← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

أسندَ عن سفيان بن عيينة، والإمام أحمد، وعبد الرزاق وغيرهم، وحدَّثَ عنه البخاريُّ وغيره. وكان يعقوب بن سفيان يقول: كتبتُ عن ألف شيخ، حجتي فيما بيني وبين الله رجلان، أحمد بن صالح، وأحمد بن حنبل. ودخلَ عليه النسائيُّ بغيرِ إذن، فأمر بإخراجه، فأطلق لسانَه فيه، وليس الأمر على ما ذكر النسائي. وكان لا يحدِّثُ إلَّا ذا لحية، فدخل عليه أبو داود السجستاني ومعه ابنه، وهو غلام أمرد، فأنكرَ إحضارَه، فقال له أبو داود: وهو وإن كان أمرد غير أنَّه أحفظُ من أصحاب اللحى، فامتحَنَهُ فوجدَه كما قال، فحدَّثه، ولم يحدِّث بالعراق أمرد غيره. وكان أحمد يصلِّي بالشافعيّ (١). أحمد بن أبي فَنَن صالح، الشاعر من شعره: [من الوافر] صحيحٌ ودَّ (٢) لو يُمسي عليلا … ليكتب أو يرى منكم رسُولا أراك تسومُه الهجرانَ حتى … إذا ما اعتلَّ (٣) كنتَ له وَصُولا يود (٤) ضنى الحياة بوصل يومٍ … يكونُ على رضاك له دليلا هما موتان موت ضنًى وهجرٍ … وموتُ الهجر شرُّهما سبيلا (٥) أحمد بن عبد الرحمن بن بكَّار أبو الوليد البسريّ الدمشقيّ.

стр. 7072

سكن بغداد وحدَّثَ بها، وروى عنه النسائي وغيره، وكان ثقة، وماتَ بسُرَّ من رأى (١). بُغَا الكبير الشرابيّ مولى المعتصم، كان مقدَّمًا في الدولة من أكابر أمرائها. مرض فعاده المعتصم (٢) وبنو هاشم، وصلَّى عليه المستعين لمَّا مات، وقد جاوز التسعين منه. وباشرَ من الحروب ما لم يباشر غيره، ولم يكن يلبسُ السِّلاح، ولا جُرِح قط، فقيل له في ذلك فقال: الأجلُ جوشن، وإنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، ادع لي، فقال: لا بأس عليك، أحسنتَ إلى رجلٍ من أهل بيتي، فعليكَ من الله واقية. والرجل الذي خلَّصه كان المعتصمُ قد أمرَه أن يلقيه إلى السباع، فلم يفعل. وتوفي في جمادى الآخرة، وكان يومًا مذكورا (٣). أبو عثمان بكر بن محمد بن عدي المازنيُّ البصريّ العلَّامة، من مازن ربيعة (٤). قدم بغداد في أيام المعتصم والواثق، وكان عارفًا بالنحو واللغة والآداب، وله التصانيفُ الحسان. قال: دخلت على الواثق، فقال لي: يا مازنيّ، ألك ولد؟ قلت: لا، ولكن لي أختٌ بمنزلة الولد، قال: فما قالت لك لمَّا خرجت من عندها؟ قلت: ما قالت بنتُ

стр. 7073

الأعشى لأبيها: [من المتقارب] فيا أبِ لا تَنْسنَا غائبًا … فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرِم أرانا إذا أضمرتك البلا … دُ نُجْفَى وتقطعُ منَّا الرحم فقال: فما الذي قلت لها؟ قلت: ما قال جرير: [من الوافر] ثقي بالله ليسَ له شريكٌ … ومِنْ عندِ الخليفة بالنَّجاحِ (١) فقال: أحسنت، وأعطاني ألف دينار (٢). وقيل: إنَّ بعضَ اليهود بالبصرة قصدَ المازنيَّ ليقرأَ عليه كتاب سيبويه، ويعطيه مئة دينار، فامتنعَ مع فقرِه وفاقته، فقيلَ له في ذلك، فقال: هذا الكتاب يشتملُ على كذا وكذا آية من كتاب الله، وكيفَ أمكِّنُ ذميًّا من قراءته وتحكمه عليه؟! فأخذتني الحميَّةُ لكتاب الله، فاتَّفقَ أنَّ جاريةً غنَّت للواثق: [من الكامل] أظلومُ إنَّ مصابكم رجلًا فاختلفَ من بالحضرة في البيت، فبعضهم نصبَ "رجلًا"، وبعضهم رفعه، وسأل الجارية فقالت: قرأته على المازنيِّ بالنصب، فاستحضره من البصرة وسأله، وأعطاه ألفَ دينار وعادَ إلى البصرة، وقال: تركنا مئةً، فعوَّضَنا اللهُ ألفًا (٣). وقال: نزلت ببُصرى الشام، فسألتُ عن فصحائهم، فقيل لي: عندنا امرأةٌ نصرانيَّةٌ في ديرٍ ظاهر البلد تقول الشعر، فخرجتُ إلى الدير فناديتُها، فاطلعت امرأةٌ مسنَّةٌ، فقلت: أنشديني لنفسك، فأنشدت: [من الطويل] أيا رفقةً من أهل بُصْرَى تحمَّلت … تؤمُّ الحِمى لُقِّيتِ من رفقةٍ رُشدا إذا ما وصلتم سالمينَ فبلِّغُوا … تحية من قد ظنَّ أن لا يَرى نجدا وقولوا تركنا العامريَّ محرَّقًا … بنار الهوى والشوقُ قد جاوز الحدَّا غدًا يكثرُ الباكونَ منَّا ومنكم … وتزدادُ داري من دياركم بُعدا (٤)

стр. 7074

من أبيات، ثمَّ بَكت بكاء شديدًا، وأدخلَت رأسها في صومعتِها، فسألتُها أن تتكلَّم فأبت. وقيل: إنَّ المازني توفي سنةَ تسع وأربعين ومئتين (١). أسند عن الحارث بن أبي أسامة (٢)، وأخذَ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعيّ وأبي زيد الأنصاري. وأخذ عنه المبرِّدُ والفضل بن محمد اليزيدي وغيرهما، واتَّفقوا على ثقته (٣). جعفر المُوسوس (٤) واسمه جعفر بن علي [بن] السَّرِي، أبو الفضل البغداديّ. ولد ببغداد ونشأ بها، وكان من أهل الفضل والأدب، ووسوس في أثناء عمره، وأبوه من أبناء خراسان. قال خالد الكاتب: أرتجَ عليَّ وعلى دعبل وعلى آخر نصفُ بيت قلنا: [يا] بديع الحسن حاشا فقلنا: ما لنا غير جعفر، فجئناه فأخبرناه، فقال: أنا جائع، فأشبعوني، فأشبعناه وقلنا: تمِّمه فقال: [من مجزوء الرمل] يا بديعَ الحسنِ حاشا … لك من هجرٍ بديعِ فقال له دعبل: زدني، فقال: وبحسن الوجه عَوَّذْ … تُك من سوء الصنيعِ فقال الذي معنا: ولي بيتٌ آخر، فقال: ومن النخوةِ يستعـ … ـفيك لي ذلُّ الخضوعِ فقمنا، فقال: وأزودكم ببيت آخر فقال:

стр. 7075

لا يعبْ بعضك بعضًا … كن جميلًا في الجميعِ (١) [وفيها توفي] قاسم بن عثمان الجوعي [ذكره أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، وأثنى عليه وقال: هو] من أقرانِ سَرِيّ السَّقَطِي والحارث المحاسبي، وصحب أبا سليمان الداراني، وصحبَه أبو تراب النخشبيّ، وإنَّما سُمِّي الجوعيّ؛ لأنَّه كان يجوع كثيرًا. [وحكى عنه أحمد بن أبي الحواري قال:] (٢) شبع الأولياءُ عن الجوع بالمحبة، ففقدوا لذَّة الطعام والشراب والشهوات ولذات الدنيا، وإنَّما سميتُ الجوعيَّ؛ لأنَّ الله قوَّاني على الجوع، حتى لو تركتُ شهرًا لم يُقدَّم إلي طعامٌ ولا شراب لم أبال. [أبو نعيم: كان قاسم يقول:] (٣) حبُّ الدنيا أصلُ (٤) كلِّ موبقة، وقليلُ العمل مع المعرفة خيرٌ من كثير العمل بغير معرفة. ورأسُ الأعمالِ الرضا عن الله تعالى، والورعُ عمادُ الدين، والجوعُ مخُّ العبادة، والحصنُ الحصين ضبطُ اللسان. [قال:] وتكلَّم يومًا وعلى رأسه عمامة، وكان قد شرع في علم الفناء، فقام رجلٌ فأخذ عمامته، وشرعَ يتعمَّم بها، والجُوعيُّ يديرُ رأسه إليه حتى أخذها، ولم يتكلَّم كلمةً (٥). وكانت وفاته في رمضان بدمشق. أسند عن أبي سليمان، وسفيان بن عيينة، [وأبي معاوية الأسود، والوليد بن مسلم، وغيرهم] (٦)، وروى عنه أبو حاتم الرازيُّ وغيره (٧). وقيل: هما اثنان؛ كبيرٌ وصغير، فالكبيرُ صاحب هذه الترجمة، والصغيرُ صاحب

стр. 7076

سياحات وكرامات، لم يدرك أبا سليمان، بل تأخَّر عنه. [وله حكايةٌ أنبأناها غير واحدٍ؛ عن أبي بكر الصوفي بإسناده عن قاسم بن عثمان الجُوعيّ] قال: رأيت رجلًا في الطواف لا يزيدُ على قوله: إلهي، قضيتَ [حوائج المحتاجين] (١)، وحاجتي لم تقض، [قال:] فقلتُ له: ما هذا الكلام [في هذا المقام]؟ فقال: أحدِّثك، كنَّا عشرة أنفس، فخرجنا في غَزَاة فاستُؤسِرْنا كلُّنا، فقدمنا لتضربَ أعناقُنا، فرأيت في السماء بابًا [قد] فتح، ونزلَ منه عشرةُ جواري، ما رأيتُ أحسنَ منهنّ، بأيديهنَّ المناشف، فقُدِّمَ واحدٌ من العشرة فضُرِبت عنقُه، فنزلت واحدةٌ منهن فنشّفتهُ [بمنشفة] وصعدت، وضُربت أعناق التسعة، والجواري يفعلنَ كذلك، وبقيت واحدةٌ [منهن] بإزائي، فسأله بعض العلوج فيّ، فأطلقني، فارتفعت الجاريةُ وهي تقول: أيشٍ فاتَك يا محروم!؟ وأغلقت الباب، فأنا متحسرٌ (٢) على ذلك، ثم قال قاسم: أُرَاه أفضلَهم؛ لأنَّهم استشهدوا، وبقيَ هو يعملُ على الشوق (٣). [فصل وفيها] محمد بن جعفر المتوكل الملقب بالمنتصر. [قال علماءُ السير:] كان [محمد] راجحَ العقل، واسعَ الاحتمال، كثير المعروف، راغبًا في الخير، حسن الأخلاق، [على خلاف رأي أبيه في آل بني طالب، وكان] محسنًا إلى العلويين. [وأعاد بناء قبر الحسين ﵇ إلى ما كان وزاده، وعمر المشاهد، وأغناهم وأكرمهم، و] دفع إلى أحمد بن الخصيب مالًا جزيلًا، وقال: فرِّقه في العلويين، فقد نالَهم جفوة، فقال: سوف أفعلُ في هذا ما يرضي أميرَ المؤمنين، فقال: إذًا تسعدُ عند الله وعندي، فإني ما وليتُك الوزارة إلا لتخلفني فيهم، وتتفقَّد أحوالهم، وتقضي حوائجَهم، [فـ] قال يزيد بن المهلبي [هذه الأبيات:] [من الكامل]

стр. 7077

ولقد بررتَ الطالبيَّةَ بعدما … ذمّوا (١) زمانًا بعدَهم وزمانَا ورددت إلفة هاشمٍ فرأيتَهم. بعدَ العداوةِ بينهم إخوانا لو يعلم الأسلافُ كيف بررتَهم … لرأوك أثقلَ منهم ميزانَا (٢) وقال الطبري: أوَّلُ شيءٍ أحدثَ المنتصرُ أنَّه عزلَ صالح بن علي عن المدينة، وولاها عليَّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد، وقال له لما ودعَه: يا عليّ، إنِّي قد بعثتُك إلى لحمي ودمي -ومد جلدة ساعدِه- فانظر كيف تكونُ للقوم، وكيف تعاملهم -يعني آل أبي طالب- فقال له: أرجو أن أمتثل رأيَ أمير المؤمنين -أيَّده الله- فيهم، فقال: إذًا تسعدُ بذلك عندي (٣). [قال:] ووجِد [في أيام المنتصر] رجلٌ مقتولٌ على فراشه، قتلَه عبد أسود، فأحضرَه المنتصر، وقال [له:] ويلك! لم قتلت مولاك؟ فقال: كما قتلتَ أنت أباك، فضربَ عنقه وصلبَه عند خشبة بابك (٤). [وقال الصولي:] رأى المنتصر يومًا باغر التركيّ في داره، فقال: ما يصنعُ هذا هاهنا، أيريدُ أن يقتلني كما قتل أبي؟ قالوا إنَّه يخلف بُغَا الصغير، فقال: أخرجوه، لعنَ الله الجميع، فألحقَه بوصيف بالصائفة. وكان أحمد بن الخصيب قد قال للمنتصر: أَبْعِدْ هؤلاء الموالي عنك، فإنِّي خائفٌ عليك منهم، [ففعل]. [حكاية الرجل الذي كان يجمعُ الرجال والنساء: [حكى الصوليُّ قال:] كان في أيام المنتصر رجل بمكَّة يجمعُ بين الرجال والنساء، فنفاه الوالي إلى عرفات، فصارَ الناسُ يخرجون على الحمير إليه، فبلغ الوالي خبرُه، فأحضره [إلى بين يديه]، وقال [له:] يا عدوَّ الله، طردتُك من الحرم فصرتَ إلى المشعر

стр. 7078

الحرام (١)، فأنكرَ الرجلُ، فقال أهل مكة: بيننا وبينه حمير المُكَارين، نرسلُها من مكَّة إلى عرفة، فإن قصدت بيتَه صدقنا (٢)، فقال الوالي: أرسلوها، فأرسلوها، فوقفت على [باب بيته] (٣)، فقال الوالي: جرِّدوه لأضربه، فقال الرجل: يا قوم، ما يشتفي أهلُ المدينة (٤) منَّا بأكثر من هذا، يقولون: أهلُ مكَّة لا يقبلون قولَ الشاهد مع اليمين، ويجيزونَ شهادةَ الحمير، فضحك الوالي وأطلقه، وكتب إلى المنتصر يعرفُه الخبر، فضحك [المنتصر] وكتب له بمالٍ إلى مكَّة، وقال للوالي: استتبه، فقد أغنينَاه عن ذلك. [وذكر عن بيان المغني -وكان خصيصًا بالمنتصر- قال:] (٥) سألتُه ثوبَ خزّ أو ثوب ديباج، فقال لي: تمارض حتى أعودَك ليحصلَ لك أكثر من الثوب الديباج، [قال:] فمات، ولم يهب لي شيئًا (٦). ذكر وفاته: [واختلفوا في أسبابها على أقوال؛ أحدها أنه] كان يقول: [يا بغا] أين أبي؟ من قتل أبي؟ ويكثر دائمًا من سبِّ الأتراك، ويقول: هؤلاء قتلةُ الخلفاء، فقال بغا الصغير للأتراك الذين قتلوا أباه: ما لكم عند هذا الرجل خبزٌ، فهَمُّوا به، فلم يقدروا عليه؛ لأنَّه كان مهيبًا شجاعًا فطنًا حازمًا محترزًا، فدسُّوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار، واتَّفق أنَّه مرض، فأشار عليه بالفَصْد، ودسَّ فاصدًا، أو أعطاه مبضعًا مسمومًا، ففَصَدَه به، فمات، واتفق أنَّ الذي فصدَه، ألقى ذلك المبضع في مباضعه ونسيه، ثمَّ مرض الفاصد، فقال لتلميذٍ له: افصدني، ففصَدَه به، ولم يعلم، فماتَ الطبيب. [ذكره الصولي]. [والثاني:] أنَّ المنتصرَ حدثَ به مرض في أنثييه، فماتَ بعد ثلاثة أيام. [والثالث:] أنَّه مات بالذبحة في حلقه.

стр. 7079

[والرابع:] أنَّه أصابه ورم (١) في فؤاده، فمات. [والخامس:] أنَّ حجَّامًا حجَمه بمحاجم مسمومة. [والسادس:] أنَّ رأسَه ضرب عليه من شقيقة، فقطرُوا في رأسه دهنًا فمات. [والسابع:] (٢) أنَّه كان يحب الكمّثرى، فدشَ الأتراكُ إلى خادمٍ مالًا كثيرًا، فعمد إلى أحسن ما في الكمثرى فسمَّها بإبرةٍ نقبَها بها، فأكلها فوجد فترة، فقال للطبيب: أجدُ حرارةً، فقال: هذا من غلبةِ الدم، احتجم، فاحتجمَ، وخافوا أن يطولَ مرضُه، ففصدوه بمبضعٍ مسموم، فمات (٣). [قال الصولي:] وما كان سبب هلاكه إلا الأتراك، نظر يومًا إلى بغا قد أقبل في جمعٍ من المماليك، فقال: قتلني الله إن لم أقتلكم جميعًا، كما فعلتم بأبي، وبلغَهم قولُه، فدسوا إلى الطبيب الطيفوريِّ أموالًا، فقتله (٤). وكان بُغا يحلفُ بالله أنَّه دُفِن حيًّا. [وقال أحمد بن الخصيب:] لما احتضر جعلَ يقول لأمّه: يا أماه، ذهبت منّي الدنيا والآخرة، يا أمَّاه عاجلتُ أبي فعوجلت، وأنشد: [من الطويل] فما مُتِّعَتْ نفسي بدنيا أصبتُها … ولكن إلى الربِّ الكريمِ أصيرُ وما كان ما قدَّمتُه رأيَ فلتةٍ … ولكن بفُتياها أشار مشيرُ (٥) [قال الصوليّ:] ودخلَ عليه جعفر بن عبد الواحد القاضي عائدًا، فقال له: يا جعفر، لقد عوجلتُ، فما أسمع بأذني ولا أبصرُ بعيني (٦). وقال أحمد بن الخصيب: قال لي المنتصر: رأيتُ في منامي كأنِّي صعدتُ درجةً.

стр. 7080

فانتهيتُ إلى خمس وعشرين مرقاة، ثم قيل لي: قف، فهذا آخرُ عمرك، فوقفتُ فأوَّلتُها الخلافةَ خمسًا وعشرين سنة، قال: فمات بعد خمس وعشرين يوما (١). وقال [أحمد بن الخصيب:] رأى المنتصرُ أباه في منامه وهو يقول له: ويحكَ يا محمد، ظلمتني وقتلتني، والله لا مُتِّعتَ بالدنيا بعدي إلَّا أياما يسيرةً، ومصيرك إلى النار (٢). [وروى ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن سليمان بن أبي جعفر قال:] (٣) رأيتُ المتوكِّلَ والفتحَ بن خاقان في منامي وهما في بستان، فقال لي المتوكِّلُ: يا عبد الملك، قل لمحمد: بالكأسِ الذي سقيتنا تشرب (٤)، فماتَ بعد ثلاث، كانت علته ثلاثةَ أيام. وتوفي يوم السبت لخمسٍ (٥) خلون من ربيع الآخر [من هذه السنة]. وقيل: يوم الأحد رابع ربيع الآخر (٦)، وصلَّى عليه عمُّه المستعين (٧)، ودفن بالجَوْسق بسُرَّ من رأى. قال [أبو جعفر] الطبريّ: وهو أوَّل خليفةٍ عُرِفَ قبرُه من بني عباس، وذلك لأنَّ أمَّه طلبت إظهارَ قبره، فأجيبت (٨). قال المصنف ﵀ (٩): والعجبُ من الطبريِّ، وقبر السفاح بالأنبار تحتَ المنبر، والمهدي بماسَبَذان، وهارون بطُوس، والمأمون بطَرَسُوس، والمعتصم والواثق والمتوكِّل بسُر من رأى.

стр. 7081

ومات المنتصر وهو ابنُ خمسِ وعشرين سنة. وقيل: أربع وعشرين [سنة]، وكانت خلافته ستة أشهر، مدَّة شيرويه بن كسرى الذي قتلَ أباه. ذكر أولاده ووزيره وقاضيه وحاجبه: كان له ثلاثةٌ من الولد، عبد الوهاب وعبد الله وأحمد لأمَّهات أولاد (١). [وكان وزير المنتصر (٢)] أحمد بن الخصيب، [ذكره محمد بن عبدوس في كتاب "الوزراء"، قال: كان] من أهل جرجرايا من طَسُّوج (٣) النهروان الأسفل، [وكاتبَ المنتصر] (٤) في أيّام إمارته، فلما وليَ الخلافة استوزره. [قال:] وكان جاهلًا أحمق. قال له المنتصرُ يومًا: إنَّ السيدةَ -يعني أمَّه- تطلبُ منِّي أن أُقطِعها ضياعَ شُجاع أمِّ المتوكِّل، فقال له: وما قلتَ للفاجرة؟ وجعلَ يردِّدُها، فقال المنتصر: قتلني الله إن لم أقتلك (٥). [قال الصولي:] كان [ابن الخصيب] سيءَ الخلقِ متكبِّرا، ركبَ يومًا، فاستغاثَ به مظلوم، فأخرجَ رجله من الرِّكاب وضربَه في صدره فمات، فقال أحمد بن أبي طاهر: قل للخليفة يا ابن [عمّ] (٦) محمدٍ … اشكُل وزيركَ إنَّه ركَّالُ اشكلْه عن ركلِ الرجال وإن تُرِد … مالًا فعند وزيركَ الأموالُ قد نال من أعراضنَا بلسانِه … ولرجله عند الصدور مجالُ (٧) وبلغ المنتصر، فعزَّ عليه، وأرادَ أن يوقِع به، فمات. [وذكر ابن عبدوس في كتاب "الوزراء" قال:] رُفِعَت إلى ابن الخصيب قصص لبني هاشم والمهاجرين والأنصار، فكتب على قصص بني هاشم: هَشَم الله وجوههم،

стр. 7082

وعلى قصة المهاجرين: هجرهم الله، وعلى قصة الأنصار: لا نصرَهم الله، [وسنذكر ابن الخصيب في ترجمة المستعين.] (١) ونُقِلَ عنه أنَّه قال للمنتصر يومًا لمَّا بويع: إنَّ الناس قد نسبوك إلى ما تعلم واستعظموك واستفظعوه (٢)، فأحسن إليهم يحبُّوك، وأفشِ العدل فيهم يحمدوك، ولا تطلق فيهم لسانًا فيبغضوك ويذمُّوك، وأنت كما قيل: [من الوافر] وذنبي ظاهرٌ لا سترَ عنه … لطالبه وعذري بالمغيب (٣) وأما قاضيه فجعفر بن عبد الواحد، وأما حاجبه فوصيف وبُغَا (٤). محمد بن حُمَيد بن حَيَّان أبو عبد الله الرازي. رحل وسمع الحديث، وروى عنه ابن المبارك وغيره والإمام أحمد (٥)، وقد تكلمُوا فيه، ﵀. مُهَنَّى بن يحيى أبو عبد الله البغدادي. صحب الإمام أحمد ثلاثًا وأربعين سنة، ورحل معه إلى عبد الرزاق، وكان يسألُه عن مسائلَ لا يسأله عنها غيرُه ويُدلُّ عليه، وكتبَ عنه بضعة عشر جزءًا من مسائله، لم تكن عند غيره، وكتبها عنه عبد الله بن أحمد (٦). واتَّفقوا على دينه وصدقه وثقته. قال الدارقطني: مهنى ثقة ثبتٌ، رحمة الله تعالى عليه (٧).

стр. 7083

السنة التاسعة والأربعون بعد المئتين فيها في أول صفر منها شغبَ الجندُ والشاكريّة ببغداد، وله سببان؛ أحدهما: مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني، فإنَّهما قُتِلا ببلاد الروم مجاهدَين، واستيلاءُ الترك بعد قتل المتوكِّل على بغداد، وقتلهم من أرادوا قتلَه من الخلفاء، ونصبهم من أرادوا نصبه منهم، وأخذهم ما أرادوا من الحريم والأولاد والأموال من غير نظرٍ في مصالح المسلمين. اجتمعت العامَّة بالصراخ، ونادوا: النفير النفير، وانضمَّت إليهم الأبناءُ والشاكريَّة، وطلبوا أرزاقَهم، وفتحوا السجون، وأخرجوا من فيها، وأحرقوا جسر بغداد، وانتهبوا الدواوين، وقطعوا الأوراق التي فيها الحساب، ورموها في دِجْلة، وانتهبوا دور الكتَّاب من النصارى، وأخرجَ أهلُ بغداد أموالًا كثيرةً؛ قوَّوا بها من نهضَ لحربِ الروم (١). وفي ربيع الآخر (٢) شغبت العامَّةُ بسر من رأى يومَ الجمعة (٣)، وفتحوا السجون وأخرجوا من فيها، وركبَ التركُ ووصيف وبُغَا وأوتامش، فقتلوا من العامةِ جماعةً، ورُمي وصيف بحجر فشجَّه، وقيل: بقدرٍ، فأمرَ بإحراقِ الحوانيت والأسواق، فأُحرقت، واحترقت منازلُ الناس. وقتل أوتامش وكاتبه شجاع في ربيع الآخر، فاستوزرَ المستعينُ أبا صالح عبدَ الله بن محمد بن يزداد، وولى وصيفًا الأهواز، وولى بُغَا الصغير فلسطين، ثم غضب بغا الصغير على عبد الله (٤) بن محمد بن يزداد، فهرب إلى بغداد، واستوزرَ المستعينُ محمد بن الفضل الجَرْجَرائي، وولى على ديوان الرسائل سعيد بن حُميد، فقال الحمدونيّ: [من الرمل]

стр. 7084

لبسَ السيفَ سعيدٌ بعدَما … عاشَ ذا طِمْرَين لا نوبةَ لَهْ إنَّ لله لآياتٍ وذا … آيةٌ لله فينا مُنْزلَهْ (١) وفيها عزل المستعين جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، وولاه جعفر بن محمد بن عمار البُرْجُميّ الكوفي (٢). وفيها زُلزلت الريّ زلزلةً عظيمةً، انهدمت الدور، وماتَ تحت الهدم خلقٌ كثير، وهرب الباقون إلى الصحراء. [فصل:] وحجَّ بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم [الإمام]، وهو والي مكة (٣). وفيها قتل أوتامش التركي، وسبب مقتله أنَّ المستعين لما وليَ الخلافة استوزره، وأطلق يده ويد شاهك الخادم في بيوتِ الأموال، وفعل ذلك بأمِّ (٤) نفسه، وكانت الأموال التي تَرِدُ على السلطان إنما يصيرُ معظمها إلى هؤلاء الثلاثة، ووَصيف وبُغَا والأتراك عن ذلك بمعزل، وهم في ضيقٍ شديد، فأغريا الموالي والفراغنة والشاكرية وغيرهم بأوتامش، فلمَّا كان يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر زحفوا إلى أوتامش، وهو بالجَوْسق مع المستعين، فأراد الهرب، فلم يقدر، واستجار بالمستعين، فلم يجره؛ لضعفه وكثرة الجند، فحصروه يومين، ودخلوا عليه يوم السبت فقتلوه، وقتلوا كاتبه شجاع بن القاسم، وانتبهوا دار أوتامش، فأخذوا منها أموالًا جليلةً وفَرْشًا ومتاعًا كثيرًا (٥). [فصل: وفيها توفي] إبراهيم بن عيسى أبو إسحاق الأصفهاني، الزاهد العابد.

стр. 7085

صحب معروفًا [الكرخي (١)]. وكانت (٢) عبادتُه تشبهُ عبادةَ الملائكة، فليلة يقومُ فيها إلى قريب الفجر [ثم يركع، وليلةً يركعُ إلى قريب الفجر] ثم يسجد (٣)، فإذا صلَّى الفجرَ دعا لجميع المسلمين والمسلمات والحيوانات [والبهائم] والحشرات، ويقول: اللهم اهدِ اليهود والنصارى، وسَلِّم التجَّار وغيرهم. أسند عن معروف الكرخي وغيره (٤). بكر بن خالد أبو جعفر القصير، ويقال: محمد بن بكر (٥)، كاتبُ أبي يوسف القاضي، أخذ عنه العلم، وكان فاضلًا. ورَوى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "هاجروا تُورِثوا أبناءَكم مجدًا" (٦). الحسن بن الصَّبَّاح بن محمد أبو علي البزار الحافظ. كان الإمام أحمد يرفع قدره ويبجِّله ويقول: صاحب سنة. قال الحسن: أُدخِلت على المأمون، فقال لي: أنت الحسنُ البزَّار؟ قلت: نعم، قال: أتشتم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ فقلت: صلى الله على علي مولاي وسيدي، فقال: خلوا سبيلَه. وكانت وفاتُه ببغداد في ربيع الأول، وكان صدوقًا ثقة. أخرج عنه البخاري وغيره (٧).

стр. 7086

علي بن [الجهم بن] بدر الشاعر [المشهور] من ولد سَامة بن لؤيّ بن غالب (١)، [وديوانه مشهور، وهو شاعر مجيد، و] كان فاضلًا متدينًا، وله اختصاصٌ بالمتوكِّل، وكان تقدَّم عليه بالكلام، فنفاه إلى العجم. وقال: وجه بي المتوكِّلُ في حاجة له إلى بغداد، فلمَّا كان يومُ جمعة صلَّيتُ في الجامع، وإذا بسائلٍ قد وقف يسأل، فحدَّثَ بأحاديث صحاح، وأنشد شعرًا حسنًا، وتكلم بكلام فصيح، فأخذَ قلوب الناس، ثم قال لهم: يا قوم إني لم أوت من عجزٍ، وإنِّي أفتيت (٢) في علوم كثيرة، ولقد حضرتُ بناء القصر الجعفريِّ للمتوكِّل، فجاء يومًا يدورُ في القصر على حمار، فأنشدتُه القصيدة الفلانية -وأنشدها فأجاد إنشادَها- فأمرَ لي بعشرةِ آلاف درهم، فقال له علي بن الجهم الشاعر: الساعةَ يفتح عليك أهلُ الخلد، فلا يكفيك بيوت الأموال، فلم يعطني شيئًا، قال: فلم يبق أحدٌ إلَّا ذمَّني ولعنني، فاستدعيتُه وقلت: أتعرف عليَّ بن الجهم؟ قال: لا، قلت: فأنا عليُّ بن الجهم، فقال: هاتِ عشرة دراهم أخرجك وأدخل غيرك، فأعطيتُه عشرةَ دراهم واستحلفتُه أن لا يذكرني. ومن شعره المستحسن: [من الطويل] عيونُ المها بين الرُّصَافة والجِسر … جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدرِي أعدنَ لي الشوقَ القديم ولم أكُن … سلوتُ ولكن زدنَ جمرًا على جمرِ كفى بالهوى شُغلًا وبالشيب زاجرًا … لو أنَّ الهوى مما يُنَهْنَه بالزجرِ بما بيننَا من حرمةٍ هل رأيتُما … أرقَّ من الشكوى وأقسى من الهجرِ وأفضحَ من عين المحبِّ لسرِّه … ولا سيَّما إن أطلقتْ عبرةً تجرِي وما أنا ممَّن سارَ بالشعرِ ذكرُه … ولكنَّ أشعارِي يسيرُ بها ذِكِري

стр. 7087

ولا كلُّ من قادَ الجيادَ يسوسُها … ولا كلُّ من أجرى يقالُ له مُجرِي ولكنَّ إحسانَ الخليفةِ جعفر … دعاني إلى ما قلتُ فيه من الشعرِ وفرَّق شملَ المال جودُ يمينه … على أنَّه أبقَى له أحسنَ الذكْرِ إذا ما أجال الرأيَ أدركَ فكرُه … غرائبَ لم تخطر ببالٍ ولا فكرِ ولا يجمعُ الأموال إلَّا لبذلِها … كما لا تساقُ الهديُ إلَّا إلى النحرِ ومن قال إنَّ القطر والبحر أشبَها … نداهُ فقد أثنىَ على البحرِ والقَطْرِ أغيرَ كتابِ الله تبغونَ شاهدًا … لكم يا بني العبَّاسِ بالمجدِ والفخرِ كفاكُم بأنَّ الله فوَّضَ أمرَه … إليكم (١) وأوحى أن أطيعُوا أولي الأمرِ ولن يُقْبَلَ الإيمانُ إلا بحبِّكُم … وهل يقبلُ اللهُ الصلاةَ بلا طُهْرِ ومن كان مجهولَ المكانِ فإنَّما … منازلكُم بين الحَجُون إلى الحِجْرِ (٢) قال المصنف رحمه الله تعالى: ولقوله: عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ حكايةٌ، خرج رجلٌ من أهل بغداد فلقيَ امرأةً حسناء، فقال: يرحمُ الله عليَّ بن الجهم، فقالت المرأة يرحم اللهُ أبا نواس (٣)، وأراد الرجل قول ابن الجهم: عيونُ المها، وأرادت قول أبي نواس: [من الطويل] فيا دارها بالخيف إنَّ مزارها … قريبٌ ولكن دونَ ذلك أهوالُ (٤) [وقال الخطيب: ومن شعره:] (٥) [من الكامل] نُوَبُ الزمانِ كثيرةٌ وأشدُّها … شملٌ تحكَّم فيه يومُ فراقِ يا قلبُ لِمْ عرَّضتَ نفسَك للهوى … أومَا رأيتَ مَصَارعَ العُشَّاقِ (٦)

стр. 7088

[وذكر له ابن الهبارية في "فلك المعاني" في غاية الجود وهما هذه:] (١) [من البسيط] أما ترى اليومَ ما أحلى شمائلَهُ … غيمٌ وصحوٌ وإبراقٌ وإرعاد كَأنَّه أنتَ يا من لا شبيهَ له … هجرٌ ووصلٌ وتقريبٌ وإبعادُ (٢) ذكر مقتله: كان قد خرجَ غازيًا إلى الشام، [قال الصولي:] ورد على المستعين في شعبان سنة تسعٍ وأربعين كتابُ صاحب البريد بحلب يقول: خرجَ عليُّ بن الجهم من حلب متوجِّهًا إلى الغزو، فخرجَ عليه جماعةٌ من كَلْب على خيل، ومعه جماعة، فقاتلَهم قتالا شديدًا، ولحقَه الناسُ وهو جريحٌ بآخرِ رمق، فقال: [من المجتث] أَسَال بالصبح سيلُ … أم زِيدَ في الليلِ ليلُ يا إخوتي بدُجيلٍ … وأينَ منِّي دُجيلُ وأنه مات في ذلك المنزل على يومٍ من حلب، ووجدوا في جبته (٣) رقعة فيها [مكتوب:] [من المنسرح] يا رحمةً للغريب في البلد النـ … ـازحِ ماذا بنفسهِ صنعا فارق أحبابَهُ فما انتفعُوا … بالعيش من بعدِه ولا انتفعا [وقال الطبريُّ: توجَّه ابن الجهم من بغداد إلى الثغر، فلمَّا كان بقرب حلب بموضعٍ يقال له: خُساف، لقيه خيلٌ لكلب، فقتلته، فأخذت ما كان معه، فقال -وهو في السَّوْقِ (٤) -: أزاد في الليل ليلُ … وذكر البيتين (٥).

стр. 7089

وقيل: كان منزلُه في شارع الدُّجَيل. انتهت ترجمتُه، والحمد لله وحدَه، وصلواته وسلامُه على نبيِّه ﷺ .] عليّ بن يحيى الأرمنيّ صاحب الغزو والجهاد، وكان شجاعًا، وله نكاياتٌ في الروم، وكان قد قفل من إرمينية إلى مَيَّافارِقِين، وبلغَه مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع فعاد يطلب الروم فالتقوه فقاتلَ قتالًا شديدا، فقُتِل، وقُتِل معه أربعُ مئة رجل من أبطال المسلمين (١). عمر بن عبيد الله الأقطع كان قد خرجَ مع جعفر بن دينار إلى الصائفة، فافتتح حصنًا يقال له: مَطَامير، فاستأذن جعفرَ بن دينار في الدخول إلى بلد الروم، فأذنَ له، فدخل ومعه عسكرٌ كثيفٌ، فلقيَه الملكُ بمرج الأسقف، وكان الروم في خمسين ألفًا، فأحاطوا به وبمن معه، فقتلُوه، وقتل عليه ألف رجلٍ من أعيان المسلمين، وذلك يوم الجمعة منتصف رجب (٢). [وفيها توفي] عمرو بن علي ابن بَحْر (٣) بن كَنيز، أبو حفص، الصَّيرفيُّ الفلاسُ البصريُّ. كان إمامًا حافظا صدوقًا، مدحه شاعرٌ بالصدق فقال: [من المتقارب] يَزُمُّ الحديثَ بإسناده … ويمسكُ عنه إذا ما وَهِمْ ولو شاءَ قال ولكنَّه … يخافُ التزيُّدَ فيما عَلِمْ قدم الفلَّاسُ يطلبُ الخليفة، فتلقَّاه أصحابُ الحديث في السفن من (٤) المدائن،

стр. 7090

فدخل بغداد فحدَّثهم، ثم قدمَ سرَّ من رأى، فتوفي بها في ذي القعدة ﵀ (١). محمدُ بن يَزيد ابن محمد بن كثير بن رِفَاعة بن سَمَاعة، أبو هشام الرفاعي الكوفي. ولي القضاء ببغداد بعد أبي حسَّان الزيادي، وولي القضاء بالمدائن، ومات ببغداد وهو قاضٍ في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمانٍ وأربعين في شعبان (٢). حدَّث عن عبد الله بن إدريس وغيره، ورَوى عنه البخاريُّ ومسلم وغيرهما، وكان ثقةً عالمًا بالأحكام والقراءات، وله فيها كتاب. قال المصنِّفُ ﵀: وقد قال البخاريُّ: رأيتُهم مجتمعين على تضعيفه، فلم يخرج عنه في "صحيحه" (٣). موسى بن عبد الملك بن [هشام أبو] (٤) الحسين الكاتب (٥)، أحد كتَّاب المتوكِّل، قدم معه دمشق، وهو القائل وقد قفل من الحجاز ووصل إلى الثعلبية: [من مجزوء الكامل] لمَّا وردنا الثَّعلبيـ … يةَ حيثُ مجتمعُ الرقاقْ (٦) وشممتُ من أرضِ الحجـ … ـازِ نسيمَ أرواحِ العراقْ وامتدَّ لي أمدُ الهوى … ورأيتُ أسبابَ التلاقْ أيقنتُ لي ولمن أحـ … ـب بجمعِ شملٍ واتِّفاقْ ما بيننا إلَّا تَصَر … ـرمُ هذهِ السبعِ البواقْ حتَّى يطولَ حديثُنا … بصنوفِ ما كنَّا نُلاقْ

стр. 7091

السنة الخمسون بعد المئتين فيها ظهرَ يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالكوفة، وقُتِل. وفيها في رمضان خرجَ الحسنُ بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وسببُ خروجه أنَّ محمد بن عبد الله بن طاهر لمَّا قتل يحيى بن عمر أقطعَه المستعينُ قطائعَ بطبرستان، فبعث نائبَه فحازها، وحاز معها أراضي الناس، فنفر أهل طبرستان من ذلك وشغبوا، وجاؤوا إلى محمد بن إبراهيم (١) العلوي، فدعوه إلى البيعة، فأبى وقال: أدلُّكم على من هو أولى مني بذلك وأحق؛ الحسن بن زيد، وهو مقيمٌ بالرَّيّ، فأرسل إليه أهل طبرستان يدعونَه، فجاء إليهم فبايعوه، وطردُوا عمَّال ابن طاهر، وجاء بمن معه إلى آمُل -وهي أولُ مدائن طبرستان- فاستولَى عليها، وجبى خراجها، وامتدَّ سلطانُه إلى الرَّيِّ وهَمَذان، وكان عامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله خليفة محمد بن طاهر. وكانت المنازعةُ في أرض قريبة من الديلم، فيها غياض وشجر ومرافق لهم ولمواشيهم، ليس لأحد عليها [ملك، فحازها] (٢) نُوَّاب ابن طاهر، فكان ذلك سببًا للفتنة. ولجأ إلى آمُل كلُّ من يريد الفتنة والنهب وغيرهم، ثم خرج الحسن يريدُ سارية، فدخلَها، وانهزم أصحابُ ابن طاهر بين يديه، ومقدَّمُهم سليمانُ بن عبد الله. وورد الخبرُ على المستعين باستيلاء الحسن بن زيد على البلاد، فبعثَ إسماعيل بن فَراشة في جيش إلى هَمَذان، وأمره بالمقام بها؛ لأنَّ ما وراءها كان مفوضًا إلى ابن طاهر. وفيها عقد المستعينُ لابنه العباس على العراق والحجاز (٣)، فقيل له: ألَا تعهدُ إليه

стр. 7092

بالخلافة، فقال: لا يراني الله أولي أمورَ المسلمين صغيرًا لا يقيمُ القيام بأمور نفسه. وفيها نُفي جعفر بن عبد الواحد القاضي إلى البصرة؛ لأنَّه بعث إلى الشاكريَّة، فأفسدَهم. وفيها وثبَ أهلُ حمص بالفضل بن قارن عامل السلطان بها، فقتلوه في رجب، فوجَّه المستعين إليهم موسى بن بُغَا الكبير في رمضان، فلمَّا وصل الرستن تلقَّاه أهل حمص فيما بين حمص والرستن، فقاتلوه فهزمهم، وافتتح حمص، وقَتل فيها مقتلة عظيمة، وأحرقها، وأسر من رؤسائها جماعةً، وهدم سورها (١). وفيها بعث محمدُ بن طاهر من خراسان بفيلين وأصنام حُمِلت إليه من كابُل إلى سرَّ من رأى. وحجَّ بالناس جعفر بن الفضل والي مكة (٢). وفيها توفي إبراهيم بن محمد أبو إسحاق التيميّ، قاضي البصرة. أشخصَه المتوكِّلُ إلى بغداد ليولِّيِه القضاء، وأشخص معه محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فلمَّا حضرا بباب المتوكِّل، أمر بإدخال ابن أبي الشوارب عليه، فلما أدخل قال: إنِّي أريدُك للقضاء، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي لا أصلحُ له، فقال: ما تأتون (٣) يا بني أميَّة إلَّا كبرًا، فقال: والله ما بي من كبر، ولكنِّي لا أصلحُ للحكم، فأمر بإخراجه، وكان هو وإبراهيم قد تعاهدا أن لا يتولَّى أحدٌ منهما القضاءَ، فُدعِيَ إبراهيم، فقال: إني أريدك للقضاء، فقال: إنِّي على شريطة، قال: وما هي؟ قال: تدعو لي دعوة، فإنَّ دعوةَ الإمام العادل مستجابة، فولاه. وكانت وفاته في ذي الحجَّة.

стр. 7093

حدث عن سفيان بن عيينة وغيره. وكان ابن أبي الشوارب يذمُّه ويقول: قاتلَه الله، باعَ آخرتَه بدنياه، ونافق. وهجره حتى مات. وكانت ولايةُ إبراهيم للقضاء في سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين. قال المصنف ﵀: وإبراهيم هو الذي رَوى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من جَعلَ نفسَه قاضيًا، فقد ذبح نفسه بغير سكين" (١). إلَّا أنَّه حديث ضعيف، ذكره ابنُ الجوزيّ في "الواهية" (٢). الحارثُ بن مسكين ابن محمد بن يوسف، أبو عمرو المصري (٣)، مولى محمد بن زبَّان (٤) بن عبد العزيز بن مروان. ولد سنة أربع وخمسين ومئة، وكان فقيهًا على مذهب مالك. حملَه المأمون إلى بغداد في أيَّام المحنة، وقال له: قل: القرآن مخلوق، فلم يقل، فحبسَه، فلم يزل محبوسًا ببغداد إلى أيَّام المتوكِّل، فأطلقه، فحدَّث ببغداد، ورجعَ إلى مصر، فكتبَ إليه المتوكِّل بقضاء مصر، فلم يزل قاضيًا بمصر من سنة سبع وثلاثين ومئتين إلى سنة خمس وأربعين، فصُرِف عنها، وكانت وفاتُه بها في هذه السنة. رأى الليثَ بن سعد، وسأله، وسمع سفيان بن عيينة وأقرانه، وكان يجالسُ بُرْد صاحب مالك، وقعد بعَد موت بُرْد (٥) في حلقته.

стр. 7094

وكان الإمام أحمد ﵀ وابنُ مَعين والنسائي يثنونَ عليه، ويقولون: ثقةٌ مأمون (١). عَبَّاد بن يعقوب الرواجِنِيُّ الكوفي سمع الكثير، وذهبَ بصرُه في آخر عمره، وكان يتشيع. قال قاسم بن زكريا المطرز: قدمتُ الكوفةَ، فكتبت عن شيوخها [كلهم غير عَبَّاد بن يعقوب، فلمَّا فرغت ممَّن سواه، دخلت عليه وكان يمتحنُ من سَمِع منه] (٢)، فقال لي: من حفر البحر؟ قلت: الله خلق البحر، فقال: هو كذلك، ولكن من حفره؟ فقلت: يذكر الشيخ، فقال: حفره علي بن أبي طالب، ثم قال: من أجراه؟ فقلت: الله، فقال: هو كذلك، ثم قال: أجراه الحسين بن علي (٣). قال: ورأيتُ في داره سيفًا وحَجَفةً فقلت: ما تصنع بهذا؟ قال: أقاتلُ به بين يدي المهدي. فلما أردتُ الخروج من عنده بعد ما سمعت منه وكتبت عنه، أتيتُ لوداعه، فقال: من حفر البحر؟ قلت: معاوية بن أبي سفيان، قال: ومن أجراه؟ قلت: عمرو بن العاص (٤)، فقام إليَّ وانهزمتُ بين يديه وهو يقول: اقتُلوا عدوَّ الله الفاسق (٥). سمع الوليد بن أبي ثور وغيره، وأخرجَ عنه البخاري في "صحيحه"، ولعلَّ البخاري لم يعلم أنه كان متشيِّعًا (٦).

стр. 7095

عبد الوهاب بن عبد الحكم (١) أبو الحسن الورَّاق، صاحب الإمام أحمد. قال ابنه الحسن (٢): ما رأيت أبي ضاحكًا قط، وما رأيته مازحَ أحدًا قط، ولقد رآني مرة وأنا أضحكُ مع أمي، فقال لي: صاحب قرآن يضحكُ هذا الضحك؟! وكان عابدًا مجتهدًا، وكان الإمامُ أحمد يقول: إنِّي لأدعو له، ومن (٣) يقدرُ على ما يقدرُ عليه عبد الوهاب؟! هو رجل صالح موفَّقٌ لإصابةِ الحق. وقيل للإمام أحمد عند موته: من نسألُ بعدك؟ فقال: عبد الوهاب. أسند عن الإمام أحمد وغيره، وروى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد (٤) وغيره. قال عاصم الحربيّ: رأيتُ بشرًا الحافي فِي المنام، فقلت: يا أبا نصر، من أين أقبلت؟ قال: من عِلِّيين، قلت: ما فعلَ الله بأحمد بن حنبل؟ فقال: تركتُه الساعة هو وعبد الوهاب الورَّاق بين يدي الله يأكلان ويشربان ويتنعَّمان (٥). الفضل بن مروان أبو العباس البَرْدَانيّ، وزير المعتصم. قدم معه دمشق، وقدمَها مع المتوكِّل، وكان يُدِلُّ على المعتصم، قدم معه دمشق، وكان يمنعُه من إطلاق الأموال، وكان يطلقها للمغاني والملاهي، فلا يمضيها الفضل، فقال الهَفْتيُّ الضحَّاك (٦) للمعتصم: أتحسبُ أنك الخليف؟ قال: نعم، قال: لا والله، ما لك من الخلافة إلَّا الاسم، وإنَّما الخليفة الفضلُ بن مروان، فنفاه إلى

стр. 7096

السنّ (١)، وولَّى محمد بن عبد الملك الزيَّات، ثم عاد الفضل إلى سرَّ من رأى، فأقام بها إلى أن مات ليلةَ الجمعة لعشرٍ بقين من شوال. وكان عاقلًا فصيحًا يقول: أمعنتُ النظرَ فِي علمين، فلم أرهما يصحَّان؛ النجوم والسحر (٢). قال المصنِّف ﵀: وأين هو عن الكيمياء؟! وهو الثالث. خرجَ الفضل يومًا، فرأى مكتوبًا على باب داره: [من الطويل] تفرعنتَ يا فضلُ بنَ مروان فاعتبر … فقبلكَ كان الفضلُ والفضلُ والفضلُ ثلاثةُ أملاكٍ مضَوا لسبيلهم … أبادهمُ التنكيلُ والحبسُ والقتلُ وإنَّك قد أصبحت للناس عبرةً (٣) … ستودي كما أودَى الثلاثةُ من قبلُ أراد الفضلَ بن الربيع، والفضل بن يحيى، والفضل بن سهل. وفيه يقول محمد بن عبد الله التيمي (٤): [من البسيط] لا تغبطنَّ أخا دنيا بمقدرةٍ … فيها وإن كان ذا عزٍّ وسلطانِ يكفيك من حادثاتِ الدهرِ ما فعلتْ … يدُ الحوادث بالفضلِ بن مروانِ إنَّ الليالي لم تُحسن إلى أحدٍ … إلَّا أساءت إليه بعد إحسانِ العيشُ حلوٌ ولكن لا قاءَ له … جميعُ ما الناسُ فيه زائلٌ فانِ وقال الفضل: مضيتُ مع المعتصم عليّ بن عاصم أسمعُ عليه، وكان المعتصمُ أميرًا فقال: حدثنا عمرو بن عُبيد، وكان قدريًّا، قال الفضل: فقلتُ له: فإذا كان قدريًّا فلِمَ ترو عنه؟ فالتفتَ إلى المعتصم، وقال: هذا كاتبك يَشْغَبُ علينا، فقال له المعتصم: يا أبا الحسن، أليس القدريَّة مجوس هذه الأمة (٥)؟ قال: بلى، قال: فلم

стр. 7097

تروِ عنه؟ قال: لأنَّه صدوقٌ ثقة. قال المعتصم (١): فلو كان المجوسيُّ ثقةً أتروي عنه؟! فقال له عليّ: يا أبا إسحاق، أنتَ شَغَّابٌ أيضًا (٢). نَصْر بن [علي بن] نصر ابن علي بن صُهْبان (٣)، أبو عمرو، الجَهْضَميّ، البصريّ. قدمَ بغداد، فروى أنَّ النبيَّ ﷺ أخذَ بيد الحسن والحسين وقال: "من أحبَّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمَّهما كان معي فِي درجتي يوم القيامة" (٤). فأمرَ المتوكِّل أنْ يضربَ ألفَ سوط؛ ظنًّا منه أنَّه كان رافضيًّا، وكلَّمه فيه جعفر بن عبد الواحد القاضي، وقال: هذا الرجلُ من أهل الصلاح والسنَّة، يردِّدها، فتركه. وقال نصر: كان لي جارٌ طفيليّ، فكنتُ إذا دُعيت إلى مَدعاةٍ ركب لركوبي، فإذا جلسنا أُكرِم من أجلي، فاتَّخذ جعفر بن سليمان أميرُ البصرة دعوةً، ودعاني، فقلت فِي نفسي: والله لئن جاء هذا الطفيليُّ لأخزينَّه اليومَ، فجاء بين يديَّ، ودخلنَا، فأكرم من أجلي، فلمَّا أن حضرت المائدة، قلت: حدثنا دُرُسْت بن زياد، عن أبان بن طارق،

стр. 7098

عن نافع، عن ابن عمر أنَّ النبي ﷺ قال: "من مشى إلى طعامٍ لم يُدْعَ إليه، دخلَ سارقًا وخرج مغيرًا" (١). فقال الطفيليّ: مِثْلُكَ يا أبا عمرو يتكلَّم بهذا الكلام على مائدة الأمير (٢)! وليس هاهنا إلَّا من يظنُّ أنَّك رميتَه بهذا الكلام، ثم لا تستحي وتروي عن دُرُست، ودُرُسْت كذَّاب لا يحتجُّ بحديثه عن أبان بن طارق، وأبان كان صبيانُ المدينةِ يلعبونَ به، ولكن [أين] أنت ممَّا حدثنا به أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الأربعة" الحديث (٣). قال نصر: فكأنِّي أُلقِمتُ حجرًا، فلمَّا خرجنا من الدار أنشدَ الطفيليّ: [من المتقارب] ومن ظن ممَّن يلاقي الحروب … بأنْ لا يُصَاب فقد ظنَّ عجزا (٤) قال نصر: دخلتُ على المتوكِّل وإذا هو يمدحُ الرفق فأكثر، فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي: [من السريع] لم أرَ مثل الرفقِ فِي لينهِ … أخرجَ للعذراءِ من خِدْرِهَا مَن يستعن بالرفق فِي أمرِه … يستخرجُ الحيَّةَ من جُحْرها فقال: يا غلام، الدواةَ والقرطاس، فكتبها بيده (٥). وقال أبو بكر بن أبي داود: كان المستعينُ قد بعثَ إلى البصرة ليشخص نصر بن علي إلى القضاء، فدعاه أميرُ البصرة، فأخبره بذلك، فقال: أرجعُ وأستخيرُ الله، فرجعَ إلى بيته نصف النهار، فصلَّى ركعتين وقال: اللهمَّ إنْ كان لي عندك خيرٌ فاقبضني إليك،

стр. 7099

فنامَ، فأنبهوه فإذا هو ميت (١). وذلك فِي أحد الربيعين. سمع سفيانَ بن عيينة وغيره، وروى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد، وروى عنه مسلم فِي "صحيحه" فِي آخرين، واتَّفقوا على ثقته وزهده وعدالته ودينه، رحمة الله عليه (٢). يحيى بن عمر ابن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، وكنيتُه أبو الحسن، وأمُّه أمُّ الحسين فاطمةُ بنتُ الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، الخارج بالكوفة فِي هذه السنة. وسببُ خروجه أنَّه نالته ضائقةٌ شديدةٌ، ولزمه دين ضاقَ به ذَرْعًا، فلقي عمر بن فرج الرُّخَّجي، وهو متولي أمر الطالبيين فِي أيام المتوكِّل، فكلَّمه فِي رزقه وصلته، فأغلظ له الرُّخَّجي، فقذفه يحيى، فحبسَه، ثم كفلَهُ أهلُه، فأطلقَه، فخرج إلى بغداد، [فأقام] (٣) بها فِي حال سيئة، ثمَّ قدم سامرَّاء، فلقيَ وصيفًا، فطلبَ منه رزقَه، فأغلظَ له وجبهَه بالرد، فخرجَ إلى الكوفة، وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشميّ عاملًا عليها من قبل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمعَ يحيى جمعًا كثيرًا من الأعراب، وانضمَّ إليه جماعةٌ من أهل الكوفة، ونزل الفلوجة، وكتب صاحب البريد إلى محمد بن طاهر بخبره، فكتب ابنُ طاهر إلى أيوب بن [الحسن و] عبد الله بن محمود السرخسيّ -[و] كان عامل ابن طاهر على معاون السواد - يأمرهما بمحاربته، وكان على خراج الكوفة زيد بن الأصبغ، فِي سبعة آلاف فارس (٤)، فدخل الكوفة، وأخذَ ما فِي بيت المال، وفتح السجون، وأطلق من فيها، فلقيه عبدُ الله بن محمود فِي الشاكرية، فحمل عليه يحيى فضربه ضربةً، أثخنه، فانهزمَ ابن محمود وأصحابه، وغنم يحيى ما كان معه من المال والدواب.

стр. 7100

ثم خرج يحيى من الكوفة ومعه جماعةٌ من الزيدية، وجاءه الأعراب وأهل الطُّفوف، وأقام بمكان يقال له: البستان، واستفحل أمرُه، فبعث إليه محمدُ [بن عبد الله] (١) بن طاهر الحسينَ بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب فِي جماعةٍ من القوَّاد والخراسانيين، فجاؤوا، فنزلوا بمقابلة يحيى، ثمَّ سار يحيى نحو السِّيب، ثم عاد إلى الكوفة، وعسكرُ ابن طاهر يتبعه، فلمَّا دخل الكوفة اجتمعتْ إليه الزيديَّة، ودعا إلى الرضا من آل محمد ﷺ ، فأحبَّه الناسُ وبايعوه. ونزل الحسين بن إسماعيل بمكان يقال له: شاهي، قريبًا من الكوفة، وجاءتهم الأمداد والميرة والأموال، ويحيى بالكوفة يشحذُ الأسلحة ويهيِّئُ آلة الحرب، فقال له جماعةٌ من الزيديَّة ممن لا علم لهم بالحرب: اخرج إلى الحسين قبلَ أن يقوى عليك، ووافقهم عوامّ أصحابه على ذلك، فزحفَ إليهم من ظهر الكوفة من وراء الخندق ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب، ومعه فرسان بني عِجْل، يقدمهم الهَيضَم العِجليّ، وفرسان بني أسد ورجاله من أهل الكوفة، فأدلجوا ليلتهم، وصبَّحُوا الحسينَ، وأصحابُه مستعدُّون مستريحون، وقد كلَّ أصحابُ يحيى من السهر، ومعظمُهم عراة، فحملَ عليهم أصحابُ الحسين فانهزموا، وكان تحت يحيى برذون فتقَطّر (٢) به، واجتمع جماعةٌ فقتلُوه وذبحوه، وبعثُوا برأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادَّعى قتلَه جماعةٌ. وورد الرأسُ على ابن طاهر، وقد تغيَّر (٣)، فأمر بتقويره، فقُوِّرَ، وأخرج دماغه وعيناه، وحُشي بالصَّبِر والكافور، وبُعِثَ به إلى المستعين، فنصبَه بباب العامَّة بسامراء ساعة، ثم أمر بردِّه إلى بغداد، فنصب على [باب] الجسر (٤). وقيل: لم يقدروا على نصبه لكثرة ما اجتمعَ من الناس، فدفن فِي قصر باب الذهب. واجتمع بنو هاشم وفيهم جماعةٌ من الطالبيين إلى ابن طاهر ليهنونه بالفتح، وعنده

стр. 7101

داود بن الهيثم (١) الجعفري من ولد جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيُّها الأمير، إنَّك لتهنَّأ بقتل رجلٍ لو كان رسول الله ﷺ حيًّا لعُزِّيَ به، فما ردَّ عليه محمدٌ شيئًا، فخرج الجعفري وهو يقول: يا بني طاهرٍ كلُوه وبيًّا (٢) … إنَّ لحمَ النبيِّ غيرُ مَريِّ إنّ وتْرًا يكونُ طالبُه الله … لوتْرٌ نجاحهُ بالحريِّ وقال المعلَّى بن أيوب: إنَّ آلَ طاهر تولَّغوا برسول الله ﷺ ، والله لا بقيتْ منهم بقيَّة، ولا دامت لهم نعمة، فلم تمض إلَّا مدَّةٌ يسيرةٌ حتَّى خرجت خراسان من أيديهم، ومات محمدُ بن طاهر وزالت أيامه. * * *

стр. 7102

السنة الحادية والخمسون بعد المئتين فيها اضطربت أمورُ المستعين، وسببُه قتلُ باغر التركيّ قاتل المتوكل، واضطرابُ أمر الأتراك، وكان باغر قد أُقطِعَ بسواد الكوفة ضياعًا، وكان له كاتبٌ يهوديٌّ، فجارَ على أهل تلك الناحية، فنهاه رجلٌ يقال له أحمد بن مَارِمَّة، فحبسَه اليهوديّ (١)، فهرب من الحبس إلى سامرّاء، فلقي دُلَيل بن يعقوب النصرانيّ كاتب بُغَا الشرابي وصاحب أمورِ العساكر، فاستجارَ به ابن مَارِمَّة، فأجاره، وكان باغر أحدَ قواد بغا، فمنع دليل باغر من ظلمه، فأوغر صدره، وكان بغا والموالي يتوقَّونَ شرَّ باغر، فجاء باغر وهو سكران إلى بغا وهو فِي الحمام، فأغلظَ له وقال: والله ما من قتل دُليل النصراني بُدّ، فخاف منه بغا فقال: لو أردتَ قتل ابني فارس لما منعتك، ولكن أمري وأمر الخلافة والعساكر إلى دليل، فاصبر حتَّى أبصر لمكانه إنسانًا يقوم بأمره، وافعل به ما شئت، وأرسل بغا إلى دُلَيل فأمرَه أن لا يظهر، فاستخفى، وبعث بغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز فاستكتَبه مكان دُلَيل، فرضي باغر بعزل دُلَيل، وما زال بغا حتَّى أصلح ما بين باغر ودُلَيل، وفي قلب باغر ما فيه، ثمَّ تلطَّف باغر، ولزم خدمة المستعين فِي الدار، وكره المستعين مقامه عنده، فقال لوصيف: أيُّ شيءٍ كان إلى إيتاخ من العمل؟ فقال: كذا وكذا، فقال: ولُّوه لباغر، وكانت تلك الأعمال إلى بغا، وبلغ دُليلًا، فأرسلَ إلى بغا يقول: أنتَ فِي دارك وهم فِي تدبير عزلك عن أعمالك، ما بقيَ بعده إلَّا أن يقتلوك، فجاء بغا إلى وصيف وقال: أردت أن تزيلَني عن مرتبتي، وتصيِّر باغر مكاني، وهل باغر إلَّا عبدٌ من عبيدي، فقال وصيف: ما عملتُ إلَّا ما أراد الخليفة من ذلك (٢)، فتعاهد بغا ووصيف على محنة باغر. وكان المستعين خائفًا منه، فأمر من أرجف باغر بالإمرة، وأن يُضَاف إليه جيشٌ

стр. 7103

كثير، ودافعه، فأحسَّ بالمكر به، فبايع الذين ساعدوه على قتل المتوكل وغيرهم على قتل المستعين وبغا ووصيف، وأنَّهم يولُّون عليَّ بن المعتصم أو ابن الواثق، وتصير الدنيا لهم. وبلغ المستعين من امرأة كانت لباغر فطلَّقها، فبعث المستعين إلى بغا ووصيف، فقال لهما: أنا ما سألتُكما أن تجعلاني خليفة، أنتما فعلتما ذلك، وتريدان أنتما والموالي تقتلوني، وأخبرهم الخبر، فحلفا بالله ما علمنا بشيء من ذلك. ثمَّ أرسلا إلى باغر وجماعة من الأتراك، فأحضروهم إلى دار بغا، وعدلوا بباغر فحبسوه فِي حمَّام، وبلغ الأتراك، فنهبوا دارَ المستعين، وحصرُوا الجوسق بالسلاح، فقال لرشيد بن سعاد (١): أقتل باغر، فدخل عليه فِي عدَّةٍ من أصحابه، فشدخوه بالطبرزينات، وقتلوه شرَّ قتلة، ونزل المستعينُ وبغا ووصيف وشاهك الخادم وأحمد بن صالح بن شيرزاد فِي حَرَّاقة (٢) إلى بغداد، وهاج الأتراك ووقعَ النهب بسامراء، ونهبت الدور، فقال أحمد بن الحارث اليمامي: [من المتقارب] لعمري لئن قَتلوا باغرًا … لقد هاجَ باغرُ حربًا طحونَا وفرَّ الخليفةُ والقائدانِ … بالليلِ يلتمسانِ السفينَا وصاحُوا بمَيسَانَ ملَّاحِهم … فجاءهُمُ يَسبِقُ الناظرينَا فألزَمهم بطن حرَّاقةٍ … فصرَّت مجاذيفهم سائرينَا وما كان قدرُ ابنِ مارمَّةٍ … ليكشف (٣) فيه الحروبَ الزَّبونَا ولكن دُليلٌ سعَى سَعْيَةً … فأخزى الإلهُ به العالمينا فليتَ السفينةَ لم تأتِنا … وغرَّقها اللهُ والراكبينا من أبيات. وهرب ابن مَارِمَّة ودُليل إلى بغداد، فمرض ابن مارمَّة، فعاده دُليل، فقال له: ما مرضك؟ فقال: القيد الَّذي قيدني به اليهوديُّ قد انتقضَ عليَّ مكانُه، فقال له دُليل: لئن

стр. 7104

عقركَ القيدُ، لقد نقضتَ الخلافةَ، وأثرت فتنة عظيمةً. ومات ابن مارمَّة فِي تلك الأيام. ولمَّا نزل المستعين بغداد تلقَّاه محمد بن [عبد الله بن] طاهر وقبَّل الأرض بين يديه، وقال: أنا العبد الأصغر، وأنزلَه فِي داره، وذلك يوم الأربعاء لأربع خلون من المحرم. ونزل وصيف وبغا وبعضُ الترك، فدخلوا على المستعين، وتذلَّلوا وخضعوا، وسألوه العفوَ عنهم، فقال لهم: أنتم أهلُ بغي وفساد، وبَطَرٍ وظلم، وأَشَرٍ واستقلالِ النعم، ألم ألحق أولادكم بكم فِي العلاء (١)؟ وهم نحو ألفي غلام، وألحقت بناتكم بالمتزوِّجات؟ وهنَّ نحو من أربعة آلاف امرأة، وفعلتُ معكم وفعلت، وأنتم تزدادون بغيًا وفسادًا وتهدُّدًا. فبكوا وتضرَّعوا وقالوا: أخطأنا ونسأل العفوَ عنا، فقال: قد صفحتُ عن زلَّتكُم، وعفوتُ عنكم، فقالوا: إن كنت قد عفوتَ عنَّا فاركب معنا إلى سامراء، فإنَّ الأتراكَ ينتظرونَك، فقال لهم محمد بن [عبد الله بن] طاهر: هكذا تقولون لأمير المؤمنين: قم فاركب معنا! فضحكَ المستعين وقال: هؤلاء قومٌ عجمٌ ليس لهم معرفةٌ بحدود الكلام، وقال لهم المستعين: ارجعوا إلى سامراء حتَّى أنظرَ فِي أمري وأعود، فانصرفوا يائسين منه، وأجمعوا على إخراج المعتزّ من الحبس، وأن يبايعوه، وكان المعتزُّ والمؤيَّد فِي الجَوْسَق فِي حجرةٍ صغيرة محبوسَين (٢). ذكر بيعة المعتز البيعة الأولى ولمَّا عادُوا من بغداد أخرجوا المعتز، وبايعوه بعد انحدار المستعين إلى بغداد بثمانية أيام، وكان المستعين لمَّا خرج من سامراء خلَّفَ فِي بيت المال خمس مئة ألف دينار، وفي بيت مال أمه ألف ألف دينار، فأخذَها المعتزُّ وفرَّقها فِي الأتراك، ثمَّ بايعوا المعتزَّ، ومن بعده لأخيه إبراهيم المؤيَّد، وأكَّدُوا العهودَ على الناس وعلى المعتزِّ لأخيه المؤيَّد، وكان فيمن حضَر البيعةَ أبو أحمد بن الرشيد محمولًا فِي مِحَفَّة (٣)؛ لأنَّه كان به نِقْرِس، فامتنعَ وقال للمعتز: خرجت إلينا خروجَ طائع فخلعتَها، وزعمتَ أنك لا تقومُ بها، ثُمَّ تقول اليوم: بايعوني، فقال المعتز: أكرهتُ وخفتُ السيف، فقال

стр. 7105

أبو أحمد: ما علمنا أنك أُكرهت، وقد بايعنا هذا الرجل، فتريدُ أن نطلِّقَ نساءَنا، ونخرجَ من أموالنا، ولا ندري ما يكون! فتراني على أمري حتَّى تجتمع الناس، وإلَّا فهذا السيف، فقال المعتز: دعوه على حاله، ورُدُّوه إلى منزله، فردُّوه من غير بيعة (١). وكانت هذه البيعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم (٢)، واستوزرَ المعتزُّ جعفر بن محمد بن محمود (٣) الإسكافي، وجعل سعيدَ بن صالح على الشرطة، وجعفرَ بن دينار على الحرس. وأقامَ المستعين ببغداد لا أمرَ له، والأمرُ لبغا ووصيف فقال شاعر: [من مجزوء الكامل] خليفةٌ فِي قفص … بين وَصِيف وبُغَا يقول ما قالا له … كما تقول الببغَا (٤) ولمَّا اتصلَ بمحمد بن عبد الله بن طاهر [خبر] البيعة للمعتز قطعَ الميرةَ عن سامرَّاء، وكتبَ إلى مالك بن طوق وهو بالرحبة بالقدوم بأهله ومن معه إلى بغداد، وكتب إلى سليمان بن عمران المَوْصلي يمنع الميرةَ من الموصل إلى سرَّ من رأى، وأمر المستعين محمد بن طاهر بتحصين بغداد، فأدير عليها السور من الشماسية إلى سوق الثلاثاء، وحفر عليها الخنادق، وسلَّم كل بابٍ إلى قائد، فبلغت النفقة على ذلك ثلاثَ مئة ألف دينار وثلاثينَ ألف دينار، ونصبَ عليها المجانيق والعرَّادات، واستعدَّ للحصار. ثمَّ جرت المكاتباتُ والمراسلات بين المعتزّ وابن طاهر يدعوه إلى الدخول فيما دخلَ فيه الجماعة، ويذكر له خلعَ المستعين، وما أخذَ عليه المتوكل من العهود بأنَّ المعتزَّ هو الخليفة من بعد المنتصر، فما أجابه ابن طاهر، وكتبَ ابن طاهر إلى الأتراك

стр. 7106

بسامراء يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ والوفاء للمستعين بما بايعوه عليه، فلما رأى ذلك أمر بكسرِ القناطر والجسور وبثق المياه حول البلد فِي طريقهم. وكتب كلُّ واحدٍ من المستعينِ والمعتز كتابًا إلى موسى بن بغا -وكان مقيمًا بأطراف الشام قد انفصلَ عن حمص ومحاربة أهلها (١) - يأمره بأن يصير إليه، ويَعِدُهُ الولايات والإقطاعات، فمال إلى المعتز، وقدمَ عليه بسرَّ من رأى، ثمَّ قدم عبد الله بن بغا الصغير على أبيه ببغداد، واعتذر إليه من تأخُّره عنه، واحتجَّ بحجَّةٍ، فقبلَ ذلك منه أبوه، وأقام أيَّامًا، ثم عاد إلى سرَّ من رأى مخالفًا لأبيه، وقال للمعتز: إنما صرتُ إلى بغداد لأعرفَ أخبارهم، فصدَّقَه المعتزّ، وأحسن إليه. وقدم الحسنُ بن الأفشين بغداد على المستعين، فسر إليه (٢)، وضمَّ إليه من الأشروسنة وغيرهم، وقدمَ أيضًا أسد بن داود سياه، وجماعةٌ من القوَّاد على المستعين، وجهز المستعين العساكر إلى بغداد. ذكر تجهيز المعتز العساكر إلى قتال المستعين لما كان يوم السبت لسبعٍ بقين من المحرَّم عقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكل على حرب [ابن] (٣) طاهر والمستعين، وجهَّزه فِي جيشٍ كثيف، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فعسكرَ بالقاطول فِي خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة، وألفين من المغاربة، ومقدَّمهم محمدُ بن راشد المغربيّ، فنزلوا عُكْبَرَا ليلة الجمعة لليلةٍ بقيت من المحرَّم، وصلى بها أبو أحمد الجمعة، ودعا للمعتزِّ بالخلافة، وكتب إليه بالفتح، وهربَ الناس منهم ما بين بغداد وعُكْبَرَا وسائر القرى من الجانب الغربيّ؛ خوفًا على أنفسهم، وتركوا الضياع والغلَّات والأمتعة، فنهبت، وهدمتِ المنازل، وقطعت الطرق. وهرب جماعةٌ من أصحاب بغا الشرابيّ إليهم، فأكرمَهم أبو أحمد، وجاء أبو أحمد بعسكرِه فنزل بباب الشمَّاسيَّة، وذلك فِي ليلة [الأحد] (٤) لسبعٍ خلونَ من صفر.

стр. 7107

ولثلاث عشرة خلت منه جاء لابن طاهر جاسوس، فأخبره أنَّ أبا أحمد يريدُ أن يحرق ظلال الأسواق من جانبي بغداد، فأمر بها فكُشِطَتْ. وقيل: إنهم جَدُّوا فِي القتال من باب الشمَّاسيَّة إلى سوق الثلاثاء، ومن قنطرة الحربية إلى الصراة، ثم تأخروا إلى القُفص. والأصحُّ أنهم أقاموا من غير قتالٍ إلَّا مناوشات، ثم جدُّوا فِي القتال من منتصف صفر، فقُتِل من الفريقين فِي ذلك اليوم أربع مئة، من كلِّ فريق مئتان، وكثُرت الجراحات فيهم، وكانت الغوغاء تقاتلُ أعظمَ من الجند بالمجانيق والمقاليع، والمعتزُّ يردفُهم بالعساكر والأموال. ولمَّا كان فِي اليوم السادس عشر من صفر -وقيل: يوم الأربعاء لليلةٍ بقيت منه- وجَّه محمدُ بن طاهر عسكرًا إلى باب القطيعة، وجعل كمينًا، وجاءَ أصحاب أبي أحمد وقُتِل منهم ألفان، وأخذ ما كان معهم من متاعٍ وأموالٍ ودوابّ وأسرى، وجُعلت رؤوسهم فِي الزواريق، وأُخِذت أعلامُهم وطبولهم، وغرقَ منهم ألفان (١)، وانهزمَ الباقون إلى سامرَّاء، وخلعَ ابن طاهر على المُقَدَّمين، وسوَّرهم، وطوَّقهم أطواق الذهب. وفرحَ المستعين وأمر أن يكتب كتاب بالنصر وعدَّةِ القتلى، ويقرأ فِي نواحي بغداد، ودعا فيه لمحمد بن طاهر. وهدم ابنُ طاهر ما كان بباب الشماسيَّة وراءَ السور من الدور والحوانيت، وقطع البساتين؛ ليتَّسع للخيل مجال (٢). ولمَّا جرى على عسكر المعتزِّ ما جرى نهب العوامُّ أسواقَ سامرَّاء وحوانيتَها (٣). وفي يوم الاثنين لستٍّ بقين من صفر قدم بغداد إسماعيلُ بن فراشة من ناحية همذان فِي ثلاث مئة فارس، وقدم معه رسولُ المعتزّ يأمرُه بالبيعة، فقيَّد ابنُ فراشة الرسول، وصحبَه إلى بغداد، وحملَه على بغلٍ بإكاف (٤)، فخلع ابنُ طاهر على ابن فراشة عدَّة خلع.

стр. 7108

ولليلةٍ بقيت من صفر جاء الأتراكُ والمغاربة إلى أبواب بغداد من الجانب الشرقيّ، فأغلقتْ فِي وجوههم، ورُموا بالسهامِ والمجانيق وقتل من الفريقين جماعةٌ ورَجعوا. وفي ربيع الأوَّل جاء عسكرٌ من سامرَّاء، فخرجَ إليهم محمدُ بن طاهر فِي قوَّاده واقتتلوا، وما زالوا كذلك إلى نصف رجب، وضاق ببني هاشم الحال (١)، وانقطعت أرزاقُهم، فجاؤوا إلى دار ابن طاهر، فشتموه، وصاحوا بالمستعين: إن لم تدفع إلينا أرزاقَنا، وإلَّا فتحنَا الأبوابَ لأصحاب المعتزّ، فأرسلَ إليهم من لطف بهم، ووعدهم الخيرَ، فسكتوا. وفي يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان نقبَ الأتراكُ سور باب الأنبار، وأحرقوا الباب، وما كان عليه من المجانيق والعُدد، فركب ابنُ طاهر وبُغَا ووصيف، والتقوا، فهزموا الأتراكَ، وسدُّوا باب الأنبار بالجصِّ والآجر (٢). وفيها كتب المعتز إلى أبي أحمد يلومه على تأخُّره عن القتال، ويأمره بالجدِّ، فكتب إليه أبو أحمد: [من المتقارب] ليوم المنايا علينا طريقُ … وللدَّهر فيه اتِّساعٌ وضيقُ وأيَّامنا عِبَرٌ للأنام … فمنها البكورُ ومنها الطُّروقُ ومنها هَنَاتٌ تشيبُ الوليدَ … ويَخذلُ فيها الصدوقَ [الصديقُ] (٣) وبلدةُ حصنٍ لها (٤) ذِرْوةٌ … تفوتُ العيونَ وبحرٌ عميقُ قتالٌ مبيدٌ وسيفٌ عتيدٌ … وخوفٌ شديدٌ وحِصْنٌ وثيقُ وطولُ صياحٍ لداعي الصباح الـ … ـسلاحَ السلاحَ فما يستفيقُ فهذا قتيلٌ وهذا جريحٌ … وهذا حريقٌ وهذا غريقُ وهذا [قتيلٌ] (٥) وهذا تليل … وآخر يشدخُه المنجنيقُ

стр. 7109

هُناكَ اغتصابٌ وثَمَّ انتهابٌ … ودُوْرٌ خرابٌ وكانت تَرُوقُ إذا ما سمونا إلى مسلكٍ … وجدناه قد سُدَّ عنا الطريقُ فبالله نبلغُ ما نرتجيهِ … وبالله ندفعُ ما لا نطيقُ وقيل: إنَّ هذه الأبيات لعليِّ بن أميَّة فِي فتنة المأمون (١). وفي ذي القعدة كانت بينهم وقعةٌ عظيمة وكان أبو أحمد قد نزل بباب الشماسيَّة وأخرب ما حوله، وجدَّ فِي القتال، فسألَهم ابنُ طاهر الموادعةَ لينظر فِي الأمر، فأجابه أبو أحمد، وبطل القتال، وأبواب بغداد مغلقةٌ، ولم يزل أمرُ بغدادَ يضعفُ، وأمرُ الأتراك يشتدُّ؛ لأنَّ الميرةَ كانت تأتيهم من كلِّ مكان، فصاح أهلُ بغداد: إمَّا القتال، وإمَّا فتح الأبواب، فلم يجابوا، فصاحوا: الجوع الجوع، وكاتب المعتزُّ محمد بن طاهر يرغِّبه ويرهِّبه، وبعثَ إليه أبو أحمد بهدايا كثيرة، وعلمت العامة فجاؤوا إلى باب ابن طاهر فقاتلوه، وقُتل بينهم قتلى، وأرادوا نهبَ داره، وكان المستعين نازلًا بها، فأرسل إليه ابنُ طاهر يسألُه أن يُكلِّم العوامّ، فاطَّلع إليهم وقال: كفُّوا، ثم أصبحوا إلى دار ابن طاهر فقاتلوه وقالوا: قد واطأت الأتراكَ والمعتزَّ على خليفتنا وراسلتَهم وراسلوك، وتريدُ أن تحكِّمَ الأتراكَ فِي حريمنا وأموالنا، ونحن لا نأمنُك على خليفتنا، انقله من دارك، فقال له المستعين: لا آمنُ عليك الغوغاء، انقلني من دارك، قال: بسم الله، فركب المستعين من داره وخرج ومحمدٌ بين يديه بالحربة؛ لأنَّه كان صاحب الشرطة، والقوَّادُ يمشون خلفه، إلى دار رزق الخادم بالرُّصَافة -وقيل: إلى دار عمَّته أم حبيب بنت هارون الرشيد- ولمَّا مر بدار علي بن المعتصم خرج وسألَه النزول عليه، فأبى. وعزم ابنُ طاهر على النقلة من داره إلى المدائن خوفًا من العامَّة، فاجتمع إليه الغوغاء (٢)، وقالوا: هؤلاء الغوغاء سفهاء، وقد جاعوا، وطال عليهم الحصار، فاصفح عنهم ولا تؤاخذهم، فأجابَهم، وخرج ابن طاهر إلى العامة، حَلفَ لهم أنَّه ما أضمرَ للمستعين غلًّا ولا شرًّا، ولا قصدَ إلَّا الإصلاح، وبَكى فأبكى الناس، فرضوا عنه.

стр. 7110

ذكر انحراف ابن طاهر على المستعين لم يزل ابن طاهر مجدًّا فِي نصرته حتَّى أيقظَه عبيدُ الله بن [يحيى بن] (١) خاقان، فقال له: هذا الَّذي تنصرُه وتبذلُ روحَك بين يديه، ومالكَ فِي نصرته، أشدُّ الناس نفاقًا، وأخبثهم دينًا، أَمَرَ بُغَا ووصيفًا بقتلِك، فاستعظما ذلك، فسلْ تُخبر، وحسبك دليلًا على نفاقه أنَّه كان بسرَّ من رأى لا يجهرُ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فلمَّا صار إلى بغداد جهرَ بها مداجاةً لك، وتقرُّبًا إليك، فقال محمد: أخزَى الله هذا، فما يصلحُ لدنيا ولا دين. ولمَّا كان منتصف ذي الحِجَّة خرجَ ابنُ طاهر إلى باب الشمَّاسيَّة فوقفَ هنالك، وجاءَ أبو أحمد بن المتوكِّل وقد ضرب لهما مضرب، فنزلا وتحادثَا طويلًا، واتَّفقا على خلع المستعين، وضمنَ أبو أحمد لابن طاهر فِي كلِّ سنةٍ خمسين ألف دينار، وغَلَّةً بثلاثين ألف دينار، وأن يُقيم على حاله ببغداد، وله ثلث مغلها، وللموالي والأتراك الثلثان، ويولي بُغَا مكة والمدينة والحجاز، ووصيفًا الجبال (٢). ورجع ابنُ طاهر إلى المستعين، فكاشفه بالخلع، فقال: يا محمد، إنَّما نزلتُ دارك لتجيرني وتنصرني على عدوِّي، فإن لم تفعل ذلك فكفَّ عني، وهذا عنقي والسيف دون الخلع، ما أفسد حالي غيرك. فقال ابن طاهر: أمَّا أنا فأقعد فِي بيتي، وأمَّا أنتَ فلا بدَّ لك من الخلع كارهًا أو مطيعًا، وكان ابن الخَلَنْجِيّ حاضرًا، فقال لابن طاهر وأغلظ له: أتريد أن تخلع قميصًا من قمص الله به أمير المؤمنين، لا ولا كرامة (٣). ذكر خلع المستعين لما خذله ابنُ طاهر وبغا ووصيف، وضعف أمره، أجابَ إلى الخلع، ولمَّا ناظروه قال له وصيف: أنتَ أمرتنا بقتل باغر، فصرنَا إلى ما نحن فيه، وأنتَ عرَّضتنَا لقتل أوتامش، وقلت: إنَّ محمد بن عبد الله بن طاهر ليس بناصح، وقال له محمد: أنت
следующие страницы →