← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

وقال عبدُ الله ابن الإمام أحمد (١): حجَّ ابنُ معين، فزار قبرَ النبيِّ ﷺ ، ثمّ خرجَ فبات بظاهر المدينة، فرأى النبي ﷺ في المنام وهو يقول: يا أبا زكريا، أرغبت عن جواري (٢)؟ فقال لرفقائه: اذهبوا فإنِّي راجعٌ إلى المدينة. وقال محمد بن إسماعيل البخاري (٣): كنتُ معه في تلك السفرة، فدخلَ المدينة فأقامَ بها ثلاثًا (٤)، فمرض وماتَ ليلة الجمعة في ذي القعدة، فاجتمعَ الناس، فقال بنو هاشم: لا نغسِّله إلَّا على الأعواد التي غُسِّل عليها رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه نفى الكذب عنه، وأخرجوه إلى البقيع، ونادى منادٍ بين يديه: هذا الذي نَفى الكذبَ عن رسول الله ﷺ ، إلى أنْ وصلَ إلى قبره، وكان قد بلغ سبعًا وسبعين سنةً. ورَثَاهُ بعضُ المحدثين فقال: [من الكامل] ذهبَ العليمُ بعيبِ كلِّ محدِّثٍ … وبكلِّ مختلفٍ من الإسنادِ وبكلِّ وَهْمٍ في الحديث ومشكلٍ … يعني به علماءُ كلِّ بلادِ (٥) وقال بعضُ المحدثين: رأى رجلٌ من أهل المدينة في منامه رسولَ الله ﷺ وأصحابَه وهم مجتمعين في الروضة، فقال: ما بالكم؟ فقال النبيُّ ﷺ : جئنَا نحضرُ جنازةَ هذا الرجل الذي كان ينفي الكذبَ عنِّي. وقال حُبيش بن مبشِّر: رأيتُ يحيى بن معين تلكَ الليلة في النوم، وعلى رأسهِ تاجٌ، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أدخلني عليه في داره، وزوَّجني ثلاثَ مئة حورية؛ ثم

стр. 6827

قال: انظروا إلى عبدي، كيف تطرَّى وحَسُن (١). سافر ابنُ معين إلى الآفاق، ودخل الأمصار، وسمع خلقًا لا يحصون، منهم ابنُ عيينة، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطَّان، وغيرهم. وروى عنه زهيرُ بن حرب، والبخاريُّ، ومسلم في آخرين. واتَّفقوا على صدقه وثقته، إلَّا [ما روى] إبراهيم بن هانئ [قال: رأيت أبا داود] (٢) يقعُ في ابنِ معين، فقلتُ له: في مثلِ ابن معين؟! فقال: نعم، من جرَّ ذيولَ الناس جرُّوا ذيله. يعني أنَّه جرحَ الشيوخ. * * *

стр. 6828

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الخامس عشر [٢٣٤ - ٢٦١ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه فادي المغربي

стр. 6829

السنة الرابعة والثلاثون بعد المئتين فيها أظهر المتوكِّل ﵀ السنَّة، وتُكُلِّمَ بها في مجلسه، ورَفَعَ القولَ بخلق القرآن والمحنةَ، وكتب به إلى الآفاق، ونصرَ أصحابَ الحديث، واستقدمَ العلماء والفقهاء والمحدِّثين إلى سرَّ من رأى، فكان فيهم مُصعب الزبيريّ، وإسحاق بنُ أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عبد الله (١) الهرويّ، وعبد الله وعثمان ابنا محمد بن أبي شيبة، ومحمدُ بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فقُسِّمت فيهم الجوائز، وأُجرِي عليهم الأرزاق، وأمرهُم أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الردُّ على المعتزلة والجهمية وأحاديثِ الرؤية، فجلسَ عثمانُ بن أبي شيبة في مدينة المنصور على منبر، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألفًا، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة بجامع الرُّصَافة، فاجتمع إليه مثل ذلك. وقال ابنُ أبي الشوارب: استأذنتُ المتوكِّلَ في الرجوع إلى البصرة، ووددِتُ أنِّي لم أكن استأذنتُه؛ كنتُ أكونُ في جواره، فقيل: ولم؟ قال: اشهدوا عليَّ أنَّني قد جعلتُ دعائي في المشاهد كلِّها للمتوكِّل، وذلك أنَّ صاحبَنا عمر بن عبد العزيز جاءَ اللهُ أبه، فرَدَّ المظالمَ، وجاء الله بالمتوكِّل فردَّ الدين (٢). وقال الصوليّ: لمَّا رَفَعَ المتوكِّلُ القولَ بخلق القرآن، وأَحيى السنَّة، قال الناس (٣): الخلفاءُ ثلاثة؛ أبو بكر ﵁ قاتلَ أهلَ الردَّة حتى أذعنوا، وعمرُ بن عبد العزيز حين ردَّ المظالمَ التي أخذها بنو أميَّة، والمتوكِّلُ فإنَّه أَحيى السنَّة وأماتَ البدعة. وفيها (٤) جرت قصَّةُ محمد بن البعيث بسرَّ من رأى، فهربَ إلى أَذْرَبيجان، ومقرُّه

стр. 6830

بمَرَنْد، وكانت له قلعتان حصينتان؛ إحداهما بكدر (١) خارجَ البحيرة، والأخرى شاهي، وهي في البحيرة، والبحيرة قدر عشرين (٢) فرسخًا في جدار إرمينية ومراغة، وهي لا سمك فيها ولا خير (٣). وقيل: إنَّ ابن البعيث كان محبوسًا عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلَّم فيه بُغَا الشرابيّ، وأخذَ منه ثلاثين كفيلًا، وأقام يتردَّدُ إلى سامرَّاء (٤)، فلمَّا مرض المتوكِّلُ هربَ إلى مَرَند، واجتمع إليه الناس، فصار في ألفين من الفرسان. فبعث إليه المتوكِّلُ حمدويه السعديّ، فحصره في مَرَنْد، وهي مدينة كبير استدارتها فرسخان، وفي داخلها بساتين كثيرة، فلم يقدر عليه حمدويه؛ لأنه احترز واحتاط، فبعث إليه المتوكِّلُ بغا الشرابي (٥) في أربعةِ آلاف مقاتل، فقطعوا ما حولَها من الأشجار، فبلغ ذلك مئتي ألف شجرة (٦)، ونصبوا عليها عشرين منجنيقًا، وفعلَ ابنُ البعيث كذلك، وكان عنده علوجٌ رُستاقية يرمونَ بالمقاليع، ولا يكادون يخطئون، فَقتلوا من عسكر المتوكِّل نحوًا من [مئة رجل، وجُرِح نحو من] (٧) أربع مئة رجل. وطالَ الحصار عليه، فأرسلَ (٨) بُغَا الأمان له ولمن معه، وأن ينزلُوا على حكم أمير المؤمنين، فخاف إن ظفر بهم لم يبق منهم أحد (٩)، وخافَ أصحابه فنزلوا بالحبال

стр. 6831

مستأمنين إلى بُغَا، وفتحوا بابَ المدينة، وهرب ابن البعيث، فأُدرِكَ وأُخِذ أسيرًا، وانتهبتْ منازلُه ومنازل أصحابه، وحُمِل إلى سامراء، فحبس بالمطبق، فيقال: إنه هلك فيه. وفي روايةٍ أنَّ المتوكِّلَ بعث إلى ابن البعيث حمدويه وزيرك التركيّ (١)، فأقام هو وحمدويه يحاصرانه، ثم بعث المتوكل بغا، فنزل قريبًا من مَرَنْد في أربعة آلاف، وأرسلَ إلى ابن البعيث وأصحابه فأمَّنهم، وأن ينزلوا على حكم المتوكِّل، وإلَّا سار إليهم وقاتلَهم ولم يُبْقِ منهم أحدًا، فأجابُوه، وكتبَ إلى المتوكِّل أنَّ الفتحَ كان على يده. وفيها خلعَ المتوكِّلُ على إسحاق بن إبراهيم بن مصعب والي بغداد، وعقدَ له لواءً عظيمًا، وخرجَ في موكبٍ عظيم، فقال قائلٌ: من هذا؟ فقالت امرأة كانت واقفةً: هذا سقطَ من عينِ الله فابتلاه بما ترون، فسأل عنها، فقيل: إنَّها أختُ بشر الحافي، أو من أهله (٢). وفيها هبت سموم لم يعهد مثلها بأرض العراق، فأحرقت زرعَ أهل الكوفة والبصرة والأهواز وبغداد، وقتلت المسافرين في الطُّرق، ودامتْ نيِّفًا وخمسين يومًا، ثمَّ مضت إلى هَمَذَان، فأحرقت الزرع والمواشي وبني آدم، ثم جاءت إلى الموصل، وخرجت من (٣) برية (٤) سِنْجَار، فأقامتْ بالمَوْصل، فمنعت الناس من المعاشِ في الأسواق، والمشي في الأزقة، وأهلكتْ خلقًا عظيمًا (٥). وفيها ضجَّ أهلُ بغداد من أصحابِ ابن أبي دؤاد، وقالوا: لا نرضَى بأحدٍ منهم، وكان القاضي عبيد الله بن أحمد من أصحابه، فعزله المتوكِّل، وولَّى عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر الوَابصي، من ولد وَابصةَ بن معبد، وكان قبل ذلك على قضاءِ

стр. 6832

الرقَّة، فسكن الناس (١). وفيها فوض إلى إيتاخ الحجاز والكوفة وتهامة ومكَّة والمدينة، ودُعِيَ له على المنابر. وسببُ حجِّه في هذه السنة تغيُّر المتوكِّل عليه، وكان إيتاخ في بدايته غلامًا من الخزر طباخًا لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم سنة تسع وتسعين ومئة، وكان له رُجلَةٌ وباس، فرفعَه المعتصم، وولاه الواثق من بعده، وكان (٢) من أرادَ الواثقُ والمعتصمُ والمتوكل قتلَه سلَّمه إليه مثل عجيف (٣) والعباس بن المأمون وابن الزيَّات وغيرهم، وكانت ولايتُه لمَّا ولي المتوكل الخلافة ولايةَ الأموال والبريد والجيوش والحجابة ودار الخلافة وغيرها، فخرجَ المتوكِّلُ بعدما استقرَّت له الخلافةُ متنزِّهًا إلى القاطول، فشرب ليلة وعربد على إيتاخ، وهمَّ بقتله (٤)، فلمَّا أصبحَ قيل له، فاعتذرَ إليه، وقال: أنتَ أبي وصاحب دولتي ومقدَّمُها ورئيسُها. وقيل: إنَّ إيتاخ عربد عليه. فلمَّا صارَ المتوكِّلُ إلى سامراء دسَّ إليه من يشيرُ عليه بالاسئذان للحجّ، فاستأذنَه، فأذنَ له وصيَّرهُ أميرَ كلِّ بلدةٍ يدخلُ إليها، وخلع عليه، وركب جميع القوَّاد معه لوداعه، فلمَّا خرجَ صيَّر المتوكِّلُ الحجابةَ إلى وصيف في ذي القعدة. وقيل: إن هذه القصة كانت في السنة الماضية (٥). ولمَّا رجعَ من الحجِّ استصفى المتوكِّلُ ماله، وحُبِسَ وضُرِبَ، فماتَ في الحبسِ، كما سنذكرُه إن شاء الله. وحجَّ بالناسِ محمدُ بن داود بن عيسى. وفيها توفي

стр. 6833

أحمدُ بن حرب ابن عبد الله بن سهل بن فيروز، أبو عبد الله، الزاهد النيسابوريّ، وقيل: المروزيّ. كان حسنَ (١) الطريقة، ظاهر النُّسك، عابدًا مجتهدًا. والكرَّاميةُ تنتحلُه. وردَ بغداد حاجًّا في أيام الإمام أحمد رحمة الله عليه، وحدَّث بها. وكان يحيى بن يحيى يقول: إن لم يكن أحمد بن حرب من الأبدال، فلا أدري من هم. وقال إسماعيل: دَخلتُ على الإمام أحمد، وقد قَدِمَ أحمدُ بن حرب من مكَّة، فقال لي: من هذا الخراسانيُّ الذي قَدم؟ قلت من زُهده كذا وكذا، فقال: لا ينبغي لمن يدَّعي ما يدَّعيه أنْ يُدْخِلَ نفسَه في الفتيا. وقال أحمد بن حرب: المنازلُ أربعة، فثلاثةٌ منها [مجاز] (٢)، وواحدٌ حقيقة، عمرنا في الدنيا، ومكثُنا في القبور، ومقامنا في الحشر، ومنصرفُنا إلى الأبد الذي خلقنا له، فَمَثَلُ عمرنا في الدنيا كالمُتَعَشِّي للحاجِّ، لا يطمئنُّ ولا يَحلُّون الأثقال عن الدوابِّ لسرعة الارتحال، ومثل مكثنا في القبور مثلُ أحد منازل الحاجّ، يضعونَ الأثقال ويستريحونَ يومًا وليلة، ثمَّ يرتحلون، ومَثَلُ مقامنا في الحشر كمَقْدِمِهم مكَّةَ، يقضونَ النُّسك ويوفون النذور، ثم يفترقون، وكذا القيامة يفترقون (٣)، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، والرابعُ هو الحقيقة. وتوفِّي في رجب، وهو ابنُ ثمانٍ وخمسين سنةً وأشهر. وقال ابن دلويه: رأيتُ أحمد بن حرب في منامي بعدَ وفاته بشهر، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غَفَرَ لي وفوق المغفرة، قلت: وما فوق المغفرة؟ قال: أكرمني بأنْ يستجيبَ دعواتِ المسلمين إذا توسَّلُوا بقبري (٤).

стр. 6834

سمع سفيان بن عيينة وخلقًا كثيرًا، وروى عنه أحمد بن الأزهر وغيره، وأجمعوا على صدقه وثقته (١). إيتاخ بن عبد الله التركيّ كان سيفَ النقمة للخلفاء، وكان المتوكِّلُ قد خافَه، فجلسَ معه ليلةً بالقاطول، فعربدَ على المتوكل، فقال له: أتريدُ أن تلعَب بي كما لعبتَ بالخلفاء، فهمَّ به، ثم افترقَا على ضَغِينَةٍ، فدسَّ إليه المتوكل من يشيرُ عليه بالحجِّ، كما سبق. فلما بلغَ الكوفة ولَّى مكانه. ولمَّا عاد من الحجّ، أرادَ أن يسلكَ طريق الفرات إلى سامراء، ولو فعل لقدر على المتوكل. وكان المتوكِّل قد كتبَ إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب -وهو ببغداد- ما يعتمدُه، فلمَّا وصلَ إيتاخ الكوفة، كتبَ إليه إسحاق: إنَّ أمير المؤمنين قد رسم أن تدخل بغداد ليتلقَّاك وجوهُ بني هاشم، وتطلقَ الجوائز، وتنزل دار خزيمة بن خازم، فجاء إلى بغداد، فتلقاه وجوهُ بني هاشم، وفرق إسحاقُ بينه وبين غلمانه، وأَنزَلهُ دارَ خزيمة، ثم قبضَ عليه وقيَّده وكبَّله بالحديد ثمانين رطلًا، فتوفي ليلةَ الخميس عاشر جمادى الأولى -وقيل: في المحرم- فأحضر إسحاقُ القضاةَ والشهود، فشهدُوا أنَّه ماتَ حتفَ أنفه ولا أثرَ به. وقيل: إنَّه طلبَ الماءَ فلم يُسْقَ، فماتَ عطشًا. وقيل: مات سنة خمس وثلاثين (٢). فاستصفى المتوكِّلُ أمواله، فبلغت ألف ألف دينار، وحُبِسَ ابناه، حتى أطلقهما المنتصر لمَّا ولي الخلافة. وفي روايةٍ أن إسحاق التقاه من الياسرية، فلمَّا نظر إليه إسحاق أهوى لينزل، فحلفَ عليه إيتاخ أنْ لا يفعل. وكان إيتاخ في ثلاث مئة من غلمانه وأصحابه، فلمَّا وصلَ بغداد

стр. 6835

تقدَّمه إسحاقُ فعبرَ الجسر، ووقف على باب دار خزيمة، وقال لإيتاخ: ينزلُ الأمير، فنزل، وتأخَّر إسحاق، وأمر أن لا يدخلَ الدار من غلمانه إلَّا ثلاثةٌ أو أربعة، وأخذت عليهم الأبواب، وقطعت الدرج، ففطن فقال: أو قد فعلوها!؟ ثمَّ أَخَذَ ولديه منصورًا ومظفرًا وكاتبَه سليمان بن وهب، فقيَّدهُم وحبسهم، ونقلَهم جميعًا إلى داره (١). ثمَّ إنَّ إيتاخ قال لبعض غلمان إسحاق: أقرئه عنِّي السلام وقل له: قد علمتَ ما كان المعتصمُ والواثقُ يأمراني به، فكنتُ أدفع عنكَ ما أمكنني، فلينفعني ذلك عندك اليوم، أما أنا فقد مرَّت بي شدائدُ ورخاء، فما أبالي ما أكلتُ وما شربت، وأمَّا هذان الغلامان فإنَّهما عاشا في رخاءٍ ونعمة، لم يعرفا البؤس، فصيِّر لهما ما يأكلان من اللحم وغيرهِ، فأعاد الرجل على إسحاق ما قاله إيتاخ، وكانت وظيفةُ إيتاخ في كلِّ يومٍ رغيفٌ وكوزٌ من ماء، وجعل لابنيه سبعة أرغفةٍ ولحمًا (٢). زهير بن حَرْب ابن شداد، أبو خيثمة النَّسائيّ، ولدَ سنةَ ستين ومئة، وكان رفيقَ الإمام أحمد رحمة الله عليه في بعض أسفاره، وكان عالمًا فاضلًا ورعًا. سافرَ إلى البلاد وسمعَ الكثير، وتوفي ببغداد في شعبان. أسندَ عن خلقٍ كثير منهم سفيان بن عُيينة وغيره، وصنَّفَ المسنَد والكتب، وأخرج عنه البخاريُّ ومسلم وغيرهما، وأجمعوا على صدقه وثقتِه وديانته (٣). سليمان بن داود ابن بشر بن زياد، أبو أيوب البصري المِنْقَريُّ، يعرف بالشَّاذَكونيّ. قدِمَ بغداد، فجالس الحفاظ وذاكرهم، ثم خرجَ إلى أصبهان فسكنَها، وانتشر حديثُه [بها] (٤).

стр. 6836

وقال عمرو الناقد: ما كان في أصحابنا أسرد للحديث من الشاذكوني (١). ولما قدم بغداد قال لي الإمام أحمد: اذهب بنا إليه نتعلَّمْ منه نقدَ الرجال (٢). وتوفي في جمادى الآخرة (٣) بأصبهان. حدَّثَ عن خلقٍ كثير، وكان حافظًا متقنًا، وقد تكلَّموا فيه. وقال الخطيب: هو الذي روى عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّهم سائلُوك عن المجرَّة، فقل لهم: إنَّها من عَرَقِ الأفعى الذي تحتَ العرش" (٤). فأنكرَ الناسُ عليه هذا وأشباهَه. وقال إسماعيل بن طاهر البلخيّ (٥): رأيتُ الشاذكونيّ في النوم، فقلت له: ما فعلَ الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال: كنتُ في طريق أصبهان، فأخذني المطرُ، وكانت معي كتبٌ، ولم أكن تحت سقف ولا عندي شيء يكنُّني، فانكببتُ على كتبي حتى أصبحتُ، وهدأ المطر، فغفر الله لي بذلك (٦). سليمان بن عبد الله ابن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، قَدِمَ دمشق صحبةَ المأمون، وولاه المدينة، ثمَّ عزله المعتصم، وولَّاه المأمون اليمن، فقدمَ بغداد، فوافق يوم الفطر، وصلَّى بهم العيد، وكان ولَّاه أمرَ كلِّ بلد يدخل إليه، حتى يصل إلى اليمن، وذلك سنة ست عشرة ومئتين (٧).

стр. 6837

عليُّ بنُ عبد الله ابن جعفر بنُ يحيى بن بكر بن سعيد (١). وقيل: جعفر بن نَجِيح بن بكر بن سعد (٢)، أبو الحسن السعدي مولاهم، ويعرف بابن المَدِينيّ، البصريُّ الدار، وأحد أئمَّة الحديث في عصره، والمقدَّم على حفَّاظه، وأبوه محدِّثٌ مشهور (٣). ولد على سنة إحدى وستين ومئة. وكان سفيان بن عُيينة يقول: إنِّي لأتعلَّم من ابن المدينيّ أكثرَ ممَّا يتعلَّم منِّي (٤)، ولولاه ما جلست (٥). وكذا كان يحيى بن سعيد القطَّان يقول: الناسُ يلوموني في قعودي مع عليّ، وأنا أتعلَّم منه أكثر مما يتعلَّم منِّي (٦). وكان الإمام أحمد رحمةُ الله عليه لا يسمِّيه باسمه، إنَّما يكنيه تبجيلًا له (٧). وقال البخاريُّ: ما استصغرتُ نفسي مع أحدٍ إلَّا مع عليِّ بن المديني (٨). وقال عباس العنبري: كان ابن المديني قد بلغ مبلغًا، لو قضي له أن يَتمَّ على ذلك، لعلَّه كان يقدَّمُ على الحسن البصريّ، كان الناسُ يكتبونَ قيامَه وقعودَه ولباسه، وكلَّ شيءٍ يقول ويفعل، ونحو هذا (٩).

стр. 6838

وقال أبو حاتم الرازي: كان عليٌّ عَلَمًا في الحديث ومعرفة الرجال والتعليل (١). وقال (٢): قال ابن المديني: رأيتُ في المنام، كأنَّ الثُّريَّا قد نزلت (٣) حتى تناولتُها، قال أبو قدامة: صدقَ (٤)، لقد بلغَ في الحديث مبلغًا لم يبلُغه أحد. وقيل للبخاريِّ: ما تشتهي؟ قال: أقدمُ العراق وابنُ المديني حيٌّ فأجالسه (٥). توفي في ذي القعدة بسامراء، وقيل: بالبصرة (٦). أسند عن خلق كثيرٍ، سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبد الرزاق، وغيرهم. وقَدِم بغداد وحدَّث بها، فروى عنه محمد بن يحيى الذُّهْلي، والبخاريّ، وأبو حاتم الرازي، وخلقٌ كثير، إلَّا أنَّه لمَّا مال إلى ابن أبي دؤاد، وصَحِبَهُ، وقال بقوله، رجعَ الناس عن روايته (٧). قال ابن أبي دؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين هذا يزعم -يعني الإمام أحمد بن حنبل

стр. 6839

رحمة الله عليه- أنَّ الله تعالى يُرَى في الآخرة، والعينُ لا تقعُ إلَّا على محدود، والله تعالى لا يُحَد، فقال له المعتصم: ما عندكَ في هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عندي ما قاله رسول الله ﷺ ، قال: وما قال؟ قال: حدثنا غُندر، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البَجَلِيّ قال: كنّا مع النبيِّ ﷺ في ليلة أربع عشرة من الشهر، فنظر إلى البدر، فقال: "أما إنَّكم سترونَ ربَّكم كما تَرون هذا البدر، لا تُضامُّون في رؤيته (١) "، قال المعتصم: ما عندك في هذا؟ قال: أنظرُ في إسناد هذا الحديث، ثم قام ابن أبي دؤاد وخرج، فاستدعى بالمدينيّ -وهو لا يقدرُ على درهم- فأحضَره، فما كلَّمَه بشيء حتَّى وصلَه بعشرة آلاف درهم، وقال: هذه وَصَلَكَ بها أميرُ المؤمنين، وأمرَ أنْ يدفعَ إليك جميعُ ما يُستَحَقُّ من رزقك، وكان فاتَهُ رزقُ سنتين، ثمَّ قال: يا أبا الحسن، حديثُ جرير بن عبد الله في الرؤية؟ قال: نعم، صحيح، قال: فهل عندكَ فيه شيءٌ؟ قال: يعفيني القاضي من هذا، قال: يا أبا الحسن، هو حاجة الدهر، ثمَّ أمرَ له بثيابٍ، ومركبٍ بسَرْجِه ولجامه، وبطيب، ولم يزل به حتى قال: في إسناده من لا يُعتَمد عليه، وهو قيس بنُ أبي حازم، إنَّما كان أعرابيًّا بوَّالًا على عقبيه، فقام إليه فاعتنقه وقبَّل ما بين عينيه، ثمَّ دخل على المعتصم فقال: يا أمير المؤمنين، هذا يحتجُّ في الرؤية بحديث جرير، وإنما يرويه قيسُ بن أبي حازم، وكان أعرابيًّا بوَّالًا على عقبيه، قال الإمام أحمد ﵀: فعلمتُ أنَّه من عمل ابن المديني، وكان آكدَ في ضرب الإمام أحمد (٢).

стр. 6840

فلمَّا قال ابنُ المدينيِّ ذلكَ هجرَه الناس، وأسقطوا روايتَه، ونسبوهُ إلى النفاق والميل إلى الدنيا (١)، وقد أجمعَ العلماءُ على تصحيحِ رواية قيس وعدالته، وأنَّه رَوى عن تسعةٍ من العشرة ﵃، وكان من (٢) الثقاتِ، ليس لأحدٍ فيه مطعن، وليس في التابعين من أدركَ تسعة من العشرة غيره، وهذا الحديثُ رواه عشرةٌ من الصحابة (٣)، وأخرجه البخاريُّ ومسلم (٤). وكان ابنُ المديني إذا جاءهُ حديثٌ قد رواه الإمامُ أحمد يقول: اضرب على هذا؛ ليرضي ابن أبي دؤاد، وقد سمعَ ابنُ المديني من الإمامِ أحمد وهو شيخه. وقال زكريا بن يحيى الساجيّ: قَدم ابنُ المدينيِّ البصرةَ، فسار إليه بُندار، فجعل يقول: قال أبو عبد الله، فقال على رؤوس الملأ: مَنْ أبو عبد الله، أحمد بن حنبل؟ قال: لا، أحمد بن أبي دؤاد، فقال له بُندار: عند الله أحتسب خطايَ إليك، ثمَّ قام مغضبًا (٥). وكان عند إبراهيم الحربيّ قِمَطْرٌ من حديث عليِّ بن المديني، فتركه، فقيل له: لم لا تحدث عنه؟ قال: لقيتُه يومًا وبيده نعلُه وثيابه في فمه، فقلت: إلى أين؟ فقال: الصلاة خلف أبي عبد الله، فظننت (٦) أنَّه يعني أحمد بن حنبل، فقلت: من، أبو عبد الله؟ فقال: ابنُ أبي دؤاد، فقلت: والله لا حَدَّثتُ عنك بحرفٍ أبدًا. ودخلَ ابنُ المديني على ابن أبي دؤاد بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل ومعه رقعة، فناولَه إيَّاها وقال: هذه وجدتُها في داري، وفيها: [من الكامل]

стр. 6841

يا ابنَ المدينيِّ الذي لاحتْ له … دنيا (١) فجادَ بدينه لينالهَا ماذا دعاكَ إلى اعتقادِ مقالةٍ … قد كان عندكَ كافرًا من قالها أمرٌ بَدَا لك رشدُه فقبلتَه … أم زهرةُ الدنيا أردتَ نوالها (٢) ولقد عَهِدتُكَ لا أبا لي مرَّةً … صعبَ المقادة للتي تُدْعَى لها (٣) إنَّ الحريب لَمَن يُصابُ بدينه … لا من يُرَزَّى ناقةً وفِصالهَا فقال ابن أبي دؤاد: قد هجا (٤) خيارَ الناس، ولا هدمَ الهجو حقًّا، ولا بَنَى باطلًا، وقد قمتَ وقمنَا من حق الله بما يَصغرُ قدرُ الدنيا عند كثير (٥) ثوابه، ثمَّ أعطاه خمسة الآف درهم وقال: اصرفْها في شأنك. وقال العباس بن عبد العظيم: دخلتُ على ابن المدينيِّ فرأيتُه مغمومًا، فقلت: ما لك؟ قال: رأيتُ في المنام كأنِّي أخطُبُ على منبر داود ﵇، فقلت: خيرًا رأيتَ كأنَّك تخطبُ على منبر نبيّ، فقال: لو رأيتُ أنِّي أخطبُ على منبر أيوب كان خيرًا؛ لأن أيوب ابتلي في بدنِه، وداود في دينه، وأخشى أني أفتتن في ديني (٦). وكان منه القولُ بخلق القرآن ما كان. وقال ابن مَعين: كان ابن المدينيّ إذا حضرَ عندنا أظهَر السُّنَّة، وإذا مضى إلى البصرة أظهر التشيُّع (٧). وقد روي رجوعه، فحكَى الخطيبُ عنه أنَّه قال: إنما أجبتُ تقيَّةً، وخفت السيف، حُبِستُ في بيتٍ مظلمٍ ثمانيةَ أشهر، وفي رجلي قيدٌ ثمانيةُ أَمْنَاء، حتَّى خفتُ على

стр. 6842

بصري (١). وإنَّ أحمد بن حنبل قويَ على ضربِ السِّياط، وأنا ضَعفتُ عنها (٢). لو ضربت سوطًا واحدًا لمتُّ (٣). وقيل له: مع علمك كيفَ أَجبتَ؟ فقال: ما أهونَ عليكم السيف (٤)! وقال عمار بن أبي شيبة (٥): سمعتُ ابن المديني يقول قبل موته بشهرين: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق، ومن زعم أنَّه مخلوق، وأنَّ الله لا يُرى في القيامة، فهو كافر. يحيى بن أيوب البغداديُّ العابد، ويعرف بالمَقَابري؛ لأنه كان يتعبَّدُ في المقابِر، ولد سنة سبع وخمسين ومئة. رَوى العباس بن محمد عن أبيه قال: مررتُ بالمقابر، فسمعتُ همهمةً، فاتَّبعتُ الأثر، وإذا بيحيى بن أيوب في حفرةٍ وهو يبكي ويدعو، ويقول: يا قرَّة عين المطيعين، ويا قرَّة عين العاصين، ولم لا تكون قرَّة عين المطيعين وأنت مَنَنْتَ عليهم بالطَّاعة، ولم لا تكون قرَّة عين العاصين وأنت سترتَ عليهم الذُّنوب، وهو يعاودُ البكاء، قال: فغلبني البكاء، ففطن بي، فقال لي: تعال، لعلَّ الله إنَّما بعثَ بك لخير. وتوفي في ربيع الأول. سمع إسماعيلَ بن عُلَيَّة وغيره، وروى عنه الإمام أحمد رحمة الله عليه، ومسلم بن الحجَّاج، وغيرهما، وكان ثقةً صالحًا (٦). * * *

стр. 6843

السنة الخامسة والثلاثون بعد المئتين فيها عزل المتوكل عبيد الله بن [أحمد بن] (١) غالب القاضي، مولى الربيع الحاجب. [قال الخطيب:] وكان الواثقُ قلَّده القضاءَ في عسكر المهدي شرقي بغداد، [وإليه تنسب سُوَيْقَةُ غالب] (٢)، وكان فقيهًا على مذهب أهل العراق، متكبِّرًا، قبيح السيرة، سيِّءَ الطريقة، وثبَ على المساجد التي تُقَام فيها الصَّلاة، فجعلَها حوانيت يستغلُّها (٣)، فكتب إليه [عتاهية بن أبي] (٤) العتاهية: [من الطويل] متى تَتَّقِ الله الذي لا تخافه … إذا كنت يومًا تستغلُّ المساجدا فقدت الذي لم يَرْعَ عمًّا ووالدا … وإنْ كان مفقودًا إذا كان شاهدا وفيه يقول أيضًا: [من الكامل] أبكي وأندبُ بهجةَ الإسلام … إذ صِرْتَ تقعُد مقعَد الحُكَّامِ إنَّ الحوادثَ ما علمتُ كثيرةٌ … وأراكَ بعضَ حوادثِ الأيَّامِ وقال فيه أيضًا: [من الكامل] لم تأتِ أرملةٌ لتحرزَ مالها … إلَّا وأنتَ لمالِها محتالُ تقضي وَفُوْكَ من المدامةِ ناصعٌ (٥) … ويُمِيلُ رأسَكَ عطفُكَ الميَّالُ آلَ الربيعِ العبدُ عبدُكم طَغَى (٦) … ما كانَ يفعلُ فعلَهُ الدَّجَّالُ (٧) وقيل: فيها قَدِمَ بُغَا الشرابيّ بمحمد بن البعيث في شوَّال وأصحابه، فجلسَ المتوكِّلُ لهم، فلمَّا حضَر محمدٌ عندَه أمرَ بضربِ عنقه، وجاؤوا بالنطع والسيف، فرقَّ له

стр. 6844

المتوكل وقال: يا محمد (١)، ما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: يا أمير المؤمنين الشقوة، وأنتَ الحبلُ الممدودُ بين الله وبين خلقه، وإنَّ لي فيك لظنَّين، أسبقُهما إلى قلبي أولاهُما بك، وهو العفو، ثم اندفع وقال: [من الطويل] أبى الناس إلَّا أنَّك اليومَ قاتلي … إمامَ الهدى والصفحُ في الله أجملُ وهل أنا إلا جُبلةٌ من خطيَّةٍ … وعفوكَ من نورِ النبوَّةِ يُجبلُ وإنَّك خيرُ السابقين إلى العلا … ولا شكَّ أَنْ خيرَ الفعَالين تفعلُ وكان عليُّ بن الجهم حاضرًا، فقال يا أمير المؤمنين إنَّ معه أدبًا (٢)، فليفعلْ أميرُ المؤمنين خيرَهما، ويمنّ عليه، فقال: قد عفوتُ عنك، فأطلقه. وقيل: إنَّ المعتز شَفِعَ فيه، فوهبَه له، وكان ابنُ البعيث حين هرب قال: [من البسيط] كم [قد] قضيتُ أمورًا كان أهملَها … غيري وقد أخذَ الإفلاسُ بالكَظَمِ لا تعذلينيَ ممَّا ليس ينفعُني … إليكِ عنِّي جَرى المقدورُ بالقلمِ سأُتلِفُ المال في عسرٍ وفي يسر … إنَّ الجوادَ الذي يعطي على العَدَمِ وقيل: لما أُخِذَ جُعِلَ في عنقهِ مئةُ رطلٍ من الحديد، فلم يزلْ مكبوبًا على وجههِ حتى مات (٣). والأوَّلُ أشهر (٤). وفيها أمرَ المتوكِّلُ بأخذ أهل الذمَّةِ من النصارى واليهود بلبس الطيالسة العسليَّة، والزنانير، وركوب السروج بركب الخشب، وتكون السروجُ كهيئة الأُكُف، وعلى رؤوسهم القلانسُ المختلفة الألوان، وأن تخيَّطَ الرقاعُ على صدورهم وظهورهم [وكلٌّ منهم في صدره رقعة وفي ظهره رقعة]، كلُّ رقعة قدرُ أربعة أصابع، ولونُها عسلي، وكذا عمائمُهم، وأُزُرُ نسائهم عسلية، [ليعرفن،] وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وأخذ العشر من منازلهم، وإن كانت واسعةً صُيِّر ذلك مسجدًا، وأمر أن يجعلَ على أبواب

стр. 6845

ديارهم صور شياطين مسمَّرة؛ [ليظهر الفرق بينها وبين منازل المسلمين،] ونهى أن يُستعانَ بهم في الدواوين، وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم [فيها] على المسلمين، ونهى أن يتعلَّم أولادُهم [في] كتاتيب المسلمين، وأن لا يعلِّمَهم مسلم، ونهى أنْ يُظهروا في أعيادهم وشعانينهم صليبًا، وأنْ تسوَّى قبورُهم با لأرض؛ لئلَّا تُشَبَّه بقبورِ المسلمين، وكتب [الكتب] إلى [عماله في] الآفاق بذلك [وكان نسخة كتابه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمَّا بعد: فإن الله اصطفى الإسلامَ لنفسه، وارتضاه وأيَّده بأنبيائه، وجعلَهُ مبرَّءًا من الشبهات، معصومًا من الآفات، وأكرمَ أهله بما أحلَّ لهم من حلاله، وحرَّم عليهم من حرامه، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣] ثمَّ حباهم بأحسنِ الأخلاق، وفضَّلَهم بالفضائلِ والكرامات، وأنعمَ عليهم بالإيمان والأمانة، والفضلِ والتراحم، واليقين والصدق … وهو كتابٌ طويلٌ، إلى أنْ قال: وقد رأى أميرُ المؤمنين أنْ تُحمَل أهلُ الذمَّة قاطبةً على كذا وكذا. وذكر معنى ما ذكرناه.] (١) فقال علي بن الجهم: [من السريع] العَسليَّاتُ التي فرَّقت … بين ذوي الرِّشْدَة والغَيِّ وما على العاقلِ أنْ يكثُروا … فإنَّه أكثرُ للفيِّ (٢) وفيها ظهر بسامرَّاء رجلٌ يقال له: محمودُ بن الفرج النيسابوريّ، يَزعمُ أنَّه ذو القرنين، ومعه سبعة عشر رجلًا (٣) عند خشبة بابك، وكان معه رجل شيخٌ، فشهد [له] أنَّه نبيٌّ يُوحَى إليه، وكان معه كتاب كالمصحف يقرؤونه، فضُرِبَ محمودٌ ضربًا مبرِّحًا، وكذا الشيخ وأصحابه، ومات محمود بعد أيَّامٍ من الضرب وتفرَّقوا (٤). وفيها عقدَ المتوكِّلُ البيعةَ لبنيه الثلاثة يوم السبت لثلاثٍ بقين من ذي الحجة، وقسم

стр. 6846

الدنيا بينهم، وكتبَ كتابًا كما فعل الرشيد، وأشهدَ فيه شهودًا، فولّى ابنه محمَّد المنتصر إفريقية والمغرب كلَّه من عريش مصر إلى حيث بلغَ سلطانهُ من المغرب، وأضافَ إليه جندَ قِنَّسرين، والعواصم، والثغور الشامية والجزرَّية (١)، وديار ربيعة، والمَوْصل، والفرات، وهِيت، وعَانات، والخابور، ودِجْلة، والحرمين، واليمن، واليمامة، وحضرموت، والبحرين، والسِّند، ومُكران (٢)، وقَنْدابيل، وفرج بيت الذهب، وكور الأهواز، ومَا سَبَذَان، ومِهْرِجان، وشهرزور، وقُمْ، وقاشان، وقَزوين، والجبال. وأعطى المعتزَّ بالله الزبير -وقيل: محمَّد وكنيته أبو عبد الله- خراسان، وطبرستان، وما وراء النهر، والمشرقَ كلَّه، وإرمينية، وأذْرَبيجان، وضمَّ إليه [في سنة أربعين خزن بيوت الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمرَ بضرب اسمه على الدراهم. وكان ما ضمَّ إلى ابنه] المؤيَّد بالله إبراهيم جندَ دمشق وحمص والأردن وفلسطين، فقال أبو الغصن: [من الرجز] إنَّ ولاةَ المسلمينَ الجلَّه … محمدٌ ثم أبو عبدِ الله ثمَّت إبراهيم آبي الذلَّه … بُورِك في بني خليفةِ الله (٣) وقال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول: [من الكامل] أضحَتْ عُرى الإسلام وَهْيَ مَنُوطةٌ … بالنصر والإعزازِ والتأييدِ بخليفةٍ من هاشمٍ وثلاثةٍ … كَنفوا الخلافةَ من ولاة عهودِ قمرٌ توالتْ حوله أقمارُه … يكنُفنَ مطلعَ سعدهِ بسعودِ (٤) وقال: [من مجزوء الكامل] الله أظهرَ دينَه … وأعزَّهُ بمحمَّدِ واللهُ أكرمَ بالخلا … فةِ جعفرَ بن محمَّدِ

стр. 6847

والله أيَّدَ عهدَه … بمحمَّدٍ ومؤيَّدِ (١) وقال مروان بن أبي الجنوب: [من الطويل] سَقَى اللهُ نجدًا والسلامُ على نجدِ … ويا حبَّذا نجدٌ على القربِ والبعدِ ونجدٌ بها قومٌ هواهم زيارتي … ولا شيءَ أحلى من زيارتهم عندِي لقد قلَّدَ العهدَ الإمامُ ثلاثةً … هُمُ أصبحوا أولى البريَّة بالعهدِ تخيَّر خيرَ الناسِ للنَّاس بعدَه … وقال لهم كونوا الأئمَّة من بعدِي ولو لم يكن عقدٌ لكانوا ولاتَها … كما قبلَهُم جاءتْ أباهم بلا عقدِ لقد بايعَتْهُم قبلَ ذاك قلوبُنا … ولكنَّنا كنَّا نُسِرُّ ولا نبدِي عقدتَ لهم بالحزمِ أوثقَ بيعةٍ … على الطائرِ الميمونِ والكوكبِ السعدِ لقد سُرَّتِ الأقوامُ لمَّا دُعوا لها … سرورَ الَّذي يُدْعَى إلى جنَّةِ الخلدِ لقد حُمِد الإسلامُ إذ قمتَ دونَه … وبَيعتُهم زادتُه حمدًا على حمدِ لعمري لقد حصَّنتَها بثلاثةٍ … ولاةِ عهودٍ كالبحورِ وكالأُسدِ ثلاثة أملاكٍ فأمَّا محمَّدٌ … فنورُ هدًى يهدي به الله من يهدِي وأما أبو عبد الإله فإنَّه … شبيهُك في التقوى ومُجْدٍ كما تُجْدي وذو الفضل إبراهيمُ للناس عِصْمَةٌ … تقيٌّ وفيٌّ بالمآثِر والمجدِ (٢) فأعطاهُ المتوكِّلُ خمسين ألفًا، وقيل: مئة وثلاثين ألفًا (٣)، وخمسين ثوبًا، وثلاثة أفراس، وبغلة، وحمارًا، قال مروان: فقلت بديهةً: تخيَّر ربُّ الناس للناس جعفرا … فملَّكه أمر العباد تخيُّرَا فأمسكْ ندى كفيك عنِّي ولا تزدْ … فقد خفتُ أنْ أطغَى وأنْ أتجبَّرَا فقال المتوكِّل: لا والله ما أمسكُ حتَّى يغرقَك جودي، ثم ولَّاه اليمامة. وفيها خرجَ يحيى بنُ عمر بن يحيى (٤) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي

стр. 6848

طالب ﵇، فاجتمع إليه قوم، فأتي به إلى المتوكِّل، فضربَه ثم حبسه في المطبق ببغداد، بعد أن ضربَه عمر بن فرج ثمانيةَ عشرَ سوطًا. وحجَّ بالناس محمد بن داود (١). وفيها توفي إسحاق بن [إبراهيم بن] (٢) ميمون أبو محمد التميميّ، ويعرف والدُه بالمَوْصليّ النديم، وكان الرشيدُ يكنيه أبا صفوان، يولعُ به. ولد سنة خمسين ومئة، فكتب الحديثَ عن سفيان بن عيينة، وهُشيم بن [بشير، و] (٣) أبي معاوية الضرير، وغيرهم، وأخذ الأدب عن الأصمعي، وأبي عبيدة، وبَرعَ في علم الغناء، فغلب عليه، ونُسب إليه. وكان مليحَ المحاضرة، حلوَ النادرة، جيد الشعر، مذكورًا بالسخاء، معظَّمًا عند الخلفاء، وصنَّف كتاب "الأغاني"، وذكره أبو الفرج الأصفهاني، وأنكرَ أنْ يكونَ هذا الكتاب منسوبًا إلى إسحاق، وقال: هو أجلُّ من هذا؛ لأنَّ معرفتَه أتمُّ ممَّا في الكتاب المنسوب إليه، وكان ابنه ينكره أيضًا. وكان إسحاق يكرهُ أن ينسبَ إلى الغناء، ويقول: لأن أضرب على رأسي بالمقارع أحب إليَّ من أنْ يقال لي: غنِّي. وقال المأمون: لولا شهرتُه بالغناء لولَّيتُه القضاء، فإنَّه أعفُّ وأصدقُ وأكثرُ دينًا ومروءةً وأمانةً من هؤلاء القضاة. وقال محمد بن عطيَّة: اجتمعَ الناس عند القاضي يحيى بن أكثم، وجاءَ إسحاق، وجرت مناظرات، فتكلم في الفقه فأحسن، وفي علم الأصول واللغة والعربيَّة، فأفحمَ الحاضرين، ثمَّ قال للقاضي: أعزَّك الله، أفي شيءٍ ممَّا ناظرتُ عليه نقصٌ أو مطعنٌ؟

стр. 6849

فقال: لا، قال: فما بالي (١) أقومُ بسائر العلوم قيام أهلِها، وأنسب إلى فنٍّ واحد قد اقتصر الناس عليه؟! يعني الغناء. فالتفتَ ابنُ أكثم إلى العَطَوي، فقال: جوابُه عليك، فقال العطوي: يا أبا محمد، أنت في النحو كالفرَّاء والأخفش؟ قال: لا، [قال:]: ففي اللغة والشعر كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: لا، قال: ففي الأنساب كالكلبي وأبي اليقظان (٢)؟ قال: لا، قال: ففي الشعر كأبي نواس وأبي العتاهية؟ قال: لا، قال: ففي الفقه كالقاضي؟ قال: لا، قال: فمن هاهنا نُسِبت إلى ما نسبتَ إليه؛ لأنَّه لا نظيرَ لك فيه، وأنت في غيره دون أهله. فضحكَ وقام، وقال ابن أكثم للعطوي: أحسنت. وقال الصوليُّ: كان لإسحاق غلامٌ اسمه فتح يستقي الماء لأهلِ داره على بغلٍ دائمًا، فقال له يومًا: يا فتح أَيشٍ خبرُك، فقال: ما في هذه الدار أشقَى مني ومنك، أنت تطعمهم الخبز، وأنا أسقيهم الماء، فضحك إسحاق، وعتقه ووهبه البغل. وقال إسحاق: أنشدتُ هارون الرشيد: [من الطويل] وآمرةٍ بالبخل قلتُ لها اقْصِري … فذلكَ شيءٌ ما إليه سبيلُ الأبيات فأعطاني مئة ألف درهم (٣). وكان ابن الأعرابيِّ يصفُ إسحاق ويقول: هل سمعتم أحسنَ من ابتدائه في قوله: [من الخفيف] هل إلى أن تنامَ عيني سبيلُ … إنَّ عهدي بالنوم عهدٌ طويلُ هل تعرفون من شكا نومه بمثل هذا اللفظ الحسن؟ (٤) وقال أبو الفرج الأصفهاني: كان إسحاق سأل الله أن لا يميتَه بعلَّة القُوْلَنْج لِمَا رأى

стр. 6850

ما لاقى منه أبوه إبراهيم؛ لأنه مات به، فرأى في منامه: قد أجيبت دعوتُك، ولستَ تموتُ بالقولنج، بل بضدِّه، فأخذه ذرَبٌ في رمضان هذه السنة، فمات به. وكان يتصدَّقُ في كل يومٍ يعجز فيه عن الصيام بمئة درهم (١). قال الخطيب: وفيه يقول ابن سيَّابة: [من الوافر] تولَّى المَوْصليُّ فقد تولَّت … بشاشاتُ المعازفِ والقِيانِ ستبكيه المعازفُ والملاهي … وتُسعدهنَّ أغطيةُ الدِّنانِ (٢) وتبكيه الغواني (٣) يومَ ولَّى … ولا تبكيهِ تاليةُ القُرانِ قلت: كانَ تركُ هذا الرثاء أجمل. رَوى إسحاق عن مالك بن أنس، وبقية بن الوليد، وروح بن عبادة، وغيرهم، وروى عنه الأصمعيُّ -وهو من شيوخه- وميمون الكاتب، وغيرهما (٤). وأثنى عليه الأئمَّة، وشهدوا له بالعدالة. قال إبراهيم الحربي: كان إسحاق ثقة صدوقًا عالمًا. ورثاه مصعب بن الزبيري فقال: [من الطويل] تجهز إسحاق إلى الله غاديًا … فللَّه ما ضُمَّت عليه اللفائفُ وما حملَ النعشَ المزجَّى عشيةً … إلى القبر إلَّا دامعُ العينِ لاهِفُ جُزِيتَ جزاءَ المحسنينَ مُضاعفًا … كما أنَّ جدواكَ الندى المتضاعفُ (٥) فقال حماد بن إسحاق: سأل أبي يحيى لسفيان: يا أبا محمد (٦)، إنَّ أبا إسحاق من

стр. 6851

أهل الفضل والأدب، وهو مكرهٌ على ما يفعله، وأريدُ أن تحدثه (١)، فكره سفيان ذلك، فقال: لا بد، فسمح له بخمسة أحاديث، فما زال به حتَّى جعلَها عشرة، ثم قال سفيان لأبي: بكِّر إليَّ، قال أبي: فبكَّرت إليه وجلستُ بين يديه، فأملى عليَّ عشرةَ أحاديث، فقلت له: يا [أبا] (٢) محمد، إنَّ المحدِّثَ يسهو ويغفُل، وكذا المحدَّث، فإن رأيتَ أن أقرأَها عليك مثلَ ما سمعتُها منك، فقال: اقرأ فديتك، [فقرأت عليه و] قلت: فإنَّ القارئَ ربما أغفل غَفِلَ -أغفل الحرفَ- والمقروءَ عليه ربَّما ذهبَ عنه الحرف، فأنا في حلٍّ أن أروي جميعَ ما سمعتُه منك، قال: نعم فديتك، فقرأتُها عليه مثلَ ما حدَّثني بها (٣)، فقال: أنتَ والله فوق أن يُشْفَع لك، فتعال كلَّ يوم، فوددتُ والله أنَّ سائرَ أصحاب الحديث كانوا مثلك. وقال إسحاق: أتيتُ يومًا إلى [أبي] معاوية الضرير ومعي مئةُ حديث أريدُ أنْ أقرأَها عليه، فوجدتُ في دهليزه رجلًا ضريرًا، فقال لي: إنَّ أبا معاوية قد جعلَ الإذنَ عليه اليوم إليَّ لينفعَني، وأنتَ رجلٌ جليلٌ، فقلت: معي مئة حديث، وأنا أهبُ لك عنها مئةَ درهم، قال: رضيتُ، واستأذنَ لي، فأذنَ أبو معاوية، فدخلتُ فقرأت عليه المئة، فقال لي أبو معاوية: الَّذي ضمنت لهذا يأخذُه من أذناب الناس، وأنت من رؤسائِهم، وهو ضعيف مُعيل، وأنا أحبُّ منفعتَه، فقلت: قد جعلتُها مئة دينار، فقال: أحسن الله جزاءك، فدفعتُها إليه (٤). إسحاق بن إبراهيم ابن مصعب المُصْعَبيّ، كان متولِّي الشرطة، ويسمَّى صاحبَ الجسر، وله وقائع منها أنَّه قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ في النوم وهو يقول: يا إسحاق أطلق القاتل، فانتبهتُ

стр. 6852

فزعًا، وإذا قد أُتيتُ بشخصٍ في يده سكِّين (١)، وقد قتلَ رجلًا، فقلت: اصدقني، ما خبرُك؟ فقال: نحن عشرةٌ من الفتيان نجتمع على الشراب واللهو، ولنا عجوزٌ تحمل إلينا النساء، فبينا نحن البارحةَ جلوسٌ، وإذ قد دخلت إلينا عجوز ومعها صبيَّةٌ بارعةُ الجمال، فلمَّا توسَّطَتِ الدَّارَ ورأت ما نحن عليه صرخت وغشي عليها، ثم أفاقت فقالت: يا فتيان، اتقوا الله في أمري، فإنِّي امرأةٌ علويَّةٌ، أبي عليٌّ، وأمِّي فاطمة، وجدِّي رسول الله ﷺ ، وأنا من ولد الحسين بن علي، وهذه العجوز خدعتني وقالت: تعالي فعندي جوهرٌ له قيمةٌ، فأبصريه، فوثقتُ بقولها، فهجَمتْ بي عليكم، قال: فأدركني لها رقة، وقمتُ قائمًا، وقلتُ: والله لا يصلُ إليها منكم أحدٌ إلا قتلته، فقام هذا المقتول، فتعلَّق بها، وقال: لا بدَّ منها، أتريدُ أن تنفردَ بها دوننا، فزجرتُه وخوَّفتهُ، فما انتهى، وقصدني ليقتلَني فقتلته، ثم أخرجتُها من الدار، فقالت: سترك الله كما سترتني، وسمع الجيرانُ الصيحةَ، فرأوا الرجل متشحِّطًا في دمه، فأخذوني، وحملوني إليك على حالي، فقلت له: أبشر، فقد أطلقَكَ رسول الله ﷺ ، وأخبرته بالمنام فقال: فأنا تائبٌ إلى الله تعالى، لا عدتُ بعدَ اليوم إلى معصية، وحسُنَت توبته. وقال القاضي مكرم (٢): كان لي جارٌ أديبٌ فاضلٌ يكنَى أبا عبيدة، يعاشر إسحاق المصعبيّ، فحدثني قال: استدعاني إسحاق ليلة نصفَ الليل، فدخلتُ عليه وإذا به جالسٌ على كرسيّ وبيده سيفٌ مسلول، وسمعتُ بكاءَ امرأة من بعض الحُجَر، فأيقنتُ بالقتل، فقال لي: اجلس أبا عبيدة، فسكن رَوعي، فرمَى إليَّ برقاع أصحاب الأرباع، يخبرونَه بما تجدَّد في ليلتهم، وذكروا فيها نساءً من بنات الوزراء الأشراف الذين ماتوا، وأنَّهم وجدوهنَّ على حالةٍ غير مرضية، فقلت: وما المقصود؟ فقال: إنَّ آباءهن كانوا أجلَّ مني، أو مثلي، وقد خطرَ لي أن بناتي ربما أفضَى بهنَّ الحالُ إلى مثل هذا، وقد جمعتهنَّ في هذه الحجرة لأقتلهنَّ وأستريحَ منهنّ، ثمَّ أدركتني الرقَّة والخوف من

стр. 6853

الله تعالى، فأرسلتُ إليكَ لتشاركني في الرأي، فماذا ترى؟ قال: فقلت: إنَّ الَّذي ذكروا أسماءهنَّ في هذه الرقاع أساءَ أهلهنَّ التدبير فيهنّ؛ لأنَّهنَّ خلَّفوا لهنَّ النعم، ولم يحفظوهنَّ بالأزواج، فخلونَ بأنفسهنَّ ففسدنَ، ولو كانوا جعلوهنَّ في أعناق الأكفاء ما جرى عليهنَّ هذا، والرأيُ عندي أن تستدعيَ فلانًا القائد، فإنَّ له خمسةً من الذكور حسانًا، فتزوِّجَ كلَّ واحدةٍ بواحدٍ منهم، فتُكفى العارَ والنار، وتكون قد أخذتَ في أمرهنَّ بالحزمِ، فقال: جزاك الله خيرًا، فامضِ الساعةَ إلى القائد، وافصل هذا الأمر. قال: فخرجتُ إلى القائد فأخبرتُه، فسرَّ بذلك، وأحضرَ القاضي والشهود، وزَوَّج الخمس بالخمسة في خطبةٍ واحدة، وحمل إسحاق إلى كلِّ واحدٍ خمسةَ آلاف دينار، وطيبًا، وثيابًا، وأعطاني خمسةَ آلاف دينار (١)، وبعثتْ إليَّ أمُّ البنات بمالٍ كثير وثيابٍ وطيب (٢)، وانقلبَ ذلك الهمُّ فرحًا. وقال الصولي: دخل إسحاق يومًا على المتوكِّل، وعنده الفتح بن خاقان، وهما يتناظران في أخلاط الكيمياء، لم يخض معهما، فقال المتوكِّل: يا إسحاق، مالك لا تتكلم معنا في هذا الباب؟ فقال: يا أمير المؤمنين، الكيمياء شيءٌ لم يتعرض له الملوكُ قبلكم، ولا نظرَ فيه آباؤك، ولكن أدلُّكَ على كيمياء هو الحقُّ الصحيح، قال: نعم، قال: تسلفني خمسينَ ألف دينار من بيت المال أنفقُها على مصالح السَّواد، ثم تنظر ما يرتفعُ لك من الزيادة. فأمرَ له بخمسين ألف دينار من بيت المال، فحُمِلَتْ إليه، فانصرفَ إسحاق إلى بغداد، وكتبَ إلى وجوه أهل السواد، فحضروا، فقلَّدهم النفقةَ على كري الأنهار والعمارة، واستحلفهم على استعمالِ العدل في الرعيَّة، فلمَّا كان العامُ القابل عملَ الحساب فحصل من السَّواد ثلاث مئة ألف كرّ وأربعة آلاف كرّ، واثنا عشر ألف ألف

стр. 6854

درهم، فنظروا، فإذا قد ردَّ كلّ دينارٍ اثنين وثلاثين دينارًا، وردَّ باقي الخمسين ألف دينار، فكتبَ إسحاق إلى المتوكِّل بذلك، وقال: هذا الكيمياءُ الَّذي يجب على الخلفاء النظرُ فيه (١). وكان إسحاق حازمًا عاقلًا جوادًا، ولمَّا انتهى خبر مرضِه إلى المتوكِّل بعث إليه ابنَه المعتزّ مع بُغَا الشرابي وجماعةٍ من القوَّاد والخاصَّة لعيادته من سامرَّاء. وكانت وفاته يوم الثلاثاء لستٍّ بقينَ من ذي الحجَّة، وصَيَّر ابنه محمدًا مكانه، وخُلِعَ عليه وقُلِّدَ سيفًا (٢). وقال الطبريُّ: إنَّه ماتَ هو والحسنُ بن سهل في يومٍ واحد سنة ستٍّ وثلاثين ومئتين (٣). إسحاق بن يحيى بن معاذ ابن مسلم الخَتْلِيّ، من خَتْلَان، بلدٍ عند سمرقند. وليَ دمشق في أيام المعتصم وفي أيَّام المأمون (٤)، ثمَّ وليَها مرَّةً أخرى في أيَّام الواثق، وولي مصر من قبل المنتصر في أيَّام المتوكِّل، وماتَ بها. وكان جوادًا ممدَّحًا شجاعًا عاقلًا، ورثاه بعض البصريين فقال: [من الطويل] سقى اللهُ ما بين المقطَّمِ والصَّفا … صفَا النيل صوبَ المُزنِ حيثُ يصوبُ

стр. 6855

وما بي أنْ تُسقَى البلادُ وإنَّما … مراديَ أنْ يُسْقَى هناك حبيبُ ماتَ في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين (١). [فصل وفيها توفي] سُريج (٢) بسين مهملة وجيم (٣)، ابن يونس بن إبراهيم بن الحارث المروذيُّ (٤)، الزاهد العابد، [صاحب الكرامات، و] كانَ قد جعل على نفسه أنْ لا يغضبَ ولا يشبعَ ولا يسألَ أحدًا حاجةً. ورأى الحقَّ في منامه قال: [قال الخطيب بإسناده إلى إسحاق بن إبراهيم الخُتّلي (٥) قال: سمعتُ الشيخ الصالحَ الصدوقَ سريج بن يونس يقول:] رأيتُ فيما يَرى النائمُ كأنَّ الناسَ وقوفٌ بين يدي الله تعالى، وأنا في أوَّل صفٍّ، ونحن ننظرُ إلى ربِّ العالمين، فقال : أيَّ شيءٍ تريدونَ [أن] أصنعَ بكم؟ فسكَتَ الناس، [قال سريج:] فقلت في نفسي: ويحهم لقد أعطاهم كلَّ ذا من نفسه، وهم سكوت، فقنَّعتُ رأسي بملحفتي، وأبرزت عيناي (٦)، وجعلتُ أمشي، وجُزتُ الصفَّ الأوَّل بخطَى، فقال: [يا سُريج] أيَّ شيءٍ تريد، فقلت: رحمن سَر بسَر (٧)، إن أردت أن تعذِّبنَا فلم خلقتنَا، فقال: [قد] خلقتُكم ولا أعذِّبُكم أبدًا، ثم غاب في السماء. [وهو منامٌ طويلٌ، وفيه أنَّه قال بعد قوله: فذهبَ في السماء: قال:] ثم رأيتُه بعد

стр. 6856

ذلك وقد نزلَ إلى الأرض في رمضان (١). [وروى الخطيب عن بقَّال سريج بن يونس: قد] (٢) جاءني سريجٌ ليلًا وقال: وُلدَ لي مولود، وأعطاني ثلاثةَ دراهم. وقال: أعطني بدرهم عسلًا، وبدرهمٍ سمنًا، وبدرهمٍ سَويقًا، ولم يكن عندي شيء، وقد فرغت الظُّروف وعزلتُها لأبكِّر فأشتري فيها، فقلت: ما عندي شيء، قال: فانظر، ولو كان مهما كان، امسح البَرَاني، قال: فجئتُ إلى البَرَاني فوجدتُها ملأى، فأعطيته منها، قال: أليس قلت: ما عندي شيء؟ فقلت: خُذ واسكت، فقلت: ما آخذ أو تصدقُني، فحدثته الحديث، فقال: لا تحدِّث به أحدًا ما دمتُ حيًّا (٣). [روى محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: سمعت] سريج بن يونس [يقول:] مكثتُ أيَّامًا (٤) لم آكل أنا ولا صبياني شيئًا، وكنتُ [يومًا] قاعدًا في الدهليز، فخرج [إليَّ] الصبيانُ يشكون إليَّ، فمرَّ جارٌ لي، فسمعَ كلامهم، فرمَى إليَّ بكيس، فقلت: يا فلان متى كانت عادتُك هذه؟! خذ كيسَك عافاك الله، فأخذ كيسه. فقال الصبيان: هذه كُبَّة غزل فبعها، [فخرجت] فبعتُها واشتريتُ خبزًا، وعلمتُ أنَّه لا يكفيهم، فلم آكل معهم، ثمَّ وضعتُ رأسي فنمت، وإذا بملكٍ قد أتاني بصحفةٍ (٥) من ذهب، فيها خبز وشهدٌ وزبد، فلم أرَ في الدنيا مثله، وقال لي: كلُ، فأكلتُ، ومكثتُ أيَّامًا لا أشتهي الطعام. وحكى عنه أبو حاتم الرازي قال: رأيت ضفدعة في فم حيَّة، فقلت للحيَّة: أقسمتُ عليك بالله إلَّا خلَّيتها، فخلَّتها (٦).

стр. 6857

توفي سُرَيج في ربيع الأول ببغداد. وحدَّثَ عن سفيان بن عُيينة، وغيره، ورَوى عنه الإمام أحمد رحمة الله عليه وغيره (١)، واتَّفقوا على صدقه وعدالته. [وفيها توفي] الطيبُ بن إسماعيل بن إبراهيم أبو محمد الذُّهليُّ. [قال الخطيب:] كان (٢) يقصد الأماكن التي ليس فيها أحد، ويلتقطُ المنبوذ (٣)، فيتقوَّت به لئلَّا يعرف. [قال الخطيب: ويعرف بأبي (٤) حمدون،] وكان يبيعُ اللآلئ والجواهر، وهو أحد القرَّاء المشهورين، وعبادِ الله الصالحين. قال: صلَّيتُ ليلةً، فقرأتُ، فأدغمت حرفًا، ونمت، فرأيتُ نورًا قد تَلبَّبَ (٥) بي وهو يقول: بيني وبينك الله، فقلت: من أنت؟ قال: أنا الحرف الَّذي أدغمتني، [قال:] فانتبهتُ، وآليتُ على نفسي أنْ لا أدغمَ حرفًا. وقال الخطيب: كان قد ذهبَ بصرُه، فقادَهُ قائدٌ يومًا إلى المسجد، فقال له قائده: امسح (٦) نعليك، قال: ولم؟ قال: فيهما قَذَرٌ، [قال:] فرفع يديه ودعا بدعوات، ومسحَ وجهه بيديه، فردَّ الله عليه بصرَه.

стр. 6858

توفي ببغداد (١)، أسندَ عن سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه البغويُّ وغيره. كان صدوقًا ثقة ورعًا رحمةُ الله عليه. عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان (٢) أبو بكر العبسيّ، ويعرف بابن أبي شيبة الكوفي. ولد سنة تسعٍ وخمسين ومئة، وكان حافظًا متقنًا ورعًا فاضلًا، صنَّف "المسند" و"التفسير" و"الأحكام" وغيرها، وقدم بغداد وحدَّثَ بها. قال محمد بن إبراهيم: قدم علينا أبو بكر بن أبي شيبة، فانقلَبَتْ به بغداد، ونُصِبَ له المنبرُ في مسجد الرُّصافة، فجلس عليه، وقال من حفظه: حدثنا شَرِيك، ثم قال: هي بغداد، وأخافُ أن تَزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها، يا أبا شيبة، هات الكتاب. وأبو شيبة ابنه، واسمه إبراهيم (٣). وقال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: انتهى علم الحديث إلى أربعة؛ أحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، فأحمدُ أفقهُهم فيه، وأبو بكر أسردُهم، ويحيى أجمعُ له، وابنُ المديني أعلمهُم به (٤). توفي عبدُ الله في المحرم، سمع ابنَ المبارك وغيره، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمة الله عليه وغيره. وأجمَعوا على صدقِه وثقته ودينه (٥). عبيد الله بن عمر بن ميسرة أبو سعيد الجُشَميُّ، مولاهم، ويعرفُ بالقَواريريّ، بصريٌّ سكنَ بغداد، وحدَّث بها.

стр. 6859

وقال: لم تكن تفوتُني صلاةُ العتَمَة في جماعة، فنزل بي ضيفٌ، فشُغِلْتُ عنها، وخرجتُ أطلبُ الصلاة، فإذا الناس قد صَلَّوا، فقلت في نفسي: قد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "صلاةُ الجَمْع تفضُلُ على صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين صلاة، أو بخمسٍ وعشرين" فانقلبتُ إلى منزلي فصلَّيتُ سبعًا وعشرين صلاةً، ثم رقدتُ، فرأيت كأنِّي مع أقوامٍ ركابٍ على أفراس، وأنا راكبُ فرس كأفراسهم، ونحن نتجارى، وأفراسُهم تسبقُ فرسي، فجعلتُ أضربه لألحقَهَم، فالتفتَ إليَّ أحدُهم (١) وقال: لا تُجهِد نفسك، فلست بلاحقنا، فقلت: ولم ذلك؟ قال: لأنَّا صلَّينا العشاءَ في جماعة. توفِّي القَواريريُّ بعسكر المهدي ببغداد في ذي الحجَّة، وله أربعُ وثمانون سنة. وقال حفص بن عمرو: رأيتُ القواريريَّ في النوم بعدَ موته، فقلت: ما صنع الله بك؟ فقال: غفر لي وعاتبني، وقال: يا عبيد الله، أخذتَ من هؤلاءِ القوم، قلت: يا رب، أنتَ أحوجتَني إلى الأخذِ منهم، ولو لم تحوجْني لما أخذت، فقال لي: قَدِمُوا علينا، وكافيناهُم عنك (٢)، ثم قال لي: أمَّا ترضى أنْ كتبتُك في أم الكتاب سعيدًا. أسند عن أبي عَوَانة وغيره، وكان ثقةً ديِّنًا. وهو الَّذي رَوى أنَّ عكرمَة بن أبي جهل كان يأخذُ المصحفَ فيضعُه على وجهه ويقول: كلامُ ربِّي. وقال: كتب عنِّي هذا الحديثَ أبو عبد الله أحمدُ بن حنبل في الحبس (٣). محمد بن حاتم بن ميمون أبو عبد الله، السمين البغداديّ، كان صاحب غزو. وقال: كُنْتُ أعملُ على الشوق، فخرجنَا في غزاةٍ، فالتقينَا بالروم، فأخذني رَوْعٌ، فقلت لنفسي: أي كذَّابة، أين ما كنت تدَّعين؟! ثم نزلتُ إلى النهر فاغتسلتُ، وأخذتُ سلاحي وأتيتُ من وراء الروم، وكبَّرتُ تكبيرة عظيمةً -وكان النصر للروم على المسلمين- فلمَّا سُمِعَت التكبيرةُ ظنُّوا أنَّ كمينًا وراءَهم، فانهزموا ومنح اللهُ المسلمين

стр. 6860

أكتافَهم قتلًا وأسرًا، وكانت تلكَ التكبيرةُ بتلك العزيمة سببًا للفتح والنصر (١). توفي في ذي الحجة، وقيل: تأخرت وفاتُه إلى سنة إحدى وستين ومئتين (٢) روى عن سفيان بن عيينة وغيره. واختلفوا فيه على أقوال (٣). * * *

стр. 6861

السنة السادسة والثلاثون بعد المئتين [قال الطبري: و] فيها أمر المتوكِّلُ بهدمِ قبرِ الحسين بن علي [بن أبي طالب] ﵁ و [هدم] ما حوله من المنازل والدُّور، وأن يُبْذر ويُسْقى موضعُ قبره، و [أن] يُمنع الناسُ من إتيانه، ونادى عاملُ تلك الناحية: من وجدناه [عند قبره] بعد ثلاثة (١) بعثنا به إلى المطبق، فهربَ الناس، وامتنعوا من زيارته وحُرِثَ المكانُ وزُرع ما حوله (٢). [قال الصوليُّ:] ونَفوا من كان عنده [من العلويين والمجاورين]، وبقي صحراء (٣)، فكتبَ أهلُ بغداد سَبَّ المتوكِّل على الحيطان وفي المساجد والجوامع، ودَعَوا عليه عقب الصلوات، وهجاهُ الشعراء، فقال يعقوب بن السكيت [صاحب "إصلاح المنطق":] [من الكامل] بالله إن كانت أميَّةُ قد أتت … قَتْلَ ابن بنت نبيِّها مظلومَا فلقد رماه بنو أبيه بمثلها … أضحى حسينٌ قبرُه مهدومَا أَسِفُوا على أنْ لا يكونوا شاركُوا … في قتله فتتبَّعوهُ رميمَا (٤) [وبلغَ المتوكِّل فطلبَه، فاختفى منه، ثم قتلَه بعد ذلك لما نذكر في ترجمة يعقوب]. وقيل: كان ذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين [ومئتين] (٥). وفيها غزا عليُّ بنُ يحيى [الأرمنيّ] الصائفةَ في ثلاثة آلاف فارس، فالتقاه ملكُ الروم [في ثلاثين]، فهزمه، وقتل من الروم أكثرَ من عشرين (٦) ألفًا، وانهزمَ ملكُ الروم في نفرٍ يسيرٍ إلى القُسْطنطينية، وسار عليٌّ فأناخَ على عَمُّورية (٧)، فقاتل أهلها وفتحَها

стр. 6862

عُنْوةً، وقتل خلقًا من أهلها، واستنقذَ من أُسارى المسلمين خلقًا كثيرًا، وهدمَ كنائسها، وفتح حصنًا يقال له: الفطس، فأخرجَ منه عشرين ألف فارس من السبي، وعاد سالمًا قد غنمَ من المتاعِ والمال سوى الأسارى ما يساوي مئة [ألف دينار] وعشرين ألف دينار. وفيها استكتب المتوكِّلُ الفتحَ (١) بن خاقان. وحجَّ بالناس المنتصر محمدُ بن المتوكِّل، وحجَّتْ معه شُجَاع أمُّ المتوكِّل، وشيَّعَها المتوكِّلُ إلى النجف (٢). وفيها (٣) توفي إبراهيم بن المُنْذِر من ولدِ خالد بن حِزام بن خُوَيلد بن أسَد بن عبد العُزَّى. قدم بغداد من المدينة إلى أحمد بن أبي دؤاد، ثمَّ جاء إلى الإمام أحمد، فاستأذنَ عليه فلم يأذن (٤) له، فجلسَ على بابه حتَّى خرج، فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه¬ السلام؛ لأنه خلَّط في القرآن. وحجَّ سنة خمسٍ وثلاثين، فلمَّا صدرَ إلى المدينة توفي بها في المحرَّم. سمعَ مالك بن أنس وغيره، ورَوى عنه البخاريُّ في آخرين، واختلفوا فيه (٥). [وفيها توفي] إسماعيل بن إبراهيم بن بسام أبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ، كان عالمًا فاضلًا.

стр. 6863

[ذكره ابن سعد وقال: كان] صاحبَ سُنَّة، وشهدَ جَنازته خلقٌ كثير. وتوفي ببغداد في المحرَّم (١). [وحكى الخطيب عن] عبد الله بن الإمام أحمد [قال:] جاء التَّرْجُمانيُّ يومًا إلى أبي فسلَّم عليه، فقال له أبي: أيشٍ تحدِّث، فقال: حدثنا شعيب (٢) بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤] إنَّ الأثيمَ هو أبو جهل. [وفي روايةٍ أنَّ أحمدَ بن حنبل مشى إلى الترجمانيّ، وكتب عنه أحاديث،] (٣) وقال: ما أحسنَ هذه. أسند عن هُشَيم بن بشير وغيره، ورَوى عنه محمدُ بن سعد وغيره، وكان ثقةً (٤). إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر (٥) أبو مَعْمَر الهُذَلي، هرويُّ الأصل، قَدِم بغداد وحدَّث، وكان من تشدُّده في السنَّة يقول: لو نطقتْ بغلتي لقالت: أنا سُنِّيَّة، وأُخِذ في المحنة فأجابَ، فلمَّا خرجَ قال: كفرنَا وخرجنا (٦). وتوفي ببغداد في جمادى الأولى. سمع عبدَ الله بن الإمام أحمد وغيره، وروى عنه البخاريُّ ومسلم. وقال ابنُ معين: هو ثقة مأمون. وسمع هو من ابنِ المبارك وغيره (٧). الحسن بن سَهْل بن عبد الله أبو محمد، كان جوادًا ذا مروءةٍ، محترمًا عند الخلفاء، جاءه الحسنُ بن وَهب،

стр. 6864

فشكا إليه ضائقةً، فأرسل إليه بمئة ألفِ درهم (١). وجاء رجلٌ يستشفعُ به في حاجةٍ، فقضاها، فأقبلَ يشكره، فقال: علام تشكرُنا؟! ونحن نرى للجاه زكاةً كما للمال، ثم أنشد: [من الكامل] فُرِضتْ عليَّ زكاةُ ما ملكتْ يدي … وزكاةُ جاهي أنْ أُعين وأشْفَعا فإذا مَلَكْتَ فجُد وإنْ لم تستطعْ … فاجهد بوسعك كُلِّه أنْ تنفعَا (٢) وكان للحسن سقَّاءٌ يسقي له الماء، فرآه يومًا يمرُّ في داره، فسأله عن حاله، فشكا إليه ضائقة، وذكرَ أنَّ له بنتًا يريد أن يزوِّجها، فأخذ يوقع له بألفِ درهم، فوقَّع له بألفِ ألف درهم (٣)، فأتى بها السقاء إلى وكيله، فوقفَ عليها، فاستعظم ذلك، وقال له: ويحك تدري بكم وقع لك؟! قال: بألف درهم، قال: ويحك إنَّها ألف ألف درهم، فخاف السقاء وقال: أعاوده، فكتب إليه وكيلُه: ﴿إن الله لا يحب المسرفين﴾، فكتب إليه: جَرى القلم بما فيه، وليس في الخير إسراف، ولا أرجعُ عن شيءٍ كتبتهُ بيدي، فصالحَ الوكيلُ السقَّاء على مئة ألف درهم، ولم يعلم الحسن (٤). توفي الحسن يوم الخميس لخمسٍ خلون من ذي القعدة، وكان سبب موته أنَّه شرب دواءً فأفرط عمله، فمات وقت الظهر، وله ستون سنة -وقيل: سبعون- بسامراء، فأمرَ المتوكِّل بتجهيزه من خزانته، فلمَّا وضِعَ على سريره تعلَّق به جماعةٌ من التجَّار غرماء الحسن، ومنعوا من دفنه، فتوسَّط أمرهم يحيى بن خاقان وإبراهيم بن عتَّاب وبرغوث، فقطعوا أمرهم، فدفن، فلمَّا كان من الغد وردَ كتاب من بغداد على البريد بوفاة إسحاق بن إبراهيم (٥) المصعبي بعد الظهر من يوم الخميس لخمسٍ خلونَ من ذي القعدة، فجزع عليه المتوكل جزعًا شديدًا، وقال: سبحان الله، كيف توافت منيَّةُ إسحاق

стр. 6865

والحسن في وقتٍ واحد؟!. ولمَّا دُفن الحسن قام أبو العيناء على قبره وقال: أما والله لئن أتعبتَ المادحين لقد أطلتَ بكاءَ الباكين، ولقد أصيبتْ بموتك الأيَّام، وخرست بفقدك الأقلام، ولقد كنت في البأس تقيَّةً، وفي الناسِ بقيَّةً (١). [وفيها توفي] (٢) الحسن بن عُلَيل بن الحسين (٣) أبو علي العَنَزي، [اسم أبيه عليّ، وإنما قالوا: عُلَيل، فغلب عليه هذا اللقب، و] كان أديبًا فاضلًا شاعرًا (٤)، [وذكر الخطيب من أشعاره هذه الأبيات:] (٥) [من البسيط] كلُّ المحبين قد ذَمُّوا السُّهادَ وقد … قالوا بأجمعهم طُوبى لمن رقَدَا [فقلت يا رب لا أبغي الرقاد ولا … ألهو بشيءٍ سوى ذكري له أبدا] إن نمتُ نامَ فؤادي عن تذكُّره … وإنْ سهرتُ شَكا قلبي الَّذي وَجَدَا (٦) توفي بسامرّاء. حدَّثَ عن ابن مَعين وغيره، ورَوى عنه أحمد بن نصر [الذَّارع] (٧)، وكان ثقةً. عبد السلام بن صالح ابن سُليمان بن أيوب، أبو الصَّلت الهَرَويُّ، الحافظ.
следующие страницы →