← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

قد قلتُ إذ غيَّبوهُ وانصرفوا … في خيرِ قبرٍ بخير مدفونِ لن يَجبُرَ اللهُ أمَّة فَقَدَتْ … مثلكَ إلَّا بمثلِ هارونِ فقال دعبل يعارضه: [من المنسرح] قد قلتُ إذ غيَّبوه وانصرفُوا … في شرّ قبرٍ بشرِّ مدفونِ اذهبْ إلى النار والجحيم فما … خَلْقُك (١) إلَّا من الشياطينِ ما زِلْتَ حتى عَقَدْتَ بيعةَ مَنْ … أضرَّ بالمسلمينَ والدينِ وكان إبراهيم بن المهدي يحرِّضُ المأمونَ على قتل دعبل، فقال المأمون: ما تحرِّضُني على قتله إلَّا لقوله فيك: [من الكامل] فلتَصلحنْ من بعده لمخارقِ (٢) ولقوله: خليفةٌ يرزق أجناده (٣) فقال إبراهيم: فقد قال فيك: أيسومُني المأمون خطَّة ظالمٍ … أو ما رأى بالأمسِ رأسَ محمدِ (٤) فقال المأمون: قد عفوتُ عن هجوه لأجل هجوه لك. ثم دخل أبو عبَّاد فقال المأمون: من يقدُم على أبي عبَّاد يُحجِمُ عن أحد؟ والله ما وقعتْ عيني على أبي عبَّاد إلَّا أضحكني قولُ دعبل: أولى الأمورِ بضيعةٍ وفسادِ … أمرٌ يدبِّره أبو عبَّادِ

стр. 7002

حنقٌ (١) على جلسائِه فكأنَّهم … حَضرُوا لملحمةٍ ويوم جلادِ وكأنَّه من ديرِ جنّة مقبلٌ (٢) … حَرِدٌ يَجرُّ سلاسلَ الأقياد ثم قال المأمون: أبو عبَّاد جاهلٌ حقود، وأنا أعفو وأصفح. وكان دعبلُ من شيعةِ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وقصيدتُه التائيَّة من أفخر الشعر وأحسن المديح. [قال دعبل: قصدتُ بها أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا، وهو بخراسان]، (٣) وهو وليُّ عهد المأمون، فدخلتُ عليه فقرَّبني وأدناني، فقلت له: يا أبا الحسن قد نظمتُ فيكم أهلَ البيت قصيدة، وآليتُ على نفسي أن لا أنشدَها لأحدٍ قبلَك، فجمعَ أهله ومواليه وقال: قل على خيرةِ الله تعالى، فقلت: [من الطويل] مدارسُ آياتٍ خَلت من تلاوةٍ … ومهبطُ وحي موحشُ العَرصاتِ لآلِ رسولِ الله بالخيفِ من منى … وبالبيتِ والتَّعريفِ والحجراتِ (٤) ديارُ عليٍّ والحسينِ وجعفرٍ … وحمزةَ والسجَّاد ذي الثَّفِنَاتِ (٥) ودارٌ لعبد الله والفضل صِنْوُه … ودارُ عبيدِ الله ذي الدَّعواتِ ديارٌ عفاها جورُ كلِّ منابذٍ … ولم تَعفُ بالأيام والسنواتِ قِفا نسأل الدارَ التي خَفَّ أهلُها … متى عهدُها بالصومِ والصلواتِ وأين الأُلى شَطَّت بهم غربةُ النَّوى … أفانينَ في الأطرافِ مفترقاتِ همُ أهلُ ميراثِ النبيِّ إذا اعتزَوا … وهم خيرُ ساداتٍ وخيرُ حماةِ قبورٌ بكُوفانٍ وأخرى بطيبةٍ … وأخرى بفخٍ نالها صلواتِ وقبرٌ بأرض الجُوزَجان محفُه … وقبرٌ بباخَمْرى لذي القربات (٦) وقبرٌ ببغدادٍ لنفسٍ زكيَّةٍ … تضمَّنَها الرحمنُ في الغُرُفاتِ

стр. 7003

نفوسٌ لدى النهرين من أرضِ كربلا … مُعرَّسُهم (١) فيها بشطِّ فراتِ تقسَّمهُم ريبُ المنونِ فما تَرى … لهم عَقْوَةً (٢) مغشيَّةَ الحُجُراتِ وقد كان منهم بالحجازِ وأرضِه … مغاويرُ نحَّارونَ للبَدَناتِ (٣) إذا افتخَروا يومًا أتَوا بمحمدٍ … وجبريلَ والقرآن ذي السُّورَاتِ مَلامَكَ (٤) في آل النبيِّ فإنّهم … أودّايَ ما عاشُوا وأهلُ ثقات تخيَّرتُهم رشدًا لأمريَ إنَّهم … على كلّ حالٍ خِيرَةُ الخيرَاتِ فيا ربِّ زدني في يقيني بصيرةً … وزدْ حبَّهم يا ربّ في حسناتي بنفسيَ أنتم من كهولٍ وفتيةٍ … لفكِّ عُنَاةٍ أو لحملِ دياتِ أحبُّ قَصِيَّ الرَّحْمِ من أجل حُبِّكم … وأهجرُ فيكم إخوتي وبناتي وأكتمُ حُبِّيكُم (٥) مخافةَ كاشحٍ … بغيضٍ لأهل الحق غيرِ مواتِ ألم تر أنِّي مذ ثلاثون حِجَّةً … أروحُ وأغدو دائمَ الحسراتِ أليس عجيبًا أنَّ آل محمدٍ … مذودين مطرودين في الفلواتِ بناتُ رسول الله يسبينَ بالعرا … وآل زيادٍ سُكَّن الحجراتِ وآلُ رسول الله نحفٌ جسومُهم … وآلُ زيادٍ غُلَّظُ القَصراتِ أرى فيئَهم من غيرهم متقسَّمًا … وأيديهم من فيئهم صَفِراتِ إذا وُتروا مَدُّوا إلى واتريهمُ … أكفًّا عن الأوتارِ منقبِضاتِ فلا والذي أرجوه (٦) في اليومِ أو غدٍ … تقطَّع قلبي إثرهُم حسراتِ خروجُ إمامٍ لا محالةَ ثائر … يقومُ على اسمِ الله والبركاتِ يميِّزُ فينا كلَّ حقٍ وباطل … ويجزي [على] النعماء بالزلفات (٧)

стр. 7004

فيا نفسُ طيبي ثمَّ يا نفسُ فابشري … فغيرُ بعيدٍ كلُّ ما هو آتِ فبكى الرضا حتى رحمه الحاضرون، ثمَّ قام ودخل وأرسلَ إليَّ مع خادمه عشرةَ آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، فقلت: والله ما قصدتُ هذا، ولا لأجله مدحت، وإنَّما أريدُ ثوبًا من ثيابه يكون كفنًا لي، فعاد إليه بالمال، فردَّه إليَّ ومعه جبَّةٌ من جبَّاته، وقال: بحقِّ أهل البيت لا ترجع إلينا ما خرجَ منَّا، قال: وخرجتُ فقدمت، فنظروا إلى الجبَّة فعرفوها، فأعطوني فيها ثلاثين ألف درهم، فقلت: لا والله، ولا بالدنيا وما فيها، ثم خرجت من قم فاتبعوني، وقطعوا الطريق عليَّ، وأخذوا الجبَّة، فبكيت وقلت: يا قوم، لا تفعلوا، خذوا العشرة آلاف درهم ودعوا الجبَّة، فقالوا: لا بدَّ منها، وأعطوني خرقة منها، فقلت: هذه لأكفاني، وأعطوني ثلاثين ألف درهم، وقدمت العراق فاشتري مني العشرة آلاف بمئة ألف، كلُّ درهمٍ بعشرة. وقال القاضي التنوخيُّ: لما بلغ المأمون الأبيات -وكان ساخطًا على دعبل- طلبَه من الرضا، فلمَّا حضر قال للرضا: قل له ينشدُ الأبياتَ، فأنشدها، فأمر له المأمونُ بخمسين ألفًا، ورضيَ عنه، فقال دعبل للرضا: يا سيدي، أريدُ أن تهبَ لي ثوبًا من ثيابك التي تلي بدنَك أتكفَّن فيه، فوهب له قميصًا قد ابتذله، وأمر له ذو الرياستين بصلة. قال دعبل: وحملَني على برذونٍ أصفر خراسانيّ، فقفَلتُ راجعًا إلى العراق، فقطعَ عليَّ الطريق لصوص، وأخذوا جميعَ ما كان معي، ومعهم جيشٌ من الأكراد، يقال لهم: المازنجان (١)، وأخذوا جميعَ ما كان معي وفي القافلة، فقعدتُ أبكي، ولم أتأسَّف إلَّا على القميص، ومرَّ بي بعضُهم على البرذون التي لي، ووقف قريبًا مني، وأنشد: مدارسُ آيات … الأبيات، وجعلَ يبكي، فعجبتُ وقلت: يا سيدي، لمن هذه الأبيات؟ فقال: لدِعْبِل شاعر آل محمد، فقلت: أنا والله دِعْبل، وهذه قصيدتي، قال: ويحك ما تقول؟! فقلت: هو والله ما أقول وأنشدته إيَّاها، وقلت: سل القافلة، فقال: لا جرم والله لا يذهبُ لواحدٍ منكم عقال، ورَدُّوا جميعَ ما أخذوا (٢)، فقلت: هذا مما أُكرِمتُ به في الدنيا ببركةِ آل محمد ﷺ ، وأرجو في الآخرة كذلك.

стр. 7005

وروى المبرِّدُ عن دعبل قال: لما قلتُ: مدارسُ آياتٍ خلت من تلاوةٍ نمتُ في بيتٍ، والباب يجافُ عليَّ، وإذا بقائلٍ يقول من زاوية البيت: السلام عليك أبا محمد وأبا الحسن (١) فرددتُ عليه. وقلتُ: من أنت؛ فقال: أخٌ من إخوانك من الجن ومعي أخداني، ونحن ممَّن يحبُّ أهل البيت، قلت: فمن أنت؟ قال: طيبار بن عامر (٢)، فأنشدتُ القصيدة فسمعت بكاءً عظيمًا من ناحية البيت. وقال أبو العيناء: اجتاز دِعْبل بالرقَّة، فمدح أميرَها (٣) فمنعه العطاء فقال: [من الكامل] إن قلتُ أعطاني كذبت وإن أقُل … ضَنَّ الجوادُ بمالِه لم يَجْمُلِ ولأنتَ أعلمُ بالمكارم والعُلا … من أن أقولَ فعلتَ ما لم تَفعلِ فاختر لنفسك ما أقولُ فإنَّني … لا بدَّ مخبرُهم وإنْ لم أُسألِ فبعث إليه بألف دينار (٤). وقال أبو الفرج (٥) الأصبهاني: إنّما كتبَ بها إلى عبدِ الله بن طاهر ومنها: لما رأتْ شيبًا يلوحُ بمفرقي … صَدَّت صدودَ مفارقٍ مُتَجمِّلِ فظللتُ أطلبُ وصلَها بتذلُّلٍ … والشيبُ يغمزُها بأن لا تفعلِ (٦) وقال دعبل: كنتُ بالثغر فنودي بالنفير، فخرجتُ مع الناس، وإذا بفتى يجرُّ رمحَه، فنظر إليَّ وقال: اسمع: [من مجزوء الرمل] أنا في أمرَي رشاد … بينَ غزوٍ وجهادِ

стр. 7006

بدني يغزو عدوِّي … والهوى يغزو فؤادي ثم قال: جيد؟ قلت: جيد، فقال: والله ما خرجتُ إلا هاربًا من الحبّ، ثم التقينَا، فكانَ أوَّل قتيل (١). ولدعبل كتابٌ جمعَ فيه أخبارَ الشعراء، ذكر فيه جملة من الأعيان، ذكر فيه عن عبد الله بن محمد بن رَزِين الشاعر الخزاعيّ- وأبو الشيص كنيةُ أبيه- قولَه: [من الوافر] أظنُّ الدهرَ قد آلى فبرَّا … بأن لا يُكسِب الأموال حرَّا لقد قعد الزمانُ بكل حرٍّ … ونقَّص من قواه المستمرَّا وملَّك من رقابِ المالِ قومًا … وملَّكهم به نَفعًا وضرَّا ومن جعل الكلامَ له قَعودًا … أصابَ من الدُّجى خيرًا وشرَّا (٢) وأبو الشيص من شعراء الحماسة، وهو القائل فيها: وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليسَ لي … متأخَّر عنه ولا مُتقدَّمُ أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً … حُبًّا لذكركِ فليلمنِي اللوَّمُ أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبُّهم … إذ كانَ حظِّي منكِ حظِّي منهمُ وأهنتنِي فأهنتُ نفسِيَ صاغرًا … ما من يَهونُ عليكِ ممَّن يُكرَمُ (٣) ذكر وفاته: ذكر بعضُهم أنَّ المعتصمَ قتلَه في سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، وهو وهم، والأصحُّ أنه عاش إلى هذه السنة، توفي بالطِّيب، ودفن بالسُّوس، وله تسعٌ وتسعون سنة. وقال المبرِّد: كان دعبل قد هَجا مالك بن طوق الثعلبيَّ صاحبَ الرَّحْبَة، فطلبه فهرب إلى البصرة وعليها إسحاقُ بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان قد هجاه، فأخذَه وأرادَ قتله، فحلف له أنَّه ما هجَاه، وبكى وتضرَّع إليه، فرقَّ له وأطلقه، فضرب إلى الأهواز، وكان مالك قد أرسل خلفَه رجلًا، وأمرَه أن يغتاله، وضمن له عشرة آلاف درهم ودفع إليه سُمًّا في زُجِّ عكاز، ثم وافاه ببعضِ قرى

стр. 7007

السُّوس، فرصدَه حتى خرج ليلة بعد العشاء، فضربَه من خلفه بالعكَّاز في ظهره، فأنفذه، ومات من الغد في تلك القرية، فحمِل إلى السُّوس. أسندَ دعبلُ الحديث عن المأمون، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطَّان، وسفيان بن عُيينة (١)، وغيرهم. وروى عنه أحمدُ بن أبي دؤاد. ورُوي عنه أحاديث مسندة عن مالك بن أنس وغيره، وكلُّها باطلة (٢). ذو النون بن إبراهيم المصري النوبي، وذو النون لقبه، [واختلفُوا في اسمه على قولين؛ أحدهما: ثَوْبَان، والثاني: الفيض، واختلفوا في كنيته على قولين؛ أحدهما: أبو الفيض، والثاني: أبو العباس] (٣)، وأبوه من إخميم، قريةٍ بصعيد مصر، مولى إسحاقِ بن محمد الأنصاري. [قال السلميُّ:] وكان لإبراهيم بَنُون؛ ذو النُّون، وذو الكفل، وعبد الباري، وعبد الخالق، والهميسع (٤). [قال:] وكان ذو النون أوحدَ زمانه علمًا وحالًا وورعًا وأدبًا، وكان فصيحًا واعظًا، ينطق بالحكمة، وهو رئيسُ القوم، وإليه المرجعُ والقَبول على جميع الألسن، وهو أوَّل من عبَّر عن علوم المنازلات، وله الرياضات المذكورة، والسياحاتُ المشكورة، وانتقل من إخميم إلى مصر. وقد أثنى عليه الأئمة، وقال الدارقطنيُّ: كان أسمر نحيفًا جدًّا ينطقُ بالحكمة، وكان يعلوه حمرة (٥).

стр. 7008

وقال أبو عبد الله بن الجلّاء: لقيت ستَّ مئة شيخ ما لقيت منهم مثل أربعة، ذو النون أحدهم (١). [ذكر سبب توبته وتخلِّيه عن الدُّنيا وإقباله على الآخرة: واختلفوا على أقوال؛ أحدها ما ذكره في "المناقب" عن سالم المغربي قال:] (٢) قلت لذي النون: ما كان سبب توبتك؟ فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمتُ في بعض الصحارى، ففتحتُ عيني فإذا بقُنْبُرةٍ عمياء، قد وقعت من وكرها على الأرض، فانشقَّ الموضعُ، فخرج منه سُكْرُجتان، إحداهما من ذهب، والأخرى من فضة، وفي إحداهما سِمْسِم، وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكلُ وتشرب (٣)، فقلت: حسبي، قد تبت، ولزمتُ البابَ إلى أن قبلني. [والثاني: قرأتُ على شيخنا الموفق ﵀ من كتاب "التوابين"] (٤) بإسناده إلى ذي النون قال: كنتُ يومًا إلى جانب غدير ماء، وإذا بضفدع قد خَرَجَت من الغدير، وهناك عقرب، فركبتِ الضفدع، وجعلت تسبحُ بها حتى عبرت، فقلت: لهذه شأن [عظيم]، فتبعتُ العقرب، فجاءت إلى رجلٍ نائمٍ وهو سكران، وعلى صدره حيَّةٌ، وهي تطلب أذنَه لتدخلَ فيها، فضربَتْهَا العقربُ فانقلبت الحيَّة ميتة، ورجعت العقربُ إلى الغدير، والضفدع واقفةٌ تنتظرُهَا، فركبتْهَا وعبرت، [فحرَّك ذو النون الرجلَ وقال:] (٥) ويحكَ اقعد وانظر ممَّ نجَّاك الله، ثم [أنشأ ذو النون يقول:] [من المنسرح] يا نائمًا والجليلُ يحرسُه … من كلِّ سوءٍ يَدِبُّ في الظُّلمِ كيفَ تنامُ العيونُ عن مَلِكٍ … تأتيك منه فوائدُ النِّعَمِ فنهضَ الرجل وقال: إلهي، هذا فعلُك مع من يعصيك، فكيف من يطيعك؟! ثمَّ

стр. 7009

تاب وحسنَتْ توبتُه (١)، [وشاهدت ذلك. والثالث: حكاهُ عبد الله بن باكويه الشيرازي بإسناده إلى يوسف بن الحسين الرازي: استأنست بذي النون] (٢) فقلت له: أيُّها الشيخ، ما كان بدوُّ شأنك؟ فقال: كنت شابًّا صاحبَ لهوٍ ولعب، ثمَّ تُبتُ، وتركتُ ذلك، وخرجت حاجًّا إلى مكَّة ومعي بُضَيِّعَة (٣)، فركبتُ في مركبٍ مع تجَّار من مصر، وركبَ معنا شابٌّ صَبيح الوجه، [كأن وجهه يشرق]، (٤) فلمّا توسَّطنا البحر فقد صاحبُ المركب كيسًا فيه مال، وأمر بحبس المركب، ففتَّشَ من فيه، وأتعبهم، فلمَّا وصلوا إلى الشاب ليفتِّشُوه، وثبَ وثبةً من المركب حتى جلس على أمواج البحر، وقام له الموجُ على مثال السرير، ونحن ننظر إليه، ثمَّ قال: يا مولاي، إنَّ هؤلاء اتَّهموني، وإني أُقسِم عليك يا حبيب قلبي أنْ تأمر كل دابَّةٍ في هذا المكان أنْ تُخرِجَ رأسَها وفي [أفواهها جوهر] (٥). قال ذو النون: فما تمَّ كلامُه حتى رأينا دوابَّ البحر أمام المركب وحواليه وقد أخرجت رؤوسها، وفي فم كل دابَّةٍ منهنَ (٦) جوهرةٌ تتلألأ، ووثبَ الشابُّ من الموج، وجعلَ يتبختر على متن الماء ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حتى غابَ عن بصري، فهذا الذي حملني على السياحة. [ذكر طرف من أخباره] (٧) وقال ذو النون: جَنَّني الليلُ في سواد نيل، فنمتُ بين زرعها، وإذا بامرأةٍ سوداء قد أقبلت فأخذت سنبلةً ففركتها، ثم بكت، وقالت: يا من بذره حبًّا في أرضٍ يابسةٍ ولم

стр. 7010

يكُ شيئًا، ثمَّ صيَّرتَهُ حشيشًا، ثم جعلتَه عودًا قائمًا، ثم رَكَّبتَ عليه حبًّا متراكبًا، وكَوَّنته بتكوينك، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قدير، ثم قالت: عجبتُ لمن هذه قدرته كيف يُعْصَى؟! ولمن هذه صنعتُه كيف لا يُطَاع؟! ولمن هذه مشيئته كيف يشتكى؟! فدنوتُ منها وقلت: من يشكو؟ قالت: أنتَ يا ثوبان، إذا مرضتَ فلا تشكُ علَّتكَ إلى مخلوقٍ مثلك، واطلب دواءك ممن ابتلاك، ثمَّ ولَّت وهي تقول: لا حاجةَ لي في مناظرة البطَّالين، وأنشدت: [من الطويل] وكيف تنامُ العينُ وَهْي قريرةٌ … ولم تدرِ في أيِّ المحلَّين تنزلُ (١) وقال: بينا أنا أسيرُ في جبال بيتِ المقدس في ليلةٍ مظلِمةٍ، إذ سمعتُ صوتًا حزينًا وبكاءً عاليًا، وهو يقول: يا وحشتي بعد الإنس، ويا فقري بعد الغنى، ويا ذلّي بعد العزّ، فتتبعتُ الصوتَ، فلمَّا طلعَ الفجرُ إذا شابٌّ ناحلُ الجسم، فسلَّمتُ عليه وقلت: ما الذي بك؟ قال (٢): [من المديد] أنا لم أرزق مودَّتهُم … إنَّما للعبدِ ما رُزِقا كان لي قلبٌ أعيشُ به … فرمَاه الحُبُّ فاحترقَا فقلت: تنتحلُ المحبَّة، وذلك إرادة، وأنشدتُه: [من مجزوء الكامل] إنَّ المحبَّ هو الصبو … رُ على البلاءِ لمن أحبَّهْ حبُّ الحبيب هو الدوا … ء مع الشفاءِ لكلّ كُرْبَهْ فبكى وغاب عني. وقال سعيد بن عثمان: بينا أنا أسير مع ذي النون في تيهِ بني إسرائيل، إذا نحن بشخصٍ قد أقبل، فقال لي ذو النون: تأمَّل هذا الشخص، فتأملتُه، فإذا هو امرأة، فقال: صدِّيقة وربّ الكعبة، ثمَّ بادرها بالسلام، فردَّت وقالت: ما للرجال وخطاب النساء؟! فقال: أنا أخوك ذو النون، ولست من أهل التُّهم، ما الذي حملك على دخول هذا المكان؟

стр. 7011

فقالت: آيةٌ من كتاب الله وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، فكلَّما دخلتُ بلدًا يُعصى فيه حبيبي لم يَهنني فيه قرار، فقال لها: صِفي لي المحبة، فقالت: سبحان الله، أنت تتكلم بلسان المعرفة، وتسألُني عن المحبة؟! فقال: نعم، للسائل حقُّ الجواب، فقالت: نعم، أول المحبة لَهَجُ القلب بذكر المحبوب، مع الشوق الدائم، والوجد الملازم، فإذا انتهى المحبُّ إلى أعلى درجاتها، شغلَه وجدان الحال (١) عن كثيرٍ من أعمالِ الطَّاعات، ثم أَخَذَتْ في الشهيق والبكاء، وولَّت وهي تقول: أحبُّك حبينِ حب الوداد … وحبًّا لأنَّك أهلٌ لذَاكَا فأمَّا الذي هو حبُّ الوداد (٢) … فحبٌّ شغلتُ به عن سواكَا وأمَّا الذي أنتَ أهلٌ له … فكشفكَ للحُجْب حتى أراكَ فما الحمدُ في ذا ولا ذاكَ لي … ولكن لك الحمدُ في ذا وذاكَا قال: ثم غابت عني (٣). وقال ذو النون: بينا أنا أسير في بعض بلاد الشام، وإذا بعابدٍ قد خرجَ من كهفٍ، فلمَّا رآني استترَ عني بين الأشجار، ثم قال: أعوذُ بك يا سيِّدي ممَّن يشغلُني عنك، يا مأوى القلوب، ويا حبيبَ المشتاقين، ويا مُعِين الصادقين، ويا غايةَ أمل الآملين، ويا قرَّةَ عين المحبِّين، ثم صاح: واغمَّاه من طول المكث في هذه الدار، فدنوتُ منه وقلت له: بالذي تسيرُ إليه، ادع لي، فقال: سبحان من أذاق قلوب العارفين حلاوةَ الانقطاع إليه، فلا شيء عندهم ألذّ من الخلوة به، والتضرُّع بين يديه، قدوس قدوس، خففَ الله عليكم مؤنةَ نصبِ المسير إلى بابه، ثم هرب بين الشجر (٤) كأنَّه هاربٌ من سَبُع (٥).

стр. 7012

وقال [ذو النون:] حججتُ مرَّةً، فبينا أنا أطوفُ في ليلةٍ مظلمةٍ إذا بشخصٍ قد تعلَّقَ بأستار الكعبة وهو يبكي ويقول: [من الكامل] روَّعتَ قلبي بالفراقِ فلم أجد (١) … شيئًا أمرَّ من الفراقِ وأوجعَا حسب الفراقِ بأنْ يفرِّقَ بيننا … ولطالما قد كنتُ منه مروَّعَا [قال:] فدنوتُ منه فتجلَّل بخمار، وقال: غُضَّ بصرَك، فإني حرام، فعلمتُ أنَّها امرأة، فقلتُ: بم تستولي الهمومُ على قلب المحبّ؟ قالت: لأنَّ الشوقَ يورثُ السقام، ثمَّ قالت: [من الخفيف] لم أذق طيبَ (٢) طعمِ وصلكَ حتَّى … زال عنِّي محبَّتي للأنامِ ثم غابت عني. [ذكر قصة يوسف بن الحسين الرازي مع ذي النون في الاسم الأعظم: حكى ابن خميس في "المناقب" عن يوسف بن الحسين الرازي قال:] (٣) بلغني أنَّ ذا النون يعرف اسم الله [تعالى الأعظم]، فخرجتُ إليه قاصدًا من مكَّة، فوافيته بجيزة مصر، فدخلتُ عليه، فاستبشع منظري؛ لأني كنتُ طويلَ اللحية، وفي يدي ركوةٌ كبيرةٌ، وأنا متَّزر بمئزرٍ من صوف، وعلى كتفي مثله، فسلَّمت عليه، فلم أر منه تلك [الساعة] البشاشة، فأقمتُ عنده يومين، فجاءَه رجلٌ من المتكلِّمين، فناظره [في علم الكلام]، فظهرَ على ذي النون، فتقدَّمتُ إلى الرجل فناظرتُه حتى قطعتُه، فقال ذي النون: اعذرني، فما عرفتُ محلَّك من العلم، فكان يكرمُني بعد ذلك، فأقمتُ عنده سنةً، فقال لي: ما الذي تريد؟ فقلت: بلغني أنَّك تعرفُ الاسم الأعظم، فعلِّمني إيَّاه، فأعرضَ عني مدَّةً، ثم أخرجَ لي سلَّة مشدودة الرأس بخيط (٤)، وقال: تعرف صاحبنا فلانًا بالفُسْطَاط؟ قلت: نعم، قال: احمل إليه هذه، فأخذتُها وخرجتُ إلى بعض

стр. 7013

الطريق، فوجدتُها خفيفةً، فقلتُ: كيف يهدي ذو النون إلى صاحبه سلَّة فارغةً، لأحلنَّها وأنظر ما فيها، [قال:] فكشفتُها وإذا بفأرةٍ قد خرجت منها وذهبَتْ، فاغتظتُ وقلت: سخرَ بي ذو النون، ورجعتُ إليه فقال: أوصلتَها؟ فسكتُّ، فقال: ائتمَنتُكَ على فأرةٍ فخنتَني فيها، فكيف أأتمنُك على اسم الله الأعظم؟! قم وارحل [عنِّي]. [قال أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة ذي النون:] كان ذو النون يخرجُ مع أصحابه إلى المطالب، فحفرُوا يومًا، فوجدوا مالًا عظيمًا، ولوحًا من ذهب، فيه مكتوبٌ اسمُ الله الأعظم، فدفعَ إليهم المال وأخذ اللوح (١). [ذكر بعض كراماته:] [حكى عنه في "المناقب" أنه قال:] (٢) أتتني امرأة فقالت: [يا ذا النون، أو] يا أبا الفيض، أخذَ التمساحُ ابني الساعة، قال: فرحمتُها وقمتُ معها، فأتيتُ النيل وقلت: اللَّهمَّ أظهر التمساح، فظهر فشققتُ جوفَه، وإذا بابِنها قد ظهرَ صحيحًا [حيًّا]، فأخذَتْه وذهبَتْ، وقالت: كنتُ إذا رأيتُك سخرتُ منك، وأنا تائبةٌ، فاجعلني في حلّ. [وحكى أيضًا عن يوسف بن الحسين الرازي قال:] (٣) كنتُ عند ذي النون، فجاء إليه رجلٌ، وشكا إليه دينًا كان عليه، نحوًا من سبع مئة دينار، فأخذَ ذو النون حصاةً من الأرض، وقال للرجل: خذها، فأرجو أن يكونَ فيها قضاء دينك، فاحتقرَها، ومضى أبها، إلى سوقِ الجوهر، فباعها بألفٍ وأربع مئة دينار. [وحكى أيضًا عن يوسفُ بن الحسين قال:] (٤) تَذَاكَرْنَا يومًا أحوال القوم، فقال ذو النون: إنَّ من طاعة الأشياء للأولياء أن أقول لهذا السرير: در، فيدور، فدار السرير في زوايا البيت، [قال:] وكان معنا فتى، فما زال يبكي حتى مات في وقته ذلك (٥).

стр. 7014

[وذكر في "المناقب" أيضًا عن أحمد بن محمد السلمي قال:] (١) دخلت يومًا على ذي النون، فرأيتُ بين يديه النَّدَّ والعنبرَ يُسجَر في طَسْتٍ من ذهب، فقال [لي:] أنت ممَّن يدخلُ على الملوك في حال بسطهم؟ ثم رمى إليَّ بدرهمِ، فأنفقتُ منه إلى بلخ (٢). [وحكى عن بكر بن عبد الرحمن قال:] (٣) خرجنا مع ذي النون إلى البادية، فنزلنا تحت شجرة أم غيلان، فقلنا: ما أحسنَ هذا المكان لو كان في هذه الشجرة رُطَبٌ، فتبسَّم ذو النون، وأشار إليها فحملت رُطَبًا، فأكلنا منه ونمنا، ثم انتبهنا فحرَّكناها، فتناثَر علينا الشوك (٤). وقال نعمان بن موسى: اختصمَ اثنان، فكسرَ أحدُهما ثنيَّةَ الآخر، فتعلَّق به وقال: لا بدَّ من الوالي، فقيل لهما: ادخلا إلى ذي النون، فدخلا فأخذ السنَّ، وبلَّها بريقه، فتعلَّقت بإذن الله (٥). وقال (٦) يوسف بن حسين الرازي: بلغَ المتوكِّلَ أنَّ ذا النون يتكلَّم في القدر، فكتبَ إلى عامر بن نصر أنْ يُشخِصَه إلى سامرَّاء مكبَّلًا بالحديد مقيَّدًا، ففعلَ العامل ما أمره به، فلمَّا دخلَ سامرَّاء على تلك الحال والناسُ يبكون حوله، وهو يقول: هذا من مواهبِ الله وعطاياه، وكل فعلٍ منه حسن، وينشد: [من الخفيف] لكَ من قلبي المكانُ المصونُ … كلُّ لومٍ عليَّ فيك (٧) يهون لك عزمٌ (٨) بأن أكون قتيلًا … فيك والصبرُ عنك ما لا يكون

стр. 7015

فأمر المتوكِّل بحبسه في المُطْبِق، ثمَّ لما دخل عليه قال له: بلغَني أنَّك تناظرُ في العظمة وتنافس في القدرة، وأنك قدريّ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما لعقلٍ مولود، في جسمٍ مكدود، يتكلَّم في قدرة القادر المعبود، فرقَّ له المتوكل وقال: يا شيخ عظني، فقال: من أصلحَ سريرتَه أصلح الله علانيتَه، ومن أصلحَ ما بينه وبين الله أصلحَ ما بينه وبين الناس، فبكى المتوكِّلُ وعرضَ عليه ما لا، فلم يقبلهُ، وسألَه المقام (١) عنده، فأبى فردَّه إلى مصر مكرمًا، وكان إذا ذُكر عنده أهلُ الورع يبكي ويقول: حيّ هلا بذي النُّون. وقال ذو النون: من أراد أن يتعلَّم الظَّرفَ والمروءةَ، فعليه بُسقَاة الناس ببغداد، ومن أرادَ أن يسمعَ تجريد التوحيد وخالصَ التوكُّل، فعليه بالنساء الزَّمْنى ببغداد، قيل له: وكيف؟ قال: لمَّا حُمِلتُ إلى بغداد مرَّ بي على باب الطاق (٢) مقيدًا، فمرَّ بي رجل متَّزِرٌ بمنديلٍ مصريّ، مُتَعمِّمٌ بمنديلٍ دَبِيقيٍّ، بيده كيزان خزف جدد رفاع، فقلت: هذا ساقي السلاطين؟ قالوا: لا، بل ساقي العامة، فأومأتُ إليه: أن اسقني، فجاء إليَّ وسقاني، فشَمِمْتُ من الكوز رائحةَ المسك، فقلت لمن معي: ادفع إليه دينارًا (٣)، فأعطاهُ دينارًا، فلم يأخذه، فقلت: لعلك استقللتَه، فقال: لا والله، ولكنَّك أسير، وليس من المروءة الأخذُ من أسير، فقلت: هذا قد كَمُل ظرفه. فسمعتُ إنسانًا من ورائي يقول: يا شيخ، فلم لم تتظرف (٤) عن الحال التي أوجبت فيك ما أرى؟ فالتفتُّ فإذا بامرأةٍ زَمِنةٍ في كوخٍ تتصدَّق، فقلت لها: أنا مظلوم، فقالت: إذا دخلتَ على هذا الرجل فلا تهبه، ولا ترَ أنَّه فوقك، فإنَّما أنتما مخلوقان من طينةٍ واحدة، وهو فقيرٌ إلى ما أنتَ إليه فقير، فلا تحتجَّ لنفسك محقًّا كنت أو متهمًا، قلت: ولم؟ قالت: إن هبتَه سُلِّطَ عليك، وإن احتججتَ لنفسك زاد ذلك وبالًا؛ لأنك إن كنتَ متَّهمًا تباهتُ الله فيما يعلمه منك، وإن كنتَ بريئًا فادعُ (٥) الله ينتصر لك، ولا

стр. 7016

تنتصر لنفسك يكلك الله إليه. فلمَّا دخلتُ على المتوكِّل سلَّمتُ عليه بالخلافة، فقال: ما تقول فيما قيل عنك؟ فسكتُ، وقال وزيره: هو عندي حقيقٌ بما (١) قيل فيه، وقال المتوكِّل: لم لا تتكلم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إن قلت: لا، كذَّبتُ المسلمين فيما قالوا: وإن قلت: نعم، كَذَبْتُ على نفسي، فقال المتوكل: هذا رجلٌ بريءٌ ممَّا قيل فيه، فقال: عظني عافاك الله، فوعظتُه بكلماتٍ يسيرة، ثم خرجتُ فمررتُ على العجوز وهي في الكوخ، فقلت: جزاك الله خيرًا، فقد امتثلتُ ما قلت لي، فمن أين لك هذا؟ قالت: من قصَّة الهدهد مع سليمان، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، ولم يهبه، فقلت لها: ادعي لي، فقالت: يرجعكَ الله سالمًا (٢). وقال عمرو السراج (٣): سألت ذا النون كيف [كان] خلاصُك من المتوكِّل؟ فقال: لما أوصلني الخادم إلى الستر رفعه، وإذا بالمتوكِّل في غِلالةٍ مكشوفَ الرأس، وعبيدُ الله قائمٌ على رأسه، متكئ على السيف، وعرفتُ في وجوه القوم الشرَّ [لي]، ففُتِحَ عليَّ بابٌ من الدعاء، فقام المتوكل، وخطا إلي خطواتٍ، ثم اعتنقني وقال: أتعبناكَ يا أبا الفيض، فإن شئت أقمتَ عندنا وإن شئت أن تنصرف، فاخترتُ الانصراف [، والله الحافظ] (٤). وقال أحمد بن مقاتل: لما قدم ذو النون بغداد بعد انفصاله من المتوكِّل، اجتمعَ عليه الصوفية ومعهم قوَّال، فأنشد: [من مجزوء الوافر] صغيرُ هواكَ عذَّبني … فكيف به إذا احتَنكا أما تَرثي لمكتئبٍ … إذا ضحكَ الخليُّ بكى وأنت جمعت من قلبي … هوىً قد كان مُشْتَرَكا فقام ذو النون وتواجد، فسقط على وجهه، وخرج الدم من جبهتِه، فقام رجلٌ من

стр. 7017

القوم فتواجد، فقال له ذو النون: وهو ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] فقعد الرجل (١). وقال يوسف بن الحسين: أحضر الصوفيَّةُ طعامًا وأكلوا قبل السماع، فقال لهم ذو النون: إنَّ المقدحة إذا ابتلَّتْ لم تور نارًا (٢). ومعناه: هلَّا كان هذا بعد السماع. وقال ذو الكفل أخو ذو النون: كان في السماع مريدٌ لذي النون، ولم يكن ذو النون حاضرًا، فأنشدَ القوَّالُ أبياتًا، فصاحَ مريدُ ذي النون ومات، وجاء ذو النون فرآه ميتًا (٣)، فقال: ما هذا؟ قيل له: إنَّ القوَّال غنَّى فمات، فقال للقوَّال: أعد الأبيات، فأعادها، فصاح ذو النون، فماتَ القوَّال، فقال ذو النون: النفسُ بالنفس والجروح قصاص. [ذكر] نبذة من كلامه: [روى عنه أبو نعيم أنه] قال: بصحبة الصالحين تطيب الحياة، والخير مجموعٌ في القرين الصالح، إن نسيتَ ذكَّرك، وإنْ ذكرتَ أعانك (٤). وسأله رجلٌ: ما الذي أنصبَ العباد وأضناهم؟ فقال: ذكر المقام، وقلَّةُ الزاد، وخوفُ الحساب، ولم لا تذوبُ أبدانهم، وتذهَلُ عقولُهم؟ والعرضُ على الله أمامَهم، وقراءةُ كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوفٌ بين يدي الجبَّار ينتظرون أمَره، فإمَّا إلى الجنَّة، وإمَّا إلى النار (٥). وقال له رجل: متى تصحُّ عزلة الخلق؟ فقال: إذا قدرت على عزلةِ النفس (٦). وقال يوسف بن الحسين الرازي: لما فارقتُ ذا النون قلت له: أوصني، فقال:

стр. 7018

عليك بصحبة الصالحين، ومن يذكرك اللهَ رؤيتُهُ، ويقع على باطنك عملُه، ويعظُك بلسانِ فعله لا بلسان قوله (١). وقال ذو النون: ما خلعَ الله على عبدٍ خلعةً أحسن من العقل، ولا قلَّده قلادة أجمل من العلم، ولا زيَّنه بزينةٍ أفضلَ من الحلم، وكمالُ ذلك كلَّه التقوى (٢). وقال: إلهي لو سمعتُ موئلًا في الشدائد غيرك، أو ملجأً في النوازل سواك، لحقَّ لي أن لا أعرض وجهي؛ لقديم إحسانك إليَّ وحديثه، وظاهر منَّتك علي وباطنها، ولو قَطَّعني البلاءُ إربًا إربًا، وانصبَّت عليَّ الشدائدُ صبًّا، ليس لي مشتكىً غيرك ولا مفرِّجًا سواك، فيا وارثَ الأرض ومن عليها، وباعثَ جميع من فيها، ورِّث أملي فيك مني أملي، وبلغ همَّتي فيك منتهى وَسائلي (٣). [وحكى عنه في "المناقب" عن إبراهيم البنا قال:] (٤) صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية، فلمَّا صرنا ببعض الطريق حضرَ وقتُ إفطاره، فأخرجَ مزودًا فيه سويق الشعير، فاستفَّ منه سفة، وأخرجتُ قرصًا وملحًا كان معي، فنظرَ إليَّ وقال: ملحُك مدقوق؟ قلت: نعم، فقال: ليس تفلح، ثمَّ كان يتناولُ من مزودِه كلَّ ليلةٍ سفَّة، فكان هذا دأبَه إلى الإسكندربة، [قال:] فتقاصرت إليَّ نفسي، فلمَّا عزمَ على فراقي [قلت له: أوصني، فـ] (٥) قال: عانقِ الفقرَ، وتوسَّد الصبرَ، وعادِ الشهوات، وخالف الهوى، وافزع إلى مولاك في أمورك كلِّها، فعند ذلك يورثُك الله الشكرَ والرضا والمحبّة والرجاء (٦). وقال ذو النون: صحبني أسود في التيه، فكان إذا ذكرَ الله ابيضَّ لونُه، [فقلت له: ما هذا؟ فقال: لو ذكرتَهُ على الحقيقة لتغيَّر لونك، ثم قال:] [من الطويل]

стр. 7019

ذكرنا فما كنَّا لننسى فنذكر … ولكن نسيمُ القربِ يبدو فيزهرُ فأفنى به عنه وأبقى له به … إذ الحقُّ عنه مخبرٌ ومعبِّرُ (١) وقال (٢) محمد بن أحمد النيسابوري: احذر أن تنقطع عنه فتكونَ مخدوعًا، قلت: فكيف ذاك؟ قال: لأنَّ المخدوع من ينظرُ إلى عطاياه، أفينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه] (٣)، ثم قال: تعلَّق الناسُ بالأسباب، وتعلَّقَ الصديقون بترك (٤) الأسباب، ومن علامة تعلُّقهم بالعطايا طلبُهم منه العطايا، ومن علامة تعلُّق قلوب الصديقين بوليِّ (٥) العطايا انصبابُ العطَايا عليهم، وشغلُهم به عنها، ثم قال: ليكن اعتمادُك على الله في الحال، لا على الحال [مع الله] (٦)، واعقل من هذا صفوةَ التوحيد. وقال ذو النون: من ذكر الله على حقيقةٍ نسيَ في جنبه كلَّ شيء، حتى حفظ الله عليه كلَّ شيء، وكان له عوضًا من كلّ شيء (٧). وقال: أكثرُ الناسِ إشارةً إلى الله في الظاهر أبعدُهم عنه (٨). وكان [ذو النون] يقول: إلهي إن كان صَغُرَ في جنبِ طاعتِك عملي، فقد كَبُرَ في جنبِ رجائِك أملي (٩). وسُئِل عن الآفة التي يُخدَع بها المريد عن الله تعالى، فقال: رؤيةُ الكرامات، قيل: فبم يُخدَع قبل وصوله إلى هذه الدرجة؟ قال: بوطء الأعقاب وتعظيم الناس له.

стр. 7020

وقال: من ذبح حنجرةَ الطمع بسكين اليأس، ورَدم خندقَ الحرص، ظَفِر بكيمياء السعادة (١)، ومن استقَى بحبل الزُّهد من بئر الحكمة سقَى رياضَ التقوى، ومن سلك أودية الكمد عاش حياة الأبد، ومن حصدَ عشبَ الذُّنوب بمنجلِ الورع أضاءت له روضة الاستقامة، ومن قطعَ لسان الفضول بشفرة الصمت وجدَ عذوبة الراحة (٢)، ومن تدرَّع بدرع الصدق قويَ على مجاهدة عسكر الباطل، ومن فرحَ بمدح الجاهل ألبسَهُ الشيطانُ ثوبَ الحماقة (٣). [وحكى أبو نعيم أيضًا عن سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يقول:] ما طابتِ الدنيا إلَّا بذكره، ولا الآخرةُ إلَّا بعفوه، ولا الجنةُ إلَّا برؤيته (٤). وقال: ما أعزَّ الله عبدًا بعزٍّ هو أعزُّ له من أنْ يدلَّه على ذلِّ نفسه، وما أذل الله عبدًا بذلٍّ هو أذل له من أن يحجبه عن ذلِّ نفسه (٥). ومن تطاطأ لقيَ رطبًا، ومن تعالى لقي عطَبًا (٦). وقال: لا تثقنَّ بمودَّة من لا يحبُّك إلَّا معصومًا (٧). وقال: من صحبك ووافقك على ما تحبّ وخالفَك فيما تكره، فإنَّما يصحبُ هواه، ومن صحبَ هواه، فإنما يصحبُ راحةَ نفسه (٨). وقال: كل مطيعٍ مستأنس، وكلُّ عاصٍ مستوحش، وكلُّ محبٍّ ذليل، وكلُّ خائفٍ هارب، وكلُّ راجٍ طالب (٩).

стр. 7021

[وروى أبو نعيم أيضًا عن محمد بن خلف المؤدّب قال:] (١) رأيتُ ذا النون على ساحل البحر، فلمَّا جنَّ الليلُ نظر إلى السماء والماء، ثم قال: ما أعظمَ شأنكما (٢)، بل شأنُ الله أعظم منكما، فلمَّا تهوَّرَ الليلُ أنشد: [من مجزوء الخفيف] اطلبوا لأنفسِكم … مثلمَا طلبتُ أنا قد وجدتُ لي سكنًا … ليس في هواه عنا إن بعدت قرَّبني … أو قربتُ منه دَنا وما زال يردِّدُها إلى الصباح (٣). وقال: دوام الفقر إلى الله مع التخليط أحبُّ إليَّ من دوام الصفاء مع العُجْب (٤). وكان يقول: إلهى، أنا عبدك مفتقر، وأنتَ مليكٌ مقتدر، أسألُكَ العفوَ تذلُّلًا، فأعطنيه تفضُّلًا (٥). وقال: إياك أن تكون بالمعرفة مُدَّعيًّا، وبالزهدِ محترفًا، وبالعبادة متعلِّقًا (٦). [قال:] وقال [ذو النون:] قال الله تعالى في بعض كتبه: من كان لي مطيعًا كنتُ له وليًّا، فليثق بي، وليحكم عليّ، فوعزَّتي لو سألني زوال الدنيا لأزلتُها له (٧). وقال: الصوفيُّ من إذا نطقَ أبان نطقُه عن الحقائق، وإذا سكتَ نطقتْ عنه الجوارحُ بقطعِ العلائق (٨). وقال: من أرادَ التواضع فليوجِّه نفسَه إلى عظمة الله تعالى، فإنَّها تذوب وتصفو (٩)،

стр. 7022

ومن نظرَ إلى سلطان الله تعالى ذهبَ سلطانُ نفسه؛ لأنَّ النفوسَ كلَّها مضمحلَّةٌ عند هيبتِه (١). وقال: كلُّ مُدَّعٍ محجوبٌ بدعواه عن شهودِ الحقّ؛ لأنَّ الحقَّ شاهدٌ لأهل الحقّ، والله تعالى هو الحقّ، وقوله الحقّ، فلا يحتاج يدَّعي إذا كانَ الحقُّ شاهدًا له، وأمَّا إذا كان غائبًا فحينئذٍ يدَّعي؛ لأنَّ الدعوى إنَّما تقع للمحجوبين (٢). وقال: من أنِسَ بالخلقِ فقد استمكنَ من بساطِ الفراعنة، ومن غُيِّبَ عن ملاحظة نفسه فقد استمكن من الإخلاص، ومن كان حظُّه من الأشياء "هو"، لا يبالي ما فاتَه مما دونه (٣). وقال: سبحانَ من حجبَ أهل المعرفة عن جميع خلقه؛ حجبَهم عن أبناء الدنيا بأستار الآخرة، وعن أبناء الآخرة بأستار الدنيا (٤). وسُئل عن السَّفِلَة فقال: هو الذي لا يعرفُ الله ولا يتعرَّف إليه (٥). [قال:] وقال: توبةُ العوامِّ من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة (٦). ومن قَنَعَ استطال على أقرانه، واستراحَ من أهلِ زمانه (٧). وسئل (٨) عن الإنس بالله فقال: علامته أن يوحشَك من خلقه، فإذا رأيتَه قد أوحشَك من خلقه، فاعلم أنَّه قد آنسكَ به، وإذا رأيتَه يؤنسُك بخلقه، فاعلم أنَّه قد أوحشك من نفسه (٩).

стр. 7023

وقال: الدنيا أمةُ الله، والخلقُ عبيدُه، خلقَهم لطاعته، وضمنَ لهم أرزاقهم، ونهاهم عن أمته، فحرصوا عليها، وطلبُوا الأرزاقَ، وقد تكفَّل لهم بها، فلا هم على أمته قَدَرُوا، ولا في أرزاقهم استزادُوا (١). وقال: أوحى اللهُ إلى موسى ﵇: يا موسى، كن كالطَّير الوحدانيّ، يأكلُ من رؤوس الشجر، ويشرب من الماء القُرَاح، وإذا جَنَّهُ الليلُ أوى إلى كهفٍ من الكهوف؛ استئناسًا بي، واستيحاشًا ممَّن عصاني، يا موسى، إنِّي آليتُ أن لا أتمم لمدبرٍ عنِّي عملًا، ولأقطعنَّ أملَ كل من يؤمِّلُ غيري، ولأقصمنَ ظهرَ من استندَ إلى سواي، ولأطيلنَّ وحشة من استأنس بغيري، يا موسى، إنَّ لي عبادًا إن ناجَوني أصغيتُ إليهم، وإن نادوني أجبتهم، وإن قربوا مني قرَّبتُهم، وإن والوني واليتُهم، وإن عملوا إليَّ جازيتُهم، يا موسى، أنا مدبرُ أمورهم، وسائسُ قلوبهم، ومتولي أحوالهم (٢). وقال: رَكَضَتْ أرواحُ الأنبياء في ميادين المعارف، وسبقت روحُ سيِّدنا محمد ﷺ إلى روضة الوصال (٣). وقال: معاشرةُ العارف كمعاشرة الله تعالى، يحتملك، ويحلمُ عنك؛ تخلُّقًا بأخلاق الله تعالى (٤). وسُئِل عن السماع فقال: وارد حقٍّ يزعجُ القلوبَ إلى الحقّ، فمن أصغَى إليه بحقّ تحقَّق، ومن أصغى إليه بباطل (٥) تزندق. [وحكي عنه في "المناقب" عن محمد بن يزيد التميمي قال:] كنتُ مارًّا مع ذي النون وإذا بشابٍّ يبني دارًا، وهو يأمرُ وينهى، فوقفَ عليه ذو النون وقال: أيُّها المغرورُ بدارِ الغرور، واللاهي عن دار البقاء والسرور، لم لا تشتري من مولاك دارًا يقالُ لها

стр. 7024

دار الأمان، لا يضيقُ بها السكان، ولا يزعج (١) منها القطَّان، ولا تشعثها (٢) حوادثُ الزمان، ولا تحتاجُ إلى بنَاءٍ وطيَّان، فقال له الشاب: يا أستاذ، لكلِّ دارٍ حدّ، فما حدود هذه الدار؟ فقال: [لها] أربعُ حدود؛ الحدُّ الأول ينتهي إلى منازل الراجين (٣)، والحدّ الثاني إلى مواطن الخائفين، والثالث إلى أماكن المحبِّين، والرابع إلى جوار (٤) الفائزين، وتشرعُ مَشارعُ هذه الدار إلى خيايم مضروبة، وقبابٍ منصوبة على شاطئ أنهار الفردوس وجنات النعيم في ميادين الشوق (٥)، وفيها سررٌ منصوبةٌ، وفرشٌ ممهودةٌ، في كثبان المسك والزعفران، قد عانقوا خيراتٍ حسان، فقال الشاب: ما ثمنها؟ قال: تكتب [في صكِّ اليقين:] هذا ما اشترى عبدٌ محبورٌ من الملك الغَفُور، اشترى منه هذه الدار بالتنقُّل من ذلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطاعة، ومن الحرص إلى القناعة، فما أدرك هذا المشتري من دركٍ فبنقضِه للعهود، ومخالفته للمعبود. [وذكر في "المناقب" كلامًا طويلًا. والله أعلم بالصواب] (٦). وقال (٧) الفتحُ بن شُخْرف: كان سعدون المجنون صاحب محبَّةٍ لله تعالى ولهجٍ بالقول، من صام سنين (٨) حتى نشفَ دماغُه، وسمَّاه الناس مجنونًا؛ لتردُّدِ قوله في المحبَّة، فبينا أنا واقفٌ ذات يومٍ بالفسطاط إذا به قد أقبلَ، فوقفَ على حلقة ذي النون، وعليه جبَّةُ صوف، عليها مكتوب: لا تُباعُ ولا تُشترى، وذو النون يتكلَّم في علم الباطن، فناداه سعدون: يا أبا الفيض، متى يكون القلب أميرًا بعدما كان أسيرًا؟ فقال له: إذا اطَّلعَ الخبيرُ على الضمير، فلم ير فيه إلَّا حبَّ الجليل القدير. فصرخَ سعدون، وخرَّ مغشيًّا عليه، ثم أفاق وقال: [من الطويل]

стр. 7025

ولا خيرَ في الشَّكوى إلى غير مشتكى … ولا بدَّ من شكوى إذا لم يكن صبرُ ثم ناداه: يا أبا الفيض، أَمِنَ القلوب قلوبٌ تستغفرُ قبلَ أن تذنب؟ قال: نعم، وتلك القلوب تثابُ قبل أن تطيع، فقال سعدون: بيِّن ما تقول، فقال: نعم تلك القلوبُ أشرقت بمصابيح اليقين، ففاضت عليها أنوارُ الحقِّ سبحانه، فكشفَ لها عن حقائق الأمور، أنِسَت بمحبوبها، فاستوحشَتْ بمن سواه، فصاح سعدون، وولَّى هاربًا. وقال ذو النون: وُصِفَ لي عابدٌّ بالمغرب، فقصدتُه وأقمتُ على بابه أربعين يومًا، وهو يخرجُ إلى الصلاة، ويعودُ إلى منزله، ولا يكلِّم أحدًا، فقلت له بعد الأربعين: يا هذا، إنِّي أتيتُك من بلادٍ بعيدة، ولي واقفٌ على بابك أربعين يومًا، ما كلَّمتني كلمة، فقال: يا هذا إنَّ لساني سبُع، إن أطلقتُه قتلني، فقلت: أوصني وصيةً أنتفعُ بها، قال: لا تحب الدنيا، وعدَّ الفقرَ غنى، والبلاءَ نعمةً، والمنعَ عطاءً، والوحدةَ أنسًا، والذلَّ عزًّا، والحياةَ موتًا، والتوكُّلَ معاشًا، واللهَ تعالى في كلِّ شيءٍ عُدَّةً، فقلت: فما وصف العارف (١)؟ قال: قوتُه ما وجد، ومنزلُه حيث أدرك، ولباسه ما سترَ، الخلوةُ مجلسُه، والقرآنُ أنيسُه، والحقُّ سبحانَه جليسُه، والذكرُ رفيقُه، والزهدُ قرينُه، والخوفُ محجَّتُه، والشوقُ راحلتُه، والصبرُ وسادُه، والحكمةُ كلامُه، والصديقون إخوانُه، والعقلُ دليلُه، والحلمُ خليله، والله تعالى عونه. وكان ذو النون ينشد: [من الكامل] عجبًا لقلبكَ كيف لا يتصدَّعُ … ولركن جسمِك كيفَ لا يتَضَعْضَعُ فاكحل بمُلْمُول (٢) السُّهادِ لدى الدُّجى … إنْ كنتَ تفهمُ ما أقولُ وتسمعُ منعَ القرانُ بوعده ووعيدِه … نومَ العيون فليتَها ما تهجعُ وأنشد أيضًا: [من الطويل] يجولُ الغنى والعزُّ في كلِّ موطنٍ … ليستوطنَا قلبَ امرئٍ إن توكَّلَا ومن يتوكَّل كان مولاه حسبَه … وكان له فيما يحاولُ معقلَا

стр. 7026

إذا رضِيت نفسي بمقدور حظِّها … تعالتْ فكانت أرفعَ الناس منزلَا (١) وأنشدَ أيضًا: [من الخفيف] قد بقينا مذبذبينَ حيارى … نطلب الصدق ما إليه سبيلُ فدعاوى (٢) الهوى تَخِفُّ علينا … وخلافُ الهوى علينا ثقيلُ ذكر وفاته: قال الفتح بن شُخْرف: دخلتُ على ذي النون عندَ موته، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: [من الطويل] أموتُ وما ماتتْ إليكَ صبابتي … ولا رَويت من صدقِ حبِّكَ أوطارِي مناي المُنى كلُّ المني أنتَ لي مُنى … وأنت الغنى [كلُّ الغنى] عند إقتاري (٣) تضمَّن قلبي منك مالك قد بَدا … وإن طال سرِّي فيك أو طال إظهارِي وبينَ ضلوعي منكَ ما لا أَبُثُّهُ … ولم أكُ مبديهِ لأهلٍ ولا جارِ سرائرُ لا يخفى عليكَ خفيُّها … وإن لم أبح حتى التنادي بأسرارِي فهب [لي] نسيمًا منك أَحْيَى بروحِه … وجُد لي بيسرٍ منك يطردُ إعساري أنرت الهدى للمهتدين ولم يكن (٤) … من العلمِ في أيديهم عشرُ معشار وعلَّمتهم علمًا فآبوا بنورِه … وبانتْ لهم منه معالمُ أنوارِ (٥) معاينةً للغيب حتى كأنَّها … لما غابَ عنها منه حاضرةُ الدارِ فأبصارُهم محجوبة وقلوبُهم … تَرَاكَ بأوهامٍ حديدةِ أبصارِ جمعتَ لها الهمَّ المفرَّق والتُّقى … على قَدَرٍ والهمُّ يجري بمقدارِ ألستَ دليلَ الركب إن هم تحيَّروا … وعصمةَ من أمسى على جُرُفٍ هارِ

стр. 7027

قال الفتح: فلمَّا ثقل قلت له: كيف تجدك؟ فقال: وما لي سوى الإطراقِ والصمت حيلة … ووضعي على خدِّي يدي عندَ تذكارِي وإن طرقتني عَبرةٌ بعد عَبرةٍ … تجرَّعتُها حتى إذا عِيلَ تصباري أفضتُ دموعًا جمَّةً مستهِلَّة … أُطَفِّي بها حرًّا تضمَّن إضماري (١) فيا مُنتهَى سؤلِ المحبِّين كلِّهم … أبحني محلَّ الأُنسِ مع كلِّ زواري ولستُ أبالي فائتًا بعد فائتٍ … إذا كنتَ في الدارين يا واحدًا جاري (٢) [ذكر وفاته: واختلفوا في وفاته، فقال الخطيب: عن حيَّان بن أحمد السهمي قال:] (٣) ماتَ ذو النون بالجيزة، وحُمِل في مركبٍ حتى عدي به إلى الفُسطاط خوفًا عليه من زحمة الناس على الجسر، ودُفن في مقابر أهل المَعافر، وذلك [في] يوم الإثنين لليلتين خلتا من ذي القعدة [من سنة ستٍّ وأربعين ومئتين] (٤). [وحكى عنه محمد بن زبَّان الحضرمي قال:] (٥) كنتُ واقفًا على كوم بالمعافر يوم مات [ذو النون]، فلمَّا أخرج [من القارب]، وحُمِلَ على أعناق الرجال، جاءت طيورٌ خضرٌ فاكتنفت الجنازةَ تُرفرفُ عليها، فلمَّا دُفن غابت في الأرض، فقال الحسن بن يحيى بن هلال: ورأيتُ أعجبَ ما رأيتُ ولم أكن … من قبل ذاك رأيتُه لمُشَيَّعِ طيرٌ تُرَفْرِفُ فوقَه وتَحُفُّه … حتى توارَى في حجابِ المضجعِ وأظنُّها رسلَ الإله تنزَّلت … -والله أعلمُ- فوق ذاك الشرجعِ (٦)

стр. 7028

وقيل: إنَّ مثلَ هذه الطيور رُؤي في جنازةِ أبي إبراهيم المزنيّ، وإنَّ الحسنَ قال هذه الأبيات في ذلك اليوم (١). وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ: كان أهلُ مصر يقدحون في ذي النون لمَا كان يبدو منه من علوم المكاشفات، فلمَّا ماتَ وأظلَّتِ الطيور جنازته أكرموا بعد ذلك قبرَه. [قال:] ولما دفن أصبحَ الناس فرأوا مكتوبًا على قبره: ماتَ ذو النون حبيبُ الله، مات من الشوق إلى الله (٢). وقال أبو سعيد بن يونس [في "تاريخ مصر"]: مات [ذو النون] سنة خمسٍ وأربعين ومئتين (٣)، وقيل: [في] سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين. أسند ذو النون عن جماعة [من الأئمة]، منهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان بن عُيينة، والفُضيل بن عياض، [وعبد الله بن لَهِيعة قاضي مصر، ورشدين بن سعد، ومروان بن محمد الفزاري] وغيرهم. وروى عنه يوسف بن الحسين الرازي، والجنيد بن محمد، ومشايخُ العراق. وقال الخطيب: أسندَ عن ذي النون جماعة أحاديثَ غير ثابتة، والحملُ فيها على من دونه (٤). وصحبه عدَّة من المشايخ، منهم أبو عبد الله بن الجلَّاء، وحكى عنه قال: جاورتُ مع ذي النون بمكَّة، فبقينا أيامًا لم نأكل شيئًا، فقام ذو النون وصعدَ أبا قُبَيس وأنا خلفه، فرأيتُ في الوادي قشرَ موز، فأخذتُ منه ووضعتُه في كمِّي، وجعلتُ آكلُ منه، وأسارقُ ذا النون النظر، فلمَّا صعدنا إلى الجبل قال: ارمِ ما معك، فخجلتُ ورميتُه، فلمَّا عدنا إلى الحرم إذا برجلٍ قد أقبل ومعه طعام، فوضعَه بين يدي ذي النون، فقال: دعه قدَّام ذاك، فتركه قدامي، فقلت لذي النون: ما تأكل؟! فقال: يأكلُ من طَلَبَ، ولم يأكل ذو النون (٥).

стр. 7029

وقال محمد بن الحسن الجوهري: قلت لذي النون: حَدِّثني بحديثٍ لَعَلِّي أنتفعُ به في الرقائق، يكون عونًا لي على هذا المذهب، فقال: للحديث رجال، ولي شغلٌ بنفسي عن الحديث، وإن كان الحديثُ من أركان الدين، ولولا نقصٌ دخلَ على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضلَ الناس، ولكن بذلُوا علمَهم لأهل الدنيا، فحجبُوهم وتكبَّروا عليهم، وجعلوهم خَولًا، وافتتنوا بالدنيا لمَّا رأوا حرص أهل العلم عليها (١) والخوض فيها، وأنَّهم جعلوا العلم فخًّا لصيدِهم، ولو أنَّهم لزمُوا بابَ ربِّهم لكفَاهم وأعزَّهم، ولكنَّهم انقطعُوا إلى المخلوقين، فوكِلُوا إليهم (٢). وقال أبو الحارث الأولاسي: قصدتُ مصر لأسألَ ذا النون عن مسائل، فوافيتُه قد مات، فجئتُ إلى قبره فصلَّيت ركعتين عنده ونمتُ، فرأيتُه في المنام، فقلت: يا أبا الفيض، إنَّما قصدتُك لأجل مسائل، فقال: سل، فسألتُه، فأجابني عن الجميع (٣). [انتهت ترجمة ذي النون، والحمد لله] (٤). سليمان بن أبي شيخ أبو تراب الوَاسطيّ سكن بغداد، وكان عالمًا بالأنسابِ والتواريخ وأيَّامِ النَّاسِ ووقائعهم. سمع سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه إبراهيم الحربيّ وغيره، وكان ثقةً، وتوفي عن خمسٍ وتسعين سنة (٥). شُجَاع (٦) أمُّ المتوكِّل وتُدعى السيِّدة، وكانت صالحةً كثيرةَ الصدقات والمعروف، من أكثر النساء دينًا

стр. 7030

وعفَّةً وكرمًا. وكانت تُخرجُ صدقات السرِّ على يدِ كاتبها أحمد بن الخَصيب، قال: بينا أنا ذات يوم جالسٌ في الديوان، إذ خرجَ خادمٌ ومعه كيس وقال: السيدةُ تقول لك: خذ هذه الألف دينار من طيِّبِ مالها، وادفعهَا إلى قومٍ مستحقِّين، واكتب أسماءَهم وأنسابَهم ومنازلهم، وكلَّما جاءَ من هذه الناحية شيءٌ صرفناه إليهم، فأخذتُ الكيس، [وصرتُ إلى منزلي، ووجَّهتُ خلف من أثقُ به، فعرَّفتُهم ما أمرتُ به] (١)، وسألتُهم أن يُسمُّوا لي من يعرفون من أهل الحاجة، فسموا لي جماعةً، ففرَّقتُ فيهم ثلاثَ مئة دينار، وجاءَ الليل وبقيَّةُ المال بين يدي، لعلِّي أصيبُ مستحقًّا، وأنا أفكر في سامرَّاء وبعد أقطارها، وتكاتف أهلها، ليس بها مستحقّ، ومضَى من الليل ساعة، وغُلِّقتِ الدروب، وطاف العسس، وإذا بالباب يدقُّ، فقلتُ للغلام: انظر من هذا، فخرج وعاد وقال: فلان العلويّ يستأذنُ عليك، وعندي بعض حرمي، فقلت: كونوا وراء هذا الستر، فما قَصَدَنا هذا الرجلُ في هذا الوقت إلَّا لحاجة، فلمَّا دخل سلّم وجلس، فسألتُه عن حاله، فقال: طرقني في هذا الوقت طارقٌ لرسول الله ﷺ به اتصال، والله وما عندنا شيء، ولم يكن في جواري من أفزعُ إليه سواك، فدفعتُ إليه دينارًا، فأخذَه وشكر وانصرف، فخرجَتْ ربَّةُ البيت فقالت: يا هذا، تدفعُ إليك السيدة ألفَ دينار تفرِّقُها إلى مستحق، فمن ترى أحق من ابن رسول الله ﷺ مع ما شكاه (٢) إليك، فقلت: فما أصنع؟ فقالت: ادفع إليه الكيس كلَّه، فقلتُ: يا غلام رُدَّه، فرَدَّه، فحدَّثتُه الحديث، ودفعتُ إليه الكيس، فأخذه وانصرف، فلمَّا ولَّى عني جاءني إبليس وقال: المتوكِّلُ وانحرافه عن أهل البيت، تدفع إليك أمُّه ألفَ دينارٍ لتدفعَها إلى أقوامٍ تكتَب أسماؤهم وأنسابُهم ومنازلُهم، تعطي واحدًا سبعَ مئة دينار، فبماذا تحتجّ، وأيُّ عذرٍ لك؟ فقلت لربة المنزل: أوقعتيني فيما أكره، وعرَّفتُها ما خطر ببالي، فقالت: اتَّكل على جدِّهم،

стр. 7031

وجعلت تردِّدُ (١) القول، وقمتُ إلى فراشي فما أخذني النوم، فلمَّا كان بعد ساعة إذا البابُ يُدَقّ، فقلت للغلام: اخرج، فخرج وعاد وقال: رسول السيِّدة يأمرُك بالركوب الساعة، وجاء آخر وآخر، فقلت: جاءني ما كنتُ أحذر، فركبتُ والليل قد تهوَّر (٢)، فأدخلني الخدمُ إلى الستر وقالوا: السيدة تسمع كلامك، فأجبها، فقالت: يا أحمد، أحساب ألف دينار أم سبع مئة دينار؟ وهي تبكي، فقلت في نفسي: بليَّة العلوي، أخذَ المال، ومضى إلى السوق اشترى ما يحتاج إليه، وفتح الدكاكين، فكتبَ أصحابُ الأخبار إلى المتوكِّل، وقد أمر بقتلي، وهي تبكي رحمةً لي، ثم كررت القول وسألتني عن الحساب، فحدَّثتُها حديثَ العلويّ، فبكت وقالت: يا أحمد، جزاكَ الله خيرًا، وجزى من في منزلك خيرًا، تدري ما كان من خبري الليلة؟ قلت: لا يا أم أمير المؤمنين، قالت: كنتُ نائمةً في فراشي، فرأيتُ رسول الله ﷺ وهو يقول لي: جزاكِ الله خيرًا، وجزى أحمدَ بن الخصيب خيرًا، وجزى من في منزله خيرًا، فقد فرَّجتم الليلة عن ثلاثة من ولدي، ما كان لهم شيء، ثم قالت: خذ هذا الحلي مع هذه الثياب والمال، فادفعه إلى العلوي، وقل له: نحن نصرفُ إليك كلَّما جاء من هذه الناحية، وخذ هذا الحلي والثياب والمال، فادفعه إلى زوجتك، وقل لها: جزاك الله خيرًا، فهذه دلالتك، وخذ هذه الثياب والمال لك، فأخذتُ الجميعَ وركبتُ إلى منزلي والنجوم بحالها، وجعلتُ طريقي على باب العلويّ، فقلت: أبدأ به، إذ كان الله رزقنا هذا الرزقَ بسببه، فطرقت البابَ، فخرج العلويُّ وقال: هات ما معك، فقلت: وما يدريك ما معي؟ فقال: انصرفتُ من عندك بما أخذتُه منك، ولم يكن عندنا شيء، فدفعتُ المال إلى بنت عمي، ففرحت وقالت: قم إلى الصلاة، وادعُ حتى أؤمِّن على دعائك، فقمتُ وصلَّيتُ ودعوتُ وهي تؤمِّن، ودعونا لك وللسيدة ولزوجتك، ثمَّ نمتُ، فرأيت جدِّي رسول الله ﷺ وهو يقول: قد شكرتُهم عنك، فإذا جاؤوك بشيءٍ

стр. 7032

آخر فاقبلهُ، فدفعتُ إليه ما كان معي وانصرفتُ إلى منزلي، وإذا بربَّة البيت قلقة، فحدَّثتُها الحديث، فقالت: ألم أقل لك: اتكل على جدِّهم؟ فدفعتُ لها ما كان لها، فدَعت وفرحت (١). توفيت شجاع بالجعفرية لستٍّ خلون من ربيع الأول (٢)، والمتوكِّل غائبٌ، فصلَّى عليها ابنه محمد المنتصر، ودُفِنت عند الجامع، وخلَّفت من الذهب خمسة آلاف ألف دينار وخمسين ألف دينار، ومن الدراهم كذلك، ومن الجواهر ما قيمتُه ألف ألف دينار، وكذا من العقارات والمتاع والأثاث وغيره. وقال جعفر بن عبد الواحد الهاشمي: دخلتُ على المتوكِّل لمَّا توفيت أمُّه فعزَّيتُه، فقال: يا جعفر، ربَّما قلتُ البيتَ الواحد، فإذا جاوزتُه خلَّطتُ، وقد قلت: [من الطويل] تذكَّرتُ لمَّا فرَّقَ الدهرُ بيننا … فعزَّيت نفسي بالنبيِّ محمَّدِ فأجازه بعض من حضر، وقال: فقلتُ لها إنَّ المنايا سبيلُنا … فمن لم يمت في يومه ماتَ في غدِ (٣) شُعَيب بن سَهْل بن كثير أبو صالح الرازيّ، ويعرف بشعبويه. ولَّاه المعتصم قضاء بغداد على عسكر المهدي، ثمَّ عُزِل. وكان يقول بخلق القرآن، وكان الإمام أحمد ﵀ يقول: أخزاهُ الله، كان يرى رأيَ جهم بن صفوان (٤). وكان قد كتبَ على باب مسجدِه وفي المحراب: القرآنُ مخلوق، فجاءتِ العامَّةُ إلى

стр. 7033

داره فنهبوها وأحرقوها، فهربَ منهم، وهو أوَّل قاضٍ أُحرقت دارُه، ونهبت، وكان خبيثًا (١). محمد بن سليمان ابن حبيب بن جُبير، أبو جعفر الأسديُّ الكوفيّ، ويعرف بلُوَين. خرج من الكوفة طالبًا الثغر، فسكن المصيصةَ مرابطَّا بَها، فماتَ، فدُفِن بها في هذه السنة وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: مات بأذنة (٢). سمع مالكًا وغيره، وروى عنه عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما، وكان ثقةً، وعاش مئة وثلاث عشرة سنة، ﵀ (٣). * * *

стр. 7034

السنة السابعة والأربعون بعد المئتين فيها قُتِل المتوكل، ووليَ ابنه محمد المنتصر [بعده]. الباب الحادي عشر في خلافته (١) هو محمد بن جعفر المتوكِّل [ابن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، واختلفوا في كنيته، فقال الطبري:] (٢) أبو جعفر (٣)، [وقال الحلمي:] (٤) أبو عبد الله، وقيل: أبو العباس. [واختلفوا في مولده على قولين؛ أحدهما] بسامرَّاء في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وقيل: في سنة أربع وعشرين (٥). وأمُّه أمُّ ولدٍ روميَّة، اسمُها حَبشيَّة. [ذكر صفته:] وكان أعينَ أقنى ربعة، وقيل: قصيرًا، ضخم الهامة (٦)، عظيمَ البطن، جسيمًا، مليحَ الوجه، مهيبًا، على عينه اليمنى أثر، وكانَ قد وقعَ وهو صغير، فأصابَه ذلك (٧). وبويع (٨) يومَ الأربعاء لأربعِ خلونَ من شوَّال بالجعفريَّة، وكان قد بُويع في الليلة التي قُتِلَ فيها أبوه، فلمَّا كان صباح الأربعاء شاع قتلُ المتوكل بين القوَّاد والجند، فاجتمعوا وتكلَّموا في أمر البيعة، فخرجَ إليهم بعضُ أصحاب المنتصر، [فأبلغهم عن

стр. 7035

المنتصر ما يحبُّون، فأسمعوه، فدخلَ إلى المنتصر فأبلغه، فخرج] (١) وبين يديه جماعة من المغاربة، وحملَ عليهم وصاح: يا كلاب، خذوهم، فانهزموا، ومات في الزحام منهم جماعة، ثمَّ بايع الناس. وأوَّل من دخل عليه جعفرُ بن سليمان وهو قاضي القضاة، فقال له المنتصر: بايع، فقال: وأينَ أمير المؤمنين؟ فقال: قتلَه الفتحُ بن خاقان، قال: وما فُعِلَ بالفتح؟ قال: قتله بغا، قال: فأنتَ وليُّ الدم وصاحب الثأر، ثم بايعه. وحضر الوزير عبيد الله بن [يحيى بن] خاقان فبايع، ثم نفاه المنتصر بعد ذلك إلى بغداد، وسبب نفيه أن عبيد الله والفتح صحَّ عندهما أنَّ المنتصرَ يريدُ قتل أبيه، فرتَّبا له من يقتلُه إذا خرج من داره، فلم يخرج حتى قُتِل المتوكِّل، فلمّا ولي المنتصر نفى عبيد الله إلى بغداد، وكتبَ إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بحبسه والاحتراز عليه، ثمَّ نفاه بعد ذلك إلى مكَّة، وسنذكرُه إن شاء الله تعالى. وأقام المنتصرُ بالجعفريَّةِ عشرةَ أيام، ثمَّ انتقلَ إلى سامرَّاء بعياله وأهله، فصالح المنتصرُ إخوتَه وأخواته من ميراثهم على أربعة آلاف ألف درهم (٢). قال الصوليُّ: لمَّا حضروا للبيعة لم يبق خاصٌّ ولا عامّ إلَّا وجاء، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابًا من المنتصر مضمونه أنَّ الفتحَ بن خاقان قتلَ المتوكِّلَ غيلةً، فقتله به. وأحضرَ المنتصرُ إخوتَه المعتز والمؤيِّد، وعزَّاهما في أبيهما، وقال: شرق بالكأس فمات، وكتب كتابًا إلى بغداد بالبيعة، فبويعَ بعد بيعته بسامرَّاء يومَ السبت لسبعٍ خلون من شوال. وقال عليُّ بن يحيى المُنَجِّم: جلسَ المنتصرُ بعد قتل أبيه في مجلسٍ فيه بساطٌ كبير، فيه دائرةٌ فيها مثال فرس، وعليه فارس راكب، وعلى رأسه تاج، وحول الدائرة كتابةٌ بالفارسية، وكان الندماء حولَ المنتصر، وعلى رأسه الموالي والقوَّاد، فنظرَ إلى تلك

стр. 7036

الدائرة والكتابة التي حولَها، فسأل بغا عن الكتابة، فقال: ما أدري ما هي، فقال لمن حضر من الندماء: اقرؤوها، فلم يتجاسر أحدٌ عليها، فقال المنتصر لوصيف: أحضر لي من يقرأ هذه الكتابة، فأحضر رجلًا فارسيًّا، فقرأها، فغضب، فقال له المنتصر: ما هي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، بعضُ حماقات الفرس، قال: أخبرني، قال: ما له معنى، فألحَّ عليه وغضب وقال: لا بدَّ، فقال: يقولُ شيرويه بن كسرى بن هرمز: قَتَلْتُ أبي، فلم أمتَّع بالملكِ إلَّا ستةَ أشهر، فتغيَّر وجهُ المنتصر، وقام مُغْضَبًا إلى النساء، وتفرَّقَ القومُ، فلم يملك إلَّا ستةَ أشهر (١). وقال محمد بن سهل الكاتب: قُتِل المتوكِّلُ على البساط، وكان ملوَّثًا بدمه، وقال المنتصر (٢): أحرقوه، ويحك يا بغا ويا وصيف، أما كان في الدنيا غير هذا البساط، فأحرقوه (٣). [فصل:] وقال المسعوديُّ (٤): اسم [هذا] المكان الذي قُتِلَ فيه المتوكِّل الماحوزة (٥)، وفيه قَتلَ شيرويه أباه كسرى، ولمَّا انتقلَ المنتصر إلى سامرَّاء أمرَ بخراب القصر الذي بناه أبوه، ويسمى الجعفريّ، وكان المتوكِّلُ قد غرمَ عليه أموالًا عظيمةً. وفيها أخرج المنتصرُ عليَّ بن المعتصم من سامرَّاء، ونفاه إلى بغداد، ووكَّل به من يحفظُه. وبعدَ البيعةِ بيوم ولَّى المنتصرُ المظالمَ أبا عمرةَ أحمد بن سعيد مولى بني هاشم، فقال الشاعر: [من السريع] يا ضيعةَ الإسلام لمَّا وَلي … مظالمَ الناس أبو عمرهْ صُيِّر مأمونًا على أُمَّةٍ … وليسَ مأمونًا على بعرهْ

стр. 7037

وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبيّ (١). وفيها توفي أحمد بن خالد أبو العباس (٢) البغداديُّ، الفقيه الفاضل، سمع الإمام الشافعيَّ رحمة الله عليه، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وغيرهم، وكان صدوقًا ثقةً (٣). [فصل:] جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن الرشيد [ذكر طرف من أخباره:] ولد سنة سبع ومئتين، وقيل: سنة خمس ومئتين، [و] ولي الخلافةَ سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وكان شجاعًا جوادًا يقظًا، أحيا السنَّةَ، وأماتَ البدعة. و [قال الصوليُّ:] كانت أيامه سرورًا لا ضرَّ فيها، لولا انحرافه عن أمير المؤمنين علي ﵇ (٤)، [وهدمه لمشهد الحسين وحرثه، وأباد العلويين، وشتَّتهم في الدنيا، وأتلف منهم خلقًا كثيرًا، وكان إذا ذمَّ لشاعرٌ عليًّا ﵇ أعطاه مئة ألف درهم. وقال أحمد بن الخصيب: إنَّ المنتصرَ ما قتل أباه حتى استفتى الفقهاءَ في قتله، فأفتوه بذلك. قال: وكان يسبُّ عليًّا في المحافل ومجالس الشرب، وأضف إلى ذلك إقدامه على سفك الدماء واستحلال أموال الناس بالمصادرات. وكان أهل البيت في أيامه في محنةٍ عظيمة؛ قطع أرزاقهم، وهدم منازلهم ومشاهدهم، ونفاهم إلى الأقطار] (٥).

стр. 7038

دخل مروان بن أبي الجنوب عليه فأنشده قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل] سلامٌ على جُمْلٍ وهيهاتَ من جُمْلِ … ويا حبَّذا جُمْلٌ وإن صرمَتْ حبلِي أبوكم عليٌّ كان أفضلَ منكم … أباه ذوُو الشورى وكانوا ذَوي عدلِ وساءَ رسولَ الله إذ ساءَ بنتَه … بخطبتِه بنتَ اللعين أبي جهلِ أراد علي بنتِ النبيِّ تزوُّجًا … ببنتِ عدوِّ الله يا لَكَ من فعلِ فذمَّ رسول الله صهرَ أبيكُم … على منبر بالمنطق الصادق الفصل وحكَّم فيها حاكمين أبوكُمُ … هما خلعاهُ حذوَ ذي النعلِ بالنعلِ (١) وقد باعَها من بعده الحسنُ ابنُه … فقد أبطلَا دعواكما الرثَّةَ الحبلِ وخلَّيتموها وهي في غير (٢) أهلها … وطالبتموها حين صارتْ إلى أهلِ فأعطاه مئة ألف درهم. وقال في المعنى: [من مجزوء الكامل] لكمُ تراثُ محمدٍ … وبعدلكم تُنْفَى الظُّلَامهْ يرجو التُّراثَ بنو البنا … تِ ومالهم فيه قُلَامَهْ والصهرُ ليس بوارثٍ … والبنتُ لا ترثُ الإمامَهْ ما للذين تَنحَّلُوا … ميراثَكم إلَّا الندامَه أخذَ الوراثةَ أهلُها … فعلامَ لومُكم علامَهْ لو كان حقُّكُم لها … قامتْ على القومِ القيامَهْ ليس التراثُ لغيركم … لا والإلهِ ولا كرامه أصبحتُ بين حبِّكم … والمبغضينَ لكم علامَهْ فخلعَ عليه المتوكِّلُ أربعَ خلع، وأعطاه ألفَ دينار (٣)، وعشرة آلاف درهم، وولَّاه البحرين واليمامة. وكان مروان أنشد المتوكل لما ولَّى ولاةَ العهد: [من الطويل]

стр. 7039

سَقى الله نجدًا والسلامُ على نجدِ … الأبيات. فأعطاه مئةً وعشرين ألفًا، وثيابًا، وخيلًا، وغيرها، فأنشده: فأمسك ندا كفيكَ عنِّي ولا تَزِد … فقد خفتُ أنْ أَطغى وأن أتجبَّرا فقال له المتوكِّلُ: لا والله، ما أمسكُ حتى يغرقك جودي، ولا بدَّ أنْ تسألَ حاجةً، فقال: يا أمير المؤمنين، الضيعةُ التي أمرتَ بإقطاعي إيَّاها باليمامة، ذكر ابنُ المدبِّر أنَّها وقفٌ من المعتصم على ولده، ولا يجوز إقطاعها، قال: فإنِّي أقبلكها بدرهم في السنة مئَة سنة (١)، فقال: ما يحسن أن يؤدَّى درهم في الديوان، فقال ابن المدبِّر: فألف درهم؟ قال: نعم. ثم أطلقَ له ضياعًا كثيرةً، ولم يعطِ خليفةٌ شاعرًا ما أعطاهُ المتوكِّل (٢). وقال الخطيب: كانت عدَّةُ نَوْبَةٍ من نُوَب الفرَّاشين في دار المتوكِّل أربعة آلاف فرَاش (٣). وقال عليّ المنجِّم: خرجنا مع المتوكِّل إلى دمشق، فلحقتنا ضائقةٌ بسبب النفقات، فاقترضتُ من بَخْتيشُوع عشرين ألف درهم، وبلغَ المتوكل، فدخلت عليه بعد يومين، فقال: يا عليّ، لك عندي ذنبٌ عظيم، فقلت: ما أعرف لي ذنبًا ولا جناية، فقال: بلى، استقرضتَ من بختيشوع عشرينَ ألف درهم، هلّا أعلمتني؟ فقلت: صلاتُ أميرِ المؤمنين عندي متواترة، وأرزاقُه كثيرةٌ، فاستحييتُ أن أسألَه، فقال: ولم؟ إيَّاك أن تستحي مني، وأن تعاودَ إلى مثلها، وأمر لي بمئةِ ألف درهم (٤). وقال الخطيب: اعتلَّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فأمر المتوكِّلُ الفتحَ بن خاقان يعوده، فعاده وقال: أمير المؤمنين يسلِّم عليك، فقال عبيد الله: [من الهزج] عليلٌ من مكانين … من الأسقامِ والدَّينِ وفي هذين لي شُغْلٌ … وحسبي (٥) شغلُ هذين

стр. 7040

فأخبرَ الفتحُ المتوكِّل، فأمرَ له بألف ألف درهم. ودخل عليُّ بن الجهم على المتوكِّل، وبيده دُرَّتان يقلِّبهما، فأنشدهُ أبياتًا منها: [من مجزوء الكامل] وإذا مَرَرْتَ ببئر عُر … وة فاسقني من مائِها (١) فدحَا إليه الدُّرةَ التي كانت في يمينه، فقلَّبها ابنُ الجهم، فقال له المتوكِّلُ: تستنقصُ، وهي خير من مئة ألف؟! فقال: لا، ولكن فكرت في أبياتٍ أعملُها لأجل التي في يسارك، قال: قل، فقال: [من مخلع البسيط] بِسُرَّ من رَا إمامُ عَدْلٍ … تغرفُ من جوده البحار (٢) يُرْجَى ويخْشَى لكلِّ خطبٍ … كأنَّه جنَّةٌ ونارُ الملكُ فيه وفي بنيه … ما اختلفَ الليلُ والنهارُ يداه في الجود ضَرَّتانِ … عليه كلتاهما تَغَارُ لم تأت منه اليمين شيئًا … إلا أتت مثلَها اليسارُ فدحا إليه التي في يساره، ويقال: إنَّ الأبياتَ للبحتريِّ (٣) في المتوكِّل (٤). [وحكى الخطيب عن] (٥) الفتح بن خاقان: دخلتُ يومًا على المتوكِّلِ وهو مطرقٌ يتفكَّر، فقلت: ما هذا الفكر يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما على وجه الأرض أطيبُ عيشًا منك، ولا أرخى بالًا، فقال: بلى يا فتح، أطيبُ عيشًا منِّي مَنْ له دارٌ واسعة، وزوجةٌ صالحةٌ، ومعيشةٌ حاضرةٌ، لا يعرفُنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه (٦). وكان المأمون يقول (٧): الخليفةُ بعدي في اسمه عين، فكان المعتصم، ثم يقول: وبعدَه هاء، فكان الواثق، واسمه هارون، ثمَّ قال: وبعدَه أصفرُ الساقين، فإنَّ المتوكِّل
следующие страницы →