← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

التي يقول في أولها: [من الكامل] ما في وقوفِكَ ساعةً من بَاسِ … يقضي ذِمَامَ الأربعِ الأدراسِ فلعلَّ عينَك أن تُعينَ بمائها … والدمعُ فيه خاذلٌ ومواسِي إقدامُ عمرٍو في سماحة حاتمٍ … في حلمِ أحنفَ في ذكاءِ إياسِ فقال محمد بن يوسف الكنديّ: قدرُ الأمير فوقَ ما وصفت، فأطرقَ أبو تمَّام ساعةً ورفع رأسه وقال: لا تُنكرُوا ضربي له من دونَه … مثلًا شرودًا في النَّدى والباسِ فاللهُ قد ضربَ الأقلَّ لنورِه … مثلًا من المشكاةِ والنبراسِ ويقال: كان تحته طِنْفِسَةٌ، فحفرها بأصابع رجليه. وقال المبرِّد: بلغ موسى بن إبراهيم أن أبا تمَّام هجاه، وكان محسنًا إليه، فعتب عليه، فقال أبو تمَّام معتذرًا -وكنية موسى أبو المغيث الرافقيّ-: [من الطويل] شهدتُ لقد أقوَت مغانيكُم بعدي … ومحَّتْ كما محَّت وشائعُ من بُرْدِ وأنجدتُمُ من بعد إتهامِ دارِكُم … فيا دمعُ أنجدْني على ساكِني نَجْدِ لعمري قد أخلقتم جِدَّة البُكا … عليّ وجَدَّدْتُم به خَلَقَ الوَجْدِ كريمٌ متى أمدحْهُ أمدحْهُ والورى … معي ومتى ما لمتُه لمتُه وَحْدِي من أبيات (١). وقال أبو الفرج الأصفهاني: قدم أبو تمَّام على ابن طاهر بخراسان، فأنشَده قصيدته التي يقولُ فيها: [من الطويل] وركبٍ كأطرافِ الأَسِنَّة عرَّسُوا … على مِثْلِهَا والليلُ تَسطُو غَياهبُهْ لأمرٍ عليهم أنْ تتِمَّ صدورُه … وليس عليهم أنْ تَتِمَّ عَواقِبُهْ (٢) فصاح الشعراء وقالوا: والله ما يستحقُّ [مثل هذا الشعر] (٣) غيرُ الأمير ابن طاهر،

стр. 6792

فلمَّا فرغ من القصيدة نثر عليه ألفَ دينار، فلم يمدَّ يده إليها، فالتقطَها غلمانُ بن طاهر، ولم يحيى أن يشاركَهم لشرف نفسِه. فسعى به الحُسَّادُ إلى ابن طاهر، وقالوا: ترفَّعَ على عطائِك، فأعرضَ عنه، فدخل أبو تمَّام على أبي العميثل شاعرِ الطاهرية، فشكا إليه، فقال أبو العمثيل لابن طاهر: أيُّها الأمير من حمل إليك أملَه من العراق، وكدَّ جسمَه فيك، وأتعَب فكره وخاطرَه، ومدحك، تُعْرضُ عنه. واختصّ به وحمل إليه ألوفًا (١). والأصح أن أبا تمَّام خرج من خراسان مراغمًا لابن طاهر؛ كان لا يجيز شاعرًا حتَّى يرضاه أبو العميثل وأبو سعيد الضرير فلما قدم أبو تمَّام خراسان دخل عليهما وامتدحهما قصيدته التي أولها: [من الطويل] هُنَّ عوادي يوسفٍ وصواحبُه … فعزمًا [فقِدْمًا] أدركَ السؤلَ طالبُهْ (٢) فلم يلتفت إليه أبو العميثل والضرير فلمَّا مر فيها قال: إلى سالب الجبَّارِ بيضةَ مُلْكِه … وآمِلُهُ غادٍ إليه فسالبُهْ إلى ملكٍ لم يُلْقِ كَلْكَلَ باسِه … على ملكٍ إلَّا وذُلِّلَ جانبُهْ (٣) إذا ما امرؤٌ ألقَى بربعِكَ رحْلَهُ … فقد طالبته بالنَّجَاح مطالبُهْ إذا المرءُ لم يستخْلِص الحزمُ نفسَهُ … فَذِرْوَتُهُ للحادثاتِ وغاربُهْ أعاذلتي ما أخشنَ الليلَ مَرْكَبًا … وأخشنُ منه في الملمَّاتِ راكبُهْ فاستحسناها ودخلا على ابنِ طاهر فاثنيا عليه، فاستحضَره وأنشده إيَّاها، فنثر عليه ألف دينار، فلم يرضه، وخرج من عنده يطلبُ العراق فقال: [من الكامل] يا أيُّها الملكُ المقيمُ ببلدةٍ … لا تأمننَّ حوادثَ الأزمانِ صاح الزمانُ بآل بَرْمَكَ (٤) صيحةً … خَرُّوا لشدَّتِها على الأذقانِ

стр. 6793

وثنى بأخرى مثلِها فأبادَهُم … وأتى الزمانُ علي بني نبهانِ (١) وغدا يصيحُ بآل طاهر صيحةً … غضبٌ يحلُّ بهم من الرحمنِ فلمَّا وصلَ إلى همذان اغتنمَه أبو الوفاء رئيس همذان، فأبرَّه وأكرمَه، فأصبح ذاتَ يوم وقد وقع الثلجُ وقطع الطرق، فقال له أبو الوفاء: قد ترى وقوعَ الثلج، فأقمْ عندنا حتَّى يذهبَ الشتاء، فأقام بهَمَذَان، وأحضر إليه خزائنَ الكتب يطالعُها، وصنَّف فيها كتاب، "الحماسة" و"الوحشيات"، وغير ذلك -وكان العلماءُ يرون أنَّ اختيارهُ الحماسة أحسنُ من شعره- فلمَّا ارتفعَ الثلجُ سأله المُقَام فأبى، وتوجَّه إلى سرَّ من رأى، وبقي كتابُ "الحماسة" في خزائن أبي الوفاء، وكانوا لا يظهرونَه لأحدٍ ضنًّا به، حتَّى تغيَّرت أحوالُهم، فوردَ همذان رجلٌ من الدينور يعرف بأبي العواذل فظفرَ به، فحملَه إلى أصبهان، فاشتهر وشاعَ ذكرُه (٢). وديوانه مشهورٌ منه: [من البسيط] ستصبحُ العيسُ بي يا صاحِ عندَ فتى … كثيرِ ذكر الرِّضَا في ساعة الغضبِ صدفتُ عنه فلم تَصْدِفْ مَودَّتُهُ … عنِّي وعاودَهُ ظنِّي فلم يخِب كالغيثِ إنْ جئتَهُ وافاكَ صيِّبه … وإن تحمَّلتَ عنهُ كان في الطَّلَبِ (٣) وقال: [من الخفيف] رُبَّ خفضٍ تَحْتَ السُّرى وغَنَاءٍ … من عَنَاءٍ ونَضْرةٍ من شُحُوبِ لستُ أُدلي بحُرْمةٍ مستزيدًا … في وِدادٍ منكم ولا في نَصيبِ غيرَ أنَّ العليلَ ليسَ بمذمو … مٍ على شرحِ حالهِ للطبيب لو رأينَا التوكيدَ خُطَّةَ عجزٍ … ما شَفَعْنَا الأذانَ بالتثويبِ (٤) وقال: [من الكامل] فكأنَّ قُسًّا في عُكَاظٍ يخطُب … وكأنَّ ليلى الأخيليَّة تَندُبُ

стр. 6794

وكَثيرَ عزَّةَ بين قومٍ ينسُبُ … وابنَ المقفَّع في المدائحُ يُسهِبُ (١) وقال: [من الكامل] يا طالبًا مسعاتَهُم لينالها … هيهاتَ منك غُبارُ ذاكَ الموكبِ بحرٌ يَطِمُّ على العُفَاة وإنْ تَهِج … ريحُ السُّؤالِ بموجه (٢) يَغْلَولِبِ أولى المديحِ بأنْ يكونَ مهذَّبًا … ما كانَ منه في أغرَّ مهذَّبِ غَرَبَتْ خلائقُهُ وأغربَ شاعرٌ … فيه فأحسنَ مُغربٌ في مُغربِ (٣) وقال: [من الطويل] وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ … لديباجتَيه فاغتربْ تَتجدَّدِ فإنِّي رأيتُ الشمسَ زيدت محبَّةً … على الناس إذا ليستْ عليهم بسرمدِ محاسنُ أوصاف المغنِّينَ جَمَّةٌ … وما قصباتُ السَّبقِ إلَّا لمعبدِ (٤) وقال: [من الطويل] أرى ألفاتٍ قد خُططنَ على راسي … بأقلامِ شيبٍ في مفارق قرطاسِي (٥) فإن تسأليني من يَخُطُّ حروفَها … فكفُّ الليالي تستمدُّ بأنفاسِي جَرَتْ في قلوبِ الغانياتِ لعيتي (٦) … قُشَعْرِيرةٌ من بعد لينٍ وإيناسِ وقد كنت أَجرِي في حشاهنَّ مرَّةً … مجارِيَ جاري الماءِ في غصنِ الآسِ فإنْ أُمْسِ لم أَصِلِ الكواعبَ آيسًا … فآخرُ آمالِ العباد إلى الياسِ (٧) وقال: [من البسيط]

стр. 6795

ذاك السؤالُ (١) شجىً وفي الحَلقِ معترضٌ … من دُونه شَرَقٌ من خلفِه جَرضُ (٢) ما ماءُ كفِّكَ إن جَادتْ وإن بَخِلَتْ … من ماءِ وَجهي إذا أَفنيته عِوَضُ مروءةٌ أُذهبت أَثمار لذَّتِهما (٣) … وهمةٌ جوهرٌ معروفُها عَرَضُ وقال: [من الكامل] كم منزلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى … وحنينُه أبدًا لأوَّلِ منزلِ نَقِّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى … ما الحبُّ إلَّا للحبيبِ الأوَّل (٤) وقال: [من الطويل] هو البحرُ من أيِّ النواحي أتيتَه … فلجَّتُهُ المعروفُ والجودُ سَاحِلُهْ تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتَّى لو أنَّه … أرادَ انقباضًا (٥) لم تطعْهُ أناملُهْ ولو لم يكن في كفِّه غيرُ نفسه … لجَاد بها فليتَّقِ الله سائلُهْ إذا آملٌ رجَّاه قَرْطسَ في المنى … بأسهمِه حتَّى يؤمِّلَ آملُهْ وقال: [من الكامل] نَظَرَتْ إليَّ بعينِ من لم يَعْدِلِ … لمَّا تمكَّن حبُّها من مقتلي لمَّا رأت وَضَح المشيبِ بلِمَّتي … صَدَّت صدودَ مُجانبٍ متحمِّلِ فجعلتُ أطلبُ وصلَها بتأمُّلٍ … والشيبُ يغمزُها بأنْ لا تفعلي (٦) وقال: [من الطويل] سأتركُ هذا الباب ما دام إذنُه … على ما أرى حتَّى يخفَّ قليلا فما خابَ من لم يأتِهِ متعمِّدًا … ولا فازَ من قد نال منه وصولَا إذا لم أجد للإذن عندك موضعًا … وجدتُ إلى ترك المجيء سبيلَا (٧)

стр. 6796

وقال: [من الرمل] أنتَ في حلٍّ فزدني سَقَما … أفنِ صبري واجعلِ الدمعَ دمَا ليس منَّا من شكا علَّتَه … من شكا ظُلْمَ حبيبٍ ظَلمَا (١) وقال: [من الكامل] ما إنْ رَأى الأقوامُ شمسًا قَبلَها … أَفَلَتْ فلم تُعْقِبْهُمُ بظَلامِ لو يقدرون مَشَوا على وَجَنَاتِهم … وعيونهِم فضلًا عن الأقدامِ (٢) وذكر عبد الله بن المعتز إخوته فقال: أنا معهم كما قال أبو تمام: [من البسيط] ذو الودِّ مني وذُو القربى بمنزلةٍ … وإخوتي أسوةٌ عندي وإخواني عصابةٌ جاورَتْ آدابُهم أدبي … فهم وإن فُرِّقوا في الأرض جيراني أرواحُنا في مكانٍ واحدٍ وغَدَت … أجسامنا بشآم أو خراسانِ ورُبَّ نائي المغاني روحُه أبدًا … لصيقُ روحي ودانٍ ليس بالدَّاني (٣) وقال: [من البسيط] لا يمنعنك خفضُ العيش في دَعَةٍ … من أن تَبدَّل أوطانًا بأوطانِ (٤) تَلقَى بكلِّ بلادٍ إن حَلَلْتَ بها … أهلًا بأهلٍ وإخوانًا بإخوانِ (٥) وقال يرثي ولده: [من البسيط] إنِّي أَظنُّ البِلى لو كان يعرفُه … صَدَّ البِلى عن بَقايا وجهِه الحسنِ

стр. 6797

يا موتةً لم تَدعْ ظَرْفًا ولا أَدبًا … إلَّا حَكَمْتِ به للحدِ والكفنِ لله ألحاظُهُ والموتُ يكسرُها (١) … كأَنَّ أجفانَه سكرى من الوَسَنِ يردُّ أَنفاسَه كَرْهًا وتعطفهما … يدُ المنية عَطْفَ الريحِ للغُصُنٍ يا هولَ ما أبصرتْ عيني وما سمعتْ … أُذني فلا بقيت عَيني ولا أُذني لم يبق في بدني جزءٌ (٢) علمتُ به … إلَّا وقد حلَّه جزءٌ من الحَزَنِ كانَ اللحاقُ به أَوْلَى وأحسنَ بي … من أنْ أَعيشَ سقيمَ الروحِ والبَدَنِ (٣) وقال: [من الطويل] ألم تَرني خَلَّيتُ نفسِي وشانها … فلم أَحْفل الدُّنيا ولا حدثانَها لقد خَوَّفتني الحادثاتُ صُروفَها … ولو أمَّنتني ما قبلتُ أمانَها يقولون هل يَبكي الفتى لخَريدةٍ … متى ما أرادَ اعتاضَ عشرًا مكانَها وهل يستعيضُ المرءُ من عشر كفِّه … ولو صاغَ من حُرِّ اللُّجَينِ بنانَها وكيف على علم الليالي معرَّس (٤) … إذا كان شيبُ العارضينِ دخانَها وقال: [من البسيط] إنَّ الليالي لم تحسنْ إلى أحدٍ … إلَّا أساءتْ إليه بعدَ إحسانِ العيشُ حلوٌ ولكنْ لا بقاءَ له … جميعُ ما الناس فيه ذاهبٌ فاني (٥) ذكر وفاته: توفي سنةَ عشرين ومئتين (٦). وقيل: لمَّا عادَ من خراسان عني به الحسنُ بن وَهْب، فولَّاه بريدَ الموصل، فأقامَ بها أقلَّ من سنتين، وتوفي في جمادى الآخرة (٧) سنة إحدى

стр. 6798

وثلاثين. وقيل: في المحرم سنة اثنتين وثلاثين. ودفن بالموصل وله نيفٌ وأربعونَ سنة. ورثاه العلماءُ والوزراءُ والشعراءُ، فقال محمدُ بن عبد الملك الزيَّات: [من الوافر] ألَا لله ما جَنَتِ الخطوبُ … تُخُرِّمَ من أحبَّتنا حبيبُ وماتَ الشعر من بعدِ ابن أوسٍ … فلا أدبٌ يُحَسُّ ولا أديبُ (١) وقال الحسن بن وهب: [من الوافر] نبأٌ أتى من أعظمِ الأنباء … لمَّا ألَمَّ مُقلقلُ الأحشاءِ فُجِعَ القريضُ بخاتَم الشعراءِ … وغديرِ روضتها حبيبِ الطائي ماتَا معًا فتجاورَا في حفرةٍ … وكذاك كانا قبلُ في الأحياءِ قالوا حبيبٌ قد ثَوى فأجبتُهم … نَاشدتُكم لا تجعلُوه الطائي (٢) وقال عليُّ بن الجهم: [من الكامل] غاضتْ بدائعُ فطنةِ الأوهام … وعَدَتْ عليها نكبةُ الأيامِ وغدا القريضُ ضئيلَ شخصٍ باكيًا … يَشكو رزيَّتَه إلى الأقلامِ وتأوَّهتْ غُرَرُ القوافي بعدَه … ورَمى الزمانُ صحيحَها بسقام أَوْدَى مثقَّفُها ورائضُ صعبِها … وغديرُ روضتها أبو تمام (٣) وقال أبو الفرج الأصبهاني: [كان دعبل] (٤) يثلبُ أبا تمام ويقول: سرقَ قصائدَ الناس، فدخل يومًا على الحسن بن وهب، فقال: بلغني أنَّك [قلت في أبي تمام كيت وكيت، فهبه سرق هذه القصيدة (٥) كلَّها، وقبلنَا قولك فيه، أسرق شعره كلَّه؟ أتحسن أنت أن] تقول كما قال: [من الطويل]

стр. 6799

شهدتُ لقد أَقوت مغانيكُم بعدِي … الأبيات فخجل دعبل، فقال له الحسن: قد مات الآن، وقد كنتَ تعادِيه حسدًا له على حظِّه من الدنيا، فتبِ الآن من ذكره، [فقال: أصدقك يا أبا عليّ،] (١) ما كان بيني وبينه إلَّا أنَّني سألتُهُ أن ينزل عن شيءٍ من شعره، فاستحسنَه فبخلَ (٢) به عليَّ. فعجب ابنُ وَهْب من اعترافه. وقال المهلبيُّ: ما كان أحدٌ يقدرُ في زمن أبي تمَّام أنْ يأخذَ درهمًا على الشعر، فلمَّا مات اقتسمَ الشعراءُ ما كان يأخذه (٣). حدث أبو تمَّام عن صهيب (٤) بن أبي الصهباء وغيره، وروى عنه خالد بن يزيد الشاعر وغيره. وقال خالد بن يزيد الكاتب: بينا أنا مارٌّ بباب الطَّاق، وإذا براكبٍ خلفي على بغلةٍ، فلمَّا لحقني نخسني بسوطه، وقال: يا خويلد أنت القائل: [من المتقارب] رقدتَ فلم ترثِ للساهر … وليلُ المحبِّ بلا آخر فقلت: نعم، فقال: لله درُّك، وصفَ امرؤ القيس في ثلاثة أبيات الليلَ الطويل، وكذا النابغةُ وبشار بن برد، وبَرَّزْتَ عليهم أنتَ بشطر كلمة؟! فقلت: بيِّن ما تقول، قال: أمَّا امرؤ القيس فقال: [من الطويل] وليلٍ كموجِ البحرِ أَرْخَى سُدُولَه … عليَّ بأنواعِ الهموم ليبتلي فقلتُ له لمَّا تمطَّى بصدره … وأردفَ أعجازًا وناءَ بكَلْكَلِ ألا أيُّها الليلُ الطويلُ ألَا انجلي … بصُبحٍ وما الإصباحُ منك بأمثلِ (٥) وأمَّا النابغةُ فقال: [من الطويل]

стр. 6800

كليني لهمٍّ يا أميمةَ ناصبِ … وليلٍ أُقاسيهِ بطيءِ الكواكبِ وصدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ هَمِّه … تضاعفَ فيه الهمُّ من كلِّ جانب تقاعسَ حتى قلتُ ليس بمنقضٍ … وليسَ الذي يَهدي النجومَ بآيبِ (١) وأما بشار بن برد فقال: [من الطويل] خليليَّ ما بال الدُّجى لا يزحزحُ … وما بَالُ ضوء الصُّبح لا يتوضَّحُ أظنُّ الدُّجى طالتْ وما طالتِ الدُّجى … ولكنْ أطال الليل سُقْمٌ مبرحُ أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَه … أمِ الدهرُ ليلٌ كلُّه ليسَ يبرحُ (٢) فقلت له: قد قلتُ في معنى لم أسبَق إليه، فقال: قل، فقلت: [من مجزوء الرمل] كلمَا اشتدَّ خضوعي … بجوىً (٣) بينَ ضلوعِي ركضتْ في حلبتَي (٤) خد … يَّ خيلٌ من دُموعِي فثنى رجلَهُ عن البغلة، ونزل، وقال: خذها، فأنتَ أحقُّ بها مني، ومضى، فسألتُ عنه، فقيل: هذا أبو تمَّام الطائي. علي بن المُغِيَرة أبو الحسن الأثرم، البغداديُّ، صاحبُ اللغة والنحو وغيره. قدم الشام، ثمَّ رجعَ إلى بغداد، فتوفيَ بها. سمعَ الأصمعيَّ وغيَره، وكان ثقةً (٥). محمدُ بن زياد أبو عبد الله، ابن الأعرابيّ، مولى بني هاشم، كان أحدَ العالمين باللغة، والمشار إليه (٦) في معرفتها، كثير الحفظ لها، وكان يزعم أن الأصمعيَّ وأبا عبيدة لا يعرفان

стр. 6801

منها قليلًا ولا كثيرًا، وما رُؤي في يده كتابٌ قط. قال الخطيب: وسألَه ابنُ أبي دؤاد، أتعرف [في اللغة "استوى"] (١) بمعنى استولى؟ قال: لا (٢)، ولا تعرفُه العرب؛ لأنَّها لا تقولُ: استولى فلانٌ على الشيء حتى يكونَ له فيه مُضَادٌّ أو منازع، فأيُّهما غلبَ استولى عليه، والله تعالى لا ضدَّ له. وأنشد النابغة: [من البسيط] إلَّا لمثلكَ أو مَنْ أنتَ سابقُه … سبقَ الجوادِ إذا استولَى على الأمَدِ (٣) وكان خصيصًا بالمأمون، وهو الذي سألَه المأمون عن أحسنِ ما قيل في الشراب، فقال (٤): [من الطويل] تريكَ القَذَى مِنْ دونها وهيَ دونَه … إذا ذاقَها من ذاقَها يتمطَّقُ (٥) فقال المأمون: أشعرُ منه من قال: [من المديد] وتمشَّت في مفاصِلهم … كتمشِّي البُرْءِ في السَّقمِ يريد أبا نواس (٦). مات ابنُ الأعرابي بسرَّ من رأى في هذه السنة، وقيل: في سنة إحدى وثلاثين ومئتين، وصلَّى عليه أحمدُ بن أبي دؤاد، وحدَّثَ عن أبي معاوية الضرير وطبقته، ورَوى عنه إبراهيم الحربيّ وغيره، وكان أوثقَ الناسِ، وهو الذي رَوى حديث أمِّ زرع، وتوفي في شعبان وهو ابنُ ثمانين سنة. محمَّدُ بن عَائذ صاحب المغازي والفتوح، أبو عبد الله، الكاتبُ الدمشقيُّ، صنَّف "الصوائف"

стр. 6802

و "السير" وغيرها، ولدَ سنة خمسين ومئة، ووليَ خراج غوطة دمشق للمأمون، وكان ثقةً. مات بدمشق في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاثٍ، أو أربع وثلاثين ومئتين. أسند عن الوليد بن مسلم، وخلقٍ كثير، ورَوى عنه أبو زُرعة الدمشقي -وذكره في أهل الفتوح (١) - وأحمد بن أبي الحَوَاري، وغيرهما، وأَجْمعوا على عدالتِه وديانتِه (٢). هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد ولد سنة تسعين ومئة -وقيل: سنة أربع وتسعين (٣) - بطريق مكَّة، وأمه قراطيس أم ولد، كان حسنَ السيرة، وإنَّما استولَى عليه أحمدُ بن أبي دؤاد، كما استولَى على أبيه، وحملَه على أن حملَ الناس على القولِ بخلق القرآن، وشدَّد عليهم في ذلك، فكرهوا أيَّامه. وقال أحمد بن حمدون: دخلَ هارون بن زياد مؤدِّبُ الواثق على الواثق، فأكرمَه وأظهرَ من برِّه ما شُهِر به، فقيل له: من هذا الذي فعلتَ به ما فعلت؟ فقال: هذا أوَّلُ من فَتَقَ لساني بذكرِ الله، وأَدْنَاني من رحمة الله تعالى (٤). وقال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحدٌ من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثقُ، ما ماتَ وفيهم فقير (٥). وقال محمد بن المهتدي: كنتُ أَمشي مع الواثقِ في صحن داره، فقال: يا محمد، ادعُ بدواةٍ وقِرْطاس، فدعوتُ له بهما، فقال: اكتب: [من الوافر] تنحَّ عن القبيح ولا تُرِدهُ … ومَنْ أوليتَ إحسانًا فزِدْهُ ستُكْفَى من عدوِّكَ كلَّ كيدٍ … إذا كادَ العدوُّ ولم تَكِدْهُ

стр. 6803

ثم قال لي: اكتب: [من البسيط] هي المقاديرُ تَجري في أعنَّتها … فاصبرْ فليسَ لها صبرٌ على حالِ ثم نظرَ طويلًا، فلم يحضره شيءٌ آخر، فقال: حسبك (١). وقال أحمد بن حمدون: كان بين الواثق وبعض جواريه شرٌّ، فخرج كسلان، فلم أزلْ أنا والفتح بن خاقان نحتالُ في نشاطه، فلم ينشط، ورآني أضاحكُ الفتح، فقال: قاتلَ اللهُ العباسَ بن أحنف حيث يقول: [من البسيط] عَدْلٌ من الله أبكاني وأضحككم … فالحمدُ لله عدلٌ كلُّ ما صنعَا (٢) للحُبِّ في كلِّ عضوٍ لي [على] حِدَةٍ … نوعٌ تفرَّقَ عنه الصبر (٣) واجتمعَا فقال له الفتح: أنتَ والله يا أميرَ المؤمنين في وضع (٤) التمثيل في موضعه أشعرُ منه وأظرف. وقال يحيى بن أكثم: كان أحمدُ بن أبي دؤاد قد استولَى على الواثق؛ دخلَ عليه يومًا وعنده محمدُ بن عبد الملك وجماعةٌ، وقد نالوا من ابنِ أبي دؤاد، فلمَّا رآه الواثق تمثل بقول الحطيئة، وأومأ إليهم: [من البسيط] مَلُّوا قِرَاهُ وهَرَّتْهُ كلابُهم … وجرَّحُوه بأنيابٍ وأضراسِ (٥) ففهم ابن أبي دؤاد، فأشارَ إلى ابن الزيَّات، وقال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]، ثم قال ابن أبي دُؤاد: فما قال لهم أمير المؤمنين؟ قال: ما قاله كثيِّرُ عزَّة: [من الكامل] ومَشى إليَّ بعيب عزَّة عصبةٌ … جعلَ الإلهُ خُدودَهنَّ نِعالَها (٦)

стр. 6804

وقال حماد الموصلي: مرضَ الواثقُ فعادَه أبي وأنشد: [من البسيط] ليتَ الشكاةَ التي كدنَا لها جَزعًا … نموتُ لو أنَّ شيئًا يسبقُ الأجلَا كانت بنا دونَ مولانا وسيِّدنا … وأنه جُنِّبَ الأوصابَ والعِلَلَا فالحمدُ لله إذ صحَّت سلامتُه … وأذهبَ الله عنه الخوفَ والوجلَا يا أيُّها الواثقُ المأمولُ أنتَ لنا … عزٌّ نلوذُ به إذ نازلٌ نزلَا لا نتَّقي ريبَ دهرٍ ما بقيتَ لنا … ولا نبالي إذا وُلِّيتَ ما فعلَا نَهوى الحياة إذا ما كنتَ راعيَنا … وإن بقينا ليومٍ غيرِ ذاك فلَا فأعطاه ستة آلاف دينار. وقال أبو عثمان المازني: كان سبب طلب الواثق لي أن جاريةً غنَّت بين يديه: [من الكامل] أظلومُ إنَّ مصابَكم رَجلًا … أهدى السلامَ تحيَّة ظلمُ فأنكرَ عليها الواثق، فقالت: قرأتُهُ على المازني، فأرسلَ في طلبي، فلمَّا دخلتُ عليه قال: ممَّن الرجل؟ قلت: من مازن، فقال: مازن اليمن، أو ربيعة، أو تميم، أو شيبان؟ فقلت: من مازن ربيعة، فقال: ما اسبك -بالباء، وهي لغةُ قومنا-؟ قلت: مكر، أي: بكر، فضحك وقال: اقعد، فقعدت، فقال: كيف تنشدُ هذا البيت: أظلوم إنَّ مصابكم؟ فقلت: رجلًا، فقال أين خبر إنَّ؟ قلت: ظلم، الذي في آخر البيت، فقال: ولم؟ قلتُ: لأنَّ البيتَ معلَّق به، ولا معنَى تحته حتى يتمَّ به، فأعطاني ألفَ دينار، وأمرني بملازمة مجلسه (١). وقال الصوليُّ: جلسَ الواثقُ يومًا وعنده ندماؤه، فطربَ، فقال: من ينشدُنا؟ فقال الحسين بن الضحَّاك: أنا، فأنشدَه قصيده التي أولها: [من الطويل] سَقَى الله بالقاطولِ مسرحَ طرفكا … وخصَّ بسُقياهُ مناكبَ قصركَا (٢)

стр. 6805

خلقتَ أمينَ الله للخلقِ عصمةً … وأمْنًا وكلٌّ في ذراكَ وظَلِّكَا وثقْتَ بمن سمَّاك في الغيب واثقًا … وثبَّتَ بالتأييد أركانَ مُلكِكَا وأعطاكَ مُعطيكَ الخلافةَ شكرَها … وأشعر بالتَّقوى سريرةَ قلبِكَا وزادكَ من أعمارنا غيرَ مِنَّةٍ … عليكَ بها أضعافَ [أضعافِ] عمرِكَا ولا زالتِ الأقدارُ في كلِّ حالةٍ … عدوًّا لمن عاداكَ سلمًا لسلمكَا إذا كنتُ من جدواك في كلِّ نعمةٍ … فلا كنتُ إنْ لم أُفْنِ عمري بشكركَا من أبيات، فأعطاه خمسينَ ألفًا. وقال الواثق: ما مدحني أحدٌ كما مدحني إدريس بن سليمان بن أبي حفصة، والأبيات: [من البسيط] قل للخليفة هارونَ الذي خضعتْ … له رقابُ ملوك السهلِ والجبلِ أصبحتَ مالك بعد الله من مثل … والله ليسَ له في العزِّ من مثلِ ورثتَ عن خلفاءٍ أنتَ تاسعُهم … خلافة ورثوها خاتمَ الرسلِ منكم رشيدٌ ومهديٌّ ومعتصمٌ … وواثقٌ عن سبيل الحقِّ لم يملِ لو لم يُقِم قبَّةَ الإسلامِ عدلكُم … لأصبحَ الملكُ منها غيرَ معتدلِ وحوَّلَ الواثقُ الدُّنيا فجادَ بها … وسدَّ بالعدلِ باب الجورِ والنحلِ أحييتَ بعدَ رسولِ الله سنَّتَه … فأصبحَ الحق فيها واضحَ السبلِ وكان الواثق مريضًا، فأمرَ أحمدَ بن أبي دُؤاد أن يصلِّي بالناسِ يومَ العيد، فلمَّا انصرف قال: كيف كان عيدكم؟ قال: كنَّا في نهارٍ لا شمسَ فيه، فقال: أنا مؤيَّدٌ بك (١). وقال إسحاق بن إبراهيم: حججتُ ثم عدت إلى سامراء، فدخلت على الواثق فقال: أطرفني بأحاديثِ الحجاز والأعراب، فقلت نزلتُ في بعض المنازل، فجلس إليَّ فتىً من الأعراب، فرأيتُ منه أدبًا وحديثًا حسنًا، فقلت: أنشدني فقال: [من الطويل]

стр. 6806

سَقَى العلمُ الفردُ الذي في ظلاله … غزالانِ مكِّيَّانِ (١) مؤتَلِفَانِ إذا أَمِنَا التفّا بجيدَي تواصلٍ … فطرفَاهما للغيبِ (٢) مسترقانِ ثم تنفَّس فظننتُ نَفْسَه تخرج، فقلت: ما الرأي بك (٣)؟ فقال: من وراء هذين الجبلين شجنٌ قد حيل بيني وبينه، ونذروا دمي، فأنا أتمتعُ بالنظر إلى هذين تعلُّلًا بهما، فقلت: زدني، فقال: [من الطويل] إذا ما وَرَدْتَ الماءَ في بعضِ أهله … حَضورُ فعرِّضْ بي كأنَّك مازحُ فإنْ سَأَلَتْ عنِّي حَضورُ فقل لها … به غِيَرٌ مِنْ دائِه وهو صالحُ فعجبَ الواثق وأمرني أن ألحِّن الأبيات (٤)، فغنَّيتُ بها بين يديه، فأمر لي بستين ألفًا، ثم قال: قد قضيتُ حوائجك وما أفكرتَ في السبب! قلت: وما هو؟ قال: الأعرابيُّ، ولم تسألني معونته، وقد كتبتُ إلى والي الحجاز بأنْ يزوِّجَهُ المرأة، ويسوق إليها صداقَها، وأمرتُ له بمالٍ، فقبَّلت يدَه وقلتُ: من يسبقكَ إلى المكارم وأنت سيِّدُها ومولاها. وقال الخطيبُ: كان الواثقُ مغرى بأكلِ الباذنجان، فكانَ يأكلُ في ساعةٍ منه أربعين باذنجانة، فقال له أبوه: يا بني مَنْ رأيتَ خليفةً أعمى؟ ففهم فقال: يا أميرَ المؤمنين قد تصدَّقتُ بعيني على الباذنجان (٥). وقال الصوليُّ: أهدي إلى الواثق غلامٌ، فأغضَبَه الواثقُ يومًا، فسمعه يقولُ لبعض الخدم: والله إنَّ أمير المؤمنين ليروم منذ أمس أنْ أكلِّمَه، فلم أفعل، قال الواثق: [من البسيط] يا ذا الذي بعذابي ظلَّ مفتخرا … ما أنتَ إلا مليكٌ جارَ إذ قَدَرَا لولَا الهوى لتجارينَا على قدرٍ … وإنْ أَفِقْ منه يومًا ما فسوفَ ترَى (٦)

стр. 6807

ذكر وفاته: قيل: إنَّه رَجَع عن القولِ بخلق القرآن، وتابَ قبل موته. وقال إبراهيم بن أسباط: أُبْلِغَ ابنُ أبي دؤاد أنَّ رجلًا من أهل أَذَنَة يناظرُ في القرآن، ويقيمُ الأدلَّة على قِدَمِه فقال: يا أميرَ المؤمنين إنَّ رجلًا بأَذَنَة يقال له: عبد الله بن محمد الأَذْرَميّ يناظرُ في القرآن، فبعثَ به إليه، فجلس الواثقُ مجلسًا عامًّا، وحضرَ ابنُ أبي دؤاد والعلماءُ والأشراف، ودَخلَ الرجل فقال: سلامٌ عليكم، فقال الواثق: لا سلَّم الله عليك، فقال الرجل: ما أحسن ما أدَّبك مؤدِّبُك! قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فوالله ما حييتني بها ولا بأحسنَ منها، فخجلَ الواثقُ، ثم قال الواثق لابن أبي دؤاد (١): يا أحمد، هذا الذي تدعو الناس إليه أشيءٌ علمَه رسول الله ﷺ ، أو لم يعلمه؟ فإن كان علمه، فهلَّا دَعَا الناسَ إليه، وإن قلت: ما علمَه، فقد نسبتَه إلى الجهل، وكذا الخلفاء بعدَه، فقال ابنُ أبي دؤاد: عَلِمُوه، ولم يدعوا الناس إليه، فقال الرجل: أفلَا يسعُكم ما وسِعَهم؟ فانقطعَ ابنُ أبي دؤاد، وقام الواثقُ ودخل مجلسَه واستلقَى على ظهره، ثم جعل يردِّدُ كلامَ الشيخ، ثم استدعَى به، فحلَّ عنه قيوده، وأعطاهُ أربعَ مئة دينار، وردَّهُ إلى أهلِه مكرمًا، فاستدلَّ الناس بذلك على رجوع الواثق (٢). وقال صالح بن [علي بن] (٣) يعقوب الهاشميّ: حضرتُ مجلسَ المهتدي بالله، وقد جلسَ للمظالم في دار العامَّة، فقرأَ القصَص ووقَّع عليهم بأسرها، فسرَّني ذلك منه، وجعلت أنظرُ إليه، ففطنَ وقام، ثم استدعاني وقال لي: يا صالح، حَدِّثني ما دارَ في خَلَدِك، أو أحدثك، فقلت: أمير المؤمنين يرى، فقال: إنك (٤) استحسنت ما رأيتَ منِّي، وقلت في نفسك: أيُّ خليفةٍ خليفتُنا، لو لم يقل بخلق القرآن. فقلت: الصدقُ أنجَى، هو ذاك. فقال: قد كنتُ أقولُ ذلك صدرًا من أيام الواثق حتى قدم على أحمد

стр. 6808

ابن أبي دؤاد شيخٌ من الشام من أهل أذنة، فَأُدْخِلَ على الواثق مقيَّدًا فإذا هو جميلُ الوجهِ، حسنُ الشيبة، فرأيتُ الواثقَ قد رقَّ له، وما زال يدنيه حتى قَرُبَ منه فسلَّم فأحسن، ودَعَا فأبلغَ وأوجزَ، فأمَره بالجلوس وقال له: ناظر ابن أبي دؤاد، فقال: إنَّه يصبو (١) أو يضعفُ عن المناظرة، فغضبَ الواثقُ، ثمَّ قال الشيخُ لابن أبي دؤاد: يا أحمد، أخبرني عن النبيِّ ﷺ حينَ بعثه الله إلى الخلائق، هل ستَر شيئًا ممَّا أمره به؟ قال: لا، قال: علم بمقالتك هذه أو جهلها؟ قال: بل علمها، قال: فهل دعا الناس إليها. [فسكت] (٢)، قال: وكذا علمها الخلفاءُ الراشدون؟ قال: نعم، قال: فهل دعي الناسُ إليها؟ فسكت، فقال الشيخ: إنْ لم يسعنا في هذه المقالة ما وسعَ رسولَ الله ﷺ والخلفاء بعدَه، فلا وَسَّع الله علينا، فأمرَ بفكِّ قيده فأراد الحدادُ ليأخذه، فقال الشيخ: لا والله، أنا أحق به، فقال له الواثق: فما تصنعُ به؟ قال: أجعلُه في كفني لأخاصمَ به هذا الظالم يوم القيامة، وأشار إلى ابن أبي دؤاد، [أقول: يا رب، سل عبدك هذا، لم] (٣) روعني وأزعجني وأزعج أولادي وإخواني بغير حق؟ ثمَّ بكى، وبكى الواثق وقال له: اجعلني في حلٍّ فقال: والله جعلتُك في حلٍّ من أوَّل يوم إكرامًا لرسولِ الله ﷺ ؛ إذ كنتَ من أهله، قال: ألكَ حاجة؟ قال: نعم، تجعل سراحي إلى أهلي وولدي، فقال له: إنْ رأيتَ أن تقيمَ عندنا ننتفع بك وتنتفع بنا، فقال: لا، بل أروحُ إلى أهلي، قال: فتقبلُ منا صِلَةً تستعينُ بها، قال: أنَا عنها في غنى، ثمَّ قام، وخرج إلى السفر، فقال المهتدي: فرجعتُ عن هذه المقالة، وأظنُّ أن الواثقَ رجعَ عنها من ذلك اليوم. وقال (٤) ابن أكثم: دخل عبَّادة المؤنَّث (٥) على الواثق، وكان عبَّادة ظريفًا ينادمُ الخلفاء، وله نوادر [مضحكة]، فقال: يا أمير المؤمنين أحسنَ الله عزاءك، قال: فيمن؟ قال: في "قل هو الله أحد" (٦)، فقال: ويحكَ، وكيف تموت؟! قال: لأنَّه مخلوق،

стр. 6809

وكلُّ مخلوقٍ يموت، [وإذا مات في شعبان، فمن يصلِّي بالناس في رمضان]، فوجم الواثق وقال: خذها من غير فقيه، ورجع عن قوله (١). [وعاش عبَّادة إلى أيام المتوكِّل] (٢). واختلفوا في سببِ وفاة الواثق، فقال قومٌ: كانَ كثيرَ الأكل على غير نقاء، ففسدت معدتُه، وكان يُحملُ إليه من بطيخ مَرْو فيكثر الأكل [منه]، فاستحال في جوفه، فكان سببَ وفاته. وقال الطبري: [حكى لي جماعةٌ من أصحابنا أنَّ علَّتَه التي توفيَ فيها كانت علَّةَ الاستسقاء،] (٣) فعولجَ في تَنُّورٍ مسخَّنٍ، فوجدَ لذلك راحةً [وخفَّةً]، فأمرهمْ من غير (٤) ذلك اليومِ بالزيادةِ في إسخان التنُّور، ففعلُوا، وقعد فيه أكثرَ من [قعوده في] اليوم الذي قبله، فحمِيَ عليه، فأخرِجَ منه، وصُيِّرَ في محفَّةٍ، وحضرهُ الفضلُ بن إسحاق الهاشميّ وعمر بن فرج الرُّخَّجيّ وابنُ الزيَّات وابنُ أبي دؤاد، فلم يعلمُوا بموتِه حتى ضَربَ بوجهه المحفَّة، [فعلمُوا أنَّه قد مات. هذا صورةُ ما ذكره الطبريُّ (٥). قلت: وقد ذكر أبو المتوكل (٦) بما هو أتم من هذا، حدثنا غيرُ واحدٍ عن عبد الملك بن القاسم الكروخي بإسناده إلى أبي المتوكل قال:] كان الواثقُ يحبُّ النساءَ وكثرةَ الجماع، بعثَ [يومًا] إلى ميخائيل الطبيب، فدخلَ عليه وهو نائمٌ في فرشه (٧) وعليه قطيفة خزّ، فقال: يا ميخائيل، أريدُ دواءً للباه، فقال [له:] يا أميرَ المؤمنين، اتَّقِ الله في نفسك [وبدنك]، فإنَّ الجماعَ يهدُّ البدنَ ويضعف النفس، [و] لا سيما إذا تكلَّفَه الرجل، فقال له: لا بدّ، ثم رفعَ القطيفة وإذا بينَ فخذيه وصيفةٌ قد ضمَّها [إلى نفسه،

стр. 6810

وذكر من حسنها وجمالها أمرًا عجيبًا]، (١)، وقال: من يصبرُ عن مثل هذه، فقال: إنْ كان ولا بد، فعليك بلحم (٢) السبع [يُغْلَى منه رطلٌ سبعَ غليات] (٣) بخلِّ خمرٍ عتيق، فإذا جلستَ على شرابك تناول منه مقدارَ ثلاثة دراهم ثلاثَ ليال، فإنَّك تجدُ ما يغنيك، ولا تجاوز ما قلت لك، [فأخذ سَبُعًا وذبحَه، وتناول من لحمه على الوجه الذي ذكره ميخائيل، فأكثر منه على الشراب] (٤) فَسُقِيَ بطنُه، فأجمعَ الأطبَّاءُ على أنَّه لا دواءَ له إلا أن يسجَر تنورٌ بحطبِ الزيتون، ويسخَّنَ حتى يمتلئ جمرًا [فإذا امتلأ كُسِحَ] (٥) ما في جوفه، [ويلقى على ظهره، ويجعل تحته وفوقه الرطبة] ويقعد فيه ثلاث ساعات، فإذا استسقَى ماءً لم يُسْقَ، ثم يخرج [من التنور]، فإذا وجدَ الراحةَ أعادوه، ففعلوا [به] ذلك، فجعلَ يصيحُ ويستغيث، ويقول: أخرجوني فقد احترقت، اسقوني ماءً وقد وكَّلُوا به من يمنعهُ الماء، ولا يدعه أن يقوم من موضعه، فتنفَّطَ بدنه كلُّه، وصار فيه نفاخات أكبرُ من البطيخ، واشتد به الألمُ والوجع، فصاح: ردُّوني إلى التنُّور، وكان قد وجدَ خِفَّةً، فردُّوه، فصاح، وانفجرت النفاخات، وصاحَ أهله وجواريه، فما أُخرِجَ من التنور إلَّا [وقد صار] أسودَ مثل الفحمة، فما مضت عليه ساعةٌ حتى مات (٦). ورَوَى الخطيبُ أنَّه لما احتُضِرَ جعلَ ينشد: [من البسيط] الموتُ فيه جميعُ الخلقِ مُشترِكُ … لا سُوقةٌ منهم يبقَى ولا ملكُ ما ضَرَّ أهلَ قليلٍ في تفاقرهم … وليس يُغني عن الأملاكِ ما مَلكُوا قال: ثم أمر بالبُسُطِ فطويت، وألصقَ خدَّه بالأرض، وجعلَ يقول: يا من لا يزولُ ملكُه، ارحمْ من قد زال ملكُه (٧).

стр. 6811

وروي أنَّه أحضرَ المنجِّمينَ فنظرُوا في مولده، واتفقُوا [على] (١) أنَّه يعيشُ خمسين سنةً مستقبلةً، فماتَ بعد خمسة أيام. [ومن العجائب ما رواه الخطيب عن القاضي التنوخي عن أبيه قال: حدثني الحسين أحمد بن محمد، عن أبيه (٢)، عن] أحمد بن محمد (٣) أمير البصرة [قال: حدثني أبي قال:] كنتُ لحقته مرَّضَ الواثقَ، فكنت قائمًا بين يديه أنا وجماعةٌ من الأولياء والموالي والخدم، إِذْ لَحِقَتْهُ غشيةٌ، فما شككنَا أنَّه قد مات، فقال بعضُنا لبعض: تقدَّموا فاعرفوا خبره، فما جَسَرَ أحد [منا] يتقدَّم إليه، فتقدَّمت أنا، فلمَّا أردتُ أنْ أضعَ يدي على أنفه، لحقته إفاقةٌ، ففتحَ عينيه، فكدتُ أنْ أموتَ فرقًا من أن يراني قد مشيتُ في مجلسه إلى غير رتبتي، فتراجعتُ إلى خلف، وتعلَّقت قبيعةُ سيفي بعتبة المجلس، وعثرتُ به، فاتَّكأت عليه فاندقَّ سيفي، وكاد يدخل في لحمي ويجرحني، فسلَّمتُ وخرجتُ، فاستدعيتُ سيفًا ومِنْطقةً أخرى فلبستها، وجئتُ فوقفتُ في مرتبتي ساعةً، وماتَ الواثق، وجاء الفرَّاشون، فأخذوا ما تحته [في المجلس] من الفرش؛ ليردُّوهُ إلى الخزائن؛ لأنها [كانت] مثبتةً عليهم، وتُرِكَ وحدَه في البيت، فشددتُ لحيته (٤)، وغمَّضتهُ، وسجَّيتُه، ووجَّهتُه إلى القبلة، فقال لي ابن أبي دؤاد: نريدُ أنْ نتشاغلَ بعقدِ البيعة، ولا بدَّ أن يكونَ أحدٌ يحفظُ الميتَ إلى أنْ يُدفنَ، وقد كنتَ من أخصِّ الناسِ به في حياته، فاحفظْهُ بعد مماته، فقلت: نعم، ومضَوا، فرددتُ عليه باب المجلس، وجلست [عند الباب أحفظُه]، وكان المجلس في بستانٍ كبير، فبينا أنا كذلك إذ سمعت في البيت حركة [أفزعتني]، فدخلتُ أنظر [ما هي]؟ وإذا بجرذون من دواب البُستان قد جاء فاستلَّ عين الواثق فأكلَها، [فتعجبت] وقلت: لا إله إلا الله، هذه العينُ التي فَتَحَهَا منذُ ساعةٍ فاندقَّ سيفي لها هيبة [له] صارتْ طعمةً لدابَّةٍ ضعيفةٍ، ثمَّ جاؤوا فغسَّلوه،

стр. 6812

وسألني ابنُ أبي دؤاد عن عينه، فأخبرتُه. [قال: والجرذون دابَّةٌ أكبر] (من اليربوع قليلًا) (١). وقيل: إنَّ هذه الواقعةَ كانت مع إيتاخ (٢) [مملوك الواثق، وأنَّه أكلَ عينه جرذون … (٣). وكذا جرى لمروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية لما قُتِلَ ببُوصير بعث برأسه عبدُ الصَّمد بن علي إلى أخيه عبد الله بن علي بالشام؛ ترك الرأس بين يديهم، وغفلوا عنه ساعة، فجاءت هرَّة فأكلت لسانه، وقد ذكرناه] (٤). وتوفي الواثق بسُرَّ من رأى لأربعِ ساعاتٍ من نهار الأربعاء لست بقينَ من ذي الحجَّة [سنة اثنتين وثلاثين ومئتين]، ودفنَ بقصره المعروفِ بالهارونيّ، وقيل: مع أبيه بالجَوْسَق، وكان المتولِّي لغسله وتكفينه ونزوله في قبره أحمد بن أبي دؤاد، وصلَّى عليه أخوه المتوكل، ودفن وهو ابن سبع [وثلاثين سنة، وقيل: ابن] (٥) ثمان أو تسع وثلاثين سنة. و [كانت] خلافتُه خمسَ سنين وتسعةَ أشهر وأيَّامًا، وقيل: خمس سنين وشهرين وأحد وعشرين (٦) يومًا. [وأما أولادُه، فمحمد وهو المهتدي] (٧)، وليَ الخلافة، وأمُّة قُرب أمُّ ولدٍ روميَّة، وعبد الله، وكنيتُه أبو القاسم، وأحمد، وإبراهيم، وعائشة. ووزيره محمد بن عبد الملك الزيَّات، وقاضيه أحمدُ بن أبي دؤاد، وحاجبه إيتاخ ووصيف. [وقال الخطيب:] حدث عن أبيه المعتصم، وقَدِم معه دمشق في خلافةِ المأمون (٨).

стр. 6813

وقال أحمد بن مدبر: حبسني محمدُ بن الزيَّات، وحبس سليمان بن وَهْب وأحمد بن إسرائيل على ما قال، فقال لي سليمان يومًا: يا أحمد، رأيت البارحة في منامي قائلًا يقول: يموت الواثقُ بعد ثلاثين ليلةً، فعجبتُ، فلمَّا كان يوم الثلاثين قال لي: يا أحمد جاء الأجل، فلمَّا كان في الليل، إذا الباب يُدَقُّ دقًّا شديدًا وقائلًا يقول: ماتَ الواثقُ، فقال أحمد بن إسرائيل: قوموا بنا إلى منازلنا، فقال سليمان بن وهب: كيف نمشي مع بعد المنازل، ولكن نبعثُ من يأتينا بدوابنا، فاغتاظ أحمد بن إسرائيل وقال: نعم، حتى يأتي خليفةٌ آخر، قم بنا عافاك الله، فكاني بالخليفة الذي يأتي يقول: في الحبس جماعةٌ من الكتاب يبقوا حتى يُنْظَرَ في أمرهم، فأسرعنا المشي، وقصدنَا غيرَ منازلنا، واستترنا، فقيل: استوزرَ الخليفة محمد بن عبد الملك، فكتبنَا إليه ورقةً نعرِّفهُ بحالنا، ونستأذنه ما نفعل، فكتب على ظهرها: استخفيتم، وليس فيكم إلا من تخصُّه عنايتي، ورأي فيه جميل، فاظهروا جميعًا، فظهرنا، وقصدناه فطيَّبَ قلوبَنا، وخلع على سليمان بن وهب دوننا (١). * * *

стр. 6814

السنة الثالثة والثلاثون بعد المئتين [وفيها غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، وعذَّبه حتى مات، وسنذكر قصته في موضعها. و] فيها كانت زلزلةٌ عظيمةٌ، [ذكر الحافظُ ابن عساكر في كتاب "الزلازل" وقال: زلزلت دمشق يوم الخميس ضحًى،] (١) لإحدى عشرة ليلة خَلَت من ربيع [الآخر (٢) سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئتين في خلافة المتوكِّل، ذكرها أحمد بن أبي طاهر قال:] جاءت الناس وهم غارُّون، فقطعتْ ربعًا من الجامع بدمشق، وتزايلتِ الحجارةُ العظامُ عن تركيبها، وسقطت شرفُ الجامع، وانصدع طَاقُ القبَّة ممَّا يلي المحراب، ووقعت منارةٌ من المسجد، وسقطت القناطرُ والمنازلُ، فهلكَ خلق عظيم، وامتدَّت في الغوطة، فأتت على داريَّا والمزَّة وبيت لِهْيا وغيرها، وخرجَ الناسُ إلى المصلَّى، واشتغلُوا بالبكاء والدعاء والتضرُّع والاستغفار إلى قريب نصف النهار، فسكنتِ الدُّنيا. [قال ابن عساكر: وذكر] القاضي (٣) أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة [الرُّهاوي (٤) هذه الزلزلة] في "تاريخه" [وقال:] إنَّ بعضَ أهل دير مُرَّان رأى دمشق ترتفعُ وتنخفضُ مرارًا، فماتَ تحت الهدم معظمُ أهلها، و [قال ابن كامل:] وهرب النساء والصبيان ومن بقيَ من الرجال [والنساء وأهل الأسواق] إلى مصلَّى العيد؛ يبكُون ويتضرَّعُون إلى وقت المغرب [والعشاء]، فسكنت الدُّنيا، فعادوا يُخرِجونَ موتاهم من تحت الهدم، ويدفنونهم، وانكفأت قريةٌ بالغوطة فلم ينجُ من أهلها إلَّا رجلٌ واحدٌ. [قال:] وأصابَ أهل البَلْقاء [مثل ما أصاب أهل دمشق] (٥)، وكانت الحيطانُ تنفصلُ حجارتُها [عن البعض]، وعَرْضُ الحائط سبعةُ أذرع، ثم امتدَّت إلى أنطاكية،

стр. 6815

فهدمتها وخربتها، وامتدَّت إلى بلاد الجزيرة والموصل، وأخربتها، فيقال: [إنَّه] هلكَ من أهلها خمسون ألفًا، ومن أهل أنطاكية عشرون ألفًا (١). [فصل وفيها مرض ابن أبي دؤاد]، في جمادى الآخرة، [أصابه] (٢) فالجٌ عظيمٌ ألقاه كالحجر [الملقى]. وفي رمضان ولَّى المتوكلُ ابنَه المنتصر الحرمين والطائف يومَ الخميس لإحدى عشرة ليلةً خلتْ منه. وفي رمضان عزلَ المتوكِّلُ الفضلَ بن مروان عن ديوان الخراج، وولَّاه ليحيى بن خاقان. و [في رمضان] (٣) غضبَ المتوكِّلُ على عمر بن الفرج الرُّخَّجيّ واستصفاه (٤). قال الطبريُّ: دُفِعَ إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فحبس في منزله، واستولى على ضياعه، وصار نجاحُ بن سَلَمة (٥) إلى منزله، فلم يجد فيه إلَّا خمسةَ عشر ألف درهم، وقبض مسرورٌ جواريه وفرسه، وقُيِّدَ عمر بثلاثين رطلًا من الحديد، وأُحضِر مولاه نصر من بغداد، فحمل ثلاثين ألف دينار، وكان لعمر بالأهوازِ أربعون ألف دينار، ولأخيه محمد بن الفرج مئة وخمسونَ ألف دينار، وحُمِل من داره من المتاع ستةَ عشر بعيرًا، ومن الجواهر ما قيمته أربعون ألف دينار، [وأُلْبسَ] (٦) جبَّةَ صوف وقُيِّدَ، فأقام سبعةَ أيَّام [وأخذ عياله ففتِّشُوا، وكنَّ مئة جارية] (٧)، ثمَّ صُولِح على أخذ عشرة

стр. 6816

آلاف ألف درهم، على أن يُرَدَّ ضياعهُ عليه بالأهواز، وأطلقَ، فقال عليُّ بن الجهم: [من البسيط] أبلغ نَجَاحًا فتى الكتَّاب مألُكَةً … تمضي بها الريحُ إصدارًا وإيرادا لا يَخرجُ المال عفوًا من يَدَي عمر … ويغمدُ السيفُ في فوديه إغْمادَا الرُّخَّجيُّون لا يُوفون ما وعدوا … والرُّخَّجيَّات لا يُخلِفْنَ ميعادَا (١) وقال علي بن الجهم أيضًا: [من البسيط] جمعتَ أمرينِ ضاعَ الحزمُ بينهما … تيهَ الملوكِ وأفعال المماليك أردتَ شكرًا بلا برٍّ ومَرزِئةٍ … لقد سَلَكْتَ طريقًا غيرَ مسلوكِ (٢) وقال القاضي التنوخيُّ: كان محمد بن منصور يتقلَّد القضاءَ بكور الأهواز، وعمر الرُّخَّجيُّ على الأموال والولايات، وكانا يتنافسان (٣) في المرتبة، فلا يركبُ القاضي إلى الرُّخَجي حتى يأتيه، ويتشاحنان (٤) على التعظيم، فولدت بينهما عداوة، وكان الرُّخَّجيّ يكتبُ إلى المتوكِّل في القاضي، فلا يلتفتُ إليه، ويبلغُ ذلك القاضي فلا يحتفلُ به، [ويظهر الزيادة في التعاظم عليه. فلمَّا] كان في بعض الأوقات وردَ كتابُ المتوكِّل [على الرُّخَّجيّ يأمره] (٥) بأمرٍ في معنى الخراج، وأن يجتمع بمحمد بن منصور القاضي، ولا ينفرد به دونه. وقَدِم بالكتاب خادمٌ من خدم السلطان، فأنفذ الرُّخَّجيّ إلى القاضي فأخبره الخبر، وقال: نصير إلى ديوان الخراج لنجتمع فيه على امتثال الأمر، فقال القاضي: لا، ولكن تحضرُ أنتَ إلى الجامع، فنجتمع فيه، فأبى الرُّخَّجيُّ، وتردَّدَ الكلام بينهما، إلى أن قال الرُّخَّجيُّ للخادم: ارجع إلى أمير المؤمنين وأخبره بأنَّ قاضيه يريدُ إيقاف الأمر. فبلغه الخبر، فركب ومعه الشهود إلى الديوان والرُّخَّجيُّ قاعدٌ في الدست، وكتابُه

стр. 6817

بين يديه، فقام الكلُّ إلا الرُّخَّجيّ، فعدل القاضي إلى آخر البساط، وطواه وجلس على بارية (١)، وحفَّ به شهوده، وجاء الخادمُ فجلسَ عند القاضي وأراه الكتاب، فلم يزل (٢) الرُّخَّجيّ يخاطبُ القاضي، وبينهما مسافة حتى بلغا الأمر (٣)، فقال الرُّخَّجيّ للقاضي: يا أبا جعفر، ما هذه الجبريَّة، ما تزال تتولَّع بي وتُقَدِّر أنَّك عند الخليفة مثلي، أو أنَّ محلَّك يوازي محلي، والخليفة لا يضربُ على يدي في أمواله التي بها قوام دولته، ولقد أخذتُ من أمواله ألفَ ألف دينار، وألفَ ألف دينار، وألف ألف دينار (٤)، فما سألني عنها، وإنَّما أنت إليك أن تُحَلِّفَ مُنْكِرًا على حقّ، وأن تفرضَ لامرأةٍ على زوجِها، أو تحبسَ من أداء حقٍّ. وأبو جعفر يعدِّد ما ذكرَه الرُّخَّجيّ بيده، ويكشفُها ليراها الناس، فلمَّا سكتَ الرُّخَّجيّ قال القاضي لبعض الوكلاء: وقد سمعت ما جرى، وقد وكَّلتُك لأميرِ المؤمنين على هذا في مطالبته بما أقرَّ على نفسِه. فقال الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال ويكتب به سجلًا. قال: نعم، عليَّ بدواةٍ، وكتبَ السجلّ، وأثبتَه بشهادةِ الشهود، وحكم به عليه. ونهض القاضي والكتابُ بيده، والرُّخَّجيّ يهزأُ به، والقاضي يقول: سوف ترى. وكتب صاحبُ الخبر إلى المتوكِّل بما جرى، فأحضر وزيرَه وقال: أنا منذُ زمانٍ أقول لك حاسب هذا الخائن الرُّخَّجيَّ، وأنت تدافعُ، حتى حفظ الله علينا أموالنا بقاضينا محمد بن منصور، ورَمى إليه بكتابِ صاحب الخبر، ثمَّ قال له: اكتب الساعةَ بالقبضِ على الرُخَّجيّ. فخرج الوزير وهو قلقٌ، لعنايته بالرُّخَّجيّ، وقال لكاتبه: اكتب إليه، وقل له: يا مشؤوم، ما الذي دعاك إلى معاداة القضاة؟ وأنت مقتول إن لم تتلافَ أمرك مع القاضي.

стр. 6818

فجاء الرُّخَّجيُّ إلى القاضي، فحجبه، فرجعَ خجلًا، فاحتال حتى دخل بالليل مع بعض خواصِّ القاضي عليه، فصاح عليه القاضي: اخرج من داري، فأكبَّ على رأس القاضي فقبَّله وبكى، فقام إليه القاضي فاعتنقه، وبكى وقال: عزيزٌ علي، ولا حيلة لي، فقد نفذ الحكمُ، فنهضَ الرُّخَّجيّ، فنفذ القاضي [بمن قبض عليه] (١)، فكتب عليه، ونصبَ وكيلًا، فباع أمواله وأملاكه، وحملَ ثمنها إلى بيت المال (٢). وفيها قَدِمَ يحيى بنُ هَرْثمة -وكان والي طريق مكة- بعليِّ بن محمد بن عليّ الرضا من المدينة، وكان قد بلغَ المتوكِّلَ عنه شيء. وفيها وثبَ ميخائيلُ بن توفيل على أمِّه بدور (٣)، فأدخلَها الدير، وشمَّسها، وقتل رجلًا اتَّهمهُ بها، واسمه الغيثط (٤)، وكانت مملكتها ستَّ سنين. وحجَّ بالناس محمدُ بن دواد. وفيها توفِّي بُهْلُولُ بن صالح (٥) أبو الحسن التُّجِيبِيُّ، قدم بغداد، وحَدَّث بها. ومن رواياته عن ابن عباس رسالة (٦) زياد بن أَنْعُم، [عن أبيه] (٧) قال: يا معاشر قريش، أخبروني عن هذا الكتاب العربي، هل كنتم تكتبونَه قبل أن يُبعثَ محمد ﷺ ؟ قال ابنُ عباس: نعم، قلتُ: وعمَّن أخذتموه؟ قال: من حربِ بن أميَّة، قلت: ومن أينَ أخذه ابنُ أميَّة؟ قال: من عبد الله بن جُدْعان، قلت: ومن أين أخذه ابنُ جُدْعان؟ قال: من أهل الأنبار، قلت: ومن أين أخذَه أهلُ الأنبار؟ قال: من طارئٍ طرأَ عليهم

стр. 6819

من اليمن من كندة، قلت: وممَن أخذَهُ ذلك الطارئ؟ قال: من خلجان كاتبِ الوحي لهود ﵇ وهو القائل: [من الطويل] أفي كلِّ عامٍ سنَّةٌ تُحدِثونَها … ورأيٌ على غير الطريقِ يغيَّرُ ولَلْمَوْتُ خيرٌ من حياة يسبُّنا … بهم جرهم فيمن يَسبُّ وحميرُ محمد بن سَمَاعة ابن عبيد الله بن هلال بن وكيع بن بشر، أبو عبد الله القاضي الحنفي التميميّ. ولد سنة ثلاثين ومئة. وكان إمامًا فاضلًا صاحبَ اختياراتٍ في المذهب وروايات، وله المصنَّفاتُ الحسان، وهو من الحفَّاظ الثقات. وولي القضاء ببغداد، فلم يزل إلى أن ضعُفَ نظره فاستعفَى. وكان يصلِّي كلَّ يومٍ مئتي ركعةٍ، وقال: مكثتُ أربعين سنة لم تَفُتني التكبيرة الأولى في جماعةٍ إلَّا يومًا واحدًا، ماتت فيه أمي، ففاتتني صلاةٌ واحدة، فصلَّيت خمسًا وعشرين صلاةً، ولكن كيفَ لي بتأمين الملائكة (١)؟!. وكانت وفاته في شعبان عن مئةٍ وثلاث سنين، وهو صحيحُ العقلِ والسمع والبصر، لم يتغيَّر عليه حال (٢). حَدَّث عن الليثِ بن سعد وغيره، ورَوى عنه الوشَّاء (٣) وغيره، واتَّفقوا على صدقِه وديانته. محمد بن عبد الملك ابن أبان بن أبي حمزة الزيَّات، أبو يعقوب (٤)، وقيل: أبو جعفر، الوزير، من

стр. 6820

جَبُّل (١)، قريةٍ تحتَ بغداد، وكانَ أبوه تاجرًا من تجَّار الكرخ المياسير، ويحثُّه على التجارة، فيأبى إلَّا الكتابة، وطلبَها فبرع فيها، ثم شخص إلى الحسن بن سهل، فمدحه فأعطاه عشرةَ آلاف درهم (٢)، ثمَّ اتصلَ بالمعتصمِ فرفَع قدرَه ووسَمه بالوزارة، ثم استوزَره الواثق (٣). وكان أديبًا فاضلًا شاعرًا، عالمًا بالنحو واللغة، جوادًا ممدَّحًا، وله أشعارٌ حِسان، ومن بارع قول البحتريِّ يصفُ بلاغته: [من الخفيف] بعضَ هذا العتاب والتفنيدِ … ليسَ ذمُّ الوفاءِ بالمحمودِ في نظامٍ من البلاغة ما شـ … كَّ امرؤٌ أنَّه نظامُ فريدِ ومعانٍ لو فصَّلَتْهَا القوافي … لهجَتْ (٤) شعرَ جَرْولٍ ولبيدِ حُزْنَ مستعملَ الكلامِ اختيارًا … وتجنَّبنَ ظلمةَ التعقيدِ وركبنَ اللفظَ القريبَ فأدركـ … ـــن به غايةَ المرام البعيدِ وترى الخلق مجمعين [على فضـ … ــلك (٥)] مِنْ بين سيِّدٍ ومَسُودِ عَرفَ العالمونَ فضلكَ [بالعلـ … ــم] (٦) وقال الجهَّالُ بالتقليدِ صارمَ العزم حاضر (٧) [الحزم ساري (٨)] الـ … ــفكر ثبتَ المقام [صُلبَ (٩)] العودِ دقَّ فهمًا وجلَّ علمًا فأرضَى اللـ … ــه] فينا والواثقَ بنَ الرَّشيدِ لا يميلُ الهوى به حيثُ يُمْضِي الـ … أمرَ بين المَقْلِيِّ والمودودِ

стр. 6821

سؤددٌ يُصْطَفى ونَيلٌ يُرَجَّى … وثناءٌ يحيى (١) ومالٌ يُودِي قد تلقَّيتَ كلَّ يومٍ جديدٍ … يا أبا جعفر بمجدٍ جديدِ وإذا استطرفَتْ سيادةُ قومٍ … نلت (٢) بالسؤددِ الطريفِ التليدِ (٣) وكان ابن الزيات يتعشَّق جارية من جواري القيان، فبيعت من رجل خراسانيٍّ، فسافر بها، فكاد عقل ابن الزيّات يذهب، وقال: [من البسيط] يا طولَ ساعاتِ ليلِ العاشقِ الدَّنِفِ … وطول رَعْيتِه للنَّجم في السَّدَفِ ماذا تُواري ثيابي من أخي حُرَقٍ … كأنَّما الجسمُ منه دِقَّةُ الألفِ ما قال يا أسفا يعقوبُ من كمدٍ … إلَّا لطولِ الذي لاقَى من الأسفِ (٤) ذكر وفاته: اتَّفَقَ [لغضب] (٥) المتوكل عليه أسبابٌ أقواها (٦) أن الواثقَ استوزَرَه، وغضبَ الواثقُ على أخيه المتوكِّل لشيءٍ بلغَه عنه، ووكل به عمر بن فرج الرُّخَّجِي ومحمد بن العلاء، فكانا يحفظانه، ويكتبان بأخباره في كل وقت، فصار جعفر إلى ابن الزيات يسألُه أن يكلِّم الواثقَ ليرضى عنه، فلمَّا دخلَ عليه مكثَ قائمًا بين يديه مليًّا لا يكلِّمه، ثم أمره بالقعود، وكان ينظرُ في الكتب، فلَّما فرغَ التفت إليه وقال: ما الذي جاء بك؟ كالمتهدد، فقال: لتسألَ أميرَ المؤمنين أن يرضى عنِّي، فقال لمن حوله: انظروا إلى هذا، يُغضِبُ أخاه، ويسألني أنْ أسترضيَه له، اذهب، فإنَّك إذا أصلحتَ حالك رضيَ عنك، فقام المتوكِّلُ كئيبًا حزينًا لما لقي منه من قبيح اللقاء والخيبة. فأتى إلى عمر بن فرج ليسأله أنْ يختمَ له صكَّه ليقبض أرزاقه، فلقيه بالخيبة، فأخذ الصكَّ فرمى به، وكان أبو الوزير أحمد بن خالد حاضرًا، فقام جعفر لينصرف وقام أبو الوزير، فقال له جعفر: يا أبا الوزير، أما ترى صنع عمر؟! فقال له: جعلت فداءك، أنا

стр. 6822

زِمَام عليك، وليس يختمُ على أرزاقي إلَّا بالطلب، فابعث إليَّ بوكيلك، فبعث جعفر وكيلَه، فدفعَ إليه عشرين ألف درهم، وقال: أنفق هذه إلى أن يهيِّئَ الله أمرك، فأخذَها، ثم بعث بعد ذلك جعفر إلى أبي الوزير يسألُه إعانتَه فبعثَ إليه بعشرة آلاف درهم. وبلغ الواثق فنكبَ أبا الوزير، واستأصلَه، وأخذَ أمواله. وكان جعفر لمَّا خرجَ من عند عمر الرُّخَّجِي صار إلى أحمد بن أبي دؤاد، قام واستقبلَه وقبَّل ما بين عينيه، وقال: حاجتُك، جعلتُ فداءك؟ فقال: استرضِ أميرَ المؤمنين لي، فقال: أفعلُ حبًّا وكرامةً. وأما ابنُ الزيَّات فإنَّه كتبَ إلى الواثق يقول: أتاني جعفر بن المعتصم يسألُني أن أكلِّم فيه أميرَ المؤمنين، وهو في زيِّ المخنثين، له شعرٌ على قفاه، فكتبَ إليه الواثق: ابعث إليه من يحضره، وجزَّ شعره، واضربْ به وجهَه، فدعا به، وأمر الحجَّام، فجزَّ شعره، وضرب به قفاه ووجهه (١). قال المتوكل: وكنتُ قد لبستُ سوادًا جديدًا لمَّا جئتُ إليه طمعًا في الرضا عنِّي، فما دخل علي شيءٌ مثلُ ما دخلَ حين أخذَ شعري على السواد الجديد. وأما ابنُ أبي دؤاد فكلَّم الواثقَ في جعفر، فلم يرض عنه، فقال: يا أمير المؤمنين المعتصم عندي معروف، وجعفر ابنه، فبحقِّ المعتصم إلَّا رضيتَ عنه، فرضيَ عنه وكساه، فحظيَ عند المتوكل لمَّا وليَ الخلافة، ورفعَ منزلته. ولمَّا اجتمعوا ليولُّوا خليفةً أشار ابنُ الزيات بمحمد بن الواثق، على ما ذكرنا، وتيقَّن المتوكِّلُ أنَّه أراد صرفَ الأمرِ عنه، فكان ذلك سببًا لهلاكه، فاستوزره، ولم يظهر له شيئًا حتى إذا كان يوم الأربعاء لتسع (٢) خلون من صفر أمرَ إيتاخ بالقبض عليه، فأرسلَ إليه إيتاخ رسولًا، فظنَّ أنَّ المتوكِّلَ طلبَه على عادته، فركب، فلمّا حاذى دارَ إيتاخ أُنزِلَ بها، ثمَّ أُدخِلَ حجرةً، وأُخِذَ سيفُه ومِنْطَقتُه وقَلَنْسُوته ودرَّاعته، فدُفعَتْ إلى

стр. 6823

غلمانه وانصرفوا، ثم بعثَ إيتاخ إلى داره فنهبها، وأخذَ جميع ما فيها من المتاع والأثاث والدوابّ والجواري والغلمان، وبعثَ إلى داره ببغداد، فأخذَ ما فيها من مالٍ وخدم، وقبض ضياعَه وضياعَ أهل بيته وقيَّده، فامتنعَ من الطعام، وكان كثيرَ البكاء في حبسه، ثمَّ سُوهِر ومنعَ من النوم، وكان يُنْخَسُ بمسلَّة لئلَّا ينام، فأقامَ كذلك أيَّامًا، ثمَّ أَمرَ المتوكِّل بتنُّور من خشب، فيه مساميرُ من حديد، فأُدْخِل فيه، وابنُ الزيَّاتِ أوَّلُ من عملَ التنُّور وعذَّب به ابنَ أسباط المصري، حتَّى استخرجَ منه جميع ما كان عندَه، ثمَّ عُذِّبَ بالتنُّور أيَّامًا، وكان في وسط التنور خشبةٌ يجلسُ عليها المعذّبُ ليستريح، فمنعُوه من القعودِ عليها. واختلفوا في كيفية قتلهِ، فقيل: إنه أُخْرِجَ من التنُّور فبُطِح وضُرِبَ على بطنه خمسينَ مِقْرَعة، ثم قُلِب فضربَ على أليتيه مثلَها، فماتَ وهو يضرب، ونتفوا لحيته، وعذَّبوه أشدَّ العذاب، وما أكلَ في حبسه سوى رغيفٍ أو رغيفين. وكان يقول لنفسه: ويحك يا محمد، لم تقنعكَ الدوابُّ الفارهة، والدارُ النظيفة، والعافيةُ، حتَّى طلبتَ الوزارة، فذق وبال أمرك وما فعلت بنفسك، ثمَّ أخذ بعد ذلك بالتوبةِ والاستغفَارِ والذِّكر. والأصحُّ أنَّه مات في التنُّور، ثم طُرِح على بابٍ من خشب، وسُلِّم إلى أهله فغسَّلُوه وحفروا له فلم يعمِّقوا، فذكروا أنَّ الكلاب نبشَتْهُ وأكلَته. وقيل: إنَّ الذي تولَّى دفنَه ابناهُ عبيدُ الله وسليمان، وكانا محبوسين فأُخرِجَا فتولَّياه. وكان قيمةُ ما قُبِضَ له تسعينَ ألف دينار (١). وكان حبسُ المتوكِّل إيَّاه في تاسع (٢) صفر، ومات في الحبس لإحدى عشرة بقيت من ربيع الأوَّل.

стр. 6824

وكان يقول: الرحمةُ خورٌ في الطبيعة، وما رحمتُ أحدًا قطّ، فلما وُضِعَ في التنُّور كان يقول: ارحموني، فيقال له: الرحمةُ خورٌ في الطبيعة، أنسيت قولكَ: ما رحمت أحدًا قط (١). وقال أحمد بن الأحول (٢): لمَّا قُبِضَ على ابن الزيَّات تلطَّفتُ حتى دخلتُ عليه، فرأيتُه في حديدٍ ثقيل، فقلت له: يعزُّ علي ما أرى، فقال: [من الرمل] سلْ ديارَ الحيِّ ما غيَّرها … وعفاها ومحا منظرَها وهي الدُّنيا إذا ما انقلبتْ … صيَّرت معروفَها منكرَها إنما الدُّنيا كظلٍّ زائلٍ … نحمدُ الله كذا قدَّرَها (٣) ولما أُلقي في التنُّور كتبَ بفحمة: [من مجزوء الرمل] مَنْ له عهدٌ بنومٍ … يرشدُ الضَبَّ إليهِ رحمَ الله رحيمًا … دلَّ عينيَّ عليهِ سهرتْ عيني ونامتْ … عينُ من هُنْتُ عليهِ (٤) وحكى المسعوديُّ أنَّه طلبَ دواةَ وورقةً بيضاء، فاستأذنَ الموكَّلون فيه المتوكل، فقال: اعطوه، فأتوه بهما فكتب: [من البسيط] هو السبيل فمن يومٍ إلى يوم … كأنَّه ما تُرِيكَ العينُ في النومِ لا تجزعنَّ رويدًا إنَّها دولٌ … دنيا تنقَّل من قومٍ إلى قومِ وبعثَ بها إلى المتوكل، فأمر بإطلاقِه، فوجدوه قد مات (٥). وابنُ الزيَّات هو الذي كتبَ إليه الحسنُ بن وهب وقَد دام المطرُ أيَّامًا: [من الخفيف]

стр. 6825

أوجَب العُذْرَ في تراخي اللقاء … ما أتانا من هذه الأنواءِ لستُ أدري ماذا أقولُ فأشكو … من سماءٍ تعيقُني عن سماءِ غير أنِّي أدعو لهاتيك بالصَّحـ … ــو (١) وأدعو لهذه بالبقاءِ فسلامُ الإله أهديهِ منِّي … كلَّ يومٍ لسيِّدِ الوزراءِ يحيى بن معين ابن عون بن زياد بن بِسْطام. وقيل: معين بن غياث بن زياد بن عون (٢) بن بِسطام، أبو زكريا، الحافظُ البغداديُّ، مولى الجنيدِ بن عبد الرحمن بن المُرِّي الغطفاني، وأصلُه من الأنبار، من قريةٍ يقال لها: نِقْيَا، بينها وبين بغداد اثني عشر فرسخًا، وقيل: أصله من المري (٣)، فمات أبوه، وخلَّف لابنهِ يحيى ألفَ ألف درهم وخمس مئة ألف درهم (٤)، فأنفقَ الكلَّ على أصحاب الحديث، حتى لم يبقَ له نعلٌ يلبسُه. وكان عالمًا متقنًا عارفًا بالجرح والتعديل، كتبَ ألف ألف حديث، وكانت كتبُه مئة قمطر وعشرين حُبًّا. وكان الإمامُ أحمد يعظِّمُ شأنَه، وما سمَّاه قطُّ باسمِه، بل بكنيته (٥)، ويقول: كلُّ حديثٍ لا يعرفُه أبو زكريا، فليس بحديث.

стр. 6826

وقال عبدُ الله ابن الإمام أحمد (١): حجَّ ابنُ معين، فزار قبرَ النبيِّ ﷺ ، ثمّ خرجَ فبات بظاهر المدينة، فرأى النبي ﷺ في المنام وهو يقول: يا أبا زكريا، أرغبت عن جواري (٢)؟ فقال لرفقائه: اذهبوا فإنِّي راجعٌ إلى المدينة. وقال محمد بن إسماعيل البخاري (٣): كنتُ معه في تلك السفرة، فدخلَ المدينة فأقامَ بها ثلاثًا (٤)، فمرض وماتَ ليلة الجمعة في ذي القعدة، فاجتمعَ الناس، فقال بنو هاشم: لا نغسِّله إلَّا على الأعواد التي غُسِّل عليها رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه نفى الكذب عنه، وأخرجوه إلى البقيع، ونادى منادٍ بين يديه: هذا الذي نَفى الكذبَ عن رسول الله ﷺ ، إلى أنْ وصلَ إلى قبره، وكان قد بلغ سبعًا وسبعين سنةً. ورَثَاهُ بعضُ المحدثين فقال: [من الكامل] ذهبَ العليمُ بعيبِ كلِّ محدِّثٍ … وبكلِّ مختلفٍ من الإسنادِ وبكلِّ وَهْمٍ في الحديث ومشكلٍ … يعني به علماءُ كلِّ بلادِ (٥) وقال بعضُ المحدثين: رأى رجلٌ من أهل المدينة في منامه رسولَ الله ﷺ وأصحابَه وهم مجتمعين في الروضة، فقال: ما بالكم؟ فقال النبيُّ ﷺ : جئنَا نحضرُ جنازةَ هذا الرجل الذي كان ينفي الكذبَ عنِّي. وقال حُبيش بن مبشِّر: رأيتُ يحيى بن معين تلكَ الليلة في النوم، وعلى رأسهِ تاجٌ، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أدخلني عليه في داره، وزوَّجني ثلاثَ مئة حورية؛ ثم

стр. 6827

قال: انظروا إلى عبدي، كيف تطرَّى وحَسُن (١). سافر ابنُ معين إلى الآفاق، ودخل الأمصار، وسمع خلقًا لا يحصون، منهم ابنُ عيينة، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطَّان، وغيرهم. وروى عنه زهيرُ بن حرب، والبخاريُّ، ومسلم في آخرين. واتَّفقوا على صدقه وثقته، إلَّا [ما روى] إبراهيم بن هانئ [قال: رأيت أبا داود] (٢) يقعُ في ابنِ معين، فقلتُ له: في مثلِ ابن معين؟! فقال: نعم، من جرَّ ذيولَ الناس جرُّوا ذيله. يعني أنَّه جرحَ الشيوخ. * * *

стр. 6828

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الخامس عشر [٢٣٤ - ٢٦١ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه فادي المغربي

стр. 6829

السنة الرابعة والثلاثون بعد المئتين فيها أظهر المتوكِّل ﵀ السنَّة، وتُكُلِّمَ بها في مجلسه، ورَفَعَ القولَ بخلق القرآن والمحنةَ، وكتب به إلى الآفاق، ونصرَ أصحابَ الحديث، واستقدمَ العلماء والفقهاء والمحدِّثين إلى سرَّ من رأى، فكان فيهم مُصعب الزبيريّ، وإسحاق بنُ أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عبد الله (١) الهرويّ، وعبد الله وعثمان ابنا محمد بن أبي شيبة، ومحمدُ بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فقُسِّمت فيهم الجوائز، وأُجرِي عليهم الأرزاق، وأمرهُم أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الردُّ على المعتزلة والجهمية وأحاديثِ الرؤية، فجلسَ عثمانُ بن أبي شيبة في مدينة المنصور على منبر، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألفًا، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة بجامع الرُّصَافة، فاجتمع إليه مثل ذلك. وقال ابنُ أبي الشوارب: استأذنتُ المتوكِّلَ في الرجوع إلى البصرة، ووددِتُ أنِّي لم أكن استأذنتُه؛ كنتُ أكونُ في جواره، فقيل: ولم؟ قال: اشهدوا عليَّ أنَّني قد جعلتُ دعائي في المشاهد كلِّها للمتوكِّل، وذلك أنَّ صاحبَنا عمر بن عبد العزيز جاءَ اللهُ أبه، فرَدَّ المظالمَ، وجاء الله بالمتوكِّل فردَّ الدين (٢). وقال الصوليّ: لمَّا رَفَعَ المتوكِّلُ القولَ بخلق القرآن، وأَحيى السنَّة، قال الناس (٣): الخلفاءُ ثلاثة؛ أبو بكر ﵁ قاتلَ أهلَ الردَّة حتى أذعنوا، وعمرُ بن عبد العزيز حين ردَّ المظالمَ التي أخذها بنو أميَّة، والمتوكِّلُ فإنَّه أَحيى السنَّة وأماتَ البدعة. وفيها (٤) جرت قصَّةُ محمد بن البعيث بسرَّ من رأى، فهربَ إلى أَذْرَبيجان، ومقرُّه

стр. 6830

بمَرَنْد، وكانت له قلعتان حصينتان؛ إحداهما بكدر (١) خارجَ البحيرة، والأخرى شاهي، وهي في البحيرة، والبحيرة قدر عشرين (٢) فرسخًا في جدار إرمينية ومراغة، وهي لا سمك فيها ولا خير (٣). وقيل: إنَّ ابن البعيث كان محبوسًا عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلَّم فيه بُغَا الشرابيّ، وأخذَ منه ثلاثين كفيلًا، وأقام يتردَّدُ إلى سامرَّاء (٤)، فلمَّا مرض المتوكِّلُ هربَ إلى مَرَند، واجتمع إليه الناس، فصار في ألفين من الفرسان. فبعث إليه المتوكِّلُ حمدويه السعديّ، فحصره في مَرَنْد، وهي مدينة كبير استدارتها فرسخان، وفي داخلها بساتين كثيرة، فلم يقدر عليه حمدويه؛ لأنه احترز واحتاط، فبعث إليه المتوكِّلُ بغا الشرابي (٥) في أربعةِ آلاف مقاتل، فقطعوا ما حولَها من الأشجار، فبلغ ذلك مئتي ألف شجرة (٦)، ونصبوا عليها عشرين منجنيقًا، وفعلَ ابنُ البعيث كذلك، وكان عنده علوجٌ رُستاقية يرمونَ بالمقاليع، ولا يكادون يخطئون، فَقتلوا من عسكر المتوكِّل نحوًا من [مئة رجل، وجُرِح نحو من] (٧) أربع مئة رجل. وطالَ الحصار عليه، فأرسلَ (٨) بُغَا الأمان له ولمن معه، وأن ينزلُوا على حكم أمير المؤمنين، فخاف إن ظفر بهم لم يبق منهم أحد (٩)، وخافَ أصحابه فنزلوا بالحبال
следующие страницы →