← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

وحسينٌ رأسُ دعوتِهم … ودعاءُ الحقِّ مقبولُ وأبي من لا كِفَاءَ له … من يُسامي مجدَهُ قولوا سَلْ به والخيلُ ساهمةٌ … حولَهُ جردٌ أبابيلُ أَبْطَنَ (١) المخلوعَ كلكُلهُ … وحواليه المقاويلُ (٢) فثَوى والتربُ مضجعُه … غال عنه ملكَه غولُ قادَ جيشًا نحو عرصته … ضاقَ عنه العرضُ والطُّولُ ملكٌ تجتاحُ صولتُه … ونداه الدَّهرَ مبذولُ قُطِعَتْ عنه تمائمُه … فهو مرهوبٌ ومأمولُ من أبياتٍ. فإنِّي لمَّا بلغتني هذه القصيدة امتعضتُ للعربيّة، وأنفت المنافية أن يفتخرَ عليها رجلٌ من العجم قتلَ ملكًا من ملوك العرب بسيفِ أخيه لا بسيفِ نفسه، فيفخر عليها ويضع منها، فرددتُ عليه قصيدتَه، ولم أعلم أنَّ الأقدار تُظْفِره بي، فقلت: [من المديد] لا يَرُعْكَ القالُ والقيلُ … كلَّما بُلِّغتَ تهويلُ قاتلُ المخلوعِ مقتولٌ … ودمُ القاتل مطلولُ لا تنجِّيه مذاهبُه … نهرُ بُوْشَنجٍ ولا النِّيلُ بيد (٣) المخلوع طُلْتَ يدًا … لم يكن في باعِها طولُ وبنعماه التي سَلَفَتْ … فعلت تلك الأفاعيلُ يا ابن بيت النَّار موقدُها … ما لحاديهِ سراويلُ من حسينٌ من أبوك ومن … مصعبٌ غالتهُمُ الغولُ أسرةٌ ليست مباركةً … غيرُها الشمُّ البهاليلُ من أبياتٍ طويلةٍ.

стр. 6757

فلمَّا قرب عبد الله (١) بن طاهر استوحشتُ من المقام خوفًا على نفسي، ورأيتُ تسليم نفسي عارًا عليّ، فأقمتُ مستسلمًا للأقدار، وأقمتُ جاريةً سوداء في أعلى الحصن، فلم ترعني إلَّا وهي تشهرُ بيدها، وإذا بباب الحصن يدقّ، فخرجتُ وإذا بعبد الله بن طاهر واقفٌ وحدَه، قد انفردَ عن أصحابه، فسلَّمت عليه سلامَ خائفٍ، فردَّ عليَّ ردًّا جميلًا، فأومأتُ لأقبِّل ركابَه، فمنعني بألطف منع، ثم ثنى رجلَه وجلسَ على دكَّةٍ على باب الحصن، ثمَّ قال: سكِّن روعَك، فقد أسأتَ بنا الظنَّ، وما علمنا أنَّ زيارتنا لك تروِّعك، ثمَّ سألني عن مقامي في البَرِّ، وإيثاري له على الحضر، وباسطَني، فلمَّا زال رَوعي قال: أنشدني قصيدتَك التي تقولُ فيها: يا ابن بيت النارِ موقدُها فقلت: لا تنغِّص إحسانَك، فقال: ما قصدي إلَّا زيادة الإنسِ بك، فامتنعت، فقال: والله لا بدّ، فأنشدتُه القصيدة إلى قوله: ما لحاديه سراويل فقال: والله لقد أحصينَا ما في خزائن ذي اليمينين بعدَ موته، فكان فيها ثلاثة آلاف سراويل (٢) من أصناف الثياب، ما في واحدٍ منها تِكَّةٌ، فما حملك على هذا؟ قلت: أنتَ حملتني بقولك: وأبي من لا كِفَاءَ له … من يساوي مجدهُ قولوا لما فَخَرْتَ على العرب فَخَرْنا على العجم، فقبل العذرَ، وأظهر العفو، ثمَّ قال: هل لك في الصحبة إلى قتال نصر بن شبث؟ فاعتذرتُ بالعجز عن الحركة ولزومِ المنزل، فأمر بإحضار خمسة مراكب من مراكبه بسروجها ولُجُمِها، محلاةً بالذهب، وثلاثة دوابّ من دوابِّ الشاكريَّة، وخمسة أبغل من بغال الثقل، وثلاث تخوتٍ من الثياب الفاخرة، وخمس بِدَر من الدراهم، ووضع الجميعَ على باب الحصن، واعتذرَ بالسفر فمددتُ يدي لأقبِّل يدَه، فامتنعَ، وسار، فودَّعتُه، وكان ما أعطاهُ يساوي مئة ألف درهم.

стр. 6758

وقال القاضي التنوخي: حَبَسَ عبدُ الله بن طاهر محمدَ بن أسلم، فكتبَ إليه بعضُ إخوانه يسلِّيه ويهون عليه، فأجابه محمد وقال: كتبت إليَّ تعزِّيني، وإنَّما ينبغي لك أن تهنِّيني، رأيتُ العجائب، وعُرضت عليَّ المصائب، إنِّي رأيتُ الله تعالى يتحبَّبُ إلى من يؤذيه، فكيف بمن يُؤذَى فيه، إنِّي دخلتُ بيتًا سقطتْ عني فيه فروضٌ وحقوق، منها الجمعة، والجماعات، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، وعيادةُ المرضى، وحضورُ الجنائز، وما نزلتُ بيتًا خيرًا لي في ديني منه. وبلغ ابن طاهر، فقال: نحن في حاجةِ ابن أسلم، أطلقوه (١). وقال عليُّ بن الحسين الإسكافيّ: كُنْتُ أكتبُ لبُغا الكبير، فنكبَني واستأصلني، وحبسني وتهدَّدني، فأقمتُ أنتظرُ منه المكروه، فبينا أنا كذلك إذ دخل إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ صاحبُ الشرطة، فأيقنتُ بالعذاب، فقال: لا بأسَ عليك، فإنَّ عبدَ الله بن طاهر قد كاتب بغا فيك، وقد ردَّ عليك ضياعَك وأموالك، فانصرِفْ إلى منزلك، فلمَّا كان بعد ذلك سألتُه عن السبب فقال: كتبَ إليَّ عبدُ الله بنُ طاهر كتابًا يقول فيه: قد كانت كتبُ أخي أبي موسى بغا تَرِدُ عليَّ بمخاطباتٍ توجبُ المؤانسة، وتلزم الشكرَ والمنَّةَ، ثمَّ تغيَّرت، فخطر لي أنَّ ذلك الكاتبَ صُرِفَ ونكب، وحقٌّ لمن أحسنَ عشرتنا، وأكَّدَ المودَّةَ بيننا وبين إخواننا أن يُراعى حقُّه، فصر إلى أخي بغا، وسله في كاتبه أن يردَّه ويردَّ ما أخذَ منه، وإن طالبَه بمالٍ فاحمله من مالنا كائنًا ما كان، وقد أمر لكَ الأميرُ عبد الله بن طاهر بمالٍ فاقبضه، قال: فقبضته، وردَّني إلى مكاني (٢). وقال أبو الفضل الربعيّ: لمَّا توجَّه ابنُ طاهر إلى خراسان قصدَه دعبل، وكان ينادمُه في الشهر خمسة عشرَ يومًا، فكان يصلُه في الشهر مئة ألف درهم، وخمسين ألف درهم، في كلِّ يومٍ ينادمه عشرة آلاف درهم، فلمَّا كثرت صلَاتُه توارى عنه حياءً منه، فنزلَ بعضَ الخانات، وطلبَه فلم يقدِر عليه، فكتب إليه: [من الطويل] هجرتُك لم أهجرك من كُفر نعمةٍ … وهل يُرْتَجى نيلُ الزيادةِ بالكفرِ

стр. 6759

ولكنَّني لمَّا أتيتُكَ زائرًا … فأفرطتَ في بِرِّي عَجَزْتُ عن الشكرِ فمِلآنَ لا آتيكَ إلا معذّرًا … أزوركَ في شهرين يومًا وفي شهرِ فإنْ زدتَ في بِرِّي تَزايدتُ جفوةٍ … ولم تلقني حتَّى القيامةِ في حشري ثم كتبَ دعبل: حدَّثني المأمونُ، عن الرشيد، عن المهديّ، عن المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي، عن عبد الله بن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "من لا يشكر اللهَ لا يشكر النَّاس (١)، ومن لا يشكرُ القليل لا يشكر الكثير". فوصله عبد الله بثلاث مئة ألف وانصرف (٢). وقال معافى بن زكريا: أول ما قصد دعبل عبدَ الله أقامَ مدَّةً لم يجتمع به، وضاق ما بيده، فكتب إليه يقول: [من المنسرح] جئتكَ مستشفعًا بلا سبب … إليكَ إلَّا بحرمةِ الأدبِ فاقضِ ذمامي فإنَّني رجلٌ … غيرُ مُلِحٍّ عليك في الطلبِ (٣) فبعثَ إليه بعشرة آلاف درهم، وكتب إليه: [من الكامل] أعجلتنا فأتاكَ عاجلُ برِّنا … ولو انتظرتَ كثيرَه لم يقللِ فخُذ القليلَ وكن كأنَّك لم تسلْ … ونكونُ نحن كأنَّنا لم نفعلِ ثم نادمه بعد ذلك (٤).

стр. 6760

وقال أبو مُحلِّم عوف بن محلِّم الشاعر: لما خرجَ عبد الله بن طاهر إلى خراسان من بغداد، خرجتُ معه، فكنت أعادله وأسامره، فلمَّا صرنا إلى الرَّيّ، مررنا سحرًا، فسمعنا صوتَ الأطيار، فقال عبد الله: لله درُّ أبي كبيرٍ الهُذَليّ حيث يقول: [من الطويل] ألا يا حمامَ الأيكِ إلفُكَ حاضرٌ … وغُصنُكَ ميَّادٌ ففيمَ تنوحُ ثم قال: يا عوف، أجز، فقلت: [من الطويل] أفي كلِّ يومٍ غدوةٌ ونزوحُ … أما للنوى من وَنْيةٍ فتريحُ لقد طَلَحَ البينُ المُشتُّ ركائبي … فهل أرينَّ البينَ وهو طَلِيحُ (١) وذكَّرني بالرَّيِّ نوحُ حمامةٍ … فنحتُ وذو الشجن الحزينِ ينوحُ على أنَّها ناحت ولم تُذْرِ دمعةً … ونحتُ وأسرابُ الدموع سفوحُ وناحَتْ وفرخاها بحيثُ تراهما … ومن دون أفراخي مَهامِهُ فيحُ عسى جُود عبد الله أن يعكسَ النَّوى … فيلقي عصا التَّطوَافِ وهي طريحُ فإنَّ الغنى يُدني الفتى من صديقِه … وبُعدُ الغنى للمُقْتِرينَ طَروحُ فلمَّا سمعَ عبدُ الله هذا قال: أنخ، فوالله لا جاوزتَ هذا المكان حتَّى ترجعَ إلى أفراخك، كم الأبيات؟ قلت: سبعة، فقال: يا غلام، أعطِه سبعينَ ألف درهم، وقيل: مئة ألف درهم، وقيل: مئة ألف، ومركبًا، وكسوة، فأخذتُها وودَّعتُه ورجعتُ (٢). وقال الخطيب: دخل عوف بن محلِّم الشيباني (٣) على عبد الله، فسلَّم، فردَّ عبدُ الله، وكان في أذن عوف ثقلٌ فلم يسمع، فأخبر فارتجل في الحال: [من السريع] يا ابن الَّذي دانت له المشرقان … طرًّا وقد دانتْ له المغربانْ إنَّ الثمانين وبُلِّغتَها … قد أحوجتْ سمعي إلى تَرجُمانْ وبدَّلتني بالشَّطاط الحَنَى … وكنتُ كالصَّعدة تحت السِّنانْ ولم تدع فيَّ لمستمتعٍ … إلَّا لسانًا وبحسبي لسانْ (٤)

стр. 6761

وقال أحمد بن يزيد السلمي: كان عبد الله بن طاهر بالرقَّة، فبعثَ إليه عبد الصَّمد بن الصمت بن مروان بن أبي حفصة بأبياتٍ، فأرسَلَ إليه ابنُ طاهر بعشرينَ ألف درهم، فقال: [من الطويل] لعمري لنعمَ الغيثُ غيثٌ أصابنَا … ببغدادَ من أرضِ الجزيرةِ وابلُهْ ونعمَ الفتى والبيدُ دونَ مزارِه … بعشرينَ ألفًا صبَّحتنَا رسائلُهْ وكنَّا كحيٍّ صَبَّحَ الغيثُ أهلَهُ … ولم ينتجع أظعانهُ وحمائلُهْ أتى جودُ عبدِ الله حتَّى كَفَتْ به … رواحلَنا سير الفلاة رواحلُه وأحسن من هذا قول القائل: [من الطويل] جَزَى الله خيرًا والجزاءُ بكفِّه … بني السمطِ إخوانَ السماحةِ والحمدِ أتاني وأهلي بالعراق حباؤهم … كما انقضَّ غيثٌ في تهامةَ من نجدِ (١) ولما وصلَ ابنُ طاهر إلى مرو جلس في قصر الإمارة، فدخل عليه أبو يزيد الشاعر فقال: [من البسيط] اشربْ هنيئًا عليك التاجُ مُرتفِقًا … في قصر مروٍ ودَعْ غُمدَان لليمنِ فأنت أولى بتاجِ الملكِ تلبسُه … من هَوْذة بن عليٍّ وابن ذي يَزَنِ (٢) فأعطاه عشرين ألفًا. ويقال: إنَّه أنشده: [من الطويل] يقول رجالٌ إنَّ مروَ بعيدةٌ … وما بَعدَتْ مروٌ وفيها ابنُ طاهرِ (٣) ومما يُنسَبُ إلى ابن طاهر من الشعر أنَّه كتب إلى المعتصم وهو يريد عَمُّوريَّة هذه الأبيات: [من البسيط] إنَّ التي أمطرت بالبَذِّ صوت ردى (٤) … باتت تألَّقُ بالقاطولِ للرومِ إنَّ الفتوحَ على قدرِ الملوك وهِمـ … ـمات الولاة وإقدام المقاديمِ (٥)

стр. 6762

وممَّا يُنسبُ إليه قولُهُ: [من الطويل] يبيتُ ضجيعي السيفُ طورًا وتارةً … يعضُّ بهاماتِ الرجالِ مضاربُهْ أخو ثقةٍ أرضاه في الروعِ صاحبًا … وفوقَ رضاه أنَّني أنا صاحبُهْ وليسَ أخو العلياء إلَّا فتًى له … بها كَلَفٌ ما تستقرُّ ركائبُه إذا ما دعا داعي السلاحِ وجدتني … منيعًا به كالحتف يخرم جانبه (١) وقال: [من الخفيف] ليس في كلِّ ساعةٍ وأوان … تتهيَّا صنائعُ الإحسانِ فإذا أمْكَنَتْ فبادرْ إليها … حذرًا من تعذُّرِ الإمكانِ (٢) قال ابن عساكر: وقال أيضًا (٣): [من البسيط] نبَّهتُه وظلامُ الليل منسدِلٌ … بين الرياض دفينًا في الرياحينِ فقلت خُذ قال كفِّي لا يطاوعني … فقلتُ قم قال رِجلي لا تواتيني إنِّي غَفَلْتُ عن الساقي فصيَّرني … كما تراني سليبَ العقلِ والدين (٤) وقال (٥): [من الطويل] إذا كنتم للناس أهل سياسةٍ … فسوسوا كرامَ الناس بالبرِّ والفضلِ وسُوسوا لئامَ الناسِ بالذُّلِّ (٦) يصلُحوا … على الذلِّ إنَّ الذلَّ يَصْلُحُ للنذلِ وقال (٧): [من الطويل] إلى كم يكونُ العتب في كلِّ ساعةٍ … وكم لا تملِّين القطيعةَ والهَجْرَا رويدكِ إنَّ الدهرَ فيه كفايةٌ … لتفريقِ ذاتِ البين فانتظري الدهرَا (٨)

стр. 6763

وكتب (١) إلى ابنِ الزيَّات يقول: [من المنسرح] أَحُلْتَ عمَّا عهدتُ من أدبكْ … أم نِلْتَ ملكًا فتهتَ في كُتبكْ أم قد ترى أنَّ في ملاطفة الـ … إخوانِ نقصًا عليك في أدبِكْ وإن جفاني كتابُ ذي مِقَةٍ … يكون في صدره وأمتَعَ بكْ أتعبت كفَّيك في مكاتبتي … حسبُك ما لقيتَ في تعبك فكتب إليه ابنُ الزيَّات: [من المنسرح] كيفَ أَخونُ الإخاءَ يا أملي … وكلُّ شيءٍ أنالُ من سببكْ إن يك جهلٌ أتاكَ من قبلي … فعُدْ بفضلٍ عليَّ من حَسبكْ أنكرتَ شيئًا ولستُ فاعلَه … وإن تَراه يُخَطُّ في كُتبكْ فاعفُ فدتكَ النفوسُ عن رجلٍ … يعيشُ حتَّى المماتِ في أدبكْ (٢) ذكر وفاته [اختلفوا فيها على قولين؛ أحدُهما في سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، والثاني في سنة ثلاثين ومئتين] (٣) لإحدى عشرة ليلة خلَت من ربيع الأول (٤). [واختلفوا في أيِّ مكان توفي، فقال أبو حسان الزيادي:] مات بمرو، [وقال ابن خزيمة والطبريُّ والحاكم والخطيب والمَرْزُبانيُّ: مات:] (٥) بنيسابور بمرض الحلق، ودُفن بها (٦). وقال محمد بن منصور البغدادي: دخلت عليه في مرض وفاته، فقلت: السلامُ عليك أيُّها الأمير، فقال: لا تقل كذا، ولكن قل: أيُّها الأسير (٧).

стр. 6764

وكان قد تابَ قبل موته، وكسرَ الملاهي، وعمَّر الرُّبُط بخراسان، ووقفَ الأوقافَ، وتصدَّقَ بالأموال الجليلة، وبعث إلى الحرمين بمالٍ عظيم واستفكَّ أُسارى بألفي ألف درهم. ومرضَ ثلاثة أيام، وزعمَ قومٌ أنَّه مات بالشام، وهو وهمٌ، فإنَّ الرِّواياتِ مجمعةٌ على أنَّه ماتَ بنيسابور ليلةَ الجمعة بعد أشناس بسبعةِ أيَّام، وعمرهُ سبع أو ثمان وأربعون سنة، وكان خراجُ المواضع التي تحت يده يومَ مات ثمانيةٌ وأربعونَ ألفَ ألف درهم، وكان ينفقُ أضعافَ هذه على أبواب البرِّ والعلماءِ والقُصَّاد والشعراء. وكان ولده محمد من الأجواد، توفي ببغداد (١) سنةَ سبعٍ وعشرينَ ومئتين، وصلَّى عليه المعتصم [في دار محمد] (٢). وكان خليفة عبد الله ببغداد وسُرَّ من رأى وكور دجلة إسحاقُ بن إبراهيم المصعبي. ورثاهُ جماعةٌ منهمُ الحسنُ بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وهو القائل: [من الكامل] هيهاتَ أن يأتي الزمان بمثله … إنَّ الزمانَ بمثله لبخيلُ (٣) أسند عبدُ الله عن أخيه وأبيه (٤)، وجعفر بن يحيى بن خالد، والمأمون، ووكيع بن الجرَّاح، وغيرهم، وروى عنه يحيى بن خلَّاد (٥)، وإسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، ونصر بن زياد القاضي في آخرين. وفي الرواة جماعةٌ منهم

стр. 6765

عبد الله بن طاهر بن يحيى العلوي قال التنوخي: كان يحجُّ في كل عامٍ رجلٌ خراسانيٌّ، فيدفع إليه مئتي دينار، فجاءه رجلٌ من أعداء ابنِ طاهر في بعض السنين، وقال: أنت تعطيه مالك، وهو ينفقُه فيما لا يرضي الله، فتصدَّقَ الخراسانيُّ بالدنانير، وجعل في العام الثاني والثالث كذلك، فرأى النبيَّ ﷺ في النوم يقول له: ويحكَ، سمعتَ في ابني عبد الله بن طاهر كلامَ عدوِّه، اذهب فأوصل إليه ما قطعتَه عنه، قال الخراسانيُّ: فانتبهتُ فزعًا، وأخذت ستّ مئة دينار، وأتيت ابنَ طاهر، وهو بمسجد المدينة في حلقة، فسلَّمتُ عليه، فقال: رأيتَ جدِّي في المنام، وعاتَبك، هات الست مئة دينار التي أمرك بحملها عوضًا عما فاتني، وأدخل يده في كمِّي، فأخذها، وقال: رأيتُ جدي في المنام وهو يقول لي: قد عتبت على الخراساني، وهو يأتيك الآن، وفي كمِّه الدنانير، فخذها (١). ومنهم عبدُ الله بن طاهر ابن محمد بن كاكو الواعظ، ولد بصور، أنشدَ عن أبي إسحاق الشيرازيّ: عزيزٌ على مهجتي غرَّني … وسلَّم لي الوصلَ واستسلَما (٢) فلمَّا تملَّكني واحتوى … على مهجتي سلَّ ما سلَّما ولمَّا مات ابنُ طاهر بن الحسين نظرَ الواثقُ من يولِّي مكانَه بخراسان، فقال له ابن أبي دؤاد: ولِّ طاهرًا ابنه، واربح إنفاق الأموال وإنفاذَ الجيوش، ويتحدَّثُ الناسُ بوفائِكَ، فولَّاه (٣). عليّ بن الجعد بن عبيد أبو الحسن الجوهريُّ، مولى أم سلمة امرأة السفاح، وقيل: مولى بني هاشم (٤).

стр. 6766

ولد سنة أربع وثلاثين ومئة، وقال إبراهيم بن محمد بن عرفة: كان عليُّ بن الجعد أكبرَ من بغداد (١) بعشر سنين. ولمَّا أَحضرَ المأمونُ أصحابَ الجوهر ناظرهم (٢) على متاعٍ كان معهم، ثمَّ نهضَ المأمونُ لحاجته وعاد، فقامَ له كلُّ من في المجلس إلَّا ابن الجعد، فنظر إليه المأمون كهيئة المُغْضب، ثم استخلاه وقال له: يا شيخ، ما منعكَ أنْ تقومَ لي كما قام أصحابُك؟ قال: أجللتُ أميرَ المؤمنين للحديث الَّذي نأثره عن رسول الله ﷺ ، قال وما هو؟ قال عليّ: سمعت المباركَ بن فَضَالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : "من أحبَّ أن يتمثَّل له الناسُ قيامًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار". فأطرقَ المأمونُ ساعةً وقال: لا يُشترى لنا إلَّا من هذا الشيخ، فاشترى منه بقيمة ثلاثين ألف دينار (٣). وقال الخطيب: كان عليٌّ يصومُ يومًا ويفطر يومًا، أقام على ذلك سبعين سنة. وتوفي في رمضان، وقيل: في رجب، ودفن بباب حرب، وله ستٌّ وتسعونَ سنة. سمع سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وشعبة، وغيرهم. وكتب عنه الإمامُ أحمد، وابنُ معين، والبخاريُّ، ومسلم (٤)، وغيرهم، واختلفوا فيه فقال ابن معين: هو ثقةٌ صدوقٌ، وروي عن الإمام أحمد رحمة الله عليه أنَّه نَهى أنْ يُسمَع عنه؛ لأنَّه بلغه عنه أنَّه يتناولُ بعضَ أصحابه، ويقول: من قال: إنَّ القرآنَ مخلوق، لم أعنفه. وقال الخطيب: ذُكر عنده قولُ عبد الله بن عمر ﵁: كنَّا نُفاضلُ بين الصحابة، ونقول: خيرُ هذه الأمة بعد نبيِّها أبو بكر وعمر وعثمان، ويبلغُ النبيَّ ﷺ ذلك فلا ينكره، قال ابن الجعد: انظروا إلى هذا الصبي الَّذي لا يحسنُ أن يطلِّق امرأتَه، كيف يقول: كنَّا نفاضل.

стр. 6767

وقد اعتذر عنه إبراهيم الحربيُّ قال: إنَّما حَكى قولَ عمر بن الخطاب عن ابنه عبد الله، وإلَّا فالرجلُ لا يُشَكُّ في فضلِه وثقته وصدقه. محمد بن سعد ابن مَنيع بن عبد الله (١)، أبو عبد الله، مولى بني هاشم، كاتب الواقديّ، صاحبُ الطبقات والمغازي والسير وأيام الناس. وقيل: هو مولى الحسين بن عبد الله [بن عبيد الله] (٢) بن العباس بن عبد المطلب. كان إمامًا عالمًا فاضلًا، حسن التصانيف، من أهل الفضل، صنَّفَ كتابًا كبيرًا في طبقات الصحابة والتابعين والعلماء إلى وقته، فأجادَ فيه وأحسن. وقال إبراهيم الحربيّ: كان أحمد بن حنبل يوجِّه في كل جمعة بحنبل بن إسحاق إلى محمد بن سعد، يأخذُ منه جزأين من حديث الواقدي، ينظرُ فيها إلى الجمعة الأخرى، ثم يردهما ويأخذ غيرهما. توفي محمدُ بن سعد ببغداد يوم الأحدى لأربعٍ خلونَ من جمادى الآخرة، وهو ابنُ اثنتين وسبعين (٣) سنة، ودفن بمقبرة باب الشام. أسند عن سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح، وخلقٍ من الأئمة، وروى عنه جمٌّ غفير. واتَّفقوا على صدقه وثقته وفضله، إلا ابن معين لأنَّه تكلَّم فيه، والله تعالى أعلم (٤). محمد بن يَزدَاد بن سُويد المروزيّ أحدُ كتَّاب المأمون ووزرائه، كان فاضلًا أديبًا، توفي بسُرَّ من رأى في ربيع الأول.

стр. 6768

قال: دخلتُ على المأمون وبيده قرطاس، فقال لي: يا محمد، هل تعلم ما في هذا القرطاس؟ قلت: كيف أعلمُه وهو في يد أمير المؤمنين؟! فقال: خذه، فأخذته، فماذا فيه: [من السريع] إنَّك في دارٍ لها مدَّةٌ … يُقْبَلُ فيها عملُ العاملِ أما تَرى الموتَ محيطًا بها … يَقْطَعُ فيها أملَ الآملِ تعجَّلُ الذنب لِما تشتهي … وتأملُ التوبةَ في قابلِ والموتُ يأتي بعد ذا بغتةً … ماذا بفعل الحازم العاقلِ (١) * * *

стр. 6769

السنة الحادية والثلاثون بعد المئتين فيها كانت وقعةُ أهل المدينة مع بني سليم (١)، وقد ذكرنا أنَّ بُغا التركيّ لمَّا ظهر على بني سُلَيم حملهم إلى المدينة، وحبسَهم في دار يزيد بن معاوية، وكانوا نحو ألف رجل، وقيل: ألف وست مئة، أو ثلاث مئة، فأقاموا مقيَّدين، موكَّلٌ بهم حفظة، فنقبوا الدارَ ليخرجوا منها، فرأتهم امرأةٌ، فصاحت، فجاءَ أهلُ المدينة، فوجدوهم قد وثَبوا على الموكَّلِين، فقتلوا منهم رجلًا أو رجلين، وأخذوا سلاحهم، واجتمعَ عليهم أهل المدينة -وكان عليها يومئذٍ عبد الله بن أحمد بن داود الهاشمي- وكانوا وَثبوا عشيَّة الجمعة، فباتُوا محصورين، فلمَّا كان يوم السبت باكروا للقتال، وكان عُزيزة بن قطَّاب يحمل ويقول: [من الرجز] لا بدَّ من زحمٍ وإنْ ضاقَ البابْ … إنِّي أنا عُزيزة بن قطَّابْ الموتُ خيرٌ للفتى من العابْ (٢) وكان قد فكَّ قيدَه من رجله، فقتل، وقُتِل بنو سليم بأسرهم، وقَتَلَ السودانُ من لقوا من الأعراب بأزقَّة المدينة ممَّن جاء يمتار ويزور. وكان بغا لمَّا حجَّ في السنة الماضية خرجَ فأم بذي عرق، وأخذَ جماعةً من بني هلال من المفسدين، ورجع إلى مكَّة فاعتمرَ أول المحرم، ثمَّ انصرفَ إلى المدينة، فلمَّا قدمَها ووجدَ أهلَها قد قتلوا بني سليم شَقَّ عليه ووجد وجدًا عظيمًا، وكان البوَّابُ قد أخذَ منهم ألفَ دينار ليفتحَ لهم الباب، فعجَّلوا قبل ميعاده، وكانوا يرتجزون: الموتُ خيرٌ للفتى من العار … قد أخذَ البوَّابُ ألفَ دينار وقيل: إنَّ عزيزةَ لم يقتلْ في المعركة، وإنما اختبأ في بئر، فدخلَ عليه رجلٌ من أهل المدينة فقتلَه فيها (٣).

стр. 6770

وفيها عزم الواثق على الحجِّ، وبعث عمر بن فرج الرُّخَّجيّ لإصلاح المناهل، فرجع وأخبرَه أنَّ الطريق قليلُ الماء، فتركه (١). وفيها ولَّى الواثقُ جعفَر بن دينار اليمن، فخرجَ إليها في شعبان في أربعة آلاف فارس، وقيل: في ستة آلاف فارس (٢). وفيها ولَّى الواثق إسحاقَ بن إبراهيم بن أبي حفصة (٣) مولى بني قُشَير على اليمامة والبحرين وطريق مكة ممَّا يلي البصرة، وعقدَ له محمدُ بن عبد الملك الزيَّات في دارِ الخلافة، ولم يعقدْ لأحدٍ سواه فيها (٤). وفيها رَأى الواثقُ في المنام بأنَّه قد فُتِحَ سدُّ يأجوج ومأجوج، فانتبهَ فزِعًا، وبعثَ إلى السدِّ سلام الترجمان [وقد ذكرنا القصة في صدر الكتاب في قصة ذي القرنين.] (٥) وفيها فَادَى (٦) الواثقُ أسارى المسلمين على يدِ خاقان خادم الرشيد، وكانوا أربعةَ آلاف وثلاثة (٧) وستين مسلمًا، فكان الفداءُ على نهر في بلاد الروم يقال له: اللامس، قريب من سَلُوقِيَة، وسَلُوقِيَة من طَرَسُوس على يومين، فاجتمَع الروم والمسلمون عليه يوم عاشوراء، فقال أحمد بن أبي دؤاد: امتحنوا الأسارى، فمن قال: إنَّ القرآن مخلوق، فخلِّصوه وأعطوه دينارين، ومن أبى دعوه بحاله في الأسر، فأجابَ معظمُ القوم للقول بخلق القرآن خوفًا من إعادتهم إلى الأسر، ورجع البعض، وكان ابنُ أبي دؤاد قد بعث من أصحابه يحيى بن آدم الكَرْخيّ وجعفر بن الحذاء (٨)، وأمرَهما

стр. 6771

بامتحان الأسارى، وكان ملكُ الروم ميخائيل بن توفيل بن ميخائيل بن اليون بن جرجس، وهو الَّذي بعثَ يطلبُ الفداء من الواثق، وعقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهليّ على الثغور والعواصم، وأمره أن يَحضُرَ الفداء، فحضره، وقالت الروم: لا نأخذُ امرأةً ولا شيخًا ولا صبيًّا، ثمَّ رضوا بعد ذلك بفداء نفسٍ بنفس، ولم يقع فداء بين المسلمين والروم من (١) زمن محمد الأمين في سنة أربعٍ وتسعين ومئة إلَّا هذا. وحجَّ بالناس محمد بن داود. وفيها توفي أحمدُ بن نصر ابن مالك بن الهيثم بن عَوف بن وَهْب بن عَمِيرة، أبو عبد الله الخُزاعي، من ولد عمرو بن لحيّ أول من بحرَ البحيرة، وسيَّب السائبة. ومالك بن الهيثم أحد نُقباء بني العباس في ابتداء دولتهم، وسُوَيقةُ نصرٍ ببغداد تنسب إلى نصر بن مالك. وكان أحمد من كبار العلماء والزهَّاد، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، قوَّالًا بالحقِّ، قتله الواثق في هذه السنة، واختلفوا في سبب قتله، قال الصوليّ: كان أحمد بن نصر وسَهْل بن سلامة حين كان المأمونُ بخراسان بايعا النَّاسَ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن دخلَ المأمونُ بغداد، فترفَّقَ بسهل حتَّى لبس السواد وأخذ الأرزاق، ولزم أحمد بيتَه، ثمَّ اجتمع إليه في آخرِ أيَّام الواثق خلقٌ كثيرٌ يأمرون بالمعروف إلى أن ملكوا بغداد، وتعدَّى رجلانِ من أصحابه يقال لأحدهما: طالب في الجانب الغربي، والآخر أبو هارون في الجانب الشرقي، وكانا موسرين، فبذَلا الأموال، وعزمَا على الوثوب ببغداد في شعبان من هذه السنة، فنمَّ عليهما قوم إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فأَخذَ أحمد بن نصر وأصحابه طالبًا وأبا هارون،

стр. 6772

فقيدهم (١)، ووجد في [منزل أحدهما (٢)] أعلامًا، وضَربَ خادمًا لأحمد بن نصر، [فأقرَّ أنَّ] (٣) الرجلين كانا يأتيان أحمد بن نصر في منزله ليلًا فيعرِّفانه ما فعلا، وكان يصوِّبُ ذلك، فبعثَ بهم إلى الواثق مقيَّدين إلى سُرَّ من رأى فحبسَهم. وقال الطبريُّ: كان أحمدُ بن نصر يغشاه أصحابُ الحديث، كيحيى بن معين وأصحابه، وأبي خيثمة وغيرهما، وكان يظهرُ المباينةَ لمن يقول بخلق القرآن، مع منزلةِ أبيه في دولة بني العباس، ولما شاع عن الواثق القولُ بخلق القرآن كان أحمد يقول عن الواثق: قال هذا الخنزير، وفعل الخنزير، وقال الكافر، ونحو ذلك، وكان يغشاهُ رجلٌ يعرف بأبي هارون السرَّاج، وآخر يقال له: طالب، وآخر من أهل خراسان، واجتمع أصحاب الحديث وغيرهم إليه، وحملوه على إظهارِ الإنكار بخلق القرآن، وتواعدوا على الوثوب ببغداد، طالبٌ في الجانب الغربي وأبو هارون في الجانب الشرقيّ، وفرَّقوا الأموال في الناس، وتواعدوا على الخروج ليلة الخميس لثلاث خلون من شعبان، فلمَّ كان عشية الثلاثاء، جلس جماعةٌ يشربونَ الخمر فثملوا، وظنُّوها ليلة الخميس، فضربوا الطبل، فلم يجبهُم أحد، وكان إسحاق بن إبراهيم غائبًا عن بغداد، وخليقتُه بها أخوه محمد بن إبراهيم، فبعثَ إليهم من سألهم عن القصَّة، فأكثروا، فنمَّ عليهم رجل يقال له: عيسى الأعور، فأخذَهم محمد وقيَّدهم بقيودٍ ثقال، وبعثَ بهم إلى الواثق، وكانوا ستةً (٤)، أحمدُ بن نصر، وأبو هارون، وطالب، والخراساني، وخصيين، فحُمِلوا إلى سامرَّاء على بغال بغير أُكُف، وكان خروجُهم من بغداد يوم الخميس لليلةٍ بقيت من شعبان هذه السنة. ذكر مقتله: قال الصولي: جلس لهم الواثق، وقال لأحمد: دعْ عنك ما أحدثت من الخروج

стр. 6773

على السلطان، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق، قال: أفترَى ربَّك يوم القيامة؟ قال: نعم، كذا وردت الأخبارُ ونطق القرآن، فقال: ويحك يرى كما يُرى الجسمُ المحدود، ويحويه مكان ويحصره الناظر؟! أنا أكفرُ بربٍّ هذه صفته، ثم قال للحاضرين: ما تقولون فيه؟ قال عبد الرَّحمن بن إسحاق -وكان قاضيًا على الجانب الغربي من بغداد ثم عزل-: [هو حلالُ الدَّم] (١)، ووافقه جماعةُ الفقهاء، فأظهر أحمد بن أبي دؤاد الكراهيةَ لقتله، وقال: شيخٌ كبيرٌ مختلٌّ، لعلَّ به عاهة، ويؤخَّر أمره ويستتاب. فقال الواثق: ما أُراه إلا مؤذنًا بالكفر، قائمًا بما يعتقده منه، ودعا بالصَّمصامة، وقال: إذا قمت إليه لا يقومنَّ أحد معي، فإنِّي أحتسبُ خطايَ إلى هذا الكافر، ثم أمرَ بالنِّطع، فجلسَ عليه وهو مقيَّد، وأمرهم بشدِّ رأسِه بحبل، وأمرَهم أن يشدوه (٢)، ومشى إليه فضربَ عنقَه، وأمر بحمل رأسِه إلى بغداد، فنُصِب في الجانب الشرقيِّ أيَّامًا وفي الجانبِ الغربيِّ أيَّامًا، ثم تتبَّع أصحابَه فحبسوا. وقال الطبريُّ: لما حُمِل أحمد وأصحابه إلى سُرَّ من رأى، جلسَ لهم الواثقُ جلوسًا عامًّا، فلما دَخلوا عليه قال له: يا أحمد، ما تقولُ في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أفترى ربَّك يومَ القيامة؟ قال: نعم كذا جاءت الآثارُ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنَّكم لترونَ ربَّكم يوم القيامة" (٣) الحديث، وذكر له أحاديث، فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويلك، انظر ما تقول، قال: أنت أمرتني بهذا، فخاف إسحاق وقال: أنا أمرتك، قال: نعم، أمرتَني أن أنصحَ لأمير المؤمنين، ومن نصحي له ألا يخالفَ حديثَ رسول الله ﷺ ، فقال الواثق: ما تقولونَ فيه؟ فقال عبد الرَّحمن بن إسحاق: هو حلالُ الدم، وقال الأرمنيُّ صاحب ابن أبي دؤاد: اسقني دمه، فقال ابن أبي دؤاد: يحبسُ ويستتاب، وأحمد قد استقتل (٤) وتنوَّر، فدعَا الواثق بالصَّمصامة التي كانت لعمرو بن معد يكرب، وقام ومشى إليه، وضرب على رأسه، ثم ثنى على حبل العاتق، وانتضى

стр. 6774

سيما الدمشقيُّ سيفَه، فضربَ عنقه. وقيل: إنَّ بغا الشرابي ضربَه ضربةً أخرى، وحمل إلى حظيرة بابك، فصلب (١) بها، وقيداه في رجليه، ثم بُعِثَ رأسُه إلى بغداد، فنُصب، وفي أذنه ورقةٌ بخطِّ محمد بن عبد الملك الزيات مضمونها: هذا رأسُ المشرك الضالِّ أحمد بن نصر، قتله الله على يدي هارون الإمام الواثقِ بالله، أمير المؤمنين، بعدَ أن أقام الحجَّة عليه في خلقِ القرآن و [نفي] (٢) التشبيه، وعرض عليه التوبة، فأبى إلَّا المعاندةَ والتصريح بالكفر، والحمدُ لله الَّذي عجَّله إلى ناره وأليم عقابه، وإنَّما قتله أمير المؤمنين لما أصرَّ على كفره. وقال إسماعيل بن خلف: لمَّا قال الواثق لأحمد بن نصر: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله تعالى، قال: كذبت، قال: لا، بل كذبت أنت، فعلقت بعنقه، فقال: جُرُّوه، فجرُّوه، فقطَعوا رأسَه. والمشهورُ أنَّ الواثق قتله بيده، وساعده سيما الدمشقيّ، وهرثمة، وصلبَه إلى جانب بابك، وبعثَ برأسه إلى بغداد، فنصبَه، فأقام ستَّ سنين، ثم حُطَّ، وجمعوا بين رأسه وجسده، ودفن بالجانب الشرقي من بغداد في المقبرة المعروفة بالمالكية، يوم الثلاثاء لثلاثٍ خلونَ من شوال سنة سبع وثلاثين ومئتين (٣). وقال إبراهيم بن إسماعيل بن خلف: كان أحمد بن نصر خِلِّي، فلمَّا قتل في المحنة وصُلِبَ رأسُه أخبرتُ أنَّ الرأسَ يقرأُ القرآن، فمضيتُ فبتُّ بقرب الرأس، وعنده رجَّالةٌ وحرسٌ يحفظونَه، فلمَّا هدأتِ العيون سمعت الرأس تقرأ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، فاقشعرَّ جلدي، ثم رأيتُه بعد ذلك في المنام وعليه السندسُ الأخضر والإستبرق، وعلى رأسه تاج، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأدخلني الجنَّة، إلَّا أنِّي كُنْتُ مغمومًا منذ ثلاثة أيام، قلت: ولم؟ قال: مرَّ بي رسولُ الله ﷺ ، فلمَّا وصلَ إلى خشبتي حوَّل وجهَه عنِّي، فقلت: يا رسولَ الله. قُتِلْتُ على حقٍّ أم على باطل؟ قال: على الحق، قلت: فلم حَوَّلتَ وجهَك عنِّي؟ قال: قتلكَ

стр. 6775

رجلٌ من أهل بيتي، فلمَّا بلغتُ إليك استحييتُ منك (١). وقال أبو بكر المطوعيّ: لما جيء برأس أحمدَ بن نصر إلى بغداد صَلبوه على الجسر، فكانت الريحُ تديره قِبَلَ القبلة، فأقعدوا رجلًا معه رمحٌ يردُّه به إلى غير القبلة (٢). وكان قتله يوم السبت غُرَّة رمضان، وله ثمانون سنة، وقيل: نيف وسبعون سنة. وقال الخطيب: رُؤي في المنام، فقيل له: ما فَعلَ الله بك؟ فقال: ما كانت إلا غفوةٌ حتَّى لقيتُ الله ينظرُ إليَّ (٣). وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: رحمَ اللهُ أحمدَ بن نصر، ما كان أسخاه، لقد جادَ بنفسه. وقال ابنُ معين: نَادى الواثقُ بعد مقتل أحمد بن نصر: من قال بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ، وأنَّ الله لا يرى، فله ديناران. وقال أحمد بن نصر: رأيت مجنونًا قد صُرِعَ، فقرأتُ في أذنه، فنادتني جنيَّته من جوفه: يا أبا عبد الله، دعني أخنقُه، فإنَّه يقول: إنَّ القرآنَ مخلوق (٤). وقال أبو العباس بن سعيد المروزي: لمَّا ولي المتوكِّلُ الخلافةَ جلسَ ودخلَ عليه عبدُ العزيز بن يحيى المكيّ فقال: يا أمير المؤمنين، ما رُؤي أعجب من أمر الواثق، قتلَ أحمد بن نصر، وكان لسانُه يقرأ القرآن إلى أن دُفِن، فوجدَ المتوكِّل من ذلك، وساءَه ما سمعَه في أخيه، إذ دخلَ عليه محمد بن عبد الملك الزَّيَّات، فقال له: يا ابنَ عبد الملك، في قلبي من قتلِ أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين، أحرقني الله بالنَّار إن كان قتلَهُ الواثقُ إلَّا كافرًا. ودخل هرثمة، فقال له المتوكل مثلَ ذلك، فقال: قطَّعني اللهُ إربًا إربًا إنْ كان قتلَهُ الواثقُ إلَّا كافرًا، ودخل عليه أحمدُ بن أبي دؤاد، فقال له المتوكل مثلَ ذلك، فقال: ضَرَبني الله بالفالج إنْ كان قتلَه الواثقُ إلَّا كافرًا، قال

стр. 6776

المتوكِّل: فأمَّا ابنُ الزيَّات، فأنا أحرقتُه بالنار، وأما هرثمةُ فإنَّه هربَ فاجتازَ بقبيلة من خزاعة، فقطَّعوه إربًا إربًا، وأما ابنُ أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده (١). أسند أحمدُ بن نصر عن مالك بن أنس وحمَّاد بن زيد وهُشَيم بن بَشير وغيرهم، وروى عنه ابنُ معين ويعقوب وأحمد ابنا إبراهيم الدورقيّ في آخرين. أحمد بن حاتم أبو نصر النحوي كان عالمًا فاضلًا أديبًا، صنَّف كتبًا كثيرة، منها كتاب "الشجر" و "الزرع والنخل" و "الإبل" و "الخيل" و"ما يَلْحَنُ فيه العامة" وغير ذلك. وكان الأصمعيُّ يقول: لا يصدق عليَّ أحدٌ إلا أحمدُ بن حاتم. حدَّث عن أبي عمرو بن العلاء وغيره، وروى عنه إبراهيم الحربيُّ وغيره، وتوفي ببغداد، وكان صدوقًا ثقةً (٢). علي بن محمد بن عبد الله ابن أبي سيف المدائني، أبو الحسن، صاحب [التصانيف، مولى] (٣) عبد الرحمن بن سمرة، البصريُّ، العالمُ الفاضل، الصدوقُ الثقة، وكتابُه أحسنُ الكتب، ومنه أَخذ الناسُ تواريخَهم. وقال الخطيب: كان من الثقات وأهل الخير، سَرَدَ الصوم قبل موته ثلاثين سنة (٤). وقال أحمد بن يحيى النحويّ: من أرادَ أخبارَ الجاهلية، فعليه بكتب [أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام، فعليه بكتب] (٥) المدائني. وقال القاضي التنوخيُّ: صنَّف المدائنيُّ كتابًا سماه كتاب المتيَّمين، وحكى فيه أن رجلًا من بني أسد علق امرأة من همدان بالكوفة، وشاع أمرهما، فوضعَ أهلُ المرأة

стр. 6777

العيونَ عليها، فلمَّا دخلَ منزلها أحاطوا به، وكانت المرأة بادنةً، فأدخلته بين ثوبها وظهرها، ولصق بها، وهي قاعدة، فلم يروه، ودخلوا البيت، فطافوا، فلم يجدوا شيئًا، وهي تعنِّفُهم حتَّى انصرفوا، والرجل يقول: [من الطويل] مكانكِ حتَّى تنظري عمَّ تنجلي … غمامةُ هذا البارق المتألِّقِ (١) وهذا البيت من الحماسة وأول الأبيات: أقولُ لنفسي حين خَوَّدَ رَأْلُها … مكانَكِ لمَّا تُشفقِي غير مشفقِ (٢) وكوني مع التالي سبيلَ محمدٍ … وإنْ كَذَبَتْ نفسُ المقصِّر فاصدُقي لعمرُك ما أهلُ الأقيداع (٣) بعدما … بلغنا ديارَ العِرْضِ عنَّا (٤) بمخلقِ نقاتلُ عن (٥) أبناء بكر بن وائل … كتائبَ تَرْدِي في حديدٍ وَيلْمَقِ إذا قال سيفُ الله كُرُّوا عليهم … كررنا ولم نحفلْ بقولِ المُعَوِّقِ (٦) وقال المدائني: هوي بعضُ المسلمين جاريةً بمكَّة، فراودها عن نفسها، فامتنعت عليه، فأنشدها: [من الطويل] سألتُ عطا (٧) المكيَّ هل في تعانق (٨) … وقبلةِ مشتاق الفؤادِ جناحُ فقال معاذَ الله أن يُذهبَ التُّقى … تلاصقُ أكبادٍ بهن جراحُ

стр. 6778

فقالت: أنتَ سمعته يقول هذا؟ قال: نعم، قالت: إياك أنْ تتعدى ما أمرك به عطاء. مات المدائنيُّ ببغداد في منزل إسحاق الموصلي في هذه السنة، وقيل: ماتَ في سنة أربعٍ أو خمسٍ وعشرين ومئتين، والأوَّل أشهر، وأتت عليه ثلاثٌ وتسعون سنة (١). محمد بن سلَّام بن عبيد الله بن سالم أبو عبد الله البصريُّ، مولى قدامة بن مظعون، صنَّفَ كتاب "طبقات الشعراء"، وهو أخو عبد الرَّحمن بن سلام، وكانا من أهل الفضل والأدب. وقال الحسين بن الفهم: قدمَ علينا محمدُ بن سلَّام بغداد سنة اثنتين وعشرين (٢)، فاعتلَّ علَّةً شديدةً، فما تخلَّف عنه أحد، وأهَدى إليه الأجلَّاءُ أطباءَهم، وكان ابنُ ماسويه ممَّن أُهدِيَ إليه، فلمَّا جسَّ نبضَه قال: ما أرى بك من العلَّة مثل ما أرى بك من الجزع! فقال: والله ما ذاك لحرصٍ على الدنيا مع اثنتين وثمانين سنة، ولكنَّ الإنسان في غفلة حتَّى يُوقظ بعلَّةٍ، ولو وقفتُ وَقْفَةً بعرفات، وزُرت قبرَ رسول الله ﷺ زورةً، وقَضيتُ أشياءَ في نفسي، أسهل عليَّ ما اشتدَّ من هذا، فقال له ابنُ ماسويه: لا تجزع، فقد رأيت في عروقك من الحرارة الغريزية وقوَّتها (٣) ما إن سلَّمكَ الله من العوارض بلَّغك عشر سنين أخرى. فوافق كلامُه قَدَرًا، فعاش محمدٌ بعدَ ذلك عشرَ سنين. ومات في سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين. وقال الفضل بن الحُباب: ابيضَّت لحيةُ محمد بن سَلَّام ورأسُه وله سبعٌ وعشرون سنة، وسمعتُه يقول: أفنيتُ ثلاثةَ أهلين، تزوَّجتُ وأطفلتُ فماتوا، ثم فعلتُ مثلَ ذلك فماتوا، ثمَّ فعلتُ الثالثة فماتوا، وها أنا ذا في الرابعة ولي (٤) أولاد، وكانت وفاته ببغداد. أسندَ عن حماد بن سَلَمة وغيره، وروى عنه عبد الله بن الإمام أحمد وغيره، وهو

стр. 6779

الَّذي رَوَى أنَّ إسلامَ جرير كان بعد نزولِ المائدة، وعامَّةُ المحدِّثين على صدقِه وثقتِه، إلَّا أنَّ أبا خيثمةَ قال: كان يُرْمَى بالقدر (١). محمد بن يحيى بن حمزة قاضي دمشق وابن قاضيها، وليَ قضاءَها مدَّة المأمون وبعضَ خلافة المعتصم. وهو كان سببَ الفتنة بين القيسية واليمانية، كانت لمحمد بن بيهس بنتٌ، فخطَبها جماعةٌ من أكفائها، فامتنعَ أبوها من تزويجها، فأرسلت إلى القاضي تشكو أباها، فزوَّجَها القاضي على كرهٍ من أبيها، وكان القاضي يسكنُ بيت لِهْيا، فجمعَ محمد بن بيهس القيسيَّة لهدمِ بيت لِهْيا، وجمع القاضي اليمانية، وامتنعَ بهم، فنشبت الحربُ بينهم خمسَ عشرة سنة، حتَّى وصل عبدُ الله بن طاهر إلى دمشق، ولما عادَ من مصر أخذَ ابنَ بيهس معه إلى بغداد، فسكنت الفتنة (٢). مخارق المطرب أبو المهنَّا، قدمَ دمشق مع المأمون، وحكى عنه وعن الرشيد والمعتصم وغيرهم، وقال: خدمتُ إبراهيمَ المَوْصليَّ مدَّةً، وقلت له يومًا: ألا توصلني إلى الرشيد، قال: بلى، فأوصلني إليه، وكان الرشيدُ يضربُ بينه وبين المغنيِّن ستارةً، فغنَّى ابنُ جامع وغيره، فما طرب (٣)، فغنَّيتُ فقطعَ الستارة وخرج، فقال: يا غلام إلى هاهنا فأقعدني معه على السرير (٤) وأعطاني ثلاثينَ ألف درهم، ثمَّ أضعفَها لي المأمون. وقال: خرجَ المأمونُ يومًا وأنا عنده، فقال: يا مخارق غَنِّ بهذين البيتين، فغنيت بهما، وهما: [من الطويل]

стр. 6780

وما اسطعتُ توديعًا لها بسوى البُكا … وذلك جهدُ المستهامِ المعذَّبِ سلامٌ على من لم يُطِق عند بينه … سلامًا فأومى بالبنان المخضَّبِ فجعلَ يبكي بكاءً شديدًا، فلما هدأ قلت: يا أمير المؤمنين، لا أبكى الله عينيك، يا أمير المؤمنين، ما لك؟ قال: دخلتُ إلى بعض المقاصير، فرأيتُ جاريةً كُنْتُ أحبُّها حبًّا شديدًا وهي تموت، فسلَّمتُ عليها، فلم تطقْ ردَّ السلام، فأشارت بإصبعها. توفي مخارق بسُرَّ من رأى. يوسف بن يحيى أبو يعقوب، البُوَيطيُّ، وبويط قرية [كان لأبي يعقوب من الشافعيِّ منزلة] (١)، وربما سأله رجل مسألة فيقول: سَلْ أبا يعقوب. وقال الشافعيُّ: ما رأيت أحدًا أَنْزَعَ (٢) بحجَّةٍ من كتاب الله مثل البويطيّ، والبويطيُّ لساني. ولمَّا مات الشافعيُّ (٣) تنازعَ محمدُ بن الحكم والبويطيُّ في الجلوس موضعَه، حتَّى شهد الحميديُّ على الشافعي أنَّه قال: البويطيُّ أحقُّ بمجلسي من غيره، فأجلسوه مكانه. وأخبره الشافعيُّ أنَّه يُمتَحن ويموتُ في الحديد، وكان كما قال، وكان فقيهًا زاهدًا عابدًا، ما كان تأتي عليه ساعةٌ من ليلٍ أو نهار إلَّا يقرأ أو يصلِّي، وكان أبدًا يحرك شفتيه بذكر الله تعالى. وقال الربيع بن سليمان: رأيتُ البويطيَّ على بغلٍ، وفي رقبته غُلٌّ، وفي رجليه قيدٌ، وبين الغُلِّ والقيد سلسلةُ حديدٍ فيها طوبة وزنها (٤) أربعون رطلًا، وهو يقول: إنَّما خلقَ الله الخلق بـ: "كن"، فإذا كانت "كن" مخلوقة كأنَّ مخلوقًا [خلق مخلوقًا]، ووالله

стр. 6781

لأموتنَّ في حديدي هذا حتَّى يأتيَ من بعدي قومٌ يرونَ أنَّه قد ماتَ في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أُدخِلتُ إليه لأصدقنَّه، يعني الواثق. فأودع السجن بسرَّ من رأى (١)، وكان قد حُمِلَ من مصر، فماتَ في الحبس في رجب، ودُفِن بحديده. وقيل: تأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وثلاثين (٢)، وهو وهم. أخذ العلمَ عن الشافعيِّ رحمة الله عليه وغيره، وجمعَ بين العلم والتقوى، والسُّنَّةِ والعبادة، وروى عنه الأئمَّة. وقال الربيع بن سليمان: كتبَ إليَّ من السجن: إنَّه ليأتي عليَّ أوقاتٌ لا أحسُّ بالحديد حتَّى تمسَّه يدي، فأحسن خُلُقَكَ مع أهلك (٣)، واستوصِ بالغرباء خيرًا؛ فكثيرًا ما كُنْتُ أسمعُ الشافعيَّ ﵀ يقول (٤): [من الطويل] أهينُ لهم نفسي لكي يكرمونَها … ولا تُكْرَمُ النفس التي لا تُهينُها (٥) * * *

стр. 6782

السنة الثانية والثلاثون بعد المئتين فيها (١) كتبَ الواثقُ إلى بُغا الكبير وهو بالحجاز أنْ يسيرَ إلى بني نمير فيوقِعَ بهم. وسببُ ذلك أنَّ عُمارة بن عُقَيل بن بلال بن جرير بن الخطفى الشاعر قدم على الواثق، وامتدحَه بقصيد امتدحَه فيها، فأمر له بثلاثين ألف درهم، فقال له عمارة: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ بني نمير قد أفسدُوا أرضَ الحجاز وتهامة بالغارات، فكتبَ إلى بغا يأمرُه بقتالهم، فخرجَ من المدينة ومعه محمد بن يوسف الجعفري يدلُّه على الطريق، فقصدَ اليمامةَ، فصادفَ جماعةً منهم، فحاربوه وحاربهم، فقَتَلَ منهم نيِّفًا وخمسين رجلًا، وأَسَرَ منهم نحوًا من أربعين رجلًا، ثمَّ سَارَ إلى اليمامة، فنزلَ بقريةٍ من أعمالها، وبعث إليهم يعرضُ عليهم الأمانَ، وهم يشتمون رسله، وآخر من بعث إليهم رجلين؛ أحدهما من بني تميم، والآخر من بني نمير، فقتلوا التميميَّ وأثبتوا النميريَّ جراحًا، فسار إليهم غُرَّةَ صفر، ثمَّ أرسلَ إليهم أن ائتوني، فامتنعوا، وصعدوا جبال اليمامة، فبعثَ إليهم سرايا، فأسرَتْ منهم، ثمَّ إنَّه أتبعَهم بألف رجل، فالتقوا بمكان يقال له روضة الأبار (٢)، وقد حشدوا له في ثلاثة آلاف، فاقتتلوا. وقيل: إنَّما اقتتلوا في بطن السن (٣)، وهو على مرحلتين من القرنين (٤)، فهزموا أصحابَ بُغا، وقتلوا منهم نحوًا من مئة، وعقروا من إبل العسكر نحوًا من سبع مئة بعير ومئة دابة، وانتهبوا الأثقال، وجاء بُغَا إليهم، وحال بينهم الليل، فجعل يناشدُهم الله والرجوع إلى الله، وجعلَ محمد بن يوسف الجعفريّ يكلمُهم بذلك، فقالوا: يا محمد، قد والله ولدناك، فما راعيتَ حرمةَ الرحم، ثم جئتنا بهؤلاء العبيد والعلُوج تقلقنا (٥) بهم، والله لنرينَّك بهم العبر.

стр. 6783

فلمَّا دنا الصبحُ قال محمدٌ لبُغَا: ناجزهم قبكَ أن يضيء الصبح فيروا قلَّة عددنا، فيتجبروا (١) علينا، فأبى عليه بغا، فلمَّا طلعَ الصبحُ ورأوا قلَّة الَّذي جاء مع بغا حملُوا عليهم، فهزموهم، فأيقنَ بغا بالهلاك، [وكان بغا] قد بعث من أصحابه نحوًا من مئتي فارس إلى [خيلٍ] (٢) لبني نمير، فبينا هو على الهلكة، إذا بهم قد عادوا، فوجدوه في تلك الحال، فضربوا البوقات، وحَملوا على بني نمير، فظنوهم كمينًا، فانهزموا، ولم يفلت من رجَّالتهم أحد، وأمَّا فرسانُهم فهربوا إلى الجبال. وقيل: إنَّ الهزيمةَ لم تزل على بُغا منذ غدوة إلى انتصاف النهار، وذلك في جمادى الآخرة، ثم تشاغلوا بالنهب، فكرُّوا عليهم فهزموهم، وقتلوا منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمس مئة رجل، ثمَّ أقامَ بغا بموضع الوقعة ثلاثةَ أيَّام، حتَّى جُمعت له رؤوسُ بني نمير، وأرسل من هرب من فرسانهم يطلبونَ الآبيان، فأمَّنهم، وجاؤوا فقيَّدهم وأشخصهم معه، فبينا هم في الطريق إذ حاولوا كسرَ قيودهم ليهربوا، فأحضروا واحدًا واحدًا، وضربه أربع مئة سوط إلى خمس مئة، ثمَّ أقام بحصن الأبار (٣) يرسلُ إلى القبائل ويستصلحهم، وبثَّ سراياه خمسةَ أشهر، وأخذ منهم ثمان مئة رجل من البطون، فأوثقهم بالحديد، وحملَهم إلى البصرة، فدخلها في ذي القعدة هذه السنة، وكتب إلى صالح العباسيّ والي المدينة أن يسير بمن [سُجن في] (٤) الحبسين في المدينة من بني كِلَاب وغيرهم، وأن يلحق بهم، فوافاه بهم ببغداد، ثمَّ ساروا جميعًا إلى سرَّ من رأى، فكانت عدَّةُ من قَدِمَ به بُغا وصالح من الأعراب سوى من مات وقتل زُهاء ألفي رجلٍ ومئتي رجل من جميع القبائل والبطون. و [فيها] (٥) حَجَّ بالناس محمد بن داود. وأصابَ الحاجَّ في رجوعهم عطشٌ شديدٌ، وبلغت الشربةُ دنانير (٦)، ومات خلقٌ كثير.

стр. 6784

وفيها ولَّى الواثق محمدَ بن إبراهيم بن مصعب بلاد فارس. وفيها كثرت الزلازل في الدنيا، خصوصًا المغرب والشام، وانهدمت حيطانُ دمشق، ومات خلقٌ كثيرٌ، وكذا بحمص وأنطاكية، وكان أشدُّها في أنطاكية والعواصم، ثمَّ امتدَّت إلى الجزيرة، وأخربت بلادها والمَوْصل ودامت أيامًا. وفيها مات الواثقُ وبويع المتوكِّلُ. الباب العاشر في خلافته (١) واسمه جعفر بن محمد المعتصم (٢) بن الرشيد، وهو أخو الواثق لأبيه، وكنيته أبو الفضل، وأمّهُ شُجاع أم ولد خُوَارِزميَّة، وقيل: تركية، ولد بفم الصّلح سنة سبع، وقيل: سنة خمس ومئتين، وكان أسمر نحيفًا، خفيف العارضين، مليح العينين، ربعة [وقال ابن أبي دؤاد: رأيت المتوكل وهذه صفته]، ولا يعرفُ خليفةٌ صار جدًّا قبل أن يبلغَ ثلاثين [سنةً] إلا المتوكِّل، ولا تُعْرَفُ امرأةٌ ولدتْ خليفةً وصار جدًّا وله ثلاثةُ أولادٍ ولاةُ العهود إلَّا شجاع [الخوارزمية، وهي أمه كما ذكرنا]، وكانت [قد] (٣) عُرِضَت على المعتصم في زيِّ غلامٍ عليه قَبَاءٌ وقَلَنْسُوة، فأعجبته ظنًّا منه أنَّها غلام فقيل له: إنَّها جارية، فقال: ذاك أعجبُ إليَّ فاشتراها. ولمَّا مات (٤) الواثقُ اجتمعَ وصيفٌ التركيّ، وأحمدُ بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبد الملك الزيَّات، وأحمد بن خالد المعروف بأبي الوزير، وعمر بن فرج، فعزمَ أكثرُهم على توليةِ محمد بن الواثق، وكان ابن الزيَّات أميلَهم إليه؛ كراهة للمتوكل، فأحضروه وهو غلامٌ أمرد قصير، فقال ابن أبي دؤاد: ما تتقونَ الله، تولون مثل هذا الخلافة على المسلمين؟! فأرسلوا بغا الشرابيَّ إلى المتوكل فأحضره، فقام ابنُ أبي دؤاد فألبسه الطَّويلة والدرَّاعة، وعمَّمه، وقبَّل ما بين عينيه، وقال: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين

стр. 6785

ورحمةُ الله وبركاته، ثم غُسِّلَ الواثق، وصلَّى عليه المتوكل ودُفِن (١). وقال سعيد الصغير (٢): رأى المتوكِّلُ في منامه كأن سكَّرًا سليمانيًّا يسقطُ عليه من السماء، مكتوبٌ عليه: جعفر المتوكل على الله، فلمَّا صلَّى على الوائق، قال محمد بن عبد الملك الزيات: نسمِّيه المنتصر، وخاضَ الناسُ في ذلك، فحدَّثَ المتوكلُ أحمدَ بن أبي دؤاد ما رأى في منامه، فوجده موافقًا، فأُمضي، وكتب إلى الآفاق. وقيل: إنَّهم بعد ذلك صاروا إلى دار العامة، فبايعوه حتَّى زالت الشمس حينئذ، وذلك يوم الأربعاءِ لستٍّ بقينَ من ذي الحجة، وسنُّه يومئذٍ ستٌّ وعشرون سنة، وكتب له بالبيعة محمدُ بن عبد الملكِ، وهو يومئذٍ على ديوان الرسائل (٣). قال الصوليّ: لمَّا جاءه بُغَا الشرابيّ احترزَ ابنُ أبي دؤاد لدنياه، فلم يبق مجهودًا، فجاءه من الله ما لم يكن في حسابه، مات عدوُّه ابنُ الزيَّات في صفر سنة ثلاث وثلاثين، وحكم على الخلافة. [وروى الخطيبُ عن عليِّ بن الجهم قال:] (٤) وَجَّه إليَّ المتوكِّلُ فأتيتُه، فقال: يا عليّ، رأيتُ النبي ﷺ في المنام، فقمتُ إليه فقال: تقومُ إليَّ وأنت خليفة؟ فقلت له: أبشر، أمَّا قيامُك إليه فقيامك بالسنَّة، وقد عدَّك من الخلفاء. فسرَّ بذلك (٥). وفيه يقول فضل الشاعر (٦): [من السريع] استقبل المُلكَ إمامُ الهدى … عامَ ثلاثٍ وثلاثينا خلافةٌ أفضتْ إلى جعفر … وهو ابنُ ستٍّ (٧) بعد عشرينا إنَّا لنرجو يا إمامَ الهدى … أن تملكَ الناسَ ثمانينا

стр. 6786

لا قدَّسَ الله امرءًا لم يَقل … عند دُعَائي لكَ آمينا فأمر له بأربعين ألفًا (١). ومن العجائب أنَّه سلَّم على المتوكِّلِ بالخلافة ثمانيةٌ كلُّهم ابنُ خليفة؛ منصور بن المهدي، والعباس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرشيد، وعبد الله بن الأمين، وموسى بن المأمون، وأحمد بن المعتصم بن الرشيد، ومحمد بن الواثق، والمنتصرُ بن المتوكِّل (٢). وفيها توفي حبيبُ بن أوس ابن الحارث بن قيس، أبو تمَّام الطائيّ، وأصله من قرية جَاسِم بحَوْرَان، وهي التي يقول عديُّ بن الرقاع فيها: [من الكامل] وكأنَّها وسط النساء أعارها (٣) … عينيه أحورُ من جَآذِر جاسمِ وسنَانُ أقصدَهُ النعاسُ فرنَّقت … في عينه سِنَةٌ وليسَ بنائمِ (٤) ولد سنة ثمانٍ وثمانين ومئة، وقيل: سنة تسعين ومئة بناحية مَنْبج، وبها نشأ، ومدح الخلفاء والوزراء، وكان أسمر طوالًا، حلو الكلام فصيحًا، فيه تمتمةٌ يسيرةٌ، وعقلُه أوفرُ من شعوه، وكان أبوه نصرانيًّا خمَّارًا بدمشق، واسمه تدوس فغُيِّرَ بأوس (٥). وكان بمصر في حداثة سنِّه يسقي الماءَ في المسجد الجامع، ثمَّ جالسَ الأدباء، وأخذ عنهم وتعلَّم منهم، وكان فَطِنًا يحبُّ الشعر، فلم يزل يُعانيه حتَّى قاله فأجاد فيه، وبلغ المعتصم خبرُه فطلبَه، فحُمِل إليه وهو بسُرَّ من رأى، فمدحه بقصائد، فأجازَه وقدَّمه على شعراء زمانه، وقدم بغداد، فجالسَ بها العلماء، وكان ظريفًا حسن

стр. 6787

الأخلاق كريم النفس (١)، فأقرَّ له الشعراءُ بالفضل والتقدُّم. وقال عليُّ بن الجهم: كان الشعراءُ يجتمعون في كل جمعة في القبَّة المعروفة بهم بجامع المنصور ببغداد، فيتناشدون الأشعار، ويعرض كلُّ واحدٍ ما أحدثَ من القول، فبينا أنا في بعض الجُمَع، ودِعبل وأبو الشيص وابن أبي فَنَن، والناسُ يسمعونَ إنشادَ بعضنا لبعض، أبصرتُ شابًّا في أُخريات الناس جالسًا في زيِّ الأعراب، فلمَّا قطعنا الإنشاد قال لنا: قد سمعتُ إنشادكم منذ اليوم، فاسمعوا إنشادي، وأنشد قصيدة يقول في أوَّلها: [من البسيط] فَحْواك عينٌ على نَجواك يا مَذِلُ … حتَّام لا ينقضي من قولك الخَطِلُ (٢) ما أقبلَتْ أوجُهُ اللذَّات سافرةً … مُذْ أدبرَت باللِّوى أيامُنَا الأُوَلُ إنْ شئتَ أن لا ترى صبرًا لمصطبرٍ … فانْظُر على أيِّ حالٍ أصبحَ الطَّلَلُ كأنَّما جادَ مغناهُ فغيَّره … دموعُنا يومَ بانُوا وَهْيَ تنهملُ ولو ترانا وإيَّاهم وموقِفَنا … في مأتم البين لاستِهلالنا زَجَلُ من حُرْقَةٍ أطلقتها فُرقَةٌ أسرَتْ … قلبًا ومن عذله في إثره عَذَلُ (٣) ثم مرَّ فيها حتَّى بلغ قولَهُ: تغايرَ الشِّعر فيه إذ سهرتُ له … حتَّى ظَننتُ قوافيه ستَقتتلُ وأنشدَها (٤)، فقلنا: زدنا، فأنشد: [من الكامل] دمنٌ ألمَّ بها فقال سلامُ … كم حَلَّ عقدةَ صبرِه الإلمامُ (٥) فأنشدها إلى آخرها، فقلنا: لمن هذا الشعر؟ فقال: لمن أنشدَكُموه، فقلنا: ومن أنت؟ قال: أبو تمام حبيب بن أوسٍ الطائيّ، فقال له أبو الشِّيص: تزعمُ أنَّ هذا الشعر

стр. 6788

لك وأنت تقول: تغايرَ الشعرُ فيه إذ سهرتُ له فقال: نعم لأنِّي سهرتُ في مدحِ ملك، ولم أسهر في مدح سُوقة، فعرفناه ولم نزل نتهادَاه بيننا، وجعلناه كأحدنا، واشتدَّ إعجابُنا به لظرفه وكرمه، وحسن عشرته، وجودة شعره (١). وقال الحسين بن إسحاق، قلت للبحتريِّ: الناسُ يَزعُمون أنَّك أشعرُ من أبي تمَّام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول، ولا يضرُّ أبا تمَّام، والله ما أكلتُ الخبزَ إلَّا به (٢). وقال سَوّار بن أبي شُرَاعة (٣) للبحتريّ: أنتَ أشعرُ أم أبو تمام؟ فقال: لا والله، ذاك الرئيسُ المقدَّم الأستاذ، والله ما أكلنَا الخبز إلَّا به، وكان المبرِّدُ حاضرًا، فقال له: يا أبا عبيدة تأبى إلَّا شرفًا من جميع الوجوه. فقال له البحتريُّ: كان أبو تمام يجلسُ بحمص فيجتمع إليه الشعراء فيعرضونَ عليه قصائدَهم، فقدمت إليه وعرضت عليه قصيدًا، فأصغى إليَّ دونَهم، فلمَّا انصرفوا قال: أنت أشعرُ مَنْ (٤) أنشدني، كيف حالك؟ فشكوتُ إليه قلَّةً وحاجة، فكتب لي كتابًا إلى أولاد المعرَّة (٥) فأكرموني ودفعوا إليَّ أربعةَ آلاف درهم (٦). وقال سعيدُ بن جابر الكَرْخِيّ: [حدثني أبي قال:] (٧) حضرنا يومًا عند أبي دُلَفْ القاسم بن عيسى ومعنا أبو تمام، فأنشده قصيدته التي يقولُ في أولها: [من الطويل] على مثلها من أَرْبُعٍ وملاعبِ … أُذيلَتْ مصُوناتُ الدموعِ السَّوَاكبِ

стр. 6789

فلمَا بلغ قوله: إذا افتخرتْ يومًا تميمٌ بقوسِها … فخارًا على ما نلت من مناقبِ (١) فأنتم بذي قارٍ أمالتْ سيوفُكُم … عروشَ الذين استرهَنُوا قوسَ حاجبِ محاسنُ من مجدٍ متى يَقْرِنُوا بها … محاسنَ أقوامٍ تَكُنْ كالمعايبِ مكارمُ لجَّت في العيون (٢) كأنَّما … تحاولُ ثأرًا عند بعض الكواكبِ قال أبو دلف: يا معاشر ربيعة، والله ما مُدِحتم بمثل هذا قط، فما عندكم لقائله؟ فبادروه مطارفَهُم يرمونَ بها إليه، فقال أبو دُلَف: قد قَبِلها وأعاركم إيَّاها فالبسوها، وسأنوبُ عنكم في ثوابه، وأمر له بخمسين ألفًا، وقال: والله ما هي بإزاء استحقاقك وقدرك، فاعذر، فقام أبو تمام ليقبِّلَ يده، فأقسمَ عليه أبو دُلَفٍ بأن لا يفعل، ثمَّ قال له: أنشدني قولك في محمد بن حميد فأنشد: [من الطويل] كذا فليجلَّ الخطب وليفدحِ الأمرُ … فليس لعينٍ لم يَفِضْ ماؤُها عُذْرُ تُوفِّيتِ الآمالُ بعد محمَّدٍ … وأصبحَ في شُغْل عن السَّفر السَّفْرُ وما كان إلَّا مال من قلَّ مالُه … وذخرًا لمن أمسى وليس لهُ ذُخْرُ فأَثْبَتَ في مستنقعِ الموت رِجْلَهُ … وقال لها من تحتِ أَخْمصِكِ الحشرُ تردَّى ثيابَ الموتِ حُمْرًا فما أتى … لها الليلُ إلَّا وهي من سُنْدُسٍ خُضْرُ وقد كانت البيضُ المآثيرُ في الوغى … بواترَ وهي الآن من بعده بُتْرُ أَمِنْ بعد طيِّ الحادثاتِ محمَّدًا … يكونُ لأثوابِ الندى أبدًا نَشْرُ سقى الغيثُ غيثًا وارت الأرضُ شخصَه … وإن لم يكنْ فيه سحابٌ ولا قَطْرُ وكيف احتمالي للسَّحاب صنيعةً … بإسقائها قبرًا وفي لحدِه البحرُ مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقَ بقعةٌ … غداةَ ثَوى إلَّا اشتهت أنَّها قبرُ ثَوى في الثَّرى من كان يحيى به الثَّرى … وَيغْمُرُ صَرْفَ الدهرِ نائلُه الغَمْرُ

стр. 6790

عليكَ سلامُ الله وَقْفًا فإنَّني … رأيت الكريمَ الحرَّ ليس له عُمْرُ وما ماتَ حتَّى ماتَ مَضْرِبُ سيفه … من الضَّرب واعتلَّتْ عليه القَنا السُّمْرُ وقد كان فوتُ الموتِ سهلًا فردَّهُ … إليه الحِفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ غدا غدوةً الموت (١) نسجُ ردائه … فلم ينصرفْ إلَّا وأكفانُه الأَجرُ كأنَّ بني نبهانَ يومَ وفاته … نجومُ سماءٍ خَرَّ من بينها البَدْرُ يُعَزَّوْنَ عن ثاوٍ يُعزَّى به العُلى … ويبكي عليه الجود والبأس والشِّعرُ (٢) فقال أبو دلف: والله لودِدْتُ أنَّها قيلت فيَّ، فقال أبو تمَّام: لا بل أفدي بنفسي الأمير، وأكونُ المقدَّم قبلَه، فقال أبو دُلَف: إنَّه لم يمتْ من رُثِي بمثل هذا الشعر. ودخل أبو تمَّام على الحسن بن رجاء مادحًا له فأنشده: [من الكامل] عادتْ له أيَّامُه مُسوَدَّةً … حتَّى توهَّم أنَّهنَ ليالي أضحى سَمِيُّ أبيكَ فيه مُصَدَّقًا … بأجلِّ فائدةٍ وأيمنِ فالِ ورأيتَني فسألتَ نفسَك سَيبَها … لي ثُمَّ جُدْتَ وما انتظرتَ سؤالي كالغيثِ ليس له أُريدَ غمامُه … أو لم يُرَدْ بدٌّ من التَّهطالِ لا تُنْكِري عَطَلَ الكريمِ من الغِنَى … فالسيلُ حَربٌ للمكانِ العالي وترقَّبي (٣) خَبَبَ الرِّكابِ يَنُصُّها … محيي القريضِ إلى مميتِ المالِ بسطَ الرجاءَ لنا برغمِ نوائبٍ … كَثُرتْ بهنَّ مَصَارعُ الآمالِ فقام الحسن قائمًا وقال: واللهِ لا أتممتَها إلَّا وأنا قائمٌ، فأتمَّها وهو قائم، فقال له الحسن: ما أحسن ما جَلوتَ هذه العروس، فقال أبو تمام: لو كانتْ من الحورِ العين لكان قيامُك لها أوفى مَهرها، فأعطاهُ الحسنُ عشرينَ ألفًا، على بخلٍ كان فيه. وقال يحيى بن أبي عبَّاد: شهدتُ أبا تمام وهو ينشدُ إبراهيم بن المعتصم (٤) قصيدتَه

стр. 6791

التي يقول في أولها: [من الكامل] ما في وقوفِكَ ساعةً من بَاسِ … يقضي ذِمَامَ الأربعِ الأدراسِ فلعلَّ عينَك أن تُعينَ بمائها … والدمعُ فيه خاذلٌ ومواسِي إقدامُ عمرٍو في سماحة حاتمٍ … في حلمِ أحنفَ في ذكاءِ إياسِ فقال محمد بن يوسف الكنديّ: قدرُ الأمير فوقَ ما وصفت، فأطرقَ أبو تمَّام ساعةً ورفع رأسه وقال: لا تُنكرُوا ضربي له من دونَه … مثلًا شرودًا في النَّدى والباسِ فاللهُ قد ضربَ الأقلَّ لنورِه … مثلًا من المشكاةِ والنبراسِ ويقال: كان تحته طِنْفِسَةٌ، فحفرها بأصابع رجليه. وقال المبرِّد: بلغ موسى بن إبراهيم أن أبا تمَّام هجاه، وكان محسنًا إليه، فعتب عليه، فقال أبو تمَّام معتذرًا -وكنية موسى أبو المغيث الرافقيّ-: [من الطويل] شهدتُ لقد أقوَت مغانيكُم بعدي … ومحَّتْ كما محَّت وشائعُ من بُرْدِ وأنجدتُمُ من بعد إتهامِ دارِكُم … فيا دمعُ أنجدْني على ساكِني نَجْدِ لعمري قد أخلقتم جِدَّة البُكا … عليّ وجَدَّدْتُم به خَلَقَ الوَجْدِ كريمٌ متى أمدحْهُ أمدحْهُ والورى … معي ومتى ما لمتُه لمتُه وَحْدِي من أبيات (١). وقال أبو الفرج الأصفهاني: قدم أبو تمَّام على ابن طاهر بخراسان، فأنشَده قصيدته التي يقولُ فيها: [من الطويل] وركبٍ كأطرافِ الأَسِنَّة عرَّسُوا … على مِثْلِهَا والليلُ تَسطُو غَياهبُهْ لأمرٍ عليهم أنْ تتِمَّ صدورُه … وليس عليهم أنْ تَتِمَّ عَواقِبُهْ (٢) فصاح الشعراء وقالوا: والله ما يستحقُّ [مثل هذا الشعر] (٣) غيرُ الأمير ابن طاهر،

стр. 6792

فلمَّا فرغ من القصيدة نثر عليه ألفَ دينار، فلم يمدَّ يده إليها، فالتقطَها غلمانُ بن طاهر، ولم يحيى أن يشاركَهم لشرف نفسِه. فسعى به الحُسَّادُ إلى ابن طاهر، وقالوا: ترفَّعَ على عطائِك، فأعرضَ عنه، فدخل أبو تمَّام على أبي العميثل شاعرِ الطاهرية، فشكا إليه، فقال أبو العمثيل لابن طاهر: أيُّها الأمير من حمل إليك أملَه من العراق، وكدَّ جسمَه فيك، وأتعَب فكره وخاطرَه، ومدحك، تُعْرضُ عنه. واختصّ به وحمل إليه ألوفًا (١). والأصح أن أبا تمَّام خرج من خراسان مراغمًا لابن طاهر؛ كان لا يجيز شاعرًا حتَّى يرضاه أبو العميثل وأبو سعيد الضرير فلما قدم أبو تمَّام خراسان دخل عليهما وامتدحهما قصيدته التي أولها: [من الطويل] هُنَّ عوادي يوسفٍ وصواحبُه … فعزمًا [فقِدْمًا] أدركَ السؤلَ طالبُهْ (٢) فلم يلتفت إليه أبو العميثل والضرير فلمَّا مر فيها قال: إلى سالب الجبَّارِ بيضةَ مُلْكِه … وآمِلُهُ غادٍ إليه فسالبُهْ إلى ملكٍ لم يُلْقِ كَلْكَلَ باسِه … على ملكٍ إلَّا وذُلِّلَ جانبُهْ (٣) إذا ما امرؤٌ ألقَى بربعِكَ رحْلَهُ … فقد طالبته بالنَّجَاح مطالبُهْ إذا المرءُ لم يستخْلِص الحزمُ نفسَهُ … فَذِرْوَتُهُ للحادثاتِ وغاربُهْ أعاذلتي ما أخشنَ الليلَ مَرْكَبًا … وأخشنُ منه في الملمَّاتِ راكبُهْ فاستحسناها ودخلا على ابنِ طاهر فاثنيا عليه، فاستحضَره وأنشده إيَّاها، فنثر عليه ألف دينار، فلم يرضه، وخرج من عنده يطلبُ العراق فقال: [من الكامل] يا أيُّها الملكُ المقيمُ ببلدةٍ … لا تأمننَّ حوادثَ الأزمانِ صاح الزمانُ بآل بَرْمَكَ (٤) صيحةً … خَرُّوا لشدَّتِها على الأذقانِ

стр. 6793

وثنى بأخرى مثلِها فأبادَهُم … وأتى الزمانُ علي بني نبهانِ (١) وغدا يصيحُ بآل طاهر صيحةً … غضبٌ يحلُّ بهم من الرحمنِ فلمَّا وصلَ إلى همذان اغتنمَه أبو الوفاء رئيس همذان، فأبرَّه وأكرمَه، فأصبح ذاتَ يوم وقد وقع الثلجُ وقطع الطرق، فقال له أبو الوفاء: قد ترى وقوعَ الثلج، فأقمْ عندنا حتَّى يذهبَ الشتاء، فأقام بهَمَذَان، وأحضر إليه خزائنَ الكتب يطالعُها، وصنَّف فيها كتاب، "الحماسة" و"الوحشيات"، وغير ذلك -وكان العلماءُ يرون أنَّ اختيارهُ الحماسة أحسنُ من شعره- فلمَّا ارتفعَ الثلجُ سأله المُقَام فأبى، وتوجَّه إلى سرَّ من رأى، وبقي كتابُ "الحماسة" في خزائن أبي الوفاء، وكانوا لا يظهرونَه لأحدٍ ضنًّا به، حتَّى تغيَّرت أحوالُهم، فوردَ همذان رجلٌ من الدينور يعرف بأبي العواذل فظفرَ به، فحملَه إلى أصبهان، فاشتهر وشاعَ ذكرُه (٢). وديوانه مشهورٌ منه: [من البسيط] ستصبحُ العيسُ بي يا صاحِ عندَ فتى … كثيرِ ذكر الرِّضَا في ساعة الغضبِ صدفتُ عنه فلم تَصْدِفْ مَودَّتُهُ … عنِّي وعاودَهُ ظنِّي فلم يخِب كالغيثِ إنْ جئتَهُ وافاكَ صيِّبه … وإن تحمَّلتَ عنهُ كان في الطَّلَبِ (٣) وقال: [من الخفيف] رُبَّ خفضٍ تَحْتَ السُّرى وغَنَاءٍ … من عَنَاءٍ ونَضْرةٍ من شُحُوبِ لستُ أُدلي بحُرْمةٍ مستزيدًا … في وِدادٍ منكم ولا في نَصيبِ غيرَ أنَّ العليلَ ليسَ بمذمو … مٍ على شرحِ حالهِ للطبيب لو رأينَا التوكيدَ خُطَّةَ عجزٍ … ما شَفَعْنَا الأذانَ بالتثويبِ (٤) وقال: [من الكامل] فكأنَّ قُسًّا في عُكَاظٍ يخطُب … وكأنَّ ليلى الأخيليَّة تَندُبُ

стр. 6794

وكَثيرَ عزَّةَ بين قومٍ ينسُبُ … وابنَ المقفَّع في المدائحُ يُسهِبُ (١) وقال: [من الكامل] يا طالبًا مسعاتَهُم لينالها … هيهاتَ منك غُبارُ ذاكَ الموكبِ بحرٌ يَطِمُّ على العُفَاة وإنْ تَهِج … ريحُ السُّؤالِ بموجه (٢) يَغْلَولِبِ أولى المديحِ بأنْ يكونَ مهذَّبًا … ما كانَ منه في أغرَّ مهذَّبِ غَرَبَتْ خلائقُهُ وأغربَ شاعرٌ … فيه فأحسنَ مُغربٌ في مُغربِ (٣) وقال: [من الطويل] وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ … لديباجتَيه فاغتربْ تَتجدَّدِ فإنِّي رأيتُ الشمسَ زيدت محبَّةً … على الناس إذا ليستْ عليهم بسرمدِ محاسنُ أوصاف المغنِّينَ جَمَّةٌ … وما قصباتُ السَّبقِ إلَّا لمعبدِ (٤) وقال: [من الطويل] أرى ألفاتٍ قد خُططنَ على راسي … بأقلامِ شيبٍ في مفارق قرطاسِي (٥) فإن تسأليني من يَخُطُّ حروفَها … فكفُّ الليالي تستمدُّ بأنفاسِي جَرَتْ في قلوبِ الغانياتِ لعيتي (٦) … قُشَعْرِيرةٌ من بعد لينٍ وإيناسِ وقد كنت أَجرِي في حشاهنَّ مرَّةً … مجارِيَ جاري الماءِ في غصنِ الآسِ فإنْ أُمْسِ لم أَصِلِ الكواعبَ آيسًا … فآخرُ آمالِ العباد إلى الياسِ (٧) وقال: [من البسيط]

стр. 6795

ذاك السؤالُ (١) شجىً وفي الحَلقِ معترضٌ … من دُونه شَرَقٌ من خلفِه جَرضُ (٢) ما ماءُ كفِّكَ إن جَادتْ وإن بَخِلَتْ … من ماءِ وَجهي إذا أَفنيته عِوَضُ مروءةٌ أُذهبت أَثمار لذَّتِهما (٣) … وهمةٌ جوهرٌ معروفُها عَرَضُ وقال: [من الكامل] كم منزلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى … وحنينُه أبدًا لأوَّلِ منزلِ نَقِّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى … ما الحبُّ إلَّا للحبيبِ الأوَّل (٤) وقال: [من الطويل] هو البحرُ من أيِّ النواحي أتيتَه … فلجَّتُهُ المعروفُ والجودُ سَاحِلُهْ تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتَّى لو أنَّه … أرادَ انقباضًا (٥) لم تطعْهُ أناملُهْ ولو لم يكن في كفِّه غيرُ نفسه … لجَاد بها فليتَّقِ الله سائلُهْ إذا آملٌ رجَّاه قَرْطسَ في المنى … بأسهمِه حتَّى يؤمِّلَ آملُهْ وقال: [من الكامل] نَظَرَتْ إليَّ بعينِ من لم يَعْدِلِ … لمَّا تمكَّن حبُّها من مقتلي لمَّا رأت وَضَح المشيبِ بلِمَّتي … صَدَّت صدودَ مُجانبٍ متحمِّلِ فجعلتُ أطلبُ وصلَها بتأمُّلٍ … والشيبُ يغمزُها بأنْ لا تفعلي (٦) وقال: [من الطويل] سأتركُ هذا الباب ما دام إذنُه … على ما أرى حتَّى يخفَّ قليلا فما خابَ من لم يأتِهِ متعمِّدًا … ولا فازَ من قد نال منه وصولَا إذا لم أجد للإذن عندك موضعًا … وجدتُ إلى ترك المجيء سبيلَا (٧)
следующие страницы →