← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

يتوضَّأ، والأصحُّ أنَّه لا ينقض؛ لأنَّ الحَدَثَ لا يوجد، ولا وضوء إلَّا من حَدَث، وما رواه عن ابن عمر وابن عباس لا يعارضُ السنن المشهورة والإجماع، أو يحمل على غسلِ اليدين من النجاسة] (١). و [قال الخطيب:] كان أبو ثور يتفقَّه على محمد بن الحسن، فلمَّا قدم الشافعيّ ﵀ بغداد انضم إليه وأخذ عنه، وانتحل له مذهبًا آخر. [قال أبو بكر البيهقي:] كان إمامًا عالمًا مجتهدًا زاهدًا، وأخذ عنه مذهبه جماعة منهم الجُنيد بن محمد الزاهد، وسمع سفيان بن عُيَينَة وغيره، وروى عنه مسلم بن الحجَّاج وغيره، واتفقوا على صدقه وثقته وديانته، وتوفي ببغداد في صفر، ودفن بمقبرة باب الكُنَاس (٢). وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليه: رجعتُ من جنازتِه، فقال لي أبي: أين كنت؟ قلت: في جنازةِ أبي ثور، فقال: ﵀ إنَّه كان فقيهًا (٣). أحمد بن الخضر أبو حامد البلخي (٤)، ويُعرف بابن خَضْرويه، من كبار مشايخ خراسان، صحب أبا تراب النَّخْشَبيّ، وحاتمًا الأصمّ، ورحل إلى أبي يزيد البسطامي وأبي حفص النيسابوري. وكان أبو حفص يقول: ما رأيتُ أكبر همَّة ولا أصدقَ حالًا من ابن خضرويه. وكان له قَدمٌ في التوكُّل، قال: كنتُ أمشي بطريق مكَّة، فعلقَ برجلي شِكَال (٥)،

стр. 6897

فمشيتُ فرسخين ورجلي متعلِّقةٌ به، فرآهُ بعضُ النَّاس فنزعه عني، فلمَّا عُدت من الحج جعلتُ طريقي على بِسْطام، فدخلتُ على أبي يزيد، فابتدأني وقال لي: الحالُ الذي وردَ عليك بطريق مكَّة، كيف كان حكمُك فيه مع الله تعالى؟ قلت: أردتُ أن لا يكون لي فيه مع الله اختيار، فقال: يا فضوليّ، قد اخترتَ كلَّ شيء حيثُ كانت لك إرادة. وقال ابن خضرويه: القلوبُ جوَّالةٌ، فإمَّا أن تجول حولَ العرشِ، وإمَّا أن تجولَ حول الحشّ. وقال: الصبرُ زاد المضطرين، والرضا درجةُ العارفين. وقال له رجلٌ: أوصني، قال: أمتْ نفسَك حتى تحييها. وقال: لا نومَ أثقلُ من الغفلة، ولا رقَّ أملكُ من الشهوة، ولولا ثقلُ الغفلة لم تظفر بك الشهوة. وسُئِل: أيُّ الأعمالِ أفضل؟ فقال: رعايةُ السر عن الالتفات إلى غير الله. وقال: في الحريَّة تمامُ العبوديَّة، [و] (١) في تحقيقِ العبودية تمامُ الحرية. وقال: القلوب أوعيةٌ، فإذا امتلأت من الحقِّ ظهرت بزيادة أنوارها على الجوارح. وقال: من أراد أن يكونَ مع الله، فليلزم الصدق، فإنَّ الله مع الصادقين. وقال: رأيتُ ربَّ العزَّة في المنام فقال: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلَّا أبا يزيد، فإنَّه يطلبني. وقال محمد بن حامد: كنتُ جالسًا عند ابن خضرويه، وهو في النزع، وكانت قد أتت عليه خمسٌ وتسعون سنة، فسُئِل عن مسألة، فدمعت عيناه وقال: يا بني، بابٌ كنت أدقُّه خمسًا وتسعين سنة هو يفتح في الساعة، لا أدري أيُفتح بالسعادة أو بالشقاوة، فأنَّى لي بالجواب؟ وكان قد ركبه من الدين سبع مئة دينار، وحضره غرماؤه، فنظرَ إليهم وقال: إنَّك جعلت الرهونَ وثيقةً لأرباب الأموال، وأنت تأخذُ عنهم وثيقتهم، فأدِّ عنِّي، فدَقَّ داقٌّ الباب وقال: أين غرماء أحمد بن خضرويه، فخرجُوا إليه

стр. 6898

فقضَى عنه دينَه، ثم خرجت روحُه (١). أسند أحمد الحديث، واشتغلَ بحاله عن الرواية. [وفيها توفي] أحمدُ بن أبي دؤاد أبو عبد الله القاضي. و [اختلفوا في] اسم أبي دؤاد [فقيل:] الفرج، وقيل: دُعمِي، [ويقال: إن اسمه كنيته.] (٢) وقد نسبه الخطيبُ إلى معد بن عدنان (٣). قال: وأصلُه من بعض قرى قِنَّسرين من الشام (٤)، ومولده بالبصرة. وصحب هيَّاج بن العلاء السُّلَميّ من أصحاب واصل بن عطاء، فأخرجه (٥) إلى الاعتزال. [ذكر طرفٍ من أخباره: قال الخطيب:] كان أحمد موصوفًا بالجود والسخاء، والمروءة والفتوة، وحسن الخلق ووفور الأدب، ولولا ما حملَ عليه السلطان والناس من [مذهب الجهميَّة، والقول بخلق القرآن، ولم يَشعْ عنه ما شاع من] المقالة، لما لحقَه أحدٌ في العلم والكرم، واجتمعت الألسنُ على مدحه (٦). فإنَّه كان قد ضمَّ إلى علمه الكرمَ الواسع، فلم يكنْ أحدٌ من إخوانه إلا بَنى له دارًا، ثم وَقَفَ على ولده ما يُغنيهم أبدًا، ولم يكن لأخٍ من إخوانه ولدٌ إلَّا من جاريةٍ وهبها له (٧).

стр. 6899

[قال: و] ولي القضاءَ للمأمون والمعتصم والواثق والمتوكِّل، وكان له عندهم منزلةٌ عظيمةٌ. [قال عليُّ بن الحسين الإسكافي:] مرض [أحمد بن أبي دؤاد]، فعاده المعتصم، [ولم يكن يعود أحدًا من أهل بيته ولا غيرهم،] وقال له: شفاك الله يا أبا عبد الله، فقال [له:] يا أمير المؤمنين قد شفاني الله بالنظر إليك، فقال له [المعتصم: قد نذرتُ إنْ عُوفيتَ لأتصدقَنَّ بعشرة آلاف دينار، فقال:] يا أمير المؤمنين، [اجعلها] في أهل الحرمين، فقال [المعتصم:] إنَّما نذرتُ أن أتصدَّق بها ها هنا، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها، فقال: أنتَ كما قال النَّمَريُّ لأبيك: [من البسيط] إنَّ المكارمَ والمعروفَ أوديةٌ … أحلَّكَ الله منها حيثُ تجتمعُ من لم يكن بأمينِ الله معتصمًا … فليسَ بالصلوات الخمس ينتفعُ (١) فلمَّا خرجَ المعتصمُ من عنده قيل له: أتعودُه وما عدتَ أحدًا قبله؟! فقال: كيف لا أعود رجلًا ما وقعت عيني عليه إلا ساق إليَّ أجرًا، أو أوجب لي شكرًا، أو أفادني فائدةً تنفعُني في الدنيا و [في] الآخرة، وما سألَني لنفسه حاجةً قط (٢). وقال أحمد يومًا لرجل: أما تعرفني؟ فقال: لا ولا أنكرك، قال: انقطعَ شسعُ نعلي يومًا فأصلحتَه، والله لأُصلحنَّ حالك، فأعطاهُ خمس مئة دينار، وقال له: زرني كلَّ وقت (٣). وكان رجلٌ من أولاد عمر بن الخطاب ﵁ يؤذي ابنَ أبي دؤاد ويشتمُه دائمًا في وجهه، فعرَضت للرجل حاجةٌ إلى المعتصم، فجاء إلى محمد بن عبد الملك الزيَّات، فدفع إليه ورقة يقدِّمُها إلى المعتصم، قال ابن الزيَّات: فاغتنمتُ غيبةَ ابن أبي دؤاد وعرضتُ القصَّة، ودخل ابنُ أبي دؤاد والقصَّة في يد المعتصم، فدفعَها إليه، فرأى اسم الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّما هي حاجةُ عمر بن الخطاب، ولابدَّ من قضائها،

стр. 6900

قال ابن الزيَّات: فخرجتُ قبل صورة الحال، وخرج أحمد فقام الرجل يشكره، فقال له: اذهب عافاك الله، فإنَّما قضيتُ حاجةَ عمر بن الخطاب، لا حاجتك. وكان ذلك الرجلُ لا يلتقي ابن أبي دؤاد إلا لعنه في وجهه ودعا عليه سواءٌ كان في محفلٍ أو وحدَه، فصارَ إذا لقيه لا يكادُ ينظرُ إليه من الحياء (١). وقال له الواثق يومًا: يا أحمد، قد اختلَّت بيوتُ الأموالِ بطلبائك اللائذين بك، والمتوسِّلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين، نتائجُ شكرها متَّصلةٌ بك، وذخائرُ أجرها لك، وما لي من ذلك إلا عشقُ اتصال الألسن بحلو المدح فيك، فقال له: يا أبا عبد الله، والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، فافعل ما أحببت (٢). وأمر الواثق لعشرةٍ من بني هاشم بعشرةِ آلاف دينار على يد أحمد، فدفع لكلِّ واحدٍ من ماله عشرة آلاف دينار (٣)، وبلغَ الواثق فقال: يا أبا عبد الله، مالُنا أكثرُ من مالك، فلم تغرم علينا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، والله لو أمكنني أن أجعل ثوابَ حسناتي لك لفعلت، فكيفَ أبخلُ بمالي وأنت مَلَّكتنيه على الذين يُكثرُون الشكرَ، ويتضاعفُ فيهم الأجر؟ فوصلَه بمئة ألف درهم، ففرَّقها في بني هاشم. وقال له الواثق: بلغني أنَّك ولَّيتَ القضاءَ رجلًا ضريرًا، قال: نعم؛ لأنَّه بلغني أنَّه بكى على المعتصم حتى ذهبت عيناه، وقد أمرتُه أنْ يستنيب (٤). وسألَه رجلٌ أنْ يحملَه على [عَيْر -يعني] حمارًا- فأعطاهُ حمارًا وفرسًا وبغلًا وجملًا وبِرْذَونًا وجاريةً، وقال: لو علمت مركوبًا غير هؤلاء لحملتك عليه. وقال (٥) أبو العيناء -وكان ضريرًا-: ما رأيتُ في الدنيا أكثر أدبًا من ابن أبي دؤاد؛

стр. 6901

ما خرجتُ من عنده قطُّ فقال: يا غلام خذ بيده، بل يقول: اخرج معه (١). وقال أبو العيناء: قلتُ له يومًا: إنَّ قومًا تظاهروا عليَّ، فقال أحمد: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ (٢) [الفتح: ١٠]، فقلت: أنا وحدي، وهم عددٌ كثير، قال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، قلت: فإنَّهم قد مكروا بي، فقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. فحدَّثت أحمد بن يوسف الكاتب بذلك، فقال: ما ترى ابن أبي دؤاد إلَّا أن القرآن أُنزِلَ عليه. وقد مدحَ أحمدَ خلقٌ كثير لا يحصون، وكان يجيزُهم مثلَ جوائز الملوك قال أبو تمام وقد شرب أحمد دواءً: [من المنسرح] أعقبَك الله صحَّة البدنِ … ما هتفَ الهاتفانِ في الغُصُنِ لا نزعَ الله عنكَ صالحةً … أَبليتَها من بلائك الحسنِ إنَّ بقاءَ الجوادِ أحمد في … أعناقنا منَّةٌ من المِنَنِ لو أنَّ أعمارَنا تطاوعُنا … شاطرَهُ العُمرَ سادةُ اليمنِ (٣) وقال أبو تمَّام أيضًا: [من الوافر] لقد أنسَتْ مساوئَ كلِّ دهرٍ … محاسنُ أحمدَ بنِ أبي دؤادِ مقيمُ الظنِّ عندكَ والأماني … وإن قَلِقَت (٤) ركابيَ في البلادَ وقال له أحمد: أظنُّك يا أبا تمام عاتبًا، فقال: إنَّما يعتبُ الإنسانُ على واحد، وأنت كلُّ الناس، فقال: من أين هذا؟ قال: من قول الحاذق -يعني أبا نواس-: [من السريع] وليسَ لله بمسنتكر … أنْ يجمعَ العالمَ في واحدِ (٥) وقال له الواثقُ: يا أبا عبدِ الله بلغني أنَّك أعطيتَ شاعرًا ألف دينار -يعني أبا تمام-

стр. 6902

فقال: يا أميرَ المؤمنين ما أعطيتُه لمدحه إيَّايّ، بل لقولهِ للمعتصمِ فيك: [من الكامل] واشدُد بهارونَ الخلافة إنَّه … سَكَنٌ لوَحشَتِها ودارُ قرارِ ولقد علمتَ بأنَّ ذلك مِعصَمٌ … ما كنتَ تتركُه بغير سوارِ فطرب الواثق وقال: أحسنتَ والله، وأمرَ لأبي تمام بألفي دينار (١). قال مروانُ بنُ أبي الجنوب في أحمد لما فُلج: [من البسيط] لسانُ أحمدَ سيفٌ مسَّه طبعُ … من علَّةٍ فجلاها عنهُ جاليها ما ضرَّ أحمد باقي علَّةٍ درسَتْ … والله يذهبُ عنه رسمَ باقيها موسى بنُ عمران لم يُنْقِص نبوَّتَه … ضعف اللسان به قد كان يحصيها (٢) قد كان موسى على علَّاتِ منطقِه … رسائلُ الله تأتيه فيمضيها (٣) قال المصنِّفُ ﵀: لقد افتضحَ ابنُ أبي الجنوب في تشبيه موسى ﵇ بابن أبي دؤاد؛ لأنَّ عقدةَ لسانِ موسى ﷺ كانت من آياته ومعجزاته، وخَرس ابن أبي دؤاد كان عقوبة من الله على جحد كلامه وصفاته. وقال مروان فيه: [من الوافر] فقل للفاخرينَ على نزار … ومنها خِنْدِفٌ وبنو إيادِ رسولُ الله والخُلفاء منَّا … ومنَّا أحمدُ بنُ أبي دؤادِ (٤) وقال أحمد لمروان: ما يمنعُك أن تسألني؟ فقال: إذا سألتُك فقد جعلت سؤالي إيَّاكَ عوضًا عمَّا تعطيني، فقال: صدقتَ، وأعطاهُ خمسة آلاف درهم (٥).

стр. 6903

و [قال أبو العيناء:] كانَ ابنُ أبي دؤاد شاعرًا مجيدًا (١). [ذكرهُ دعبل في كتاب "طبقات الشعراء"] (٢). وكان إذا صلَّى رفع يديه إلى السماء يخاطبُ ربَّه : [من الكامل] ما أنتَ بالسببِ الضعيفِ وإنَّما … نُجْحُ الأمورِ بقوَّةِ الأسبابِ فاليومَ حاجتُنا إليكَ وإنَّما … يُدعَى الطبيبُ لساعةِ الأوصابِ (٣) ذكر وفاته: [حكى الصولي وقال:] كان المتوكل يستحيي أن يَنْكِبَ ابنَ أبي دؤاد؛ لإحسانه إليه في أيَّام الواثق، ولما كانَ يقومُ به من أمره، واختيارِه له يوم البيعة بالخلافة، و [لكن] كان يكرهُه لسوء مذهبه واعتقاده، وما أظهرَ من البدع، وحملِه الخلفاءَ والناسَ على القول بخلق القرآن، ومذهبِ الجهميَّة. فلمَّا فُلِجَ [ابنُ أبي دؤاد]، ولَّى ابنه محمدًا المظالم والقضاء، ثمَّ عزله، [وولَّى يحيى بن أكثم ما كان إليه، وأحدرَ ابنَه محمدًا إلى بغداد، وتوفِّي في العشرين من ذي الحجَّة، وتوفي أبوه يوم عاشوراء سنة أربعين ومئتين، فكانَ بينهما عشرون يومًا. وقال الصوليُّ: ماتا كلاهما في أوَّل سنة أربعين. وقيل: كان بينهما شهر. وقول الخطيب أشهر (٤). وقيل: إنَّ المتوكل لما استأصلَ آل دؤاد وأحدرَهم إلى بغداد أحدرَ أحمد في الجملة، فماتَ ببغداد] (٥). وصلى عليه ابنُه العباس [بن أحمد]، ودفن بداره ببغداد.

стр. 6904

[قال الخطيب:] ولمَّا خرجوا بسريره تعلَّق به جماعة ممَّن كان يعولُهم ويقوم بهم، فأنشدَ واحدٌ منهم: [من البسيط] اليومَ مات نظامُ الفَهم واللَّسَنِ … وماتَ من كان يُعْدِينا (١) على الزمنِ وأظلمت سُبُلُ الخيراتِ إذ حُجِبت … شمسُ العوارفِ في غيمٍ من الكفنِ وقال آخر: [من الكامل] تَرك المنابرَ والسرير تواضعًا … وله منابرُ لو يشَا وسريرُ ولغيره يُجْبَى الخراجُ وإنَّما … تُجْبَى إليه محامدٌ وأجورُ وقال آخر: [من الطويل] وليس نسيمَ المسك ريحُ حَنُوطه … ولكنَّه ذاك الثناء المخلَّفُ وليسَ صريرَ النعشِ ما يسمعونه … ولكنَّه أصلابُ قومٍ تقصَّفُ (٢) وقد (٣) أكثر الناس فيه الهجو بعد المدح لما أظهر من البدع، فقال فيه ابن شراعة البصريّ لما فلج: [من الكامل] أفلتْ نجومُ سعودك (٤) ابنَ دؤاد … وبدتْ نُحوسُك في جميع إيادِ فرحتْ بمصرعك البريَّةُ كلُّها … من كان منها موقنًا بمعادِ لم يبقَ منك سوى خيالٍ لامع … فوقَ الفراش ممهَّدًا بوسادِ أطراك يا ابن أبي دؤادٍ مدحُنا (٥) … فجريتَ في ميدانِ إخوةِ عاد لم تخشَ من ربِّ السماء عقوبةً … فسنَنْتَ كلَّ ضلالةٍ وفسادِ كم من كريمة معشرٍ أرملتَها … ومحدِّثٍ أوثقتَ (٦) في الأقيادِ إنَّ الأسارى في السجون ليفرحوا (٧) … لما أتتكَ مواكبُ العوَّادِ

стр. 6905

لا زال ما بكَ دائمًا متزايدًا (١) … وفجعتَ قبل الموتِ بالأولاد (٢) * * * فقل (٣) للفاخرينَ على نزارٍ … وهم في الأرضِ ساداتُ العبادِ رسولُ الله والخلفاءُ منَّا … ونبرأ من دعيّ بني إياد وما منَّا إيادٌ إذ أقرَّت … بدعوة أحمدَ بنِ أبي دؤاد * * * إلى (٤) كم تجعلُ الأعرابَ طُرًّا … ذوي الأرحام منك بكلّ وادي فأُقْسِمُ أنَّ رحمَك من إياد … كرحم بني أميَّةَ من زيادِ وبلغه قوله فقال: ما بلغَ أحدٌ مني مثل ما بلغَ هذا الغلام (٥)، ولولا أنِّي أكرهُ أن أنبِّه عليه لعاقبتُه عقابًا لم يعاقَبْ أحدٌ بمثلِه، جاء إلى منقبة في فنقضَها عروةً عروة (٦). وكان أحمد يُنْسَبُ إلى إياد. ذكر أقوال العلماء فيه: [حكى الخطيب والحافظ ابن عساكر في تاريخهما قال:] سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه عنه فقال: كافرٌ بالله العظيم، قال الله ﵎: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠] والقرآنُ من علم الله، فمن قال: إنَّه مخلوقٌ فقد كفر (٧). [وحكى الخطيب أيضًا عن عبد العزيز بن يحيى المكي قال:] (٨) دخلت عليه وهو

стр. 6906

مفلوج، فقلت: إني لم آتك عائدًا، وإنما جئتُ شامتًا [بك]، فالحمدُ لله الذي سجنك في جلدك سبع سنين (١)؛ [لأنَّه فُلِج في سنة ثلاث وثلاثين ومئتين. وحكى أيضًا عن] سفيان بن وكيع [قال:] (٢) رأيتُ كانَّ جهنَّم قد زفرت، واللهب يخرجُ منها (٣)، فقلتُ: ما هذا؟ قيل: جهنَّم أُعِدَّت لابن أبي دُؤاد (٤). وقال (٥) أحمد بن المعدَّل: كَتب ابنُ أبي دؤاد إلى عبد الله بن موسى بن جعفر، وهو في المدينة، يدعوه إلى القولِ بخلق القرآن ويقول: إنْ وافقتَ أمير المؤمنين فيها استوجبتَ منه حسنَ المكافأة، وإن خالفْتَه لمٍ تأمن مكروةه، فكتب إليه: عصمَنا الله وإيَّاك من الفتنة، فإنَّه إن يفعل فأعظِم بها منَّة، كان لم يفعل فهي الهلَكَة، نحن نرى الكلام في القرآن بِدعة، يشتركُ فيها السائلُ والمجيب، فانتهِ إلى حيث انتهى إليه سلفُنا الصالح بأنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى القديم، وما سواه مخلوق، فانتهِ إلى ذلك، وذرِ الذين يلحدونَ في أسمائه، الآية (٦)، ولا تسئم القرانَ باسمٍ من عندك، فتكون من الظالمين (٧). وقال عليُّ بن الموفق: ناظرتُ أقوامًا من الواقفة (٨) أيام المحنة، فنالوني بما أكرَه، فرأيتُ في المنام رسولَ الله ﷺ داخل المسجد، وفي المسجد حلقتان؛ أحدهما أحمدُ بن حنبل، وفي الحلقة الأخرى أحمدُ بن أبي دؤاد وأصحابه، فوقفت بين الحلقتين، وإذا بالنبيِّ ﷺ قد أشار إلى حلقةِ ابن أبي دؤاد وقرأ: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ وأشار إلى حلقة أحمد بن حنبل وقرأ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (٩) [الأنعام: ٨٩]. [وحكى الخطيب عن أبي عبد الله الزاهد البراثي قال:] (١٠) رأيتُ في المنام قارئًا

стр. 6907

يقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ [الفجر: ٦، ٧] إلى أن قال: ﴿فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] منهم ابن أبي دؤاد ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (١) [الفجر: ١٤]. [وروى الخطيب أيضًا بإسناده عن] يعقوب بن موسى بن الفَيْرزان، ابن أخي (٢) معروف الكرخي [قال:] (٣) رأيتُ في المنام كأنِّي وأخًا لي (٤) نمرُّ على نهر عيسى، وإذا بامرأةٍ تقول: ما تدري ما حدثَ الليلة؟ قلت [لها:] وما حدث؟ قالت: أهلك الله ابنَ أبي دؤاد، قلت: وما كان سبب هلاكه؟ قالت: أغضبَ الله فغضب الله عليه. أسندَ ابنُ أبي دؤاد الحديثَ عن جماعة، وإنَّما أسقطَ الناسُ حديثه؛ لما أحدثَ من القول بخلق القرآن، وقد حَكى عن الخلفاء، [فحكى القاضي التنوخيُّ عن ابنِ أبي دؤاد، قال: حدَّثني الواثقُ عن أبيه المعتصم عن آبائه أنَّ قومًا ركبوا في البحر، فسمعوا هاتفًا يقول: من يعطيني عشرةَ آلاف [دينار]، حتى أعلمه كلمةً إذا أصابه غمٌّ أو أشرفَ على هلاكٍ فقالها كشفَ الله عنه؟ فقال رجل من أهل المركب: أنا، فقال: ارمِ بالمال في البحر، فرمَى به، فقال الهاتف: إذا أصابك همٌّ أو أشرفتَ على هلكةٍ فاقرأ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] فقال أهل المركب: قد ضيَّعت مالك، فقال: كلَّا، إنَّ هذا ما أشكّ في نفعه. فلمَّا كان بعدَ أيَّام، انكسرَ المركب، فلم ينجُ منه إلَّا ذلك الرجل على لوح، قال: فطرحني الموجُ إلى جزيرة، فصعدتُ إليها، فإذا بقصرٍ منيف، فدخلتُه، فإذا فيه من الجواهر والأموالِ ما لا أقدرُ [أن] أصفَه، وإذا بامرأةٍ ما رأيتُ مثلَها حسنًا وكمالًا، فقلت لها: من أين أنتِ، وما الذي ألقاكِ ها هنا؟ فقالت: أنا بنتُ فلانٍ من البصرة، [و] كان أبي لا يصبرُ عنِّي ساعةً، فسافر في البحر وحملني معه، فانكسرَ مركبنا،

стр. 6908

فاختُطِفتُ وحُمِلتُ إلى هذه الجزيرة، ويخرجُ إليَّ شيطانٌ من البحر في كل سبعةِ أيَّام (١)، فيتلاعبُ بي من غير أنْ يطأني، وهذا يوم موافاته، فاتَّقِ الله في نفسك؛ فإنِّي لا آمنُه عليك، [قال:] فما انقضى كلامُها حتى جاءت الظلمة، فقالت: جاء والله، فلمَّا قَرُبَ منِّي كاد يغشاني، فقرأت الآيةَ، فصار رمادًا، فقالت المرأة: هلك والله، من أنتَ الذي منَّ الله عليَّ بك؟ فحملنَا من القصر من الجواهر والمال ما قدرنا [على حمله] (٢)، وقدَّمت إليَّ طعامًا، فقلتُ: من أين هذا؟ قالت: كان يأتيني به (٣)، ثمَّ خرجنا من القصر، ولزمنَا ساحلَ الجزيرة، وإذا بمركبٍ، فلوَّحنا إليه، فجاؤوا وحملونا، وسألونا عن حالنا، فقلنا: غرقنا (٤)، وسلمنا الله حتى وصلنا إلى البصرة، فدلَّتني على أهلها، فأتيتُهم وقلت: أنَا رسول فلانة إليكم، فصرخوا وبكوا وقالوا: جدَّدت علينا أحزاننا، فأتيتُ بهم إليها، فلمَّا رأوها كادوا يموتونَ فرحًا، وسألوها عن حالها، فقصَّت عليهم القصَّة، وسألتُهُم أنْ يزوجوني بها، ففعلُوا، وقسمتُ المال بيني وبينها، ورزقني الله منها الأولاد، وصاروا من مياسيرِ أهل البصرة [وتُجَّارِها] (٥). [وفيها توفي] الحسنُ بن عيسى بن ماسَرْجِس أبو علي النيسابوريّ. كان نصرانيًّا من أهل بيت الثروة، أفأسلمَ على يد ابن المبارك، وقد ذكر الخطيبُ قصَّته فقال: كان الحسنُ والحسين ابنا عيسى بن مَاسَرْجِس (٦)] إذا ركبا يتحيَّر الناسُ في حسنهما، فاتَّفقا على أن يسلِما، فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلمَا على يده،

стр. 6909

فقال لهما: أنتما من أجلِّ النصارى، وعبدُ الله بن المبارك شيخُ الدنيا من المشرق إلى المغرب، فإذا أسلمتُما على يده كان ذلك أعظمَ عند المسلمين، وأرفع لكما، وكان ابن المبارك في الحجّ، فانصرفا عنه، ومرض الحسين فمات [على نصرانيته] قبل رجوع ابن المبارك من الحجّ، فلما قدم ابن المبارك أسلمَ الحسن على يده (١). [قلت: وقد أخطأ حفصُ بن عبد الرحمن بتأخير إسلام الحسين حتَّى مات على نصرانيته؛ لأنَّ الإسلامَ لا يؤخَّرُ احترازًا عن مثل هذا (٢). ولمَّا أسلم الحسن] طلب العلم ورحلَ في طلبِ الحديث، ولقيَ الشيوخ. وروي أنَّ ابن المبارك رأى الحسنَ يومًا راكبًا، فقال: من هذا الشاب؟ فقالوا: نصراني، فقال: اللهمَّ ارزقهُ الإسلام، فاستجاب الله دعوته فيه (٣)، فأسلمَ على يده. وكان يقالُ له: مولى عبد الله بن المبارك. [واشتغل بالحديث والعلم] وكان ديِّنًا ورعًا عفيفًا ثقةً، ولم يزل من عقبِه محدِّثون وفقهاء بنَيسابور. [قال الخطيب:] قدم [الحسن] بغداد، فجلس بباب الطَّاق، وجلسَ الأئمَّة في مجلسه، وكان في مجلسه بضعة عشر ألفَ محبرة (٤). [قال:] وخرجَ حاجًّا في سنة أربعين ومئتين، فتوفي بالثعلبية عند رجوعه [من الحج] في صفر، وأنفقَ في هذه الحجَّة ثلاث مئة ألف درهم، و [كان] قبره يزار (٥) ظاهر الثعلبية، وعليه مكتوب: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٠] هذا قبر الحسن بن عيسى النيسابوري (٦).

стр. 6910

[قال:] وقال أبو يحيى [البزَّاز:] كنتُ مع الحسن فيمن حجَّ وقتَ وفاته بالثعلبيَّة، فاشتغلت عن الصلاة عليه بحفظ محملي ورحلي [وغيبة عديلي]، فرأيتُه في منامي، فقلت: أبا علي، ما فعلَ الله بك؟ قال: غفر لي ولكلِّ من صلَّى عليَّ، فقلتُ: قد فاتتني الصلاةُ عليك لغيبةِ عديلي، فقال: لا تجزع، فقد غفرَ الله لي و [لكلِّ من] (١) ترحَّم على. رحمهُ اللهُ تعالى (٢). حدَّثَ ببغداد عن ابن المبارك، وسفيان بن عيينة، وأبي معاوية الضرير، وغيرهم. وسمع منه الأئمَّة، وروى عنه الإمام أحمد، والبخاريُّ، ومسلم، رحمة الله عليهم، وغيرهم (٣). واتفقوا على صدقِه وديانته وعدالته، رحمة الله عليه (٤). قتيبة بن سعيد ابن جميل بن طَريف، أبو رجاء الثقفيّ، مولاهم، من أهل بَغْلَان، قريةٍ من قرى بَلْخ. ولد سنةَ خمسين ومئة، ورحل إلى الأمصار، وكان عالمًا فاضلًا مكثِرًا. حدَّث عن مالك بن أنس وغيره، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمة الله عليه وغيره، واتفقوا على صدقه وثقته. ومن شعره: [من البسيط] لولا القضاءُ الذي لا بدَّ مُدْرِكُه … والرزق يأكله الإنسان بالقَدرِ ما كانَ مثلي في بَغلان مسكنُه … ولا يمرُّ بها إلا على سفرِ (٥) [وفيها توفي

стр. 6911

الوليد بن عتبة أبو العباس الأشجعي، وُلد في سنة ستٍّ وسبعين ومئة. قال الحافظ ابن عساكر: وكانت دارُه بدمشق في زُقَاق الأسديين بقرب مسجد بني عطية. وكان يُسمع الحديث في هذا المسجد، ومات بدمشق. وقيل: بصور. قرأ القرآن بحرف ابن عامر على أيوب بن تميم. وروى الحديث عن الوليد بن مسلم وغيره. وكان ثقة. والله أعلم بالصواب (١)]. * * *

стр. 6912

السنة الحادية والأربعون بعد المئتين فيها وثبَ أهلُ حمص بواليهم محمد بن عبدويه، وساعدهم عليه قومٌ من النصارى، فكتب محمدٌ إلى المتوكِّل بذلك، [فأمره] بقتالهم، وكتب إلى صالح العباسيّ -وهو على دمشق- بأن ينجدَه، وأن يهدِمَ الكنائس والبِيَعَ التي بحمص، ويُدخِلَ البِيعةَ التي إلى جانب المسجد [في المسجد]، ويخْرِجَ كلَّ من فيها من النصارى، ويضرب (١) رؤسائهم بالسياط، فإذا ماتُوا صلبَهم على أبوابهم، وأمرَ لمحمد بن عبدويه بخمسين ألف درهم، وللقوَّاد بصلات، ففعل ما أمرهم به. وفيها ولَّى المتوكِّلُ أبا حسان الزياديّ قضاءَ الشرقية في المحرم. وشهدَ الشهود عند [أبي حسان] الزياديّ على عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم [صاحب خان عاصم] أنَّه شتَم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة رضوان الله عليهم، وكتبَ صاحبُ البريد إلى المتوكِّل ﵀ بذلك، فكتبَ إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداد أنْ يضربَ عيسى بالسياط حتى يموت، [فإذا مات رمى به] في دِجلة (٢)، ففعل به ذلك. [وذكر الخطيب الواقعة وقال: فقال له الرجل:] (٣) أيُّها القاضي قتلتني، فقال: قتلك الحقُّ لقذفك (٤) زوجةَ النبيّ ﷺ ، وشتمِك الخلفاءَ الراشدين. وفيها في ليلة الخميس لليلة خَلَت من جمادى الآخرة، ماجت النجومُ في السماء، وتناثرت الكواكبُ شرقًا وغربًا مثلَ الجراد، من قَبْلِ غروب الشمس إلى قريبِ الفجر، ولم يكن مثلُ هذا إلَّا حينَ ظهورِ رسولِ الله ﷺ (٥).

стр. 6913

وفيها كتب عامل اليمن إلى المتوكِّل بأنَّ جبلًا من اليمن يقال له الصفراء (١)، سار من مكانه، وقيل: كان ذلك في السنة الآتية (٢). وفيها أغارت الرُّوم على مكان بعين زَربَة من الزطِّ الذين ظهروا بواسط، وحملوا إلى عين زربة، فاجتاحهم بنسائهم وأولادهم ودوابهم وجميع أسبابهم (٣). وفيها فادى المتوكِّل الرومَ فخلَّص من المسلمين سبعَ مئة وخمسة وستين (٤) رجلًا [وخمسة وعشرين امرأةً] (٥). وفيها أغارت البُجة (٦) على حرسٍ من أرض مصر، فبعثَ المتوكِّلُ لحربهم محمد بن عبد الله القُمِّي، وكانتَ البُجة لا تغزو المسلمين ولا يغزونهم، لهدنةٍ قديمةٍ كانت بينهم [ذكرها فيما تقدَّم، على يد ابن أبي سَرح] والبُجة جنسٌ من أجناس الحبَش (٧) بالمغرب، [(وبالمغرب) سودانٌ ونوبة] (٨)، وفي بلادهم معادنُ ذهب وفضَّة، يقاسمونَ من يعملُ فيها، ويؤدُّون إلى عامل مصر [عن معادنهم] في كلّ سنةٍ أربع مئة مثقال تبرًا. فلمَّا كان في أيام المتوكِّل امتنعُوا من أداءِ الخراج سنتين، وكان المتوكِّلُ قد ولَّى مصر يعقوب بن إبراهيم البَاذَغِيسيّ مولى الهادي، [ويعرف بقَوْصَرة،] وفوَّضَ إليه ولايةَ الإسكندرية وبَرقَة والمغرب، فكتب إلى المتوكِّل أنَّ البُجة قد نقضت الهدنة [التي

стр. 6914

كانت بينها وبين المسلمين]، وخرجت من بلادها إلى معادن الذهب والجوهر، وهي على التُّخوم فيما بين أرض مصر وبلاد البُجة، فقتلُوا عدَّةً من المسلمين ممَّن كان يعملُ في المعادن، وسبوا عدَّةً من ذراريهم ونسائهم، وذكروا أنَّ المعادنَ لهم، وفي أرضهم، فاشتدَّ ذلك على المتوكل، وشاور (١) في أمرهم، فقيل له: إنَّ البُجة [قومٌ] من أهل البدو، و [هم] أصحابُ إبلٍ وماشية، والوصولُ إلى بلادهم صعبٌ، لا تسلكُ فيه الجيوش؛ لقلَّة المياه، وأنَّها صحارى ومفاوز، مسيرتُها شهرٌ في أرض قفر وجبالٍ وَعْرَة، لا ماءَ فيها ولا زرع، ولا مَعقِلَ ولا حصن، ومن سلكها من الجيوش هلكَ، فأمسكَ المتوكِّلُ عنهم. وزاد فسادُهم، وكثُرت غاراتهم، حتى خافَ أهلُ سعيد مصر على أنفسهم [وذراريهم منهم]، فبعثَ المتوكِّل إليهم محمد بن عبد الله [المعروف بـ]، القُمِّي، وولَّاه أمور صعيد مصر وأسوان [وملك الكور]، فسارَ إليها، فانضمَّ إليه من كان يعملُ في المعادن، فصار في عشرين ألفًا ما بين (٢) فارسٍ وراجل، ووجَّه إلى القُلْزُم، فحمل فيه سبع مراكب موقرةً بالدقيق والزيت والتمر والسَّويق والشعير والمِيرة وغيرها، وأمرَ قومًا أن يلجِّجُوا بها في البحر حتى يوافوا بها ساحل البحر عندَ البُجة، ودخل بمن معه أرضَ البجاة حتى جاوزَ المعادن، ثمَّ صار إلى الحصون والقلاع، وخرج إليه [ملكهم واسمه] علي بابًا (٣) في جيشٍ كثيف، [و] عُدَدٍ أضعاف ما كان مع القُمِّي، و [كانت] البُجة على إبلهم، مع الحِرَاب، وإبلهم فرْهٌ تشبهُ المهاري في النجابة، وجعلُوا يتناوشون أيَّامًا من غير قتال، وقصد ملك البُجَة أن تطول الأيام فتفنى أزوادهم وعلوفتهم، فيموتون جوعًا، فتأخذهم البُجَة بأيديهم، فلما توهم [ملك البُجَة] أن الأزوادَ قد فنيت، [وبينما هو على ذلك] إذا بالمراكب السبعة قد أرست على ساحل من سواحل البُجَة، تعرف بمصحية (٤)، ففرح القمِّي وأصحابه، وفرَّق عليهم ما كان فيها،

стр. 6915

وقصدهم علي بابًا، فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت الإبل التي تحت البُجَة زعرةً تخاف من كلِّ شيء، [فلمَّا رأى القُمِّيُّ ذلك، جمع] (١) الأجراسَ التي كانت في أعناق إبل العسكر، فجعلَها في أعناقِ الخيل، ثم حملَ على البُجَة، فنفرت إبلُهم لأصوات الأجراس، واشتدَّ رعبها، فحملتهم على الجبال والأودية، فمزَّقتهم كلَّ ممزَّقٍ، وأتبعهم القُمِّيُّ قتلًا وأسرًا، حتى أدركَه الليل، وذلك في أول هذه السنة (٢)، ثمَّ رجعَ إلى معسكره، ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم، ثمَّ جَمَعَ البُجَة جمعًا كبيرًا من الرجالة، وصاروا إلى مكانٍ أَمِنوا فيه، وسار القُمِّي [في طلبهم] (٣)، فظفرَ بهم في الليل، فهربَ الملك، فأخذ تاجَه وأمواله، ثم أرسل إليه الملكُ يطلبُ [منه] الأمانَ، وأن يردَّه إلى مملكته وبلاده، ويؤدِّي الخراجَ [المدةَ]، التي فاتته وفي المستقبل، فأمَّنه القُمِّيّ، فأدَّى إليه خراجَ أربع سنين، في كل سنةٍ أربع مئة مثقال، وشرط عليه القُمِّيُّ أنْ يسيرَ إلى باب المتوكل، فاستخلفَ ابنه، وسارَ ومعه سبعون من البُجَة بأيديهم الحراب، فدخلوا سامرَّاء على الإبل، وفي رؤوس حرابهم رؤوسُ أعيان الذين قتلهم القُمِّي، وكسا المتوكل علي بابا درّاعة ديباج وعمامة سوداء [ولم يعرض له المتوكل]، وأمرَ القميّ أن يعيدَه إلى بلاده، فخرج به، فيقال: إنَّه كان معه صنمٌ من حجارؤ كهيئةِ الصبيّ فكان يسجد له. وولَّى المتوكلُ سعدًا الخادم الإيتاخي البُجَة، وطريق ما بين مكة ومصر، فاستناب [الخادم] القُمِّيَّ (٤). وفيها مات يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة مصر (٥). وحجَّ بالناس [عبد الله بن] محمد بن داود، وكان في الحجِّ جعفر بن دينار والي طريق مكة وأحداث الموسم (٦).

стр. 6916

وفيها توفي الإمام أحمد بن حنبل [واختلفوا في نسبه، فقال الخطيب: هو أحمد بن محمد بن حنبل] بن هلال بن أسد [بن إدريس بن عبد الله بن حيَّان بن عبد الله بن أنس بن عَوْف بن قاسِط] بن مازن بن شيبان بن ذُهْل بن ثَعلبة بن عُكَابة بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسِط بن هِنْب بن أفصى بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أَسد بن ربيعة بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان (١). [فالخطيب قدَّم شيبان على ذهل]. وقال [عباس] الدوري وابن ماكولا (٢): ذُهْل بن شيبان، فقدَّما ذُهْل على شيبان. [وقد أنكر الخطيب هذا، وقال: هو] (٣) غلط [من الدُّوري]، والصحيحُ: شيبان بن ذُهْل (٤)، [وكذا قال أئمَّةُ اللغة وأهل النسب، وأبو بكر البيهقي، والحافظ ابن عساكر (٥) وغيره. قلت: وقد قال الجوهريُّ:] (٦) وشيبان حي من بكر، وهما شيبانان؛ أحدهما شيبانُ بن ثعلبة بن عُكَابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والآخر شيبانُ بن ذُهْل بن ثعلبة بن عُكَابة (٧) [وهذا موافقٌ لما قال الخطيب، وقد ذكرناه في صدر الكتاب]. وقد ذكره العلماء وأثنوا عليه، فقال ابن ماكولا: هو إمامٌ في النقل، وعَلَمٌ في الزهد والورع، وكان أعلمَ الناس بمذاهب الصحابة والتابعين (٨). [وأثنى عليه وذكره الخطيب فقال:] أبو عبد الله المروزيّ الأصل، البغداديُّ الدار، إمامُ المحدثين، والنَّاصرُ للدين، والمناضلُ عن السنَّة، والصابرُ في المحنة، حملَت به

стр. 6917

أمُّه بمَرو، وقدمت [به] بغداد وهي حاملٌ به، فولَدتْهُ في سنةِ أربعٍ وستين ومئة، فنشأ بها، وطلب العلم، وسمع من شيوخِها، ثم سافر إلى البلاد؛ الكوفة، والبصرة، والحجاز، ومكَّة، والمدينة، واليمن، والشام (١). [وذكره ابن عساكر فقال:] (٢) هو أحدُ (٣) الأعلام [من] أئمَّة الإسلام، سمع بدمشق (٤) وغيرها. [وذكر جماعةً من شيوخه، قال:] ولد [أحمد] في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومئة، وكان أبوه (٥) محمد والي سَرخَس، وكان من أبناء الدعوة -[يعني] العباسيَّة- وضُرِب بسبب الدعوة وحُلق (٦). [وقال ابن عساكر عن صالح بن أحمد قال:] (٧) قال أبي: طلبتُ الحديثَ وأنا ابنُ ستَّ عشرة سنة، ومات هُشيم وأنا ابنُ عشرين سنة، وخرجتُ إلى الكوفة سنةَ مات هُشيم، سنةَ ثلاثٍ وثمانين ومئة، وهي أول [سفرةٍ (٨) سافرت فيها، قال:] وخرجتُ إلى البصرة سنة سث وثمانين [ومئة]، وخرجتُ إلى سفيان بن عُيينة في سنة سبعٍ وثمانين [ومئة] إلى مكَّة، وقد مات الفضيلُ بن عياض، وهي أوَّلُ سنةٍ حججتُ فيها، وخرجت سنة سبعٍ وتسعين (٩) إلى عبد الرزاق. [ذكر صفته: قال الحافظ ابن عساكر: كان شيخًا أسمر شديد السمرة، طُوَالًا، مخضوبًا بالحنَّاء.

стр. 6918

وقيل: كان رَبْعَةً (١). وقال الخطيب: كان يخضبُ بالحنَّاء والكَتَم خَضْبًا ليس بالقاني، وكان حسن الوجه] (٢). ذكر طرف من [زهده وورعه: روي عن أبي داود السجستاني قال:] (٣) ما رأيتُ أحمدَ بن حنبل ذكر الدُّنيا قَطّ (٤). [وروى ابن عساكر قال:] (٥) لما وليَ صالحٌ ابنه القضاء، كان بينه [وبين أبيه أحمد] (٦) بابٌ، فسدَّه الإمام أحمد رحمة الله عليه، وهجره (٧). قال: وجاءه رجل بعشرةِ آلاف درهم، فردَّها، وجاءه آخر بثلاثةِ آلاف دينار، فردَّها، وكان ينسج التِّكَك، ويتقوَّت [من ثمنها] (٨). وأَعطَى الإمامُ أحمد رحمة الله عليه رجلًا درهمين ليشتري له بهما كاغَدًا، فاشتَراه، وجعل في الكاغَد خمس مئة دينار، فلمَّا فتحه الإمامُ أحمد وجدَ الدنانير، فسألَ عن بيت الرجل، فدُلَّ عليه، [فقام أحمد،] فحملَ الكاغَد والدنانير، وأتى إلى بيت الرجل، فوضعَ الجميع بين يديه، فقال له: الكاغَدُ اشتريتُه بدراهمك، فقال: لا آخذه ومضى (٩). [و] قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمةُ الله عليه: ماتتْ أمّ صالح زوجةُ أبي، فقال لامرأةٍ عنده: اذهبي إلى ابنة عمِّي فلانة فاخطبيها لي، قالت: فأتيتها (١٠) فخطبتها عليه، ولها أختٌ عوراء، جالسة [تسمع]، فرجعت المرأة [إلى أحمد] وقالت: قد

стр. 6919

أجابت، فقال: هل كانت أختُها جالسةً عندها؟ قالت (١): نعم، قال: فاذهبي فاخطبي لي أختَها؛ لئلَّا ينكسرَ قلبُها، فخطبَتْها (٢) فتزوَّجَها. قال عبد الله بن أحمد: فهي أمي، ولدتني وأقامتْ مع أبي عشرينَ سنة، فقالت له أمي: يا ابنَ عمِّي، هل أنكرت مني شيئًا قط؟ قال: لا إلَّا أنَّ نعلك هذه تَصِرُّ (٣). وقيل: إنَّ المرأةَ المتوفاةَ أمُّ صالح بن أحمد، يقال لها: عباسة بنتُ الفضل، كان الإمامُ أحمد رحمة الله عليه يُثني عليها ويقول: أقامتْ معي [أم صالح] ثلاثين سنة ما اختلفتُ أنا وإيَّاها في كلمةٍ قط. وقال ابن معين: لمَّا خرجنَا إلى عبد الرزاق إلى اليمن حججنَا، فبينا أنا في الطَّواف إذا بعبد الرزاق في الطواف، [قال:] فقلت لأحمد بن حنبل: قد قرَّبَ اللهُ خطانا، ورَفَّه (٤) علينا في النفقة، وأراحنا من مسيرة شهر، فقال [له:] إني نويتُ ببغداد أن أسمع عنه بصنعاء، والله لا غيرت نيَّتي، [قال:] فخرجنا إلى صنعاء، فنفدت نفقتُه، فعرَض عليه عبد الرزاق دراهمَ كثيرةً، فلم يقبلها، فقال: على وجهِ القرض، فأبا. [قال:] وعرضنا عليه نفقاتنا، فلم يقبل، [قال ابن معين:] فاطَّلعنا عليه، وإذا به يعملُ التِّكَك ويفطرُ [على ثمنها (٥)]. [قال:] واحتاجَ مرَّةً فأكرى نفسَه للحمَّالين. [قال: وكان معه سطل، فرهنه باليمين عند بقال. وقد رواه ابن عساكر عن سليمان بن داود الشَّاذَكوني قال:] رهنَ أحمدُ سطلًا باليمين عند بقالٍ وأنا حاضر، وأخذ منه ما يتقوَّتُ به، ثمَّ جاءه بفكاكه، فأخرجَ له سطلين وقال له: انظر أيُّهما سطلك فخذه، فقال: قد اشتبهَ عليَّ، أنتَ في حلٍّ من السطل وفكاكه [قال الشاذكوني:] فقلت

стр. 6920

للبقال: أخرجتَ سطلين إلى رجلٍ من أهل الورع، والسطول تتشابه، فقال: والله إنَّه لسطلُه بعينه، وإنَّما أردتُ امتحانه. [وقيل: وإنت هذه الواقعةُ بمكَّة.] وقال أحمدُ بن محمد التستري: أتى على أحمد ثلاثة أيامٍ ما طَعم فيها بطعام، فبعث إلى صديقٍ له، فاقترضَ منه شيئًا من دقيق، فعرفَ أهلُه شدَّةَ حاجتِه، فخبزوه عاجلًا، فلمَّا وُضِعَ بين يديه قال: كيف خبزتُم هذا بسرعة؟ قالوا: كان تنورُ صالحٍ مسجورًا فخبزناه عاجلًا، فقال: ارفعوه، ولم يأكلْ منه شيئًا؛ لأنَّ صالحًا وليَ القضاء. وقال عبد الله: ما مشى أبي في سوقٍ قط. [وقال عبد الله بن أحمد:] وبعثَ المتوكِّلُ [إلى أبي] يقول: قد أحببتُ أن أراك وأتبرَّك بدعائك، [قال:] فخرجنَا من بغداد، فأنزلَنا دار إيتاخ بسامراء، والمتوكل يرانا من وراء الستر، وأمرَ لأبي بثيابٍ ودراهم وخلعة، فبكى أبي وقال: سلمتُ من هؤلاء منذ ستين سنةً، فلمَّا كان في آخر العمر ابتليتُ بهم، ولما جاؤوا بالخلعة لم يمسها، ولا غيرها، فجعلتُها على كتفيه، فما زال يتحرَّك حتى رَمى بها، ثم عدنا إلى بغداد ومرض أبي. [وذكر الحافظ ابن عساكر عن المُزَنيّ عن الشافعي قال: دخلت على هارون الرشيد فسالني عن اليمن فقلت:] (١) تركتُها شاغرةً من حاكم وتحتاجُ إليه، فانظر رجلًا تولِّيه قضاءها، فلمَّا خرجَ من عنده اجتمعَ بأحمد وقال: إنِّي كلَّمتُ هارون أن يولي على اليمن قاضيًا، وأشرتُ بكَ (٢)، فتهيّأ حتى أدخِلَكَ عليه، فقال له أحمد: إنَّما جئتُ إليك لأقتبسَ منك العلم، تأمرني أن أدخلَ لهم في القضاء، ما كان هذا الظنَّ بك، وذكرَ الأحاديثَ الواردةَ في النهيِ عن القضاء، فقال: إنَّما قصدتُ نفعَ الناس، فيقال: إنه لم يعدْ إلى الشافعي بعدَها.

стр. 6921

[ذكر عبادته وخوفه:] وقال صالح: كان أبي يصلِّي كلَّ يومٍ وليلةٍ ثلاث مئة ركعة، ويقومُ الليل، فلمَّا مرض من الأسواطِ التي ضُرِبها ضَعُفَ، فصار يصلِّي كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسين ومئة ركعة، وكان قد بلغَ الثمانين أو قاربها، وكان كل يومٍ يقرأ سُبع القرآن، ويسردُ الصوم دائمًا. وحَكى عنه المروذي (١) قال: كان يقول: الخوفُ يمنعُني من الطعام والشراب فما أشتهيه. [قال:] وبال في مرض موته الدم، فحُمِل ماؤه إلى الطبيب، فقال: هذا ماء رجل قد فَتَّت [الخوفُ] كبدَه؟ وقال أبو [بكر] الخلَّال: لما استزارهُ المتوكِّل، [بعث إليه] (٢) مالًا فتصدَّق به، وسأله أن يحدِّث أولاده فحلفَ أن لا يحدِّثَ، ومرضَ فلم يحدث حتى مات. [والله أعلم بالصواب.] ذكر وفاته: [حكى الخطيب عن المرُّوذي قال:] مرض [أحمد] ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول [سنة إحدى وأربعين ومئتين] (٣) فلمَّا كان يوم الجمعة قبض في صدر النهار، وكان مرضُه تسعةَ أيَّام وبعضَ العاشر، وكانَ بعض ولدِ الفضل بن الربيع قد أعطاهُ وهو في الحبسِ ثلاثَ شعرات من شعر النبي ﷺ ، فأوصى أنْ يجعل في كل عينٍ شعرة وعلى لسانه شعرة. وبلغه أن طاوسًا كان يكره الأنين فما أنَّ الإمام أحمد إلَّا في الليلة التي مات فيها. [وحدثنا غير واحد عن الفضل بن ناصر بإسناده إلى محمد بن عبد الله بن عمرويه قال: سمعت عبد الله بن الإمام أحمد قال:] لما حضرت أبي الوفاة جلست [عند رأسه وبيدي] (٤) الخرقة؛ لأشدَّ بها لَحيَيهِ (٥)، فجعل يغرقُ ثم يفيق، [ثم يفتح عينيه] ويقولُ

стр. 6922

بيده هكذا: لا بعد، لا بعد، ففعل ذلك مرةً ومرةً، فلما كان في الثالثة، قلت له: يا أبه، أيُّ شيءٍ هذا الذي قد لَهِجْتَ به في هذا الوقت؟ فقال: يا بنيّ، ما تدري؟ قلت: لا، قال: إبليسُ قائمٌ بحذائي، عاضٌ على أنامله يقول: يا أحمد [قد] فُتَّني، فأقول: لا بعد، حتى أموت. [وحكى الخطيب عن بنان بن أحمد قال:] (١) كانت الصفوفُ من الميدان إلى القنطرة بباب القطيعة، وحُزِرَ من حضرها من الرجال فكانوا ثمان مئة ألف رجل، ومن النساء ستون ألفًا (٢)، غير من كان في الطرق وعلى الأسطحة، ومُسِحَت مواضعُهم، فكانت مقدار ألف ألف إنسان. [قال:] وأسلمَ من اليهود والنصارى [والمجوس] أربعة وعشرون ألفًا (٣)، و [في روايةٍ:] وقع النَّوْحُ في الطوائفِ كلها؛ المسلمين، واليهود، والنصارى (٤)، والمجوس، وصلَّى عليه محمد بن طاهر، وعاش سبعًا وسبعين سنة. [وحكى ابن عساكر عن أحمد أنه قال -أو كان يقول-:] (٥) بيننا وبينهم يوم الجنائز (٦). قلت: يعني أهلَ البدع. ذكر ما رؤى له من المنامات: [حكى الخطيب عن محمد بن خُزَيمة الكنديّ (٧) قال:] (٨) رأيتُ [أبا عبد الله] أحمد بن حنبل بعد موته [في المنام] كأنَّه في روضةٍ، وعليه حُلَّتان خضراوان، وعلى رأسهِ تاجٌ من النور، وهو يمشي مشيةً لم أكنْ أعرفُها [له]، فقلت: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية؟ قال: مشية الخدَّام في دار السلام، قلت: فما هذا التاج الذي على رأسك؟

стр. 6923

فقال: قَرَّبني ربِّي إليه، [وأدناني،] وتوَّجني بهذا التاج، وألبسني نعلين من ذهب، ثم قال: يا أحمد، هذا [تاج الوقار] توَّجتُك به لقولك: القرآن كلامي [مُنَزَّل] غيرُ مخلوق، يا أحمد، ادعوني بالكلمات التي كنت تدعوني بهنّ [في الدنيا]، فقلت: يا ربّ، بقدرتكَ على كلّ شيء، لا تسألني عن شيء، وهبْ لي كلَّ شيء، فقال: قد فعلت. وحكى الخطيبُ عن رجلٍ أنَّه رأى على كل قبر قنديلًا فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نُوِّرَ لأهلِ القبور قبورُهم بنزول هذا الرجل [بين ظهرانيهم] (١)، وقد كان فيهم من يعذَّب فرُحِم. [وحكى الخطيب أيضًا عن بُنْدَار قال:] (٢) رأيتُ عبد الرحمن بن مهدي (٣) [في المنام]، فقلتُ: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: غفر لي، وفي كمِّه شيء، فقلت: أي شيء [الذي] في كمِّك؟ فقال: قُدِم بروحِ أحمد بن حنبل (٤)، فأمرَ الله جبريل أن ينثرَ عليها الدر والجوهر (٥) والزبرجد، وهذا نصيبي منه. [قال الخطيب: ويشبه أن يكون بُنْدار رأى هذا المنام عند موت أحمد بن حنبل. قلت: وبينَّا أن موت عبد الرحمن بن مهدي تقدم على موت أحمد بن حنبل لأن ابن مهدي مات في سنة ثمان وتسعين ومئة، وقد ذكرناه. وروى ابن عساكر عن أحمد بن محمد الكندي قال:] رأيت أحمد [بن حنبل] في المنام فقلت: ما فعلَ الله بك؟ فقال: غَفَر لي، وقال لي: يا أحمد، ضُربتَ فيَّ، قلت:

стр. 6924

نعم يا رب، فقال: هذا وجهي فانظر إليه، فقد أبحتُك ذلك (١). ذكر ثناء العلماء عليه: روى [الحافظ] ابن عساكر عن الشافعيّ [قال:] لمَّا قدم مصر قال أو سئل: من خلَّفتَ بالعراق؟ فقال: ما خلفت به أعقلَ ولا أفقهَ ولا أزهدَ ولا أورعَ [ولا أتقى] (٢) من أحمد بن حنبل. وحكى [الحافظ ابن عساكر أيضًا] عن علي بن عبد العزيز [الطلحي] قال: قال لي الربيع: خرجَ الشافعي إلى مصر وأنا معه، فقال: خذْ كتابي هذا، واذهبْ به إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، [وأتني بالجواب، فمضيتُ إلى بغداد، ودخلت على أحمد]، فناولته الكتاب، ففتحه وقال: مرحبًا بكتاب أبي عبد الله، وقرأه، فتغرغرت عيناهُ بالدموع، فقلت: يا أبا عبد الله، ما فيه؟ فقال: يذكرُ أنَّه رأى النبيَّ ﷺ في المنام وهو يقول [له:] اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأقرئه منِّي السلام، وقل [له:] إنَّك سوف تمتحنُ وتُدْعى إلى القول بخلق القرآن، فلا تجبهم، [فسترفع] (٣) إلى أعلى عليين، وسَينشرُ الله لك عَلَمًا إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلتُ له: البشارة، فخلعَ قميصَه الذي يلي جسدَه، ودفعَه، وكتب لي جوابَ الكتاب، وعدتُ إلى مصر، فناولتُه الشافعي فقال: أيُّ شيءٍ أعطاك؟ قلت: ثوبه الذي على جسدِه، فقال الشافعيُّ: ليس نفجعك فيه، ولكن اغسلهُ، وادفَع إليَ ماءه؛ لأتبرَّكَ به. وحكى [ابن عساكر أيضًا] عن يزيد بن هارون قال: تنحنحَ أحمدُ يومًا في مجلس يزيد بن هارون، وكان يزيد قد أضر، فقال [يزيد:] من هذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل، قال: هلا أعلمتموني أن أحمد ها هنا حتى لا أمزح (٤).

стр. 6925

قال: وقال ابن مهدي: ما نظرتُ إلى أحمدَ إلا وذكرتُ سفيان الثوري. وسُئل ابن معين عن الإمام أحمد بن حنبل فقال: والله ما رأيتُ مثله (١). وقال البيهقي: قال الشافعي: ما تركت بالعراق من يشبه أحمد بن حنبل. [قال البيهقي: إنما قال الشافعي هذا عن تجربة.] (٢) وقال ابن عساكر: قال الحسن بن الربيع: ما شبهتُ أحمد إلَّا بابن المبارك في هيئته وسمته وزهده. ولولا أحمد بن حنبل لأحدثُوا في الدين (٣)، فقال قتيبة بن سعيد: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والليث والأوزاعي لكان هو المقدَّمَ عليهم. [قال:] وأحمد إمامُ الدنيا، ولولاه لمات الورع، وما أعظم منَّةَ أحمد على جميعِ المسلمين، إنَّ أحمد قام في هذا الأمر مقام النبوة (٤). قال: وقال محمد بن إسحاق الحنظليّ (٥): أحمد حجَّةُ الله على عباده. قال: وقال عليُّ بن المديني: إنَّ الله أعزَّ هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث أبو بكر ﵁ يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة (٦). قال الميموني: فلما سمعتُ ذلك من ابن المدينيِّ أنكرتُه (٧)، فأتيت أبا عبيد القاسم

стр. 6926

ابن سلَّام، فذكرتُ له ذلك، فقال: إذًا يخصمك، قلت: بأيِّ شيء؟ قال: لأنَّ أبا بكرٍ وجدَ على أهل الردَّة أنصارًا وأعوانًا، وأحمد لم يجد ناصرًا، بل بذلَ نفسَه لله، وهل في الإسلام مثل أحمد؟! قال: وكان علي بن المدينيِّ يقول: سيدي أحمد بن حنبل لا يحدِّثُ إلَّا من كتاب، وأنا كذلك (١). قال: وبعثَ أحمدُ بن حنبل إلى ابن معين يقول له: قد بلغني أنَّ ابنَ عُلَيَّة يكرهُ أن يقال له: ابن عُلَية، وأنت تقوله، فقال لرسوله: أقرئه منِّي السلام، وقل له: قبلنا منكَ يا معلِّم الخير (٢). قال: وقال أبو عُبيد القاسم: ليس في شرق الأرض (٣) وغربها مثل أحمد بن حنبل. قال: وسُئِلَ بشرُ بن الحارث عن أحمد بن حنبل فقال: أُدخِلَ الكيرَ، فخرجَ ذهبًا أحمر. وكان يدعو له (٤). [قال: وقال الفلَّاس، واسمه محمد بن هارون:] (٥) إذا رأيتَ إنسانًا يقعُ في أحمد، فاعلم أنَّه مبتدع. قال: وقال عبد الله بن أحمد: سمعتُ أبي [أحمد] يقول: ما استفادَ الشافعي منَا أكثر ممَّا استفدنا منه، وكلُّ شيءٍ في كتاب الشافعيّ: حدَّثنا الثقة، فهو أبي (٦). وحكي عن المُزَنيّ (٧) أنه قال: أحمد بن حنبل وأبو بكر يومَ الردَّة، وعمر يومَ السقيفة، وعثمان يومَ الدَّار، وعليٌّ يومَ صِفِّين.

стр. 6927

قال: وقال رجل من أهل العلم والفضل يُكْنَى بأبي جعفر في العشية التي دُفِنَ فيها الإمام أحمد ﵀: أتدرونَ من دفنَّا اليوم؟ قالوا: من؟ قال: سادس خمسةٍ، قالوا: من؟ قال: الخلفاءُ الأربعة، وعمر بن عبد العزيز. يعني كلَّ واحدٍ في زمانه (١). قال: وقال عليُّ بن المديني: أحمدُ أفضل من سعيد بن جبير؛ لأنَّ سعيدًا كان له نظراءُ في زمانه، وما لأحمد في الدنيا نظير (٢). وحكى عن سَلَمَةَ بن شَبيب قال: كنَّا عند أحمد بن حنبل في أيَّام المعتصم، فجاء شيخٌ، فسلَّم وقال: أيُّكم أحمد بن حنبل؟ فأشرنا إليه، فقال له: جئتُك في [البرِّ و] البحر من أكثر من أربع مئة فرسخ؛ رأيت الخضرَ في منامي ليلة جمعة، فقال: أتعرفُ أحمد بن حنبل؟ قلت: لا، قال: فأتِ بغداد وسلِّم عليه (٣)، وقل له: أخوكَ الخضرُ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنَّ ساكنَ السماء الذي على عرشه راضٍ عنك، والملائكةُ راضونَ عنك؛ بما بذلتَ نفسكَ لله تعالى. [وفي رواية: ساكن العرش والملائكة راضونَ عنك بما صبرت لله تعالى] (٤)، فقال له أحمد: ألكَ حاجة؟ فقال: والله ما جاء بي حاجةٌ من أربع مئة فرسخ إلَّا هذا، كانت عندي أمانةٌ أدَّيتُها، ثمَّ انصرفَ، فقال أحمد [بن حنبل:] لا قوَّةَ إلَّا بالله العليِّ العظيم. وقال: قال سفيان بن وكيع: من علي أحمد [بن حنبل] فهو فاسق (٥). وقال ابن أعين: [من الكامل] أضحى ابنُ حنبلَ محنةً مأمونةً … فبحبِّ أحمدَ يعرفُ المتنسِّكُ ومتى رأيتَ لأحمد متنقصًا … فاعلم بأنَّ سُتورَهُ ستهتَّكُ وزاد عليها ابن عساكر فقال: وقال أبو عبد الله البوشنجيّ: [من الكامل] إنَّ ابن حنبلَ إنْ سألتَ إمامُنا … وبه الأئمَّة في الأنامِ تمسَّكُ

стр. 6928

خلف النبيَّ محمدًا بعد الأُلى … كانوا الخلائفَ بعدهُ فاستهلكوا (١) قال: وكان أحمد إذا حضرَ عند ابن عُلَيَّةَ قدَّمه فيصلِّي به. قال: وضحك يومًا رجل عند ابن عليَّة فقال له: ويحكَ، تضحكُ وعندي أحمد بن حنبل؟! لا أمَّ لك. وقال عليُّ بن خشرم: سُئِلَ بشر الحافي عن أحمد فقال: مثلي يُسألُ عن أحمد، إنَّما أحمدُ يُسألُ عني، حفظَه الله من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه و [عن] شماله. قال: وقال أبو حاتم الرازيّ: إذا رأيتُم الرجلَ يحبُّ أحمد [بن حنبل]، فاعلموا أنَّه صاحبُ سنة. ذكر حجاته: [قد ذكرنا عن ابن عساكر عن أحمد أنه قال: خرجت إلى سفيان بن عينية في سنة سبع وثمانين ومئة إلى مكة، فَقَدِمناها وقد مات الفضيل بن عياض، قال: وهي أول سنةٍ حججتُ فيها، وأقمت بمكَّة سنة (سبع وتسعين، وخرجنا سنة ثمان وتسعين وأقمت سنة) (٢) تسعٍ وتسعين ومئة عند عبد الرزاق، قال: و] (٣) حججتُ خمس حجج، منها ثلاث راجلًا، أنفقتُ في إحداهنَّ ثلاثين درهمًا، وفي رواية: عشرين درهمًا. [وحكى ابنُ عساكر قال: كان أحمد بن حنبل امتحن هو وابن نوح، وحُبِسَا بصور (٤). وهو وهم، وما امتحن أحمد إلا ببغداد وسرَّ من رأى والرقَّة. وقد ذكرناه. وقال ابن عساكر: وقد اجتاز أحمدُ بدمشق وأعمالها] (٥). ذكر مسانيده: طافَ الدُّنيا، ورَوى عن خلقٍ كثير، منهم الوليد بن مسلم، وسفيان بن عُيينة، وهُشيم بن بشير، وإسماعيل بن عُلَيَّة، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبد الرحمن بن مَهْدي، وإبراهيم بن سَعد الزُّهري، ووَكيع بن الجرَّاح، وأبو معاوية الضرير، وعبد

стр. 6929

الرزاق، ويزيد بن هارون، وجماعة يطولُ ذكرهم. و [روى عنه] (١) أحمد بن الحسن الترمذي، وإبراهيم الحربيّ، وأبو داود السجستاني، والبخاري، ومسلم، وأبو زرعة الدمشقي، [وأبو زرعة] (٢) وأبو حاتم الرازيان، وجمٌّ غفير، وآخرُ من روى عنه أبو القاسم البغويّ. وقال أبو نصر أحمد بن محمد الكَلَاباذي: روى البخاري عن أحمد بن الحسن الترمذيّ، عن أحمد بن حنبل، ولم يحدِّثْ عن نفسِه بشيء (٣). وقال صالح ابن الإمام أحمد: إنَّ البخاريَ لما نُسِبَ إليه القولُ بالوقف في القراءة (٤)، هجرَهُ الإمامُ أحمد، ولمَّا قَدِم بغداد والإمام أحمد يحدِّثُ بجامع الرُّصَافة، جلسَ البخاريُّ في مجلسه، فلمَّا رآه الإمامُ أحمد سكت ونزل من مكانه، فيقال: إنَّه لم يسمع من الإمام أحمد إلَّا حديثًا واحدًا (٥). [ذكر محفوظاته: قد ذكرنا في صدر الكتاب أنَّه] جمعَ (٦) المسند من ألف ألف حديث، وصنَّف "التفسير" وهو مئة ألف وعشرون ألف حديث، و"التاريخ"، و"الناسخ والمنسوخ"، [و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير والصغير"]، وغير ذلك. وقال إبراهيم الحربي: كان أحمد يحفظُ ألف ألف حديث (٧) [وكأنَّ الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء، ويمسك عمَّا شاء. وذكر الخطيب بمعناه، وحكى أيضًا عن عبد الله بن أحمد أنه قال: كان أبي يحفظ ألف ألف]. فقيل

стр. 6930

له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب (١). وقال إبراهيم الحربي وقد سئل: أيُّما كان الشافعيّ أعرف بالحديث أو أحمد؟ فقال: بينهما كما بين المسندين (٢). ذكر نبذة من كلامه رحمة الله عليه: [حكى أبو نُعَيم عنه أنَّه] كان يقولُ في دبر كلِّ صلاة: اللهمَّ كمَا صُنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن ذلِّ السؤال لغيرك (٣). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (٤) رحمة الله عليهما: سُئل أبي عن التوكُّل، فقال: هو قَطْعُ الاستشراف بالأياس من الخلق، قيل له: فما الشاهد؟ قال: قصَّة الخليل ﵇ لما عارضه جبريل [﵇]، وقد رُمي من كفَّة المنجنيق، فقال له: ألك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا، قال: فسل ربك، قال: علمُه بحالي يغنيني عن سؤالي (٥) (٦). قال المصنِّفُ ﵀: نُبَذُه كثيرةٌ، وإنما اقتصرنَا هاهنا على هذه النبذة، فرحمة الله على أئمَّة الإسلام، فلقد دأبوا في تحصيلِ الآداب، وشيدوا قواعدَ الإسلام؛ طلبًا للثواب، وعمروا قصورَ العلوم، فزينت القباب، ولله درُّ القائل، فلقد سَرَتْ بقوله الركاب: [من البسيط]

стр. 6931

يا ربعُ فيكَ المها والأُسْدُ أحبابُ … فقل لنا كُنَاسٌ أنت أم غابُ بين الكثيبين حي أخوهم أدب (١) … محضٌ وإيجازُهم في القول إسهابُ خَطُّوا وأقلامهم خَطِّيَّة سُلُب (٢) … فهم على الخيل أميون كُتَّابُ إن أحسنوا كلمًا واخلولقوا ذممًا … واخشوشنوا شيمًا فالقومُ أعرابُ وقد مدح الإمامَ أحمد جماعة من أصحابه وهو مشهور (٣). الحسن بن حمَّاد ابن كُسَيب، أبو عليّ الحضرمي، ويعرف بسجَّادة؛ لملازمته السجادة في الصلاة، كان عالمًا (٤) فاضلًا زاهدًا عابدًا ورعًا من أهل السنة. سُئِل عن رجل حلف بالطلاق أنْ لا يكلِّم كافرًا، فكلَّم من يقول بخلق القرآن، قال: تطلق امرأته. سمع أبا معاوية الضرير وغيره، وروى عنه ابنُ أبي الدنيا وطبقتُه، وتوفي ببغداد وكان ثقة (٥). محمد بن محمد ابن إدريس، أبو عثمان الشافعيّ، ولي قضاء الجزيرة، وحدَّثَ هناك. واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل، فقال له: أبوك من الستَّةِ الذين أدعو لهم وقت السَّحر. وللشافعيِّ رحمةُ الله عليه ولدٌ آخر اسمه محمد، توفي صغيرًا بمصر سنةَ إحدى وثلاثين ومئتين.

стр. 6932

سمعَ صاحبُ هذه الترجمة أباه والإمام أحمد وغيرهما، وكان ثقةً (١). أبو غياث المكي مولى جعفر بن محمد قال أبو جعفر محمدُ بن جرير الطبريّ: كنت بمكَّة [في] سنة أربعين (٢) [ومئتين]، فرأيت خُرَاسانيًّا ينادي: يا معشر الحُجَّاج، من وجد هِميانًا فيه ألفُ دينار فردَّه [عليَّ] أضعفَ الله له الثواب، [قال:] فقام إليه شيخ من أهل مكَّة كبير من موالي جعفر بن محمد، فقال [له:] يا خراسانيّ، بلدُنا فقيرٌ أهلُه، ضعيف حالُه، أيَّامه معدودةٌ، ومواسمُه منتظَرة، [و] لعله يقعُ بيد رجلٍ مؤمنٍ يرغبُ فيما تبذلُه حلالًا يأخذه، ويردُّه عليك، فقال الخراسانيُّ: وكم يريد؟ فقال: عُشرهُ، مئة دينار [ويردُّه]، قال: لا أفعل، وأحيلُه على الله تعالى، وافترقا. قال الطبري: فوقع لي أنَّ الشيخَ [صاحب القريحة، و] الواجد للهميان، وكان كما ظننت، فأتى بابًا فدخله وقال: يا لبابة، فقالت: لبَّيك يا أبا غياث، فقال: قد وجدتُ صاحب الهِميان، وأخبرها بما جرى، ثمَّ قال: ولا بدَّ من ردِّه، فقالت: نُقَاسي معك الفقر منذ خمسين سنة، ولك أربعُ بنات وأختان وأنا وأمي، وأنت تاسعُ القوم، أشبِعنا واكسُنا، فلعلَّ الله يغنيك فتعوِّضه، فقال: لستُ أحرقُ حشاشتي بعد ستٍّ وثمانين سنةً بالنار. قال: وانصرفت، فلمَّا كان من الغد، إذا بالخراساني يقول: يا معاشر الحُجَّاج ووفد الله من [الحاضر والبادي] (٣)، من وجدَ هِميانًا فيه ألفُ دينار وردَّه أضعفَ الله له الثواب، فقام الشيخ فقال: يا خراسانيّ، قد قلتُ لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله قليلُ الزرع والضرع، وقلتُ لك: تدفعُ إلى واجده عشره مئة دينار، فأبيتَ، فادفع له عشرةَ دنانير، فقال [الخراساني:] لا أفعل، وأحيلُه على الله. فلما كان اليوم الثالث قال الخراساني مثلَ مقاله الأوَّل، وأجابه الشيخ بمثل ذلك،

стр. 6933

حتى اقتصر على دينار، وقال: أشتري بنصفه قِربةً أستقي [عليها] (١) الماء، وأشتري بالنصف الآخر شاة أحلبُها غداءً لعيالي (٢)، فقال الخراسانيُّ: لا أفعل، وأحيلُه على الله تعالى، فجذَبه الشيخُ وقال: تعال، خذ هِميانَكَ وأرحنَا منه (٣)، ومشى الشيخ [وتبعه] (٤) الخراسانيُّ. قال الطبري: وكنت أكتبُ كتاب "النسب" للزبير بن بكَّار فتركتُ الكتابةَ، وقمتُ فمشيت خلفهما، [فدخل الشيخ بيته، ودخل الخراسانيُّ، ودخلت خلفهما]، فأتى الشيخُ إلى الدرجة، فنبش تحتها وأخرج الهِميان، أسود من [خرق] (٥) غلاظٍ بخارية، وقال: هذا هميانُك؟ قال: نعم، ففتحَه وصبَّه في حجره، وقلَّبَه وأعاده، وقام فحملَه على عاتقه، ثمَّ أراد الخروج، فلمَّا بلغَ باب الدار، رجع وقال للشيخ: يا شيخ، مات أبي، وترك ثلاثة آلاف دينار، وقال لي: أخرج ثلثها في أحقِّ الناس من الفقراء، والله ما رأيتُ منذ خرجت من خراسان إلى هاهنا رجلًا هو أحق منك بها، فخذ الهِميان، بارك الله لك [فيه]، ثمَّ خرج الخراسانيُّ، وخرجت بعدَه، فعدا أبو غياث [فلحقني] (٦) وردَّني، وكان شيخًا كبيرًا معصوب الحاجبين، فقال: إلى أين؟ اجلس، فقد عرفتَ خبرنا وأتيت أوَّلَ يومٍ واليوم، وقد سمعتُ أحمد بن يونس اليربوعيّ يقول: سمعتُ مالكَ بن أنس يقول: سمعتُ نافعًا يقول: سمعتُ عبدَ الله بن عمر يقول: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول لعمر وعليّ: "إذا أتاكما الله بهديَّةٍ بغير مسألةٍ ولا استشرافِ نفسٍ فاقبلاها ولا تردَّاها"، وهذه هديَّةٌ من الله تعالى، والهديَّةُ لمن حضر، [ثم صاح:] يا لبابة ويا فلانة ويا فلانة، فحضر بناتُه وأخواتُه وزوجتُه وأمُّها، فصرنا عشرة، فحل الهِميان، وقال: ابسطوا حجوركنَّ، وما كان لهنَّ قميصٌ، وأقبلَ يعدُّ دينارًا دينارًا، فأصاب كلَّ واحدٍ مئةُ دينار، [وأعطاني مئة دينار،] وقال: إنَّه حلالٌ، فاحتفظ به.

стр. 6934

قال الطبريُّ: ووسَّع الله عليَّ، فاشتريتُ الورقَ وغيره، وسافرتُ، [فغبتُ] عن مكَّة إلى سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، فسألتُ عن الشيخ، فقالوا: ماتَ بعد ذلك بشهور، يعني في سنة إحدى وأربعين ومئتين، ووجدتُ بناته ملوكًا تحت ملوك، فكنتُ بعد ذلك أنزلُ على أزواجهنَّ وأولادهنَّ، وأحدثهم حديثَ الهميانِ فيأنسونَ بي ويكرموني (١). * * *

стр. 6935

السنة الثانية والأربعون بعد المئتين [قال الطبري: و] فيها كانت زلازلُ هائلةٌ بقُوْمِس ورَسَاتيقها في شعبان، فهُدِمت الدور، ومات من الناس مما (١) سقطَ [عليهم] من الحيطان وغيرها بشرٌ كثيرٌ، ذُكِرَ أنَّ عدَّتَهم بلغت خمسةً وأربعين ألفًا وستةً وتسعين إنسانًا، وكان أعظم ذلك بالدَّامَغَان. [قال:] وذُكِرَ أنَّه كان بفارس وخراسان والشام في هذه السنة زلازلُ وأصواتٌ منكرة، وكان باليمنِ أيضًا مثلُ ذلك مع خسفٍ كان بها. [وهذا قولُ الطبريّ.] (٢) وقال محمد بن حبيب الهاشمي: [و] في شعبان زلزلت الدَّامَغَان، فسقطَ نصفُهما على أهلها، وسقطت بلدان كثيرة على أهلها، وسقط نحوٌ من ثلثي بِسْطَام، وزلزلت الرَّيّ، وجُرْجَان، وطَبَرستان، ونَيسابور، وأصبهان، وقُف، وقاشان، وذلك كلُّه في وقتٍ واحد، وتقطعت جبالٌ ودنا بعضُها من بعض، ونبع الماء من موضع الجبال، وسمع الناس [من السماء] أصواتًا عالية، وانشقَّت الأرضُ شقوقًا، كلُّ شقِّ بمقدار ما يدخل الرجلُ فيه. ورُجِمت قريةٌ [يقال لها:] السويداء بناحية مُضَر (٣) [بخمسة أحجار]، ووقع منها حجر على خيمة أعرابي، فاحترقت، ووُزِن حجرٌ منها فكان عشرة (٤) أرطال، فحمل منها أربعةٌ إلى الفُسْطَاط (٥) وحجرٌ إلى تِنِّيس. وسار جبلٌ في اليمن عليه مزارعُ لأهله حتى أتى مزارع آخرين، فصار فيها. وسقطت صاعقةٌ بالبردان، فأحرقت رجلين، وأصابت ظهرَ ثالث، فاسودَّ منها، وسَقطت في الماء.
следующие страницы →