٢) مسدَّد بن مسرهد بن مسربل بن شريك، أبو الحسن [الأسديّ]، توفي بالبصرة في رمضان [من هذه السنة] (٣). وقال أحمد بن يونس الرقيّ: جئتُ إلى أبي النعيم الفضل بن دُكَين فقال [لي:] من محدِّث البصرة؟ قلت: مُسدَّد [بن مسرهد]، وذكرت أسامي أجداده، فقال أبو نعيم: هذه تسمية لو كان فيها "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" لكانت رُقيةً للعقرب. أسند مُسَدَّدٌ عن خلقٍ كثيرٍ منهم حمَّاد بن زيد [وأبو عوانة وغيرهم] (٤)، وكان ثقةً مرضيًّا (٥). نُعيم بن حمَّاد ابن معاوية بن الحارث بن همَام الخُزاعيُّ المروزيُّ، صاحب عبد الله بن المبارك، كان أعلمَ الناس بالفرائض، وهو من الطبقة السادسة. من أهل مصر، كان من أهل مرو، طلب الحديث طلبًا كثيرًا بالعراق وخراسان (٦)، ثمَّ نزل مصر، فلم يزل بها حتى أشخِص منها في

стр. 6745

خلافة المعتصم، فسُئِل عن القرآن، فأبى أن يجيب فيه بشيء ممَّا أرادوه، فحبس بسامراء، فلم يزل محبوسًا بها حتى مات في السجن، لامتناعه من القول (١). وقال الخطيب: مات سنة تسع وعشرين، وكان مقيَّدًا محبوسًا لامتناعه من القول بخلق القرآن، فأوصى أن يُدفَن في قيوده، فقال: ادفنوني في قيودي، فإنِّي مخاصِمٌ، فجُرَّ بها حتى ألقي في حفرته، ولم يكفَّن ولم يصل عليه، فعل ذلك به صاحب ابن أبي دؤاد (٢). وقيل: إنَّه حُمِل من مصر في سنة ثلاث وعشرين. أسند عن ابن المبارك، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، وخلقٍ كثير. وروى عنه يحيى بن معين والبخاريُّ (٣) ومحمد بن يحيى الذُّهلي. وقال أبو سعيد بن يونس: أقام بمصر مدَّةً، وصَنَّفَ كتابًا في الردَّ على أبي حنيفة، وحُمل هو والبويطيُّ إلى بغدادَ مكبَّلَين بالحديد. وقد تكلَّموا فيه، وأثنى عليه قومٌ، وضعَّفه قوم (٤). يحيى بنُ عبد الحميد بنِ عبد الرَّحمن أبو زكريا الكوفي، أحدُ الحفاظ الرحَّالين، كان يحفظُ عشرةَ آلاف حديث يسردُها سردًا. توفي بسامرّاء في رمضان. حدَّث عن سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه البغويُّ وغيره. وتكلَّموا فيه (٥)

стр. 6746

السنة التاسعة والعشرون بعد المئتين فيها حبسَ الواثقُ الكُتَّاب، وأخذ منهم أموالًا عظيمة، وسلَّمهم إلى إسحاق بن يحيى صاحبِ حرسه، فضربَ أحمدَ بن إسرائيل ألف سوط، وأخذ منه ثمانين ألف دينار، وأخذَ من سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربع مئة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكاتبه (١) ألف ألف دينار، ومن نجاح ستينَ ألف دينار، ومن صالح بن أبي الوزير (٢) مئةَ ألفٍ وأربعين ألف دينار، سوى ما أخذَ من العمّال، فيقال: إنَّه أخذَ منهم ثلاثة آلاف ألف دينار. وسببُ ذلك أنَّ الواثقَ جلسَ ليلةً مع ندمائه، فسأل عن السبب الذي به وَثب الرشيدُ على البرامكة، فقال: لم يكن له بيتُ مال، وكانت البرامكة قد استولَت على الأموال، فاستعرضَ الرشيدُ جاريةً، فأعجبته، فطلبَ صاحبُها فيها مئةَ ألف دينار، فأرسل إلى يحيى بن خالد، فأمرَه أن يبعثَ إليه بالمال، فقال يحيى: هذا مفتاحُ سوء، إذا بذل في جاريةٍ هذا المال، كان أحرى أن يَطلبَ المال على قدر ذلك، [فأرسل يخبرُه أنه لا يقدرُ على ذلك، فغضبَ الرشيد] (٣)، فأرسلَ إلى يحيى ثانيًا يقول: لا بدَّ من المال، وكيف يَعجِزُ بيتُ مالي عن مئة ألف دينار، فقال يحيى: اجعلوها دراهم؛ لعلَه يستكثرها فيردها، فأرسلَ بها دراهم، وجعلَها في طريق الرشيد (٤)، فخرجَ فرآها مثل الجبل، فاستكثرَها، وردَّ الجارية، ودعا خادمًا له، وقال: اضمُم هذه إليك، واجعل لنا بيتَ مال، وأخذ في التفتيش على المال، فوجد البرامكة قد استهلكوه، وكان يحضرُ مجلسَه رجلٌ فاضلٌ، فأعجبَه ليلةً حديثُه، فأطلقَ له ثلاثينَ ألف درهم، فمطلَه يحيى

стр. 6747

مدَّةً، فتحيَّل حتى أنشد الرشيد: [من الرمل] وَعَدَتْ هندٌ وما كانت تَعِدْ … ليتَ هندًا أنْجَزَتنا ما تعدُ واستبدَّتْ مرَّةً وإحدة … إنَّما العاجزُ من لا يستبِدّ (١) فقال الرشيد: أجل والله، إنَّما العاجزُ من لا يستبد، وكان على رأس الرشيد خادم، فنقلَ الحديثَ إلى يحيى، فبعثَ إلى الرجل بثلاثين ألف درهم من بيت المال، ومن عنده بأربعين ألفًا (٢)، واعتذرَ إليه. وجدَّ الرشيدُ في البرامكة، حتى فعلَ بهم ما فعل، فقال الواثق: صدق الرشيد، فما مضى أسبوعٌ حتى وثبَ على الكُتَّاب، وأخذَ منهم الأموال. وفيها وَلَّى الواثق إيتاخ اليمن، فبعثَ إليها نوابه، وولَّى محمد بن صالح المدينة، وولى محمد بن يزيد (٣) الخَلَنجي الحنفيّ على قضاء الشرقية ببغداد، وكان من أصحاب ابن أبي دؤاد، وكان عفيفًا في قضائه، تلطَّف فيه محمد بن الجهم وبعثَ إليه بمالٍ عظيم فلم يقبله، وكان المعتصم كتبَ إليه من سامرَّاء ليمتحنَ الناس بخلقِ القرآن، [وكان يضبط نفسه، فتقدمت إليه امرأة فقالت: إن زوجي لا يقول يقول أمير المؤمنين في القرآن] (٤) ففرِّق بيني وبينه، فصاحَ عليها. فلمَّا كان سنة سبع وثلاثين عزله المتوكل، وأمر بأن يُكشَف عليه بسبب ما امتحنَ به الناسَ، فأُقِيم للناس، فما ظهرَ أنَّه أخذ لأحدٍ حبَّةً (٥). و [فيها] حجَّ بالناس محمد بن داود بن عيسى. [فصل:] وفيها توفي

стр. 6748

خلفُ بن هشام ابن ثعلب، [وقيل: ابن طالب،] أبو محمد البزَّار [المقرئ]، قرأ القرآن بالروايات حتَّى فاق أهل عصره. [وحكى عنه الخطيبُ أنَّه قال: قرأتُ القرآن على حمزةَ بن حبيب الزَّيات عشر مرات (١)، قال: وكان خلفٌ صالحًا]، وكان يشربُ النبيذَ على مذهب أهل العراق [على التأويل]، ثمَّ تركه، وسببُ تركِه أنَّ ابن أخته قرأ عليه سورة الأنفال حتَّى بلغ قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الآية: ٣٧] فقال له: يا خال، إذا ميَّز الله الخبيثَ من الطيِّب، أين يكون النبيذ، [أو الشراب]؟ فنكس رأسه طويلًا ثم قال: مع الخبيث، فقال: أفترضى أن تكون مع [أصحاب] الخبيث؟ فقال: يا بني اذهب إلى المنزل، فاصبُبْ كل شيءٍ فيه، [وتركه]، فأعقبَه الله الصومَ، فصام الدهر إلى أن مات (٢). وقيل: إنَّه صام أربعين سنةً، وأعاد صلاة مدَّة شربه النبيذ. [وقد ذكره ابن سعد وأثنى عليه، قال: وكان صاحب قرآن وحروف، وقرأ على سُليم صاحب حمزة،] وتوفي يوم السبت لتسع خلون من جمادى الآخرة [سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، ودفن بمقابر الكُنَاسة] ببغداد (٣). [قلت: لا نعرف اليوم مقابر الكُنَاسة، وإنَّما الكُنَاسة بالكوفة. وحَكى الخطيبُ عن عبد الله بن محمد البغويّ أنَّه قال: مات خلف في هذه السنة (٤)، كما قال ابن سعد]. قيل: مات [في] سنة ثمانٍ وعشرين [ومئتين]. ورآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وقال: اقرأ

стр. 6749

عليَّ القرآنَ، فقرأتُه عليه. أسندَ عن مالك بن أنس [وحماد بن زيد] وخلقٍ كثير [وسمع منهم]، وروى عنه إبراهيمُ الحربيُّ وغيره، واتَّفقوا على صدقه وعدالته وثقته في حال شربه النبيذَ وتركه، [فحكى الخطيبُ عن أحمد بن حنبل أنَّه قيل له:] (١) إنَّ خلفًا يشربُ النبيذ، فقال: قد انتهى إلينا علم هذا، ولكنَّه والله عندنا الثقةُ الأمين العدل شرب أو لم يشرب (٢). [وقال الدارقطني: كان عابدًا فاضلًا، أعاد الصلاة التي شرب فيها النبيذ أربعين سنة (٣). وفيها توفي] عليُّ بن صالح بن سليمان (٤) [وقال الخطيب: وإنما سمِّي جده] صاحب المصلى -[وهو] سليمان (٥) -[لأنَّه كان] مع أبي مسلم الخراساني، وكان من أولادِ الملوك بخراسان، فاستخضَّه أبو جعفر، فلما جرت قصَّة عبد الله بن عليّ (٦)، فرَّق أبو جعفر خزائنَ عبد الله (٧) على

стр. 6750

سليمان وغيره من القوَّاد، فأخذَ كلُّ واحدٍ شيئًا جليلًا، فاختار [سليمان حصير] (١) الصلاة من عَمَل مِصْر، ذُكِرَ أنَّه كان في خزائن بني أميَّة، وأنَّهم ذكروا أنَّ النبي ﷺ صلَّى عليه، فقال له المنصور: إنَّ هذا لا يصلحُ [أن يكون] إلَّا في خزائن الخلفاء، فقال: يا أمير المؤمنين، قد حكمتَ كلَّ واحدٍ في الخزائن، فأخذَ كل واحدٍ ما أراد، وما مقصودي إلَّا البركة [بصلاة رسول الله ﷺ ]، فقال: خذه على شرطٍ؛ وهو أن تحملَه في الأعياد والجمع فتفرشَه حتَّى أصلي عليه، قال: نعم، وكان يفرشُه في كل عيدِ وجمعةٍ للمنصور، وبقيَ عند ذريَّة سليمان يتوارثونَه حتَّى أخذَه منهم المعتصم، فجعلَه في خزائنه (٢). [وقيل: إنَّ صاحبَ هذه الترجمة اسمه عليّ بن صالح بن سليمان بن صالح، وصاحبُ الواقعة مع المنصور هو صالح الأعلى. حدث علي بن صالح (٣) عن القاسم بن معن المسعوديّ، وروى عنه يعقوب بن إبراهيم (٤). والله أعلم] (٥). * * *

стр. 6751

السنة الثلاثون بعد المئتين فيها غارت (١) الأعراب حول مدينة النبي ﷺ ، فبعثَ إليهم الواثقُ بغا التركيّ في جيشٍ كثيف، فقَتَل منهم جماعةً، وأسرَ آخرين. ذكر (٢) السبب كانت بنو سُليم نازلين حولَ المدينة يفسدون ويعبثون، وإذا قامت سوقٌ أخذوا منها ما أرادوا، وكان رأسهم عُزيزةُ بن قطَّاب السُلَميّ، وكان بالمدينة محمد بن صالح الهاسميّ واليًا عليها، وكان الواثق قد بعثَ إليه حمّاد بنَ جرير الطبريّ؛ لئلا يطرقَ المدينة طارقٌ، وكان في مئتي فارسٍ، فبعثَ محمدُ بن صالح حمَّادَ بن جرير في جماعةٍ، من الجند وسودان المدينة [ومن تطوَّع للخروج من] (٣) قريشٍ والأنصار ومواليهم، فسار إلى بني سُليم وهم كارهون (٤)، فالتقاهم على الرُّوَيثة على ثلاث مراحل من المدينة، وهم في ستِّ مئةٍ وخمسين، ثم جاءتهم الأمدادُ قبل القتال، فحولَ عليهم حمَّاد، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وانهزمت سودان المدينة بالناس، وثبتَ حمَّاد وأصحابه وبعض قريش والأنصار، فقُتِل حمَّاد وعامَّةُ أصحابه، وحازت بنو سليم الكراعَ والسلاح والثياب وغيرها، وقويت شوكتُهم، واستباحوا القرى والمنازل والمناهل فيما بين مكَّة والمدينة، وانقطعت الطرق، فبعثَ إليهم الواثقُ بغا الكبير في الشاكريَّة والأتراك والمغاربة، فقدمَ المدينة في شعبان، وشخص إلى حرَّة بني سُلَيم، وعلى مقدمته كردوس (٥) التركي، فلقيَهم وراء السُّوارقيَّة، وكانوا يَأْوون إليها، وبها حصونٌ يتحصَّنون بها، فَقتَل منهم بغا خمسين رجلًا، وأَسَر مثلهم، وانهزمَ الباقون، ثم

стр. 6752

دعاهم بُغا إلى [الأمان، وأقام] بالسُّوارقيَّة، فدخلوا تحت أمانه، [فاحتَبسَ عنده من] (١) عُرِفَ بالشرِّ والفساد، نحو ألف رجل، فقدمَ بهم المدينةَ في ذي القعدة، فحبَسهم في الدار المعروفة بيزيد بن معاوية (٢)، ثم مضى إلى مكَّة حاجًّا، فشهدَ الموسم، وكان على الموسم محمد بن داود. وفيها توفي عبدُ الله بنُ طاهر ابنِ الحسين بن مصعب بن رُزَيق، أبو العباس الخزاعي. [ذكره العلماء في تواريخهم، واتَّفقوا عليه، و] كان بارع الأدبِ حسنَ الشعر، مأمونًا، نبيهًا في نفسه، جوادًا، عاقلًا ممدَّحًا سمحًا، تنقَّل في الأعمالِ الجليلةِ شرقًا وغربًا. قلَّده المأمونُ الجزيرةَ والشام ومصرَ والمغربَ حربًا وخراجًا، ثمَّ نقلَه إلى ولاية خراسان بعد وفاةِ أبيه. ومولده [في] سنة ثلاث وثمانين ومئة. وقال إسحاقُ بن راهويه: سألني عبد الله بن طاهر فقال: متى توفي عبدُ الله بن المبارك؟ فقلت: في سنة اثنين وثمانين ومئة، فقال: ذلك مولدي. [وكان إليه خراسان] وما وراء النهر، وطبرستان، والمشرق كله، والشرطتان ببغداد وبسُرَّ من رأى، وخليفتُه عليهما إسحاقُ بن إبراهيم المصعبيّ (٣). [وقال الخطيب: كان عبد الله من الأجواد الممدَّحين والسُّمحاء المذكورين] (٤). ذكر طرف من أخباره: [حكى الخطيبُ أنَّ المأمونَ سوَّغه خراج مصر، فلمَّا فتحها لم يدخلها] (٥) وصعد

стр. 6753

المنبر، فما نزلَ حتَّى فرَّق خراجها، وهو ثلاثة آلاف دينار. [وذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور"، وأثنى عليه، وحكى عنه حكايات كثيرة فقال: جاءه] (١) رجلٌ من أهل هَراة، فقال: إنِّي مظلوم، قال: ومن ظلمَك؟ قال: أبوك، ثمَّ أنت، قال: وكيف؟ قال: أخذَ أبوكَ ضيعتي، وهي اليومَ في يد نوَّابك، فقال: ألكَ بيِّنة؟ فقال: إنَّما تكونُ البيِّنةُ بعد المرافعَة إلى الحاكم، فصرْ معي إلى الحاكم؛ ليحكمَ بيني وبينك بحكم الإسلام. فدعا ابن طاهر نصرَ بن زياد القاضي، فجلس، وابن طاهر [جالسٌ] في مجلسه، فادَّعى الرجل، فلم يسمع القاضي الدعوى، ففهمَ ابنُ طاهر أنَّه إنَّما امتنعَ من سماع الدعوى حيثُ إنَّه لم يساوِ خصمَه في الجلوس، فقام ابنُ طاهر من مجلسِه، وجلس مع خصمه بين يديه، فقال الرجل: أَدَّعي أيُّها القاضي أنَّ لي ضيعةً من ضياع هراة، وذكر حدودَها، وأنَّها في يد الأمير، فقال ابن طاهر: غيَّرتَ الدعوى؛ لأنَّك إنَّما ادَّعيتَ على أبي، فقال الرجلُ: ما رأيتُ أنْ أفضحَ أباك في مجلس الحاكم، وأنَّه غصب، فقامَ ابنُ طاهر [من بين يدي القاضي]، وعادَ إلى مجلسه، وأمرَ الكاتبَ يكتبُ بردِّها عليه. [وفي رواية: طلبَ الرجلُ يمينَه، فقام ابنُ طاهر من مجلسه، وذكره.] (٢) وقال أحمد بن سعيد الموصلي (٣): قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد، إنَّكم تبغضُون المرجئةَ تقليدًا، وأنا أبغضهم عن معرفة، إنَّ أوَّل أمرهم أنَّهم لا يرون للسلطان طاعةً، ويقولون: إيمانُنا كإيمانِ جبريل وميكائيل، وإني لا أستجيزُ أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل. وقال أحمد بن أبي طاهر: لمَّا خرج عبد الله بن طاهر إلى المغرب، كان معه كاتبه أحمد بن نَهيك، فلمَّا نزلَ دمشق أُهديت لأحمد هدايا كثيرة في طريقه وبدمشق، فكان يُثبِّتُ كلَّما يُهدَى له في قرطاس، ويدفعه إلى خازنه، فأمرَ عبدُ الله بن طاهر (٤) أحمدَ بن

стр. 6754

نَهيك أن يغدو عليه لعمل كان يعمله، وأمره أن يثبته، ووضع ورقة العمل مع الورقةِ التي فيها الهدايا، فغلط الخازن، فأحضرَ ورقةَ الهدايا، وتركَ الورقة التي فيها العمل، ودخل على عبد الله بن طاهر فسأله عما كان تقدَّم من العمل، فقال: عملته، وأخرج الورقة من خفِّه، فناوله إيَّاها، وكان دَرجًا كبيرًا، فتأمَّله ابنُ طاهر من أوَّله إلى آخره، ثم طواه، وقال لابن نَهيك: خذ ورقتَك، فليس هذا أردت، فلمَّا نظر أحمد فيها أُسقِط في يده، فلما انصرفَ إلى مضربه وجَّه إليه عبدُ الله يقول: قد وقفتُ على ما في الورقة، فوجدتُه سبعينَ ألف دينار، وقد علمتُ أنَّه قد لزمتكَ غرامةٌ ومؤنةٌ عظيمةٌ في سفرك، ومعك جماعةٌ وزُوَّارٌ تحتاجُ إلى برِّهم، وليس مقدارُ ما يصلُ إليك يفي بمؤنتك وقد وجَّهت إليك بمئة ألف دينار؛ لتصرفَها في الوجوه التي ذكرتها (١). [وقال الخطيب بإسناده إلى سهل بن ميسرة (٢) قال:] (٣) لمَّا رجعَ عبد الله بن طاهر من الشام إلى بغداد صعد فوق سطح [قصره]، فنظر إلى دخانٍ يرتفع من جواره، فقال: ما هذا الدخان؟ فقيل: لعلَّ القوم يخبزون، فقال: أو تحتاج جيراننا إلى ذلك، [أو أن يتكلَّفوا ذلك]؟! ثم دعا حاجبَه، وقال: امض ومعكَ كاتبٌ، وأحصِ جيراننا ممَّن لا يقطعُهم عنَّا شارعٌ، فمضَى فأحصاهم، فبلغَ (٤) عددهم [أربعة آلاف] نفس (٥) فأمر لكلِّ بيتٍ بالخبز واللحم، وما يحتاجون إليه، وبكُسوة الشتاء والصيف، والدراهم، [فما زال ذلك دأبه] (٦) حتَّى خرج من بغداد، فانقطعَ ذلك، وكان يبعثُ من خراسان إليهم بالكُسوة مدَّة حياته (٧). [وحكى الخطيب أيضًا بإسناده إلى أبي الفضل الربعيّ عن أبيه أنَّه قال:] قال المأمون لعبد الله بن طاهر: أيُّما أطيب [مجلسي أو مجلسك، وفي رواية:] منزلي أو منزلك؟ قال: يا أمير المؤمنين منزلي، قال: ولم؟ قال: لأنِّي فيه مالك، وأنا في

стр. 6755

منزلك مملوك (١). و [قال الحسين بن الفهم:] كان ابن طاهر لا يُدخل دارَه خصيًّا، ويقول: هم مع النساء رجال، ومع الرجال نساء (٢). وقال (٣) أحمد بن يزيد السُّلميّ: كنت مع طاهر بن الحسين بالرقة، فرُفعت إليه قِصَصٌ فوقع عليها بصلاتٍ، فبلغت ألفي ألف (٤) درهم وسبع مئة ألف درهم، ثمَّ كنت (٥) بعد ذلك مع ولده بالرقة فوقع عليها، وزاد على أبيه بألفي ألف (٦) درهم. وقال محمد بن يزيد الأمويّ الحصنيُّ (٧) من ولد مَسْلَمة بن عبد الملك، وكان قد اعتزل الناس في حصنٍ له: لمَّا بلغني خروجُ عبد الله بن طاهر من بغداد يريد قتال نصر بن شبث بالجزيرة أيقنتُ الهلاكَ، لِمَا بلغه من رَدِّي عليه قصيدتَه التي يقول في أوّلها: [من المديد] مدمنُ الإغضاءِ موصولُ … ومديمُ العتب مملولُ وأخو الوجهينِ حيث رَمى … بهواهُ فَهْوَ مدخولُ فاتّئد تلقَ النجاحَ به … فاعتسافُ الأمر تضليلُ واعمَ عن عيب أخيك يدمْ … لك حبلٌ منه موصولُ من يَرِد حوض الردى صردًا … لا يسعهُ الريُّ تعليلُ أنا من يعرف بنسبته (٨) … سَلَفِي الغُرُّ البهاليلُ مصعبٌ جدِّي نقيبُ بني … هاشمٍ والأمرُ مجهول

стр. 6756

وحسينٌ رأسُ دعوتِهم … ودعاءُ الحقِّ مقبولُ وأبي من لا كِفَاءَ له … من يُسامي مجدَهُ قولوا سَلْ به والخيلُ ساهمةٌ … حولَهُ جردٌ أبابيلُ أَبْطَنَ (١) المخلوعَ كلكُلهُ … وحواليه المقاويلُ (٢) فثَوى والتربُ مضجعُه … غال عنه ملكَه غولُ قادَ جيشًا نحو عرصته … ضاقَ عنه العرضُ والطُّولُ ملكٌ تجتاحُ صولتُه … ونداه الدَّهرَ مبذولُ قُطِعَتْ عنه تمائمُه … فهو مرهوبٌ ومأمولُ من أبياتٍ. فإنِّي لمَّا بلغتني هذه القصيدة امتعضتُ للعربيّة، وأنفت المنافية أن يفتخرَ عليها رجلٌ من العجم قتلَ ملكًا من ملوك العرب بسيفِ أخيه لا بسيفِ نفسه، فيفخر عليها ويضع منها، فرددتُ عليه قصيدتَه، ولم أعلم أنَّ الأقدار تُظْفِره بي، فقلت: [من المديد] لا يَرُعْكَ القالُ والقيلُ … كلَّما بُلِّغتَ تهويلُ قاتلُ المخلوعِ مقتولٌ … ودمُ القاتل مطلولُ لا تنجِّيه مذاهبُه … نهرُ بُوْشَنجٍ ولا النِّيلُ بيد (٣) المخلوع طُلْتَ يدًا … لم يكن في باعِها طولُ وبنعماه التي سَلَفَتْ … فعلت تلك الأفاعيلُ يا ابن بيت النَّار موقدُها … ما لحاديهِ سراويلُ من حسينٌ من أبوك ومن … مصعبٌ غالتهُمُ الغولُ أسرةٌ ليست مباركةً … غيرُها الشمُّ البهاليلُ من أبياتٍ طويلةٍ.

стр. 6757

فلمَّا قرب عبد الله (١) بن طاهر استوحشتُ من المقام خوفًا على نفسي، ورأيتُ تسليم نفسي عارًا عليّ، فأقمتُ مستسلمًا للأقدار، وأقمتُ جاريةً سوداء في أعلى الحصن، فلم ترعني إلَّا وهي تشهرُ بيدها، وإذا بباب الحصن يدقّ، فخرجتُ وإذا بعبد الله بن طاهر واقفٌ وحدَه، قد انفردَ عن أصحابه، فسلَّمت عليه سلامَ خائفٍ، فردَّ عليَّ ردًّا جميلًا، فأومأتُ لأقبِّل ركابَه، فمنعني بألطف منع، ثم ثنى رجلَه وجلسَ على دكَّةٍ على باب الحصن، ثمَّ قال: سكِّن روعَك، فقد أسأتَ بنا الظنَّ، وما علمنا أنَّ زيارتنا لك تروِّعك، ثمَّ سألني عن مقامي في البَرِّ، وإيثاري له على الحضر، وباسطَني، فلمَّا زال رَوعي قال: أنشدني قصيدتَك التي تقولُ فيها: يا ابن بيت النارِ موقدُها فقلت: لا تنغِّص إحسانَك، فقال: ما قصدي إلَّا زيادة الإنسِ بك، فامتنعت، فقال: والله لا بدّ، فأنشدتُه القصيدة إلى قوله: ما لحاديه سراويل فقال: والله لقد أحصينَا ما في خزائن ذي اليمينين بعدَ موته، فكان فيها ثلاثة آلاف سراويل (٢) من أصناف الثياب، ما في واحدٍ منها تِكَّةٌ، فما حملك على هذا؟ قلت: أنتَ حملتني بقولك: وأبي من لا كِفَاءَ له … من يساوي مجدهُ قولوا لما فَخَرْتَ على العرب فَخَرْنا على العجم، فقبل العذرَ، وأظهر العفو، ثمَّ قال: هل لك في الصحبة إلى قتال نصر بن شبث؟ فاعتذرتُ بالعجز عن الحركة ولزومِ المنزل، فأمر بإحضار خمسة مراكب من مراكبه بسروجها ولُجُمِها، محلاةً بالذهب، وثلاثة دوابّ من دوابِّ الشاكريَّة، وخمسة أبغل من بغال الثقل، وثلاث تخوتٍ من الثياب الفاخرة، وخمس بِدَر من الدراهم، ووضع الجميعَ على باب الحصن، واعتذرَ بالسفر فمددتُ يدي لأقبِّل يدَه، فامتنعَ، وسار، فودَّعتُه، وكان ما أعطاهُ يساوي مئة ألف درهم.

стр. 6758

وقال القاضي التنوخي: حَبَسَ عبدُ الله بن طاهر محمدَ بن أسلم، فكتبَ إليه بعضُ إخوانه يسلِّيه ويهون عليه، فأجابه محمد وقال: كتبت إليَّ تعزِّيني، وإنَّما ينبغي لك أن تهنِّيني، رأيتُ العجائب، وعُرضت عليَّ المصائب، إنِّي رأيتُ الله تعالى يتحبَّبُ إلى من يؤذيه، فكيف بمن يُؤذَى فيه، إنِّي دخلتُ بيتًا سقطتْ عني فيه فروضٌ وحقوق، منها الجمعة، والجماعات، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، وعيادةُ المرضى، وحضورُ الجنائز، وما نزلتُ بيتًا خيرًا لي في ديني منه. وبلغ ابن طاهر، فقال: نحن في حاجةِ ابن أسلم، أطلقوه (١). وقال عليُّ بن الحسين الإسكافيّ: كُنْتُ أكتبُ لبُغا الكبير، فنكبَني واستأصلني، وحبسني وتهدَّدني، فأقمتُ أنتظرُ منه المكروه، فبينا أنا كذلك إذ دخل إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ صاحبُ الشرطة، فأيقنتُ بالعذاب، فقال: لا بأسَ عليك، فإنَّ عبدَ الله بن طاهر قد كاتب بغا فيك، وقد ردَّ عليك ضياعَك وأموالك، فانصرِفْ إلى منزلك، فلمَّا كان بعد ذلك سألتُه عن السبب فقال: كتبَ إليَّ عبدُ الله بنُ طاهر كتابًا يقول فيه: قد كانت كتبُ أخي أبي موسى بغا تَرِدُ عليَّ بمخاطباتٍ توجبُ المؤانسة، وتلزم الشكرَ والمنَّةَ، ثمَّ تغيَّرت، فخطر لي أنَّ ذلك الكاتبَ صُرِفَ ونكب، وحقٌّ لمن أحسنَ عشرتنا، وأكَّدَ المودَّةَ بيننا وبين إخواننا أن يُراعى حقُّه، فصر إلى أخي بغا، وسله في كاتبه أن يردَّه ويردَّ ما أخذَ منه، وإن طالبَه بمالٍ فاحمله من مالنا كائنًا ما كان، وقد أمر لكَ الأميرُ عبد الله بن طاهر بمالٍ فاقبضه، قال: فقبضته، وردَّني إلى مكاني (٢). وقال أبو الفضل الربعيّ: لمَّا توجَّه ابنُ طاهر إلى خراسان قصدَه دعبل، وكان ينادمُه في الشهر خمسة عشرَ يومًا، فكان يصلُه في الشهر مئة ألف درهم، وخمسين ألف درهم، في كلِّ يومٍ ينادمه عشرة آلاف درهم، فلمَّا كثرت صلَاتُه توارى عنه حياءً منه، فنزلَ بعضَ الخانات، وطلبَه فلم يقدِر عليه، فكتب إليه: [من الطويل] هجرتُك لم أهجرك من كُفر نعمةٍ … وهل يُرْتَجى نيلُ الزيادةِ بالكفرِ

стр. 6759

ولكنَّني لمَّا أتيتُكَ زائرًا … فأفرطتَ في بِرِّي عَجَزْتُ عن الشكرِ فمِلآنَ لا آتيكَ إلا معذّرًا … أزوركَ في شهرين يومًا وفي شهرِ فإنْ زدتَ في بِرِّي تَزايدتُ جفوةٍ … ولم تلقني حتَّى القيامةِ في حشري ثم كتبَ دعبل: حدَّثني المأمونُ، عن الرشيد، عن المهديّ، عن المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي، عن عبد الله بن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "من لا يشكر اللهَ لا يشكر النَّاس (١)، ومن لا يشكرُ القليل لا يشكر الكثير". فوصله عبد الله بثلاث مئة ألف وانصرف (٢). وقال معافى بن زكريا: أول ما قصد دعبل عبدَ الله أقامَ مدَّةً لم يجتمع به، وضاق ما بيده، فكتب إليه يقول: [من المنسرح] جئتكَ مستشفعًا بلا سبب … إليكَ إلَّا بحرمةِ الأدبِ فاقضِ ذمامي فإنَّني رجلٌ … غيرُ مُلِحٍّ عليك في الطلبِ (٣) فبعثَ إليه بعشرة آلاف درهم، وكتب إليه: [من الكامل] أعجلتنا فأتاكَ عاجلُ برِّنا … ولو انتظرتَ كثيرَه لم يقللِ فخُذ القليلَ وكن كأنَّك لم تسلْ … ونكونُ نحن كأنَّنا لم نفعلِ ثم نادمه بعد ذلك (٤).

стр. 6760

وقال أبو مُحلِّم عوف بن محلِّم الشاعر: لما خرجَ عبد الله بن طاهر إلى خراسان من بغداد، خرجتُ معه، فكنت أعادله وأسامره، فلمَّا صرنا إلى الرَّيّ، مررنا سحرًا، فسمعنا صوتَ الأطيار، فقال عبد الله: لله درُّ أبي كبيرٍ الهُذَليّ حيث يقول: [من الطويل] ألا يا حمامَ الأيكِ إلفُكَ حاضرٌ … وغُصنُكَ ميَّادٌ ففيمَ تنوحُ ثم قال: يا عوف، أجز، فقلت: [من الطويل] أفي كلِّ يومٍ غدوةٌ ونزوحُ … أما للنوى من وَنْيةٍ فتريحُ لقد طَلَحَ البينُ المُشتُّ ركائبي … فهل أرينَّ البينَ وهو طَلِيحُ (١) وذكَّرني بالرَّيِّ نوحُ حمامةٍ … فنحتُ وذو الشجن الحزينِ ينوحُ على أنَّها ناحت ولم تُذْرِ دمعةً … ونحتُ وأسرابُ الدموع سفوحُ وناحَتْ وفرخاها بحيثُ تراهما … ومن دون أفراخي مَهامِهُ فيحُ عسى جُود عبد الله أن يعكسَ النَّوى … فيلقي عصا التَّطوَافِ وهي طريحُ فإنَّ الغنى يُدني الفتى من صديقِه … وبُعدُ الغنى للمُقْتِرينَ طَروحُ فلمَّا سمعَ عبدُ الله هذا قال: أنخ، فوالله لا جاوزتَ هذا المكان حتَّى ترجعَ إلى أفراخك، كم الأبيات؟ قلت: سبعة، فقال: يا غلام، أعطِه سبعينَ ألف درهم، وقيل: مئة ألف درهم، وقيل: مئة ألف، ومركبًا، وكسوة، فأخذتُها وودَّعتُه ورجعتُ (٢). وقال الخطيب: دخل عوف بن محلِّم الشيباني (٣) على عبد الله، فسلَّم، فردَّ عبدُ الله، وكان في أذن عوف ثقلٌ فلم يسمع، فأخبر فارتجل في الحال: [من السريع] يا ابن الَّذي دانت له المشرقان … طرًّا وقد دانتْ له المغربانْ إنَّ الثمانين وبُلِّغتَها … قد أحوجتْ سمعي إلى تَرجُمانْ وبدَّلتني بالشَّطاط الحَنَى … وكنتُ كالصَّعدة تحت السِّنانْ ولم تدع فيَّ لمستمتعٍ … إلَّا لسانًا وبحسبي لسانْ (٤)
следующие страницы →