← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

السنة السادسة والثلاثون بعد المئتين [قال الطبري: و] فيها أمر المتوكِّلُ بهدمِ قبرِ الحسين بن علي [بن أبي طالب] ﵁ و [هدم] ما حوله من المنازل والدُّور، وأن يُبْذر ويُسْقى موضعُ قبره، و [أن] يُمنع الناسُ من إتيانه، ونادى عاملُ تلك الناحية: من وجدناه [عند قبره] بعد ثلاثة (١) بعثنا به إلى المطبق، فهربَ الناس، وامتنعوا من زيارته وحُرِثَ المكانُ وزُرع ما حوله (٢). [قال الصوليُّ:] ونَفوا من كان عنده [من العلويين والمجاورين]، وبقي صحراء (٣)، فكتبَ أهلُ بغداد سَبَّ المتوكِّل على الحيطان وفي المساجد والجوامع، ودَعَوا عليه عقب الصلوات، وهجاهُ الشعراء، فقال يعقوب بن السكيت [صاحب "إصلاح المنطق":] [من الكامل] بالله إن كانت أميَّةُ قد أتت … قَتْلَ ابن بنت نبيِّها مظلومَا فلقد رماه بنو أبيه بمثلها … أضحى حسينٌ قبرُه مهدومَا أَسِفُوا على أنْ لا يكونوا شاركُوا … في قتله فتتبَّعوهُ رميمَا (٤) [وبلغَ المتوكِّل فطلبَه، فاختفى منه، ثم قتلَه بعد ذلك لما نذكر في ترجمة يعقوب]. وقيل: كان ذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين [ومئتين] (٥). وفيها غزا عليُّ بنُ يحيى [الأرمنيّ] الصائفةَ في ثلاثة آلاف فارس، فالتقاه ملكُ الروم [في ثلاثين]، فهزمه، وقتل من الروم أكثرَ من عشرين (٦) ألفًا، وانهزمَ ملكُ الروم في نفرٍ يسيرٍ إلى القُسْطنطينية، وسار عليٌّ فأناخَ على عَمُّورية (٧)، فقاتل أهلها وفتحَها

стр. 6862

عُنْوةً، وقتل خلقًا من أهلها، واستنقذَ من أُسارى المسلمين خلقًا كثيرًا، وهدمَ كنائسها، وفتح حصنًا يقال له: الفطس، فأخرجَ منه عشرين ألف فارس من السبي، وعاد سالمًا قد غنمَ من المتاعِ والمال سوى الأسارى ما يساوي مئة [ألف دينار] وعشرين ألف دينار. وفيها استكتب المتوكِّلُ الفتحَ (١) بن خاقان. وحجَّ بالناس المنتصر محمدُ بن المتوكِّل، وحجَّتْ معه شُجَاع أمُّ المتوكِّل، وشيَّعَها المتوكِّلُ إلى النجف (٢). وفيها (٣) توفي إبراهيم بن المُنْذِر من ولدِ خالد بن حِزام بن خُوَيلد بن أسَد بن عبد العُزَّى. قدم بغداد من المدينة إلى أحمد بن أبي دؤاد، ثمَّ جاء إلى الإمام أحمد، فاستأذنَ عليه فلم يأذن (٤) له، فجلسَ على بابه حتَّى خرج، فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه¬ السلام؛ لأنه خلَّط في القرآن. وحجَّ سنة خمسٍ وثلاثين، فلمَّا صدرَ إلى المدينة توفي بها في المحرَّم. سمعَ مالك بن أنس وغيره، ورَوى عنه البخاريُّ في آخرين، واختلفوا فيه (٥). [وفيها توفي] إسماعيل بن إبراهيم بن بسام أبو إبراهيم التَّرْجُمانيّ، كان عالمًا فاضلًا.

стр. 6863

[ذكره ابن سعد وقال: كان] صاحبَ سُنَّة، وشهدَ جَنازته خلقٌ كثير. وتوفي ببغداد في المحرَّم (١). [وحكى الخطيب عن] عبد الله بن الإمام أحمد [قال:] جاء التَّرْجُمانيُّ يومًا إلى أبي فسلَّم عليه، فقال له أبي: أيشٍ تحدِّث، فقال: حدثنا شعيب (٢) بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤] إنَّ الأثيمَ هو أبو جهل. [وفي روايةٍ أنَّ أحمدَ بن حنبل مشى إلى الترجمانيّ، وكتب عنه أحاديث،] (٣) وقال: ما أحسنَ هذه. أسند عن هُشَيم بن بشير وغيره، ورَوى عنه محمدُ بن سعد وغيره، وكان ثقةً (٤). إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر (٥) أبو مَعْمَر الهُذَلي، هرويُّ الأصل، قَدِم بغداد وحدَّث، وكان من تشدُّده في السنَّة يقول: لو نطقتْ بغلتي لقالت: أنا سُنِّيَّة، وأُخِذ في المحنة فأجابَ، فلمَّا خرجَ قال: كفرنَا وخرجنا (٦). وتوفي ببغداد في جمادى الأولى. سمع عبدَ الله بن الإمام أحمد وغيره، وروى عنه البخاريُّ ومسلم. وقال ابنُ معين: هو ثقة مأمون. وسمع هو من ابنِ المبارك وغيره (٧). الحسن بن سَهْل بن عبد الله أبو محمد، كان جوادًا ذا مروءةٍ، محترمًا عند الخلفاء، جاءه الحسنُ بن وَهب،

стр. 6864

فشكا إليه ضائقةً، فأرسل إليه بمئة ألفِ درهم (١). وجاء رجلٌ يستشفعُ به في حاجةٍ، فقضاها، فأقبلَ يشكره، فقال: علام تشكرُنا؟! ونحن نرى للجاه زكاةً كما للمال، ثم أنشد: [من الكامل] فُرِضتْ عليَّ زكاةُ ما ملكتْ يدي … وزكاةُ جاهي أنْ أُعين وأشْفَعا فإذا مَلَكْتَ فجُد وإنْ لم تستطعْ … فاجهد بوسعك كُلِّه أنْ تنفعَا (٢) وكان للحسن سقَّاءٌ يسقي له الماء، فرآه يومًا يمرُّ في داره، فسأله عن حاله، فشكا إليه ضائقة، وذكرَ أنَّ له بنتًا يريد أن يزوِّجها، فأخذ يوقع له بألفِ درهم، فوقَّع له بألفِ ألف درهم (٣)، فأتى بها السقاء إلى وكيله، فوقفَ عليها، فاستعظم ذلك، وقال له: ويحك تدري بكم وقع لك؟! قال: بألف درهم، قال: ويحك إنَّها ألف ألف درهم، فخاف السقاء وقال: أعاوده، فكتب إليه وكيلُه: ﴿إن الله لا يحب المسرفين﴾، فكتب إليه: جَرى القلم بما فيه، وليس في الخير إسراف، ولا أرجعُ عن شيءٍ كتبتهُ بيدي، فصالحَ الوكيلُ السقَّاء على مئة ألف درهم، ولم يعلم الحسن (٤). توفي الحسن يوم الخميس لخمسٍ خلون من ذي القعدة، وكان سبب موته أنَّه شرب دواءً فأفرط عمله، فمات وقت الظهر، وله ستون سنة -وقيل: سبعون- بسامراء، فأمرَ المتوكِّل بتجهيزه من خزانته، فلمَّا وضِعَ على سريره تعلَّق به جماعةٌ من التجَّار غرماء الحسن، ومنعوا من دفنه، فتوسَّط أمرهم يحيى بن خاقان وإبراهيم بن عتَّاب وبرغوث، فقطعوا أمرهم، فدفن، فلمَّا كان من الغد وردَ كتاب من بغداد على البريد بوفاة إسحاق بن إبراهيم (٥) المصعبي بعد الظهر من يوم الخميس لخمسٍ خلونَ من ذي القعدة، فجزع عليه المتوكل جزعًا شديدًا، وقال: سبحان الله، كيف توافت منيَّةُ إسحاق

стр. 6865

والحسن في وقتٍ واحد؟!. ولمَّا دُفن الحسن قام أبو العيناء على قبره وقال: أما والله لئن أتعبتَ المادحين لقد أطلتَ بكاءَ الباكين، ولقد أصيبتْ بموتك الأيَّام، وخرست بفقدك الأقلام، ولقد كنت في البأس تقيَّةً، وفي الناسِ بقيَّةً (١). [وفيها توفي] (٢) الحسن بن عُلَيل بن الحسين (٣) أبو علي العَنَزي، [اسم أبيه عليّ، وإنما قالوا: عُلَيل، فغلب عليه هذا اللقب، و] كان أديبًا فاضلًا شاعرًا (٤)، [وذكر الخطيب من أشعاره هذه الأبيات:] (٥) [من البسيط] كلُّ المحبين قد ذَمُّوا السُّهادَ وقد … قالوا بأجمعهم طُوبى لمن رقَدَا [فقلت يا رب لا أبغي الرقاد ولا … ألهو بشيءٍ سوى ذكري له أبدا] إن نمتُ نامَ فؤادي عن تذكُّره … وإنْ سهرتُ شَكا قلبي الَّذي وَجَدَا (٦) توفي بسامرّاء. حدَّثَ عن ابن مَعين وغيره، ورَوى عنه أحمد بن نصر [الذَّارع] (٧)، وكان ثقةً. عبد السلام بن صالح ابن سُليمان بن أيوب، أبو الصَّلت الهَرَويُّ، الحافظ.

стр. 6866

رحلَ في طلبِ الحديث إلى الكوفة والبصرة والحجاز والشام (١) واليمن وخراسان، وقدم بغداد وحدَّثَ بها، ولما قدمَ مرو دخلَ على المأمون، وتحدَّثَ بين يديه فأعجبه، وناظر بشرًا المريسيّ غيرَ مرَّة بين يدي المأمون، وهو يَظهر على بشر، فانحرفَ المأمون عنه، فلم يلتفت، وكان من أهل السنَّة. وخرجَ إلى الثغر بالشام (١)، فتوفي به في شوال، وقيل: عادَ إلى بغداد، فمات بها. أسند عن مالك بن أنس وغيره، وروى عنه عباس الدوري وطبقته. وكان صدوقًا غير أنَّهم نسبوه إلى التشيُّع، قال: وهو رَوى: "أنا مدينةُ العلم، وعليٌّ بابُها" وضعَّفوا هذا الحديث (٢). مصعب بن عبد الله ابن [مصعب بن] (٣) ثابت بن عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام، أبو عبد الله، وأمُّه أمة الجبَّار بنت إبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير. وكان عالمًا بالأنساب، وأيَّام الناس، ووقائع العرب، فاضلًا جوادًا ممدَّحًا، ومن شعره يفتخر: [من الكامل] إنِّي امرؤٌ عَرَفَتْ (٤) قريشٌ مولدي … فحللتُ بين سِمَاكِها والفرقدِ أولت (٥) عليَّ لهم قرابةُ بيننا … حُسْنَ الثناءِ عليهمُ في المشهدِ بيتٌ تقدَّمهُ النبيُّ ورهطُه … متعطِّفينَ على النبيِّ محمَّدِ وصفيَّةُ الغرَّاء عمَّة أحمد … وعقيلة النِّسوانِ بنت خويلدِ من أبيات، وهي نيفٌ وأربعونَ بيتًا. وكان مصعبٌ جوادًا، وفيه يقولُ ابن [أبي] صُبْح المُزَنيّ:

стр. 6867

إذا شئتَ يومًا أنْ ترى وجهَ سابقٍ … بعيدِ المدى فانظُر إلى وجهِ مُصعبِ ترى وجهَ بسَّامٍ أَغرَّ كأنَّما … تفرَّج تاجُ الملكِ عن ضوءِ كوكبِ فتًى همُّه أنْ يشتري الحمدَ بالندى … فقد ذهبت أخبارُه كلَّ مذهبِ مفيدٌ ومِتْلَافٌ كأنَّ نواله … علينا نِجَاءُ العارضِ المُتنَصِّبِ (١) توفي مصعب ببغداد في شوال، وله ثمانون سنة، وكان واقفيًّا؛ إذا سُئِل عن القرآن وقَفَ، ويعتِبُ من لم يقف (٢). حدَّثَ عن مالك بن أنس وغيره، وكتب عنه يحيى بن معين في آخرين، واتَّفقوا على أنَّه كان صدوقًا مأمونًا على ما يرويه. [وفيها توفي] منصور بن محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور، وليَ إمرةَ دمشق للأمين سنة ثلاث وتسعين ومئة (٣). [وقال الحافظ ابن عساكر: كان الأمين يعجبه البللور،] وكان في محراب (٤) دمشق بلورةٌ كبيرةٌ، يقال لها: القُلَّة، فدس [منصور] من سرقها، وبعث بها إلى الأمين (٥)، فثارَ عليه أهلُ دمشق، ووقعت الفتنة، وبلغ الأمين فعزله. ولما قُتِلَ الأمينُ، ودخل المأمونُ بغداد وجدَ القُلَّة في خزائن الأمين، فلمَّا بعث المأمونُ عبدَ الله بن طاهر إلى دمشق ومصر، دفعَ إليه القُلَّة، وأمره أن يعيدها إلى محراب جامع دمشق في ملأ من الناس، ففعل [ابن طاهر] ذلك، وقصد [المأمون] الشناعةَ على أخيه.

стр. 6868

[وقال خليفة:] أقام منصور الحج في الناس سنة خمس وثمانين (١) ومئة (٢)، ولما ولَّى المأمونُ العهدَ عليَّ بن موسى الرضا، اجتمع بنو هاشم إلى منصور، وقلَّدوه الخلافةَ، وسلَّموا عليه بها، فطلبوه (٣) والمأمونُ بخراسان فامتنع، وقال: أنا نائبُ أميرِ المؤمنين المأمون، فعدلُوا عنه إلى إبراهيم. وقد ولَّوا منصورَ أعمالًا كثيرةً؛ البصرة، والمدينة، والشام، ومصر. وأمُّه أم ولد يقال لها: بحريَّة. وكان يحب (٤) العلمَ وأهلَ الحديث ويبرُّهم، ويبعثُ إلى يزيد بن هارون أموالًا يفرِّقُها في المحدِّثين، ودخلَ يومًا على المأمون وعندهُ جماعةٌ يتكلَّمون في الفقه، فقال له المأمون: ما عندك في هذا؟ فقال: أغفلونا في الحداثة، وشَغَلنا الكبرُ عن اكتساب الأدب، فقال له: فاطلب، فقال: مع الكبر؟! فقال: والله لئن تعيش طالبًا للعلم خيرٌ من أنْ تعيشَ في الجهل (٥)، يا عم، إنَّ الجهلَ يقصِّرُ بك في المجالس، ويصغِّرُكَ في أعين الناس. وكانت وفاتُه في المحرَّم، ورَوى عن أبيه وأعمامه، وسمعَ الوليدَ بن مسلم وغيره (٦). نصر بن زياد بن نَهِيك أبو محمد النَّيسابوري، سمع الحديث، وتفقَّه على محمد بن الحسن، وأخذَ الأدبَ عن النضرِ بن شُميل.

стр. 6869

وليَ قضاء نَيسَابور بضعَ عشرة سنة، وكان محمودَ السيرة نَزِهًا، عفيفًا ورعًا، يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقول: لولا هذا لم أتلبَّس بعمل، لكنني إذا لم ألِ القضاءَ لم أقدر على ذلك. وكان يُحيي الليلَ، ويصومُ يوم الإثنين والخميس والجمعة، ولا يرضى من العُمَّال حتَّى يردُّوا (١) حقوقَ الناس. دخل عليه يومًا أحمد بن حَرْب بن عطيَّة فوعظه، وأشار في مواعظه بأن يستعفيَ ممَّا هو فيه، فقال له: يا أبا عبد الله، ما يحملُني على ما أنا فيه إلَّا نصر الملهوفين، والقدرةُ على الانتصاف للمظلومين من الظالمين، لعلَّ الله تعالى قد عرفَ لي ذلك. وقال محمد بن عبد الوهَّاب: قال لي نصر القاضي: يأبى الناس العدلَ، ألا تَرى أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ سُمَّ (٢) على العدل، وعمر قُتل على العدل، وكذا عثمان وعليّ ﵁، وسُمَّ عمرُ بن عبد العزيز على العدل. توفي بنَيسَابور في صفر لتسعٍ (٣) بقين منه وهو ابن ستٍّ وتسعين سنة. سمع عبد الله بن المبارك وغيره، وروى عنه شريح الحاكم، وكان صدوقًا ثقةً، وكان المأمونُ يحبُّه ويكاتبُه دائمًا لا يقطعُ عنه كتبَه (٤). * * *

стр. 6870

السنة (١) السابعة والثلاثون بعد المئتين فيها قُتِل يوسف بن محمد عاملُ المتوكِّل على إرمينية، وسببه أنَّ رجلًا من أهل إرمينية يقال له: بقراط بن أسواط (٢) كان عظيمًا عندهم، ويسمّونه بطريقَ البطارقة، أخذَه يوسف بن محمد بأمان، فقيدّه (٣)، وبعثَ به إلى المتوكِّل، فأسلم، واجتمع أهله من بطارقة إرمينية، وحصروا يوسف بن محمد في بلدٍ يُقال لها: طَرُون، فخرجَ إليهم فقاتلهم فقتلوه، وبلغ المتوكِّل، فبعثَ إليهم بُغَا الكبير، فنزلَ إرمينية، وخرجَ إليه أهلُها، وفيهم القتلة، فالتقوا على دَبِيل -مدينة من مدائن إرمينية- واقتتلوا فظفرَ بهم بغا، فقتلَ منهم زهاء ثلاثين ألفًا، وسبَى خلقًا كثيرًا، فباعهم بإرمينية، ثم صار إلى تَفْليس فأقامَ بها. وفيها ولّى المتوكل عبدَ الله بن إسحاق المصعبي والي الشرطة، ثمَّ قدِمَ محمد بن طاهر من خُرَاسان على المتوكِّل، فولّاه الجزيةَ وأعمال السواد وخلافتَه على بغداد، فصار إلى بغداد (٤). وفيها عزل المتوكِّلُ محمَّد بن أحمد بن أبي دؤاد عن المظالم، وولَّاها محمد بن يعقوب، وغضبَ أيضًا على أحمد بن أبي دؤاد، وأمر بقبض ضياعه، وحَبسَ ابنَه محمَّدًا وإخوته في ديوان الخَرَاج في ربيع الأول، فحمل محمَّدٌ إلى المتوكِّل مئةً وعشرين ألف دينار وجوهرًا قيمتُه عشرين ألف دينار، ثم صُولِحَ بعد ذلك على ستة

стр. 6871

عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم ببيع كل ضيعةٍ لهم، وكان قد فُلِجَ، فأمرَ المتوكِّلُ بحمله إلى بغداد في شعبان فَحَدَرُوه (١)، فقال أبو العتاهية: [من البسيط] لو كنتَ في الرأي منسوبًا إلى رَشَدِ … وكان عزمُك عزمًا فيه توفيقُ لكانَ في الفقه شغلٌ لو شُغِلْتَ به … عن أنْ تقول كتابُ الله مخلوقُ ماذا عليكَ وأصلُ الدِّين يجمَعُهم … ما كانَ في الفرعِ لولا الجهل والموقُ (٢) وفيها رضيَ المتوكِّلُ على يحيى بن أكثم، وكان ببغداد، فأشخصَ إلى سامرَّاء، وولي قضاء القضاة والمظالم، فولى سوَّار بن عبد الله العنبريّ قضاءَ الجانب الغربيّ، وحيَّان بن بشر الجانب الشرقي، وكانا أعورين، فقال جماز -وقيل: دعبل-: [من الوافر] رأيتُ من الكبائرِ قاضيين … هما أحدوثةٌ في الخافقينِ هما اقتسمَا العمَى نصفين قدمًا … كما اقتسمَا قضاءَ الجانبينِ هما فألُ الزمانِ بهُلْكِ يحيى … إذِ افتتحَ الزمانَ بأعورينِ (٣) وفيها أطلقَ المتوكِّل مَنْ كان حُبِسَ على القول بخلق القرآن بسامرَّاء وبغداد والبلاد كلها، وكتب إلى الدنيا بذلك. وفي يوم الفطر أمرَ بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي ودفعه إلى أوليائه، فحُمِلت جثَّتهُ إلى بغداد، وجمع بينها وبين رأسه، ودُفِنَا في مقبرة عبد الله بن مالك، وكثر يتردَّدُ العامَّةُ إلى قبره والتبرُّك به (٤)، فكتبَ المتوكِّلُ إلى ابن طاهر بأن ينهى عن الاجتماع عند قبره مخافةَ الفتنة. وغزا عليٌّ الأراضي الصائفة.

стр. 6872

[وفيها (١) ظهرَ في السمَّاء شيءٌ مستطيلٌ، دقيقُ الطرفين، عريضُ الوسط من ناحية المغرب، فامتدَّ ما بين عشاء المغرب إلى عشاء الآخرة، ثم ظهر خمس ليال، وليس بضوء كوكب، ولا بكوكبٍ له ذنب، ثمَّ انقضَّ]. وفيها ظهرت نارٌ بأرضِ عَسْقَلان، فأحرقت المنازل والمساجدَ والبيادر، فهربَ الناس، ولم تزل تحرق حتَّى مَضَى ثلثُ الليل، ثمَّ كُفَّتْ (٢). وفيها تمَّ بناءُ جامعِ سامراء، وكان ابتداءُ بنائه في سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين، وصلَّى فيه المتوكِّلُ في رمضان هذه السنة، وبلغت النفقةُ عليه ثلاثَ مئة ألف وثمانيةَ آلاف ومئتين واثني عشر دينارًا، سوى الأنقاض والآلات التي حُمِلت من بغداد، وإنَّما هذا المبلغ [المذكور] صُرِفَ إلى [البنَّائين والنجَّارين و] الفَعَلة والصُّنَّاع (٣). وتمَّ بناءُ قصرِ المتوكِّل، ويعرف بالعروس، فأُنفِقَ عليه ثلاثونَ ألف ألف درهم (٤). وحجَّ بالناس عليُّ بنُ عيسى بنِ جعفر بنِ المنصور، وهو والي مكَّة يومئذ. وفيها (٥) توفي إسحاق بن إبراهيم ابنِ مَخْلَد بنِ إبراهيم، أبو يعقوب (٦) التميميُّ الحنظليُّ، ويعرف بابن راهويه، من أهلِ مرو، سكن نَيسَابور، ومولدُه سنةَ إحدى وستين ومئة، وقيل: سنَة ستٍّ وستين، وقيل: سنة ثلاثٍ وستين. وقال موسى بن هارون: سألتُ إسحاق أيُّما أكبر، أنتَ أو أحمد بن حنبل؟ فقال: هو أكبرُ مني في القدر والسن. ومولد الإمام أحمد سنة أربع وستين (٧).

стр. 6873

وهو مثقوبُ الأذنين (١)، فقال الفضل بن موسى السِّيناني: يكونُ هذا رأسًا في الخير أو الشر. فكان في الخير. وقال له عبدُ الله بن طاهر: ما معنى راهويه؟ فقال: وُلدَ أبي في طريق، فقالت المراوزة: راهوي، أي: وُلِد في الطريق. وإسحاق أحدُ الأئمَّة، وعلمٌ من أعلام الدين، اجتمعَ له الحديثُ والفقهُ، والحفظُ والورعُ، والزهدُ والصِّدقُ. رحلَ إلى العراق، والحجاز، واليمن، والشام، وسمع بهذه الأماكن، ولقيَ الأئمَّة، وورد بغداد، وجالس الحفَّاظ بها، وعاد إلى خراسان وانتشرَ علمُه بها. وقال: [أحفظ] (٢) سبعين ألف حديث كأنَّها نُصْبَ عيني، وقيل: مئة ألف حديث. وكان الإمام أحمد يقول: ما أعرفُ لإسحاق بالعراق نظيرًا، ولم تر عيني مثله، ولا عبر الجسرَ مثلُه. وما رُئي في يده كتابٌ قط، ما كان يحدِّثُ إلَّا من حفظه (٣). وسُئِل عنه مرَّةً فقال: أُسأل عن إسحاق، إنما ينبغي أنْ يُسألَ إسحاق عني (٤). وقال ابن داود الخفاف: أملى علينا إسحاق من حفظِه أحدَ عشر ألف حديث، ثم قرأها علينا، فما زادَ حرفًا، ولا نقصَ حرفًا. وقال إسحاق: ما كتبتُ سوادًا في بياض إلى يومي هذا، ولا حدَّثني أحدٌ بحديثٍ فنسيتُه قط (٥)، وأحفظ أربعةَ آلاف حديث مزورة، فقيل: ما الفائدةُ فيها؟ فقال: إذا مرَّ

стр. 6874

حديثٌ منها في الأحاديث الصحاح سللته منها سلًّا (١). وتوفي ليلة الخميس نصف شعبان بنيسابور، وهو ابن سبعٍ وسبعين سنة (٢). وقال ابنُه محمد: مات أبي سنة ثمانٍ وثلاثين (٣). أسندَ عن خلقٍ كثير، وسمع سفيان بن عُيينة، وعبد الرزاق، وبقيَّةَ بن الوليد، وغيرهم، وروى عنه الإمامُ أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، ومحمد بن حُميد الرازي، وهما من أقرانه، والبخاريُّ، ومسلمٌ، والترمذيُّ، في خلقٍ كثير، وأجمعُوا على صدقه وثقتِه. وقال محمد بن أسلم الطُّوسيّ حين مات: لو كان الثوريُّ في الحياة لاحتاج إلى إسحاق، وبلغ قولُه محمدَ بن يحيى الصَّفَّار فقال: والله صدق، لو كان الحسنُ البصريُّ حيًّا لاحتاجَ إلى إسحاق في أشياء كثيرة (٤). ولإسحاق اختياراتٌ في المذهب وغيره. [وفيها توفي حاتم الأصم واختلقوا في اسم أبيه على قولين؛ أحدهما أنَّه حاتم بن يوسف، والثاني حاتم بن عنوان، وكنيته] (٥) أبو عبد الرحمن البلخيّ. [وقال أبو عبد الرحمن السلمي: هو] مولى المثنى بن محمد (٦) المحاربي. [فأما سبب تسميته الأصم، فقال الخطيب بإسناده إلى أبي الحسن بن علي الدَّقَّاق

стр. 6875

يقول: جاءت امرأة فسألت حاتمًا عن مسألة] (١) فاتَّفق أنَّه خرجَ منها في تلك الحال صوتٌ، فخجلت، فقال [لها حاتم:] ارفعي صوتَك، فأراها من نفسه أنَّه أصم، [فسرَّت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت،] فغلب عليه الأصم (٢)، [ولم يكن به صممٌ.] وكان [حاتم] من قدماء مشايخ خراسان [المفلحين]، صحب شقيقًا البلخي وانتفع به. [وقد ذكره الأئمة؛ أبو نُعَيم الحافظ، والقُشَيريّ، وابنُ خميس في "المناقب"، والخطيبُ، والسُّلَميُّ، وغيرهم. ذكر طرف من أخباره: قال الخطيب بإسناده عن عليِّ بن الموفَّق قال: سمعت حاتمًا يقول:] (٣) لقينا التُّرك، وكان بيننا جولةٌ، فرماني تركيٌّ بوَهَق (٤)، فقلبني عن فرسي، ونزل عن دابته، فقعد على صدري [ليذبحني]، وأخذَ بلحيتي، وأخرج سكينًا من خُفِّه، ولم يبق إلا أن يذبحني، فَوَحَقِّ سيِّدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكِّينه، وإنَّما كان قلبي عند سيِّدي، أنظر ماذا يَنْزِلُ به القضاءُ منه، فقلت: سيدي، قضيتَ علي أن يذبحَني هذا، فعلى الرأس والعين، إنَّما أنا لك وملكك، فبينا أنا أخاطبُ سيِّدي، والتركيُّ قاعدٌ على صدري، آخذٌ بلحيتي، إذ رماه بعضُ المسلمين بسهمٍ، فما أخطأَ حلقَه، فسقطَ عنِّي، فقمتُ إليه، فأخذتُ السكِّين من يده وذبحتُه، فما هو إلا أن تكونَ قلوبكُم عند السيِّد حتَّى تروا من عجائب لُطفه ما لم تروه من الآباء والأمهات (٥). و [روى الخطيب عنه أنَّه] قال: لي أربع نسوة وتسعةُ أولاد، ما طمعَ الشيطانُ أن يُوسوسَ لي في شيءٍ من أرزاقهم (٦).

стр. 6876

وقال [حاتم:] مررتُ براهبٍ في صومعة، فسألته عن مسألة، فقال: مكانَك، وأدخلَ رأسَهُ في صومعته، فلما كان بعد أسبوعٍ أخرجَ رأسَه وقال: أنت ها هنا؟ فقلت: نعم للموعد، فما الَّذي حبسَك عنِّي، قال: كنت على غير طريق (١)، فعرضَ لقلبي شيءٌ، فلم أزل أفكِّر (٢) فيه إلى اليوم، ثمَّ قال لي: من أين أنت؟ قلت: من بَلْخ، قال: فإلى من كنت تجلس؟ قلت: إلى شقيق البلخي، قال: فأيشٍ سمعتَه يقول؟ قلت: سمعتُه يقول: لو كانت السماءُ من نحاسٍ والأرضُ من حديد، فلا السماءُ تمطر، ولا الأرضُ تنبت، وكان عيالي ما بين الخافقين، لم أبالِ، فقال الراهب: لا تجلس إليه قلت: ولم؟ قال: لأنَّه يفكرُ فيما لم يكن كيفَ كان، لا تجالسه، فإنَّه فاسدُ الفكر. [ذكر نبذة من كلامه: حكى عنه أبو نعيم الأصفهاني قال:] سأله رجل، علام بنيتَ أمرك في التوكُّل؟ فقال: على أربع خصال؛ علمتُ أنَّ رزقي لا يأكلهُ غيري، فاطمأنَّت به نفسي، وعلمتُ أنَّ عملي لا يعملُه غيري، فأنا مشغولٌ به، وعلمتُ أنَّ الموتَ يأتيني بغتةً، فأنا أبادرُه، وعلمتُ أنِّي لا أخلو من عينِ الله حيث كنت، فأنَا أستحي منه (٣). [قال:] ومرَّ به عصام بن يوسف الفقيه فقال [له:] يا حاتم، كيف تصلِّي؟ فقال: أقوم بالأمر، وأمشي بالسكينة (٤)، وأدخلُ بالنيَّة، وأكبِّرُ بالتعظيم، وأقرأ بالترتيل (٥)، وأركعُ بالخشوع، وأسجدُ بالخضوع، وأسلِّمُ بالسنَّة، وأمثِّلُ الجنَّة عن يميني، والنارَ عن شمالي، وأقول في نفسي: إنَّ الله حاضرٌ معي، وإنِّي لا أصلِّي صلاةً بعدها. فالتفتَ عصام إلى أصحابه وقال: قوموا بنا نعيدُ صلاتَنا، فما منا مَنْ يُصلِّي، أما أنتَ يا حاتم فتحسن [أن] تصلِّي. [وحكى ابن باكويه الشيرازي عن حاتم قال:]

стр. 6877

قال لي شقيقٌ البلخيّ: قد صَحِبْتَني (١) ثلاثين سنة، فما الَّذي استفدتَ منِّي؟ فقلتُ: خصالًا محمودةً، فقال: وما هي؟ فقلت: أمَّا الأولى: فإنِّي سمعتُ الله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وعلمتُ أنِّي من جملةِ الدوابّ، فلم أشغل نفسي بشيءٍ من رزقي بعد أن تكفَّل به لي ربِّي. والثانية: أنِّي نظرتُ إلى هذا الخلق، فرأيتُ كلَّ واحدٍ يحبُّ محبوبًا، فهو معه إلى قبره، فإذا وصل إلى قبره فارقَه، فجعلتُ العملَ الصالح محبوبي، فإذا دخلتُ القبر كان معي. والثالثة: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] فاجتهدتُ في دفعِ الهوى عن نفسي. والرابعةُ: أنِّي نظرتُ إلى هذا العالم، فرأيتُ أنَّ كلَّ من معه شيءٌ له قَدْرٌ وقيمةٌ حفظَه، ونظرتُ في قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، فكُلَّما وقعَ معي شيءٌ له قيمة أنفذته إليه؛ ليبقى لي ذخيرةً عنده. والخامسة: أنِّي نظرتُ إلى الناس فإذا كلُّ واحدٍ يرجعُ إلى شيءٍ، فبعضُهم إلى المال، وبعضُهم إلى الجاه، وبعضُهم إلى الشرف، وسمعت الله يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فعملتُ على التقوى حتَّى أكون عند الله كريمًا. والسادسة: أنِّي نظرتُ إليهم، فرأيتُ بعضَهم يبغضُ بعضًا [ويلمز بعضًا]، فعلمتُ أنَّ أصلَه الحسد، وأنَّ الله تعالى هو القسَّام، وقد قال [الله تعالى:] ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] فتركتُ الحسدَ، فاسترحتُ من بغضهم، ورأيتُ بعضَهم يبغي (٢) على بعض، وبعضهم يقاتلُ بعضًا فبحثت عن السبب، فإذا هو حبُّ الدنيا، وسمعتُ الله تعالى يقول: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ﴾ الآية [الحديد: ٢٠]، فتركتُها واسترحت.

стр. 6878

والسابعة (١): أني رأيتُ طاعةَ الشيطان سببًا إلى كلِّ أمرٍ قبيح، وسمعت الله يقول: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] فعاديتُه فاسترحت. [قال:] فقال لي شقيق: أحسنتَ يا حاتم، فإنِّي قرأتُ القرآن والتوراةَ والإنجيل والزبور، فوجدتُها تدورُ على الخصالِ التي ذكرت. [وروى الخطيب عنه أنَّه كان يقول (٢):] لو جلسَ إليك صاحبُ خَبَرٍ لاحترزتَ منه، وكلامُك يعرَضُ على الله تعالى فلا تحترز (٣). [قال:] وقال: ما من يومٍ إلَّا والشيطانُ يقول لي: ما تأكل؟ [فأقول:] الموت، وما تلبس؟ فأقول: الكفن، فيقول: أينَ تسكُن؟ فأقول: في القبر (٤). وقال [حاتم:] من ادَّعى ثلاثًا بغير ثلاث فهو كذَّاب، من ادعى محبَّة الله من غير وَرَعٍ عن محارمه، فهو كذَّاب، [ومن ادَّعى محبَّةَ الجنَّة من غير إنفاق ما يجمعهُ، فهو كذَّاب]، ومن ادَّعى محبَّة رسولِ الله ﷺ من غير محبَّة الفقراء (٥) فهو كذَّاب (٦). وقال: لا تغترَّ بمكانٍ صالح، فلا مكانَ أصلح من الجنَّة، وقد لقيَ فيها آدمُ ما لقي، ولا تغترَّ بكثرةِ العبادة، فما عَبَدَ اللهَ أحدٌ مثل إبليس، ولا تغترَّ بالعلم، فإنَّ بلعام كان يعرفُ اسم الله الأعظم، فانظر كيف هلك، ولا تغترَّ برؤية الصالحين، فلا شخصَ أصلح من محمدٍ ﷺ ، ولم ينتفع برؤيته آباؤه وأمهاته وأهله. يعني من المشركين. و [روى ابن باكويه الشيرازي قال:] قال له رجل: من أين تأكل؟ فقال: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] (٧). [وروى الخطيب عن] سعدون [الرازي قال:] (٨) كنت مع حاتم، وكان يتكلَّم، فقلَّ

стр. 6879

كلامُه، فقيل له [في ذلك: إنك كنت تتكلَّمُ فينتفعُ الناس، فقال: ما أحبُّ أن أتكلم] كلمةً قبل أن أُعِدَّ لها جوابًا لله تعالى، فإذا قال لي يوم القيامة: لم قلت: كذا وكذا قلتُ: يا ربّ، قصدتُ كذا وكذا (١). [ذكر قصة حاتم مع محمد بن مُقَاتل الرازي ومحمد بن عُبيد الطنافسيّ وأهل المدينة ذكرها ابنُ خميس في كتاب "مناقب الأبرار" عن أبي عبد الله الخواص قال:] (٢) دخلت الريّ مع حاتم الأصمّ، ومعه ثلاث مئة وعشرون رجلًا، ونحن نريدُ الحجَّ، وعليهم الصوف والزُرْمَانقات (٣)، على قدم التجريد، فنزلنا على رجلٍ من التجار متنسِّكٍ يحبُّ الصالحين، فأضافنا تلك الليلة، فلمَّا كان من الغد، قال [الرجل] لحاتم: يا أبا عبد الرحمن، إنِّي أريدُ أن أعودَ القاضي محمد بن مقاتل الرازي، قاضي الريّ وفقيهها، فهو مريض، فقال حاتم: وأنا معك، فعيادةُ المريض عبادةٌ، قال: فجئنا إلى باب داره، وإذا البواب كأنَّه متسلِّطٌ، فبقي حاتم مفكِّرًا يقول: دارُ عالمٍ فقيهٍ تكون على هذه الصفة، ثمَّ أذن فدخلنا، وإذا بفرشٍ وستورٍ معلَّقةٍ وآلة، ثمَّ دخلنا إلى المجلس الَّذي فيه محمد، وإذا بفراشٍ رفيعٍ، وابنُ مقاتلٍ نائمٌ عليه، وحوله [غلمان وقوف في المجلس، فجلس التاجر، وحاتمٌ] قائم، فقال له محمد [بن مقاتل:] اقعد، قال: لا أقعد، قال: ولم؟ قال: لي مسألةٌ إليك أسألُكَها، فقال: سل، قال: اقعد حتَّى أسألك (٤)، فأسندوه فقعد، فقال له حاتم: علمك [هذا] من أين جئت به؟ فقال: حدَّثني به الثقات، قال: عمَّن؟ قال: عن الثقات، قلت: إلى من؟ قال إلى رسول الله ﷺ عن جبريل، عن الله ، قال: فهل سمعتَ فيه أنَّ من كانت دارُه في الدنيا أحسن، وأثاثُه أجمل، وزينتُه أكثر، كانت المنزلةُ له عندَ الله أعظم؟ قال: لا، قال:

стр. 6880

فكيف سمعت؟ قال: إنَّ من زهد في الدنيا، ورغب في الآخرة، وأحبَّ المساكين، وقدَّم لآخرتِه كانت له المنزلةُ عند الله أكثر، وكانَ إليه أقرب، فقال له حاتم: فأنتَ بمن اقتديت، بالثقات، أم بالصحابة، أم بالنبيِّ ﷺ ، أم بفرعون، أم بنمرود، فإنَّهما أولُ من بنى بالجص والآجر؟ يا علماءَ السُّوء، مثلكم كمثل الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها (١)، يقول: إذا كان العالمُ على هذه الحالة، لا أكونُ أنا شرًّا منه، ثمَّ خرجَ، وازداد [محمد بن مقاتل] الرازيّ مرضًا على مرضه [من كلام حاتم]. وبلغ أهل الرَّيِّ [ما جرى من حاتم وابن مقاتل، فقيل لحاتم:] (٢) إنَّ محمد بن عُبيد الطَّنافسيّ بقَزْوين أكبرُ سنًّا (٣) من ابن مقاتل، وهو غريقٌ في بحار الدنيا، فصار حاتم إلى قزوين، فدخلَ على الطنافسيّ، وعنده خلقٌ كثير، وهو يحدِّثهم في داره، فرأى في داره أعظمَ ما رأى في دارِ ابن مقاتل، فوقفَ على رأسه وسلَّم، فقال الطنافسيُّ: اقعد، فقال: أنا رجلٌ أعجمي، أتيتُك لتعلمني مبدأ ديني، ومفتاح صلاتي، وهو الوضوء، قال: نعم، يا غلام، إناء فيه ماء، فأحضره، فتوضأ الطنافسيُّ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال لحاتم: توضَّأْ هكذا، فتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وزادَ واحدةً، فقال الطنافسيُّ: أسرفت وزدتَ على الثلاث، فقال: يا مسكين، أنا في كفٍّ واحدٍ من ماء أسرفت، وأنتَ فيما أنت فيه من الدنيا [ما أسرفت]؟! ففهمَ الطنافسيُّ [أنَّه أراد أن ينكيه]، فدخلَ بيته، ولم يخرج إلى الناس أربعين يومًا. [وكتب التجار إلى بغداد بما جرى لحاتم مع ابن مقاتل والطنافسيّ،] ثم قدم [حاتم] بغداد. [قال الخطيب بإسناده إلى أبي عبد الله الخوَّاص -وكان من أصحاب حاتم- قال: لما دخل حاتم بغداد اجتمع] إليه أهلها وقالوا [له] أنت رجل أعجميٌّ، ليس يكلِّمُك

стр. 6881

أحدٌ إلَّا قطعتَه، لأيِّ معنى؟! قال: لأنَّ معي ثلاث خصال أظهر بها (١) على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرحُ إذا أصاب خصمي، وأحزنُ إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه. فبلغَ ذلك الإمام أحمد [بن حنبل] رحمةُ الله عليه، [فقال: سبحان الله، ما أعقله من رجل. هذه صورة ما ذكر الخطيب، رجع الحديث إلى "مناقب الأبرار" قال ابن خميس: عن أبي عبيد الله الخَوَّاص قال: فقام أحمد بن حنبل وجاء إلى حاتم، فدخل فسلّم عليه]، فردَّ وقال: يا أبا عبد الله، مجيئك إليَّ من الإيمان، فقال له [أحمد:] يا أبا عبد الرحمن، ما السلامة من الدنيا؟ قال: لا يسلمُ منها إلَّا من تركَها، [أو إلا بترك ما فيها]، وأن يغفرَ للقوم جهلَهم، ويكون آيسًا من خيرهم. ثمَّ خرج حاتم إلى الحجّ، فلمَّا قضى مناسكه توجَّه إلى مدينة النبي ﷺ ، فلمَّا دخلها [و] رأى القصور والبنيان، قال: أينَ [قصور] (٢) رسول الله ﷺ [وقصور أهله وأصحابه]؟ قالوا: ما كانت لهم قصور، وإنَّما كانت بيوتُهم مبنيةً باللبن والقصب، فقال: هذه مدينة فرعون! فحملُوه إلى الوالي، وقالوا: إنه قال: كذا وكذا! فقال للوالي: سألتُهم عن قصورِ رسول الله ﷺ ، قالوا: كذا وكذا، فقلت: كذا وكذا، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فأنتم بمن تأسَّيتم، برسولِ الله ﷺ ، أم بفرعون؟! ففهمَ الوالي قصدَه، فأطلقَه، وعرفَه الناسُ، فدخل مسجدَ رسول الله ﷺ وجلس، [فقال علماء المدينة: تعالوا حتَّى نبكِّتَهُ، فاجتمعوا إليه، فقال له رجل منهم: مسألة، فقال: قل قال:] (٣) ما تقولُ في رجل قال: اللهمَّ ارزقني؟ قال حاتم: متى طلب [هذا] العبدُ من الله الرزق، في الوقت، أو قبله، أو بعده؟ فقالوا: بيِّن ما تقول، فقال: مثلُ العبدِ الَّذي يطلبُ الرزق من ربِّه كرجلٍ له على رجلٍ دينٌ، فطالبه به ولازمه، فقال له جيرانه: [إنَّ] هذا رجلٌ معسرٌ، فأجِّله حتَّى يحتال، فقال: كم مقدار ما أصبر عليه؟ قالوا: شهرًا، فأجَّله فلما مضى من الشهر

стр. 6882

عشرةُ أيَّام جاءَه فتقاضاه (١)، فقالوا له: ما أجلته شهرًا؟! ثمَّ مضى فجاءه رأسَ الشهر، فقالوا: إنَّما حلَّ دَينُك اليوم، أجِّلهُ ثلاثًا [حتى] يحتال، فكذا أنتم، عندكم دراهم وطعامٌ وأثاث، وأنتم تقولون: اللهم ارزقنا، [فقد رزقكم، فأخرِجُوا ما عندكم، فإذا لم يبق شيءٌ، فأقيموا بعده ثلاثًا، وقولوا بعد ذلك: اللهم ارزقنا] (٢). [ذكر وفاته: قال علماء السير:] توفي حاتم [في هذه السنة] بوا شَجِرْد عند رباط يقال له: رامش (٣). أسند [حاتم] الحديثَ عن شقيق البلخي، وشَدَّاد بن حكيم، وعبد الله بن المقدام، [ورجاء بن محمد الصَّغَّاني] وغيرهم، وروى عنه حمدان بن ذي النون، ومحمد بن فارس، وغيرهما. واشتغلَ بالعبادة عن الرواية، وكان له ابنٌ يقال له: خشنام (٤)، على منهاجه في الزهد والورع. حيان بن بشر (٥) الحنفي وليَ القضاء ببغداد وأصبهان، وكان من جِلَّة (٦) أصحاب الحديث، ثقةً. روى يومًا أن عَرْفَجة قُطع أنفه يوم الكلاب، فكسر الكاف، فقال له المستملي: أيُّها القاضي، إنَّما هو يوم الكُلاب بالضمّ، فأمر بحبسِه، فأقامَ مدَّةً، فدخلَ عليه الناس فقالوا: ما دهاك؟ فقال: قُطِعَ أنفُ عرفجةَ في الجاهليَّة، وحبستُ أنا به في الإسلام. مات ببغداد.

стр. 6883

سمع (١) هُشيم بن بشير وغيره، وروى عنه البغويُّ وطبقتُه. عبدُ الأعلى بن حمَّاد أبو يحيى الباهليّ، قدم بغداد وحدَّث بها، ثم عاد إلى البصرة، فمات بها. أسندَ عن مالك بن أنس وغيره، وأخرج عنه البخاريُّ ومسلم في صحيحهما. وقال: قدمتُ على المتوكِّل بسامرَّاء، فدخلتُ عليه، فقال: يا أبا يحيى، قد كنَّا هممنا لك بأمرٍ، فتدافعت الأيَّام، فقلت: يا أمير المؤمنين، سمعتُ مسلم بن خليفة المكيّ يقول: سمعتُ جعفر بن محمد يقول: من لم يشكُر الهمَّة لم يشكرِ النعمةَ، ثم أنشدت: [من البسيط] لأشكرنَّكَ معروفًا هَممتَ به … إنَّ اهتمامكَ بالمعروفِ معروفُ ولا أذمُّك إن لم يُمضِه قدرٌ … فالشيءُ بالقدر المحتومِ مصروفُ فجذبَ الدَّواةَ وكتبها، ثم قال: يُنجَز لأبي يحيى ما كنَّا هممنا به، وهو كذا وكذا، ويضاعفُ لخبره هذا (٢). أبو عُبيد البُشري من قريةٍ [يقال لها:] بُسْر بحوران. كان مجابَ الدعوة، [صالحًا]، صاحبَ كرامات، ويقال: إن اسمه محمد. وكان صاحبَ جهادٍ وغزوات، وإذا خرجَ في جيشٍ نُصِرَ من فيه. قال أبو بكر بن مَعْمَر: سمعت ابن أبي عُبيد يقول: خرج أبي في غزاةٍ، وكان تحته مهرٌ، فوقع [المهر] ميتًا، فقال: يا رب، أنا ضعيف، وقد خرجتُ في سبيلك ولا قدرةَ لي على المشي، فأعرني إيَّاه حتَّى أرجعَ إلى بُسْر، [قال:] فإذا المهرُ قائمٌ، فلمَّا عُدنا إلى بسر، قال [لي:] يا بني خذ السرج عن المهر، فقلت: إنه عَرِقٌ، قال: إنَّه عارية، [قال:] فأخذتُ السَّرجَ، فوقع المهر ميتًا (٣).

стр. 6884

وحكى ابن جَهْضَم قال: كان أبو عُبيد بعَرَفة واقفًا، فالتفتَ إلى ابنه فقال: يابنيّ، ليهنك الفارس، ولدت الساعة امرأتك غلامًا، قال: ورجعنا إلى بسر، فكان كما قال (١). و [قال ابن جهضم:] كان [أبو عبيد] يقول: ما أسفي إلَّا أن يجعلَني اللهُ يومَ القيامة ممن عفا عنهم، فقيل له: فعلى العفو تذابحوا (٢)، فقال: أجل، ولكن يقبحُ بشيخٍ مثلي أن يوقفَ غدًا بين يدي الله تعالى فيقول [له:] يا شيخ السوء، قد غفرتُ لك، وإنَّما أَمَلِي من الله أن يهبَ لي كلَّ من أحبني. [وحكى عنه في "المناقب" أنَّه كان] إذا دخلَ شهرُ رمضان دخلَ بيتًا في داره وقال لزوجته: طيِّني عليَّ الباب، وناوليني كل ليلةٍ من الكُوَّة رغيفًا وكوزًا من ماء، فكانت تفعل ذلك، فإذا كان يوم العيد فتحت امرأته الباب، فإذا الأرغفة بحالها، لا أكل ولا شرب ولا نام (٣). [وكانت وفاته في هذه السنة] (٤) بالشام ودفن ببُسر وقبره [ظاهر] يزار رحمة الله عليه. * * *

стр. 6885

السنة الثامنة والثلاثون بعد المئتين فيها حاصر بُغَا الشرابيُّ مدينة تَفْلِيس، وكان بها إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية، [وقد ذكرنا أنَّ] (١) بُغَا لمَّا فصل عن إرمينية قصدَ [مدينة] تَفْلِيس، وذلك في ربيع الأول، [و] قدَّم [بغا] بين يديه زيرك التركي، فجاوز الكُرَّ -وهو نهرٌ عظيم ما بين [حد] إرمينية وتفليس، ويقال: إنَّه أعظم من الصَّرَاة أو دِجلة (٢)، وتَفْلِيس في جانبٍ منه، ولها خمسةُ أبواب؛ باب الميدان، وباب قريش، والبابُ الصغير، وباب الرَّبَض، وبابٌ يقال له: باب الحسك، والكُرُّ ينحدر مع المدينة. وجمعَ بُغَا أهلَ إرمينية على قتال تَفْلِيس، وجاء زيرك من باب الميدان، ووقف بغا على تلٍّ مطلٍّ على المدينة، وخرج [إسحاق بن] (٣) إسماعيل مقابله زبرك، فأمر بُغَا النفَّاطين، فضربوا المدينةَ بالنفط، وهي من خشب الصنوبر، وهاجت الريحُ في الخشب، وعاد إسحاق إلى المدينة لينظر، وإذا النارُ قد أخذت قصره، وأحاطت بمن فيه، ثمَّ جاءه التركُ والمغاربةُ، فأخذوا إسحاق أسيرًا، وجاؤوا به إلى بُغَا، [فأمر] فضُربت عنقُه، وحملت رأسه إلى بغا، وصُلِبَ جسدُه على الكر، وعلِّقت رأسُه على باب الحسك، واحترقت المدينة، وفيها نحو من خمسين ألف إنسان، وطفئت النار في يومٍ وليلة، وقيل: في أسرع وقت؛ لأنَّ نارَ الصنوبر لا بقاءَ لها، وأسروا من كان حيًّا، وسلبوا الموتى. وكانت امرأةُ إسحاق -وهي ابنة صاحب السرير- نازلةً شرقي تفليس في مدينة قد حصَّنَها إسحاق، فأعطاها بُغا الأمان، على أنْ يَضعوا أسلحتَهم ويذهبوا، ثم بثَّ بغا سراياه في الحصون التي في أعمال تَفْلِيس ففتحها. وفيها قصدت الرومُ دِمْيَاط في ثلاث مئة مركب، ووافقَ أنَّ عنبسةَ بن إسحاق الضبيّ

стр. 6886

والي مصر استدعى الجندَ الذين بدمْياط ليتجمَّل بهم يوم العيد، [وأخلى دِمْياط]، وجاءت الروم، فدخلت دِمْياط، فقتلت وسبت نحوًا من ستِّ مئة امرأة من المسلمات والذمِّيَّات، وأَخَذَت الأموال والأمتعة، وأحرقت الجامع والكنائس، وكان من غرق في بحيرة دمياط من النساء والصبيان أكثر ممَّن سباه الروم، وعادوا إلى بلادهم (١). [وقال ابن حبيب الهاشمي في "تاريخه":] وفي صفر [سنة ثمانٍ وثلاثين] وجَّه طاهرُ بن عبد الله بن طاهر إلى المتوكِّل حجرًا وزنه ثمان مئة وأربعون درهمًا، أبيض فيه صدع، ذُكر أنَّه وقعَ بأرض طبرستان، وأنَّه سُمِع لسقوطِه هدَّةٌ من مسيرة أربعة فراسخ في مثلها، وأنَّه ساخَ في الأرض خمسة أذرع (٢). وحَجَّ بالناس عليُّ بنُ عيسى بنِ جعفر بن أبي جعفر المنصور (٣). وقيل: عبدُ الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (٤). وفيها توفي بشر بن الوليد بن خالد (٥) أبو بكر الكِنْدِيُّ الحنفيّ. كان علمًا من أعلام الإسلام، صالحًا ديِّنًا خشعًا حسنًا في العلم (٦)، واسع الفقه، جميلَ المذهب، حسنَ الطريقة. وشكاهُ يحيى بنُ أكثم إلى المأمون، وقال: إنَّه لا يُنْفِذُ قضائي، وكان يحيى قد غلب عليه، حتَّى كان عنده أكثر (٧) من ولده، وكان المأمونُ يقعدُه معه على سريره، فدعا بشرَ

стр. 6887

ابن الوليد، وقال له: ما ليحيى يشكوك ويقول: إنَّك لا تنفذُ أحكامه؟ فقال: سألتُ عنه بخراسان فلم يُحمد أثره في بلده، ولا في جواره، فصاح به المأمون: اخرج، فخرجَ، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، قد سمعت ما قال فاصرفه، فقال: ويحكَ يا يحيى، هذا لم يراقبني فيك مع علمه بمنزلتك عندي، أصرفهُ؟! لا والله. وكان بِشْرٌ جوادًا ممدَّحًا، مدحه ربيعةُ بن ثابت الرَّقِّيّ فقال: [من مجزوء الكامل] بشرٌ يجودُ بماله … جودَ السحابة بالدِّيمْ فكأنَّه البدرُ المنيـ … ـرُ إذا بدا جَلَّى الظُّلَمْ وكأنَّه البحرُ المحيـ … ـطُ إذا تقاذفَ والتَطَمْ وكأنَّه زهرُ الربيع … إذا تفتَّح أو نجَمْ ختمَ الإله لبشرنا … بالخير منه إذا ختم (١) وكان يجري في مجالس سفيان بن عُيينة مسائلُ، فيقول: سَلُوا بِشْرَ بن الوليد. وقال أبو قدامة: لا أعرفُ ببغدادَ إلَّا من أعان (٢) على أحمد بن حنبل ما خلا بشر بن الوليد. سعى به رجلٌ إلى المعتصم بأنَّه لا يقولُ بخلق القرآن، فحبسَه في بيته، ونهاه عن الفتيا، فلمَّا وَلي المتوكِّلُ أطلقَه، ثم أشكلَ عليه في آخرِ عمره القرآن، قال: أقول بالوقوف، فأمسكَ أصحابُ الحديثِ عنه. وعاشَ سبعًا وتسعين سنةً، ويقال: إنه تغَيَّر وفُلج، وتوفي في ذي القعدة ببغداد، ودفن عند أبي حنيفة، وقيل: بباب الشام. سمعَ خلقًا كثيرًا منهم مالك بن أنس، وروى عنه البغويُّ وغيره، واتَّفقوا على فضله وثقته ودينه وصدقه (٣).

стр. 6888

صفوان بن صالح بن صفوان الحنفي، مؤذِّنُ جامع دمشق، وداره في رَبَض باب الفَراديس شرقي المقابر. سمع سفيان بن عُيينة وغيره، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمة الله عليه وغيره، واتَّفقوا على صدقه وثقته وديانته. وقال: إنَّ أهلَ الجنَّة ليحتاجون إلى العلماء في الجنَّة كما يحتاجون إليهم في الدنيا، قيل له: وكيف؟ قال: تأتيهم رسلٌ من ربهم، فيقولون لهم: سلوا ربكم، فيقولون لهم: قد أعطانا ما سألنا وما لم نسأل، فيقولون: بل سلوا، فيقولون: ما ندري ما نسأل، فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى العلماء الذين كانوا إذا أشكل علينا [في الدنيا] أمرٌ سألناهم، فيأتون العلماء فيقولون: قد أتانا رسول ربِّنا تعالى، وقال [لنا:] سلوا ربكم، فيقول لهم العلماء: سلوا كذا وكذا، فيَسألون فيُعْطَون [ذلك] (١). [وفيها توفي] عبدُ الرحمن بن الحَكَم بن هشام أبو المُطَرِّف الأمويّ، والي الأندلس. ولد بطُلَيطُلَة [في] سنة ستٍّ وسبعين ومئة (٢)، وأمُّه أم ولد اسمها حلاوة. ولي الأندلس [في] سنة ست ومئتين في أيَّام المأمون، ومات في صفر (٣)، وكانت ولايتُه اثنتين وثلاثين سنة (٤)، وكان له يومَ مات اثنتان وستون، أو ثلاث وستون سنة. وكان محمودَ السيرة، حسنَ الطريقة، عادلًا جوادًا فاضلًا، [قال العلماء بأخبار الأندلس:] نظر [عبد الرحمن] في علم الأوائل، وهو أول من أقام أبَّهةَ الملكِ

стр. 6889

بالأندلس، ورتَّبَ رسومَ المملكة، وامتنعَ من التبذُّل للعامَّة، وانتخبَ الرجال للأعمال، واستوزرَ الأكْفَاء، وزاد في جامعِ قُرْطُبة، وبنى سورَ مدينة إشبيلية، وكان شُبِّه بالوليد بن عبد الملك في علوِّ همته وشرف نفسه، وكان محبًّا للعلماء والفضلاء، يأخذُ عنهم، ويصدرُ عن رأيهم ومشورتهم، ويقيمُ للناس الصلوات الخمس بنفسه، ويجلسُ لكشفِ المظالم، ويهتمّ بأمور الثغور، ويتولَّى الكلِّيَّات بمباشرته، ولا يثق فيه بأحد (١). وكان له مئةُ ولد؛ خمسون ذكرًا، وخمسون أنثى، ولمَّا مات وليَ بعده ولدُه محمد، فأقام إلى سنة ثلاثٍ وسبعين ومئتين، [والحمد لله وحده] (٢). محمدُ بن الحسين أبو جعفر البُرْجُلاني، نُسِب إلى محلَّة البُرْجُلانيَّة، كان فاضلًا زاهدًا، له المصنفات الكثيرة في الرقائق. سمعَ خلقًا كثيرًا، منهم زيد بن الحُبَاب وغيره، ورَوى عنه ابن مسروق (٣) وغيره، وكان صدوقًا ثقةً، وأثنى عليه الإمام أحمد، وكان إذا سُئِل عن أحاديث الزهد يقول: عليك بالبُرْجُلانيّ (٤). محمد بن خالد ابن يزيد بن غزوان البَرَاثيُّ، كان فاضلًا ديِّنًا ورعًا، وكان بشر الحافي يأنسُ إليه، ويقبل صلتَه؛ لورعه وحسن معاملته، وكان ذا مالٍ يتصدَّق منه، ويجهِّزُ المجاهدين إلى الثغور. توفي ببغداد، أسندَ عن سفيان بن عيينة وغيره (٥).

стр. 6890

محمد بن المتوكل ابن عبد الرحمن العسقلانيُّ الحافظ، مولى بني هاشم، كان فاضلًا زاهدًا عابدًا، توفي بعَسْقَلان [في هذه السنة]. أسند عن الفضيل بن عياض وغيره، وأخرج عنه أبو داود في "سننه" وغيره، واتَّفقوا على صدقه (١) وثقته وفضله (٢). و [حكى عنه الحافظ ابن عساكر] قال: رأيتُ النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، استغفر لي، فقد حدثنا سفيان بن عُيينة، عن أبي الزُّبير، عن جابر أنَّك ما سُئلت شيئًا فقلت: لا، فتبسَّم، وقال: غفر الله لك (٣). * * *

стр. 6891

السنة التاسعة والثلاثون بعد المئتين (١) فيها نفى المتوكل عليَّ بن الجهم إلى خراسان (٢). وفيها وجدت سَعْفَةٌ في نخلةٍ عليها مكتوب: خَلْقُهُ غافلون ساهون مطلوبون، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]. وفيها غزا عليُّ بن يحيى الأرمنيّ بلادَ الروم، وأوغلَ فيها، فيقال: إنَّه شارف القُسْطَنطينية، وأحرقَ ألف قريةٍ، وقتلَ عشرة آلاف عِلْج، وسَبى عشرين ألف رأس (٣)، وأخذ من الدوابّ والغنائم ما لا يحد، وعاد سالمًا. وفيها عُزِل يحيى بن أكثم عن القضاء، وأخذَ المتوكِّلُ من منزله مئة ألف دينار (٤)، ومن البصرة أربعةَ آلاف جريب، فقوِّمت بمئة ألف وستين ألف دينار. وكان ابنُ أكثم يقول: والله ما فيها من ماله ولا من مال أبيه ولا أخيه درهم، اقرؤوا سككها، كلُّها من مال الرشيد والمأمون، اسمهما على السِّكك. وبنى المتوكِّلُ فيها بناءً لم يعجبه، فهدمَه، فقال الناس: قد بانَ ظلمه ليحيى. وفيها زُلْزِلت الدنيا في الليل في جمادى الأولى، واصطكَّت الجبال، وخصوصًا بالساحل، ووقع من الجبل المشرف على طبريَّة قطعةٌ طولها ثمانون ذراعًا، وعرضها خمسون ذراعًا، فماتَ تحتها خلق كثير (٥). وفيها اتفق شعانينُ النصارى والنَّيروز يومَ الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة،

стр. 6892

فزعمتِ النصارى أنَّها لم تجتمعْ قبلَ ذلك في الإسلام قط (١). ووليَ قضاءَ البصرة إبراهيم بن محمد التيميّ. وحجَّ بالنَّاس عبدُ الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو والي مكَّة. وفيها توفي محمدُ بن أحمد ابن أبي دُؤاد، أبو الوليد الإياديّ، ولَّاه المتوكلُ القضاءَ والمظالمَ بعدما فُلِجَ أبوه أحمد، ثمَّ عزله عن المظالم، ثمَّ صُرِف عن القضاء (٢). وكان بخيلًا مع شهرة أبيه بالكرم، وقال فيه إبراهيم بن العباس: [من البسيط] عفت مساوٍ تبدَّتْ منك ظاهرةً … على محاسن بقَّاها أبوكَ لكَا لئن تقدَّمت أبناءَ الكرام بهِ … لقد تقدَّم آباءَ اللئام بكَا (٣) ولمحمد أخبارٌ في البخل منها أنَّ خبازَه شكا إليه أنَّ (٤) الخبز يبقى عنده حتَّى يجف، قال: قلل الخبز، قال: التنور كبير، قال: صغِّره أو اقطعه اثنين، وكان إذا حضرَ عنده ضيوف قدَّم لكلِّ واحدٍ رغيفًا، فَإِنْ عازَ شيئًا ستقرضَ من الجواري ولا يردُّ عليهنّ عوضَه. وقد هجا عليُّ بن الجهم محمدًا وآباءه فقال: [من الكامل] يا أحمد بن أبي دؤادٍ دعوة … بَعَثَتْ عليك جنادلًا وحديدَا فَسدت أمورُ الدِّين حين وَليتَهُ … ورميتَه بأبي الوليد وليدَا لا مُحكمًا جَزْلًا ولا مستطْرَفًا … كهلًا ولا مستحدثًا (٥) محمودَا

стр. 6893

وإذا تربَّع في المجالِس خلتَه … ضَبُعًا وخلتَ بني أبيه قرودا ماتَ محمد ببغداد آخر ذي الحجة، وقيل: في العشرين منه، وماتَ أبوه بعده في سنة أربعين، بينهما عشرون يومًا، وقيل: كلاهما ماتَ سنة أربعين، والأول أشهر. * * *

стр. 6894

السنة الأربعون بعد المئتين (١) فيها وثبَ أهلُ حمص على أبي المغيث الرافقي (٢) والي المتوكِّل، فأخرجُوه وقَتلوا جماعةَ من أصحابه، فبعث إليهم المتوكِّلُ محمد بن عبدويه واليًا، ففتكَ فيهم، وعمل فيهم العجائب. و [فيها] ذكر محمد بن حبيب الهاشميُّ أنَّه خسف بثلاث عشرة قرية من قرى المغرب، [بالقيروان،] فلم ينجُ من أهلها إلَّا نفرٌ يسير، قيل: كانوا اثنين وأربعين رجلًا سودَ الوجوه، فأتوا القيروان، فمنعهم أهلها من الدخول عليهم [وقالوا: أنتم من المسخوط عليهم،] وبنوا لهم حظيرةً خارج المدينة، فنزلوا فيها. وفيها سمع أهل خِلاط صيحةً من السماء، فمات خلق كثيرٌ، ودامت ثلاثةَ أيَّام. وخرجت ريحٌ من بلاد الترك، فمرَّت على خراسان، ثمَّ على بلاد الرَّيّ وهَمَذَان وحُلْوَان والعراق، فأصابَ الناس منها سعالٌ وزكام، فماتَ بها خلقٌ كثير. وأمر المتوكلُ أن يعلَّم أهل الذمة بالعبرانية والسَّرْيَانية، ويمنعوا من العربيَّة، فأسلم منهم خلقٌ كثير. ومطرت سامراء بَرَدًا مثل بيض [الحمام و] الدجاج (٣). وحجَّ بالناس عبد الله بن محمد بن داود (٤). فصل: وفيها توفي

стр. 6895

إبراهيم بن خالد ابن أبي اليمان، أبو ثور الكلبي. [قال الخطيب:] كان أحد الثقات المأمونين، ومن الأئمَّة أعلام الدين، وله كتبٌ مصنَّفةٌ، جمعَ فيها بين الحديث والفقه (١). [قال: و] كان الإمام أحمد ﵀ يثني عليه ويقول: أعرفُه بالسنَّة منذ خمسين سنة. [وسئل الإمام] (٢) أحمد [بن حنبل] عن مسألة فقال [للسائل:] سل الفقهاء، سل أبا ثور. وقال الخطيب [أيضًا بإسناده:] وقفت امرأةٌ على مجلسٍ فيه يحيى بن مَعين، وأبو خَيثمة، وخَلَف بن سالم، وجماعةٌ يتذاكرون الحديث، فسمِعَتهم يقولون: قال رسول الله ﷺ ، ورواه فلانٌ، وحدَّث به عن فلان، فسألَتْهُم عن الحائض، أتغسل الموتى؟ وكانت غاسلة، فلم يجبها أحدٌ منهم، وجعل بعضُهم ينظرُ إلى بعض، وأقبل أبو ثور، فقالوا لها: عليكِ بالمُقْبِل، فسألته، فقال: نعم، تغسِّل؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال [لها:] "إنَّ حيضتكِ ليست في يدك" ولقولها: كنت أفرق رأسَ رسول الله ﷺ وأنا حائض. قال أبو ثور: فإذا فرقَتْ رأس الحيّ فالميت أولى به، قالوا: نعم حدثنا فلانٌ به ورويناهُ عن فلانٍ من طريق كذا، وخاضُوا في الطرق والروايات، قالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟! (٣). [وكره أرباب الظواهر للجنب والحائض أنْ يُغسِّلا الميت (٤)؛ لأنهما نجسان حكمًا، ولهذا يُمنعون من الصَّلاة وقراءة القرآن، والأصحُّ ما عليه العامَّة. وقد قال عامَّةُ العلماء بأنَّ غسل الميت لا ينقضُ الوضوء. قال أحمد بن حنبل: ينقض؛ لأنَّ ابن عمر وابن عباس كانا يأمران الغاسل أنْ

стр. 6896

يتوضَّأ، والأصحُّ أنَّه لا ينقض؛ لأنَّ الحَدَثَ لا يوجد، ولا وضوء إلَّا من حَدَث، وما رواه عن ابن عمر وابن عباس لا يعارضُ السنن المشهورة والإجماع، أو يحمل على غسلِ اليدين من النجاسة] (١). و [قال الخطيب:] كان أبو ثور يتفقَّه على محمد بن الحسن، فلمَّا قدم الشافعيّ ﵀ بغداد انضم إليه وأخذ عنه، وانتحل له مذهبًا آخر. [قال أبو بكر البيهقي:] كان إمامًا عالمًا مجتهدًا زاهدًا، وأخذ عنه مذهبه جماعة منهم الجُنيد بن محمد الزاهد، وسمع سفيان بن عُيَينَة وغيره، وروى عنه مسلم بن الحجَّاج وغيره، واتفقوا على صدقه وثقته وديانته، وتوفي ببغداد في صفر، ودفن بمقبرة باب الكُنَاس (٢). وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليه: رجعتُ من جنازتِه، فقال لي أبي: أين كنت؟ قلت: في جنازةِ أبي ثور، فقال: ﵀ إنَّه كان فقيهًا (٣). أحمد بن الخضر أبو حامد البلخي (٤)، ويُعرف بابن خَضْرويه، من كبار مشايخ خراسان، صحب أبا تراب النَّخْشَبيّ، وحاتمًا الأصمّ، ورحل إلى أبي يزيد البسطامي وأبي حفص النيسابوري. وكان أبو حفص يقول: ما رأيتُ أكبر همَّة ولا أصدقَ حالًا من ابن خضرويه. وكان له قَدمٌ في التوكُّل، قال: كنتُ أمشي بطريق مكَّة، فعلقَ برجلي شِكَال (٥)،

стр. 6897

فمشيتُ فرسخين ورجلي متعلِّقةٌ به، فرآهُ بعضُ النَّاس فنزعه عني، فلمَّا عُدت من الحج جعلتُ طريقي على بِسْطام، فدخلتُ على أبي يزيد، فابتدأني وقال لي: الحالُ الذي وردَ عليك بطريق مكَّة، كيف كان حكمُك فيه مع الله تعالى؟ قلت: أردتُ أن لا يكون لي فيه مع الله اختيار، فقال: يا فضوليّ، قد اخترتَ كلَّ شيء حيثُ كانت لك إرادة. وقال ابن خضرويه: القلوبُ جوَّالةٌ، فإمَّا أن تجول حولَ العرشِ، وإمَّا أن تجولَ حول الحشّ. وقال: الصبرُ زاد المضطرين، والرضا درجةُ العارفين. وقال له رجلٌ: أوصني، قال: أمتْ نفسَك حتى تحييها. وقال: لا نومَ أثقلُ من الغفلة، ولا رقَّ أملكُ من الشهوة، ولولا ثقلُ الغفلة لم تظفر بك الشهوة. وسُئِل: أيُّ الأعمالِ أفضل؟ فقال: رعايةُ السر عن الالتفات إلى غير الله. وقال: في الحريَّة تمامُ العبوديَّة، [و] (١) في تحقيقِ العبودية تمامُ الحرية. وقال: القلوب أوعيةٌ، فإذا امتلأت من الحقِّ ظهرت بزيادة أنوارها على الجوارح. وقال: من أراد أن يكونَ مع الله، فليلزم الصدق، فإنَّ الله مع الصادقين. وقال: رأيتُ ربَّ العزَّة في المنام فقال: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلَّا أبا يزيد، فإنَّه يطلبني. وقال محمد بن حامد: كنتُ جالسًا عند ابن خضرويه، وهو في النزع، وكانت قد أتت عليه خمسٌ وتسعون سنة، فسُئِل عن مسألة، فدمعت عيناه وقال: يا بني، بابٌ كنت أدقُّه خمسًا وتسعين سنة هو يفتح في الساعة، لا أدري أيُفتح بالسعادة أو بالشقاوة، فأنَّى لي بالجواب؟ وكان قد ركبه من الدين سبع مئة دينار، وحضره غرماؤه، فنظرَ إليهم وقال: إنَّك جعلت الرهونَ وثيقةً لأرباب الأموال، وأنت تأخذُ عنهم وثيقتهم، فأدِّ عنِّي، فدَقَّ داقٌّ الباب وقال: أين غرماء أحمد بن خضرويه، فخرجُوا إليه

стр. 6898

فقضَى عنه دينَه، ثم خرجت روحُه (١). أسند أحمد الحديث، واشتغلَ بحاله عن الرواية. [وفيها توفي] أحمدُ بن أبي دؤاد أبو عبد الله القاضي. و [اختلفوا في] اسم أبي دؤاد [فقيل:] الفرج، وقيل: دُعمِي، [ويقال: إن اسمه كنيته.] (٢) وقد نسبه الخطيبُ إلى معد بن عدنان (٣). قال: وأصلُه من بعض قرى قِنَّسرين من الشام (٤)، ومولده بالبصرة. وصحب هيَّاج بن العلاء السُّلَميّ من أصحاب واصل بن عطاء، فأخرجه (٥) إلى الاعتزال. [ذكر طرفٍ من أخباره: قال الخطيب:] كان أحمد موصوفًا بالجود والسخاء، والمروءة والفتوة، وحسن الخلق ووفور الأدب، ولولا ما حملَ عليه السلطان والناس من [مذهب الجهميَّة، والقول بخلق القرآن، ولم يَشعْ عنه ما شاع من] المقالة، لما لحقَه أحدٌ في العلم والكرم، واجتمعت الألسنُ على مدحه (٦). فإنَّه كان قد ضمَّ إلى علمه الكرمَ الواسع، فلم يكنْ أحدٌ من إخوانه إلا بَنى له دارًا، ثم وَقَفَ على ولده ما يُغنيهم أبدًا، ولم يكن لأخٍ من إخوانه ولدٌ إلَّا من جاريةٍ وهبها له (٧).

стр. 6899

[قال: و] ولي القضاءَ للمأمون والمعتصم والواثق والمتوكِّل، وكان له عندهم منزلةٌ عظيمةٌ. [قال عليُّ بن الحسين الإسكافي:] مرض [أحمد بن أبي دؤاد]، فعاده المعتصم، [ولم يكن يعود أحدًا من أهل بيته ولا غيرهم،] وقال له: شفاك الله يا أبا عبد الله، فقال [له:] يا أمير المؤمنين قد شفاني الله بالنظر إليك، فقال له [المعتصم: قد نذرتُ إنْ عُوفيتَ لأتصدقَنَّ بعشرة آلاف دينار، فقال:] يا أمير المؤمنين، [اجعلها] في أهل الحرمين، فقال [المعتصم:] إنَّما نذرتُ أن أتصدَّق بها ها هنا، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها، فقال: أنتَ كما قال النَّمَريُّ لأبيك: [من البسيط] إنَّ المكارمَ والمعروفَ أوديةٌ … أحلَّكَ الله منها حيثُ تجتمعُ من لم يكن بأمينِ الله معتصمًا … فليسَ بالصلوات الخمس ينتفعُ (١) فلمَّا خرجَ المعتصمُ من عنده قيل له: أتعودُه وما عدتَ أحدًا قبله؟! فقال: كيف لا أعود رجلًا ما وقعت عيني عليه إلا ساق إليَّ أجرًا، أو أوجب لي شكرًا، أو أفادني فائدةً تنفعُني في الدنيا و [في] الآخرة، وما سألَني لنفسه حاجةً قط (٢). وقال أحمد يومًا لرجل: أما تعرفني؟ فقال: لا ولا أنكرك، قال: انقطعَ شسعُ نعلي يومًا فأصلحتَه، والله لأُصلحنَّ حالك، فأعطاهُ خمس مئة دينار، وقال له: زرني كلَّ وقت (٣). وكان رجلٌ من أولاد عمر بن الخطاب ﵁ يؤذي ابنَ أبي دؤاد ويشتمُه دائمًا في وجهه، فعرَضت للرجل حاجةٌ إلى المعتصم، فجاء إلى محمد بن عبد الملك الزيَّات، فدفع إليه ورقة يقدِّمُها إلى المعتصم، قال ابن الزيَّات: فاغتنمتُ غيبةَ ابن أبي دؤاد وعرضتُ القصَّة، ودخل ابنُ أبي دؤاد والقصَّة في يد المعتصم، فدفعَها إليه، فرأى اسم الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّما هي حاجةُ عمر بن الخطاب، ولابدَّ من قضائها،

стр. 6900

قال ابن الزيَّات: فخرجتُ قبل صورة الحال، وخرج أحمد فقام الرجل يشكره، فقال له: اذهب عافاك الله، فإنَّما قضيتُ حاجةَ عمر بن الخطاب، لا حاجتك. وكان ذلك الرجلُ لا يلتقي ابن أبي دؤاد إلا لعنه في وجهه ودعا عليه سواءٌ كان في محفلٍ أو وحدَه، فصارَ إذا لقيه لا يكادُ ينظرُ إليه من الحياء (١). وقال له الواثق يومًا: يا أحمد، قد اختلَّت بيوتُ الأموالِ بطلبائك اللائذين بك، والمتوسِّلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين، نتائجُ شكرها متَّصلةٌ بك، وذخائرُ أجرها لك، وما لي من ذلك إلا عشقُ اتصال الألسن بحلو المدح فيك، فقال له: يا أبا عبد الله، والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، فافعل ما أحببت (٢). وأمر الواثق لعشرةٍ من بني هاشم بعشرةِ آلاف دينار على يد أحمد، فدفع لكلِّ واحدٍ من ماله عشرة آلاف دينار (٣)، وبلغَ الواثق فقال: يا أبا عبد الله، مالُنا أكثرُ من مالك، فلم تغرم علينا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، والله لو أمكنني أن أجعل ثوابَ حسناتي لك لفعلت، فكيفَ أبخلُ بمالي وأنت مَلَّكتنيه على الذين يُكثرُون الشكرَ، ويتضاعفُ فيهم الأجر؟ فوصلَه بمئة ألف درهم، ففرَّقها في بني هاشم. وقال له الواثق: بلغني أنَّك ولَّيتَ القضاءَ رجلًا ضريرًا، قال: نعم؛ لأنَّه بلغني أنَّه بكى على المعتصم حتى ذهبت عيناه، وقد أمرتُه أنْ يستنيب (٤). وسألَه رجلٌ أنْ يحملَه على [عَيْر -يعني] حمارًا- فأعطاهُ حمارًا وفرسًا وبغلًا وجملًا وبِرْذَونًا وجاريةً، وقال: لو علمت مركوبًا غير هؤلاء لحملتك عليه. وقال (٥) أبو العيناء -وكان ضريرًا-: ما رأيتُ في الدنيا أكثر أدبًا من ابن أبي دؤاد؛
следующие страницы →