← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

يا ربعُ فيكَ المها والأُسْدُ أحبابُ … فقل لنا كُنَاسٌ أنت أم غابُ بين الكثيبين حي أخوهم أدب (١) … محضٌ وإيجازُهم في القول إسهابُ خَطُّوا وأقلامهم خَطِّيَّة سُلُب (٢) … فهم على الخيل أميون كُتَّابُ إن أحسنوا كلمًا واخلولقوا ذممًا … واخشوشنوا شيمًا فالقومُ أعرابُ وقد مدح الإمامَ أحمد جماعة من أصحابه وهو مشهور (٣). الحسن بن حمَّاد ابن كُسَيب، أبو عليّ الحضرمي، ويعرف بسجَّادة؛ لملازمته السجادة في الصلاة، كان عالمًا (٤) فاضلًا زاهدًا عابدًا ورعًا من أهل السنة. سُئِل عن رجل حلف بالطلاق أنْ لا يكلِّم كافرًا، فكلَّم من يقول بخلق القرآن، قال: تطلق امرأته. سمع أبا معاوية الضرير وغيره، وروى عنه ابنُ أبي الدنيا وطبقتُه، وتوفي ببغداد وكان ثقة (٥). محمد بن محمد ابن إدريس، أبو عثمان الشافعيّ، ولي قضاء الجزيرة، وحدَّثَ هناك. واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل، فقال له: أبوك من الستَّةِ الذين أدعو لهم وقت السَّحر. وللشافعيِّ رحمةُ الله عليه ولدٌ آخر اسمه محمد، توفي صغيرًا بمصر سنةَ إحدى وثلاثين ومئتين.

стр. 6932

سمعَ صاحبُ هذه الترجمة أباه والإمام أحمد وغيرهما، وكان ثقةً (١). أبو غياث المكي مولى جعفر بن محمد قال أبو جعفر محمدُ بن جرير الطبريّ: كنت بمكَّة [في] سنة أربعين (٢) [ومئتين]، فرأيت خُرَاسانيًّا ينادي: يا معشر الحُجَّاج، من وجد هِميانًا فيه ألفُ دينار فردَّه [عليَّ] أضعفَ الله له الثواب، [قال:] فقام إليه شيخ من أهل مكَّة كبير من موالي جعفر بن محمد، فقال [له:] يا خراسانيّ، بلدُنا فقيرٌ أهلُه، ضعيف حالُه، أيَّامه معدودةٌ، ومواسمُه منتظَرة، [و] لعله يقعُ بيد رجلٍ مؤمنٍ يرغبُ فيما تبذلُه حلالًا يأخذه، ويردُّه عليك، فقال الخراسانيُّ: وكم يريد؟ فقال: عُشرهُ، مئة دينار [ويردُّه]، قال: لا أفعل، وأحيلُه على الله تعالى، وافترقا. قال الطبري: فوقع لي أنَّ الشيخَ [صاحب القريحة، و] الواجد للهميان، وكان كما ظننت، فأتى بابًا فدخله وقال: يا لبابة، فقالت: لبَّيك يا أبا غياث، فقال: قد وجدتُ صاحب الهِميان، وأخبرها بما جرى، ثمَّ قال: ولا بدَّ من ردِّه، فقالت: نُقَاسي معك الفقر منذ خمسين سنة، ولك أربعُ بنات وأختان وأنا وأمي، وأنت تاسعُ القوم، أشبِعنا واكسُنا، فلعلَّ الله يغنيك فتعوِّضه، فقال: لستُ أحرقُ حشاشتي بعد ستٍّ وثمانين سنةً بالنار. قال: وانصرفت، فلمَّا كان من الغد، إذا بالخراساني يقول: يا معاشر الحُجَّاج ووفد الله من [الحاضر والبادي] (٣)، من وجدَ هِميانًا فيه ألفُ دينار وردَّه أضعفَ الله له الثواب، فقام الشيخ فقال: يا خراسانيّ، قد قلتُ لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله قليلُ الزرع والضرع، وقلتُ لك: تدفعُ إلى واجده عشره مئة دينار، فأبيتَ، فادفع له عشرةَ دنانير، فقال [الخراساني:] لا أفعل، وأحيلُه على الله. فلما كان اليوم الثالث قال الخراساني مثلَ مقاله الأوَّل، وأجابه الشيخ بمثل ذلك،

стр. 6933

حتى اقتصر على دينار، وقال: أشتري بنصفه قِربةً أستقي [عليها] (١) الماء، وأشتري بالنصف الآخر شاة أحلبُها غداءً لعيالي (٢)، فقال الخراسانيُّ: لا أفعل، وأحيلُه على الله تعالى، فجذَبه الشيخُ وقال: تعال، خذ هِميانَكَ وأرحنَا منه (٣)، ومشى الشيخ [وتبعه] (٤) الخراسانيُّ. قال الطبري: وكنت أكتبُ كتاب "النسب" للزبير بن بكَّار فتركتُ الكتابةَ، وقمتُ فمشيت خلفهما، [فدخل الشيخ بيته، ودخل الخراسانيُّ، ودخلت خلفهما]، فأتى الشيخُ إلى الدرجة، فنبش تحتها وأخرج الهِميان، أسود من [خرق] (٥) غلاظٍ بخارية، وقال: هذا هميانُك؟ قال: نعم، ففتحَه وصبَّه في حجره، وقلَّبَه وأعاده، وقام فحملَه على عاتقه، ثمَّ أراد الخروج، فلمَّا بلغَ باب الدار، رجع وقال للشيخ: يا شيخ، مات أبي، وترك ثلاثة آلاف دينار، وقال لي: أخرج ثلثها في أحقِّ الناس من الفقراء، والله ما رأيتُ منذ خرجت من خراسان إلى هاهنا رجلًا هو أحق منك بها، فخذ الهِميان، بارك الله لك [فيه]، ثمَّ خرج الخراسانيُّ، وخرجت بعدَه، فعدا أبو غياث [فلحقني] (٦) وردَّني، وكان شيخًا كبيرًا معصوب الحاجبين، فقال: إلى أين؟ اجلس، فقد عرفتَ خبرنا وأتيت أوَّلَ يومٍ واليوم، وقد سمعتُ أحمد بن يونس اليربوعيّ يقول: سمعتُ مالكَ بن أنس يقول: سمعتُ نافعًا يقول: سمعتُ عبدَ الله بن عمر يقول: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول لعمر وعليّ: "إذا أتاكما الله بهديَّةٍ بغير مسألةٍ ولا استشرافِ نفسٍ فاقبلاها ولا تردَّاها"، وهذه هديَّةٌ من الله تعالى، والهديَّةُ لمن حضر، [ثم صاح:] يا لبابة ويا فلانة ويا فلانة، فحضر بناتُه وأخواتُه وزوجتُه وأمُّها، فصرنا عشرة، فحل الهِميان، وقال: ابسطوا حجوركنَّ، وما كان لهنَّ قميصٌ، وأقبلَ يعدُّ دينارًا دينارًا، فأصاب كلَّ واحدٍ مئةُ دينار، [وأعطاني مئة دينار،] وقال: إنَّه حلالٌ، فاحتفظ به.

стр. 6934

قال الطبريُّ: ووسَّع الله عليَّ، فاشتريتُ الورقَ وغيره، وسافرتُ، [فغبتُ] عن مكَّة إلى سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، فسألتُ عن الشيخ، فقالوا: ماتَ بعد ذلك بشهور، يعني في سنة إحدى وأربعين ومئتين، ووجدتُ بناته ملوكًا تحت ملوك، فكنتُ بعد ذلك أنزلُ على أزواجهنَّ وأولادهنَّ، وأحدثهم حديثَ الهميانِ فيأنسونَ بي ويكرموني (١). * * *

стр. 6935

السنة الثانية والأربعون بعد المئتين [قال الطبري: و] فيها كانت زلازلُ هائلةٌ بقُوْمِس ورَسَاتيقها في شعبان، فهُدِمت الدور، ومات من الناس مما (١) سقطَ [عليهم] من الحيطان وغيرها بشرٌ كثيرٌ، ذُكِرَ أنَّ عدَّتَهم بلغت خمسةً وأربعين ألفًا وستةً وتسعين إنسانًا، وكان أعظم ذلك بالدَّامَغَان. [قال:] وذُكِرَ أنَّه كان بفارس وخراسان والشام في هذه السنة زلازلُ وأصواتٌ منكرة، وكان باليمنِ أيضًا مثلُ ذلك مع خسفٍ كان بها. [وهذا قولُ الطبريّ.] (٢) وقال محمد بن حبيب الهاشمي: [و] في شعبان زلزلت الدَّامَغَان، فسقطَ نصفُهما على أهلها، وسقطت بلدان كثيرة على أهلها، وسقط نحوٌ من ثلثي بِسْطَام، وزلزلت الرَّيّ، وجُرْجَان، وطَبَرستان، ونَيسابور، وأصبهان، وقُف، وقاشان، وذلك كلُّه في وقتٍ واحد، وتقطعت جبالٌ ودنا بعضُها من بعض، ونبع الماء من موضع الجبال، وسمع الناس [من السماء] أصواتًا عالية، وانشقَّت الأرضُ شقوقًا، كلُّ شقِّ بمقدار ما يدخل الرجلُ فيه. ورُجِمت قريةٌ [يقال لها:] السويداء بناحية مُضَر (٣) [بخمسة أحجار]، ووقع منها حجر على خيمة أعرابي، فاحترقت، ووُزِن حجرٌ منها فكان عشرة (٤) أرطال، فحمل منها أربعةٌ إلى الفُسْطَاط (٥) وحجرٌ إلى تِنِّيس. وسار جبلٌ في اليمن عليه مزارعُ لأهله حتى أتى مزارع آخرين، فصار فيها. وسقطت صاعقةٌ بالبردان، فأحرقت رجلين، وأصابت ظهرَ ثالث، فاسودَّ منها، وسَقطت في الماء.

стр. 6936

[قال ابن حبيب أيضًا: وحكي عن ابن أبي الوضاح (١) أن طائرًا دون الرَّخَمَة وفوق الغراب، أبيض، وقع على دُلْبة ببلد حلب،] (٢) لسبع ليال مَضين (٣) من رمضان، فصاحَ: يا معاشرَ الناس، اتقوا الله، الله، الله، فصاح أربعين صوتًا، ثم طار، وجاء من الغدِ فصاحَ كذلك أربعين صوتًا، وكتبَ صاحبُ البريد بذلك، وأشهدَ خمس مئة إنسان أنَّهم سمعوه. [قال:] ومات رجلٌ في بعض كور الأهواز في شوَّال، فسقطَ طائرٌ أبيض على جنازته، فصاح بالفارسيَّة أو بالحوزية (٤): إنَّ الله قد غفرَ لهذا الميِّت ولمن شهده. وقيل: إنَّ هذه الأهوال إنَّما ظهرت في السنة الماضية [التي مات فيها أحمد بن حنبل] (٥). وفي شوال قتل المتوكل رجلًا عطَّارًا كان نصرانيًّا وأسلم (٦)، فمكثَ مسلمًا سنين كثيرةً، ثمَّ ارتدَّ، فاستُتيب، فأبى أن يرجعَ إلى الإسلام، فضرب عنقه، وأُحرِقَ (٧) بباب العامَّة. وفيها خرجت الرُّوم من ناحية شِمشَاط (٨) إلى الجزيرة وبلاد آمِد وربيعة، وكان عليُّ بن يحيى الأرمني قد غزا الصائفة في العام الماضي، فقتلَ وسبى، فخرجت الروم في إثره، فقتلُوا وسبَوا وأسروا نحوًا من عشرة آلاف إنسان، ورجعُوا إلى بلادهم. [وفيها في رجب مات القاضي أبو حسان الزيادي قاضي الشرقية ببغداد، ومات

стр. 6937

أيضًا الحسن بن علي بن الجعد قاضي مدينة المنصور] (١). وحج بالناس عبدُ الصَّمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام [بن محمد بن عليِّ (ابن عبد الله) بن عباس] (٢)، وهو والي مكَّة، وحجَّ من العراق جعفر بن دينار، وهو والي طريقِ مكَّة وأحداث الموسم، وحجَّ [أيضًا] من البصرة إبراهيمُ بن مطهر بن سعيد الكاتب الأنباريّ على عَجَلَةٍ تَجرُّها الإبل، وكان ذلك من أعجبِ ما رآه الناس (٣). [فصل:] وفيها توفي الحسن بن [عثمان] ابن حماد بن حسَّان، أبو حسَّان الزياديُّ، [القاضي] البغدادي. رحل إلى الأمصار في طلب [العلم و] الحديث، [ويعدُّ في أصحاب الواقدي. وقال الخطيب:] كان أحدَ الأفاضل العلماء، صالحًا ديِّنًا، عفيفًا كريمًا، جوادًا مفضالًا، من أهل الثقة والمعرفة والأمانة، وليَ القضاء بالشرقية ببغداد [بعد محمد بن عبد الله بن المؤذِّن] في أيام المتوكل، [سنة إحدى وأربعين ومئتين،] وصنَّف الكتب، وكان فهمًا، وله معرفةٌ بأيَّام الناس، وله تاريخ حسن (٤). [وكان جوادًا] ولما قدم الشافعيُّ رحمةُ الله عليه بغداد نزل عليه، فأقامَ عنده سنة في أحسن حال، [فلمَّا كان بعد السنة] استأذنه (٥) الشافعيُّ ﵀ في الخروج إلى المدينة، فوجَّه الزياديُّ إلى ستَّةٍ من إخوانه ستَّ رقاع يعرفهم ذلك، فما رجعت رقعةٌ منها إلَّا ومعها ألف دينار، فغضب [أبو حسان] الزياديّ، وقال: لا يزالُ الناس في تناقص من (٦) أفعالهم في حقِّ إخوانهم، ودَفَعَ الدنانيرَ إلى الشافعيِّ ﵀، فأخذَها

стр. 6938

وانصرف (١). [قلت: رحمةُ الله على الزياديّ، لو كان في زماننا هذا وبعثَ ستَّ رقاع إلى ست من الأعيان ما رجع مع كلِّ رقعةٍ ولا درهم]. وقد زعم بعضُ الناس أنه من ولد زياد بن أبيه. وليس كذلك، وإنما تزوج أحد أجداده أمَّ ولدِ زياد، فقيل له: الزيادي (٢). وتاريخُه حسنٌ، جمعَ فيه طُرفًا من أخبار الناس، وكان يقول: لم يُستَعَنْ على الكَذَّابين بمثل التاريخ، [يُقالُ للشيخ، كم سنُّك، وفي أيِّ سنةٍ ولدت؟ فإذا أقرَّ بمولدٍ عرفنا صِدقه من كذبه (٣). قال أبو حسان:] فأنا أعملُ في التاريخ منذ ستين سنة. وقال الخطيب: رَأى ربَّ العزة في المنام، فقال له الحربيُّ: بلغني أنَّك رأيتَ ربَّ العزَّة في المنام، فقال: نعم، رأيتُ نورًا عظيمًا لا أقدرُ أن أصفه، ورأيتُ [فيه] شخصًا يُخَيَّلُ لي أنه رسولُ الله ﷺ ، وكان يشفع في أمته، وسمعت قائلًا يقول: ألم يَكفك أنِّي أنزلتُ عليك في سورة الرعد: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الآية: ٦] ثم انتبهت (٤). [ذكر قصته مع الخراساني: قال الخطيب وإسناده عن أبي سهل الرازي قال:] (٥) حدثني أبو حسان الزياديّ قال: أضقتُ إضاقةً شديدةً حتى ألحَّ عليَّ القصَّابُ والخبَّازُ والبقالُ وسائر المعاملين، فبينا أنا ذاتَ يومٍ مفكِّر في حالي، إذ دخلَ الغلام فقال: حاجي من أهل خراسان على الباب يستأذنُ عليك، فأذنتُ له، [فدخل] فسلَّم وقال: أنا رجلٌ غريبٌ أريدُ الحجَّ، ومعي عشرةُ آلاف درهم، وأريدُ أن أودعَها عندك إلى أن أحجّ وأعود، فقلت: نعم،

стр. 6939

فأحضرَها وخرج بعد أن وزنَها وختمَها، فلمَّا خرج فتحتُها، وفرَّقتُها في المعاملين، وقلت: إذا عاد قضيتُه، وإلى أنْ يعود يفرِّج الله، واتَّسعتُ بها، وزال ضيقي، وأنا لا أشكُّ في خروج الخراساني إلى الحج، فلمَّا كان من الغد وإذا به على الباب، فدخل وقال: إنِّي كنتُ عازمًا على الحجّ على ما عَرَّفتُك، فوردَ عليَّ الخبرُ بوفاة والدي، وقد عزمتُ على الرجوع إلى خراسان، وأريدُ المال، قال: فوردَ عليَّ أمرٌ لم يرد (١) عليَّ مثلُه أقط،، وتحيَّرتُ ما أقول له؟ فخطرَ لي أن قلت له: إنَّ منزلي هذا ليس بحرز، ولمَّا أخذتُ المال منك، بعثتُ به إلى مكان حريز، فتعودُ في غدٍ [لتأخذه]، فانصرف، وبقيتُ متحيِّرًا لا أدري كيف أصنع [إن جحدته استحلفني وافتضحت، وإن دافعتُه صاحَ وهتكني]، وبقيت (٢) ليلتي لم أعرف الغمضَ [فيها]، فلمَّا طلعَ الفجر ركبتُ بغلتي وأطلقتُ عنانَها، ولا أدري أين أتوجَّه، فعبرَت في الجسر، وأنا لا أمنعُها، وأخذَتْ بي نحوَ دار المأمون، وإذا بفارسٍ قد تلقَّاني، والدُّنيا بعد ظلمة، فنظرَ في وجهي، ثم مضى وتركني، ثمَّ رجع وقال: ألستَ الزيادي؟ قلت: بلى، قال: أجب الأميرَ الحسن بن سهل، [فقلتُ في نفسي: وما يريدُ الحسن منِّي؟] فسرتُ معه حتى دخلنا عليه وهو جالس، فقال: أبا حسان، ما خبرُك، وما حالك، ولم انقطعت عنا؟ فأخذتُ أعتذر [إليه بأسباب] (٣)، فقال: دع عنك هذا، فإنِّي رأيتك البارحة في النوم وأنتَ في تخليطٍ كثير، فشرحتُ له حالي وحديثَ الخراسانيّ، فقال لي: قد فرَّجَ الله عنك، فهذه بدرةٌ للخراسانيِّ، وبدرةٌ تتَّسعُ بها، وإذا نفدت أعلمنا حتى نوسِّع عليك. فقبضتُ البدرتين، وقضيتُ الخراسانيَّ، واتَّسعتُ، وفزَج الله تعالى (٤). توفِّي أبو حسَّان في رجب، وله تسعٌ وثمانون سنة، وأسندَ عن الوليد بن مسلم، وسفيان بن عيينة، وغيرهما، وروى عنه الباغَنْديُّ وغيره، وكان صدوقًا ثقةً (٥).

стр. 6940

الحسنُ بن عليّ بن الجَعد الجَوهريُّ، القاضي الحنفي، مولى أم سلمة زوجة السفاح. ولي قضاء المدينة للمنصور سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين ووالده عليٌّ حيّ. وكان الحسنُ ذا مروءة، ومات هو والزياديُّ في وقت واحد، فقال ابن أبي حكيم: [من الخفيف] سُرَّ بالكرخِ والمدينة قومٌ … مات في جُمعةٍ لهم قاضيانِ لهفَ نفسي على الزياديِّ حقًّا … لهفَ نفسي على فتى الفتيانِ (١) [وفيها توفي] عبد الله بن أحمد ابن بَشير بن ذَكْوَان، [أبو محمد،] إمامُ جامع دمشق. [ذكره الحافظ ابن عساكر (٢) فقال:] كان يسكن بدرب الهاشميين بدمشق. [وقرأ القرآن على أيوب بن تميم، ثم قرأ عليه محمد بن موسى بن عبد الرحمن الدمشقي]. وقال أبو زُرْعة الدمشقيّ: لم يكنْ بالشامِ ومصرَ والعراق والحجاز أقرأ من ابن ذكوان. ولد سنة ثلاث وسبعين ومئة ومات يوم عاشوراء. [حكاية عجيبة] وقال ابن عساكر: [عن أبي الحسن الغَسَّانيّ قال:] جاء رجلٌ من قرية الحُرجُلَّة قد زَوَّج أخاه، [وجاء] بطلبِ اللاعبين يلعبون في عرسه، فوجدَ السلطان قد منعهم، فجاء يطلبُ المغبِّرين (٣) -يعني الذين ينشدون الأشعار- فقال لرجلٍ من الصوفيَّة: دُلَّني على

стр. 6941

المغبِّرين، وكان الصوفيُّ ماجنًا، وكان [عبد الله] بن ذَكْوان جالسًا في مقصورة المنبر بجامع دمشق، فأشار الصوفيُّ إليه وقال: ذاك رئيسُ المغبِّرين، فجاء الرجلُ إلى ابن ذَكْوان، فسلَّم عليه وقال: أنا رجلٌ من أهل الحُرجُلَّة، [فقال: حيَّاك الله، فقال:] وإنَّ أخي عملَ عرسًا، قال: باركَ الله له فيه، قال: فإنَّه أرسلني أطلبُ له اللاعبين، فقالوا: قد منعَهم السلطان، فقال: قد أحسنَ وأجملَ في منعهم، فقال: وقال لي: [و] إن لم تصبهم فأحضر المغبِّرين، وقد أُرشدتُ إليك، فقيل لي: إنَّك رئيسُهم، فقال ابن ذكوان: لنا رئيسٌ، فإن مَضَى معك جئنا، فقال: وأين هو، فأشارَ إلى هشام بن عمار، وكان جالسًا عند المحراب، فجاء الرجل [إلى هشام] فسلَّم عليه وقال: أنا من أهل الحُرجُلَّة، فقال هشام: ما أبالي من أين كنت، فقال: إنَّ أخي محمل عرسًا، قال: فأيش أعملُ به؟! فقال: وقد أرسلني في طلب اللعَّابين، فقال: لا بارك الله فيك ولا فيهم، فقال: وقال لي: إن لم تجد اللعَّابين، فأحضر المغبِّرين، وقد سألتُ عنهم، فقيل لي: إنَّك رئيسُهم، فقال هشام: من دلَّك عليَّ؟ قال: ذاك المجالس، وأشار إلى ابن ذكوان، فقال: قبحك الله وقبَّحَ من دلَّكَ [عليَّ]، ثمَّ قام هشام إلى ابن ذَكْوان وقال له: أَوَقَدْ تفرَّغت لذلك؟! قال: نعم، أنت شيخُنا ورئيسُنا، لو مشيتَ معه لمشينا (١). [فصل: وفيها توفي] محمد بن أسْلَم بن سَالم أبو الحسن الطوسيُّ، الزاهد العابد، كان يشبَّه بالصحابة. قال إسحاق بن راهويه وكان صديقه: كان يخدمُ نفسَه وعياله ويستقي (٢) من النهر بالجرار في اليوم البارد، وإنا مَرِضَ لا يُخبر بعلَّته [أحدًا] ولا يَتداوى (٣). و [قال إسحاق:] لم أسمع بعالمٍ منذ خمسين سنة كان أشدَّ تمسُّكًا بأثرِ رسول الله ﷺ منه.

стр. 6942

ورَوى أبو نعيم الحافظ عنه أنَّه كان يقول: ما لي ولهذا الخلق، كنتُ في صلب أبي وحدي، ثم صرتُ إلى بطن أمي وحدي، [ثم خرجتُ إلى الدنيا وحدي، ثم تُقبضُ روحي وحدي،] ثمَّ أصير في قبري وحدي، ويأتيني منكرٌ ونكير وحدي، ثمَّ أصيرُ إلى القيامة وحدي، فأنا أحاسَبُ وحدي، ويوضع عملي في ميزاني وحدي، [وإن دخلتُ الجنَّة دخلتُها وحدي،] فمالي وللناس (١). وقال محمد بن القاسم: صحبتُه نيِّفًا وعشرينَ سنة، لم أرهُ يصلِّي تطوعًا إلَّا ركعتي الجمعة، ولا يقرأ ولا يسبِّحُ حيث أراه، وسمعته يحلفُ مرارًا: لو قَدرتُ أن أتطوَّعَ حيث لا يراني ملكاي لفعلت (٢). وكان [يدخل] بيتًا صغيرًا فيبكي، فإذا أرادَ الخروجَ غَسَل وجهه واكتحل، فلا يُرى عليه أثرُ البكاء، وكان يبعثُ إلى أقوامٍ بعطاءٍ وكسوة من الليل، ولا يعلمون من يأتيهم بذلك (٣). [قال: وكانت وفاته في] هذه السنة (٤)، ودُفن إلى جانب صديقه إسحاق بن راهويه، وصلى عليه نحو (٥) من ألف ألف نفر. أسند عن الحُميديِّ، ويَزيد بن هارون، [وقَبيصة، وسعيد بن منصور،] وخلق كثير، واشتغلَ بالعبادة عن الرواية. [وفيها توفي محمد بن رمح بن المهاجر أبو عبد الله التُّجِيبيُّ البصريُّ. رأيت له بقَرافة مصر مسجدًا حسنًا يقال له: مسجد ابن رمح. وكان موسرًا فاضلًا.

стр. 6943

حَكى عن مالك بن أنس (١)، والليثُ بن سعد، وابن لَهِيعة، وتلك الطبقة. وتوفي في شوال هذه السنة، ورُوي عنه الحديث، وكان ثقةً.] (٢) محمد بن عبد الله ابن عمَّار بن سَوَادة، أبو جعفر المُخَرِّميّ. ولد سنةَ اثنتين وثلاثينَ ومئة (٣)، وماتَ في هذه السنة، وكان تاجرًا مُوسرًا من أهل الفضل. قدمَ بغداد، فحدَّثَ بها عن سفيان بن عُيينة وغيره، وكان ثقةً مأمونًا صدوقًا (٤). * * *

стр. 6944

السنةُ الثالثة والأربعون بعد المئتين فيها خرج المتوكِّل من سامرَّاء لعشرٍ بقين من ذي الحجَّة يريدُ دمشق، فضحَّى (١) ببلد، [وقال أبو سليمان بن زبر: سبب قدوم المتوكل دمشق] (٢) أنَّهم وَصفوا له أنهارَها وقصورَها ومستنزهاتها، فلمَّا رآها أعجبته، فنقل إليها أهله ودواوينه، وعزمَ على المُقَام بها، وشرع في بناء قصرٍ بداريا، وكان ابنُه المنتصر بسامرَّاء، ويقال: إنَّه قال ليزيد بن محمد المهلبيّ: اعملْ شيئًا يَردُّ أميرَ المؤمنين إلى العراق، فعمل: [من الوافر] أظنُّ الشامَ تَشْمَتُ بالعراقِ … إذا عزمَ الإمامُ على انطلاقِ فإن تدعِ العراقَ وساكنيهِ … فقد تُبلَى المليحةُ بالطَّلاق (٣) وبعث [محمد] المنتصر بهما إلى بعضِ القيان تغنِّي بهما بين يدي المتوكِّل. وقيل: إنَّ المنتصر زادَ فيهما: [من الوافر] يقول محمدٌ تفديكَ نفسي … أمَّا تُبقي عليَّ من الفراقِ فإنْ تظعنْ وتتركني مقيمًا … فلستُ أسرُّ إلَّا بالتَّلاقِ فلمَّا سمعَ المتوكِّل الأبياتَ، ذكرَ العراق، فعزمَ على الرجوع، وخرجَ إلى الصيدِ فأرادَ جماعةٌ من مماليكه قتلَه، فعاد إلى سامرَّاء، [فكان خروجُه منها -كما ذكرنا- في ذي القعدة، ثم عاد إليها] في صفر سنةَ أربعٍ وأربعين [ومئتين]، وكانت غيبتُه عن العراق ثلاثةَ أشهرٍ وأيامًا. وقال الطبريُّ: إنَّما دَخل [المتوكِّلُ] دمشق في صفر سنة أربعٍ وأربعين (٤)، لما نذكرُ إن شاء الله تعالى. [فصل:] وحجَّ بالناس عبد الصمد بن موسى [أيضًا]، وخرجَ بالحجِّ من بغداد جعفر

стр. 6945

ابن دينار، [وهو] والي طريق مكَّة (١). وفيها توفي إبراهيم بن العبَّاس ابن محمد بن صُول، أبو إسحاق الكاتب، مولى يزيد بن المُهَلَّب، أصلُه من خُرَاسَان، كان من أفصح الكُتَّاب وأرقِّهم نثرًا ونظمًا، وكان صُول جدُّ أبيه وفيروز أخوين تركيين ملِكين بجُرجان يدينان بدين المجوسية، فلمَّا دخل يزيد بن المهلَّب جُرجان أمنهما، فأسلم صُول على يده، ولم يزل معه حتى قُتِل. ومن شعر إبراهيم بن العباس: [من البسيط] كم قد تَجرَّعتُ من حُزْنٍ ومن غُصَصٍ … إذا تجدَّدَ حُزنٌ [هوَّن] (٢) الماضي وكم غضبتُ فما بَاليتُم غضبي … حتى رجعتُ بقولٍ (٣) ساخطٍ راضي أخذهُ من قول العبَّاس بن الأحنف خاله: [من الطويل] تعلَّمتُ ألوانَ الرضا خَوْف هجره … وعلَّمه حبِّي له كيف يغضبُ ولي ألفُ باب (٤) قد عرفتُ طريقها … ولكن بلا قلب إلى أين أذهبُ وتوفِّي إبراهيمُ في شعبان بسامرَّاء (٥). ومن رواياته: عن عليِّ بن موسى الرِّضا لمَّا قدم خُرَاسان أنه قال: سألت أبي موسى بن جعفر (٦): ما بالُ القرآن لا يَزدادُ على الدَّرس والنَّشرِ إلَّا مَلَاحةً؟ فقال: لأنَّ الله تعالى لم يجعله لزمانٍ دون زمان، ولا لناسٍ دون ناس، فهو في كُلِّ زمانٍ جديد، وعند كلِّ قوم غضٌّ إلى يوم القيامة (٧).

стр. 6946

أحمد بن سعيد أبو عبد الله، الرِّبَاطِيّ المروزيّ. قدم بغداد في أيام الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وجالسَ العلماء وذاكرَهم، قال: لما قدمتُ بغداد جئتُ إلى أحمد بن حنبل فجعلَ لا يرفعُ رأسَه إليَّ، فقلت: يا أبا عبد الله، إنَّه يُكْتَب الحديثُ عنِّي بخُرَاسان، فإن عاملتَني بهذه المعاملة رموا بحديثي، فقال: يا أحمد هل تدر أن يقال يوم القيامة (١): أين عبدُ الله بن طاهر وأتباعه؟ فانظر كيف تكون منه، قلت: إنَّما ولَّاني أمرَ الرباط، فلذلك دخلتُ معه، فجعل يكرِّرُ القولَ عليَّ. سمع وَكيع بن الجرَّاح، وعبدَ الرزاق، وخلقًا كثيرًا، وروى عنه البخاريُّ ومسلم في الصحيحين وغيرهما. وكان عالمًا فاضلًا ثقة صدوقًا (٢). الحارثُ بن أسد أبو عبد الله المُحَاسِبيُّ، أصلُه من البصرة، وسكن بغداد، وكان من جِلَّة المشايحِ، عارفًا بعلم الباطن والظاهر، والأصول والمعاملات والإشارات، جمعَ بين العلوم والحقائق، وله التصانيف المشهورة. وقيل: سمِّي المحاسبي لأنَّه كان يحاسبُ نفسَه دائمًا، وهو أستاذُ أكثر البغداديين. وقال الجنيد: كان أبوه أسد واقفيًّا قدريًّا، مات وتركَ تسعين ألف (٣) درهم، فلم يأخذ الحارثُ منها درهمًا واحدًا، وكان محتاجًا إلى دانق فضَّة. وقال: قد صحَّت الروايةُ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أهل ملَّتين لا يتوارثان" (٤) فعوَّضهُ الله تعالى أنَّه إذا مدَّ يده إلى طعامٍ فيه شبهةٌ تحرَّك في إصبعه عِرْقٌ، فلا يتناول منه.

стр. 6947

وقال الجنيد: مرَّ بي يومًا وأنا جالسٌ على الباب، فرأيتُ في وجهه أثرَ الجوع، فقلت: يا عم، لو ملتَ إلينا، فدخلَ الدار، فقمتُ ودخلتُ بيتَ عمي، فأتيتُه بأنواع الأطعمة من عرسٍ حُمِلَ إليهم، فمدَّ يده فأخذ لقمةً فدفعها (١) إلى فيه، وجعل يلوكها [ولا] يزدردُها، وقام وخرج وما كلَّمني، فلقيتُه من الغد، فقلت له: يا عم، سررتني ثم نغصتني، فقال: يا بنيّ، أمَّا الفاقة فكانت [شديدة، وقد اجتهدتُ في أن أنال من الطعام الذي قدَّمته إليَّ، ولكن] (٢) بيني وبين الله علامةٌ، إذا لم يكن الطعام مرضيًّا، ارتفع إلى أنفي منه زفرةٌ (٣)، فأصابني أمس كذلك، وقد رميتُ اللقمةَ في دهليزكم وخرجت، فقدَّمتُ إليه كسرًا يابسةً، فأكلَ منها، وقال: إذا قَدَّمت إلى فقيرٍ منها شيئًا، فقدِّم مثلَ هذا. ذكر نبدة من كلامه قال: ثلاثةٌ عزيزةٌ أو معدومة؛ حسنُ الوجه مع الصِّيانة، وحسن الخُلُق مع الدِّيانة، وحسنُ الإخاءِ مع الأمانة. وقال: العلمُ يورِثُ المخافة، والزهد يورث [الراحة] (٤)، والمعرفةُ تورث الإنابة. وخيارُ هذه الأمَّة الذين لا تشغلهم آخرتُهم عن دُنياهم، ولا دنياهُم عن آخرتهم. ومن حَسُنت معاملتُه في الظاهر مع جهد باطنه، أورثَه الله الهداية إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الجنيد: كنتُ أقولُ كثيرًا: عزلتي أنسي، فقال لي الحارث: كم تقول هذا؟! لو أنَّ نصفَ الخلق قَرُبوا منِّي ما وجدتُ بهم أنسًا، ولو أنَّ النصفَ الآخر نأوا عنِّي ما استوحشتُ لبعدهم.

стр. 6948

وقال: صفةُ العبودية أن لا ترى لنفسك إزاره (١). وقال: التسليمُ هو الثبوتُ عند نزولِ البلاء، من غير تغيُّرٍ في الظاهر والباطن. وقال: لكلِّ شيءٍ جوهر، وجوهرُ الإنسان العقل، وجوهرُ العقل العملُ بحركات القلوب في مطالعات الغيوب، وذلك أشرفُ من العمل بحركات الجوارح (٢). وقال: إذا أنت لم تسمع بالحقِّ كيف تجيب داعيه الجوارحُ؟! وقال: القانعُ غنيٌّ وإن جاع، والحارصُ فقيرٌ وإن ملك. وقال: لم تزل العارفونَ تحفرُ الخنادقَ خنادق الرضا، ويغوصونَ في بحار الرجا، يستخرجونَ جواهر الصفا، [حتى (٣)] وصلُوا إلى الله تعالى في السرِّ والخفا. وقال: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من أنبيائه: بعيني ما يتحمَّل المتحمِّلون من أجلي، وما يريد (٤) المكابدون في مرضاتي، فغدًا أكشفُ لهم الحجابَ عن وجهي، فليبشر المصفُّون أعمالهم بالنعيم المقيم، أفتراني أنساهم عملًا (٥)، وأنا أجودُ على المولِّينَ عني؟ فكيف بالمقبلين عليّ؟ وما غضبتُ من شيء كغضبي (٦) على من أخطأ ثم استعظمَ ذلك في جنب عفوي، ولو عاجلتُ أحدًا لعاجلتُ القانطين من رحمتي. وقال: الصادقُ هو الذي لا يبالي لو خرجَ كلُّ قدرٍ له في قلوب الخلق من أجل إصلاحِ قلبه، ولا يحبُ أن يطَّلعَ الناسُ على مثاقيل الذرِّ من [حسن] (٧) عمله. وسئل عن الإنس فقال: التوحُّشُ (٨) من الخلق.

стр. 6949

وصنَّفَ كتبًا كثيرةً من الزهديات والإشارات وعلوم المعاملات، قال: ولما صنَّفتُ (١) كتاب المعرفة أعجبتُ به، فبينا أنا أنظرُ فيه يومًا متعجِّبًا منه ومستحسِنًا له، إذ دقَّ الباب داق، فقلت: من؟ فقال: فقير، فأذنتُ له، فدخل رجلٌ عليه ثيابٌ [رثَّة]، فقال: يا أبا عبد الله، المعرفةُ حقُّ الحقِّ في الخلق، [أو حقُّ] (٢) الخلق على الحقِّ؟ [فقلت له: حقٌّ على الخلق للحقّ، فقال: هو أولى أن يكشفَها لمستحقِّها، فقلتُ: بل حقٌّ للخلق على الحق] (٣) فقال: هو أعدل [من] أن يظلمَهم (٤) ثم قام وخرج، فأخذتُ الكتابَ فحرقته. وقال إسماعيل بن إسحاق السراج: كان الإمامُ أحمد بن حنبل ينكر على الحارث كلامَهُ في علوم الصوفية، فقال لي يومًا: بلغني أنَّ الحارثَ يتردَّدُ إلى بيتك، فلو أحضرتَه مجلسَك وأجلستني من حيث لا يراني لأسمعَ كلامه، فقلت: نعم، فأجلستُه في مكانٍ بحيث لا يراه الحارث، وهو يرى الحارث، فجاء الحارثُ وأصحابُه فجلسوا، والإمام أحمد في غرفة، وقُدِّم إليه الطعام، فشرعَ الحارثُ يتحدَّث مع أصحابه، فقال أحمد: هذا من السُّنَّة، فلما فرغوا غسلُوا أيديَهم، وحضرت العتمة فصلَّوا، ثمَّ أمر الحارث قارئًا يقرأ آياتٍ من القرآن، فبكى الحاضرون، وقعدوا بين يدي الحارث كأنَّ الطير على رؤوسهم، وهم سكوت، فسألَه بعضُهم عن مسألةٍ، فأجاب عنها من الكتاب والسنَّة، وجعل بعضُهم يبكي، وبعضُهم يصيح، وبعضهم يئنُّ ويتأوه. قال إسماعيل: فصعدتُ الغرفةَ لأتعرَّف أخبارَ الإمام أحمد بن حنبل، وإذا به يبكي وقد كاد أن يُغْشَى عليه، فقلت: كيف رأيتَ؟ فقال: ما أعلمُ أنِّي رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علوم الحقائق مثل هذا الرجل، ولا أنكر من [هذا شَيئًا] (٥)، ومع هذا فإنِّي لا أرى لك صحبتَهم (٦).

стр. 6950

وقال الخطيب: كان أحمدُ ينكر على الحارث خوضَهُ في علوم الكلام، ويصدُّ الناس عنه (١). وهجرَه أحمد فاختفَى في دارٍ ببغداد، فماتَ فيها ولم يصلِّ عليه إلَّا أربعة نفر (٢). قال المصنِّف ﵀: وكان الذي ينكره الإمام أحمد عليه كلامَه في الأصول، أمَّا غيره من علوم الحقائق (٣). والإمام أحمد ﵀ ماتَ قبل الحارث بمدَّةٍ على ما ذكرنا. وقال الحارث: جلستُ ليلةً في محرابي، فإذا بفتًى من أحسن الناس وجهًا، طيِّبِ الرائحة، فسلَّمَ عليَّ وقعدَ بين يديّ، فقلت: من أنت؟ فقال: واحدٌ من السائحين، أقصد المتعبدين في مَحاريبهم (٤)، ثم قال: ما أرى لك اجتهاد، فإيش عملك؟ فقلت: كتمانُ المصائب واجتلاب الفوائد، فصاح صيحةً عظيمةً وقال: ما أظنُّ أحدًا بين جنبي المشرق والمغرب بهذه الصفة، فأردتُ أن أزيدَه فقلت: أما علمتَ أنَّ أربابَ الأحوال يتحمَّلون الأثقال ويكتمون الأسرار، فصاح صيحةً أخرى وغُشِيَ عليه، فلمَّا أفاق قام فدخل على المأمون، فقال: من أنت؟ فقال: رجلٌ من السياحين [فكرت فيما عمل الصدِّيقون قبلي] (٥) فلم أر موعظةً أفضل من موعظة جبَّارٍ ظالم، وأنت والله ظالمٌ، وأنا ظالمٌ إن لم أقل لك: يا ظالم، فأمرَ به المأمونُ فقتل، قال: فبتُّ محزونًا عليه، فرأيتُه في المنام، فقلت: والله لمحزون عليك، فقال: والله يا حارث أتيت (٦) والله الكاتمين الذين يخفون أحوالهم، ويكتمونَ أسرارهم، فقلت: وأين هم؟ قال: الساعة يتلقونك، وإذا بركبان، فقالوا: يا حارث، أمَّا السائحُ فقد بذل نفسَه لله في الجهاد، فأنزله الله معنا، وأما الذي قتلَه فقد غضبَ الله عليه.

стр. 6951

وأنشد قَوَّال بين يدي الحارث: [من مجزوء الرمل] لم أكنْ يومَ خروجي … من بلادي بمصيبِ أنَا في الغربةِ أبكي … ما بكتْ عينُ غريبِ عجبي لي ولتركي … وطنًا فيه حبيبي فقام الحارثُ وبكى وتواجد حتى رحمَه كلُّ من حضر (١). وكان الحارثُ ينشد: [من مجزوء الكامل] الخوفُ أولَى بالمسي … ءِ إذا تألَّه والحزنْ والحبُّ يحسنُ بالتقيـ … يِ وبالنقيِّ من الدرنْ والشوق للنجباء والـ … أبدال عند ذوي الفِطَنْ (٢) ذكر وفاته: قد حكى الخطيب أنه ماتَ متخفِّيًا، والأصحُّ خلافُه. وقال [جعفر ابن أخي أبي ثور:] (٣) حضرتُ وفاة الحارث ببغداد، فقال لنا: إن رأيتُ ما أحبُّ تبسَّمتُ إليكم، وإن لم أر ما أحبّ لم أتبسَّم، فلمَّا كان بعد ساعةٍ نظر إليه وتبسَّم. حدَّثَ الحارثُ عن يزيد بن هارون وطبقته، وروى عنه أبو العباس بن مسروق الطُّوسيُّ وغيره. وللحارث مصنَّفات في الزهد والأصول والديانات (٤)، والردِّ على المخالفين من المعتزلة والجهميَّة وأهل البدع، وكتبه كثيرةُ الفوائد، جمَّةُ المنافع. ذكر أبو علي بن شاذان يومًا كتاب الحارث في الدِّماء فقال: على هذا الكتاب عَوَّل أصحابُنا في أمر الدماء (٥) التي جرت بين الصحابة. [وفيها توفي]

стр. 6952

الوليدُ بن شُجَاع ابنِ الوليد بن قيس، أبو هَمَّام السَّكونيُّ، [الكوفيُّ الأصل، البغداديُّ الدار،] كان صالحًا عفيفًا ديِّنًا ورعًا، توفِّي ببغداد. [وروى أبو نُعيم الأصفهانيُّ عن أبي يحيى مُستملي الوليد قال:] (١) رأيتُ أبا همَّام في المنام وعلى رأسه قناديل [معلَّقة]، فقلت: أبا همام، بم نلتَ هذه القناديل [المعلَّقة]؟ فقال: هذا بحديث الحوض، وهذا بحديثِ الشفاعة، وهذه بحديث كذا، وجعل يعدِّد. سمعَ ابن المبارك وغيره، وروى عنه أبو حاتم الرازيّ، [وأبو القاسم البغويُّ، وعباس الدوريُّ، وغيرهم]، وكان عنده مئةُ ألف حديث عن الثقات، وكان ثقةً (٢). [وفيها توفي] هارونُ بن عبد الله بن مروان أبو موسى البزَّاز، [المعروف بالحمَّال،] الحافظ. قال [هارون:] جاءني الإمام أحمد ﵀ [ليلًا] فدقَّ عليَّ الباب، فقلت: من [هذا]؟ فقال: أحمد، فبادرتُ إليه، فمسَّاني ومسَّيتُه، وقلت: هل من حاجةٍ يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، شَغَلْتَ اليوم قلبي، قلت: بماذا؟ قال: جُزْتُ عليك اليوم وأنت قاعدٌ تحدِّثُ الناس في الفيء، والناسُ في الشمس بأيديهم الأقلامُ والدفاتر، لا تفعل هذا مرَّةً أخرى، إذا قعدتَ فاقعد مع الناس. توفي في شوال ببغداد. سمع سفيان بن عُيينة، [ورَوْح بن عُبادة، وسَيَّار بن حاتم، وغيرهم]، وأخرجَ عنه مسلم وغيره، وكان [حافظًا] صدوقًا ثقةً (٣).

стр. 6953

[وفيها توفي] هنَّادُ بن السَّرِيّ [أبوالسريّ،] الدارميُّ، الكوفيُّ، الزاهد، الحافظ، [الخائف]، كان يقال له: راهب الكوفة. وكان قد اعتزلَ النساء (١) واشتغل بالعبادة، فلم يتزوَّج ولم يتسرَّ. [وذكره أبو عبد الله الحاكم، فروى عن أحمد بن سلمة قال:] كان [هنَّاد بن السريّ] كثيرَ البكاء، و [كان] إذا صلَّى الفجر جلسَ حتى تطلعَ الشمس يقرأ القرآن، فإذا ارتفعت الشمسُ صلَّى الضحى، ثمَّ خرجَ إلى منزله، فيتوضَّأ، ثمَّ يرجعُ إلى المسجد، فيصلِّي إلى الزوال، فإذا صلَّى الظهرَ صلَّى إلى العصر، فإذا صلَّى العصر قرأ القرآن وبكى إلى المغرب، ثمَّ يصلِّي العشاءَ الآخرة، ويقوم الليل، فأقام على هذا منذ سبعين سنة. [وقال البخاريُّ:] مات [هنَّاد] يوم الأربعاء آخر [يوم من] ربيع الأول [في هذه السنة] (٢). سمع وكيعًا وطبقتَه، وروى عنه أبو حاتم الرازيّ وغيرُه، وكان [صدوقًا] ثقةً (٣). يحيى بن أكْثَم ابن محمد بن قَطَن بن سَمعان بن مُشَنِّج بن عبد عمرو بن عبد العُزّى بن أكثم بن صيفي المروزي التميميُّ الأسديّ (٤)، أبو عبد الله، وقيل: أبو زكريا [القاضي]. وقيل: [كنيته] أبو محمد. وكان ينكرُ أنْ تكونَ كنيتُه أبا زكريا، [فحكى الخطيبُ أنَّ رجلًا قال له:] (٥) يا أبا زكريّا، فقال له يحيى: قِسْتَ فأخطأت (٦)، أشارَ إلى أنَّ يحيى ابنُ زكريا.

стр. 6954

[ذكر طرف من أخباره: قال علماء السير:] ولي يحيى القضاءَ بالبصرة وبغداد والكوفة وسَامرَّاء، وكان عالمًا فاضلًا [فطنًا]، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، ذا فنون من العلوم، عرف المأمونُ فضلَه، فلم يتقدَّمه عندَه أحد، فقلَّده القضاءَ، وتدبيرَ أمر المملكة، وكانت الوزراءُ لا تعملُ شيئًا في تدبير الملك إلَّا عن رأيه وبعد مطالعته، [ولم يغلب أحد على سلطانه في زمانه إلا يحيى وابنُ أبي دؤاد.] (١) وقال الخطيب (٢): كان أحدَ أعلام الدنيا، ومن اشتُهِرَ أمرُه، وعُرِف خبرُه، ولم يستتر عن الكبير والصغير من الناس فضلُه وعلمُه، ورياستُه وسياستُه لأمره وأمرِ الخلفاء والملوك، واسعُ العلم والفقه، كثيرُ الأدب، حسنُ العارضة، قائمٌ بكلِّ مفضلة (٣)، أخذ بمجامع قلب المأمون، ففوَّضَ إليه أمرَ مملكتِه. ولما ولَّاه قضاءَ البصرة وخرج إليها، تلقَّاه أهلُها، وكان صغيرًا فاحتقروه، فقالوا: كم سنُّ القاضي؟ قال: سن (٤) عَتَّاب بن أَسِيد (٥) لمَّا ولَّاه رسولُ الله ﷺ مكَّة، وأنا أكبر من مُعاذ لمَّا بعثه رسولُ الله ﷺ إلى اليمن، وأنا أكبرُ من كعب بن سُور لما بعثه عمر بن الخطاب رضوان الله عنه قاضيًا. وقيل: سنُّه دونَ العشرين سنة، فأقامَ سنةً لا يقبلُ بها شاهدًا، فتعطَّلت الأمور، فقيل له في ذلك، فأجازَ في يومٍ شهادةَ سبعين شاهدًا. قال (٦) عليُّ بن المديني: خرجَ سفيان بن عيينة إلى أصحاب الحديث وهو ضَجِر، فقال: أليس من الشقاء أنْ أكونَ جالستُ ضَمْرة بن سعيد، وجالس ضمرةُ أبا سعيدٍ الخدريّ، وجالست ابن دينار، وجالسَ ابنَ عُمر، وجالستُ الزهريَّ، وجالس الزهريُّ

стр. 6955

أنس بن مالك، وعدَّدَ جماعةً، ثم قال: وأنا أجالسُكم! فقال: والله لشقاءُ من جالسَ أصحابَ رسول الله ﷺ أشدُّ من شقائك، فأطرقَ سفيان وتمثَّل: [من مجزوء الرمل] خلِّ جنبيكَ لرامِ … وامضِ عنهم بسلام مُتْ بداءِ الصمتِ خيرٌ … لكَ من داءِ الكلام (١) ثم قال سفيان: من الحَدَث؟ قال: يحيى بن أكثم، فقال سفيان: هذا الغلامُ يصلحُ لصحبة هؤلاء، يعني السلطان (٢). وقال محمد بن منصور وأحمد بن أبي دؤاد: كنَّا مع المأمون في طريق الشام، فأمرَ فنودِيَ بتحليلِ المتعة، فقال لنا يحيى بن أكثم: تدخلا غدًا عليه، فإنْ رأيتُما للقول وجهًا فقولا، وإلَّا فاسكتا إلى أنْ أدخل، فدخلا عليه وهو مغتاظٌ يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ (٣)، وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا أحول حتى تنهَى عمَّا فعله رسول الله ﷺ ؟ قال: فأمسكنا، وجاء يحيى، فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيِّرًا؟ قال: لما حدثَ في الإسلام، قال: وما حدث؟ قال: النداء بتحليل الزِّنا، [قال: الزنا؟!] (٤) قال: نعم، المتعَة زنا، قال: ومن أين لك هذا؟ قال: من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يا أمير المؤمنين زوجةُ المتعة مِلكُ يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عنى الله، ترثُ وتُورث، ويلحقُ بها الولد، ولها شرائطها؟ قال: [لا، قال:] فقد صار متجاوزُ هذين من العادين، وهذا الزهريُّ رَوى عن عبد الله والحسن (٥) ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما، عن أبيه عليِّ بن أبي طالب أنَّه قال: أمرَني رسولُ الله ﷺ أن أناديَ بالنهي عن المتعة وتحريمها، بعد أن كان

стр. 6956

أمرَ بها، فالتفتَ إلينا المأمون وقال: أمحفوظٌ هذا من حديث الزُّهريّ، قلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعةٌ منهم مالكُ بن أنس، فقال المأمون: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة. قال الصُّوليُّ: فسمعتُ إسماعيل بن إسحاق -وقد ذُكر يحيى بن أكثم فعظَّم أمره- قال: وكان له يومٌ في الإسلام لم يكن لأحدٍ مثله، وذكر هذا اليوم، فقال له رجل: فما كان يقال: فقال: معاذَ الله أن تزولَ عدالةُ مثله بكذب باغٍ أو حاسد (١). وقال أبو العيناء: لمَّا قال له يحيى: المتعة زنا، قال: يا يحيى حديثُ المتعة رواه الربيعُ بن سَبْرة، وهو أعرابيٌّ يبولُ على عقبيه، فلا أقول به، فقال له يحيى: فهذا حديثٌ آخر، قال: وما هو؟ قال: حدثني القعنبيُّ، قال: ثقةٌ عمن؟ قال: عن مالك بن أنس، قال: ثقةٌ عمَّن؟ قال: عن الزهريّ، قال: ثقةٌ، ولكنه كان عاملًا لبني أمية، عمَّن؟ قال: عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، فقال المأمون: كان أحدهما يقولُ بالوعيد، يعني الحسين، و [الآخر بـ] (٢) الإرجاء، هيه عمَّن؟ قال: عن أبيهما محمد، قال المأمون: أكرم به، عمَّن؟ قال: عن أبيه أمير المؤمنين عليّ رضوان الله عليه، قال: أهلًا به، عمَّن؟ قال: عن رسول الله ﷺ ، فقال: نادُوا بتحريمها (٣). [ذكر أخبار من سيرة ابن أكثم متفرقة: حكى الخطيب عنه أنه كان سليمًا من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة] (٤)، وكان يقول: من قال: [إنَّ] القرآن مخلوق ضربت عنقه (٥). [وذكره ابن عساكر فقال: قدم يحيى دمشق مع المأمون، وجلس في جامعها. وقال الصوليُّ: دخل عليه رجلٌ في مجلسه فأنشدَه: [من البسيط] ماذا تقولُ كَلَاكَ الله في رجلٍ … يهوى عجوزًا أُراها بنت تسعينِ

стр. 6957

قال: فأطرق ساعةً ثم رفع رأسَه فقال: يُبكى عليه وقد حقَّ البكاء له … إنَّ العجوزَ لها حينٌ من الحينِ] (١) وقدم دمشق ومصر، ويعدُّ من فقهاء خراسان، وكتبُه في الفقه أجلُّ كتب، وإنَّما تُرِكت لطولها. وقال: اختصمَ إليَّ (٢) في جامع الرصافة الجدُّ الخامس يطلبُ ابن ابن ابن ابنه. وكان قاضيًا وزيرًا ومشيرًا، وكان يقول: ما طرقَ سمعي ألذُّ من قول المستملي: من ذكرتَ رضي الله عنك؟ (٣) وقال ابن عساكر: كان [يحيى بن أكثم] (٤) أعور. وقال الخطيب: كتب إلى صديق له: [من الطويل] جفوتَ وما فيما مضَى كنت تفعلُ … وأغفلتَ من لم تُلْفِه عنك يغفلُ وعجَّلتَ قطعَ الوصل في ذاتِ بيننا … بلا حَدَثٍ أو (٥) كدتَ في ذاك تعجلُ فأصبحتُ لولا أنَّني ذو تعطُّفٍ … عليكَ بودِّي صابرٌ متجمِّلُ (٦) أرى جفوةً أو قسوةً من أخي ندى … إلى الله منها المُشتكى والمعوَّلُ وأقسمُ لولا أنَّ حقَّك واجبٌ … عليَّ وأنِّي بالوفاءِ موكَّلُ لكنتُ عَزوفَ النفسِ عن كل مُدْبرٍ … وبعضُ عزوفِ النفس عن ذاك أجملُ ولكنَّني أرعى الحقوقَ وأستحي … وأحملُ من ذي الودِّ ما ليس يحملُ فإنَّ مصابَ المرء في أهل ودِّه … بلاءٌ عظيمٌ عند من كان يعقلُ وكان ليحيى أخٌ اسمُه عبد الله بن أكثم زاهدًا، لمَّا ولي يحيى القضاء وداخل الخلفاء، كتب إليه أخوه: [من البسيط]

стр. 6958

ولقمةٍ بجريش الملحِ آكلُها … ألذُّ من تمرةٍ تحشَى بزُنْبُورِ كم لقمةٍ جلبت حتفًا لصاحبها … كحبةِ القمح دقَّت عنق عصفورِ (١) [وكان يحيى انحرفَ عنه المأمون] (٢) وأبعده، فولَّاه البصرة، ولما ولي المعتصم قرَّبَهُ، وكذا الواثق، ولما ولي المتوكِّلُ صيَّره في مرتبة ابن أبي دؤاد، وخَلع عليه خلعًا كثيرة، وقرَّبه، ثمَّ غضب عليه [المتوكل]، فعزله عن القضاء [بجعفر بن عبد الواحد]، واستصفى أمواله، ثمَّ أمرَه بالانتقال إلى بغداد، وألزمَه بيتَه إلى أن مات [في هذه السنة بالرَّبَذَة]. [ذكر وفاته: حكى الخطيب عن داود بن عليّ قال: خرج ابن أكثم] (٣) إلى الحجِّ في سنة اثنتين وأربعين على عزم المجاورة بمكة، فبلغه [رجوع المتوكِّل عن القول بخلق القرآن، وأنه] قد صلح قلبه، [فبدا] له [من المجاورة]، فعاد (٤) إلى المدينة، ثمَّ رجع يريدُ العراق، فمات بالرَّبَذة [في سنة ثلاث وأربعين ومئتين] (٥)، وقبرُه بها إلى جانب أبي ذر ﵁، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، ﵀ (٦). [ذكر المنام الذي رؤي له: رواه الخطيب بإسناده إلى محمد بن عبد الرحمن الصيرفيّ قال:] رأى جارٌ لنا يحيى بنَ أكثم في منامه بعد موته، فقال له: ما فعلَ الله بك؟ قال: وقفتُ بين يديه فقال: سوءةٌ لك يا شيخ، فقلت: يا رب إن رسولَك قال: "إنَّك لتستحيي أنْ تعذِّبَ أبناءَ الثمانين" وأنا ابنُ ثمانين، أسيرُك في الأرض، فقال: صدقَ رسولي، قد عفوت عنك (٧).

стр. 6959

ورَوى الخطيبُ بإسناده إلى محمد بن سَلْم (١) الخوَّاص بمعناه، وفيه: فقال الله تعالى: يا شيخ السوء، لولا شيبتُك لأحرقتُك بالنار، قال: فأخذني ما يأخذ العبدَ بين يدي مولاه، فلما أفقتُ كرَّرها الله تعالى ثلاثًا، فقلت: يا رب، ما هكذا حُدِّثتُ عنك، فقال الله تعالى: وما حدثت عنِّي؟ وهو أعلم بذلك. فقلت: حدَّثني عبد الرزاق بن همَّام، عن مَعْمَر بن راشد، عن ابن شهاب الزُّهريّ، عن أنس بن مالك، عن نبيِّكَ ﷺ ، عن جبريل، عنك يا عظيم أنَّك قلت: ما شابَ لي عبدٌ في الإسلام شيبةً إلَّا استحييتُ منه أن أعذِّبه بالنار، قال الله تعالى: صدقَ عبدُ الرزاق، وصدق معمر، وصدق الزهريُّ، وصدق أنس، وصدق نبيي، وصدق جبريل، أنا قلت ذلك، انطلقوا به إلى الجنَّة (٢). أسند يحيى [الحديث] عن [خلقٍ كثير منهم] سفيان بن عُيينة، وأبو معاوية الضَّرير، وعبد الرزاق، [والدَّرَاوردي، وعبدُ الله بن إدريس، وغيرهم] (٣). وروى عنه عليُّ بن المديني، والبخاريُّ (٤)، والترمذيُّ، والأئمَّة. ومن رواياته عن ابن عباس قال: أوَّل ما خلق الله القلم، فأمرَه أن يكتب ما هو كائنٌ، فكتب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ (٥). وقد تكلَّموا فيه من حيث الرواية والديانة؛ أمَّا من حيث الرواية فرماهُ ابنُ معين وغيرُه بالكذب، وقال أبو الفتح الأزديّ: رَوى عن الثقات عجائب لا يتابعُ عليها. وأمَّا من حيثُ الديانة فقد أكثروا القولَ بميله إلى المُرْد (٦)، [وقال الخطيب: و] سببُ عزلِه عن القضاء أنَّه دخل عليه ابنا مسعدة، وكانا في غاية الجمال، فأقعدَهما بين

стр. 6960

يديه وقال: [من مخلع البسيط] يا زائِرَينَا من الخِيام … حياكم الله بالسَّلامِ لم تأتياني وبي نهوضٌ … إلى حلالٍ ولا حرام يحزنني أن وقفتُما بي … وليس عندي سِوى الكَلامِ (١) [وكذا قال ابن الأنباريّ أن سببَ عزله عن الحكم إنشاءُ هذا الشعر] (٢). قال أبو العيناء: تولَّى يحيى ديوانَ الصَّدقات على الأضِرَّاء، فلم يعطهِم شيئًا، فطالبوه وألحوُّا عليه، ووقفوا له وقد خرجَ من جامع الرُّصافة، فقال: ما لكم عندَ أمير المؤمنين شيء، فقالوا: لا تفعل يا أبا سعيد (٣)، فأمرَ بحبسهم، فحُبِسوا، فلمَّا كان في الليل ضجُّوا، فسمعَهم المأمون، فقال: ما هذا؟ قالوا: الأضِرَّاء حبسَهم يحيى بنُ أكثم، فقال: ولم؟ قالوا: كَنَّوه، فدعاه وقال: حبستَهم على أن كَنَّوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّما حبستُهم على التعريض، كنوني بشيخٍ لائطٍ في الخريبة (٤)، فضحكَ المأمون وأطلقَهم (٥). [وروى الخطيبُ بإسناده إلى أحمد بن يعقوب قال: كان يحيى يحسدُ حَسدًا شديدًا] وكان يحيى مُفْتَنًّا، إذا دخلَ عليه فقيهٌ سألَه عن الحديث، وإذا دخلَ عليه محدِّثٌ سأله عن الفقه، وإذا كان يحفظُ النحو سألَه عن الكلام، فيقطعه ويخجله، فدخلَ عليه رجلٌ من أهل خراسان [حافظٌ]، فناظرَه فرآه مُفْتَنًّا، فقال له: نظرتَ في الحديث؟ قال: نعم، قال: فما تحفظُ منه؟ قال: [أحفظ] عن شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن الحارث أنَّ عليًّا ﵁ رَجم لوطيًّا، فسكت ولم يكلِّمه (٦). وقال الحسن بن المقدام: استعدى ابنُ عمار بن أبي الخصيب عند ابن أكثم على

стр. 6961

ورثة أبيه، قال: أيُّها القاضي، أعدني عليهم، فقال له: فمن يعديني على عينيك، فهربت به أمُّه إلى بغداد، فقال لها وقد تقدَّمت إليه: والله لا أنفذتُ لكم حكمًا، أو تَرُديِّه، فإنَّه أولى بالمطالبة منك (١). [وذكر جدِّي في "المنتظم" عن أحمد بن يونس الضبي قال:] (٢) كان زيدان الكاتب يكتبُ بين يدي يحيى بن أكثم، وكان جميلًا متناهيَ الجمال، فقرص يحيى خدَّه [يومًا]، فخجلَ [واستحى، وطرح القلمَ من يده]، فقال له: اكتب ما أملي عليك، [ثمَّ قال:] [من الطويل] إذا كنتَ للتجميش والعشقِ كارهًا … فكنْ أبدًا يا سيِّدي متنقِّبَا ولا تظهر الأصداغَ للنَّاس فتنةً … وتجعل منها فوقَ خدَّيكَ عقربَا فتقتلَ مشتاقًا وتفتنَ ناسكًا … وتتركَ قاضي المسلمينَ معذَّبَا (٣) وفيه يقول أحمد بن أبي نعيم: [من الطويل] وكنا نرجِّي أن نَرى العدلَ ظاهرًا … فأعقبنَا بعد الرجاءِ قنوطُ وهل تصلحُ الدُّنيا ويَصلحُ أهلها … وقاضي قضاةِ المسلمين يلوطُ (٤) [وقال الخرائطي: حدثنا فَضْلَك بن العباس الرازي قال:] (٥) مضيت إلى يحيى [بن أكثم] مع داود بن علي الأصبهاني الظاهري، ومعنا مسائل نلقيها عليه، فألقينَا عليه البعض، وهو يجيب بأحسن جواب، فدخل عليه غلامٌ أمرد، فلمَّا رآه خلَّط في الجواب، ولم يدرِ ما يقول، فقال لي داود: قم بنا، فإنَّ الرجلَ قد اختلط (٦). وقال العتابي: إنَّ عبادةَ المخنَّث سأله بحضرة المأمون فقال: أشتهي من سيِّدنا

стр. 6962

القاضي أن يعرِّفَنا فضائلَ (١) الصلب، فخجلَ يحيى وقام، فعزلَه المأمون عن القضاء، وولَّاه قضاء البصرة والكوفة؛ ليبعده عنه. وقال أبو العيناء: كنتُ في مجلس أبي عاصم النَّبيل، وفيه أبو بكر بن يحيى بن أكثم، فنازعَ أبو بكر غلامًا أمرد، فقال أبو عاصم: إن يسرق فقدْ سرقَ أبٌ له من قبل (٢). وقال ابن عبد ربه صاحب "العقد": تعامل (٣) المأمون وعبد الله بنُ طاهر على يحيى حتى يسكروه، فغمز المأمون الساقي [فأسكره]، وكان بين أيديهم ردمٌ (٤) من الورد والرياحين، فشقُّوا له فيه لحدًا، وصيَّروه فيه، وأمر المأمون قينةً فغنَّته [هذه الأبيات:] [من البسيط] ناديتُه وهو حيٌّ لا حَراك به … مكفنًا في ثيابٍ من رياحينِ فقلت قم قال رجلي ما تطاوعُني … فقلتُ خذ قال كفِّي ما يواتيني فانتبهَ يحيى على صوت العود ونغمة الجارية (٥)، فقال مجيبًا لها [هذه الأبيات:] [من البسيط] يا سيِّدي وأميرَ الناس كلِّهم … قد جارَ في حُكمه من كان يَسقينِي إنِّي غفلتُ عن الساقي فصيَّرني … كما تراني سليبَ العقلِ والدينِ (٦) لا أستطيعُ نهوضًا قد وَهى بدني … ولا أجيبُ المنادِي حين يدعونِي كأنَّني ميِّتٌ صُيِّرت (٧) في جدثٍ … وسطَ الرياضِ دفينًا في الرياحين (٨) قال المصنِّف ﵀: وهذه من هَنَاتِ صاحب العقد، فإنَّ ابنَ أكثم ما كان يعاشرُ المأمونَ إلَّا على الصلاح والديانة، وقد رأى المأمونُ غلامًا حدثًا فقال: ما تقولُ يا

стр. 6963

يحيى في مُحْرِمٍ صاد ظبيًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين يقبحُ بك إمام المسلمين، وبي وأنا قاضٍ تقولُ في هذا، فغضب وقال: من الذي يقول: [من المنسرح] قاضٍ يرى الحدَّ في الزناء ولا … [يرى] على من يلوطُ من باس؟ فقال يحيى: وما تعرف من قاله! الفاجر أحمد بن أبي نُعيم الذي يقول: [من المنسرح] لا أحسبُ الجورَ ينقضي وعلى الـ … أُمَّة والٍ من آل عباسِ (١) [قلت:] وقد كان الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه يُنكِرُ ما قيل عن يحيى من نبزه بالمُرْدِ، [فذكر الخطيب عن عبد الله ابن الإمام أحمد قال:] (٢) ذُكِر يحيى عند أبي فقال: ما عرفتُ فيه بدعةً قط. وذكر ما يرميه الناسُ به، فقال: سبحان الله، من يقول هذا؟ وبلغ يحيى فقال: جزاه الله خيرًا والله ما عَرفَ فيَّ بدعةً قطّ (٣). [وكذا روى ابنُ عساكر عن إسماعيل بن إسحاق قال: كان يحيى] أبرأ (٤) إلى الله ممَّا كان يُرمى به (٥) من أمرِ الغلمان، وإنَّما كانت فيه دعابةٌ، كان يهزلُ مع صديقه ومع عدوِّه. [حكاية الزاغ: ذكرها الحافظ ابن عساكر بإسناده عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن مسلم السعديّ قال:] (٦) دخلتُ على يحيى بن أكثم، وإذا عن يمينه قِمَطْرةٌ مجلَّدةٌ، ففتحها، وإذا قد خرجَ منها رأسُ إنسان، وهو من سرَّته إلى أسفل خلقة (٧) زاغ، وفي صدره وظهره سلعتان (٨)، فكبَّرتُ وهلَّلتُ [وفزعت، ويحيى يضحك،] فقال بلسان فصيح

стр. 6964

[طلق:] (١) [من الهزج] أنا الزاغُ أبو عجوة … أنا ابن الليثِ واللبوَهْ أحبُّ الراحَ والريحا … نَ والنشوةَ والقهوهْ فلا عربدتي تُخشى … ولا تُرْهبُ لي سَطوهْ ولي أشياء تُسْتَظْرَ … ف يومَ العرس (٢) والدعوهْ فمنها سِلعةٌ في الظهرِ … لا تسترُها الفَروهْ وأمَّا السِّلعةُ الأخرى … فلو كان لها عُروهْ (٣) لما شكَّ جميعُ النا … س فيها أنها ركوهْ (٤) ثم قال [الزاغ:] يا كهل أنشد شعرًا غزلًا، [فقال لي يحيى: قد أنشدَكَ، فأنشِدْهُ:] فأنشدته [هذين البيتين:] أغرَّكِ أن أذنبتِ ثم تتابعت … ذنوب فلم أهجركِ ثم ذنوبُ (٥) وأكثرتِ حتى قلتِ ليسَ بصارمي … وقد يُصرَمُ الإنسانُ وهو حبيبُ فصاح: زاغ زاغ زاغ، ثمَّ سقط في القِمَطْر، فقلت ليحيى: أعزَّك الله وعاشق أيضًا؟! فقال: هو ما ترى، فقلت: ما هذا؟ قال: وجَّه به صاحبُ اليمن إلى أمير المؤمنين، وما رآه بعد. والزَّاغ حيوانٌ من جنس النسانيس الذي باليمن، [انتهت ترجمته]. [وفيها توفي] يعقوب بن إسحاق السِّكِّيت أبو يوسف اللغوي، صاحبُ "إصلاح المنطق"، وكتاب "الألفاظ"، و"معاني الشعر"،

стр. 6965

و"القلب والإبدال" وغير ذلك. [وحكى الخطيب عن الفرَّاء أنَّه قال:] (١) سألتُه عن نسبه فقال: حُوْزِيُّ الأصل من كور الأهواز (٢). إلَّا أنَّه بغداديُّ الدار، وكان يؤذَبُ مع أبيه بمدينة السلام في درب القَنْطرة صبيانَ العامَّة، حتى احتاج إلى الكسب، فتعلَّم النحو، ولم يكن نفاذُه فيه كنفاذه في اللغة. [قال:] (٣) وحكيَ عن أبيه أنَّه حجَّ فطافَ بالبيت، وسأل الله تعالى أن يتعلَّم ابنُه النحوَ، [فتَعلَّم النَّحوَ] (٤) واللغة، [قال: فاحتاج] محمدُ بن عبد الله بن طاهر إلى رجل يعلِّم ولدَه، فأخذَ يعقوب، فجعل له ألفَ درهم كلَّ شهر، [وكان يعقوب قد خرج قبل ذَلك، (٥) إلى سامرَّاء في أيَّام المتوكِّل، فصيَّره عبيد الله بن [يحيى بن] (٦) خاقان عند المتوكِّل، [فضمَّ إليه ولده] (٧)، وأسنى له الرزق. وقال أبو الحسن الطوسيّ: كنَّا في مجلس اللِّحيانيّ، فقال: العربُ تقول: مُثْقَلٌ استعانَ بذَقَنه، فقام ابن السكِّيت -وهو حدثٌ- فقال: يا أبا الحسن (٨) إنَّما هو مُثْقَلٌ استعانَ بدَفَّيه، بالفاء، يريدون الجملَ إذا نهض بالحِمْل استعان بجنبيه، فقطع اللِّحيانيُّ الإملاءَ، فلمَّا كان في المجلس الثاني قال اللِّحيانيّ: العربُ تقول: هو جاري مكاشري، بالشين المعجمة، فقام ابن السكّيت فقال: أعزَّك الله، إنما هو مُكَاسِري، بالسين المهملة، أي: كِسْرُ بيته إلى بيتي، أي: جانبه، فقطع اللّحياني الإملاءَ، فما أملى بعد ذلك شيئًا.

стр. 6966

وقال الصوليُّ (١): أنشد ابن السكيت، وهما له: [من الخفيف] ومن الناس من يحبُّك حبًّا … ظاهرَ الحبِّ ليس بالتقصيرِ فإذا ما سألتَه عُشْر فلسٍ … ألحقَ الحُبَّ باللَّطيفِ الخبيرِ وحَكى ابنُ السكيت أنَّ محمد بن [عبد الله بن] (٢) طاهر عزمَ على الحجِّ، فخرجت إليه جاريةٌ فبكت لمَّا رأت آلة السفر، فقال محمد بن [عبد الله بن] طاهر: [من مجزوء الرمل] دمعةٌ كاللؤلؤ الرَّط … ــب على خدٍ أسيلِ هطلتْ في ساعةِ البيـ … ــنِ من الطَّرف الكحيلِ فقال لها: أجيزي فقالت: حينَ همَّ القمر البا … هرُ عنَّا بالأُفولِ إنَّما يفتضح العا … شقُ في وقتِ الرحيلِ (٣) [وقال الحافظُ ابن عساكر: قدم دمشقَ مع المتوكِّل، وكان يؤدِّبُ أولاده.] (٤) وكان المبرِّدُ يقول: ما رأيتُ للبغداديين كتابًا أحسن (٥) من [كتاب] "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت. [وقال ثعلب: ما عرفنا خَرْبَةً (٦) قطّ، أي: زلَّةً، والخاربُ: سارقُ الإبل ليلًا.] (٧) [ذكر] سبب وفاته: قال أحمد بن عبيد (٨): شاورني ابن السكِّيت في منادمة المتوكل، فنهيتُه عنه، فحملَه

стр. 6967

على الحسد (١)، فنادمَه، وكان ابنُ السكِّيت يحبُّ عليًّا ﵇ وأهلَ بيته، فلما هَدَم المتوكِّلُ قبرَ الحسين ﵁، وعمل ابنُ السكِّيت الأبيات التي [في] أولها: [من الكامل] بالله إنْ كانت أميَّةُ قد أتت … قتلَ ابن بنت نبيِّها مظلومَا وقد ذكرناها فيما تقدم (٢)، [و] بلغت المتوكِّلَ، فبقيَ في قلبه، وكان ابنُ السكِّيت يؤدِّب المعتزَّ والمؤيَّد، فحضر ليلة عند المتوكِّل، فتمثَّل المتوكِّل؛ فقال له يا يعقوب: أيُّما أفضل، [عليُّ] بن أبي طالب وولداه الحسن والحسين، أم أنا وولداي؟ فغضب ابنُ السكِّيت ﵀ وقال: والله إنَّ شعرةً من قَنْبَر خيرٌ منك ومن ولديك، فأمرَ المتوكِّلُ الأتراكَ فداسُوا بطنَه، وحُمِل إلى بيتِه، فماتَ من غد ذلك اليوم، فقال أحمد بن عبيد [هذين البيتين:] [من الطويل] نهيتُك يا يعقوبُ عن قُرْب ظالمٍ (٣) … إذا ما سَطا أربى على كلِّ ضَيغمِ فذقْ واحسُ ما استحسنتَه لا أقولُ إذ (٤) … عثرتَ لعًا بل لليدين وللفمِ [واختلفوا في وفاته، فقال الخطيب: مات في سنة ثلاث وأربعين ومئتين، (٥)، وقد بلغَ ثمانيًا وخمسين سنة، وقيل: ماتَ [في] سنة أربع وأربعين، [أو] سنة ستٍّ وأربعين ومئتين (٦). [وقال الخطيب: كان يعقوب] (٧) من أهل الدين والفضل والثقة والأمانة، موثوقًا بروايته (٨). روى عن محمد بن السمَّاك، والأصمعيّ، وأبي عُبيدة، والفرَّاء، وغيرهم، ورَوى عنه أبو عكرمة الضبيُّ، وميمون بن هارون الكاتب، وأبوه إسحاق، وكتبُه جيِّدة (٩).

стр. 6968

السنة الرابعة والأربعون بعد المائتين قال الطبري: وفيها دخلَ المتوكِّلُ دمشق في صفر، وعزمَ على المقام بها، ونقلَ دواوينَ الملك إليها، وأمرَ بالبناء، فتحرَّك الأتراكُ في أرزاقهم، فأمرَ لهم بما أرضاهم، ثم استوبأَ البلد، [وذلك] لأنَّ الهواءَ بها باردٌ [نديٌّ]، والماء ثقيل، والريح تهبُّ فيها مع العصر، فلا تزال تشتدُّ حتى يمضي عامَّة الليل، وهي كثيرةُ البراغيث، وغلت بها الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والمِيرَة (١). قال المصنِّف ﵀: وهذه من هَنَات الطبريّ في ذمِّ دمشق. وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا … وآفتُه من الفهمِ السقيمِ (٢) قال: وأقام المتوكِّل بدمشق شهرين وأيامًا، ثم سلك طريق الغزاة، ثمَّ دخل سامراء لسبعٍ بقين من جمادى الآخرة. وبعثَ المتوكّلُ بُغَا من دمشق إلى [بلاد] الروم، فافتتح قلعةً يقال لها: صُمُلَّة (٣). وقال الصوليُّ: ولما دخل المتوكِّلُ سامرَّاء ذكر نزه] (٤) دمشق وبساتينها وأنهارها وغيطانها، فعزَم على العودِ إليها، فمرضَ، فدخلَ عليه محمد بن عبد الله بن طاهر فأنشدَه: [من البسيط] اللهُ يرفعُ (٥) عن نفسِ الإمام لنا … وكلُّنا للمنايا دونه غَرَضُ أتيتُه عادةَ العُوَّادِ من مرضٍ … بالعائدينَ جميعًا لا به المرضُ ففي الأنامِ لهُ في غيرنا (٦) عوضٌ … وليسَ في غيره منه لنا عوضُ

стр. 6969

وما أبالي إذا ما نفسُه سلمَت … لو بادَ كلُّ عبادِ الله وانقرضُوا وفيها أُتيَ المتوكِّلُ بحربةٍ، ذكر أنَّها كانت للنبيِّ ﷺ ، تسمى العنَزَة؛ التي أهداها النجاسيُّ للنبيِّ ﷺ على يدِ الزبير بن العوام ﵁، وكان المؤذِّنون يمشونَ بها بين يدي رسول الله ﷺ في العيدين، وكانت تُركزُ بين يديه ﷺ في الأسفار، فيصلِّي إليها، فأمر المتوكِّلُ بحملِها بين يديه، فحملَها صاحبُ الشرطة. وقيل: إنَّ النجاشيَّ وهبَها للزبير بن العوَّام، وهو أهداها لرسول الله ﷺ (١). وفيها سخطَ المتوكِّلُ على بختيشوع المتطبِّب، وأخذَ ماله، ونفاه إلى البحرين، فقال أعرابيّ: يا سَخطةً جاءت على مقدارِ … نَازلَهُ (٢) الليثُ على اقتدارِ منه وبختيشوعُ في اغترار … رَمى به في موحشِ القفارِ وفيها اتَّفقَ عيدُ الأضحى، وفطيرُ اليهود، والشعانين للنصارى، في يومٍ واحد، ولم يتَّفق ذلك في الإسلام قبلَ ذلك. [فصل:] وحجَّ بالناسِ عبدُ الصمد بن موسى (٣). وفيها توفي (٤) إبراهيم بن عبد الله بن حاتم أبو إسحاق الهرويّ. وكان يديمُ الصوم، فإذا دعاه أحدٌ إلى طعامٍ أفطر. توفي في رمضان بسامرَّاء. أسند عن إسماعيل بن عُلَيَّة وغيره، ورَوى عنه ابن أبي الدنيا وغيره، واتَّفقوا على

стр. 6970

فضله (١)، حتى قال إبراهيم: كان حافظًا متقنًا ثقةً (٢)، ما كان هاهنا أحدٌ مثله. أحمد بن حُميد أبو طالب المُشْكَانيُّ، صاحبُ الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وروى عنه مسائل انفردَ بها، وكان الإمام أحمد يكرمُه ويُعظمه، وكان صبورًا على الفقر، صالحًا، تعلَّم من الإمام أحمد مذهب القناعة (٣). أحمد (٤) بن مَنِيع بن عبد الرحمن أبو جعفر المروزي (٥) الأصمّ، جدُّ البغويِّ لأمِّه. ولد سنةَ ستين ومئة، ونشأَ في طلب العلم، وكان متعِّبدًا يختمُ القرآنَ في كل ثلاثة أيام، توفي في شوَّال. أسندَ عن ابن المبارك وغيره، وروى عنه البخاريُّ (٦) ومسلم وغيرهما، وكان صدوقًا ثقةً (٧). الحسن بن شُجَاع بن رَجاء أبو عليّ البلخيّ، سافر في طلب الحديث، وسمعَ الكثير، ولقيَ الشيوخ، وكان حفظة. قال عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي: يا أبت، من الحفَّاظ؟ قال: يا بنيّ،
следующие страницы →