← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

الدائرة والكتابة التي حولَها، فسأل بغا عن الكتابة، فقال: ما أدري ما هي، فقال لمن حضر من الندماء: اقرؤوها، فلم يتجاسر أحدٌ عليها، فقال المنتصر لوصيف: أحضر لي من يقرأ هذه الكتابة، فأحضر رجلًا فارسيًّا، فقرأها، فغضب، فقال له المنتصر: ما هي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، بعضُ حماقات الفرس، قال: أخبرني، قال: ما له معنى، فألحَّ عليه وغضب وقال: لا بدَّ، فقال: يقولُ شيرويه بن كسرى بن هرمز: قَتَلْتُ أبي، فلم أمتَّع بالملكِ إلَّا ستةَ أشهر، فتغيَّر وجهُ المنتصر، وقام مُغْضَبًا إلى النساء، وتفرَّقَ القومُ، فلم يملك إلَّا ستةَ أشهر (١). وقال محمد بن سهل الكاتب: قُتِل المتوكِّلُ على البساط، وكان ملوَّثًا بدمه، وقال المنتصر (٢): أحرقوه، ويحك يا بغا ويا وصيف، أما كان في الدنيا غير هذا البساط، فأحرقوه (٣). [فصل:] وقال المسعوديُّ (٤): اسم [هذا] المكان الذي قُتِلَ فيه المتوكِّل الماحوزة (٥)، وفيه قَتلَ شيرويه أباه كسرى، ولمَّا انتقلَ المنتصر إلى سامرَّاء أمرَ بخراب القصر الذي بناه أبوه، ويسمى الجعفريّ، وكان المتوكِّلُ قد غرمَ عليه أموالًا عظيمةً. وفيها أخرج المنتصرُ عليَّ بن المعتصم من سامرَّاء، ونفاه إلى بغداد، ووكَّل به من يحفظُه. وبعدَ البيعةِ بيوم ولَّى المنتصرُ المظالمَ أبا عمرةَ أحمد بن سعيد مولى بني هاشم، فقال الشاعر: [من السريع] يا ضيعةَ الإسلام لمَّا وَلي … مظالمَ الناس أبو عمرهْ صُيِّر مأمونًا على أُمَّةٍ … وليسَ مأمونًا على بعرهْ

стр. 7037

وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبيّ (١). وفيها توفي أحمد بن خالد أبو العباس (٢) البغداديُّ، الفقيه الفاضل، سمع الإمام الشافعيَّ رحمة الله عليه، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وغيرهم، وكان صدوقًا ثقةً (٣). [فصل:] جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن الرشيد [ذكر طرف من أخباره:] ولد سنة سبع ومئتين، وقيل: سنة خمس ومئتين، [و] ولي الخلافةَ سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وكان شجاعًا جوادًا يقظًا، أحيا السنَّةَ، وأماتَ البدعة. و [قال الصوليُّ:] كانت أيامه سرورًا لا ضرَّ فيها، لولا انحرافه عن أمير المؤمنين علي ﵇ (٤)، [وهدمه لمشهد الحسين وحرثه، وأباد العلويين، وشتَّتهم في الدنيا، وأتلف منهم خلقًا كثيرًا، وكان إذا ذمَّ لشاعرٌ عليًّا ﵇ أعطاه مئة ألف درهم. وقال أحمد بن الخصيب: إنَّ المنتصرَ ما قتل أباه حتى استفتى الفقهاءَ في قتله، فأفتوه بذلك. قال: وكان يسبُّ عليًّا في المحافل ومجالس الشرب، وأضف إلى ذلك إقدامه على سفك الدماء واستحلال أموال الناس بالمصادرات. وكان أهل البيت في أيامه في محنةٍ عظيمة؛ قطع أرزاقهم، وهدم منازلهم ومشاهدهم، ونفاهم إلى الأقطار] (٥).

стр. 7038

دخل مروان بن أبي الجنوب عليه فأنشده قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل] سلامٌ على جُمْلٍ وهيهاتَ من جُمْلِ … ويا حبَّذا جُمْلٌ وإن صرمَتْ حبلِي أبوكم عليٌّ كان أفضلَ منكم … أباه ذوُو الشورى وكانوا ذَوي عدلِ وساءَ رسولَ الله إذ ساءَ بنتَه … بخطبتِه بنتَ اللعين أبي جهلِ أراد علي بنتِ النبيِّ تزوُّجًا … ببنتِ عدوِّ الله يا لَكَ من فعلِ فذمَّ رسول الله صهرَ أبيكُم … على منبر بالمنطق الصادق الفصل وحكَّم فيها حاكمين أبوكُمُ … هما خلعاهُ حذوَ ذي النعلِ بالنعلِ (١) وقد باعَها من بعده الحسنُ ابنُه … فقد أبطلَا دعواكما الرثَّةَ الحبلِ وخلَّيتموها وهي في غير (٢) أهلها … وطالبتموها حين صارتْ إلى أهلِ فأعطاه مئة ألف درهم. وقال في المعنى: [من مجزوء الكامل] لكمُ تراثُ محمدٍ … وبعدلكم تُنْفَى الظُّلَامهْ يرجو التُّراثَ بنو البنا … تِ ومالهم فيه قُلَامَهْ والصهرُ ليس بوارثٍ … والبنتُ لا ترثُ الإمامَهْ ما للذين تَنحَّلُوا … ميراثَكم إلَّا الندامَه أخذَ الوراثةَ أهلُها … فعلامَ لومُكم علامَهْ لو كان حقُّكُم لها … قامتْ على القومِ القيامَهْ ليس التراثُ لغيركم … لا والإلهِ ولا كرامه أصبحتُ بين حبِّكم … والمبغضينَ لكم علامَهْ فخلعَ عليه المتوكِّلُ أربعَ خلع، وأعطاه ألفَ دينار (٣)، وعشرة آلاف درهم، وولَّاه البحرين واليمامة. وكان مروان أنشد المتوكل لما ولَّى ولاةَ العهد: [من الطويل]

стр. 7039

سَقى الله نجدًا والسلامُ على نجدِ … الأبيات. فأعطاه مئةً وعشرين ألفًا، وثيابًا، وخيلًا، وغيرها، فأنشده: فأمسك ندا كفيكَ عنِّي ولا تَزِد … فقد خفتُ أنْ أَطغى وأن أتجبَّرا فقال له المتوكِّلُ: لا والله، ما أمسكُ حتى يغرقك جودي، ولا بدَّ أنْ تسألَ حاجةً، فقال: يا أمير المؤمنين، الضيعةُ التي أمرتَ بإقطاعي إيَّاها باليمامة، ذكر ابنُ المدبِّر أنَّها وقفٌ من المعتصم على ولده، ولا يجوز إقطاعها، قال: فإنِّي أقبلكها بدرهم في السنة مئَة سنة (١)، فقال: ما يحسن أن يؤدَّى درهم في الديوان، فقال ابن المدبِّر: فألف درهم؟ قال: نعم. ثم أطلقَ له ضياعًا كثيرةً، ولم يعطِ خليفةٌ شاعرًا ما أعطاهُ المتوكِّل (٢). وقال الخطيب: كانت عدَّةُ نَوْبَةٍ من نُوَب الفرَّاشين في دار المتوكِّل أربعة آلاف فرَاش (٣). وقال عليّ المنجِّم: خرجنا مع المتوكِّل إلى دمشق، فلحقتنا ضائقةٌ بسبب النفقات، فاقترضتُ من بَخْتيشُوع عشرين ألف درهم، وبلغَ المتوكل، فدخلت عليه بعد يومين، فقال: يا عليّ، لك عندي ذنبٌ عظيم، فقلت: ما أعرف لي ذنبًا ولا جناية، فقال: بلى، استقرضتَ من بختيشوع عشرينَ ألف درهم، هلّا أعلمتني؟ فقلت: صلاتُ أميرِ المؤمنين عندي متواترة، وأرزاقُه كثيرةٌ، فاستحييتُ أن أسألَه، فقال: ولم؟ إيَّاك أن تستحي مني، وأن تعاودَ إلى مثلها، وأمر لي بمئةِ ألف درهم (٤). وقال الخطيب: اعتلَّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فأمر المتوكِّلُ الفتحَ بن خاقان يعوده، فعاده وقال: أمير المؤمنين يسلِّم عليك، فقال عبيد الله: [من الهزج] عليلٌ من مكانين … من الأسقامِ والدَّينِ وفي هذين لي شُغْلٌ … وحسبي (٥) شغلُ هذين

стр. 7040

فأخبرَ الفتحُ المتوكِّل، فأمرَ له بألف ألف درهم. ودخل عليُّ بن الجهم على المتوكِّل، وبيده دُرَّتان يقلِّبهما، فأنشدهُ أبياتًا منها: [من مجزوء الكامل] وإذا مَرَرْتَ ببئر عُر … وة فاسقني من مائِها (١) فدحَا إليه الدُّرةَ التي كانت في يمينه، فقلَّبها ابنُ الجهم، فقال له المتوكِّلُ: تستنقصُ، وهي خير من مئة ألف؟! فقال: لا، ولكن فكرت في أبياتٍ أعملُها لأجل التي في يسارك، قال: قل، فقال: [من مخلع البسيط] بِسُرَّ من رَا إمامُ عَدْلٍ … تغرفُ من جوده البحار (٢) يُرْجَى ويخْشَى لكلِّ خطبٍ … كأنَّه جنَّةٌ ونارُ الملكُ فيه وفي بنيه … ما اختلفَ الليلُ والنهارُ يداه في الجود ضَرَّتانِ … عليه كلتاهما تَغَارُ لم تأت منه اليمين شيئًا … إلا أتت مثلَها اليسارُ فدحا إليه التي في يساره، ويقال: إنَّ الأبياتَ للبحتريِّ (٣) في المتوكِّل (٤). [وحكى الخطيب عن] (٥) الفتح بن خاقان: دخلتُ يومًا على المتوكِّلِ وهو مطرقٌ يتفكَّر، فقلت: ما هذا الفكر يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما على وجه الأرض أطيبُ عيشًا منك، ولا أرخى بالًا، فقال: بلى يا فتح، أطيبُ عيشًا منِّي مَنْ له دارٌ واسعة، وزوجةٌ صالحةٌ، ومعيشةٌ حاضرةٌ، لا يعرفُنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه (٦). وكان المأمون يقول (٧): الخليفةُ بعدي في اسمه عين، فكان المعتصم، ثم يقول: وبعدَه هاء، فكان الواثق، واسمه هارون، ثمَّ قال: وبعدَه أصفرُ الساقين، فإنَّ المتوكِّل

стр. 7041

أصفر الساقين، كأنَّما صُبغَا بزعفران (١). ذكر مقتله: اتفقت له أسبابٌ ردية، من أعظمها تغيُّره على ولده [محمد] المنتصر، وأراد أن ينقلَ العهدَ منه إلى [ابنه] المعتز، [وكان المتوكِّل مائلًا إلى المعتز]؛ لمحبته لأمه [قبيحة]، وسأل [ابنَه] المنتصر أن ينزلَ عن العهد فأبى، [وكان المنتصر يحبُّ عليَّ بن أبي طالب وأهل البيت، والمتوكِّل يبغضهم، وعرف المتوكِّلُ من المنتصر،] فكان يحضرُه [في] مجالس العامَّة، ويحطُّ من منزلته ويتهدده بالقتل، وأحضرَه ليلةً وشتمَه شتمًا قبيحًا وقال: أنت المنتظِر لموتي، وشتم أمَّه، فقام المنتصرُ وقال: والله لو أنَّها أَمَةٌ لبعض سوَّاسك لمنعتَ من ذكرها، ولوجبَ عليك صيانتُها، فغضب المتوكِّل وقال للفتح بن خاقان: برئتُ من قرابتي من رسولِ الله ﷺ لئن لم تلطمه (٢) لأقتلنَّك، فقام الفتحُ ولطمَه [لطمتين في وجهه]، وقال المتوكل: اشهدوا عليَّ أنِّي قد خلعتُه من الخلافة. [قال الصوليُّ: وأحضره ليلةً وأمر جلساءه بسبِّ أمير المؤمنين عليّ، فغضب المنتصر، وقال: أما يستحيي من رسول الله ﷺ يأمر هؤلاء الصفا عنه (٣) بسبِّ ابن عمِّه؛ فقال المتوكِّل للمغاني: غنوا: [من المجتث] غارَ الفتى لابن عمِّه … (كذا وكذا) (٤) في حِرِ امِّهْ] (٥) فبقيت هذه الأشياء في قلب المنتصر، وانضافَ إلى ذلك انحرافُ المتوكل عن الأتراك، وأخذُ ضياع وصيف وبُغا، فاتَّفقوا مع المنتصر على قتله [بعد أن استفتى الفقهاء في قتل أبيه]، وأقطع المتوكِّلُ ضياعَ وصيف بأصبهان والجبال للفتحِ بن خاقان، فجعلَ وصيف يُغري المنتصرَ بقتل أبيه ويطمعُه في الخلافة.

стр. 7042

ودخل شهرُ رمضان، وعزمَ المتوكِّلُ أن يصلِّي بالناس آخر جمعةٍ منه بسامراء، فاجتمعَ الناس من بغداد، وحشد بنو هاشم وغيرهم لرفعِ القِصص وكلامِه إذا ركب، فقال له الفتح بن خاقان (١): يا أميرَ المؤمنين، قد اجتمع الناس للقصص من كل مكان، وأنت تشكو ضيقَ الصدر، فإن رأيتَ أن تأمر بعض ولاة العهود أن يصلي بالناس فافعل، فقال: من ترون لها؟ وكانوا قد عرفوا ميلَه إلى المعتزِّ، فأشاروا به وقالوا: شرِّفه في هذا اليوم بالنيابة عنك، فقال: نعم، وبلغ المنتصر وهو مقيمٌ في منزله بالجعفرية، فكان ذلك ممَّا زاد في إغرائه بأبيه. وركبَ المعتزُّ والفتح معه وجميعُ القوَّاد والخاصة والعامة، فصعدَ المنبر فخطبَ آخر جمعة في رمضان، فأحسن في خطبته وقراءته، ولمَّا فرغ من الصلاة انصرفَ بين يديه داود بن محمد بن أبي العباس الطوسيّ، فقال داود: يا أمير المؤمنين، لقد رأيتُ الأمين والمأمون والمعتصم والواثق على المنبر، فوالله ما رأيتُ أحسنَ قوامًا، ولا أحسن بديهةً، ولا أجهرَ صوتًا، ولا أعذب لسانًا، ولا أفصح من المعتز، فأعزَّه الله بك، وأيَّده ببقائك، فقال له المتوكِّل: أسمعكَ الله خيرًا، وأمتعنا بك (٢). فلمَّا كان يوم الفطر، وهو يوم الأحد، وجد المتوكل فترةً، فقال: مروا المنتصرَ فليصلِّ بالناس، فقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان: يا أميرَ المؤمنين، قد كان الناس يتطلَّعون إلى رؤيتك في يوم الجمعة واحتشدوا، فلم تركب، وإن لم تركب اليوم ويراك الناس، لا نأمنُ أن يُرجِفوا بمرضك، وتختلَّ الأمور، فإن رأيتَ أن تَسُرَّ الأولياء بركوبك، وتكبتَ الأعداء، فافعل. فركبَ في يوم الفطر وقد ضُرِبت له القباب (٣)، واجتمعت العساكر والقوَّاد، وترجَّلَ الناس ومشوا بين يديه نحوًا من أربعة أميال، وكان يومًا عظيمًا لم يُرَ في الإسلام مثلُه، ولا بعده، فلمَّا عاد إلى قصرِه أخذ حفنةً من تراب فوضعها على رأسه، فقيل له في ذلك،

стр. 7043

فقال: إنِّي رأيتُ كثرة الجمع، وأنَّ الله ملَّكني عليهم، أحببتُ أن أتواضعَ لله تعالى. وأقام نهار الأحد والإثنين والثلاثاء واجمًا، وقد منع ندماءَه عنه، فلمَّا كان في نهار الثلاثاء أصبحَ نشيطًا، فدعا بندمائه وجلسَ في مجلس الشراب، وبين يديه الندماء وأهلُ الطرب (١)، وأرسلت له قبيحةُ مُطرفَ خزٍّ أخضر، لم يرَ الناسُ أحسنَ منه، فنظرَ إليه واستحسنه، وأمرَ به فقُطِع نصفين، وردَّه عليها، وقال لرسولها: قل لها: تذكرني به، فوالله إنَّ نفسي تحدِّثني أنِّي لا ألبسُه، فما أريدُ أحدًا أن يلبسَه بعدي، فقال له ندماؤه: نعيذُك يا مولانا أن تقول هذا، فقال: أنا والله مفارقُكم عن قليل، [ولم يزل في لهوه وسروره إلى الليل] (٢). وكان قبلَ ذلك قد قُرِئ عليه كتابٌ (٣) فيه ملاحم، فمرَّ القارئُ على موضعٍ فيه أنَّ الخليفةَ العاشر من بني العباس يُقتَل في مجلسه، فقال المتوكل: ليتَ شعري من هذا الشقيُّ المقتول، ووجم فقيل له: أنتَ الحادي عشر، وذَكروا إبراهيم بن المهدي من جملة الخلفاء، فسرِّي عنه. و [قال الصولي:] رأى [المتوكِّلُ] في منامه كأنَّ دابَّةً تكلّمُه، فقال لبعض جلسائِه: ما تفسيرُه؟ فورَّى بشيءٍ آخر، ثم قال في نفسه: حان هلاكُه لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]. وكان قد عزم على قتل المنتصر والأتراك معه في تلك الليلة، فأحضرَه وجعلَ مرَّةً يسقيه، ومرَّةً يشتمُه، ومرَّةً يصفعُه، ومرَّةً يتهدَّده بالقتل، ثم قال [له:] قد خلعتُك من الخلافة، وكنت قد سمَّيتُك المنتصِر، فسمَّاك الناسُ (٤) لحمقك المنتظِر، ثم صرتَ الآن المستعجل، فقال: يا أمير المؤمنين، لو ضربتَ عنقي لكان أسهل عليَّ مما تفعلُ بي. وكان المنتصر واقفًا مع زرافة التركي الحاجب، فخرج [المنتصر] وقال لزرافة: ألا تشيعني ساعةً حتى أشكو إليك ما ألاقي، فقال: بلى، وخرج معه فشيَّعه إلى داره، وجعل

стр. 7044

يطاوله، حتى أغلق بُغَا الأبواب كلَّها، إلَّا باب الماء. [وقال الصولي: لمَّا كانت ليلةُ الأربعاء لثلاثٍ خلون من شوال سنة سبعٍ وأربعين ومئتين، وكان المتوكِّلُ على تلك الحالة في قصره المعروف بالجعفريّ، وعنده الفتح بن خاقان وجماعةٌ من المغنين، فقال لبعضهم: غنِّي، فغنَّى هذه الأبيات:] (١) [من الكامل] يا عاذليَّ من الملام دعاني … إنَّ البليَّة فوق ما تصفانِ زعمتْ بثينةُ أنَّ رحلَتنا غدًا … لا مرحبًا بغدٍ فقد أبكاني (٢) فتطيَّر المتوكلُ من هذا، وقال: ويحك، كيف وقعَ لك هذا، غيِّره، فذهبَ ليغيِّرَهُ بغيره فأعاده. [وأقام المتوكل في مجلسه إلى ثلث الليل] (٣). ودعا المتوكِّلُ بطعامٍ، وكان بُغا الشرابيُّ قائمًا عند الستر، وكانت نوبتُه في تلك الليلة (٤)، فقال للندماء: انصرفوا، فقال الفتح: ليسَ هذا وقت انصرافهم، فقال بغا: قد شرب أميرُ المؤمنين كثيرًا، فأخرجهم، ولم يبقَ إلَّا المتوكِّل والفتح بن خاقان وأربعةٌ من الخدم، شفيع، وفرج الصغير، ومؤنس، وأبو عيسى (٥)، ودخل القوم الذين عَيَّنوا قتلَه من باب الماء (٦)، وهم باغر وبغلون وموسى بن بغا وهارون بن صوارتكين، فلمَّا رأى المتوكل السيوف مسلَّلة قال: ما هذا؟ قيل أصحاب النوبة، ورجع القومُ لمَّا سمعوا كلام المتوكِّل، فقال لهم بُغَا: ويحكم، أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كرامًا، فرجعوا إلى المجلس، فابتدره بغلون، فضربه على كتفه وأذنه فقدَّه، فقال: مهلًا، قطعَ الله يدك، وأراد الوثوبَ، فاستقبلَه فأبان يده، وشركه باغر. وقيل: أول من ضربه باغر على عاتقه، فنزل السيفُ إلى خاصرته، ثم ثناه.

стр. 7045

[قال الصولي:] وكان أهدي للمتوكل [سيفٌ لم يُرَ مثله في الدنيا، فوهبه لباغر، فقتله به. قال الصولي: وُصِف] هذا السيف [للمتوكل] فاشتراه بألفي درهم قبل أن يراه، فلمَّا رآه استحسنه، وكان قاطعًا، فالتفتَ إلى باغر وقال: هذا سيف وحش، [وأنت وحش]، فخذه، فوهبه (١) له. [وفي روايةٍ أنَّ هذا السيف وصِف للمتوكِّل مدَّةً حتى وقع به. وقال الصولي: دخل المتوكِّلُ] (٢) بيتًا فيه تصاوير، فرأى صورةَ باغر التركي، وكان يبغضه، فقال: والله لا عدتُ إلى هذا البيت أبدًا بغضًا لباغر، فما مضت الأيام حتى قتلَه باغر. فصاح الفتح: ويلكم قتلتُم أمير المؤمنين، فقال له [باغر:] يا فاعل، وشتمَه شتمًا قبيحًا: ألا تسكت، فرمى الفتحُ نفسَه عليه، فبعجُوه بالسيوف فقتلوه، وخرج القوم إلى المنتصر، فسلَّموا عليه بالخلافة، وقاموا على رأس زرافة بالسيوف، وقالوا: بايع، فبايع. وكان عبيدُ الله الوزير في الحجرة ينفذ الأمور، ولا يعلم بشيء، فدخلَ عليه خادم فقال: ما يقعدُك، الدارُ سيفٌ واحد، فخرج إلى بعض أبواب الشطِّ فرآه مغلقًا، فكسره، وصار إلى زورق، فقعدَ فيه، وصار إلى منزل المعتز، فسأل عنه فلم يجده، فقال: إنَّا لله، قتلني وقتل نفسَه، واجتمع غداةَ يوم الأربعاء إلى عبيد الله الوزير أصحابُه ومواليهم وغيرهم في عشرة آلاف وأكثر، فقالوا له: إنَّما أنت تصطنعنا لمثل هذا اليوم، فمرنا بأمرِك لنميلَ على القوم، فنقتلَ المنتصرَ والأتراك وغيرهم، فأبى ذلك، وقال: الرجلُ في أيديهم -يعني المعتز- فما ينفع (٣). وقيل: إنَّ المتوكِّلَ قُتِلَ ليلةَ الخميس لخمسٍ خلونَ من شوال. [وقال ابن أبي الدنيا: قتل] (٤) ليلةَ الأربعاء بعد العتمة بساعة.

стр. 7046

[واختلفوا في كيفية دفنه، فقال الصوليُّ: أُمِر به وبالفتح بن خاقان، فدفنا] (١) في قبرٍ واحد، ولم يُغسَّلا من دمائهما. وقيل: لُفَّا في بساط بقيَّةَ ليلتِهما، ثم دُفنا من الغد. ويقال: إنَّ قبيحةَ كفنته في ذلك الثوب الذي مزَّقه نصفين. وصلَّى عليه ابنُه المنتصر، ودفن في قصره المعروف بالجعفري، وهو الذي قُتِل فيه. [واختلفوا في سنِّه، فقال الصوليُّ:] كان سنّه يومَ قُتل إحدى وأربعين سنة، وقيل: أربعون [سنة]، وقيل: تسعٌ وثلاثون سنة، وتسعة أشهر، وعشرة أيام، [وقد ذكرنا أنَّه ولد في سنة ستٍّ ومئتين]، وكانت خلافته أربع عشرة سنة، وعشرة أشهر، وثلاثة أيام. وقيل: أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وأيامًا. وقال بنان المغني: كان المنتصر يشبِّبُ بقتل أبيه، فلمَّا كان في الليلة التي قتل فيها، قال لي: يا بنان، قد زوجتُ ابنَ زرافة بابنة أوتامش، وابنَ أوتامش بابنة زرافة، [قال:] فقلت: يا سيِّدي، فأين النثار؟ فقال: الآن تراه، فقُتِل أبوه في تلك الليلة، رحمه الله تعالى (٢). ذكر ما ظهر من الآثار عند قتله: [ذكر الخطيب بإسناده عن الطيالسي قال: أخبرني] (٣) بعض الزمازمة الذين يحفظون زمزم [قال:] غارت زمزم ليلة من الليالي، فأرَّخناها، فجاء الخبر أنَّها الليلةُ التي قُتِل فيها المتوكل. [وحكى الخطيب بإسناده عن عمرو بن شيبان الحلبي قال:] (٤) رأيتُ في الليلة التي قُتِل فيها المتوكل حين أخذت مضجعي كأن آتيًا أتاني، فقال لي: [من البسيط] يا نائم العين (٥) في جثمانِ يقظان … أفض دموعك يا عمرَو بن شَيبانِ

стр. 7047

أمَّا ترى الفتيةَ الأرجاسَ ما فعلوا … بالهاشميِّ وبالفتحِ بنِ خاقانِ وافى إلى الله مظلومًا فضجَّ له … أهلُ السماوات من مثنى ووحدانِ وسوف تأتيكُم أخرى مُسوَّمَةٌ … توقعوها لها شأنٌ من الشانِ فابكُوا على جعفرٍ وارثُوا خليفتَكم … فقد بكاهُ جميع الإنسِ والجان فأصبحتُ وإذا الناس يقولون: قُتِلَ المتوكِّلُ في هذه الليلة (١). وقال أبو عبد الله أحمد بن العلاء: رأيتُ المتوكل بعدَ قتله بأشهر كأنَّه بين يدي الله تعالى، فقلت: ما فعلَ الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال: بقليلٍ من السنَّة تمسَّكتُ بها، قلت: فما تصنع ها هنا؟ قال: أنتظرُ ابني محمدًا أخاصمه إلى الله العظيم (٢). وقال جعفر المتوكلي (٣): رأيتُ المتوكّل في النوم وهو جالسٌ في النور، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وذكر بمعناه. وقال أبو الوارث قاضي نصيبين: رأيتُ في منامي كأنَّ آتيًا أتاني فقال: [من البسيط] يا نائمَ العينِ في جثمانِ يقظان … ما بالُ عينكَ لا تجري بتَهْتَانِ إنَّ اللياليَ لم تحسِن إلى أحد … إلا أساءتْ إليه بعد إحسانِ أما رأيتَ صروفَ الدهر ما فعلت … بالهاشمي وبالفتحِ بن خاقانِ (٤) فما كان بعد أيام حتى وصلَ البريد بقتلهما (٥). وقال الصولي: سمع الناس قائلًا يقول: [من مجزوء الكامل] يا عينُ ويحكِ فاهملي … بالدمعِ منك واسبلي

стр. 7048

دلَّتْ على قُرْبِ القيَا … مةِ قِتْلَةُ المتوكِّل (١) ورثاه البحتريُّ بعدَ موتِ المنتصر فقال: [من الطويل] لنعم الدمُ المسفوحُ ليلةَ جعفر … هَرقتُم وجُنْحُ الليلِ سودٌ دياجرُهْ أكان وليُّ العهدِ أضمرَ غَدْرَةً … ومن عجبٍ أن وُلِّيَ العهدَ غادرُهْ فلا مُلِّيَ الباقي تراثَ الذي مضى … ولا حملتْ ذاكَ الدعاءَ منابرُه (٢) وقال علي بن الجهم: [من الطويل] عبيد أمير المؤمنين قتلنه … وأعظمُ آفاتِ الملوك عبيدُها بني هاشمٍ صبرًا فكلُّ مصيبةٍ … سيبلَى على طولِ الزمان جديدُها (٣) [ذكر من قتله عبيده: أولهم] (٤) المتوكل، وخمارويه بن أحمد بن طولون، وأبو سعيد الجَنابي القُرْمُطِي ومن المغاربة علي بن محمود، في خلقٍ يسير (٥). ذكر أخبار متفرقة [من سيرة المتوكل: ذكر الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" أنَّ المتوكل ولَّى] (٦) على دمشق رجلًا يقال له: سالم بن حامد (٧)، وكان سيِّئ السيرة، فوثبَ عليه أهلُ دمشق على باب الخضراء، فقتلوه وقتلوا من قدروا عليه من أصحابه، فقال المتوكل: من للشام يكون له صولة الحجاج؟ فقال له أفريدون التركي: أنا (٨)، فجهَّزه في سبعةِ آلاف فارس، وثلاثةِ آلاف راجل، وأباحَ له دمشق ثلاثةَ أيَّامٍ قتلًا ونهبًا، فجاء أفريدون فنزل بيت لِهْيا، ويقال لها: السكاسك والسكون، فلمَّا أصبح استعدَّ وعبأ أصحابه، ودعا ببغلةٍ دهماء ليركبها،

стр. 7049

وقال: يا دمشق، إيش يحلُّ بك اليوم؟! فلمَّا أرادَ أن يضع رجله في الركاب، دارت إليه وضربته بالزوج على فؤاده، فوقعَ ميتًا من ساعته، وخاب سعيه، وصار مثلًا، وانصرفَ جيشُه إلى العراق خائفين من نهب الشاميين، وقُتِل المتوكلُ بعد ذلك بيسير. وقال أبو الفرج الأصفهانيّ: لما أراد المتوكلُ الرجوعَ من الشام إلى العراق أحبَّ أن يجعلَ طريقَه على البريّة؛ لينظرَ إلى آثار بني أميَّة ومصانعهم، وقصور هشام بالرُّصَافة، فرأى ديرًا إلى جانب قصور هشام، فدخله، فإذا في أعلاه مكتوب: [من الطويل] أيا منزلًا بالدير أصبحَ ثاويًا … تلاعبُ فيه شمألٌ ودَبورُ كأنَّك لم يسكنكَ بيضٌ أوانسٌ … ولم يتبخترْ في فنائِكَ حُورُ وحولك راياتٌ لهم وعساكرٌ … وخيلٌ لها بعد الصهيلِ شخيرُ إذ العيش غضٌّ والخلافةُ لدنة … وأنتَ طريرٌ والزمانُ غَرِيرُ وروضُك مرتاض ونورك نير … وعيشُ بني مروان فيك نضيرُ بلى فسقاك الله صوب غمامة … عليك [لها] بعد الرَّواحِ بكورُ تذكَّرتُ قومي خاليًا فبكيتُهم … بشجوٍ ومثلي بالبكاء جديرُ وعزَّيتُ نفسي وهي نفسٌ إذا جرى … لها ذكرُ قومي أَنَّةٌ وزفيرُ لعلَّ زمانًا جار يومًا عليهم … لهم بالذي تهوى النفوسُ يدورُ فيفرحَ محزونٌ وَينْعَمَ بائسٌ … ويُطْلَقَ من رق الوَثَاق أسيرُ رويدَك إنَّ اليوم يتبعُه غدٌ … وإنَّ سرورَ الدائرات (١) تدورُ فبكى المتوكل بكاءً شديدًا (٢). وقال الصولي: كان المتوكل مغرًى ببناء القصور، لم ينفق خليفة عليها مثل ما أنفق؛ بنى بسرَّ من رأى قصرًا غَرِم عليه ثلاثَ مئة ألف دينار، وبنى الجعفريّ، وغرم عليه مثل ذلك، وأمر الشعراء أن يمدحوه، فقال عليُّ بن الجهم: [من المتقارب]

стр. 7050

وما زلتُ أسمعُ أنَّ الملوك … تبني على قَدرِ أخطارِها صحون تسافرُ فيها العيون … وتحسرُ عن بعد أقطارها وقُبَّةُ ملكِ (١) كأنَّ النجو … م تصغي إليها بأسرارها إذا أُوقدَتْ نارُها بالعراق … أضاءَ الحجازَ سنا نارِها تخرُّ الوفودُ لها سُجدًا … إذا ما تجلَّتْ لأبصارِها لها شُرُفاتٌ كأنَّ الربيع … كساها الربيع بأزهارها (٢) وفوارة ثأرها في السماء … فليست تقصِّرُ عن ثأرها تردُّ على المزنِ ما أنزلتْ … على الأرض من صَوبِ مِدْرارِها (٣) وقال علي بن الجهم: دخلتُ على المتوكل يومًا، فقال لي: يا عليّ، دخلتُ الساعة على قبيحة، وقد كَتَبَت اسمي بالمسك على خدِّها، فوالله ما رأيتُ سوادا في بياضِ أحسن منه في ذلك الخدِّ، فقل فيه شيئًا، قال: وقبيحة (٤) خلف الستر، فبادرتني وقالت: [من الطويل] وكاتبةٍ بالمسك في الخدِّ جعفرا … بنفسي محطُّ المسكِ من حيث أثَّرَا لئن أودعَت سطرًا من المسكِ خدَّها … لقد أودعت قلبي من الحب أسطُرا فيا من بمملوكٍ لملكِ يمينه … مطيعٍ له فيما أسرَّ وأظهرا فأفحمتُ فلم أقدر على حرفٍ، وضحك المتوكِّلُ ووصلني (٥). وقال يمدحه وقد بَرِئ من مرضه: [من الخفيف] كلُّ شيء إذا اعتللتَ عليلُ … وشكاةُ الإمام خطبٌ جليلُ كادت الأرضُ أن تميدَ لشكوا … ك وكادت لها الجبالُ تزولُ

стр. 7051

ورأينا الأمور حسرى كليلا … تٍ ولم يلبث (١) الحسيرُ الكليلُ وَلِهَتْ أنفسٌ وكادت من الوجْـ … ـد عيونٌ من الدماءِ تسيلُ (٢) وشكا الدِّينُ ما شكوتَ من العلَّـ … ـة شكوى قد اجتوتها (٣) العقول ثم لمَّا أفقتَ أشرقتِ الآ … فاقُ وانقادَ للهداةِ السبيلُ واطمأنَّت زلازلُ الأرض حتى … ذاب منها وعورُها والسهولُ (٤) فهنيئًا للمُلْكِ صِحَّةُ راعيـ … ـه وللدينِ عِزُّه الموصولُ (٥) عبدُكَ الفتحُ كابدَ الليل حتى … نال من جسمه الضَّنى والنُّحولُ فإذا ما سلمتَ فهو سليمٌ … وإذا ما اعتللتَ فهو عليلُ فأعطاهُ الفتح عشرة آلاف درهم (٦). وقال عافيةُ بن شَبيب التميميّ: كنَّا نكثرُ الحديثَ للمتوكل عن الجمَّاز -واسمُه محمد بن عمرو بن حمَّاد، مولى أبي بكر الصديق ﵁ وقيل: اسمه إسماعيل (٧) - فأحب أن يراه، فحُمل إليه، فلمَّا دخلَ عليه لم يقع الموقعَ الذي أردناه، فقال له المتوكل: تكلم فإنِّي أريدُ أن أستبريك، فقال الجمَّاز: بحيضةٍ أو بحيضتين؟ فضحكَ المتوكِّل والجماعة، فقال له الفتح: قد كلَّمتُ أميرَ المؤمنين فيك، فولَّاك جزيرةَ القرود، فقال الجمَّاز: ألستَ من رعيَّتي؟ فحصر الفتح، وأمر له المتوكِّلُ بعشرِة آلاف درهم، فأخذَها ومضى إلى البصرة، فمات (٨). وقال يموت بن المزرِّع: كان أبي والجماز يمشيان وأنَا خلفهما، فمررنا بإمامٍ قد

стр. 7052

أذَّن، وهو ينتظرُ من يمرُّ عليه فيصلي معه، فلمَّا رآنا الإمامُ أقامَ الصلاة مبادرًا، فقال له الجمَّاز: دع هذا عنك، فإنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن تلقي الجَلَبْ (١). ودخل الحسينُ بن الضحَّاك الخليع على المتوكِّل فأنشده: [من الطويل] سقاني بكفَّيه وعينيه شربة … فأذكرَني ما قد نسيتُ من العهدِ سقَى اللهُ دهرًا لم أبتْ فيه ليلة … من الدهر إلَّا من حبيبٍ على وعدِ (٢) فأعطاهُ عشرين ألفًا. وأهدى رجلٌ للمتوكل قارورة فيها دهن بان، وكتب معها: يا أمير المؤمنين، إنَّ الهديةَ إذا كانت من الحقير إلى الخطير، فكلما لطفت كانت أحسن، وإذا كانت من الخطيرِ إلى الحقير، فكلما جلَّت كانت أبهى وأنفع، فوصلَه بمال. وقال المتوكل يومًا لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا: ما يقول ولدُ أبيك في العباس (٣)؟ قال: ما تقولون في رجل افترضَ الله طاعةَ نبيِّه ﷺ على خلقه وافترض طاعته على نبيه. فطرب المتوكِّل وأعطاه مئة ألف درهم (٤). وهذا من المعاريض؛ لأنَّ أبا الحسن ورَّى وقصد طاعةَ الله على نبيه ﷺ ، فظن المتوكِّلُ أنَّه عنى به العباس. وكان المتوكِّل قد أشخصَ أبا الحسن من المدينة لشيءٍ بلغَه عنه، فوجده بريئًا. وكان المتوكِّلُ فطنًا، أنشدَه يحيى بن أكثم: [من الوافر] وباسطة بلا نصبٍ جناحًا … وتسبق ما يطير ولا تطيرُ إذا ألقمتَها الحجرَ (٥) اطمأنَّت … وتألمُ أن يباشرها الحريرُ فلم يفهم الحاضرون معناها، فقال المتوكل: هي العين.

стр. 7053

ذكر أولاده ونسائه [وسراريه: قال علماء السير:] كان له نيفٌ وثلاثون ولدًا ما بين ذكرٍ وأنثى؛ محمد المنتصر لأم ولد، وموسى لأمِّ ولد (١)، وأبو عبد الله المعتز، وإسماعيل وعبد الله، وأمُّهم أم ولد صِقلِّيَّة اسمها قبيحة، وإبراهيم المؤيَّد وأبو أحمد الموفق واسمه طلحة، لأم ولدٍ واسمُها إسحاق (٢)، أندلسيَّة، وأبو بكر وموسى لأم ولد اسمها لهب، وأبو العباس أحمد المعتمد لأمِّ ولدٍ اسمها فتيان، وأبو عيسى لأمِّ ولد اسمها خزر، ويعقوب لأمِّ ولد يقال لها: الحين، كانت جارية لقبيحة وهبتها المتوكِّل، وأبو القاسم عبد الله لأمِّ ولد اسمها جعفر كوفية، وأبو حفص لأمِّ ولد صِقليَّة يقال لها حنت، وأبو العباس ويلقب بالكبش (٣) لأمِّ ولدٍ روميَّة يقال لها: قلب، وأبو شيبة -واسمه الغيداق- وأم العباس ومريم، وأمُّهم أم ولد يقال لها: مالك، وعبد الله لأمِّ ولدٍ يقال لها تيسرع، والفضل وفاطمة لأمِّ ولدٍ يقال لها: سبتح، وعائشة وأختها لأم ولد يقال لها: بوسة، وخديجة لأمِّ ولد يقال لها: زيد، وأمُّ القاسم لأم ولد يقال لها: كهف، وأم موسى لأمِّ ولد يقال لها: مستهام، وزينب لأمِّ ولد يقال لها: عرس، وأروى لأم ولد يقال لها: مترف، وصفية لأم ولد يقال لها: فخر، وأم الفضل لأمِّ ولد يقال لها: جود، وأم حبيب لأمِّ ولد اسمها لبنى (٤). ولي الخلافة من أولاده ثلاثةٌ المنتصرُ، والمعتزُّ، والمعتمد. وأمَّا نساؤه فأربع، أمُّ سلمة بنت سليمان بن القاسم بن عيسى بن موسى الهادي، وريطةُ بنت العباس بن علي بن المهدي، طلب منها أن تَطمَّ (٥) شعرها مثلَ الغلمان، فأبت، فطلقها، وفاطمة بنت موسى بن محمد بن عبد الله بن موسى، طلقها، وعائشة بنت عمرو بن الفرج الرُّخَّجي، باتت عندَه ليلةً وطلقها. ويقال: [إنه] تزوَّج نساء أُخر.

стр. 7054

وأما سراريه فكانَ له خمسة آلاف سُرِّيَّة، فيقال: إنَّه وَطِئ الجميع، وكان أبو عبّاد يقول: أحلفُ بالله، لو لم يقتل المتوكِّلُ لما عاش من كثرةِ جماعه، كان يصب في أذنه أوقية دهن بنفسج، فلا يبين فيها، وكانت أعضاؤه قد يبست، فأمر أن يجعل له الزئبق في زِقاقٍ ويُملأ منها بركة، ويُفرش له فوقها، وكان يكفيه في وقت الجماع تحريكُ ذلك الزئبق، ولا يتحرك بنفسه. [قلت: وأيُّ لذةٍ في هذا إذا لم يكن الباعث قويًّا من نفسه وذاته، وأنَّه هو الذي يتولَّى ذلك بنفسه.] ولم يكن عنده أحظى من قبيحة أم المعتزّ، وله فيها أشعار، منها: [من السريع] إنسانةٌ كالشمس هيفانة … أحسِبُها ليست من الإنسِ مليحةُ الشكل غلاميَّة … أحسنُ في الحسن من الشمسِ [وبدر منها أمورٌ كاسمها، وأهينت هوانًا عظيمًا، وسنذكرها في ترجمة المعتز] (١). وكان للمتوكِّل (٢) جارية اسمها محبوبة، وكان يجدُ بها وَجدًا شديدًا، وكانت من الأدب والإحسان في الغناء على غاية، وكانت تحبُّه حبًّا شديدًا، وتفرَّقَ الجواري إلى القُوَّاد، فصارت إلى وصيف التركي، فجلس يومًا للشراب، وأحضر الجواري اللاتي كنَّ للمتوكل في الحليّ والحُلَل، وأحضرَ محبوبة، فجاءت وعليها ثوب من قطن أبيض خشن، ومِعْجَر أبيض، وهي باكية، فقال وصيف للجواري: غنين، فغنينَ وطربن وضحكن، وأومأ إلى محبوبة بالغناء، فقالت: إنْ رأى الأمير أن يعفيني، [فإنِّي حزينة] فأبى، وقلن لها الجواري: لو كان في الحزن فرجٌ لحزنَّا معك، وجيء بعود فوضعَ في حجرها، فأنشأت تقول: [من مجزوء الخفيف]

стр. 7055

أيُّ عيشٍ يطيبُ لي … لا أرى فيه جعفرَا ملكًا قد رأته عيـ … في جريحًا معفَّرَا كلُّ من كان هائمًا … أو سقيمًا فقد بَرَا غيرَ محبوبة التي … لو ترى الموتَ يُشتَرى لاشترتهُ بما حوتـ … ـه جميعًا لتُقْبَرا (١) فاشتد ذلك على وصيف، وأمرَ بإخراجها، فصارت إلى قبيحة، ثم بعث وصيف بعد ذلك إلى قبيحة يطلبُها، فقالت: إنها تمسَّحت -أي: لبست مِسْحًا- ومضت، لا أدري إلى أين صارت. [قلت: وهذه الجارية أهداها ابن طاهر إلى المتوكِّل من خراسان، وقد ذكر الحكاية الخرائطيُّ في كتاب "اعتلال القلوب" أتمَّ من هذا، فقال: حدثنا أبو العباس أحمد بن إسحاق الجوهري قال:] قال [لي] علي بن الجهم: لما أفضت الخلافةُ إلى المتوكِّل، أهدى إليه ابن طاهر من خراسان جواري، فيهن [جاريةٌ يقال لها:] محبوبة، وكانت قد نشأت بالطَّائف، وكان لها مولًى مغرًى بالأدب، وكانت قد أخذت عنه، وروت الأشعار، وكان المتوكِّلُ بها معجبًا (٢)، فغضبَ عليها يومًا، ومنع جواري القصر من كلامها، فكانت في حجرتها أيَّامًا لا يكلمُها أحد، فرأت في المنام كأنَّه قد صالحها، قال [عليُّ] بن الجهم: فدخلت عليه، فقال: يا عليّ، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: أشعرتَ أنِّي رأيتُ محبوبة في المنام كأنِّي قد صالحتُها وصالحَتني، فقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين، إذًا يُقِرُّ الله عينك ويسرُّك، فوالله إنَّا فيما نحن فيه من حديثها، إذ جاءت وصيفةٌ فقالت له: يا سيدي، سمعتُ صوتَ عودٍ من حجرة محبوبة، فقال: يا عليّ، قم بنا، فنهضنا حتى أتينا حجرتَها، فإذا هي تضرب بالعود وتقول: [من المنسرح] أدورُ في القصر لا أرى أحدًا … أشكو إليه ولا يُكلِّمني

стр. 7056

حتى كأنِّي أتيتُ معصيةً … ليس لها توبةٌ تخلِّصُنِي فهل شفيع لنا إلى ملكٍ … قد زارَني في الكَرى فصَالحَنِي حتَّى إذا ما الصباحُ لاحَ لنا … عادَ إلى هجرهِ فصَارَمَني [قال:] فصاحَ المتوكِّلُ، وصحتُ معه، وسمِعَتْ فخرجَتْ، فأكبَّت على رجله تقبِّلُها، وقالت: يا سيِّدي، رأيتُك في المنام في ليلتي هذه كأنَّك قد صالحتَني، فقال: وأنا والله رأيتُ كذلك، ثم ردها إلى مرتبتِها كأحسن ما كانت. [قال: فلمَّا كان من أهل (١) المتوكِّل ما كان، تفرقنَ، فصرنَ إلى القواد، وصارت محبوبةُ إلى وصيف. تمام الحكاية، وأنَّ وصيف قال لها: غنِّي، فغنَّت: أيُّ عيشٍ يطيبُ لي … لا أرَى فيه جعفرَا قال: ثم صارت إلى قبيحة، فلبست الصوف، وأخذت ترثيه وتبكي حتى ماتت.] (٢) وكان (٣) للمتوكِّل خادم اسمه شفيع، لم يكن في الدنيا أحسن منه ولا أظرف، وكان المتوكِّل يحبُّه حبًّا شديدًا، وكان محمد بن عبد الملك الزيّات قد عَلِقَه، وشاركَه في محبَّته الحسن بن وهب، وجرت منها قصص، آخرها أنَّ محمد بن عبد الملك قال للحسن: انزل لي عن محبَّةِ شفيع، فقال له الحسن: طاعتُك فرض، ولكن أنت أولى من آثر، فقال له ابن الزيات: هذه علةٌ نفسانية تُفضي بصاحِبها إلى التلف، فقال له الحسن: إذا بلغَ الأمر إلى هذا، فسمعًا للوزير وطاعة (٤). وكان المتوكِّلُ قد كتبَ على خدِّ شفيع الأيمن بالمسك (٥): [من مجزوء الكامل] بَدر على غصن نَضير … مسح الترائبَ بالعبير (٦) وعلى عاتقه الأيسر:

стр. 7057

خطَّت محاسنُ وجهه … في صفحةِ القمرِ المنير ذكر وزرائه وقضاته وحجابه: وَزر له ابن الزيَّات أربعينَ يومًا، ثمَّ قتلَه، ثم وزرَ له محمد بن الفضل الجَرْجَرائي، ثم عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وحجبَه وصيف وزرافة التركيان. وكان على القضاء في أيامه أحمدُ بن أبي دؤاد، ويحيى بن أكثم. وكان بين المتوكِّل وبين أبي العباس السفَّاح مئة سنة وعشر سنين، وبين السفاح والعباس مئة سنة (١). أسند المتوكل الحديث عن أبيه المعتصم، ويحيى بن أكثم القاضي، وهشام بن عمَّار الدمشقيّ لمَّا قدم دمشق في خلافته، سمع منه بدمشق ومن غيره. وروى عنه عليُّ بن الجهم الشاعر، وروى هو أيضًا عن عليِّ بن الجهم. انتهت سيرةُ المتوكل. عبد الله بن محمد بن إسحاق أبو عبد الرحمن الأذْرَمِيّ. كان سببًا لرجوع (٢) الواثق عن القول بخلقِ القرآن. سمع سفيانَ بن عيينة وغيره. وكان ثقة (٣). [وفيها توفي] سَلَمَةُ بن شَبِيب أبو عبد الرحمن النيسابوري، ويعرف بالمِسْمَعِيّ، أحدُ الأئمَّة الرحَّالين في طلب

стр. 7058

[العلم و] الحديث، [سمع بالشام والعراق والحجاز ومصر. وحكى الحاكم أبو عبد الله النيسابوريُّ عنه قال:] قال: بعت داري بنيسابور، وتجهَّزتُ إلى مكَّة لأجاورَ بها، فقلت: أصلِّي ركعتين، وأودع عُمار الدار، فصليت وقلت: يا عُمَّار الدار، سلامٌ عليكم، إنِّي خارجٌ إلى مكَّة لأجاور بها، فهتفَ بي هاتف: وعليك السلام، يا أبا عبد الرحمن، ونحنُ والله خارجون منها، فقد بلغنا أنَّ الذي اشتراها يقول بخلق القرآن، ونحن لا نقيمُ في مكانٍ يقال فيه: القرآن مخلوق (١). [واختلفوا في وفاته فقال ابن قانع:] (٢) جاور سلمة بمكَّة، وماتَ في سنة سبعٍ وأربعين ومئتين في رمضان. وقيل: سنة أربعٍ، أو ستّ وأربعين. سمعَ الوليد بن مسلم (٣) وغيره، وروى عنه الإمام أحمد (٤) رحمة الله عليه، وولده، وغيرهما، وأخرج عنه مسلم في "صحيحه" (٥)، وكان صدوقًا ثقةً بإجماعِهم رحمه الله تعالى. [فصل: وفيها توفي] الفتح بن خاقان بن عُرطوج أبو محمد التركي، وزيرُ المتوكِّل. كان أديبًا ظريفًا جوادًا شاعرًا فصيحًا، وكان أبوه خاقان عظيمًا عند المعتصم، و [كان] إذا مرضَ يعودُه. [قال المعافى بن زكريا (٦): دخل المعتصمُ يومًا على خاقان يعوده،] (٧) والفتحُ صبيّ

стр. 7059

صغيرٌ لم يَثَّغر (١)، فقال له المعتصم (٢) ممازحًا له: أيما أحسن داري أو داركم؟ فقال له الفتح: يا سيدي، دارُنا إذا كنتَ فيها أحسن، فقال المعتصم: والله لا أبرح حتى أنثر عليه مئة ألف درهم، فنثرها. [وقال الصوليُّ: حدثنا أبو العيناء قال:] غضبَ المتوكِّل على الفتح [بن خاقان]، ثم رضيَ عنه، وقال له: ارفع إليَّ حوائجَك، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، ليس شيءٌ من عرض الدنيا وإن جلَّ، يفي برضاك [وإن قلّ]، فحشى فاه جوهرًا (٣). [قال الصولي:] كان الفتح سيِّدًا [نبيلًا] جوادًا ممدَّحًا. قال البحتريُّ يمدحُه: [من الطويل] أطلَّ بنُعمَاه فمن ذا يطاولُهْ … وعم بجدواهُ فمن ذا يُساجِلُهْ صَفَتْ مثلَ ما تصفو المُدَام خِلالُهُ … ورَقَتْ كما رَقَّ النسيمُ شمائلُهْ ولما حضرنا سُدَّة الأذن (٤) أُخِّرت … رجالٌ عن البابِ الذي أنَا داخلُهْ فأفضيتُ من قُرْبٍ إلى ذي مهابةٍ … أقابلُ بدرَ الأُفْقِ حين أقابلُهْ فسلَّمتُ واعتاقَتْ جنانيَ هيبةٌ … تنازعني القولَ الذي أنا قائلُهْ فلما تأمَّلتُ الطلاقةَ وانثنَى … إلي ببشرٍ آنستني مخايلُهْ دنوتُ فقبَّلتُ الثرى (٥) من يد امرئٍ … جميلٍ محيَّاه سبَاطٍ أناملُهْ أمنتُ (٦) به الدهرَ الذي كنتُ أتَّقِي … ونلتُ به القدرَ الذي كنتُ املُهْ من أبيات (٧).

стр. 7060

[وحكى القاضي التنوخيُّ أنَّ الفتحَ بن خاقان خرج] (١) يومًا يتصيَّدُ، وانقطعَ عنه أصحابه وعسكره، فمرَّ على نهرٍ، فعبر على القنطرة، فانقطعتْ من تحته فغرق، وراه فلاحٌ [وهو] لا يعرفُه، فألقى نفسه عليه وخلَّصه بعد أن كاد يتلف، ولحقَه أصحابُه، فأعطى الفلاحَ مالًا عظيمًا، وتصدَّق بمثله، فقال البحتري من أبيات: [من الطويل] لقد كان يومُ النهرِ يوم سلامةٍ (٢) … أطلَّت ونعماءٍ جرى بهما الدهرُ (٣) مررتَ عليه عابرًا فتشاغبت (٤) … أواذيُّهُ لما طمَى فوقه البحرُ وزالت أواخي الجسرِ وانهدمتْ به … قواعدُه العظمى وما ظلمَ الجسرُ تحمَّل حلمًا (٥) مثل قافٍ وهمةً … كَرَضْوَى وقَدرًا ليس يقدره قدرُ فما كان ذاك الهولُ إلَّا غَيابةً … بدا طالعًا من تحت ظُلَّتِها البدرُ فإن ننسَ نعمى الله فيك فحظَّنا … أضعنا وإن نشكرْ فقد وجبَ الشكرُ (٦) وقال ابن عساكر: قدم الفتحُ [بن خاقان] دمشق معادلًا للمتوكِّل على جُمازةٍ، ثم نزلَ بالمِزَّة، فلمَّا رحلَ المتوكِّل عن دمشق ولَّاه إيَّاها، فاستخلفَ الفتحُ بها كَلْباتكين التركيّ، وكان الفتحُ على خاتم المتوكل (٧). وكان المتوكِّلُ يقول: إنِّي أشتهي أنْ يحيى الفتحُ معي، ولا أفقده فيتنغص عيشي، ولا يفقدني، فقُتلَ معه كما ذكرنا. وعمل (٨) البحتريُّ في هذا المعنى: [من الخفيف] سيِّدي أنت كيف أخلفتَ وعدي … وتثاقلتَ عن وفاءٍ بعهدِي لا أرتني الأيَّامُ فقدَك يا فتـ … ـح ولا عرَّفتكَ ما عِشتَ فقدِي

стр. 7061

حسدًا (١) أن تكونَ إلفًا لغيري … إذ تفرَّدْتُ في الهوى فيكَ وحدِي فقال المتوكل: أحسنتَ والله يا بحتريّ، لقد جئت بما في نفسي، وأعطاه ألف دينار. وقال عليُّ بن الجهم: أنا عند المتوكل يومًا والفتح جالس، إذ قيل له: فلانٌ النخَّاس بالباب، فأذن له، فدخل ومعه وصيفة، فقال له المتوكل: ما صناعة هذه؟ فقال: تقرأُ القرآن بألحان، فقال الفتح: اقرئي لنا خمس آيات، فاندفعت تقول: [من السريع] قد جاء نصرُ الله والفتحُ … وشقَّ عنَّا الظلمةَ الصبحُ خَدِينُ ملْكٍ ورجا دولةٍ … وهَمُّه الإشفاقُ والنصحُ الليثُ إلَّا أنَّه ماجدٌ … والغيثُ إلَّا أنَّه سَمْحُ وكلُّ بابٍ للنَّدى مغلقٌ … فإنَّما مفتاحُه الفتحُ فوالله لقد دخل على أمير المؤمنين من السرور ما إنَّه قامَ إلى الفتح، فوقع عليه يقبِّلُه، ووثبَ الفتحُ فقبَّل رجلَه، وأمر المتوكِّل بشرائها، وأمر لها بجائزة وكسوة، وبعث بها إلى الفتح، فكانت أحظى جواريه عندَه، فلما قتل الفتح رثتهُ بهذه الأبيات: [من المنسرح] قد قلتُ للموتِ حين نازَلَهُ … والموتُ مقدامةٌ على البُهمِ لو قد تبينت ما فعلت إذًا (٢) … قَرَعْتَ سنًّا عليه من ندم فاذهبْ بمن شئتَ إذْ ذهبتَ به … ما بعد موت الفتح من ألمِ (٣) ولم تزل تبكي عليه وتنوحُ حتى ماتت (٤). [قال الصوليّ:] ومن شعر الفتح: [من الخفيف]

стр. 7062

أيها العاشقُ المعذَّبُ صبرا … فخطايا أخي الهوى مغفُورهْ زفرة في الهوى أحطُّ لذنبٍ .. من غزاةٍ وحجَّةٍ مبرورهْ (١) وأنشد الفتحُ في الليلة التي قتل فيها: [من الطويل] وقد يَقتلُ الغُتْميُّ (٢) مولاه غيلة … وقد ينبحُ الكلبُ الفتى وهو غافل (٣) * * *

стр. 7063

السنة الثامنة والأربعون بعد المئتين فيها (١) وقعَ بين الوزير أحمد بن الخَصيب وبين وصيف التركيّ تباعدٌ، فأشارَ ابن الخصيب على المنتصر أنْ يبعدَ عنه وصيفًا، وقال له: أخافُ عليك منه، فأرسلَ المنتصر إلى وصيف يقول: إنَّ طاغيةَ الروم قد أقبل يريد بلاد الشام، فاخرج إليه، فامتنعَ واعتذرَ، فأحضره وشافهه وقال: إمَّا أن تخرج أنت أو أنا، فقال وصيف: لا بل أنا، فانتخب المنتصرُ معه عشرة آلاف من الموالي وغيرهم، وأنفق فيهم الأموال، وجعل على مقدمته مُزاحم بن خاقان أخا الفتح، وعلى ساقتِه محمد بن رجاء، وكتبَ إلى محمد بن عبد الله بن طاهر إلى بغداد يعرِّفه مسير العساكر إلى الروم، ولمَّا سار وصيف كتب إليه المنتصر كتابًا يأمرُه بالمقام ببلاد الثغر إذا (٢) هو انصرفَ من غزاته أربع سنين، يغزو في أوقات الغزو منها، إلى أن يأتيَه أمرُ أمير المؤمنين. وقيل: إنَّما كان مسيرُ وصيف إلى الثغر بعد خلعِ المعتزّ والمؤيَّد. وفيها في شهر ربيع الآخر -وقيل: في صفر- خلع المعتز والمؤيَّدُ أنفسهما. لمَّا استقامت الأمورُ للمنتصر اجتمعَ ابنُ الخصيب ووصيف وبُغَا، فقال لهما: إنَّا لا نأمن الحدثان بأنْ يموتَ المنتصر قبلَ المعتزّ، فلا يُبقي منَّا باقية، والرأي أن نعمل في خَلع هذين الغلامين قبل أن يظفرا بنا. فاتَّفقَ الأتراك معهم على ذلك، وألحُّوا على المنتصر في خلعهما، وأن يبايع لابنه عبد الوهاب. وكان المنتصر مكرمًا للمعتز والمؤيَّد، فلما انقضت أربعونَ ليلةً من خلافته أحضرهما إليه، وخلعهما في حجرة (٣)، فقال المعتزُّ للمؤيَّد: يا أخي، لم أحضرنا؟ فقال له: يا شقي، للخلع! فقال: ما أظنُّه يفعل، فبينا هما على ذلك، إذ جاءتهم الرسل بالخلع، فأجاب المؤيَّد، وامتنعَ المعتزّ، وقال: إن كنتم تريدون قتلي فافعلوا، فمضوا

стр. 7064

وعادوا، فأخذوا المعتزَّ وأدخلوه في بيت، وأغلظوا له، وأغلقوا عليه الباب. قال المؤيَّد: فقلت لهم: يا كلاب، ضَرِيتُم على دمائِنا تثبون على مولاكم هذا الوثوب! اغربوا، قبحكم الله، ودعوني حتى أكلمه، فقالوا: افعل، قال المؤيَّد: فدخلت عليه، فقلت: يا جاهل، قد رأيتَ ما جرى على أبيك، وأنت أقربُ إلى القتل، اخلع ويلك ولا تراجعهم، فقال: سبحان الله، أمر قد مضى في الآفاق، أخلعُه من عنقي! فقلت: اخلع نفسك فإن كان في السابق أن تليَ لَتليَنْ، فأجاب، فخرجتُ إليهم وقلتُ لهم: قد أجاب، فجزوني خيرًا. ثم كتبوا كتاب الخلع، ومضوا به إلى المنتصر، فلمَّا وقفَ عليه استدعانا إلى مجلس العامَّة، والناس على مراتبهم، فسلَّمنا، فردَّ السلام، فأمرنا بالجلوس، وقال: هذا كتابكما؟ فقلت: نعم، وسكت المعتز، فقلت: تكلَّم، فتكلَّم بمثل ما تكلمت، وقلت: هذا كتابٌ بمسألتنا ورغبتنا وضعفنا عن هذا الأمر، وأنَّه لا يحلُّ لنا أن نتقلَّده، وكرهنا أن يأثمَ المتوكِّل بسببنا، إذ لم نكن له موضعًا، فأقبل علينا والأتراكُ وقوف، فقال: أتراني خلعتُكما طمعًا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له، والله ما طمعتُ في ذلك ساعة واحدة قطّ، وإذا لم يكن لي فيها طمع، فوالله لئن يليَها بنو أبي أحبُّ إلي من أن يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء -وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم على رأسه وقاعد- ألحُّوا عليَّ في خلعكما، فخفتُ إن لم أفعل أن يعترضكما بعضُهم بحديدةٍ، فيأتي عليكما، فما ترياني صانعًا! أقتله؟ فوالله ما تفي دماءهم كلِّهم بدم بعضكما، فكانت إجابتُهم إلى ما سألوا أسهلَ عليَّ، فأكبا عليه، فقبَّلا يديه، فضمَّهُما إليه، وانصرفا. وكان حاضرًا قبل الخلع (١) جعفر بن عبد الواحد قاضي القضاة، وبنو هاشم، وأعيان القواد، ومحمد بن عبد الله بن طاهر، ووصيف، وبغا الكبير، وبغا الصغير، ولم يتخلَّف منهم أحدٌ، ونسخته عن لسان المعتزِّ والمؤيد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمَّا بعد، فإنَّ المتوكِّل قلدني هذا الأمر، وأنا صغير، من غير إرادتي، وبايع لي،

стр. 7065

فلمَّا عقلتُ أمري علمتُ أنِّي لا أقوم بما قلَّدني، ولا أصلحُ للخلافة على المسلمين، فمن كانت لي في عنقه بيعةٌ فهو في حل من نقضِها، وأبرأتُه منها، ولا عقدَ لي ولا عهد في رقابِهم، وهم بُرَآء من ذلك. وكان القارئُ للكتاب أحمد بن الخصيب الوزير، ثمَّ قام كلُّ واحدٍ منهما قائمًا، وقال لمن حضر: هذه رقعتي وقولي، فاشهدوا عليَّ، فشهدُوا، ولما فرغَ قال لهما المنتصر: قد خارَ الله لكما وللمسلمين، ثم قام فدخل، وتفرق الناس، ونفذت الكتبُ إلى الآفاق بذلك. وفيها حكمَ محمد بن عمر الخارجي (١) بناحية الموصل، ومال إليه خلق كثير، فبعث إليه المنتصرُ إسحاق بن ثابت الفَرْغَاني، فاقتتلوا فقتل من أصحاب إسحاق جماعة، ثم ظهر عليهم، فأخذ محمد أسيرًا، وقدمَ به على المنتصر مع جماعةٍ من أصحابه، فقُتِلوا وصلبُوا إلى جانب خشبة بابك. وفيها قويت شوكةُ يعقوب الصفَّار، واستولَى على معظمِ خُراسان، وسارَ من سجستان فنزل هَرَاة، واجتمعَ إليه خلقٌ كثير، وفرَّق فيهم الأموال، فأراد المنتصرُ أن يرسل إليه الجيوش، فأدركتهُ المنيَّةُ، واستُخْلِفَ أحمد بن محمد المعتصم. الباب الثاني عشر في خلافة المستعين أحمد بن المعتصم (٢) وكنيته أبو العباس، وقيل: أبو عبد الله، وأمُّه أمُّ ولدٍ يقال لها: مُخَارق الصِّقِلِّيَّة، تزوَّجها

стр. 7066

المعتصم (١)، وكان المستعينُ حسنَ الوجه، أبيضَ اللون، ألثغ، بوجهه أثرُ جُدَريّ. وسبب بيعته: لمَّا توفي المنتصرُ اجتمعَ الموالي في الهاروني، منهم بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش وتآمروا فيما بينهم، وذلك برأي أحمد بن الخصيب، فقال لهم أوتامش: متى ولَّيتُم أَحدًا من ولد المتوكل لا يبقي منَّا باقية، فقالوا: ما لها إلا أحمدُ بن المعتصم ابن مولانا، فقال لهم محمد بن موسى المنجِّم سرا: أتوتُون رجلًا عنده أنَّه أحقُّ بالخلافة من المتوكل، وأنتم دفعتموه عنها، وقد كان أحقَّ من المنتصر، فبأي عينٍ يراكم، وأيُّ قدرٍ يكون لكم عنده، ولكن اصطنعوا إنسانًا يَعْرِفُ لكم ذلك، فلم يَقبلوا منه، وأرسلوا إلى أحمد بن المعتصم، فأحضروه وبايعوه، ولقَّبوه المستعين بالله. وقيل: بل هو لقَّب نفسه؛ لأنَّهم لما بايعوه قال: استعنتُ بالله. وقيل: إنَّ المنتصرَ توفي يوم السبت وقتَ العصر لأربعٍ خلونَ من شهر ربيع الآخر، فاجتمعَ الموالي في الهارونيّ يوم الأحد، وفيهم بغا الكبير والصغير وأوتامش، واستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة وغيرهم -وكان الذي استحلَفهم عليُّ بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافيّ كاتبُ بُغَا الكبير- على أن يرضَوا بما رضي به بغا الصغير وأوتامش (٢)، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلفوا، واتفقَ رأيُهم على المستعين دونَ أولاد المتوكِّل، وأحضروا بني هاشم وأحمد المستعين، فبايعوه وقتَ العشاء ليلة الإثنين لست خلونَ من ربيع الآخر، وهو ابنُ ثمانٍ وعشرين سنة، فاستكتبَ أحمد بن الخصيب، واستوزرَ أوتامش. فلما كان يوم الإثنين صار إلى دار العامة، وقد ألبسوه الطويلةَ وثياب الخلافة، وحَملَ إبراهيمُ بن إسحاق بين يديه الحربة، ودخل دار العامَّة، وحضر أربابُ المراتب من ولد المتوكِّل والعباسيين والطالبيين وغيرهم، فبينما هم كذلك إذا جماعةٌ من الشاكرية وأخلاطٌ من الناس زعموا أنَّهم أصحابُ أبي العباس محمد بن عبد الله بن طاهر، ومعهم الغوغاء والسُّوقَة في ألف رجل، فشهروا السلاح وصاحوا: المعتز يا

стр. 7067

منصور، وكانت الأشروسنيَّة قد وقفتْ على باب دار العامَّة صفَّين مع واجن الأشروسني، فحمَلوا على الأشروسنيَّة فتضعضعوا، وانضمَّ بعضُهم إلى بعض، ونفر من على باب العامَّة من الشاكرية والمبيضة والمغاربة، وشدُّوا عليهم (١)، ونشبت الحرب، وقُتِل بينهم جماعةٌ، إلى أن مضى من النهار ثلاث ساعات، وخرج المستعين من دار العامَّة بعد ما بايعه من حضر فيها، ودخلَ إلى القصر الهارونيّ، فبات به، ودخل الغوغاءُ دار العامَّة، فنهبُوا خزائن السلاح والدروع والجواشن، ونهبوا دورًا كثيرة، وأخذوا العدد، فكثرت الرماحُ والتراسُ في أيدي العامَّة والغوغاء، وجاء بغا الصغير، فأجلاهم عن دار العامَّة، وكثُرتِ القتلى في الفريقين، فوضعَ المستعينُ العطاء فسكتُوا، وبعثَ بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر إلى بغداد (٢)، فأخذ البيعة على الناس للمستعين أحمدُ بن الخصيب، وأعطاه أموالًا جليلة، فيقال: إنَّها كانت ألف ألف درهم، ومتاعًا كثيرًا من جملةِ فرش القصر الجعفريِّ الذي كان للمتوكِّل، وكان يُحمَلُ على خمسين ومئتي بعير (٣)، ثمَّ نفاه في هذه السنة في رجب -وقيل: في ربيع الآخر- إلى (٤) أقريطش. ولمَّا وردت خلافةُ المستعين إلى مصر، أحضر الوالي الجماعة والمنجِّمين وقال: انظروا في طالَعه وفي مدَّةِ عمره، فنظروا في طالع الوقت، فقال لهم الجمل الشاعر وكان بمصر: لا تتعبوا، أنا أعلمُ مدَّة عمره وأيَّامه، قالوا: كم يعيش؟ قال: ما شاء بغا وأوتامش ووصيف، فارتج المجلسُ بالضحك (٥). وفيها مات طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان، فعقد المستعينُ لابنه أبي عبد الله محمد بن طاهر على خراسان، ولمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق والحَرَمين والشرطة والسواد.

стр. 7068

ومرض بُغا الكبير في جمادى الآخرة، فعادَه المستعين، ومات في نصفه، فعقد المستعينُ لابنه موسى بن بغا على أعمال أبيه، وزاده ديوانَ البريد (١). وفيها نفى المستعينُ أحمد بن الخصيب إلى أقريطش، واستصفى أمواله، ونهبَ داره، فأخرج على بغل بإكاف في يوم حار، وسبُبه أنَّ أحمد بن الخصيب كان قد استولى على المستعين، وكان لا يصبرُ المستعين عنه ساعةً، وما دعاه باسمه قطّ، بل بكنيته، وكان ابن الخصيب قد اعترضَ على أوتامش في بعض أموره، فحمل عليه المستعين، ففعل به ما فعل. وفيها ابتاع المستعين من المعتزِّ والمؤيد جميعَ ما كان لهما، إلا ما استثناه (٢) من يسيرٍ من غلَّة، أما ما عدا ذلك من القصور والدّور والفُرش والضِّياع، فابتاع الجميع، وكان الذي ابتاع منهما قيمتُه ثلاثة عشر ألف ألف درهم من المعتزِّ بعشرة آلاف ألف، ومن المؤيَّد بثلاثة آلاف ألف درهم، وترك للمعتزِّ ما يبلغ غلته في السنة عشرين ألف دينار، ولإبراهيم ما يبلغ ثلاثة آلاف دينار (٣)، وحبسهما على الجَوْسَق، ووكَّل بهما، وجعل أمرَهما إلى بُغَا الصغير، وكان الأتراك لما شاع في الغوغاءِ والشاكريَّة أرادوا قتلَهما، فمنعَهم أحمد بن الخصيب، وقال: ما ذنبهما، وما فعلا؟ وليس لهما في هذا أمر، وإنَّما الشغب من أصحاب ابن طاهر. وفيها شغبت أهلُ حمص على كيدر بن عبد الله (٤) عامل المستعين، وأخرجوه منها، فأرسلَ إليهم وخدعهم حتى دخلها، فقُتِل منهم خلق كثير، وحمل من أعيانهم مئةُ رجلٍ إلى سرَّ من رأى، وهدم سورها. وفيها عقد المستعين لأوتامش على مصر والمغرب مضافًا إلى الوزارة. وفيها عقدَ لبغا الكبير على حلوان وماسَبَذان ومِهْرِجان (٥).

стр. 7069

وقال الصوليُّ: لما وليَ المستعينُ كان في بيت المال ألفا ألف دينار، وثلاث مئة ألف دينار، ففرَّق الجميعَ في الجند وغيرهم. وقال الخطيب: دخل عبد الله بن محمد بن داود الشاعر المعروف بأُتْرُجَّة على المستعين فأنشده: [من الطويل] غدوتَ بسعدٍ غُدوةً لك بَاكِرَهْ … ولا زالت الدُّنيا بملكِكَ عامرَهْ بُعثتَ علينا غيث جودٍ ورحمةٍ … فنلنا بفضلٍ منك دنيا وآخرهْ (١) ونال مواليكَ الغِنى بك ما بقوا … وعزُّوا وعزَّت دولةٌ لك ناصرهْ (٢) فلا خائفٌ إلا بسطتَ أمانَهُ … ولا مُعدمٌ إلَّا سَددتَ مفاقِرَهْ تبين بفضلِ المستعين لفضله … على غيره نعماءُ في الناس ظاهرهْ فرمى إليه بخريطةٍ مملوءةٍ دنانير، وغلَّفه بيده بالغالية. وفيها غزا وصيف الصائفة، وأقطع المستعينُ وصيفًا وبغا وأوتامش كلَّ واحدٍ غلَّة ألف ألف درهم. وولى المستعينُ شاهك الخادم على داره وحُرَمه وخزائنه وأموره (٣). وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبيّ؛ وخرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحجّ، فبعث المستعينُ رسولًا ينفيه إلى بَرْقة، ومنعه من الحج (٤). وفيها توفي أحمد بن سَلْمان بن الحسن أبو بكر النجَّاد (٥)، الفقيه الحنبليُّ البغداديُّ. ولدَ سنة ثلاث وخمسين ومئة (٦)،

стр. 7070

وكانت له حلقتان بجامع المنصور؛ يوم الجمعة قبل الصلاة وبعدها على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه؛ إحداهما للفتوى، والثانية لإملاء الحديث (١)، وهو ممن اتسعت روايتُه وانتشر حديثه. وسمع خلقًا كثيرًا. وكانت وفاته في ذي الحجة، وقد كُفَّ بصرُه، فدفن عند بشر الحافي، وهو ابن خمسٍ وتسعين سنة. أسندَ عن خلقٍ كثير، وجمعَ السنن وغيرها، وروى عنه الدارقطنيُّ وغيره، واتَّفقوا على صدقه وثقته وزهده وورعه. وكان يمشي حافيًا لطلب الحديث ونعلُه في يده؛ احترامًا لحديث رسول الله ﷺ ، ويصومُ الدهر، ويفطرُ كلَّ ليلةٍ على رغيف، ويفضل منه لقمة، فإذا كانت ليلة الجمعة تصدق بالرغيف، وأكلَ تلك اللُّقم التي استفضلها. وكان ينشد: [من الطويل] سيبلى لسانٌ كان يُعربُ لفظَهُ … فيا ليته في موقف العرضِ يَسلمُ وما ينفعُ الإعراب إن لم يكن تقى … وما ضرَّ ذا تقوى لسانٌ مُعجم (٢) أحمد بن صالح أبو جعفر المصري، ويعرف بابن الطبري، كان أبوه من طبرستان جنديًّا. ولد أحمد سنة سبعين ومئة بمصر، وكان أحد الحفَّاظ، عالمًا بالحديث والنحو والفقه. وردَ بغداد، وجرت بينه وبين الإمام أحمد ﵀ مذاكرات، وكان الإمام أحمد يُثني عليه ويكرمُه، وكتبَ عنه واستفاد منه، وكان يضاهيه في الزهد والعلم والورع والحفظ. وكانت وفاتُه بمصر يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي القعدة (٣).

стр. 7071

أسندَ عن سفيان بن عيينة، والإمام أحمد، وعبد الرزاق وغيرهم، وحدَّثَ عنه البخاريُّ وغيره. وكان يعقوب بن سفيان يقول: كتبتُ عن ألف شيخ، حجتي فيما بيني وبين الله رجلان، أحمد بن صالح، وأحمد بن حنبل. ودخلَ عليه النسائيُّ بغيرِ إذن، فأمر بإخراجه، فأطلق لسانَه فيه، وليس الأمر على ما ذكر النسائي. وكان لا يحدِّثُ إلَّا ذا لحية، فدخل عليه أبو داود السجستاني ومعه ابنه، وهو غلام أمرد، فأنكرَ إحضارَه، فقال له أبو داود: وهو وإن كان أمرد غير أنَّه أحفظُ من أصحاب اللحى، فامتحَنَهُ فوجدَه كما قال، فحدَّثه، ولم يحدِّث بالعراق أمرد غيره. وكان أحمد يصلِّي بالشافعيّ (١). أحمد بن أبي فَنَن صالح، الشاعر من شعره: [من الوافر] صحيحٌ ودَّ (٢) لو يُمسي عليلا … ليكتب أو يرى منكم رسُولا أراك تسومُه الهجرانَ حتى … إذا ما اعتلَّ (٣) كنتَ له وَصُولا يود (٤) ضنى الحياة بوصل يومٍ … يكونُ على رضاك له دليلا هما موتان موت ضنًى وهجرٍ … وموتُ الهجر شرُّهما سبيلا (٥) أحمد بن عبد الرحمن بن بكَّار أبو الوليد البسريّ الدمشقيّ.

стр. 7072

سكن بغداد وحدَّثَ بها، وروى عنه النسائي وغيره، وكان ثقة، وماتَ بسُرَّ من رأى (١). بُغَا الكبير الشرابيّ مولى المعتصم، كان مقدَّمًا في الدولة من أكابر أمرائها. مرض فعاده المعتصم (٢) وبنو هاشم، وصلَّى عليه المستعين لمَّا مات، وقد جاوز التسعين منه. وباشرَ من الحروب ما لم يباشر غيره، ولم يكن يلبسُ السِّلاح، ولا جُرِح قط، فقيل له في ذلك فقال: الأجلُ جوشن، وإنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، ادع لي، فقال: لا بأس عليك، أحسنتَ إلى رجلٍ من أهل بيتي، فعليكَ من الله واقية. والرجل الذي خلَّصه كان المعتصمُ قد أمرَه أن يلقيه إلى السباع، فلم يفعل. وتوفي في جمادى الآخرة، وكان يومًا مذكورا (٣). أبو عثمان بكر بن محمد بن عدي المازنيُّ البصريّ العلَّامة، من مازن ربيعة (٤). قدم بغداد في أيام المعتصم والواثق، وكان عارفًا بالنحو واللغة والآداب، وله التصانيفُ الحسان. قال: دخلت على الواثق، فقال لي: يا مازنيّ، ألك ولد؟ قلت: لا، ولكن لي أختٌ بمنزلة الولد، قال: فما قالت لك لمَّا خرجت من عندها؟ قلت: ما قالت بنتُ

стр. 7073

الأعشى لأبيها: [من المتقارب] فيا أبِ لا تَنْسنَا غائبًا … فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرِم أرانا إذا أضمرتك البلا … دُ نُجْفَى وتقطعُ منَّا الرحم فقال: فما الذي قلت لها؟ قلت: ما قال جرير: [من الوافر] ثقي بالله ليسَ له شريكٌ … ومِنْ عندِ الخليفة بالنَّجاحِ (١) فقال: أحسنت، وأعطاني ألف دينار (٢). وقيل: إنَّ بعضَ اليهود بالبصرة قصدَ المازنيَّ ليقرأَ عليه كتاب سيبويه، ويعطيه مئة دينار، فامتنعَ مع فقرِه وفاقته، فقيلَ له في ذلك، فقال: هذا الكتاب يشتملُ على كذا وكذا آية من كتاب الله، وكيفَ أمكِّنُ ذميًّا من قراءته وتحكمه عليه؟! فأخذتني الحميَّةُ لكتاب الله، فاتَّفقَ أنَّ جاريةً غنَّت للواثق: [من الكامل] أظلومُ إنَّ مصابكم رجلًا فاختلفَ من بالحضرة في البيت، فبعضهم نصبَ "رجلًا"، وبعضهم رفعه، وسأل الجارية فقالت: قرأته على المازنيِّ بالنصب، فاستحضره من البصرة وسأله، وأعطاه ألفَ دينار وعادَ إلى البصرة، وقال: تركنا مئةً، فعوَّضَنا اللهُ ألفًا (٣). وقال: نزلت ببُصرى الشام، فسألتُ عن فصحائهم، فقيل لي: عندنا امرأةٌ نصرانيَّةٌ في ديرٍ ظاهر البلد تقول الشعر، فخرجتُ إلى الدير فناديتُها، فاطلعت امرأةٌ مسنَّةٌ، فقلت: أنشديني لنفسك، فأنشدت: [من الطويل] أيا رفقةً من أهل بُصْرَى تحمَّلت … تؤمُّ الحِمى لُقِّيتِ من رفقةٍ رُشدا إذا ما وصلتم سالمينَ فبلِّغُوا … تحية من قد ظنَّ أن لا يَرى نجدا وقولوا تركنا العامريَّ محرَّقًا … بنار الهوى والشوقُ قد جاوز الحدَّا غدًا يكثرُ الباكونَ منَّا ومنكم … وتزدادُ داري من دياركم بُعدا (٤)

стр. 7074

من أبيات، ثمَّ بَكت بكاء شديدًا، وأدخلَت رأسها في صومعتِها، فسألتُها أن تتكلَّم فأبت. وقيل: إنَّ المازني توفي سنةَ تسع وأربعين ومئتين (١). أسند عن الحارث بن أبي أسامة (٢)، وأخذَ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعيّ وأبي زيد الأنصاري. وأخذ عنه المبرِّدُ والفضل بن محمد اليزيدي وغيرهما، واتَّفقوا على ثقته (٣). جعفر المُوسوس (٤) واسمه جعفر بن علي [بن] السَّرِي، أبو الفضل البغداديّ. ولد ببغداد ونشأ بها، وكان من أهل الفضل والأدب، ووسوس في أثناء عمره، وأبوه من أبناء خراسان. قال خالد الكاتب: أرتجَ عليَّ وعلى دعبل وعلى آخر نصفُ بيت قلنا: [يا] بديع الحسن حاشا فقلنا: ما لنا غير جعفر، فجئناه فأخبرناه، فقال: أنا جائع، فأشبعوني، فأشبعناه وقلنا: تمِّمه فقال: [من مجزوء الرمل] يا بديعَ الحسنِ حاشا … لك من هجرٍ بديعِ فقال له دعبل: زدني، فقال: وبحسن الوجه عَوَّذْ … تُك من سوء الصنيعِ فقال الذي معنا: ولي بيتٌ آخر، فقال: ومن النخوةِ يستعـ … ـفيك لي ذلُّ الخضوعِ فقمنا، فقال: وأزودكم ببيت آخر فقال:

стр. 7075

لا يعبْ بعضك بعضًا … كن جميلًا في الجميعِ (١) [وفيها توفي] قاسم بن عثمان الجوعي [ذكره أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، وأثنى عليه وقال: هو] من أقرانِ سَرِيّ السَّقَطِي والحارث المحاسبي، وصحب أبا سليمان الداراني، وصحبَه أبو تراب النخشبيّ، وإنَّما سُمِّي الجوعيّ؛ لأنَّه كان يجوع كثيرًا. [وحكى عنه أحمد بن أبي الحواري قال:] (٢) شبع الأولياءُ عن الجوع بالمحبة، ففقدوا لذَّة الطعام والشراب والشهوات ولذات الدنيا، وإنَّما سميتُ الجوعيَّ؛ لأنَّ الله قوَّاني على الجوع، حتى لو تركتُ شهرًا لم يُقدَّم إلي طعامٌ ولا شراب لم أبال. [أبو نعيم: كان قاسم يقول:] (٣) حبُّ الدنيا أصلُ (٤) كلِّ موبقة، وقليلُ العمل مع المعرفة خيرٌ من كثير العمل بغير معرفة. ورأسُ الأعمالِ الرضا عن الله تعالى، والورعُ عمادُ الدين، والجوعُ مخُّ العبادة، والحصنُ الحصين ضبطُ اللسان. [قال:] وتكلَّم يومًا وعلى رأسه عمامة، وكان قد شرع في علم الفناء، فقام رجلٌ فأخذ عمامته، وشرعَ يتعمَّم بها، والجُوعيُّ يديرُ رأسه إليه حتى أخذها، ولم يتكلَّم كلمةً (٥). وكانت وفاته في رمضان بدمشق. أسند عن أبي سليمان، وسفيان بن عيينة، [وأبي معاوية الأسود، والوليد بن مسلم، وغيرهم] (٦)، وروى عنه أبو حاتم الرازيُّ وغيره (٧). وقيل: هما اثنان؛ كبيرٌ وصغير، فالكبيرُ صاحب هذه الترجمة، والصغيرُ صاحب
следующие страницы →