وقد جمع جدي ﵀ كتابًا في هذا الفن وذكر فيه العجائب (١).
وقد روي في حياته أخبار وآثار:
أما الأخبار: فذكر جدي ﵀ في "الموضوعات" جملة منها: أنه جاء إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ سمع كلامه ولم يلقه (٢).
ومنها حديث اجتماع الخضر وإلياس في كلِّ عام بالموسم (٣). ومنها اجتماع الخضر بالملائكة (٤) وعليٍّ ﵇ (٥)، وبعمر بن عبد العزيز (٦)، ونحو ذلك، ثم ضعفها جدي وقال عقيب تضعيفها: وإن جماعة من المتزهدين يقولون: رأيناه وكلَّمناه، فواعجبًا ألهم فيه علامة يعرفونه بها؟ وهل يجوز لعاقل أن يلقى شخصًا فيقول له إنَّه الخضر فيصدِّقه (٧)؟.
قلت: إجماعًا على أنه شاب حسن الوجه، طيب الرائحة، ظاهر الكرامات، يدلُّ على صحة ما قالوا، فإنهم مجمعون على ذلك لا يختلفون فيه، فإذا قال: أنا الخضر وظهرت هذه العلامات وجب تصديقه.
وقال عطاء: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان وعن الخمس لمن هو، وعن الصبي متى ينقطع عنه اليتم، وعن النساء هل يُخرج بهن أو يحضرن القتال؟ وعن العبد هل له في المغنم نصيب؟
فكتب إليه: أما الصبيان فإن كنت الخضر تعرف المسلم من الكافر فاقتلهم، وأما الخمس: فكنا نقول إنه لنا، في عم قوم أنه ليس لنا، وأما النساء: فقد كان رسول الله
стр. 702
ﷺ يُخرِجُ معه النساء فيداوين المرضى ويقمن على الجرحى ولا يحضرن القتال، وأما الصبيان فينقطع عنهم اليتم بالاحتلام، وأما العبد فليس له في المغنم نصيب ولكنهم قد كان يرضخ لهم.
فقول ابن عباس: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المسلم فاقتلهم، يدل على أنه موجود، ولو كان معدومًا لم يقل ذلك (١).
وأما الآثار: فذكر مقاتل في كتاب "المبتدأ" له: أن إلياس والخضر شربا من عين الحياة فلا يموتان إلى يوم القيامة، قال: فالخضر يدور البحار يهدي من يضلُّ فيها، وإلياس يدور الجبال يهدي من أضله الغول، هذا دأبهما في النهار، فأما في الليل فإنهما يجتمعان عند سدِّ يأجوج ومأجوج يحفظانه، ومأكلهما من الجنة.
وقال مجاهد: الخضر باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وذكر أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" عن عبد العزيز بن أبي رواد: أن الخضر وإلياس يصومان شهر رمضان في البيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام.
وروي عن إبراهيم التيمي أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: كل ما يحكى عن الخضر حق، وهو عالم أهل الأرض، ورأس الأبدال، وهو من جنود الله تعالى.
وقد ذكر أبو القاسم في "تاريخ دمشق" فيه آثارًا أبلغ من أن تحصى، بلغ بها إلى الأمد الأقصى (٢).
* * *
стр. 703
فَصل في ذِكر إليَاس ﵇ (١)
قال مقاتل: ذكر الله إلياس في موضعين: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الصافات: ١٢٣].
قال الجوهري: إلياس اسم أعجمي، وقد سمت العرب به إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان (٢).
واختلفوا في اسمه ونسبه على أقوال:
أحدها: أنه إلياس بن ياسين بن العيزار بن هارون. وقيل: إلياس بن العازر بن هارون بن عمران، قاله ابن عباس، وحكاه أبو جعفر الطبري (٣).
والثاني: إلياس بن تسبي (٤) بن الفنحاص بن العيزار بن هارون، قاله ابن إسحاق.
والثالث: إلياس بن نسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون، قاله مقاتل.
وحكى الثعلبي عن ابن مسعود ﵁ أن إلياس هو إدريس كما أن يعقوب هو إسرائيل، قال عكرمة: وكذا هو في مصحف ابن مسعود: "وإن إدريس لمن المرسلين" (٥).
والأصحُّ أنه من بني إسرائيل كما حكى علماء السير، وأن إلياس وإدريس بينهما دهر طويل. قال الثعلبي: وإلى قول ابن مسعود ذهب عكرمة، وقد تفرد بهذا القول.
стр. 704
ذكر قصته
حكى علماء السير كابن إسحاق والسُّدي والكلبي عن ابن عباس وغيره قالوا: لما قبض حِزقيل عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس نبيًّا ورسولًا (١). وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون بتجديد التوراة وإحياء ما أماتوا منها.
وقال ابن إسحاق: بعث الله بين موسى وعيسى ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، ولم يكن بينهم فترة، والكلُّ يدعون إلى أحكام التوراة (٢). ولهذا قال عيسى ﵇: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ولم يقل: "كلَّ الذي"؛ وبنو إسرائيل يومئذٍ متفرِّقون في الشام، وكان يوشع قد قسم الشام بينهم، فأنزل سبطًا منهم بأرض بعلبك ونواحيها، وإلياس منهم، وكان لهم ملك يقال له: بك، وله صنم يقال له: بعل، طوله عشرون ذراعًا، وله أربعة أوجه في عيونها اليواقيت، وكان الصنم من ذهب مرصَّعًا بالدرِّ والجواهر فنسب إليه، فقيل: بعل بك.
وقال الجوهري: وبعل اسم صنم كان لقوم إلياس ﵇، قال: وبعل بك اسم بلد، والقول فيه كالقول في سام أبرص، وقد ذكرناه في باب الصاد (٣). قلت: ذكر في باب الصاد وقال: وسام أبرص وهو من كبار الوزغ، وهو معرفة إلا أنه تعريف جنس، وهما اسمان جعلا اسمًا واحدًا (٤).
وقال ابن عباس: وكان إلياس ابن عم اليسع، وقيل: عمه، وقال العلماء بأخبار العالم: كان اسم الملك أخب، وكان جبارًا يعبد الصنم ويحجه الناس من الأقطار. فلما بعث الله إلياس إليهم كذبوه إلّا ما كان من الملك أَخب فإنه آمن به وصدَّقه وجعله وزيرًا، فكان يرشده ويسدِّده، وكان لأَخب الملك امرأة يقال لها: أرزيل (٥)، فكان إذا
стр. 705
غاب استخلفها على الوعية، وكانت جبارة قاتلة للأنبياء تبرز في المواكب مثل الرجال، وتجلس في مجلس الحكم تقضي بين الناس، وكان لها كاتب مؤمن يكتم إيمانه قد خلَّص من يدها ثلاث مئة نبيٍّ من بني إسرائيل تريد قتلهم، سوى من قتلت ممن يكثر عددهم. وكانت في نفسها غير مُحْصَنة، ولم يكن على وجه الأرض امرأة أفحش منها، وهي مع ذلك قد تزوَّجت بسبعة ملوك من بني إسرائيل وقتلتهم بالاغتيال، وكانت معمرة فيقال: إنها ولدت سبعين ولدًا، قال: وكان لأخب الملك جارٌ صالح من بني إسرائيل يقال له: مرزكي وكانت له جُنَينة يعيشُ منها، وكانت إلى جانب قصر الملك، وكان أخب وامرأته يشرفان عليها ويتنزهان فيها، وكانت المرأة تحسد مرزكي لأجل تلك الجنينة، والملك يراعيه ويحسن إليه ولا يؤذيه، وكانت تحتال في قتل مرزكي لتأخذ الجنينة والملك ينهاها عن ذلك. فاتفق أنَّ الملك خرج في غزاةٍ وطالت غيبته، فاغتنمت امرأته ذلك فأقامت المرأة شهود زور أنَّ مرزكي صاحب الجنينة سبَّ الملك، وكان من حكمهم أن من سبَّ الملك قُتل، فأحضرت مرزكي وقالت: بلغني أنك شتمتَ الملك، قال: لا والله وإنه لمن أحب الناس إليَّ، فأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور، فقتلته وأخذت الجنينة غصبًا. فلما قَدِمَ الملك أخبرته فقال: ما أصبتِ ولا وُفقت ولا أرانا نفلح بعده، ولا حملك على هذا إلا سَفَهُك وسوءُ رأيك، وقد جاورنا رجلٌ صالح وتحرَّم بنا منذ زمان طويل، فأحسنَّا جواره، فختمتِ أمره بأسوأ الجوار، فقالت: أنا غضبت لك وحكمت بحكمك، فقال لها: أَوَما كان يسعه حلمك عنه وتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ذلك. فغضب الله لعبده الصالح وأوحى إلى إلياس أن أخبر أخب وامرأته أنَّ الله قد غضب لوليِّه حين قتلته ظلمًا، وآلى على نفسه إن لم يتوبا من صنيعهما ويردَّا الجنينة على ورثة مرزكي أن يهلكهما في الجنينة ويدعهما (١) جيفتين مُلْقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما، ولا يمتعان بها إلا قليلًا.
وبلغ الملك فغضب غضبًا شديدًا وقال لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلًا، وما أرى فلانًا وفلانًا- ملوكًا سماهم قد عبدوا الأوثان- إلا على مثل ما نحن
стр. 706
عليه، يأكلون ويشربون ويتمتعون، ما نقص من دنياهم ولا من أمرهم الذي تزعم أنه باطل شيء.
وهمَّ الملك بقتل إلياس، فخرج عنه فلحق بشواهق الجبال فدخل مغارة وتحصن بها وعاد أخب إلى عبادة بعل، وأقام إلياس سبع سنين في شواهق الجبال يأكل من نبات الأرض وثمار الأشجار، وقد وضع عليه الملك العيونَ واجتهد في طلبه، والله يستره عنهم. فلما تمَّ له سبع سنين أَذِنَ الله في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم، فأمرض الله ابنًا لأخب (١)، وكان أحبَّ ولده إليه وأعزهم عليه وأشبههم به، فأُدْنِفَ حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلًا، وكان (٢) له أربع مئة سادن، وكان الشيطان يدخل في جوف الصنم فيتكلم، وكان السدنة يصغون إليه، فيوسوس لهم بشرائع من الضلال، فيعلمونها الناس ويسمُّونهم الأنبياء. فلما اشتدَّ مرض ابن الملك طلب الملك من السدنة أن يشفعوا إلى الصنم في ابنه، فدعوه فلم يجبهم ومنع اللهُ الشيطانَ الدخولَ فيه، وأكثروا الدعاء والصنم لا يجيبهم، فقالوا له: إن إلهك غضبان عليك، قال: ولم؟ قالوا: لأنك ما قتلتَ عدوَّه إلياس، لأنه كافر به يعبد غيره. فقال: لو قدرت عليه لقتلته. قالوا: فإنَّ بالشام آلهة أخرى غير إلهك فاطلب منها الدعاء لولدك. فأرسل الأربعمائة إلى الشام إلى أصنام أخر يسألونها الدعاء لولده، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبال التي فيها إلياس فأوحى الله إليه: انزل إليهم ولا تخفْ فإني سأصرف شرَّهم عنك، وألقي في قلوبهم الرعب. فنزل إليهم وقال: إنَّ الله أرسلني إليكم وإلى مَن وراءكم فاسمعوا أيها القوم رسالةَ ربكم فإني ناصح لكم لتبلغوا صاحبكم، فارجعوا إليه وقولوا له: إنَّ الله يقول: يا أخب، ألم تعلم أني أنا الله الذي لا إله إلا أنا، إله بني إسرائيل وإله السماوات والأرض، أليس من جهلك أن تطلب الشفاء لابنك من غيري؟ إني حلفتُ بعزَّتي وباسمي لأغيظنَّك في ابنك ولأميتنَّه من فوره هذا، حتى تعلم أنَّ أحدًا لا يملك شيئًا دونى. فلما قال لهم هذا، رجعوا إلى الملك وقد امتلؤوا رعبًا وقالوا: نزل علينا إلياس من الجبل، وهو رجل نحيف طوال قد قشف وتمعَّط شعره، وعليه جبَّة صوف
стр. 707
من شعر وعباءة قد خلَّها في صدره بخلال، فاستوقفنا فلما صار معنا قُذِفَتْ له في قلوبنا الهيبة والرعب، وخرست ألسنتنا، ونحن في عدد كبير، وقال كذا وكذا، فلم نقدر على مراجعته، فقال الملك: لا يُنْتَفعُ بالحياة مادام إلياس حيًّا.
فعهد الملك إلى خمسين رجلًا من أهل القوَّة والنجدة والبأس وقال لهم: احتالوا عليه وأظهروا أنكم آمنتم به واغتالوه. فارتقوا الجبل وتفرَّقوا ينادون: يا نبيَّ الله، ابرزْ لنا، وامننْ علينا، فإنَّا قد آمنَا بك وصدَّقناك، وكل من عندنا والملك وزوجته، وأنت آمنٌ على نفسك فانزل واحكم فينا برأيك وأقم بين أظهرنا، ننقاد لما أمرتنا وننتهي عما نهيتنا، وليس يسعك أن تتخلَّف عنا مع إيماننا بك وطاعتنا لك. وكان ذلك مكرًا منهم وخديعة.
فلما سمع إلياس ذلك وقع في قلبه كلامهم وخاف إن لم يجبهم أن يعاتبه الله تعالى، فهمَّ بالبروز إليهم ثم رجع إلى نفسه وقال: لو سألت الله أن يطلعني على ما في بواطنهم فقال: اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذنْ لي بالبروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فارمهم بنار تحرقهم، فما أتمَّ كلامه حتى أرسل الله عليهم نارًا فأحرقتهم.
وبلغ الملك فلم يرتدع حتى أقام فئةً أخرى مثل أولئك، فصعدوا الجبل وتفرَّقوا ينادون: يا نبيَّ الله، إنَّا لسنا مثل أولئك، فإنهم كانوا منافقين كذابين، وقد كفاك الله أمرهم. فأرسل الله عليهم نارًا فأحرقتهم كما فعل بأولئك.
وبلغ الملك فأراد أن يخرج إلى الجبل بنفسه فمنعه من ذلك مرض ابنه، فأرسل الكاتب المؤمن الذي يكتب لامرأته إلى إلياس، فإنه كان يأنس به، وبعث من ورائه فتيةً وأمرهم بإمساك إلياس إذا برز إلى الكاتب، ثم أظهر الملك إلى الكاتب أنه قد آمن بإلياس وتاب واتَّعظ بحريق الفتية ومَرَضِ ابنه، وقال: قل له إنا قد آمنا بك وخلعنا أصنامنا حتى تنزل إلينا وتحرقها أنت وتعود إلى حالك الأول. وكان ذلك مكرًا من الملك، فانطلق الكاتب إلى الجبل ثم ناداه يا إلياس، فعرف صوته وأوحى الله إليه: ابرز إلى أخيك الصالح وجدِّد العهد، فبرز إليه وسلَّم عليه وتصافحا وتعانقا وتباكيا فقال له: ما الخبر؟ فقال: قد أرسلني الجبَّار الطاغي وقصَّ عليه ما قال، ثم قال له: إني لخائف أن أرجعَ إليه ولستَ معي أن يقتلني فأمرني بما شئتَ، فإن أمرت انقطعتُ
стр. 708
إليك فكنت معك، وإن شئت أن ترسلني إليه بما تحب فافعل، وإن شئت دعوت ربك أن يجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا. فأوحى الله إليه إنَّ كلَّ شيءٍ جاءك منهم مكر وخديعة، وإن لم يأتِ بك إليه اتهمه فقتله، فقال: يا إلهي، فما أصنع؟ قال: انطلق معه فإن انطلاقك معه عذره وبراءته، وإني سأشغل أخب عنكما بابنه، وأضاعف عليه البلاء حتى لا يكون له همٌّ غيره، ثم أُميته على أشرِّ حال، فإذا مات فارجع عنه.
فانطلق معه حتى قدموا على أخب، وشدَّد الله على ابنه الوجع فاشتغل به عن إلياس، ورجع إلياس إلى مكانه سالمًا. ولما مات ابن أخب فدفنه ثم انتبه لإلياس وقال للكاتب: وأين إلياس؟ قال: قد أتيتك به فشغلك عنه وجع ابنك، وما أدري ما الذي فعل، وقد كنت أظنُّ أنك أوثقته، فانصرف الملك عن ذكر إلياس، واشتغل بالحزن على ابنه.
وأقام إلياس بالجبال ثم ملَّ المقام بها، واشتاق إلى العمران فنزل من الجبل، وجاء إلى امرأة من بني إسرائيل، وهي أم يونس بن متى، واستخفى عندها ستة أشهر، ويونس يومئذٍ مولود يرضع - قلت: وهذا وهم، بين إلياس ويونس زمان طويل-
فكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتواسيه ولا تدخر عنه شيئًا، فسئم إلياس ضيقَ البيوت بعد سعة الجبال فعاد إلى الجبل إلى مكانه، وجزعت أم يونس لفراقه، ثم لم تلبثْ حتى فطمت ابنها يونس فمات، فاشتدَّ حزنها وعظمت مصيبتها، فخرجت في طلب إلياس، فلم تزل حتى وقفت عليه، فقالت له: إني قد فجعتُ بعدك بموت ولدي وليس لي غيره فارحمني، واسأل ربَّك أن يحيي ولدي ويجبرَ مصيبتي، فإني قد تركته مسجَّىً ولم أدفنه، وقد أخفيتُ مكانه. قال: فقام ومشى معها إلى منزلها وسأل الله فأحيا يونس لها، وعاد إلى مكانه، وضاق صدره، وطال عليه عصيان قومه، فأوحى الله إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس، ما هذا الجزعُ والحزن الذي أنت فيه؟ ألستَ أميني على وحيي، وحجتي في أرضي، وصفوتي من خلقي؟ فاسألني أعطك، فقال: إلهي، تميتني وتلحقني بآبائي، فإني قد مللتُ بني إسرائيل وملُّوني وأبغضتهم فيك وأبغضوني، فأوحى الله إليه: ما هذا اليوم الذي أُخلي- أو أُعري- منك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وأشباهك وإن كنتم قليلًا، ولكن اسألني
стр. 709
أعطك، فقال: إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني إسرائيل، قال: وما ذاك؟ قال: تمكنني من خزائن السماء سبع سنين، فلا يمطرون إلا بدعوتي وشفاعتي، فإنهم لا يذلُّهم سوى ذلك، فقال الله: أنا أرحمُ بخلقي وإن كانوا ظالمين، قال: فست سنين، فقال له مثل ذلك، إلى أن قال: فثلاث سنين، فأمسك المطر عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والهوام ويبس الشجر، وكان ينقل إلى إلياس طائر سخَّره الله له طعامه وشرابه.
وقال ابن عباس: لما أصابهم القحط مرَّ إلياس بامرأة عجوز فقال لها: هل عندك من طعام؟ قالت: شيء من دقيق وزيت، فدعا لها بالبركة حتى ملأ جرابها دقيقًا وخوابيها زيتًا، فجاء الناس إليها وقالوا: من أين لك هذا؟ وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت علموا أن إلياس قد اجتاز بهم، فلقي منهم أهل البيت شرًا لأن الطير كانت تأتيه بالخبز وكان معدومًا، فقالت: مرَّ بي رجل من حاله كذا وكذا، ووصفته فعرفوه، وقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه، فهرب منهم. ثم آوى ليلة إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها زوج يقال له: اليسع بن أخطوب، به ضرٌّ وفاقة فآوته وأخفت أمره، فدعا له فعوفيَ من الضُرِّ الذي كان به، فآمن بإلياس وصدقه ولزمه، وكان إلياس قد كبر وأسنَّ، وكان اليسع غلامًا شابًّا. ثم أوحى الله إليه: يا إلياس، إنك قد أهلكت كثيرًا من الخلق ممن لم يعصِ اللهَ من البهائم والطير والدواب والهوام والشجر بحبس المطر عن بني إسرائيل.
فيزعمون أن إلياس قال: يا ربِّ، دعني أنا الذي أدعو لهم وآتيهم بالفرج لعلهم يرجعون عما هم عليه من عبادة غيرك، قال: نعم. فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال لهم: إنكم قد جهدتم ومتم جوعًا، وهلكت البهائم والوحوش والأشجار بخطاياكم، وأنتم على باطل، فإن أحببتم أن تعلموا ذلك فأخرجوا أصنامكم هذه، فإن استجابت لكم فهو كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على غرور، ودعوت الله ففرَّج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنصفت، فخرجوا بأوثانهم ودعوها فلم تستجب لهم، فقالوا لإلياس: فادع الله لنا، فدعا لهم إلياس ومعه اليسع فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبَّقت الآفاق، وجاء الغيث،
стр. 710
فعاشت بلادهم، فنقضوا العهد ولم ينزعوا عن كفرهم. فلما رأى إلياس ذلك سأل الله أن يريحه منهم، فأوحى الله إليه: إذا كان يوم كذا وكذا فاخرج إلى موضع كذا وكذا، فما جاءك من شيء فاركبه. فخرج إلياس ومعه اليسع بن أخطوب إلى المكان الذي عيَّن له، وإذا بفرسٍ من نار قد أقبل حتى وقف بين يديه، فوثب إلياس عليه فانطلق به الفرس، فناداه اليسع: يا إلياس، ما تأمرني؟ فألقى إليه كساءَهُ من الجوِّ الأعلى، وكان ذلك علامةَ استخلافه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخرَ العهد به.
ثم إنَّ الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسيًا ملكيًا أرضيًا سماويًا، وسلَّط الله على أخب وامرأته وقومه عدوًا لهم، فقصدهم من حيث لا يشعرون فرهقهم، فقتل أخب وامرأته في جنينة مرزكي، وبقيا حتى بليت لحومهما ورمَّت عظامهما، وبقيا ملقيين في الجنينة. ونبَّأ اللهُ اليسع وبعثه رسولًا إلى بني إسرائيل، وأوحى الله إليه فآمنوا به وكانوا ينتهون إلى أمره، وحكمُهُ فيهم نافذٌ إلى حين فارقهم اليسع. هذا ما ذكره أبو إسحاق الثعلبي، واختصرت البعض (١).
وذكر أبو القاسم في "تاريخ دمشق": أن إلياس اختفى من الكفار في المغارة التي بجبل قاسيون في دمشق عشر سنين حتى هلك الملك ووليهم غيره، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام فأسلم (٢).
قلت (٣): وبجبل لبنان مكان يقال له: قب إلياس، يقال: إن إلياس كان يأوي إليه مدة أربع سنين أو سبع سنين.
وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن زيد مولى عون الطفاوي (٤) عن رجل من أهل عسقلان كان يمشي بالأردُنِّ عند نصف النهار فرأى رجلًا فقال: يا عبد الله، من أنت؟ قال: فلم يكلمني، فقلت: يا عبد الله، مَن أنت؟ قال: أنا إلياس، قال: فوقعت عليَّ رعدة فقلت: ادعُ الله يذهب عني ما أجد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك، فدعا لي
стр. 711
بثمان دعوات: يا برُّ يا رحيم، يا حنان يا منان، يا حي يا قيُّوم، ودعوتين بالسُّريانية لم أفهمهما. قال: فرفع الله عني ما كنت أجد، ووضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثدييَّ، وقلت له: أيوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث الله محمدًا ﷺ فإنه ليس يوحى إليَّ. قال: فقلت: كم من الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: أربعة، اثنان في الأرض واثنان في السماء، في السماء عيسى وإدريس، وفي الأرض: إلياس والخضر. قلت: فكم الأبدال؟ قال: ستون رجلًا، خمسون منها من لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجلان بالمصيصة، ورجل بعسقلان، وسبعة في سائر البلدان، كلما ذهب الله بواحد جاء بآخر، بهم يدفع الله عن الناس وبهم يمطرون. قلت: فالخضر أين يكون؟ قال: في جزائر البحر، قلت: فهل تلقاه؟ قال: نعم، بالموسم يأخذ من شعري وآخذ من شعره، قال: وذاك حين كان بين مروان بن الحكم وبين أهل الشام القتال. قال: قلت: فما تقول في مروان؟ قال: ما تصنع به، رجل جبّارٌ عاتٍ على الله، القاتل والمقتول والشاهد والمشهود في النار. قال: فقلت: إني قد حضرت- أو قد شهدت- ولم أطعنْ برمح ولم أرم بسهم ولم أضرب بسيف، وأنا أستغفر الله من ذلك المقام وإني لا أعود إلى مثله أبدًا. قال: أحسنت هكذا فكن أبدًا. قال: فإني وإيَّاه قاعدان إذ وضع بين يديه رغيفان أشدُّ بياضًا من الثلج، فقال: كل، فأكلنا رغيفًا وبعض آخر ثم رفع، وما رأيت أحدًا وضعه ولا أحدًا رفعه، قال: وله ناقة ترعى في وادي الأردُنِّ، فرفع رأسه ودعاها فجاءت وبركت بين يديه، فركبها فقلت: الصحبة، قال: لا تقدر على صحبتي، قلت: لا زوجة لي ولا عيال، قال: تزوَّج وإياك والنساء الأربع: الناشز والمختلعة والملاعنة والمبارية، وتزوَّج ما بدا لك من النساء. قلت: فإني أحبُّ لقاءك. فقال: إذا رأيتني فقد رأيتني، ثم قال: إني أريد أن أعتكف في البيت المقدَّس شهر رمضان، وحالت بيني وبينه شجرة فوالله ما أدري كيف ذهب (١).
فإن قيل: ففي هذه الحكاية عن رجل مجهول، قلنا: لا يضرُّ فإن عادة المحدثين أن يذكروا في الأخبار النبوية رجلًا ولا يسمونه كما فعل الحميدي في آخر "الجمع بين
стр. 712
الصحيحين" فإنه روى عن رجل مجهول (١)، فكيف في الحكايات؟
وقد وقعت ألفاظ من غير طريق الثعلبي أن الدعوتين اللتين لم يسمهما الراوي: يا هيا شراهيا، قالوا: وهي بلغة أهل البحرين يا حيُّ يا قيُّوم. وقيل: فيهما الاسم الأعظم.
وقد وقع في حديث بمعنى هذا في الأبدال: ورجل بأنطاكية وسبعة في سائر الأمصار، فإذا أراد الله هلاك العالم أماتهم جميعًا.
وقال مقاتل: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ﴾ أي: تعبدون ﴿بَعْلًا﴾ وقد ذكرنا أنه الصنم، ولذلك سميت مدينتهم بعلبك.
وروى سعيد بن جبير [عن ابن عباس قال: سمعت أعرابيًا يقول] لآخر: مَنْ بَعْلُ هذه الناقة؟ يعني من صاحبها؛ وقال الفراء: هي لغة هذيل (٢).
ومعنى ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] أي: فلا تعبدونه ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ [الصافات: ١٢٦].
وأخرج جدي حديثًا في "الموضوعات" عن أنس أن النبي ﷺ خَرجَ في غَزاةٍ فَسمِعَ إنسانًا يقول: اللهم اجعلني من أُمةِ مُحمدٍ ﷺ . وأنَّ النبي ﷺ قال له: "يا أنسُ انظر ما هذا الصَّوتُ"، وأن أنسًا رأى رجلًا طُولُه ثلاث مئة ذراع، وأنَّه إلياس، وأنه اجتمع بالنبي ﷺ ، ونزل عليهما من السَّماءِ سُفرَةٌ فيها كَمَأةٌ ورُمانٌ وكَرَفسٌ، وجاءت سحابةٌ فاحتملته إلى الشام؛ وفيه أن النبي ﷺ قال لأنس: "إنَّ إلياس يأكلُ في كل أربَعينَ يومًا أكلة، وفي كل حولٍ شَربة من مَاءِ زَمزَم". ثم قال جدي ﵀: هذا حديث لا يصحُّ وهو باطل، وفي إسناده يزيد بن يزيد الموصلي وأبو إسحاق الجرشي عن الأوزاعي عن أنس، ويزيد والجرشي لا يعرفان (٣)، والله تعالى أعلم. انتهت ترجمة إلياس.
стр. 713
فَصل في ذِكر اليَسَع بن أخطوب وَمَا لَقِيَ (١)
قال مقاتل: ذكر الله اليَسَع في موضعين؛ وقيل: هو اليَسَع بن أخطوب ولي عهد إلياس. ويقال: اليسع بن عدي بن سويلح بن أفراثيم بن يوسف ﵇.
واختلفوا هل كان نبيًّا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه كان نبيًا كما ذكره الله في موضعين ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ [الأنعام: ٨٦]، ص: ٤٨].
والثاني: كان عبدًا صالحًا ويقال له: ذو الكفل. وقيل: هما اثنان اليسع الذي نبَّأه الله في زمان إلياس ويقال له: ذو الكفل، وذو الكفل آخر يقال له: اليسع أيضًا رجل من بني إسرائيل. واليسع اسم أعجمي.
قال وهب: وأقام اليسع زمانًا على منهاج إلياس في الدعاء إلى الله، ومات وكثرت الأحداث في بني إسرائيل والفساد، وكان عندهم التابوت يتوارثونه فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون. فلما مات اليسع غزاهم عدوٌّ، وكان لبني إسرائيل ملك يقال له: إيلاف (٢)، فأخذ منهم العدوُّ التابوت وسبى النساء وقتلهم بسبب فسادهم وأحداثهم، ومات إيلاف كمدًا. فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله إشموئيل واستنقذ منهم التابوت وعاد إليهم الملك والنبوَّة بعد أربع مئة وستين سنة من وفاة يوشع إلى إشموئيل. وكان يليهم الأنبياء تارة، وتارة الرؤساء، وتارة الملوك، وتارة القضاة.
وقال السُّدي: قام فيهم بعد اليسع شمعون وكان من أفاضل بني إسرائيل ثم مات، واستخلف عليهم عيلوق (٣) وكان ابن ستين سنة، فأقام فيهم أربعين سنة يقيم الحق حتى بلغ مئة سنة، وكان عفيفًا إلا أنه كان له ابنان فاسقان يأكلان الرشوة، وبلغه فقال لهما: مهلًا يا بني، ولم يقل غير ذلك، فقال الله تعالى: لم يكن من غضبك حين انتُهكت محارمي إلا أن قلت: مهلًا يا بني، فسقط عن سريره فانقطع نخاعه فمات، وقتل ابناه، وقيل: كان عيلوق نبيًا فنقل الله النبوَّة منه إلى إشموئيل.
стр. 714
فَصل قِصَّة إشموئيل وطالُوت والتابُوت وجالُوت (١)
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦].
اختلفوا في هذا النبي على أقوال: أحدها: أنه إشموئيل.
واختلفوا في نسبه على أقوال:
أحدها: أنه إشموئيل بن بالي بن علقمة بن يَرخام بن أليهو بن صوف بن علقمة بن ماحث (٢) بن عموصا بن عازراء (٣) بن هارون بن عمران، قاله وهب.
والثاني: أن إشموئيل بالعربية: إسمعيل بن بالي، قاله مقاتل.
والثالث: إشموئيل بن هَلْقاثا، قاله مجاهد، ولم ينسبه أكثر من ذلك (٤)، قال: واسم أمه حنة.
وقال ابن قتيبة: لم يكن بينه وبين يوشع نبي (٥). وقد وهم لما ذكرنا ما بينهم من الأنبياء، مثل إلياس واليسع وغيرهما.
والقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أن القائل يوشع بن نون، قاله قتادة (٦).
والثالث: شمعون بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب.
والأصحُّ أنه إشموئيل وعليه عامة أرباب السِّير، وشمعون لم يكن نبيًا، وإنما هو ابن عجوز اسمها صفية، سألت الله أن يرزقها ولدًا على الكبر فرزقها فقالت: سمع الله دعائي. والسين تقلب شينًا بالعبرانية.
стр. 715
ذكر قصته
قال علماء السِّير كابن إسحاق والكلبي ووهب والسدي وغيرهم، قالوا: ولما قبض حِزقيل عظمت الأحداث في بني إسرائيل فظهر لهم عدوٌّ من العمالقة يقال له: ليبشاثا، وهم قوم جالوت، وكانت منازلهم على ساحل البحر الرومي (١) بين مصر وفلسطين. فقصدوا بني إسرائيل فقتلوهم وسبَوهم وأجلَوهم عن ديارهم، وضربوا على من بقي منهم الجزية، وأسروا من أبناء ملوكهم أربع مئة وأربعين غلامًا، وأخذوا منهم التوراة ولقوا منهم بلاءً وشدة، ولم يكن لهم نبيٌّ يدبر أمرهم، فكانوا يسألون الله تعالى أن يبعث لهم نبيًا يقاتلون معه العمالقة، وكان سبط النبوَّة قد هلك فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيتٍ مخافةَ أن تلد جاريةً فتبدلها بغلام لما رأوا من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تسأل الله أن يرزقها غلامًا فرزقها إشموئيل، ومعناه: "سمع الله دعاءها". فلما كبر الغلام أسلمته أمه في بيت المقدس يتعلم التوراة، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام وأراد الله أن يبعثه نبيًا، أتاه جبريل وهو نائم إلى جانب الشيخ فناداه بلغة الشيخ: يا إشموئيل، فقام الغلام فزعًا فقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره أن يقول: لا، فقال: يا بني، ارجع فنم فرجع، فناداه جبريل ثانيًا وثالثًا فقال الشيخ في الرابعة: إن دعوتك فلا تجبني، فظهر له جبريل بالرسالة وقال: اذهب إلى القوم، فذهب إليهم وقال: إنَّ الله قد أرسلني إليكم، فكذبوه وقالوا: استعجلت النبوة ولم يُؤْذَنْ لك، فإن كنت صادقًا فابعث لنا ملكًا نقاتلْ في سبيل الله فيكون ذلك أمارة نبوَّتك. وكان قِوامُ أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءَهم، وكان الملك هو الذي يسيِّرُ الجموع، والنبي يقيم له أمره ويسدِّدُه، وتأتيه الأخبار من ربِّه تعالى (٢).
وقال وهب: أقام فيهم إشموئيل أربعين سنة يتهيؤون لقتال جالوت وعرف ذلك، فلما قالوا: ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
стр. 716
الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦] وهذا استفهام شك، ومعناه: لعلكم لا تقاتلون مع ذلك الملك فلا تفعلون ما قلتم ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦] وهذا قول من بقي منهم ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: وأبعدنا عن أبنائنا ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أي: فرض الجهاد ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وهم الذين عبروا النهر. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾.
قال ابن الجواليقي: وطالوت اسم أعجمي، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قال: فترك صرفه دليل على أنه أعجمي، إذ لو كان فَعَلُوتا من الطُّول كالرَّغَبوت والرَّهَبوت والتَّرَبوت لصُرف، وإن كان قد روي في بعض الآثار أنه كان أطول من كان في ذلك الوقت (١).
قلت: وطالوت ليس باسم بل صفة لأنه طال الخلق بصفته وصورته وقوَّته.
وقد اختلفوا في اسمه على قولين: أحدهما: شاول أو شاؤول بن قيس بن أبيال بن ضِرار بن بحرت بن أَفِيْح بن إيشا بن بنيامين بن يعقوب.
واختلفوا في مهنته على أقوال:
أحدها: أنه كان يدبغ الجلود. قاله وهب.
والثاني: كان يرعى الحمير، قاله السُّدي.
والثالث: كان يستقي الماء على حمار له من النيل، قاله مقاتل.
والرابع: خَربَنده (٢)، قاله مجاهد.
وقال وهب: ضلَّت حُمُرٌ لأبيه فخرج مع الغلام يطلبها، فمرَّ على بيت إشموئيل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي لعلَّه يدعو لنا فترجع الحُمُر إلينا. وكان قوم إشموئيل لما طلبوا منه ملكًا أُتِيَ بعصا وقَرْن فيه دُهْنُ القدس وقيل له: الملكُ الذي تطلبونه طوله على طول هذه العصا، فإذا دخل عليك وَنَشَّ الدهنُ في هذا القرن فادهَن به رأسه فهو ملك بني إسرائيل وَمَلِّكْهُ عليهم. فقاسَهم كلَّهم بالعصا فلم يكونوا مثلها،
стр. 717
وكان على طولها، ونشَّ الدهن في القرن، فدهنَ به رأسه فلم ينزل على جبينه منه شيء فقال: أنت ملك بني إسرائيل، قال: أما علمتَ أن بيتي أدنى البيوت؟ فقال: بلى، ولكنَّ الله أمرني بذلك، قال: فأريد أمارة أخرى، قال: ترجع إلى أبيك وقد عادت الحمير. فرجع وقد رجعت.
ثم إن إشموئيل جمع بني إسرائيل وقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي: على الجيوش ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي: كيف يكون هذا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ ولم نُذْكَر؟ وإنما أنكروا هذا لأنه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوَّة، وسبط ملك، فسبط النبوة: سبط لاوي بن يعقوب ومنه موسى وهارون ﵉، وسبط المملكة: وهو سبط يهوذا ابن يعقوب ومنه كان داود وسليمان، ولم يكن طالوت لا من سبط النبوَّة ولا من سبط المملكة، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، وهم من أحقر الأسباط وأقلّهم، كانوا ينكحون النساء على قوارع الطريق نهارًا، فغضب الله عليهم فنزع منهم النبوَّة والملك ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] بل هو دباغٌ لا قدْرَ له ولا قيمة ولا أصل. فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾ بالحرب ﴿وَالْجِسْمِ﴾ بالطول والقوة. وكان يفوق الناس برأسه، وكان أعلم بني إسرائيل في زمانه، وأنه أوحى الله إليه حين آتاه الملك ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧] فلا تنكروا ملكه مع كونه من غير أهل المملكة، فإن الملك ليس بالوراثة وإنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] بنسبه حين بعثه عليكم. ثم قالوا: فما آية ملكه؟ قال ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).
والتابوت بالتاء عربي. وفي حديث البخاري عن زيد بن ثابت: لما أمره أبو بكر ﵁ أن يجمع القرآن واختلفوا في التابوت، فقال زيد بن ثابت: اكتبوه بالهاء تابوه، وقال عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصي: اكتبوه بالتاء: تابوت، فرفع اختلافهم إلى عثمان ﵁ فقال: اكتبوه بالتّاء، فإنها لغة قريش فكتبوه (٢).
стр. 718
حديت التابوت
قال وهب: أنزل الله على آدم ﵇ تابوتًا فيه صورة الأنبياء، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ ، وفيه بيوت بعددهم وهي مختلفة الألوان، فبيت محمد ﷺ من ياقوتة حمراء. وكان التابوت نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين من عود الشِّمشَار الذي تتخذ منه الأمشاط، وكان مذهَّبًا. ومات آدم ﵇ فورثه شيث، وتوارثه بنو آدم صاغرًا عن كابر إلى إسماعيل بن إبراهيم، فورثه قيدار لأنه كان أكبر ولده، فنازعه ولد إسحاق فيه وقالوا: قد صُرِفَتِ النبوَّة عنكم يا بني إسماعيل إلينا، ولم يبق لكم غير هذا النور الواحد يعنون به نور محمد ﷺ ، ولا يظهر إلى آخر الزمان، فادفع إلينا التابوت يكون عندنا، فامتنع عليهم قيدار وقال: هذا وصية أبي لا أعطيه أحدًا من العالمين، فذهب ذات يوم يعالجه ليفتحه وكان مقفلًا فلم يقدر على فتحه، فناداه منادٍ من السماء: يا قَيدار، ليس لك على فتحه سبيل، إنه وصية نبي ولا يفتحه إلا نبي، فادفعه إلى ابن عمك يعقوب إسرائيل الله. فحمل قَيدار التابوت على عنقه إلى الشام يريد يعقوب في أرض كنعان، فلما قرب منه صَرَّ التابوتُ صَرَةً سمعها يعقوب، فقال لبنيه: أقسم بالله لقد جاء قَيدار بالتابوت فقوموا إليه، فقاموا جميعًا ويعقوب معهم. وكان قَيدار قد جاء من مكَّة لأنه كان يسكنها، فلما التقيا قال له يعقوب: أُبَشِّرُكَ، قال: بماذا؟ قال: ولدت لك البارحة الغاضرة غلامًا، قال: وما علمك وهي بالحرم وأنت بالشام؟ فقال: رأيت أبوابَ السماء قد فتحت، والملائكة قد نزلت، ونور محمد ﷺ قد أشرق. فسلَّم إليه التابوتَ وعاد إلى مكة، فوجد امرأته قد ولدت غلامًا فسمَّاه: حملًا، وفيه نور محمد ﷺ .
وأقام التابوت عند أولاد يعقوب يتوارثونه إلى أيام موسى، فأخذه فجعل فيه فتات ألواح التوراة ومتاعًا من متاعه وعصاه ونعليه وعمامة هارون ولوحين من التوراة، وكانا من الياقوت الأحمر، فكانوا يتوارثونه إلى أن غلبت عليه العمالقة، وبعث الله إشموئيل فقال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ أي: بالتابوت ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).
стр. 719
واختلفوا في السكينة على أقوال:
أحدها: أنها ريح خَجُوج هفَّافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، قاله عليٌّ ﵇.
والثاني: أن رأسها رأسُ هرة ميِّتة، وذنبها ذنب هرَّة، كانت إذا صرخت في التابوت أيقنوا بالنصر، وكان يسمع منها صوت الهر، قاله مقاتل.
والثالث: أنها ريحٌ رأسها رأس هرة ولها جناحان، قاله مجاهد.
والرابع: أنها طَسْت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، قاله ابن عباس.
والخامس: كان فيه روح من الله يتكلم ويصوِّت، قاله وهب.
والسادس: أن المراد بالسكينة: السكون والطمأنينة، ففي أي مكان كان التابوت اطمأنُّوا إليه وسكنوا، قاله أهل المعاني (١).
﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي: عند رجوعه إليهم.
وقال السُّدي: كانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم التابوت وحكم بينهم، وإذا حضر القتال قدَّموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوِّهم. فلما عصوا وأفسدوا نزعه الله منهم.
قال: وسبب نزع التابوت منهم أنه كان للشيخ - واسمه عيلي- الذي ربى إشموئيل ابنان أحدثا في القربان شيئًا لم يكن فيه. كان للقربان كَلَّابان يسوطانه على النار، فأحدثا كلاليب وتعرَّضا للنساء، فغضب الله على بني إسرائيل وسلَّط عليهم العمالقة فأخذوا التابوت، فأُخبر عيلي فشهق شهقةً ومات، وَمَرِجَ أمر بني إسرائيل حتى بعث الله طالوت ملِكًا، وهذا قول السُّدي.
أما وهب، فإنه قال: إنما أُخذ التابوت قبل هذه بمدة طويلة (٢)، وقد ذكرناه.
ذكر ردِّ التابوت إلى بني إسرائيل
قال علماء السير: ولما أراد الله أن يردَّ التابوت على بني إسرائيل كانت العمالقة قد
стр. 720
دفنته في قرية من قرى الساحل بين غَزَّة والأطرُون يقال لها: أزدود، وكانوا قد جعلوه تحت صنم لهم، فأصبحوا يومًا والصنم تحته، فأخذوا الصنم وسمَّروه على التابوت، فأصبحوا والصنم تحته والأصنام كلها منكسة الرؤوس، فأخرجوه من بيت الأصنام وحملوه إلى قرية أخرى. فأخذ أهلَ القرية وجَعٌ في حلوقهم فمات أكثرهم؛ فقالت لهم جويرية من بني إسرائيل كانت عندهم من بنات الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون مادام هذا التابوت فيكم، فأخرجوه عنكم. قالوا: كذبتِ، قالت: آيةُ ذلك أن تضعوا التابوت على عَجَلة وتعلقوها على بقرتين لهما أولاد، وتحبسوا أولادهما، فإنهما تنطلقان بالتابوت إلى أرض بني إسرائيل ثم تعودان إلى أولادهما، ففعلوا ذلك، فخرجت البقرتان به ووكل الله بهما أربعة أملاك يسوقونهما، وأقبلتا حتى وضعتاه في أرض بني إسرائيل وعادتا إلى أولادهما.
وقيل: أقبلت الملائكة تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه، حتى وضعته في دار طالوت، فأقروا له بالملك راضين بعد أن كانوا ساخطين (١).
وروى عطاء عن ابن عباس قال: التابوت وما فيه في بحيرة طبرية لا تقوم الساعة حتى يظهر (٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: شخص، وأصل الفصل: القطع كقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] واختلفوا في عددهم على أقوال:
أحدها: أنهم كانوا ثمانين ألفًا، قاله مقاتل.
والثاني: تسعين ألفًا، قاله مجاهد.
والثالث: ست مئة الف، لم يتخلَّف عنه إلا الكبير لكبره والصغير لصغره وصاحبُ العذر لعذره، قاله الربيع بن أنس.
وكان خروجهم من بيت المقدس، والتابوت بين أيديهم، فلما رآهم طالوت قال:
стр. 721
لا حاجة لي فيما أرى، لا يخرج معي رجل بنى بناءً لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة وهو مشغولٌ بها، ولا مديون، ولا من تزوَّج امرأة ولم يدخل بها، ولا أبتغي إلا الشابَّ النشيط الفارغ. فاجتمع معه مما شرط ثمانون ألفًا، وكان الحرُّ شديدًا، وكانوا في قلّةٍ من المياه، فسألوا طالوتَ أن يسأل لهم ربَّه أن يجري لهم نهرًا، فقال طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: مختبركم ليبلو طاعتكم، وهو أعلم (١).
واختلفوا فيه:
فقال ابن عباس: هو الأُردُنُّ نفسه. وقال الربيع: نهر بين الأُردُنِّ وفلسطين عذب ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: من أهل ديني وطاعتي ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ أي: يشرب منه ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ عبَّر عن الشرب بالطعم - ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقرأه ابن مسعود: "إلا قليلٌ" بالرفع على الاستئناف (٢).
واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا على قولين:
أحدهما: أنهم كانوا أربعة آلاف، قاله السُّدي.
والثاني: ثلاث مئة وبضعة عشر، وهو الأصح (٣). والدليل عليه حديث البراء بن عازب قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: "أنتمُ اليومَ على عِدَّة أصحابِ طَالوتَ حينَ عَبرُوا النَّهرَ، وما جَازَ معَهُ إلا مُؤمِنٌ" (٤). قال البراء: وكنا يومئذٍ ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا.
وقال ابن عباس: من اغترف غُرفة قويَ قلبُهُ وصحَّ إيمانه، وعبر النهر سالمًا، وكفته تلك الغُرفَة لنفسه ودوابِّه؛ والذين خالفوا وشربوا من النهر أكثرَ من غُرفة اسودَّت وجوههم، وغلبهم العطش ولم يَرْوَوْا، وبقوا على شطِّ النهر، وجبُنوا عن لقاء العدوِّ،
стр. 722
ولم يشهدوا الفتح.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٠] الآية. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١] لما نذكر.
وقال وهب وغيره: وكان ممن جاوز النهر إيشا بن عويد أبو داود، ومعه ثلاثة عشر ابنًا له، داود أصغرهم، فقال له داود: يا أبت، ما أرمي بقذَّافتي شيئًا إلا صرعته فقال: ابشر يا بني، فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك. وقال له يومًا آخر: يا أبت، إني وجدتُ الأسدَ رابضًا بين الجبال فركبته وأخذت بأذنيه فلم يهج بي، فقال: أبشرْ يا بنيَّ، فإن هذا خير يريده الله بك. ثم أتاه يومًا آخر فقال: يا أبت، إني لأمشي بين الجبال وأُسبِّح فما يبقى جبلٌ إلّا ويسبِّح معي، فقال: أَبشرْ يا بنيَّ، فإن هذا خير أعطاك الله إياه (١).
وقال الكلبي: أرسل جالوت إلى طالوت: ابرز أنتَ إليَّ أو أَبْرِزْ لي مَن يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم. فشقَّ ذلك على طالوت ونادى في عسكره: من قتل جالوتَ زوَّجْتُهُ ابنتي وناصَفْتُهُ ملكي، فهاب الناسُ جالوتَ لشدَّته، ولم يكن في زمانه أقوى منه ولا أشجع، يهزمُ الجيوشَ وحده، وكانت له بَيْضَةٌ فيها ثلاث مئة منٍّ من حديد. فشكا طالوت إلى إشموئيل وسأله أن يسأل الله، فسأله، فأوحى إليه: يقتله ولدٌ من أولاد إيشا، فدعا إشموئيل إيشا فقال: اعرضْ عليَّ أولادك، فأخرجَ له اثني، عشر ولدًا أمثال السواري، فجعل يعرضهم واحدًا واحدًا، فأوحى الله إليه: ليس في هؤلاء من يقتله، وإنما يقتله داود، فطلبه إشموئيل منه، فقال: ليس لي ولد اسمه داود، وإنما قال ذلك: لحقارته ودمامته وقصره، فأوحى الله إليه: كَذَبَ، له ولدٌ اسمه داود. فقال له: إنَّ الله يكذِّبك، فقال: صدق الله، لي ابنٌ صغير اسمه داود استحييت أن يراه الناس لحقارته، قال: فأين هو؟ قال: في الغنم يرعاها. وكان داود رجلًا قصيرًا مصفارًّا مَسقامًا أزرق أمغر أو آرط لا شعر عليه. فأخبره طالوت فخرج مع الناس في طلبه، فوجد الوادي قد مدَّ بينه بين الزريبة - وهي الحظيرة التي تروح إليها الغنم - نهرٌ عظيم، وإذا بداود يحملُ شاتين شاتين ويجوز بهما الوادي ولا يخوض الماء، فقال: هذا هو بغير شكٍّ.
стр. 723
وكان الله قد بعث إلى إشموئيل تنُّورًا من حديد وقرنًا فيه دهن وقال: من ملأ هذا التنور، ونشَّ على رأسه هذا الدهن، ولم يسلْ على وجهه فهو يقتل جالوت، فعرض ذلك على أولاد إيشا فلم يرَ شيئًا، فلما رآه طالوت وضع القرن على رأسه ففاض وأدخله التنور فملأه، فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوِّجك ابنتي وأقاسمك ملكي- أو: وأجري خاتمك في ملكي- قال: نعم. فأخذه ورجع به إلى العسكر فمرَّ داود على حجر فناداه: يا داود، احملني فإني الحجر الذي قتل بي موسى ملك كذا وكذا، فحمله، فناداه آخر: يا داود احملني فأنا الذي قتل بي هارون ملك كذا وكذا، فحمله، ومرَّ بآخر فناداه: احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت، وقد خبأني الله لك؛ فحمل الجميع في مخلاته؛ ودعا جالوت للبراز فقال طالوت لداود: خذ فرسًا ودرعًا ورمحًا ففعل، وبرز لجالوت ثم رجع عنه، فقال الناس: جبن الغلام، فقال له طالوت: ما الذي بك؟ فقال: دعني أقاتل كما أريد، فقال: افعل، فنزع الدرع فأخذ مخلاته فتقلَّدها والحجارة فيها، وأخذ مقلاعه بيده، وجاء ماشيًا فلما نظر إليه جالوت ألقى الله في قلبه الرعب وقال: أنت تبرز إلي بمقلاع وحجر كما تقاتل الكلب، وأنا قاتل الملوك وهازم الجيوش؟! قال داود: أنت شرٌّ من الكلب. ثم قال: بسم الله إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثم أخرج الأحجار، فصارت حجرًا واحدًا، وتركها في مقلاعه ورمى بها، فسخَّر الله الريح فحملت الحجر، فأصاب طرف أنف البيضة فخالط دماغ جالوت وخرج من قفاه، وقتل من خلفه ثلاثين رجلًا وانهزم القوم وجرَّ داودُ جالوتَ برجله حتى ألقاه بين يدي طالوت فكبَّر الناس وفرحوا (١).
واختلفوا في مكان الوقعة: فقال قوم: بفلسطين من نواحي الرملة، وقيل: في الرملة عند عين الجالوت، وقيل: على بَيسان. وذكر أبو القاسم في "تاريخ دمشق" أنه قتله بمرج الصفَّر عند قصر أم حكيم (٢). والأصح أنه قتله بأرض القدس والساحل.
فإن قيل: فكيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وبين قوله في حقِّ نبينا محمد ﷺ : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
стр. 724
[الأنفال: ١٧]؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن داود لم يكن معروفًا في ذلك الزمان ولم يكن مذكورًا، وكان قد شرط له طالوت أن يزوِّجه ابنته ويقاسمه ملكه، فأضيف القتل إليه ليجب الوفاء بشرطه، ونبينا ﷺ كان مشهورًا معروفًا لم يشترط لأحد شيئًا.
والثاني: أن العلماء قد اختلفوا في زمن النبي ﷺ ، قال مجاهد: كان ذلك يوم بدر أخذ رسول الله ﷺ حصاةً فضرب بها وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" فانهزموا (١). وقيل: كان ذلك يوم خيبر، رمى بسهم فوقع في جبين كنانة بن أبي الحقيق على فرسه فقتله. وقيل: كان ذلك في يوم حنين فعجب المسلمون من ذلك فأراد الله أن يصرف عن رسوله العين، لئلا يعجبوا، فأضافه إلى نفسه.
ورجع طالوت بمن معه إلى البيت المقدس، وذكر الناس داود بخير وأثنوا عليه. وجاء داود إلى طالوت وقال: أنجزْ لي ما وعدتني، فقال: أتريد بنتَ الملك بغير صداق؟ قال: ما شرطت عليَّ صداقًا، وليس لي شيء، فقال: لا أكَلِّفك ما لا تطيق، إنَّ بجبالنا أعداءً لنا وأنت رجلٌ جريء، اقتل منهم مئة رجل وهم غُلْفٌ وأتني بغلفهم حتى أزوجك، فذهب داود ففعل ذلك، فزوَّجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه (٢).
ومال الناس إلى داود فحسده طالوت وأراد قتله وعمل الحيلة فيه. قال وهب: فجاء رجل يقال له: ذو العينين إلى بنت طالوت وأخبرها فقالت لداود: إنك الليلة مقتول، قال: ومن يقتلني؟ قالت: أبي، فقال: وهل أذنبتُ ذنبًا؟ قالت: لا، عليك أن تغيب الليلة، فقال: لا، إن أراد أبوك ذلك لا أقدر على الخروج، ولكن ايتيني بزِقٍّ من خمر، فأتته به فوضعه على سريره موضع منامه وغطاه ودخل تحت السرير. وجاء طالوت نصف الليل فضربه بالسيف فسال الخمر، فلما وجد ريح الشراب قال: رحم الله داود ما أكثَر شُرْبَهُ للخمر. فلما أصبح علم أنه لم يصنعْ شيئًا فقال: إن رجلًا طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتى يدركَ ثأره مني، فاحترس وأغلق أبوابه، فأتاه داود ليلةً وهو نائم، فأعمى الله الحرس عنه، فدخل عليه فوضع عند رأسه سهمًا وعن
стр. 725
يمينه سهمًا وعن يساره سهمًا وعند رجليه آخر وذهب، فاستيقظ طالوت ورأى السهام فقال: يرحم الله داود، هو خيرٌ مني، ظفر بي فعفا عني، وأردت هلاكه وما عفوت عنه. ثم أتاه ليلة أخرى، فقطع شعرات من لحيته وبعض ثوبه، فلما رأى طالوت ذلك قال: هذا قاتلي، فطلبه أشدَّ الطلب، فخرج داود إلى الجبال فأقام مع المتعبدين (١).
وطعن العلماء على طالوت (٢) فأغرى بقتلهم، فجعل كلما نهاه أحد منهم قتله حتى أفناهم. وأتي بامرأة من بيت النبوَّة تعرف الاسم الأعظم- وكانت أم إشموئيل وقيل: كانت أم اليَسَع وقد عمَّرت - فأمر جبَّاره بقتلها فرحمها الجبار وقال: لعلَّنا نحتاج إلى عالم فتركها (٣).
ثم إن الله أوقع في قلب طالوت الندم والتوبة على ما فعل، فأقبل على البكاء والنحيب حتى رحمه الناس. وكان يخرج إلى المقابر كلَّ يوم يبكي ويندب نفسه ويقول: أنشد الله من عرف لي توبةً إلا دلَّني عليها، فناداه منادٍ من القبور: يا طالوت، أما كفاك أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتًا، فازداد بكاؤه، فرحمه الجبار الذي أمره بقتل العجوز وقال له: إنما مثلك كمثل رجل نزل قرية عشاء وصاح ديك فتطيَّر منه. فقال: لا تتركوا في القرية ديكًا إلا ذبحتموه، ونام وقال لأصحابه: إذا صاح الديك فأذنوني حتى أدلج فقالوا: وهل تركتَ ديكًا يُسْمَعُ له صوت. وكذا أنت أيها الملك، وهل تركت في الأرض عالمًا يفتيك إلا قتلته؟ فازداد بكاؤه، فقال له الجبار: أرأيتَ إن دللتك على عالم أتقتله؟ قال: لا. فأخبره بقصة العجوز التي تعرف اسم الله الأعظم فسألها فقالت: والله ما أعرف له من توبة إلا أن يأتي إلى قبر إشموئيل- وقيل: كانت أُمَّ إشموئيل- فيناديه لعلَّه أن يدلَّه، ففعل، فجاءت العجوز ومعها طالوت، فبكت وتضرعت عند قبر إشموئيل، ودعت بالاسم الأعظم، فقام إشموئيل- وقيل: كانت أمَّ اليَسَع وكانت قد عمرت - ينفض التراب عن رأسه، فلما نظر إليهم قال: أقامت الساعة؟ قالوا: لا، ولكن هذا طالوت، قد جاء يسأل هل له من توبة؟ فقال إشموئيل- هو الأصحُّ-:
стр. 726
ويحك يا طالوت، ما أحدثت بعدي؟ فقال: لم أدعْ شيئًا من الشرِّ إلا فعلته، وقد جئت أطلبُ التوبة، قال: فكم لك من الولد؟ قال: عشرة، قال: ما أعلم لك توبةً إلا أن تتخلى عن ملكك، وتخرج أنت وولدك في سبيل الله، فتقدِّم واحدًا بعد واحد بين يديك فيُقتلون عن آخرهم، ثم تقاتل أنت فتُقتل. وعاد إشموئيل إلى القبر فانضمَّ عليه، فرجع طالوت أحزن ما كان، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه خوفًا أن لا يطاوعه ولده، فدخلوا عليه وسألوه عن حاله فأخبرهم فقالوا: وإنك مقتول؟ قال؟ نعم، قالوا: فلا حاجةَ لنا في الحياة بعدك. ثم خرج بهم فقدمهم واحدًا واحدًا بين يديه حتى قتلوا جميعاَّ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، وجاء قاتله إلى داود وقال: قد قتلت عدوَّك. فقال: ما أنت بالذي يحيا بعده فقتله. وأتى بنو إسرائيل إلى داود فسلَّموا إليه خزائن طالوت وملَّكوه عليهم (١).
وأقام طالوت في الملك أربعين سنة، وقيل: عشرين سنة، وقيل: إنه مات كمدًا ولم يقتل، والأول أصح. انتهت ترجمة طالوت.
* * *
стр. 727
ذِكر قِصَّة دَاوُد ﵇ (١)
قد ذكرنا أنه اسم أعجمي. وقال الجوهري: لا يهمز (٢). وقال ابن عباس: هو بالعبرانية القصير العمر.
وقال وهب: هو داود بن إيشا بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي بن نادب بن آرام بن حَصْرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب ﵇.
وقال ابن عباس: كان داود قصيرًا أزرق.
وقال الثعلبي: حدثنا الحسين بن محمد الدينوري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الزرقة يُمْنٌ وكان داود النبي أزرق" (٣).
وقال مقاتل: ذكر الله داود ﵇ في اثني عشر موضعًا.
فصل في سيرته ﵇
روى الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١] أن المراد بالحكمة: النبوَّة ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ يعني: علمه صنعة الدروع، والتقديرَ في السَّرْدِ ونحوه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠] الآية. قال مقاتل: هو النبوَّة ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سبِّحي ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قال وهب: كان يمر بالجبال فتسبِّح وتجاوبه وكذا الطير. وقال قتادة: يسبِّحن، أي: يصلّين معه إذا صلى ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] قال ابن عباس: كان الحديد في يده كالشمع ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] أي: دروعًا طوالًا كوامل ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أن اعمل
стр. 728
الحِلَق على قدر المسامير، لا تكون واسعة فتعلق المسامير ولا ضيقة فتكسرها المسامير الغلاظ.
وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قال وهب: اللبوس عند العرب السلاح كله، درعًا كان أو جوشنًا أو سيفًا أو رمحًا.
وقال قتادة: أول من صنع الدروع داود، وكانت صفائح، فهو أول من سردها، وعلَّمه الله منطق الطير.
وقال وهب: كان سبب عمله الدروع أنه كان يخرج متنكرًا، فإذا وجد جماعة لا يعرفونه دنا منهم، وسألهم عن سيرة داود، فيثنون عليه ويدعون له، فبينما هو في بعض الأيام على عادته يسأل عن نفسه بعث الله إليه ملكًا في سورة آدمي فقال: نِعْمَ الرجل هو داود لولا أنه يأخد من بيت المال، فضاق صدرُ داود، وسأل الله أن يغنيه، فألان له الحديد، فكان في يده مثل الخيوط، وكان يبيع الدرع بأربعة آلاف درهم يأكل منها ويتصدق ويطعم عياله (١).
وأعطاه من طيب النغمة ما لم يُعْطَ غيره، فكان إذا قرأ الزبور دنت منه الوحوش حتى تُؤْخذ بأعناقها وإنها لمُصيخَة. قال ابن عباس: وما صُنعت الصُّنوج والمزامير إلا على صوته وكذا كل لحن مطرب. وكان إذا قرأ أظلَّتْهُ الطيور ووقفَ الماءُ الجاري وسكنت الرياح (٢).
وقال مجاهد: كان الله قد أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته، ولونها لون النار، وهي مرصعة بالجواهر وقضبان اللؤلؤ، فلا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث ولا يمسُّها ذو عاهة إلا برئ (٣)، وسنذكرها.
стр. 729
ذكر ما أنزل عليه
روى أبو صالح عن ابن عباس قال: أنزل الله الزبور على داود مئة وخمسين سورة بالعبرانية، في خمسين منها ما يلقونه من بُخْتَ نصَّر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم. ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود ولا أحكام.
وقال وهب: ومن الزبور: يا عبدي الشكور، إني وهبتك الزبور، وأتقنت لك فيه الأمور، وهو من الوحي المحفوظ المستور، فاعبدني في الأيام والليالي والشهور.
وقال الجوهري: والزبور: كتاب داود ﵇ (١).
واختلفوا في فصل الخطاب الذي أوتيه على قولين:
أحدهما: أنه "أما بعد" وهو أول من قالها في قول ابن عباس.
والثاني: أنه البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر، قاله الضحاك.
ذكر عبادته وصيامه وورعه وقيامه
قال وهب: وكان داود كثير التلاوة والعبادة، غزير الدمعة، يصوم يومًا ويفطر يومًا.
قال أحمد بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "يا عبدَ الله، صُم يَومًا وأفطِر يَومًا فهو أعدَلُ الصِّيامِ، وهو صومُ أخِي داود" قَالَ: قُلتُ: يا رسولَ الله، فإني أطيقُ أكثرَ من ذلك أو أفضلَ، فقال: "لا أفضلَ من ذَلِكَ"، انفرد بإخراجه البخاري (٢).
وقال البخاري بإسناده عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أحبُّ الصِّيامِ إلى الله صومُ داودَ، وكَانَ يَصوُمُ يَومًا ويُفطِرُ يَومًا، وأحبُّ صَلاةٍ إلى الله صلاةُ داودَ، كانَ ينامُ نِصفَ الليلِ ويَقومُ ثُلثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ" (٣).
стр. 730
وفي أفراد البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خَفَّفَ اللهُ على دَاودَ القُرآنَ، فَكَانَ يَأمُرُ بإسرَاجِ دَوابِّه فتُسرَج فيقرأه قبل أن تُسرَجَ، ولا يأكلُ إلا مِن عَملِ يَدِهِ" (١). والمراد بالقرآن: الزبور، لأنه مجموع.
وللبخاري أيضًا عن المقدام بن مَعْدِي كَرِب عن رسول الله ﷺ قال: "ما أصلح (٢) أحد طعامًا قط خيرًا له من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده".
وقال وهب: لما استُخلِفَ داود على بني إسرائيل عبدَ الله عبادة لم يعبدها عابدٌ، وتلا الزبور بصوتٍ لم يُعْطَهُ أحدٌ قبله، فقال إبليس لعفاريته: نفِّروا الناس عن داود، فنفَّروهم فلم يقدروا على شيء، فلم يمض ساعةٌ من ليل أو نهار إلا وفيها صائم أو قائم من آل داود، فذلك قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. قال وهب: كان يقرأ الزبور ويبكي، وبيده قفة خوص يسفُّها ويبيعها ويتقوَّت منها.
وقال مجاهد: قام ليلةً لم ينم إلى الصباح فأعجبته نفسه، فنادته ضفدع من الماء: يا داود، أعجبتك نفسك الليلة؟ وعزَّة ربي إن لي ثلاث ليال ما أطبقت فمي من التسبيح لله تعالى.
وقال مقاتل: سَبَّح ليلةً فأجابته الجبال، فلما كان في جوف الليل دخلته وحشةٌ، فأوحى الله إلى الجبال أن آنسيه، فاصطكت بالتسبيح والتقديس والتهليل، فقال داود: إلهي، كيف تسمع صوتي مع هذه الأصوات؟ فأرسل الله إليه ملكًا، فأخذ بيده ففرج لى البحر، وانتهى به إلى قراره، ثم ضرب بيده قرار البحر المظلم المحيط، فانفجرت له الأرض حتى ظهر له الحوت، فتنحَّى له الحوت عن الصخرة التي هو عليها فضربها بيده، فانشقَّت فخرجت منها دودة تسبِّح، فأوحى الله إلى داود: إني أسمعُ تسبيحَ هذه الدودة في هذا المكان.
وقال في قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] أي: سبِّحي إذا سبَّح، ورجِّعي إذا رجَّع. قال ابن عباس: فصدى الجبال اليوم من ذلك.
стр. 731
وقال مجاهد: بنى داود بيتًا للعبادة بأُورِي شَلِم، وهو موضع محراب داود بالبيت المقدَّس.
وذكر أبو نعيم الحافظ بإسناده عن وهب بن منبّه قال: أوحى الله إلى داود: هل تدري من الذي أغفر له ذنوبه من عبادي؟ قال: مَن هو يا ربِّ؟ قال: الذي إذا ذكر ذنوبه ارتعدت فرائصه، فذلك الذي آمر ملائكتي أن تصلي عليه (١). فقال داود: يا ربِّ أين أجدك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أو مخافتي (٢).
وقال السُّدي وحكاه الثعلبي عن ابن عباس، قال: كان السبب في عِظَمِ داود في أعين بني إسرائيل أن رجلًا استعدى على عظيم من عظمائهم إلى داود وقال: هذا غصبني بقرتي، فسأله داود فأنكر، وسأل الآخر البيِّنة فلم تكن لديه بيِّنة، فأوحى الله إليه أن اقتل المنكر، وكان ذلك في المنام، فقال: هذا منام ولست أعجل، فأري في منامه ذلك ثانيًا وثالثًا: اقتله وإلا نزلت العقوبة، فأحضر داود الرجل وقال له: إنَّ الله أمرني بقتلك، فقال: كيف، بمنام؟ قال: لا بل بوحي صادق، فقال: لا تفعل، فقال: والله لأُنفِذَنَّ أَمرَ الله فيك، فلما تيقَّن أنه قاتله قال: لا تعجل حتى أخبرك، والله ما اغتصبت له بقرةً ولكنني اغتلتُ أباه فقتلته، فقتله داود، فازدادت هيبته في عيون بني إسرائيل (٣).
وقال ابن عباس: ما كنتُ أعلمُ ما الإشراق في قصة داود إلا من أم هانئ فإنها قالت: هي صلاة الضحى. وكان ابن عباس يصلي الضحى (٤).
واختلفوا في فصل الخطاب على أقوال؛ قد ذكرنا قولين، قال ابن عباس: هو تبيان الكلام. وقال ابن مسعود: هو علم الحكم بالقضاء. وقال كعب: الشهود والأيمان (٥).
стр. 732
فصل في محنة داود ﵇
واختلفوا في سبب امتحان الله داود على أقوال:
أحدها: أنه جلس يومًا يقرأ في الكتب، فوجد فيها مآثر آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فتمنى منازلهم وقال: يا رب، ذهب آبائي بكل خير، وإني أسمع الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني رابعًا، فقال: لستَ هناك، إنهم صبروا على بلائي ورضوا بقضائي، فإنَّ إبراهيم ابتلي بنمرود، وبالنار وغيرها فصبر، وإن إسحاق ويعقوب جادا لي بنفسيهما، وإن يعقوب ابتلي بفراق محبوبه وأعزِّ الخلق عليه فقام ثمانين سنة ولم ييأس من رَوْحي طرفة عين، فقال: يا رب، فأعطني الذي أعطيتهم وابتلني (١) بما شئت، فأوحى الله إليه: إني مبتليك في وقتِ كذا فاحترس. وكان يحرس محرابه ثلاثة وثلاثون ألفًا من أولاد الأنبياء. فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠]، وهذا قول الحسن والضحاك والسُّدي وغيرهم (٢).
والثاني: أنه حدَّث نفسه أنه يقطع يومًا بغير مقارفة ذنب.
قرأت على شيخنا الموفق المقدسي ﵀ قال: حدثنا أحمد بن المبارك بإسناده عن يحيى بن كثير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كان داودُ قد قَسَم الدَّهرَ أربعةَ أقسامٍ، يوم لبني إسرائيلَ يُدارِسُهم العلمَ ويُدارِسونه، ويوم للنساءِ، ويوم للمحرابِ ويوم للقضاءِ، فبينما هو معَ بني إسرائيل يُدارِسهم العلمَ قال بعضهم: لا يأتي على ابن آدم يومٌ لا يصيبُ فيه ذنبًا، فقال داود في نفسه: اليوم الذي أخلو فيه للمحراب تتنحَّى عني الخطيئةُ، فأوحى الله إليه: يا داودُ، خذ حِذرَك حتى ترى بلاءَكَ" (٣).
والثالث: لأنه قال يومًا لبني إسرائيل: والله لأعدلنَّ فيكم، ولم يستثن، قاله مقاتل.
والرابع: أنه كان كثير العبادة، فأعجبته نفسه، فجاء جبريل فقال: يا داود، أما علمتَ بأن العُجْبَ يأكلُ العمل كما تأكل النار الحطب، فإن عجبت ثانيًا وكلتك إلى
стр. 733
نفسك، فقال: يا رب، أخطأت، ما أعود، قاله أبو بكر الوراق (١).
والخامس: أنه كان يدعو على العصاة ويقول: لا تغفر خطأ الخاطئين. فابتلاه، فلما وقع في الذنب أوحى الله إليه أتحب أن أغفر لك؟ قاله مقاتل بن حيان. وكان يقول بعدُ: إلهي، ارحم العُصَاةَ وارحم داود معهم.
والسادس: كان إذا دخل المحراب لبس أفخر الثياب وتزيَّن بأحسن الزينة فلما ابتلاه الله صار يلبس خَلَق الثياب ويدخل منكسرًا، فأوحى الله إلى داود: يا داود، هكذا فكن، كنت تدخل عليَّ دخول الملوك على عبيدهم، والآن تدخل عليَّ دخول العبيد على ملوكهم، أما علمتَ أن خزائني مملوءة من العبادات، فعليك بالذل والانكسار، قاله سهل بن عبد الله التُّستَري.
قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] قال علماء السير: فلما كان اليوم الذي وعده الله أن يبتليَه فيه دخل محرابه وأغلق أبوابه وأقام الحرس الذي ذكرناهم يحرسونه فأحدقوا بالمحراب، وقال: لا يدخلنَّ عليَّ أحد، وشرع في قراءة الزبور والصلاة، وكان في محرابه كوَّة، فرفع رأسه من سجوده وإذا في الكوَّة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فدخلت من الكوة ووقعت بين يديه، فمدَّ إليها يده فطارت من الكوَّة، فاطلع ينظر أين وقعت وإذا بامرأة تغتسل في بستان إلى جانب بركة، فحار في حسنها، وقال الكلبي: إنما تمثل له الشيطان في تلك الحمامة، وقال مقاتل: حانت منها التفاتة فرأت داود فتجلَّلت بشعرها فغطَّت به بدنها فازداد بها إعجابًا (٢).
وذكر الشيخ الموفَّق ﵀ في "التوابين" عن قتادة عن الحسن: أنه وقع بين يديه طائر جسده من ذهب وجناحاه من ديباج مكلَّل بالدُّرِّ ومنقاره من زبرجد وقوائمه من
стр. 734
فيروزج وكان له ابن صغير فقال: والله لو اتخذتُ هذا لابني، وذكر بمعناه (١).
واختلفوا في اسمها:
فقال الضحاك: تشايع بنت حنانا (٢). وقال السُّدي: شايع بنت شايع.
فأرسل داود إلى منزلها فسأل عنها، فقيل: هي زوجة أُوريا فقال: وأين زوجها؟ قيل: في الغزاة مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، وكان قد بعثه غازيًا إلى البلقاء. فيزعمون أن داود كتب إليه قدِّمْ أُوريا بالتابوت ومن تقدَّم به لا يحلُّ له أن يرجع حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، فبعث به ففتح له، فكتب أيوب إلى داود يعرفه، فكتب إليه: قدِّمه ثانيًا وثالثًا، فقدَّمه فقتل. فلما انقضت عدَّتها تزوجها داود. وقال ابن الكلبي: فهي أم ابنه سليمان ﵇ (٣).
ذكر دخول الملكين عليه
قال وهب: فلما دخل بها لم يلبث أن دخل عليه الملكان في يوم عبادته فجاءةً، فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب، فما شعر بهما إلا وهما جالسان بين يديه. قال مقاتل: فذلك قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٢٢] لأنهما هجما عليه في محرابه بغير إذنه، وأقام الحرس ولم يكن يومَ الحكومة ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ وفي معناه قولان:
أحدهما: نحن خصمان.
والثاني: كخصمين أو مثل خصمين، فسقطت الكاف ومثل، وقام الخصمان مقامهما ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي: لا تَجُر ولا تخف ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي: وسط الطريق، ثم بيَّنا له المراد فقال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] وقيل: إن داود قال لهما تكلَّما.
فإن قيل: فكيف أوجب الأخوَّة بين الملائكة ولا مناسبة بينهم لأنهم لا ينسلون؟
стр. 735
فالجواب: إنه علي وجه التمثيل لا على وجه التحقيق، لكونهما على طريقة واحدة وجنس واحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقد كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يقول لجبريل: "يا أخي" فيخاطبه بالأخوَّة.
وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: لم يكونا ملكين وإنما كانا أخوين من بني إسرائيل تسوَّرا المحراب. وليس هذا القول بشيء، لأنه كان يحرس محرابه ثلاثة وثلاثون ألفًا، فكيف يتسوَّر عليه رجلان من بني آدم ولا يُعْلَمُون؟ ولأن عامة العلماء على أنهما كانا ملكين.
وقد ذكر أبو حنيفة النُّوبي زيادة على ما ذكر الحسن فقال: اختصما إلى داود فحكم بينهما، وانتبه داود على زلَّته ولم يشعر بذنبه، وهذا حسن.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ واختلفوا في معنى النعاج:
فعامَّة العلماء على أنه كنَّى بالنعاج عن النساء، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، تورِّي عن النساء بالظباء والبقر والنعاج.
وقال الحسين بن الفضل: لم يكن هناك نعاج ولا بغي، وإنما هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لداود. والأول أصحُّ، لأنه من المعاريض.
وِقال مجاهد: إنما ذكر هذا العدد لأنه عدد نساء داود. فقال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤].
فإن قيل: كيف جاز لداود أن يحكم ولم يسمع كلام الخصم الآخر؟ فالجواب: أن أحدهما لما ادَّعى على الآخر اعترف له صاحبه، فعند اعترافه قضى عليه، فحذف الاعتراف اكتفاء بفهم السامع ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أي: أيقن وعلم ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أي: ابتليناه.
وفي سبب تغيره ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الملكين أفصحا له بذلك، قاله السدي.
والثاني: أنهما عرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، فعلم أنهما عَنَياه بذلك، قاله وهب:
والثالث: أنهما نظرا إليه وضحكا أو نظر أحدهما إلى الآخر وضحك ثم عرجا،
стр. 736
فعلم أنَّ الله ابتلاه بذلك، قاله مقاتل (١). والوجه الأول أظهر، قاله السُّدي.
قال داود للخصم الآخر: ما تقول أنت؟ قال: نعم أريد أن آخذها منه فأُكمِلَ بها نعاجي، قال. وهو كاره؟ قال: نعم، قال: إذن لا ندعك، وإن رُمتَ هذا ضربنا منك هذا وهذه، وأشار إلى أنفه وجبهته. فقال: أنت يا داود أحقُّ أن يُضربَ منك هذا وهذه، حيث لك تسع وتسعون امرأة وليس لأوريا إلا واحدة، فلم تزل تُعَرِّضُهُ للقتل حتى قُتل، فتزوجتَ امرأته. وعرجا فنظر داود فلم ير أحدًا فعرف ما وقع فيه (٢).
ذكر ما جرى بعد صعود الملكين
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أي: ابتليناه بما جرى في حق المرأة ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾. قال مقاتل: أي ساجدًا، عبَّر بالركوع عن السجود لأنهما بمعنى الانحناء. وقال وهب: غشي عليه فأقام ثلاثًا في غشيته ثم أفاق.
وذكر جدي ﵀ في "التبصرة" أَنه بقي في سجوده أَربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا في وقت صلاة مكتوبة أو حاجة لابدَّ منها، ولا يأكل ولا يشرب، فأكلت الأرض من جبهته، ونبت العشب من دموعه، وهو يقول في سجوده: ربِّ زلَّ داود زلةً أبعد مما بين المشرق والمغرب (٣).
وقال وهب: اتخذ سبع حشايا من شعر وحشاهن رمادًا، ثم بكى حتى بلَّها من دموعه، ولم يشرب شرابًا إلا ممزوجًا بدموع عينيه، وما رفع رأسه إلى السماء بعد الخطيئة ثلاثين سنة إلى أن مات حياءً من ربه.
ذكر الشيخ الموفق ﵀ في "التوابين" عن قتادة عن الحسن القصة، قال فيها: إنه لما ضحك الملكُ قال له داود: تظلم وتضحك؟ ما أحوجك إلى قَدُوم يرضُّ منك هذه وهذا- يعني جبهته وفاه- فقال الملك: أنت أحوج إلى ذلك، وتحوَّلا في صورتهما وعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه. وعلم داود فسجد أربعين
стр. 737
يومًا (١). وذكر بمعنى ما ذكرنا.
قال: وكان يقول في سجوده:
سبحان خالق النور الحائل بين القلوب.
إلهي، خلَّيتَ بيني وبين عدوِّي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي.
سبحان خالق النور الحائل بين القلوب.
إلهي، لم أتعظ بما وَعظتُ به غيري. إلهي، أمرتني أن أكون لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الرحيم فنسيت عهدك.
سبحان خالق النور.
بأيِّ عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ينظر الظالمون من طرفٍ خفيٍّ.
سبحان خالق النور.
إلهي، الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصابه.
سبحان خالق النور.
إلهي، الويل لداود إذا كُشفَ عنه الغطاء فيقال: هذا داود الخاطئ.
سبحان خالق النور.
إلهي، أنت المغيث وأنا المستغيث، فمن يدعو المستغيثُ إلا المغيثَ.
سبحان خالق النور.
إلهي، فررت بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تُخزِني يوم الدين (٢).
وفي غير رواية الشيخ الموفق عن وهب: إلهي، فررتُ بذنوبي واعترفتُ بخطيئتي، وزلَّ داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، فإن لم تغفر له صار حديثًا بين الخلق.
سبحان خالق النور.
стр. 738
إلهي، تبكي الثكلى على ولدها إذا فقدته، وأنا أبكي على خطيئتي.
سبحان خالق النور.
إلهي، الويل لداود مما جنى إذا كُشفَ عنه الغطاء.
سبحان خالق النور.
الويل لداود إذا نُصبت الموازين واقتصَّ للمظلومين من الظالمين. الويل له إذا سحب على وجهه مع الخاطئين. إلهي، يُغسل الثوب فيذهب درنه والخطيئة لازمة لداود.
سبحان خالق النور … في مناجاة كثيرة.
فإن قيل: فلم خصَّ النور بالذكر دون غيره؟ فالجواب: لأنه لما وقع في ظلمة الذنب وعدم نور الهداية توسَّلَ بالنور إلى النور يستضيء به في ظلمات ذنبه.
ولما علم نبينا ﷺ أن فقدان نور الطاعة كان سببًا لوقوع داود في الزلة كان يكثر من ذكر النور فيقول: "اللهمَّ اجعَل في قَلبي نُورًا، وفي سَمعي نورًا، وفي بَصَري نُورًا" (١) الحديث.
وكذا لما دخل عليه وفد عبد القيس، وفيهم غلام أمرد، قال له رسول الله ﷺ : "قم واقعد خلفي" فقيل له في ذلك، فقال: "وهل كانت فتنة داود إلا من النظر" (٢)؟. هذا وقد كان ﷺ ينظر من ورائه كما ينظر من بين يديه (٣)، لكن هذا قدر ما أوجبه الاحتياط عليه، والسعيد من وُعِظ بغيره.
فإن قيل: فإذا كان نبينا ﷺ ينظر من خلفه كما ينظر من بين يديه فأي فائدة في قوله: "كن خلفي"؟ قلنا: نظره من بين يديه نظر طبع، وهو مشوب بما يشتهي الإنسان ويريده، ونظره من خلفه نظر معجز، وهو مقرون بالتأييد.
قلت: وهذا الذي ذكرناه في أقاويل السلف في سبب امتحان الله داود. وقد أنكر من يقول بتنزيه الأنبياء هذا واحتجوا بما روى الحارث الأعور عن عليٍّ ﵇ أنه قال: من حدَّث بحديث داود معتقدًا صحَّته، جلدته حَدَّين لعظم ما ارتكب، وجليل ما
стр. 739
احتقب من الإثم، وَرمْي من قد رفع الله محلَّه وجعله رحمة للعالمين وحجة للمهتدين (١).
قالوا: وإنما كان ذنب داود أنه تمنى أن تكون له امرأة أوريا حلالًا، وحدَّث نفسه بذلك، واتفق أنه غزا أوريا من غير قصد داود، فلما بلغه قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذ هلك، ثم تزوَّج امرأته، فعاتبه الله على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله (٢).
وقال بعضهم: كان ذنب داود أنَّ أوريا كان خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فتزوجته، فاغتمَّ أوريا غمًّا شديدًا، فعاتبه الله على ذلك، حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها الأول وعنده تسع (٣) وتسعون امرأة (٤).
وقد أشار جدي ﵀ في "تفسيره" وفي "المنتظم" إلى هذا وقال: ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء (٥). وأقرب ما في القصة أن أوريا خطب تلك المرأة ثم خطبها داود فتزوجها فعتب الله عليه حيث لم يدعها لخاطبها.
قلت (٦): وفصل الخطاب في هذا الباب أن الذي فعله داود ﵇ لم يكن كبيرةً يعاقب عليها بل صغيرة. غاية ما في الباب أنه نظر إلى المرأة غير متعمد، وكذا أمره لأوريا بالقتال، والأنبياء غير معصومين من الصغائر، وإنما ذنوبهم وإن صغرت فهي عظيمة عند الله، ألا ترى أن آدم لم يسامح في لقمة حتى نوديَ إلى يوم القيامة ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. وأما رواية الحارث الأعور عن علي ﵇ فالحارث كذَّاب باتفاق المحدثين، ولو ثبت كان معناه أنه ارتكب كبيرة.
стр. 740
ذكر توبته ﵇
قال علماء السير: ولما أقام على تلك الحالة أربعين يومًا جاءه النداء: يا داود، أجائع فتُطعَم، أو عطشان فتُسقَى، أو مظلوم فتُنصَر، ولم يجبه في خطيئته بشيء، فصاح صيحةً هاج ما حوله ثم قال: يا رب، الذنب الذي أصيتُه. فنودي ارفع رأسك فقد غُفِرَ لك، فلم يرفعه حياء حتى جاء جبريل فرفعه (١).
وروى قتادة عن الحسن والثعلبي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه قالوا: لما قال الله تعالى لداود: ارفع رأسك فقد غفرت لك قال: يا رب، وكيف وأنت لا تظلم أحدًا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فنادِهِ وأنا أُسْمِعُهُ نداءك فتحلَّلْ منه، فانطلق داود حتى أتى قبره وقد لبس المسوحَ فناداه يا أوريا، فقال: لبيك من هذا الذي قطع عليَّ لذتي وأيقظني من رقدتي؟ قال: أنا داود، قال: نبيُّ الله؟ قال: نعم. قال: وما الذي جاء بك؟ قال: أسألك أن تجعلني في حِلِّ مما كان مني إليك، قال: ما هو؟ قال: عرَّضتك للقتل؟ قال: عرَّضتني للخير، أنت في حلِّ من دمي. فأوحى الله إليه: يا داود، ألم تعلم أني حَكَمٌ عدل لا أقضي بالتغرير، هلا أخبرته بأنك تزوجت بزوجته؟ فرجع فناداه فقال: من أنت؟ فقال: داود، قال: أوليس قد جعلتك في حل من دمي؟ قال: بلى ولكن إنما بعثتك للغزاة لمكان امرأتك مني وإني قد تزوجتها، فسكت ولم يجبه، فناداه مرارًا ولم يجبه، فقام داود وحثا التراب على رأسه، ونادى بالويل والثبور، ثم بكى بكاء شديدًا، فناداه منادٍ من السماء: يا داود، قد رحمنا بكاءَك وتضرعك وقد غفرنا لك ذنبك. فقال: يا رب، وكيف لي بأوريا؟ فقال الله تعالى: أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه، فيقول: يا ربِّ، من أين في هذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول: هذا عوضٌ من أجل عبدي داود وأستوهبك منه فيهبك في. فقال: يا رب الآن علمتُ أنك قد غفرت في (٢). قال الحسن فذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] يعني الذنب ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾ بعد المغفرة ﴿عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ أي قربة ومنزلة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]