← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

وقال الصوليُّ (١): أنشد ابن السكيت، وهما له: [من الخفيف] ومن الناس من يحبُّك حبًّا … ظاهرَ الحبِّ ليس بالتقصيرِ فإذا ما سألتَه عُشْر فلسٍ … ألحقَ الحُبَّ باللَّطيفِ الخبيرِ وحَكى ابنُ السكيت أنَّ محمد بن [عبد الله بن] (٢) طاهر عزمَ على الحجِّ، فخرجت إليه جاريةٌ فبكت لمَّا رأت آلة السفر، فقال محمد بن [عبد الله بن] طاهر: [من مجزوء الرمل] دمعةٌ كاللؤلؤ الرَّط … ــب على خدٍ أسيلِ هطلتْ في ساعةِ البيـ … ــنِ من الطَّرف الكحيلِ فقال لها: أجيزي فقالت: حينَ همَّ القمر البا … هرُ عنَّا بالأُفولِ إنَّما يفتضح العا … شقُ في وقتِ الرحيلِ (٣) [وقال الحافظُ ابن عساكر: قدم دمشقَ مع المتوكِّل، وكان يؤدِّبُ أولاده.] (٤) وكان المبرِّدُ يقول: ما رأيتُ للبغداديين كتابًا أحسن (٥) من [كتاب] "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت. [وقال ثعلب: ما عرفنا خَرْبَةً (٦) قطّ، أي: زلَّةً، والخاربُ: سارقُ الإبل ليلًا.] (٧) [ذكر] سبب وفاته: قال أحمد بن عبيد (٨): شاورني ابن السكِّيت في منادمة المتوكل، فنهيتُه عنه، فحملَه

стр. 6967

على الحسد (١)، فنادمَه، وكان ابنُ السكِّيت يحبُّ عليًّا ﵇ وأهلَ بيته، فلما هَدَم المتوكِّلُ قبرَ الحسين ﵁، وعمل ابنُ السكِّيت الأبيات التي [في] أولها: [من الكامل] بالله إنْ كانت أميَّةُ قد أتت … قتلَ ابن بنت نبيِّها مظلومَا وقد ذكرناها فيما تقدم (٢)، [و] بلغت المتوكِّلَ، فبقيَ في قلبه، وكان ابنُ السكِّيت يؤدِّب المعتزَّ والمؤيَّد، فحضر ليلة عند المتوكِّل، فتمثَّل المتوكِّل؛ فقال له يا يعقوب: أيُّما أفضل، [عليُّ] بن أبي طالب وولداه الحسن والحسين، أم أنا وولداي؟ فغضب ابنُ السكِّيت ﵀ وقال: والله إنَّ شعرةً من قَنْبَر خيرٌ منك ومن ولديك، فأمرَ المتوكِّلُ الأتراكَ فداسُوا بطنَه، وحُمِل إلى بيتِه، فماتَ من غد ذلك اليوم، فقال أحمد بن عبيد [هذين البيتين:] [من الطويل] نهيتُك يا يعقوبُ عن قُرْب ظالمٍ (٣) … إذا ما سَطا أربى على كلِّ ضَيغمِ فذقْ واحسُ ما استحسنتَه لا أقولُ إذ (٤) … عثرتَ لعًا بل لليدين وللفمِ [واختلفوا في وفاته، فقال الخطيب: مات في سنة ثلاث وأربعين ومئتين، (٥)، وقد بلغَ ثمانيًا وخمسين سنة، وقيل: ماتَ [في] سنة أربع وأربعين، [أو] سنة ستٍّ وأربعين ومئتين (٦). [وقال الخطيب: كان يعقوب] (٧) من أهل الدين والفضل والثقة والأمانة، موثوقًا بروايته (٨). روى عن محمد بن السمَّاك، والأصمعيّ، وأبي عُبيدة، والفرَّاء، وغيرهم، ورَوى عنه أبو عكرمة الضبيُّ، وميمون بن هارون الكاتب، وأبوه إسحاق، وكتبُه جيِّدة (٩).

стр. 6968

السنة الرابعة والأربعون بعد المائتين قال الطبري: وفيها دخلَ المتوكِّلُ دمشق في صفر، وعزمَ على المقام بها، ونقلَ دواوينَ الملك إليها، وأمرَ بالبناء، فتحرَّك الأتراكُ في أرزاقهم، فأمرَ لهم بما أرضاهم، ثم استوبأَ البلد، [وذلك] لأنَّ الهواءَ بها باردٌ [نديٌّ]، والماء ثقيل، والريح تهبُّ فيها مع العصر، فلا تزال تشتدُّ حتى يمضي عامَّة الليل، وهي كثيرةُ البراغيث، وغلت بها الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والمِيرَة (١). قال المصنِّف ﵀: وهذه من هَنَات الطبريّ في ذمِّ دمشق. وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا … وآفتُه من الفهمِ السقيمِ (٢) قال: وأقام المتوكِّل بدمشق شهرين وأيامًا، ثم سلك طريق الغزاة، ثمَّ دخل سامراء لسبعٍ بقين من جمادى الآخرة. وبعثَ المتوكّلُ بُغَا من دمشق إلى [بلاد] الروم، فافتتح قلعةً يقال لها: صُمُلَّة (٣). وقال الصوليُّ: ولما دخل المتوكِّلُ سامرَّاء ذكر نزه] (٤) دمشق وبساتينها وأنهارها وغيطانها، فعزَم على العودِ إليها، فمرضَ، فدخلَ عليه محمد بن عبد الله بن طاهر فأنشدَه: [من البسيط] اللهُ يرفعُ (٥) عن نفسِ الإمام لنا … وكلُّنا للمنايا دونه غَرَضُ أتيتُه عادةَ العُوَّادِ من مرضٍ … بالعائدينَ جميعًا لا به المرضُ ففي الأنامِ لهُ في غيرنا (٦) عوضٌ … وليسَ في غيره منه لنا عوضُ

стр. 6969

وما أبالي إذا ما نفسُه سلمَت … لو بادَ كلُّ عبادِ الله وانقرضُوا وفيها أُتيَ المتوكِّلُ بحربةٍ، ذكر أنَّها كانت للنبيِّ ﷺ ، تسمى العنَزَة؛ التي أهداها النجاسيُّ للنبيِّ ﷺ على يدِ الزبير بن العوام ﵁، وكان المؤذِّنون يمشونَ بها بين يدي رسول الله ﷺ في العيدين، وكانت تُركزُ بين يديه ﷺ في الأسفار، فيصلِّي إليها، فأمر المتوكِّلُ بحملِها بين يديه، فحملَها صاحبُ الشرطة. وقيل: إنَّ النجاشيَّ وهبَها للزبير بن العوَّام، وهو أهداها لرسول الله ﷺ (١). وفيها سخطَ المتوكِّلُ على بختيشوع المتطبِّب، وأخذَ ماله، ونفاه إلى البحرين، فقال أعرابيّ: يا سَخطةً جاءت على مقدارِ … نَازلَهُ (٢) الليثُ على اقتدارِ منه وبختيشوعُ في اغترار … رَمى به في موحشِ القفارِ وفيها اتَّفقَ عيدُ الأضحى، وفطيرُ اليهود، والشعانين للنصارى، في يومٍ واحد، ولم يتَّفق ذلك في الإسلام قبلَ ذلك. [فصل:] وحجَّ بالناسِ عبدُ الصمد بن موسى (٣). وفيها توفي (٤) إبراهيم بن عبد الله بن حاتم أبو إسحاق الهرويّ. وكان يديمُ الصوم، فإذا دعاه أحدٌ إلى طعامٍ أفطر. توفي في رمضان بسامرَّاء. أسند عن إسماعيل بن عُلَيَّة وغيره، ورَوى عنه ابن أبي الدنيا وغيره، واتَّفقوا على

стр. 6970

فضله (١)، حتى قال إبراهيم: كان حافظًا متقنًا ثقةً (٢)، ما كان هاهنا أحدٌ مثله. أحمد بن حُميد أبو طالب المُشْكَانيُّ، صاحبُ الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وروى عنه مسائل انفردَ بها، وكان الإمام أحمد يكرمُه ويُعظمه، وكان صبورًا على الفقر، صالحًا، تعلَّم من الإمام أحمد مذهب القناعة (٣). أحمد (٤) بن مَنِيع بن عبد الرحمن أبو جعفر المروزي (٥) الأصمّ، جدُّ البغويِّ لأمِّه. ولد سنةَ ستين ومئة، ونشأَ في طلب العلم، وكان متعِّبدًا يختمُ القرآنَ في كل ثلاثة أيام، توفي في شوَّال. أسندَ عن ابن المبارك وغيره، وروى عنه البخاريُّ (٦) ومسلم وغيرهما، وكان صدوقًا ثقةً (٧). الحسن بن شُجَاع بن رَجاء أبو عليّ البلخيّ، سافر في طلب الحديث، وسمعَ الكثير، ولقيَ الشيوخ، وكان حفظة. قال عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي: يا أبت، من الحفَّاظ؟ قال: يا بنيّ،

стр. 6971

شبابٌ كانوا عندنا من أهل خُرَاسان، قلت: من هم؟ قال: محمدُ بن إسماعيل البخاري، وعبيد الله بن عبد الكريم، أبو زُرْعة (١) الرازي، وعبدُ الله بن عبد الرحمن السمرقنديّ، والحسنُ بن شُجاع البلخيّ، قلت: فمن أحفظ منهم؟ قال: أمَّا البخاريُّ فأعرفهم، وأمَّا السمرقنديُّ فأتقنُهم، وأما الرازيُّ فأسردُهم، وأما الحسنُ بن شُجاع فأجمعُهم للأبواب. وقال الحاكم: أدركت المنيةُ الحسنَ قبل الخمسين، فمات وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة. سمع خلقًا كثيرًا منهم أبو مُسْهرِ الغسانيّ وغيره، وروى عنه البخاريُّ وغيرُه، واتَّفقُوا على أنَّه ثقة (٢). علي بن حُجْر بن إياس ابن مُقاتل بن المُشَمْرِخ (٣) أبو الحسن السَّعْدِيّ، ولد سنة أربع وخمسين ومئة، وكان من علماء خراسان. نزل بغداد، ثمَّ تحوَّل إلى مرو، وكان حافظًا صادقًا متقنًا فاضلًا شاعرًا، طافَ الدنيا، وانتشر حديثه بمرو، وبها ماتَ في جمادى الأولى. سمع ابن المبارك وغيره، وروى عنه البخاريُّ ومسلم وغيرهما، وكتب إلى بعض إخوانه: [من الوافر] أحنُّ إلى عتابِكَ غير أنِّي … أُجِلُّكَ عن عتابٍ في كتابِ ونحنُ إذا التقينَا بعد بينٍ … شفيتَ عليلَ (٤) صدري بالعتابِ

стр. 6972

وإن سبقتْ بنا دارُ المنايا (١) … فكم من حضرةٍ (٢) تحت الترابِ وقال أيضًا: [من الرجز] لتتركنَّ قصركَ المبنيَّا … وكرمَك المعرَّشَ المسقيَّا والحوضَ والبستانَ والرَّكِيَّا … والمجلسَ المبجَّل (٣) البهيَّا والمسجدَ المشرَّف العليَّا … والبابَ والوصيدَ والنديَّا والتبرَ والأوراقَ والحُليَّا … لوارثٍ عهدتَهُ عَصِيَّا يأكُلُه أكلًا له هنيَّا … ثم تزورُ جَدَثًا قصيَّا في ملحدٍ تُلقَى به نسيَّا (٤) … قضاء ربٍّ لم يزل خفيَّا (٥) يعلمُ منكَ الجهرَ والخفيَّا … وكان وعدُ ربِّنا مأتيَّا محمدُ بن الحسن بن طَرِيف أبو بكر الأَعْين البغدادي. كان الإمامُ أحمد ﵀ يثني عليه، ويقول: رحمَ الله الأعين، إنِّي لأغبِطهُ، لقد ماتَ ولا يعرفُ إلَّا الحديث، ولم يكن صاحب كلام. مات ببغداد في هذه السنة (٦). وقيل: في سنة أربعين (٧). سمع سعيد بن أبي مريم وغيره، ورَوى عنه أبو زُرعة الرازيُّ وغيره. وكان ثقةً. محمد بن العلاء بن كُرَيب أبو كُرَيب الهَمْداني الكوفي.

стр. 6973

لم يكن بعد الإمام أحمد ﵀ أحفظ منه، شاع عنه أنَّه كان يحفظُ ثلاثَ مئة ألف حديث، وتوفي في جمادى الآخرة (١). أسند عن عبد الله بن المبارك وغيره، وروى عنه البخاريُّ ومسلم وغيرهما. وغَلبتْ عليه اليبوسة، فقال الطبيب: غلِّفُوا رأسَه بالفالوذج، فغلَّفُوه، فتناوله من رأسه فأكله، وقال: بطني أحوجُ إلى هذا من رأسي. وقال عبدُ الله بن محمد بن الورَّاق (٢): جئنا إلى أحمد بن حنبل، فقال: من أين جئتم؟ قلت: من مجلس أبي كُريب، فقال: اكتبوا عنه، فأنَّه شيخٌ صالحٌ، فقلنا: فإنَّه يطعنُ عليك، فقال: فأيُّ حيلةٍ لي، شيخٌ صالح قد بُلِي بي. وأوصى أن تدفنَ كتبُه، فدفنت. محمد بن أبي العتاهية أبو عبد الله الشاعر، ويلقب عتاهية، كان زاهدًا عفيفًا طَاهر اللسان، حذا حذو أبيه في القول والزهد، ومن شعره يقول: [من السريع] لربما غُوفِصَ (٣) ذو شِرَّةٍ … أصحَّ ما كان ولم يَسْقَمِ يا واضعَ الميِّتِ في قبره … خاطبكَ اللحدُ فلم تفهمِ وقال أيضًا: [من مخلَّع البسيط] قد أفلح الساكتُ الصموتُ … كلامُ راعي الكلام قوتُ ما كلُّ نطقٍ له جواب … جوابُ من (٤) يُكرهُ السكوتُ يا عجبًا لامرئٍ ظَلُومٍ … مُستيقنٍ أنَّه يموتُ * * *

стр. 6974

السنة الخامسة والأربعون بعد المئتين فيها عمَّت الزلازلُ الدُّنيا، فأخربت القلاع والمدن والقناطر، وهلكَ خلقٌ كثيرٌ من أهل العراق والمغرب، [وأنطاكية، وسقط فيها] (١) ألفٌ وخمس مئة دار، ونيِّفٌ وتسعونَ برجًا، وسمعوا من السماء والكوى والأزقَّة أصواتًا هائلة، وهربَ أهلُها إلى البريِّة، وتقطَّع جبلُها الأقرع، وسقطَ في البحر، فهاج البحرُ من ذلك، وارتفع منه دخانٌ أسود منتن، وغار نهرها. وامتدَّت الزلزلة إلى حمص، وحماة، وحلب، ودمشق، وطَرَسُوس، وأَذَنَة، والمَصِّيصَة، وسواحل الشام، وزُلزِلت اللاذقيَّة، فوقعت على أهلها، فما نجا منهم إلَّا اليسير، وذهبت جَبَلة بأهلِها. وعبرت الزلزلةُ الفرات بعد أن هدمت بَالِسْ وما حولَها وحَرَّان والرُّهَا والرقَّة ورأس عين [و] المَوْصل، وامتدَّت إلى خُرَاسان، فمات خلقٌ لا يحصون كثرةً. وأمر المتوكِّلُ بثلاثة آلاف ألف درهمٍ للذين أصيبوا بمنازلهم. وزُلزلت مصر وبلبيس وسمعَ أهلُها من ناحية مصر ضجةً هائلةً، فماتَ من أهل بلبيس خلقٌ كثير (٢). وظهرت نارٌ من السماء من ناحية القبلة. وغارت عيونُ مكَّة (٣). [فصل:] وفيها أمر المتوكِّلُ ببناء الماحوزة، وأقطع القوَّاد والحاشية مواضعَ من بنائها، وانتقل إلى المحمديَّة ليتمَّ البناء، وسمَّاها الجعفريّ، وأنفقَ عليها أكثرَ من ألفي

стр. 6975

ألف دينار، وأحضر القرَّاء فقرؤوا، وأحضرَ أصحاب الملاهي فلعبوا، ووهبَ لهم ألفي ألف درهم، وبَنى فيها قصرًا سمَّاه اللؤلؤة، لم يُرَ مثلُه في علوِّه وارتفاعه، وأمرَ بحفر نهرٍ يأخذ من فراسخ فوق الماحوزة، [يأخذ من مكان يقال له: كَرْمَى،] يكون شِربًا لما حولها، وقَدَّر للنهر من النفقة مئتي ألف دينار، وأخذ الخَصَاصَة العُليا والسفلى -وهما قريتان [وكَرْمَى أيضًا قرية]- وأمرَ أهلها ببيعِ منازلهم وإخراجهم منها، وألقى في حفر النهر اثني عشرَ ألف رجل [يعملون فيه، فأقاموا يعملون] (١) فيه حتى قُتِل المتوكِّل، فبطلَ النهرُ، وخربت المَاحُوزة، ونُقِضَ القصر (٢). وفيها أغارت الروم على بلاد حلب ووصلوا سُمَيسَاط (٣)، فقتلوا خمس مئةٍ من المسلمين وسبوا وعادوا (٤). وغَزا الصائفة عليُّ بن يحيى الأرمنيّ، فلم يظفر بهم. وحجَّ بالناس محمدُ بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام. وردَّ المتوكِّلُ النيروزَ إلى عهد أردشير رفقًا بالرعية وأهل الخراج، فوافقَ ذلك يوم السبت [لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع عشرة خلت من حزيران، ولثمان وعشرين من] (٥) أرديبهشت (٦)، فقال البحتري: [من الخفيف] إنَّ يوم النيروزِ عادَ إلى العهـ … ـــد الذي كان سَنَّه أردشيرُ (٧) وكان الخلفاءُ قبل المتوكِّل غيَّروه، [والله أعلم بالصواب].

стр. 6976

وفيها توفي (١) إسحاقُ بن أبي إسرائيل - واسمه إبراهيم- أبو يعقوب المروزيّ. ولد سنة خمسين ومئة، ومات بسامرَّاء. سمع حمَّادَ بن زيد وغيره. وأخرج عنه البخاري (٢) وغيره، إلَّا أنَّهم توقَّفوا في الرواية عنه؛ لأنَّه كان واقفيًّا لا يقول: القرآن مخلوق ولا غير مخلوق، وكان يقول: لا أقول هذا على الشكّ، ولكن أسكتُ كما سكتَ القوم قبلي، فذمُّوه لسكوته (٣). وقال حفص بن عمر المِهْرَقَانيّ: رأيتُ النبيَّ ﷺ في النوم واقفًا على باب إسحاق وهو يقول: عنَّيتني إليك من ألفٍ وخمسين فرسخًا، أنت الذي تقف في القرآن؟! (٤) وقال أحمد (٥) بن المدبر الكاتب: كنَّا عند المتوكِّل، فدخلَ عليه إسحاق، فقال: يا أمير المؤمنين، حدَّثنا الفضيلُ بن عياض، عن هشام بن حسَّان، عن الحسن أنَّه قال: المصافحةُ تزيدُ في المودَّة، فمدَّ المتوكِّل يدَه فصافحَه (٦). الحسين بن علي بن يزيد أبو علي الكرابيسيّ، كان يبيعُ الكرابيس (٧)، وهي ثيابٌ من الكرابيس معروفة. كان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ذامًّا له يقول: مات بشر المريسيّ، وخلفَه حسينٌ الكرابيسيّ. وكان حسينٌ من اللفظيَّة، يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. وجاء رجلٌ إليه فسألَه عن القرآن، فقال: لفظي به مخلوق. وجاء رجلٌ (٨) إلى الإمام

стр. 6977

أحمد رحمة الله عليه فأخبره، فقال: بدعة، فرجع إلى الكرابيسي فأخبرَه، فقال: أيشٍ أعملُ بهذا الصبي، إن قلنا: لفظُنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة (١). ولمَّا سمعَ الناسُ كلام الكرابيسيِّ في الإمام أحمد ﵀ تركوا الروايةَ عنه. ولعنه ابن معين وقال: إنَّما يتكلم في الناس أشكالُهم، ما أحوجه إلى أن يُضْرَبَ. وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: أظهرَ حسين رأيَ (٢) جَهْمِ بن صفوان، وإنَّما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي صنفوها، وتركوا الآثار، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فممَّن يسمع؟ وتوفي في هذه السنة، وقيل: سنة سبع وأربعين (٣). سمع من الشافعي رحمة الله عليه وغيره، وروى عنه محمد فُسْتُقة. سوَّار بن عبد الله ابن سوَّار بن عبد الله بن قُدامة، أبو عبد الله العنْبَريّ البصريّ، كان عالمًا فاضلًا فقيهًا زاهدًا شاعرًا ديِّنًا أديبًا. نزل بغداد، ووليَ بها القضاءَ في الرُّصافة شرقي بغداد سنة سبعٍ وثلاثين ومئتين. وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه يثني عليه ويقول: ما بلغني عنه إلّا الخير. وإن كان عنده دفعه (٤)، فقال فيه الشاعر: [من البسيط]

стр. 6978

ما قال لا قطُّ إلَّا في تشهُّده … لولا التشهُّد لم تسمعْ له لاء (١) ودخلَ الحمَّامَ يومًا، فجاءَ على قلبه شيء من الوجد (٢) فقال: [من الطويل] سَلَبْتِ عظامي لحمَها فتركتِها … عواريَ ممَّا نالها تتكسَّرُ وأخليتِ منها مخَّها فكأنَّها … قواريرُ في أجوافها الريحُ تَصْفُرُ خذي بيدي ثمَّ ارفعي الثوبَ تنظُري … ضنا جَسدي لكنَّني أتستَّرُ ودخلَ الحمام يومًا خلفَه رجلٌ، وقد استلقَى على ظهره يتغنَّى، فقال له: أيُّها القاضي مسألة، فقال: ليس هذا موضعَ المسائل، فقال: إنَّما هي من مسائل الحمَّام، فضحك وقال: سل، فقال: أنت القائل: سَلَبْتِ عظامي لحمَها؟ فقال: نعم، قال: فإنَّه يُتَغَّنى بها، فقال: لو شهدَ الذي يُغنِّي بها عندي لأجزتُ شهادتَه (٣). ودخل سوَّار يومًا على محمد بن عبد الله بن طاهر، فقال له: أيُّها الأمير، إني قد جئتُك في حاجةٍ رفعتُها إلى الله قبلَ أن أرفعَها إليك، فإنْ قضيتَها حمدنَا الله وشكرنَاك، وإن لم تقضهَا حمدنا الله وعذرنَاك، فقضى جميعَ حوائِجه (٤). وقال محمَّد بن سلَّام: كان حمَّاد بن موسى صاحبَ أمر محمد بن سليمان والي البصرة والغالبَ عليه، فحَبسَ سوَّارُ رجلًا، فبعث حمَّاد من أخرجه من الحبس، فجاء خصمه إلى سوّار، فأخبره، فجاء سوّار فدخل على محمد بن سليمان وهو في مجلسه، والناس على مراتبهم، فجلس حيث يراه محمد، ثمَّ دعا قائدًا من قواد محمد، ثمَّ بآخر وآخر، فقال لهم: أسامعون أنتم مطيعون؟ قالوا: نعم، قال: انطلقوا إلى حمَّاد بن موسى، فضعوه في الحبس، أفنظروا إلى محمد بن سليمان، فأشارَ إليهم أن افعلوا ما أمرَكم به، فانطلقوا إلى حمَّاد فوضعوه في الحبس،] (٥) وانصرفَ سوَّار إلى منزله، فلمَّا

стр. 6979

كان العشاء أرادَ محمدٌ الركوبَ إلى منزل سوَّار، وجاءته الرسلُ تخبره بذلك، فقال: بل أنا أولَى بالركوب إليه، فركب، فتلقَّاه محمد، وقال: كنت على المجيء إليك يا أبا عبد الله، فقال: ما كنتُ لأجشم الأميرَ ذلك، فقال: بلغني ما صنعَ هذا الجاهل حمَّاد، فإن رأيتَ أن تهب لي ذنبَه، فقال: إنْ ردَّ الرجلَ إلى الحبس، قال: نعم بالصغر والذل، فردَّه إلى الحبس، وأخرج حماد. وكتبَ بذلك صاحبُ الخبر إلى الرشيد، فكتب إلى سوَّار يجزيه خيرًا ويحمدُه على ما فعل، وكتب إلى محمد كتابًا غليظًا يذكر فيه حماد، ويقول: الرافضيُّ ابن الرافضيّ، والله لولا أنَّ الوعيد أمامَ العقوبة ما أدَّبتُه إلَّا بالسيف؛ ليكون عظةً لغيره، ونكالًا على مَنْ يعتاب (١) على قاضي المسلمين في رأيه، ويركب هواهُ لموضعِه منك، ويعترضُ في الأحكام استهانةً بأمر الله تعالى وإقدامًا على أمير المؤمنين، وما ذاك إلَّا بك وبما أرخيتَ من رسنه، وبالله إن عاد إلى مثلها ليجدنِّي أغضبُ لدين الله وأنتقمُ لأوليائه من أعدائه. وكانت وفاةُ سوَّار في شوَّال بعد أن كُفَّ بصرُه. حدَّثَ عن عبد الرحمن بن مَهْدِي وغيره، ورَوى عنه عبدُ الله ابن الإمام أحمد ﵀ وغيره، وكان صدوقًا ثقةً (٢). عبد الرحمن بن إبراهيم ابن عَمرو بن ميمون، أبو سعيد القُرَشيّ مولاهم، ويعرف بالقاضي دُحَيم. ولد في شوَّال سنة سبعين ومئة، وولي القضاءَ بدمشق وطَبَرِيّة والرَّمْلَة، وكان ينتحلُ مذهب الأوزاعيِّ في الفقه، ومات بالرملة يوم الأحد لثلاث عشرة بقين من رمضان (٣). سمع سفيانَ بن عُيينة وخلقًا كثيرًا غيره، وروى عنه الإمامُ أحمد رحمة الله عليه - وهو أكبر منه - والبخاريُّ وغيرهما. واتَّفقوا على صدقِه وورعِه وأمانته، حتى قال الإمام

стр. 6980

أحمد: دُحَيم عاقلٌ ركين (١). [وفيها توفي أبو تراب النَّخْشَبيّ واسمه عَسْكَر بن محمد (٢) بن الحُصَين] (٣) الزاهدُ العارف، [صحب حاتم الأصمّ، وأبا حاتم العطَّار البصري، و] كان من جِلَّة مشايخ خُرَاسان [المذكورين، و] المشهورين بالعلم والفتوَّة والورع والزهد والتوكُّل. [وروى الخطيب عن أبي عبد الله بن الجلَّاء قال:] (٤) لقيتُ ستَّ مئة شيخ، ما لقيتُ منهم مثل أربعة، منهم (٥) أبو تُراب النَّخْشَبيّ. [ذكر طرف من أخباره: ذكر بعضها في "المناقب"، حكى الخطيب عن أبي عبد الله بن الجلَّاء قال:] (٦) قدمَ أبو تراب مرة إلى مكَّة (٧)، فقلت له: يا أستاذ، أين أكلت؟ فقال: جئت بفُضولك، أكلت أكْلَة بالبصرة، وأكْلَة بالنِّباج (٨)، وأكْلَة عندكم. وكان يحجُّ على قدم التوكُّل. [و] قال أبو عبد الرحمن السلميّ: قدم أبو تراب بغداد غيرَ مرَّة، واجتمع بالإمام أحمد، فسمعه يقول: فلانٌ ثقةٌ، وفلان غيرُ ثقة، فقال له: يا شيخ، [هذه غيبة، أو:] لا تغتاب المسلمين، فقال [له] الإمام أحمد ﵀: هذه نصيحة لا غيبة (٩).

стр. 6981

[وروى الخطيب عن الحسين بن خَيران الفقيه قال:] (١) مرَّ أبو تراب بمُزَيِّن، فقال له: تحلِقُ رأسي لله تعالى؟ قال: نعم، اجلس، [فجلس]، فبينا هو يحلقُ رأسَه إذ مرَّ به أميرٌ من أهل بلده، فقال لحاشيته: أليسَ هذا أبو تراب؟ قالوا: نعم، فقال: أيشٍ معكم؟ فقال رجل من خاصَّته: معي خريطةٌ فيها ألف دينار، قال: ادفعها إليه إذا قام، واعتذر إليه، وقل له: لم يكنْ معنا غيرُها، فجاء الغلام إليه بها، واعتذر، وقال له ما قال الأمير، فقال أبو تراب: ادفعها إلى المزيِّن، فقال للمزيِّن: خُذها، فقال [المزيِّن:] أنا حلقتُ رأسَه لله، والله لو أعطاني ملكَ الدنيا ما أخذتُه (٢)، فقال أبو تراب للرسول: قل له: ما رضيَ المزيِّن يأخذها، فخذها أنت، اصرفها في مهماتك. [وحكى عنه أبو نُعيم الأصفهاني قال:] بيني وبينَ الله عهدٌ ألا أمدَّ يدي إلى حرام إلَّا قصرت يدي عنه (٣). [وحدثنا غير واحدٍ عن أبي بكر بن حبيب العامري، بإسناده إلى أبي العباس الشرقيّ قال:] (٤) كنَّا مع أبي تراب بطريق مكَّة، فمرض، فعدلْنَا عن الطريق، فقال بعضُ أصحابه: أنا عطشان، فضرب أبو تُراب برجله الأرضَ، فإذا عينُ ماء مثل الزُّلَال، فقال السائل: أحبُّ أن أشربه في قدحِ زجاجٍ أبيض، فضرب أبو تراب بيده إلى الأرض، فأخرج قدحًا من زجاجٍ أبيض كأحسن ما رأيت، فشربَ وسقانا، وما زال القدح معنا إلى مكَّة، فقال [لي:] ما يقولُ أصحابُك في هذه الأمور التي يكرمُ الله بها عباده؟ فقلت: ما رأيتُ أحدًا إلَّا وهو يؤمنُ بها، قال: ما سألتُك إلَّا عن الأحوال، قلت: ما أعرفُ لهم فيه قولًا، فقال: بلى، زعموا أنَّها خُدع من الحقّ (٥)، وليس كما

стр. 6982

زعموا، إنما الخدع تكون في حال السكون إليها، فأمَّا من لم يعرِّج على الملك في اعتناق (١) الحقائق، فتلك مرتبةُ الربانيين. [وقال ابن باكويه:] كان أبو تراب يقولُ لأصحابه: من لبسَ منكم مرقعةً، أو قعدَ في خانكاه أو مسجدٍ، أو قرأ القرآن وأحدٌ يسمعُه، فقد تعرَّضَ للسؤال، [أو سأل الناس]. [وروى ابن باكويه عنه أنَّه قال: كنت في السفر، فاشتهت نفسي عليَّ خبزًا وبيضًا] (٢)، فعدلتُ إلى قريةٍ، فوثبَ عليَّ رجل من أهلها، فتعلَّق بي وقال: هذا كان مع اللصوص، فبطحوني وضربوني سبعينَ خشبةً، فوقفَ عليهم رجلٌ فعرفني، فصاح وقال: ويلَكم ما صنعتُم؟! هذا أبو تراب، فأطلَقوني واعتذرُوا إليَّ، وأدخلني الرجلُ إلى منزله، فقدم لي خبزًا وبيضًا، فقلتُ في نفسي: كل بعد سبعينَ خشبةً. [وقد ذكرها الخطيب، وقال: ما تمنَّت علي نفسي شيئًا قطُّ إلَّا مرَّةً واحدةً، تمنَّت خبزًا وبيضًا (٣). قلت: قد كان ينبغي أن لا يأكلَ البيض لوجهين؛ أحدهما: لما جرى عليه من الضرب، والثاني: عقوبة لنفسه، ومجاهدةً لها. وحكوا عن ابن باكويه أيضًا عن محمد بن يوسف البنَّاء قال:] (٤) كان أبو تراب صاحبَ كرامات، سافرنَا معه إلى مكَّة ومعه أربعون فقيرًا، فأصابتنا فاقة، فعدلَ بنا عن الطريق، وجاءنا بـ[عِذْق] موز، فتناولنا منه، وكان معنا فقيرٌ، فلم يأكل، فقال له [أبو تراب:] كل، فقال: الحالُ التي اعتقدتُها ترك المعلومات، وجعلتك معلومي، فقال:

стр. 6983

كنْ مع ما وقع لك (١). [وحكى عنه ابن باكويه أيضًا قال:] (٢) خرجتُ إلى مكَّة، فقلتُ لأصحابي: امضُوا على طريق وأنا على غيرها، والموعدُ مكَّة، [قال:] فمضوا، وسرتُ وحدي وساروا، وجعتُ وجاعوا، فصادَ بعضُهم ظبيًا، فذبحه وشواه، وجلسُوا يأكلون، فانقضَّ عليهم نسرٌ فأخذَ قطعةً من الظبي، وجاء إليَّ وأنا أمشي وحدي، فألقَاها إليَّ فأكلتُها، فلمَّا اجتمعنا بمكَّة، حكوا لي حكاية النسر، فقلت: أنا أكلتُ الشوي، فنظرُوا فإذا كلُّنا [قد] أكلنَا في وقتٍ واحد. وقال [يوسف] بن الحسين الرازي: صحبتُ أبا تراب في طريق مكَّة خمسين حجَّة (٣) على غير الجادة، وكنتُ أشاهدُ منه العجائب، فرأى يومًا في وجهي أثرَ الجوع، فقال: التفتْ فالتفتُّ، فإذا برغيفٍ وكوز ماء، فقال: كل، قلت: وأنت؟ قال: يأكلُ من اشتهاه، [فأكلت] (٤). وقال أبو تراب: دخلتُ البادية ومعي ثلاثُ مئة تلميذ على التوكُّل، ومعنا جِمالٌ، فوقع الموتُ فيها، وضعفَ أصحابي عن المشي، فهتفَ بي هاتفٌ: يا أبا تراب، لا نرى لك قدمًا إلا والله قدَّمكَ فيها، ألم تر إلى موسى ﵇ لما قال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا﴾ [طه: ١٨] وادعى ملكًا ورأى نفسه، قال الله تعالى: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فقلت: أنشدُك الله، من أنت؟ قال: الخضر، وقد وكَّلني الله بقلوبِ أوليائه، إذا شردت عنه رددتُها إليه، يا أبا تراب، التلف في أول قدم، والنجاة في آخره، فأخذني الاستقلال من وقتي، فلا أدري أسائرًا كنت أو طائرًا (٥).

стр. 6984

[ذكر] نبذة من كلامه: قال: إذا أَلِفَت القلوبُ الإعراضَ عن الله صحبَتْها الوقيعةُ في أوليائه (١). وقال: أنتم تحبُّون ثلاثةَ أشياء، وليست لكم، النفس والروح، وهما لله، والمال، وهو للورثَة. وقال: الوصولُ إلى الله درجات أوَّلُها الرضا، وأعلاها (٢) التوكُّل، وليس في العبادات شيءٌ أصلح للقلوب من إصلاحِ الخواطر. وقال له رجل: ألك حاجة؟ قال: يومَ يكون لي إليك وإلى أمثالك حاجة، لا يكونُ لي إلى الله حاجة (٣). وقال: الفقيرُ قُوْتُه ما وجد، ولباسُه ما ستر، ومسكنُه حيث نزل. وقال: من استفتحَ أبواب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وُكِلَ إلى حولِهِ وقوَّته، قيل له: وما مفاتيح الأقدار؟ قال: الرضا بما يَرِدُ عليه من أسباب الغيب. ذكر وفاته: [واختلفوا فيها على قولين أحدهما حكاه ابن الجلَّاء عنه] قال: وقفتُ بعرفات خمسًا وخمسين حِجَّة، فقلت في آخر حجة: اللهمَّ [إنْ كان في هذا الخلق، من لم تقبل حجَّه، فاجعل ثوابَ حجِّي له، [قال:] وبتُّ بجمع، فرأيت في المنام قائلًا يقول أو هاتفًا يهتف بي: أتتسخَّى عليَّ وأنا أسخى الأسخياء؟ وعزَّتي ما وقفَ أحدٌ هذا الموقفَ إلَّا غفرتُ له، فانتبهتُ وأنا مسرور بهذه الرؤيا، فقصيتها على بعض المشايخ (٤)، فقال: إنْ صدقَتْ رؤياك عشتَ أربعين يومًا. قال ابن الجلَّاء: فماتَ عند الأربعين، فغسَّلوه وكفَّنوه ودَفنوه [﵀، حكى هذا القول الخطيب (٥)، والثاني

стр. 6985

حكاه الخطيب أيضًا وأبو نُعَيم والسُّلَمي وابنُ خميس في "مناقب الأبرار" وغيرهم، أنَّه مات بالبادية وأنَّ السِّباعَ نهشته (١). [وحكاه ابن الجلَّاء أيضًا، قال أبو نعيم:] قال ابن أبي عمران الإصطخريّ (٢): أنَا والله رأيتُه في البادية قائمًا لا يمسكه شيء. أسند أبو تراب الحديثَ عن محمد بن نُمَير، ونُعيم بن حمَّاد وغيرهما، واشتغلَ بالعبادة والحجِّ والسياحات والمجاهدات وتدقيقِ الورع عن الرواية. [انتهت ترجمةُ أبي تراب، والحمدُ لله وحده.] (٣) محمد بن حبيب (٤) مولى بني هاشم، كان عالمًا بالأنساب وأيَّام العرب، حافظًا متقنًا، موثَّقًا في روايته صدوقًا. توفي بسامرَّاء في ذي الحجَّة. حَدَّث عن هشام بن محمد الكلبيّ، وروى عنه أبو سعيد السُّكَّريّ. واختلفوا في حبيب، فقال الخطيب: هو اسم أمِّه، وهو ولد ملاعنة. وقال غيره: هو اسم أبيه. وهو الظاهر (٥). محمد بن رافع ابن أبي رافع بن أبي زيد (٦) القُشيريّ النيسابوريّ، إمامُ عصره بخراسان علمًا وعملًا وزهدًا وورعًا.

стр. 6986

رحل إلى البلاد، ولقي الشيوخ، وسمع الكثير. بعث إليه عبد الله بن طاهر بخمسة آلاف درهم على يد رسول له، فدخلَ عليه بعدَ صلاة العصر وهو يأكلُ الخبزَ مع الفُجْل، فوضع الكيسَ بين يديه، وقال: بعثني إليك الأمير عبد الله بن طاهر بهذا تنفقه عليك وعلى أهلك، فقال له: خذه خذه، فإنِّي لا أحتاجُ إليه، فإنَّ الشمسَ قد بلغت رؤوسَ الجبال، وإنما تغربُ بعد ساعة، وقد جاوزتُ الثمانين، إلى متى أعيش؟ وردَّ المال، ولم يقبله، فأخذ الرسولُ المال وخرج، ودخل عليه ابنُه في الوقت وقال: يا أبت، ليس عندنا الليلةَ خبزٌ، فبعث ببعضِ أصحابه خلفَ الرسول ليردَّ المال إلى ابن طاهر؛ فزعًا من أن يذهبَ ابنُه خلف الرسول فيأخذ المال. وقال زكريا بن في دلّويه: ربما كان يخرج محمدُ بن رافع إلينا في الشتاءِ الشَّاتي، وقد لبس لحافَه الذي يلبسه بالليل. قال الحاكم: وقد دخلتُ داره وتبرَّكتُ بالصلاة في بيته، واستندت إلى الصنوبرة التي كان يستندُ إليها. وتوفي بنيسابور، وصلى عليه محمدُ بن يحيى. ورؤي في المنام، فقيل له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: بشَّرني بالرَّوح والراحة. سمع سفيانَ بن عيينة وغيره، وأخرج عنه البخاريّ ومسلم، وكان رفيقَ الإمام أحمد لمَّا خرج إلى عبد الرزاق، فكان فوق الثقة باتِّفاقِ الحفَّاظ. محمد بن القاسم أبو الحسن المعروف بماني المُوَسْوس، من أهل مصر، قدم بغداد أيام المتوكِّل، وكان من الظِّراف اللِّطاف، توفي بسامراء. ومن شعره: [من الخفيف] زَعمُوا أنَّ من تشاغلَ باللذ … ــذات عن من يُحِبُّهُ يَتسلَّى كذبُوا والذي تُقادُ له البُدْ … نُ ومن عاذَ بالطوافِ وصَلَّى

стр. 6987

إنَّ نارَ الهوى أحرُّ من الجمـ … ــر على قلبِ عاشقٍ يَتقلَّى (١) نجاح بن سَلَمَة كان على ديوان التواقيع للمتوكِّل، وكان يتتبع العُمَّال ويرافعهم، فسعى بهم إلى المتوكِّل، فكان ممَّن سعَى به الحسن بن مَخْلد، وموسى بن عبد الملك، وأنَّهما قد خانا، وأنَّه يَستخرج منهما أربعين ألف ألف درهم، فقال له المتوكل: تعال غدًا لأدفعهما إليك، فأصبحَ غاديًا إلى دار المتوكِّل، فلقيَه الوزيرُ عبيدُ الله [بن يحيى] (٢) بن خاقان، وكان الحسن وموسى من أصحابِه، فقال لنجاح: ما الذي دعاكَ إلى ما فعلت؟! أنا أصلح بينكما (٣)، ومهما شئتَ أخذتُ لك منهما، وتكتب رقعةً للمتوكِّل أنك كنت سكران، ولم يزل يخدعه حتى كتبَ رقعةً بما قال الوزير ذلك خوفًا على نفسه، وأخذ الكتابَ ودخل الوزيرُ على المتوكِّل، وقال: يا أمير المؤمنين، قد رجعَ نجاح عمَّا قال، وهذا خطُّه، والحسن وموسى يكفلان بما رُفِع عليهما، فقال سلِّمه إليهما، فسلَّمه إليهما وولديه وكاتبه، فأقرُّوا بأموالٍ عظيمة، وضُرِبَ حتى مات، وقيل: عصروا خصيتيه فمات، فقال الشاعر: [من البسيط] ما كان يَخشى نجاحٌ صَوْلةَ الزمنِ … حتى أُديل لموسى منه والحَسَنِ غدا على نِعَمِ الأحرارِ يَسلبُها … فراحَ صفرًا سليبَ المالِ والبدن (٤) وقيل: إنَّه أخذَ منهم ثلاث مئة ألف دينار، وقيل: إنَّ الحسنَ كان على ديوان الضياع، وموسى على ديوان الخراج، وكانا لا يخالفان الوزير فيما يأمرُهما به، وكان نجاح بن سَلَمة ينادمُ المتوكل، فرفع عليهما كما ذكرنا. وقيل: إنَّ المتوكِّل لما عزم على بناء القصر الجعفريِّ قال له نجاح: يا أمير المؤمنين، أسمِّي لك أقوامًا تأخذُ منهم ما تبني به قصرك ومدائن، قال: نعم، فسمَّى الحسن وموسى، وعيسى بن فَرُّخَنشاه وغيره (٥).

стр. 6988

هشام بن عمَّار ابن نُصَير بن ميسرة، أبو الوليد السلميّ، راوية الوليد بن مُسْلِم، وخطيب دمشق، وقارئ أهلها ومفتيهم. ولد سنة ثلاثٍ وخمسين ومئة، وهو أحدُ المكثرين الثقات الذين انتشرَ حديثُهم في الدنيا. رحلَ إلى البلاد ولقيَ الشيوخ، وسمعَ فأكثر، وقال: باع أبي دارًا بعشرين دينارًا، وجهَّزني إلى الحجّ؛ لأسمعَ من مالك، فلما دخلتُ المدينةَ أتيتُ مجلسه، فرأيتُه في هيبةِ الملوك، وهو جالسٌ، والغلمانُ وقوفٌ بين يديه، والناسُ يسألونَه وهو يجيبهم، ومعي مسائل فقلت له: يا أبا عبد الله، ما تقول في كذا وكذا؟ فنظر إليَّ وقال: حصلنا على الصبيان! وأشار إلى غلامٍ، فحملني وضربني بدِرَّةٍ مثل درَّةِ المعلِّمين سبع عشرة دِرَّةٌ، فبكيتُ، فقال: ما يبكيك؟ أَوْجَعَتك هذه؟ قلت: باع أبي دارًا بعشرين دينارًا، وبعثَ بي إليك لأتشرَّفَ بالسماع منك فضربتَني! فقلت: من أنت؟ قلت: هشام بن عمار الدمشقي، فقال: اقعد، فقعدتُ، فحدَّثني سبعةَ عشر حديثًا، وأجابني عن المسائل. قرأ هشام القرآنَ على أيوب بن تميم وغيره، وكان إذا مَشى يُطْرِقُ برأسه ولا يرفعه إلى السماء حياءً من الله تعالى، وكان يغيِّرُ شيبَه اتِّباعًا للسنة. وكان يقول: الخلفاءُ خمسة؛ الأربعةُ وعمر بن عبد العزيز. وكان يقول في خطبته: قولُوا الحقَّ ينزلكمُ الحق منازلَ أهل الحق يوم لا يقضى فيه [إلا بالحقِّ] (١). مات هشام في المحرَّم هذه السنة بدمشق -وقيل: في سنة أربع وأربعين- وهو ابن اثنتين وتسعين سنة. أسند عن الوليد بن مسلم، ومالك بن أنس، وابن عيينة وغيرهم، ورَوى عنه الوليد

стр. 6989

ابن مسلم وهو شيخه، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام وغيرهما، منهم محمد بن شُعيب بن شَابور. وقيل لهشام: رَوى عنك الوليد بن مسلم!؟ يعظمون الوليد، فقال: قد روى عني من هو أكبر من الوليد، قيل: من هو؟ قال: محمد بن شعيب بن شابور. واتَّفقوا على صدقه وثقته ودينه، وجلالة قدره، وأنَّه لم يكن في زمانه مثله. وقال أحمد بن أبي الحواري: إنْ حدَّثتُ في بلدٍ فيه هشام بن عمار يجبُ أنْ تُحلَق. وأشارَ إلى لحيته. * * *

стр. 6990

السنة السادسة والأربعون بعد المئتين فيها غزا جماعةٌ من المسلمين بلاد الروم، منهم عمرو (١) بن الأقطع، وقريناس (٢)، والفضل بن قارن، وعليّ بن يحيى الأرمني، فأمَّا ابنُ الأقطع فأخرجَ من السبي سبعةَ آلاف رأس، وأخرج قريناس خمسةَ آلاف، وأما ابن قارن فغزا أنطاكية في البحر في عشرين مركبًا، ففتح حصنَها، وأما ابنُ الأرمنيّ فأخرجَ خمسةَ آلاف رأس، ومن الدوابِّ والرَّمَك (٣) والحمير نحوًا من عشرة آلاف (٤). وفيها تحوَّلَ المتوكِّل إلى الماحوزة -مدينتِه التي أمر ببنائها- يوم عاشوراء، وفرَّق في الصنَّاع والكتاب ومن وليَ البناءَ ألفي ألف درهم. ووقعَ الفداءُ في صفر بين المسلمين والروم على يدي عليِّ بن يحيى الأرمنيّ، ففودي بالفين وثلاث مئة ونيِّفًا. [ذكر القصَّة:] قال نصر بن أزهر الشيعيّ، وهو كان رسولَ المتوكِّل إلى ميخائيل ملك القُسْطَنطينية: لما دخلت القسطنطينية حُمِلتُ إلى دار ميخائيل بسوادي وقلنسوتي وسيفي، وكان خال الملك يقال له: بطرناس، [و] هو القيِّمُ بشأن الملك ومدبِّرُ دولتِه، فقال: لا سبيلَ أنْ تدخلَ على الملك بهذه الهيئة، قلت: لا أدخل إلا بها، وخرجت مغضبًا، فردُّوني من الطريق، وكان معي هديَّةٌ للملك، فيها ألفُ نافجة مسك، وثيابٌ كثيرة، وحريرٌ وزعفران وطرائف، ثم أُدخِلت على ميخائيل، وهو جالسٌ على سرير

стр. 6991

تحته سرير، فسلَّمتُ وجلست على طرف السرير، والبطارقةُ قيامٌ حولَه، فقدَّمتُ الهدايا، والترجمان يعبِّرُ ما أقول، فقَبِلها وسُرَّ بها، وأمر بإنزالي قريبًا منه وأكرمني، وأقمتُ عنده أربعةَ أشهر، حتى تقرَّر أمرُ الفداء وأن يعطوني جميعَ من عندهم من المسلمين، وأعطيَ جميع من عندي، وكان الذين عندي نحوًا من ألف، والذين عندهم أكثر من ألفين، وحلفتُ لهم وحلفوا لي، وجئنا إلى موضع الفداء، ولم يبقَ عندهم سوى خمسة أنفرٍ، من المسلمين، [اختاروا المقام عندهم] (١). وفيها مطرت سِكَّةٌ ببلخ دمًا عبيطًا. [وصلَّى المتوكل بالجعفريَّة صلاة الفطر، ولم يُصَلّ بسامرَّاء أحد.] وحجَّ بالناس محمدُ بن سليمان، وحجَّ فيها محمد بن عبد الله بن طاهر فوليَ أعمال الموسم، وحملَ معه ثلاث مئة ألف دينار؛ [مئةُ ألف] لأهل مكَّة، ومئةُ لأهل المدينة، ومئةُ ألف لما أمرت به أمُّ المتوكّل من إجراءِ الماء من عرفات إلى مكَّة، وأمر المتوكِّلُ أن يوقدَ على المشعر الحرام وجميع المشاعر الشمعُ، وكانوا [قبله] يوقدونَ الزيتَ والنفط (٢). وفيها توفي أحمدُ بن أبي الحَوارِيّ [واسم أبي الحواري] ميمون التغلبيُّ (٣). [هذا هو المشهور (٤).

стр. 6992

وقال الحافظ ابن عساكر: هو] (١) أحمد بن عبد الله بن ميمون بن عيّاش (٢)، أبو عبد الله (٣) الدمشقي. [وقال ابن منده: أصله من الكوفة، وسكن دمشق. قلت: والمشهورُ أنَّه دمشقيّ، وكنيته، أبو الحسن. [وذكره ابن سعد في الطبقة الثامنة من أهل الشام (٤)، وذكره أبو عبد الرحمن السلميّ فقال: هو] من قدماءِ مشايخ الشام، [من أهل دمشق]، تكلَّم في علوم المحبَّة والمعاملات، وصحب أبا سليمان، وأخذ طريقةَ الزهد من أبيه أبي الحواري. [قال السلميّ: وأبو الحواريّ اسمه ميمون قال: ولأحمد ابنٌ اسمُه عبد الله، وروى عن أبيه، وكان من الزُّهاد أيضًا. قال: وأبو الحواري] من أهل الزهد والورع (٥) أيضًا. وذكره أبو زرعة الدمشقي فقال:، قال أحمدُ بن أبي الحواري: قال لي أحمد بن حنبل: متى مولدُك؟ قلت: سنة أربع وستين ومئة، فقال: هو مولدي. وقال ابن ماكولا: واسم أبي الحواري عبدُ الله بن ميمون بن عيَّاش بن الحارث الثعلبيّ الغَطَفاني الزاهد (٦). وقيل: أصلُه من بعلبك. ذكر طرف من أخباره: [روى أبو نُعيم عن ابن مَعِين أنه قال:] (٧) ما أظنُّ أنَّ الله يَسقي أهلَ الشام الغيثَ إلَّا به.

стр. 6993

وكان الجنيد يقول: هو ريحانةُ أهل الشام. واشتهر أحمد بصحبةِ أبي سليمان الدارانيّ، وروى عنه معظم كلامه وحكاياته، [وقد ذكرناه في ترجمة أبي سليمان] (١). وله أيضًا الكلام الحسن والمجاهدات الكثيرة والواقعات العجيبة (٢). [وروى أبو نعيم عن العباس بن حمزة (٣) قال: حدثنا أحمدُ بن أبي الحواري، قال: بينا أنا يومًا في بعض بلاد الشام في قبَّةٍ في مقبرة، إذا بحائط القبَّة يدقّ، فقلت: من هذا؟ قالت: امرأةٌ ضالَّةٌ، فدُلَّني (٤) على الطريق، قلت: عن أيِّ طريق تسألين؟ قالت: عن طريق النجاة، وبكت، فقلت: هيهات هيهات، إنَّ بيننا وبينها عقابًا لا تقطع إلَّا بالسير الحثيث، وتصحيح المعاملة، وقطع العلائق الشاغلة (٥)، [قال: فـ]، بكت بكاءً شديدًا، [ثم] قالت: يا أحمد، سبحان من أمسكَ عليك جوارحَك فلم تتقطع، وحفظَ عليك فؤادك فلم ينصدع، ثم غُشي عليها. وكان هناك نساء، فقلت لبعضهنَّ: انظرن (٦) أي شيء حالُ هذه الجارية؟ فقمن إليها فحركنَها فإذا بها ميتة، وإذا في جيبها ورقةٌ، فقرأتُها، وإذا فيها مكتوب: كفنوني في أثوابي [هذه]، فإن كان (٧) لي عند الله خيرٌ فسيبدلني خيرًا منها، وإنْ كان غير ذلك فيا شقوتي. وإذا بخدمٍ وجوارٍ حاسرات، فأحطنَ بها، فكشف النساء [عن] رؤوسهن والخدم عمائمهنّ، وستروها بها، فسألتُ بعضَ الخدم عنها، فقال: هذه بنتُ الملك، وهؤلاء أخواتها، [فـ] غلبَ عليها حبُّ الله تعالى، فخرجت على وجهها، ونحن نكونُ حولَها من بعيد، وقد امتنعَتْ من الطعام والشراب، فحملنا لها الأطباء، فتقول: [دعوني،

стр. 6994

أو] خلُّوا بيني وبين الطبيب الذي أمرضني، فعنده شفائي، وفي رواية: خلُّوا بيني وبين الطبيب الزاهد أحمد بن أبي الحواري، أشكو إليه ما أجدُ من بلائي، فربَّما يكونُ عنده شفائي (١). [وذكر في "المناقب" (٢) طرفًا منها. وحكى القشيريُّ عن يوسف بن الحسين الرازي قال:] (٣) كان بين [أبي] سليمان وأحمد بن أبي الحواري عقدٌ أن لا يخالفَه في شيءٍ يأمرُه به، فجاءَ إليه أحمد يومًا وأبو سليمان يتكلَّم في مجلسه، فقال له: إن التنور قد سجر، فما تأمر؟ فلم يجبه، فألحَّ عليه مرتين أو ثلاثة، فكأنَّه ضاقَ صدرُه، فقال له: اذهب فاقعد فيه، فجاء أحمد فنزل في التنُّور، وتغافل عنه أبو سليمان ساعةً، ثمَّ ذكره، فقال: أدركوا أحمد فإنَّه في التنُّور، فذهبوا إليه، فإذا هو جالسٌ في التنُّور لم يحترق منه شعرة (٤). [وروى عنه ابن باكويه الشيرازي قال:] (٥) مررتُ براهب فرأيته [نحيفًا]، فقلتُ: منذ كلم أنت على هذا؟ فقال: منذ عرفت نفسي، قلت: فتداوى، قال: قد أعياني الدواء، وقد عزمتُ على الكيّ، قلت: وما الكيّ؟ قال: مخالفةُ الهوى. قال: ورأيتُ في المنام جاريةً ما رأيتُ أحسنَ منها، فقلت لها: ما رأيتُ أحسن من هذا الوجه، فقالت: أتذكرُ ليلةَ جلستَ في السحر فبكيت، قلت: نعم، قالت: حُمِلت إليَّ دمعتُك، فغسلتُ بها وجهي فصارَ كما ترى (٦). وحَكَى ابن عساكر أنَّ بعضَ أصحابِه وُلدَ له مولودٌ، فجاء إلى أحمد يطلب منه شيئًا، فقال: ما أصبحتُ أملكُ سوى هذين الثوبين، فخلعَ أحدَهما (٧)، فناولَه إيَّاه، ومضَى الرجل، وخرج أحمد من جامع دمشق من باب جَيرُون، فلقيه رجل على درج الجامع،

стр. 6995

فقال له: عمير بن جوصاء يسلِّم عليك ويقول: هذه ثلاثون دينارًا، انتفع بها، فصرخَ أحمد صرخةً عظيمةً وقال: ما هذه الغفلة، أَعطيت قميصًا واحدًا، [فـ] بعثَ إليَ بثلاثين دينارًا، ثمَّ وقع، فلو لم يمسكوه لتهشَّم وجهه. وولد لتلميذٍ له ولدٌ (١) ولم يكن عنده شيءٌ، فقال لتلميذه: اذهب إلى السُّوق، فاستسلف لنا وزنة دقيق، فعزَّ على التلميذ ذلك وقال: مثلُ هذا الشيخ يكون بين الناس لا يفتقدونه، وكان بعضُ التجار قد نذر إنْ سلم في البحر حملَ إلى أحمد مئتي درهم، فسلم، وبعثَ إليه في تلك الساعةِ بمئتي درهم، فأخبره خبره، فقال التلميذ الذي قال له أحمد: اذهب، فاستدن لنا الدقيق: الحمدُ لله، قد فرَّجَ الله عن الشيخ بهذه الدراهم، وإذا برجل قد دخل فقال: يا سيدي، قد ولد لي البارحةَ مولود، وليس عندي شيء، فرفع أحمد رأسَه إلى السماء وقال: يا إلهي كذا بالعجلة، ثم قال للرجل: خذها، فأخذ المئتي درهم، ثم قال للتلميذ: قُم فاستسلفْ لنا الدقيق. [ذكر] نبذةٍ من كلامه: [حكى عنه ابن باكويه الشيرازي] قال: إني لأقرأ القرآن، فأنظر في آية آية، فيحارُ عقلي فيها، فالعجبُ لقرَّاء القرآن، كيف يَلَذُّ لهم عيشٌ، أو يقرُّ لهم قرار، أو يشتغلوا بشيء من الدنيا؟! [وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي كان أحمد يقول:] كلما ارتفعت منزلةُ القلب كانت العقوبةُ إليه أسرع (٢). وقال: من نَظر إلى الدنيا نظرَ إرادةٍ وحُبٍّ (٣) لها، أخرجَ الله نورَ اليقين من قلبه. وقال: أفضلُ البكاء بكاءُ العبد على ما فات من أوقات المخالفات. وقال: من عملَ عملًا بغير اتِّباع السنة فعملُه باطل، وعلامةُ حبِّ الله حبُّ طاعته،

стр. 6996

وإذا (١) أحبَّ الله عبدًا أحبَّه، ولا يقدرُ العبدُ أن يحبَّ الله حتى يبتدئَه اللهُ [بالحب له، وذلك حين عرف منه الاجتهادَ في مرضاته. وقال: من أحبَّ أن يُعْرَف بشيءٍ من الخير أو يُذكَرَ به، فقد أشرك في عبادتِه؛ لأنَّ من عَبد، (٢) على المحبَّة لم يحب أنْ يَرى سوى خدمةِ مخدومه. وقال: الدنيا مزبلةٌ ومجمع الكلاب، وأقلُّ من الكلب من عكفَ عليها، فإنَّ الكلبَ يأخذُ منها حاجتَه ويتركُ الباقي، والمحبُّ لها لا يشبعُ منها أبدًا. وقال: إنَّما كرهَ الأولياءُ الموتَ لانقطاعِ ذكر الحبيب عنهم. وقال: إذا رأيتَ من نفسك غفلةً، ومن قلبك قسوةً، فجالسِ الذاكرين، واصْحَبِ الصالحين، ورافقِ الزَّاهدين، وأَحِبَّ المحبِّين، وقد زالتْ عن قلبك القسوة، وحصلت لك اليقظة. وقال [أحمد بن أبي الحواري:] (٣) لولا أنَّ السنَّة مضت بتقديمِ أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم ما قدمنا على عليٍّ رضوان الله عليه أحدًا؛ لسابقته وفضله ﵁. ذكر وفاته: واختلفوا فيها [خلافًا واسعًا على ثلاثة أقوال؛ أحدها: في] (٤) سنة ثلاثين ومئتين، حكاه الخطيب (٥). وذكره جدِّي في "المنتظم"، وقال: أحمد بن أبي الحواري؛ كان الجنيد يقول: هو ريحانةُ الشام. وقال ابن معين: أظنُ أهل الشام يسقيهم اللهُ الغيثَ به. وقال: قال أحمد: كلما ارتفعت منزلةُ القلب كانت العقوبةُ إليه أسرع. وتوفي هذه السنة، يعني سنة ثلاثين ومئتين (٦).

стр. 6997

قلت: هذه صورةُ ما ذكره جدِّي في "المنتظم"، ولهذا أعدتُه. والقول الثاني: في] (١) سنة إحدى وثلاثين [ومئتين. والقول الثالث: في] (٢) سنة خمس وأربعين [ومئتين. وحكى الحافظ ابن عساكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنَّه قال: قد قيل إنَّه مات في سنة ثلاثين ومئتين (٣). قال: وهو وهم (٤). وأهلُ الشام أعلم. قال أبو زرعة: مات أحمد، في رجب سنة ستٍّ وأربعين [ومئتين (٥). وحكاهُ عن جماعة]. وروى [ابن عساكر عن] الحسن بن حبيب، عن أبيه قال: دخلتُ على أحمد وقتَ الموت، وقد صار مثل الخيط، فأخرج يدَه من تحت الإزار وهو يبكي، وشالها إلى السماء وقال: واخطراه، وامخاطرتاه، ثمَّ تشهد ومات. [وفي رواية الخطيب عنه أنَّه قال:] (٦) لو خُيِّرت بين أن يسجرَ تنورٌ فأرمى فيه فأحترق، ولا أبعث، ولا أرى الحسابَ، لاخترتُ الوقوعَ فيه، قيل: فالجنَّة؟ قال: وأينَ الوقوف والحساب والتوبيخ بين يدي الله تعالى؟ [وقال الخطيب:] قدم أحمد بغداد، وحدَّث بها [رحمه الله تعالى] (٧)، وسمع (٨) الإمامَ أحمد بن حنبل، وسفيان بن عُيينة، وابن مَعِين، وغيرهم، وأخرج عنه أبو داود، وابن ماجه، وأبو زُرْعَة الرازي، وغيرهم.

стр. 6998

ومن رواياته: عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، عن أبيه (١)، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ، أمر الله ملكًا أن يكتبَ له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم". وقال يوسف بن الحسين الرازي: طلب أحمد العلم ثلاثين سنة، فلمَّا بلغ منه الغايةَ، حمل كتبهَ إلى البحر وقال: يا علم، لم أفعل بك هذا تهاونًا ولا استخفافًا، وإنما طلبتُك لأهتدي بك إلى الله تعالى، فلمَّا اهتديتُ استغنيتُ عنك، ثم رَمى بها في البحر. وقال ابن عساكر: قال أحمد: صحبتُ أبا سليمان مدَّة، وقلت: دلَّني، فقال: قد طلبتَ العلم واجتهدت، فاطلب لنفسكَ الخلاص، وإيَّاك أن يشغلكَ العلم عن الله، فرجعتُ فرميتُ بكتبي في الماء. ذكر زوجته: واسمها رايعة -بياء منقوطة باثنتين من تحت (٢) - وكانت في الزهدِ والعبادة مثل رابعة بالبصرة، [لا] بل أبلغ. [وروي عن أحمد بن أبي الحواري أنه قال:] (٣) كانت إذا طبخت قدرًا تقول لي: كلْها، والله ما أنضجَها إلَّا التسبيح (٤). [وروى أبو عبد الرحمن أنَّها قالت لزوجها أحمد:] (٥) ربما رأيتُ الحورَ العين يذهبنَ في داري ويجئن، ويستترنَ بأكمامهنَ منِّي (٦). [وروى ابن باكويه عن أحمد بن أبي الحواري قال:] (٧) قلتُ لرايعة، وكانت تقومُ

стр. 6999

الليل: قد رأينَا أبا سليمان، وتعبَّدنا معه، [ما] رأينا من يقوم من أول الليل، فقالت: سبحان الله، [مثلك] (١) يتكلَّم بهذا، أنا أقومُ إذا نوديت. [وحكى أبو نعيم عن سريٍّ السقطيّ قال:] (٢) قدمتُ الشام، فدخلتُ على أحمد بن أبي الحواري المسجدَ، فسلَّمتُ عليه وقلت: عظني وأوجز، فقال: ما أُحسِن، ولكن سر إلى المنزل، ففيه من يُحْسِن، [قال:] فخرجتُ أطلبُ منزله، وإذا براهبٍ كبيرٍ خلفَه راهبٌ صغير، فقلت للصغير: لم تتبع هذا؟ قال: لأنه طبيبي يسقيني الدواء، [قال:] فوردَ من كلامه على قلبي شيءٌ لا أعقله، فجئتُ إلى منزل أحمد فطرقت الباب، فكلَّمتني امرأته (٣) من وراء حجاب، فذكرتُ لها قول الراهب، [قال:] فقالت: يا ليت شعري، أيَّ دواء يسقيه؛ دواء الإفاقة أم دواء الراحة؟ فقلتُ: بيِّني ما تقولين، فقالت: أمَّا دواء الإفاقة فالكفُّ عن محارم الله ، وأمَّا دواءُ الراحة فالرضى عن الله تعالى، قال سريّ: فوالله ما خرجَ كلامها من قلبي أبدًا (٤). وقال أحمد: سمعتُ رايعة تقول: ما رأيتُ ثلجًا إلا ذكرتُ به تطايرَ الصحف، ولا جرادًا إلا ذكرتُ به الحشر، ولا سمعتُ أذانًا إلا ذكرتُ به منادي يوم القيامة. قال: ودفعت إليَّ يومًا خمسة آلاف درهم، وقالت: تزوَّج بهذه أو تسرَّى، فإنِّي مشغولة عنك. [قال:] وكانت تطبخُ الطعام وتقول: كُلِ اللحمَ، فإنَّك حديثُ عهدٍ بعرس، وتحتاجُ إليه، وكان لأحمد أربعة نسوة. قال أحمد: وكان لها أحوالٌ، ففي حالةِ غلبَ عليها الحبُّ تقول: [من الوافر] حبيبٌ ليس يعدلُه حبيبُ … وما لسواه في قلبي نصيبُ

стр. 7000

حبيبٌ غابَ عن بصري وسمعي (١) … ولكن عن فؤادي ما يغيبُ وتارةً يغلبُ عليها الأنس فتقول: [من الكامل] ولقد جعلتُك في الفؤاد محدِّثي … وأبحتُ جسمي من أرادَ جلوسِي فالجسمُ مني للجليس (٢) مؤانسٌ … وحبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي وتارةً يغلبُ عليها الخوف فتقول: [من الطويل] وزادي قليلٌ ما أراه مُبلِّغِي … أللزادِ أبكي أم لبعدِ مسافتي أتحرقُني بالنَّار يا غايةَ المنى … فأينَ رجائي فيكَ أين محبَّتي (٣) وتوفيت (٤) سنة تسع وعشرين ومئتين. دِعْبل بن عليّ ابن رَزِين بن عمَّار (٥) بن عبد الله بن يزيد (٦) بن وَرْقاء الخُزاعيّ. والدِّعبل البعيرُ المسنُّ العظيم الخَلْق، وكان دِعبلُ طوالًا ضخمًا، شُبِّه بالبعير. ولد سنة ثمان وأربعين ومئة، وبرعَ في علم الشعر والعربيَّة، وهو من الكوفة، وقيل: من قَرْقِيسيا، وكان أكثر مقامه ببغداد، وسافرَ إلى الشام وخراسان والبلاد، وصنَّف كتابًا في طبقات الشعراء، ذكر فيه جماعةً من أعيانهم، وكان هجَّاءً خبيثَ اللسان، أُطْرُوشًا، وفي قفاه سَلْعة. هجا المعتصم، والواثقَ، والمأمونَ، والرشيدَ، وطاهرَ بن الحسين، والوزراء، والكتَّاب. قال محمدُ بن عبد الملك الزيَّات يرثي المعتصم: [من المنسرح]

стр. 7001

قد قلتُ إذ غيَّبوهُ وانصرفوا … في خيرِ قبرٍ بخير مدفونِ لن يَجبُرَ اللهُ أمَّة فَقَدَتْ … مثلكَ إلَّا بمثلِ هارونِ فقال دعبل يعارضه: [من المنسرح] قد قلتُ إذ غيَّبوه وانصرفُوا … في شرّ قبرٍ بشرِّ مدفونِ اذهبْ إلى النار والجحيم فما … خَلْقُك (١) إلَّا من الشياطينِ ما زِلْتَ حتى عَقَدْتَ بيعةَ مَنْ … أضرَّ بالمسلمينَ والدينِ وكان إبراهيم بن المهدي يحرِّضُ المأمونَ على قتل دعبل، فقال المأمون: ما تحرِّضُني على قتله إلَّا لقوله فيك: [من الكامل] فلتَصلحنْ من بعده لمخارقِ (٢) ولقوله: خليفةٌ يرزق أجناده (٣) فقال إبراهيم: فقد قال فيك: أيسومُني المأمون خطَّة ظالمٍ … أو ما رأى بالأمسِ رأسَ محمدِ (٤) فقال المأمون: قد عفوتُ عن هجوه لأجل هجوه لك. ثم دخل أبو عبَّاد فقال المأمون: من يقدُم على أبي عبَّاد يُحجِمُ عن أحد؟ والله ما وقعتْ عيني على أبي عبَّاد إلَّا أضحكني قولُ دعبل: أولى الأمورِ بضيعةٍ وفسادِ … أمرٌ يدبِّره أبو عبَّادِ

стр. 7002

حنقٌ (١) على جلسائِه فكأنَّهم … حَضرُوا لملحمةٍ ويوم جلادِ وكأنَّه من ديرِ جنّة مقبلٌ (٢) … حَرِدٌ يَجرُّ سلاسلَ الأقياد ثم قال المأمون: أبو عبَّاد جاهلٌ حقود، وأنا أعفو وأصفح. وكان دعبلُ من شيعةِ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وقصيدتُه التائيَّة من أفخر الشعر وأحسن المديح. [قال دعبل: قصدتُ بها أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا، وهو بخراسان]، (٣) وهو وليُّ عهد المأمون، فدخلتُ عليه فقرَّبني وأدناني، فقلت له: يا أبا الحسن قد نظمتُ فيكم أهلَ البيت قصيدة، وآليتُ على نفسي أن لا أنشدَها لأحدٍ قبلَك، فجمعَ أهله ومواليه وقال: قل على خيرةِ الله تعالى، فقلت: [من الطويل] مدارسُ آياتٍ خَلت من تلاوةٍ … ومهبطُ وحي موحشُ العَرصاتِ لآلِ رسولِ الله بالخيفِ من منى … وبالبيتِ والتَّعريفِ والحجراتِ (٤) ديارُ عليٍّ والحسينِ وجعفرٍ … وحمزةَ والسجَّاد ذي الثَّفِنَاتِ (٥) ودارٌ لعبد الله والفضل صِنْوُه … ودارُ عبيدِ الله ذي الدَّعواتِ ديارٌ عفاها جورُ كلِّ منابذٍ … ولم تَعفُ بالأيام والسنواتِ قِفا نسأل الدارَ التي خَفَّ أهلُها … متى عهدُها بالصومِ والصلواتِ وأين الأُلى شَطَّت بهم غربةُ النَّوى … أفانينَ في الأطرافِ مفترقاتِ همُ أهلُ ميراثِ النبيِّ إذا اعتزَوا … وهم خيرُ ساداتٍ وخيرُ حماةِ قبورٌ بكُوفانٍ وأخرى بطيبةٍ … وأخرى بفخٍ نالها صلواتِ وقبرٌ بأرض الجُوزَجان محفُه … وقبرٌ بباخَمْرى لذي القربات (٦) وقبرٌ ببغدادٍ لنفسٍ زكيَّةٍ … تضمَّنَها الرحمنُ في الغُرُفاتِ

стр. 7003

نفوسٌ لدى النهرين من أرضِ كربلا … مُعرَّسُهم (١) فيها بشطِّ فراتِ تقسَّمهُم ريبُ المنونِ فما تَرى … لهم عَقْوَةً (٢) مغشيَّةَ الحُجُراتِ وقد كان منهم بالحجازِ وأرضِه … مغاويرُ نحَّارونَ للبَدَناتِ (٣) إذا افتخَروا يومًا أتَوا بمحمدٍ … وجبريلَ والقرآن ذي السُّورَاتِ مَلامَكَ (٤) في آل النبيِّ فإنّهم … أودّايَ ما عاشُوا وأهلُ ثقات تخيَّرتُهم رشدًا لأمريَ إنَّهم … على كلّ حالٍ خِيرَةُ الخيرَاتِ فيا ربِّ زدني في يقيني بصيرةً … وزدْ حبَّهم يا ربّ في حسناتي بنفسيَ أنتم من كهولٍ وفتيةٍ … لفكِّ عُنَاةٍ أو لحملِ دياتِ أحبُّ قَصِيَّ الرَّحْمِ من أجل حُبِّكم … وأهجرُ فيكم إخوتي وبناتي وأكتمُ حُبِّيكُم (٥) مخافةَ كاشحٍ … بغيضٍ لأهل الحق غيرِ مواتِ ألم تر أنِّي مذ ثلاثون حِجَّةً … أروحُ وأغدو دائمَ الحسراتِ أليس عجيبًا أنَّ آل محمدٍ … مذودين مطرودين في الفلواتِ بناتُ رسول الله يسبينَ بالعرا … وآل زيادٍ سُكَّن الحجراتِ وآلُ رسول الله نحفٌ جسومُهم … وآلُ زيادٍ غُلَّظُ القَصراتِ أرى فيئَهم من غيرهم متقسَّمًا … وأيديهم من فيئهم صَفِراتِ إذا وُتروا مَدُّوا إلى واتريهمُ … أكفًّا عن الأوتارِ منقبِضاتِ فلا والذي أرجوه (٦) في اليومِ أو غدٍ … تقطَّع قلبي إثرهُم حسراتِ خروجُ إمامٍ لا محالةَ ثائر … يقومُ على اسمِ الله والبركاتِ يميِّزُ فينا كلَّ حقٍ وباطل … ويجزي [على] النعماء بالزلفات (٧)

стр. 7004

فيا نفسُ طيبي ثمَّ يا نفسُ فابشري … فغيرُ بعيدٍ كلُّ ما هو آتِ فبكى الرضا حتى رحمه الحاضرون، ثمَّ قام ودخل وأرسلَ إليَّ مع خادمه عشرةَ آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، فقلت: والله ما قصدتُ هذا، ولا لأجله مدحت، وإنَّما أريدُ ثوبًا من ثيابه يكون كفنًا لي، فعاد إليه بالمال، فردَّه إليَّ ومعه جبَّةٌ من جبَّاته، وقال: بحقِّ أهل البيت لا ترجع إلينا ما خرجَ منَّا، قال: وخرجتُ فقدمت، فنظروا إلى الجبَّة فعرفوها، فأعطوني فيها ثلاثين ألف درهم، فقلت: لا والله، ولا بالدنيا وما فيها، ثم خرجت من قم فاتبعوني، وقطعوا الطريق عليَّ، وأخذوا الجبَّة، فبكيت وقلت: يا قوم، لا تفعلوا، خذوا العشرة آلاف درهم ودعوا الجبَّة، فقالوا: لا بدَّ منها، وأعطوني خرقة منها، فقلت: هذه لأكفاني، وأعطوني ثلاثين ألف درهم، وقدمت العراق فاشتري مني العشرة آلاف بمئة ألف، كلُّ درهمٍ بعشرة. وقال القاضي التنوخيُّ: لما بلغ المأمون الأبيات -وكان ساخطًا على دعبل- طلبَه من الرضا، فلمَّا حضر قال للرضا: قل له ينشدُ الأبياتَ، فأنشدها، فأمر له المأمونُ بخمسين ألفًا، ورضيَ عنه، فقال دعبل للرضا: يا سيدي، أريدُ أن تهبَ لي ثوبًا من ثيابك التي تلي بدنَك أتكفَّن فيه، فوهب له قميصًا قد ابتذله، وأمر له ذو الرياستين بصلة. قال دعبل: وحملَني على برذونٍ أصفر خراسانيّ، فقفَلتُ راجعًا إلى العراق، فقطعَ عليَّ الطريق لصوص، وأخذوا جميعَ ما كان معي، ومعهم جيشٌ من الأكراد، يقال لهم: المازنجان (١)، وأخذوا جميعَ ما كان معي وفي القافلة، فقعدتُ أبكي، ولم أتأسَّف إلَّا على القميص، ومرَّ بي بعضُهم على البرذون التي لي، ووقف قريبًا مني، وأنشد: مدارسُ آيات … الأبيات، وجعلَ يبكي، فعجبتُ وقلت: يا سيدي، لمن هذه الأبيات؟ فقال: لدِعْبِل شاعر آل محمد، فقلت: أنا والله دِعْبل، وهذه قصيدتي، قال: ويحك ما تقول؟! فقلت: هو والله ما أقول وأنشدته إيَّاها، وقلت: سل القافلة، فقال: لا جرم والله لا يذهبُ لواحدٍ منكم عقال، ورَدُّوا جميعَ ما أخذوا (٢)، فقلت: هذا مما أُكرِمتُ به في الدنيا ببركةِ آل محمد ﷺ ، وأرجو في الآخرة كذلك.

стр. 7005

وروى المبرِّدُ عن دعبل قال: لما قلتُ: مدارسُ آياتٍ خلت من تلاوةٍ نمتُ في بيتٍ، والباب يجافُ عليَّ، وإذا بقائلٍ يقول من زاوية البيت: السلام عليك أبا محمد وأبا الحسن (١) فرددتُ عليه. وقلتُ: من أنت؛ فقال: أخٌ من إخوانك من الجن ومعي أخداني، ونحن ممَّن يحبُّ أهل البيت، قلت: فمن أنت؟ قال: طيبار بن عامر (٢)، فأنشدتُ القصيدة فسمعت بكاءً عظيمًا من ناحية البيت. وقال أبو العيناء: اجتاز دِعْبل بالرقَّة، فمدح أميرَها (٣) فمنعه العطاء فقال: [من الكامل] إن قلتُ أعطاني كذبت وإن أقُل … ضَنَّ الجوادُ بمالِه لم يَجْمُلِ ولأنتَ أعلمُ بالمكارم والعُلا … من أن أقولَ فعلتَ ما لم تَفعلِ فاختر لنفسك ما أقولُ فإنَّني … لا بدَّ مخبرُهم وإنْ لم أُسألِ فبعث إليه بألف دينار (٤). وقال أبو الفرج (٥) الأصبهاني: إنّما كتبَ بها إلى عبدِ الله بن طاهر ومنها: لما رأتْ شيبًا يلوحُ بمفرقي … صَدَّت صدودَ مفارقٍ مُتَجمِّلِ فظللتُ أطلبُ وصلَها بتذلُّلٍ … والشيبُ يغمزُها بأن لا تفعلِ (٦) وقال دعبل: كنتُ بالثغر فنودي بالنفير، فخرجتُ مع الناس، وإذا بفتى يجرُّ رمحَه، فنظر إليَّ وقال: اسمع: [من مجزوء الرمل] أنا في أمرَي رشاد … بينَ غزوٍ وجهادِ
следующие страницы →