← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فعلم أنَّ الله ابتلاه بذلك، قاله مقاتل (١). والوجه الأول أظهر، قاله السُّدي. قال داود للخصم الآخر: ما تقول أنت؟ قال: نعم أريد أن آخذها منه فأُكمِلَ بها نعاجي، قال. وهو كاره؟ قال: نعم، قال: إذن لا ندعك، وإن رُمتَ هذا ضربنا منك هذا وهذه، وأشار إلى أنفه وجبهته. فقال: أنت يا داود أحقُّ أن يُضربَ منك هذا وهذه، حيث لك تسع وتسعون امرأة وليس لأوريا إلا واحدة، فلم تزل تُعَرِّضُهُ للقتل حتى قُتل، فتزوجتَ امرأته. وعرجا فنظر داود فلم ير أحدًا فعرف ما وقع فيه (٢). ذكر ما جرى بعد صعود الملكين قال ابن عباس في قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أي: ابتليناه بما جرى في حق المرأة ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾. قال مقاتل: أي ساجدًا، عبَّر بالركوع عن السجود لأنهما بمعنى الانحناء. وقال وهب: غشي عليه فأقام ثلاثًا في غشيته ثم أفاق. وذكر جدي ﵀ في "التبصرة" أَنه بقي في سجوده أَربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا في وقت صلاة مكتوبة أو حاجة لابدَّ منها، ولا يأكل ولا يشرب، فأكلت الأرض من جبهته، ونبت العشب من دموعه، وهو يقول في سجوده: ربِّ زلَّ داود زلةً أبعد مما بين المشرق والمغرب (٣). وقال وهب: اتخذ سبع حشايا من شعر وحشاهن رمادًا، ثم بكى حتى بلَّها من دموعه، ولم يشرب شرابًا إلا ممزوجًا بدموع عينيه، وما رفع رأسه إلى السماء بعد الخطيئة ثلاثين سنة إلى أن مات حياءً من ربه. ذكر الشيخ الموفق ﵀ في "التوابين" عن قتادة عن الحسن القصة، قال فيها: إنه لما ضحك الملكُ قال له داود: تظلم وتضحك؟ ما أحوجك إلى قَدُوم يرضُّ منك هذه وهذا- يعني جبهته وفاه- فقال الملك: أنت أحوج إلى ذلك، وتحوَّلا في صورتهما وعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه. وعلم داود فسجد أربعين

стр. 737

يومًا (١). وذكر بمعنى ما ذكرنا. قال: وكان يقول في سجوده: سبحان خالق النور الحائل بين القلوب. إلهي، خلَّيتَ بيني وبين عدوِّي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي. سبحان خالق النور الحائل بين القلوب. إلهي، لم أتعظ بما وَعظتُ به غيري. إلهي، أمرتني أن أكون لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الرحيم فنسيت عهدك. سبحان خالق النور. بأيِّ عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ينظر الظالمون من طرفٍ خفيٍّ. سبحان خالق النور. إلهي، الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصابه. سبحان خالق النور. إلهي، الويل لداود إذا كُشفَ عنه الغطاء فيقال: هذا داود الخاطئ. سبحان خالق النور. إلهي، أنت المغيث وأنا المستغيث، فمن يدعو المستغيثُ إلا المغيثَ. سبحان خالق النور. إلهي، فررت بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تُخزِني يوم الدين (٢). وفي غير رواية الشيخ الموفق عن وهب: إلهي، فررتُ بذنوبي واعترفتُ بخطيئتي، وزلَّ داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، فإن لم تغفر له صار حديثًا بين الخلق. سبحان خالق النور.

стр. 738

إلهي، تبكي الثكلى على ولدها إذا فقدته، وأنا أبكي على خطيئتي. سبحان خالق النور. إلهي، الويل لداود مما جنى إذا كُشفَ عنه الغطاء. سبحان خالق النور. الويل لداود إذا نُصبت الموازين واقتصَّ للمظلومين من الظالمين. الويل له إذا سحب على وجهه مع الخاطئين. إلهي، يُغسل الثوب فيذهب درنه والخطيئة لازمة لداود. سبحان خالق النور … في مناجاة كثيرة. فإن قيل: فلم خصَّ النور بالذكر دون غيره؟ فالجواب: لأنه لما وقع في ظلمة الذنب وعدم نور الهداية توسَّلَ بالنور إلى النور يستضيء به في ظلمات ذنبه. ولما علم نبينا ﷺ أن فقدان نور الطاعة كان سببًا لوقوع داود في الزلة كان يكثر من ذكر النور فيقول: "اللهمَّ اجعَل في قَلبي نُورًا، وفي سَمعي نورًا، وفي بَصَري نُورًا" (١) الحديث. وكذا لما دخل عليه وفد عبد القيس، وفيهم غلام أمرد، قال له رسول الله ﷺ : "قم واقعد خلفي" فقيل له في ذلك، فقال: "وهل كانت فتنة داود إلا من النظر" (٢)؟. هذا وقد كان ﷺ ينظر من ورائه كما ينظر من بين يديه (٣)، لكن هذا قدر ما أوجبه الاحتياط عليه، والسعيد من وُعِظ بغيره. فإن قيل: فإذا كان نبينا ﷺ ينظر من خلفه كما ينظر من بين يديه فأي فائدة في قوله: "كن خلفي"؟ قلنا: نظره من بين يديه نظر طبع، وهو مشوب بما يشتهي الإنسان ويريده، ونظره من خلفه نظر معجز، وهو مقرون بالتأييد. قلت: وهذا الذي ذكرناه في أقاويل السلف في سبب امتحان الله داود. وقد أنكر من يقول بتنزيه الأنبياء هذا واحتجوا بما روى الحارث الأعور عن عليٍّ ﵇ أنه قال: من حدَّث بحديث داود معتقدًا صحَّته، جلدته حَدَّين لعظم ما ارتكب، وجليل ما

стр. 739

احتقب من الإثم، وَرمْي من قد رفع الله محلَّه وجعله رحمة للعالمين وحجة للمهتدين (١). قالوا: وإنما كان ذنب داود أنه تمنى أن تكون له امرأة أوريا حلالًا، وحدَّث نفسه بذلك، واتفق أنه غزا أوريا من غير قصد داود، فلما بلغه قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذ هلك، ثم تزوَّج امرأته، فعاتبه الله على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله (٢). وقال بعضهم: كان ذنب داود أنَّ أوريا كان خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فتزوجته، فاغتمَّ أوريا غمًّا شديدًا، فعاتبه الله على ذلك، حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها الأول وعنده تسع (٣) وتسعون امرأة (٤). وقد أشار جدي ﵀ في "تفسيره" وفي "المنتظم" إلى هذا وقال: ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء (٥). وأقرب ما في القصة أن أوريا خطب تلك المرأة ثم خطبها داود فتزوجها فعتب الله عليه حيث لم يدعها لخاطبها. قلت (٦): وفصل الخطاب في هذا الباب أن الذي فعله داود ﵇ لم يكن كبيرةً يعاقب عليها بل صغيرة. غاية ما في الباب أنه نظر إلى المرأة غير متعمد، وكذا أمره لأوريا بالقتال، والأنبياء غير معصومين من الصغائر، وإنما ذنوبهم وإن صغرت فهي عظيمة عند الله، ألا ترى أن آدم لم يسامح في لقمة حتى نوديَ إلى يوم القيامة ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. وأما رواية الحارث الأعور عن علي ﵇ فالحارث كذَّاب باتفاق المحدثين، ولو ثبت كان معناه أنه ارتكب كبيرة.

стр. 740

ذكر توبته ﵇ قال علماء السير: ولما أقام على تلك الحالة أربعين يومًا جاءه النداء: يا داود، أجائع فتُطعَم، أو عطشان فتُسقَى، أو مظلوم فتُنصَر، ولم يجبه في خطيئته بشيء، فصاح صيحةً هاج ما حوله ثم قال: يا رب، الذنب الذي أصيتُه. فنودي ارفع رأسك فقد غُفِرَ لك، فلم يرفعه حياء حتى جاء جبريل فرفعه (١). وروى قتادة عن الحسن والثعلبي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه قالوا: لما قال الله تعالى لداود: ارفع رأسك فقد غفرت لك قال: يا رب، وكيف وأنت لا تظلم أحدًا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فنادِهِ وأنا أُسْمِعُهُ نداءك فتحلَّلْ منه، فانطلق داود حتى أتى قبره وقد لبس المسوحَ فناداه يا أوريا، فقال: لبيك من هذا الذي قطع عليَّ لذتي وأيقظني من رقدتي؟ قال: أنا داود، قال: نبيُّ الله؟ قال: نعم. قال: وما الذي جاء بك؟ قال: أسألك أن تجعلني في حِلِّ مما كان مني إليك، قال: ما هو؟ قال: عرَّضتك للقتل؟ قال: عرَّضتني للخير، أنت في حلِّ من دمي. فأوحى الله إليه: يا داود، ألم تعلم أني حَكَمٌ عدل لا أقضي بالتغرير، هلا أخبرته بأنك تزوجت بزوجته؟ فرجع فناداه فقال: من أنت؟ فقال: داود، قال: أوليس قد جعلتك في حل من دمي؟ قال: بلى ولكن إنما بعثتك للغزاة لمكان امرأتك مني وإني قد تزوجتها، فسكت ولم يجبه، فناداه مرارًا ولم يجبه، فقام داود وحثا التراب على رأسه، ونادى بالويل والثبور، ثم بكى بكاء شديدًا، فناداه منادٍ من السماء: يا داود، قد رحمنا بكاءَك وتضرعك وقد غفرنا لك ذنبك. فقال: يا رب، وكيف لي بأوريا؟ فقال الله تعالى: أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه، فيقول: يا ربِّ، من أين في هذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول: هذا عوضٌ من أجل عبدي داود وأستوهبك منه فيهبك في. فقال: يا رب الآن علمتُ أنك قد غفرت في (٢). قال الحسن فذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] يعني الذنب ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾ بعد المغفرة ﴿عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ أي قربة ومنزلة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]

стр. 741

أي: مرجع. وقال الثعلبي بإسناده عن وهب بن منبه قال: إن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا ترقأ له دمعة ليلًا ولا نهارًا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، قسم الدهر أربعة أقسام- أو أربعة أيام- فيوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يَسِيحُ في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك. فإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي فيرفع صوته بالمزامير ويبكي فتبكي معه الجبال والحجارة والشجر والرمال والطير والوحش حتى تسيل من دموعهم الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الجبال والحجارة والدواب والسباع وحيتان البحر وطيور السماء، فإذا أمسى رجع. فإذا كان يوم نَوْحه على نفسه نادى مناديه: إن اليوم يوم نَوْح داود على نفسه، فليحضر من يساعده. قال: ويدخل الدار التي فيها المحاريب فتبسط له ثلاث فرش من حصير مسوح حشوها ليف، فيجلس عليها، ويجيء الرهبان أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وبأيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب، ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه، ويرفع الرهبان أصواتهم فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه ويقع داود مثل الفرخ يضطرب، فيجيء ابنه سليمان فيحمله، فيأخذ داود بيده أو بكفيه من دموعه فيمسح بها وجهه ويقول: يا رب، اغفر في ما ترى، فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله (١). وفي رواية الوالبي عن ابن عباس قال: كان داود إذا جلس للنياحة على نفسه ينوح فتموت طائفة من الرهبان، ثم ينوح فتموت طائفة من الوحوش، ثم ينوح فتموت طائفة من الطيور والدواب، ثم ينوح فتموت طائفة من الناس، فيقول له ابنه سليمان: يا أبت، قتلت الخلائقَ، فيقع مغشيًا عليه وينادي مناديه: ألا مَنْ كان له مع داود أخ أو قريب أو ولد فليأتِ بنعش يحمله عليه، فتأتي الناس بالنعوش، تأتي المرأة فتحمل

стр. 742

ولدها، والأخ فيحمل أخاه، ثم يحمَلُ داود فيلقى في بيت مظلم على الرماد، فإذا غربت الشمس جاءَ سليمان فيقول: يا أبت، أفطر الصائمون أما آن لك أن تفطر؟ فيؤتى بقرص من شعير وقدح من ماء فلا يشوبه حتى يُفيضَه من دموعِهِ. وقد ذكر جدي ﵀ في "التبصرة" بمعناه وأسنده عن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نَوْح داود، مكث قبل ذلك سبعًا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، فإذا كان قبل ذلك بيوم أُخرِجَ له منبرٌ إلى البرية، ونادى في الجبال والغياض والصوامع ونحوها فتأتي الهوام والوحوش والرهبان والعذارى، فيصعد المنبر ويقف سليمان على رأسه، ويأخذ في الثناء على ربه فتموت طائفة من الناس، ثم يأخذ في ذكر الموت فتموت طائفة، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فتموت طائفة من الناس، ثم يحمل على سريره إلى بيت عبادته ويقول: أين فلان وأين فلان؟ فيقول سليمان: ماتوا، فينادي: أغضبان أنت على داود إله داود؟ أم كيف قصرت به أن يموت خوفًا منك (١). وروى الثعلبي عن جعفو بن محمد قال: سمعت ثابتًا يقول: ما شرب داود شرابًا بعد المغفرة إلا ونصفه ممزوج بدمع عينيه. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عثمان بن أبي العاتكة قال: كان من دعاء داود: إلهي، إذا ذكرتُ خطيئتي ضاقت عليَّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك عادت إليَّ روحي. إلهي، أتيتُ أطباء عبادك ليداووا في خطيئتي فكلهم دلُّوني عليك (٢). وروى الثعلبي أيضًا عن الأوزاعي قال: بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: "خَدَّ الدَّمعُ في وَجهِ داودَ خديدَ الماءِ في الأرض". وروى الثعلبي أيضًا عن الحسن بن عبد الله القرشي قال: لما أصاب داود الخطيئةَ فرغ إلى العبادة، فأتى راهبًا في قُلَّةِ جبل، فناداه بصوت عال فلم يجبه، فلما أكثر عليه قال الراهب: من الذي يناديني؟ قال: أنا داود نبيُّ الله، قال: صاحب القصور الحصينة والخيل المسوَّمة والنساء والشهوات؟ لئن نلت الجنة بهذا لأنت أنت. قال داود: فمن

стр. 743

أنت؟ قال: راهب راغب مترقب، قال: فمن أنيسك ومن جليسك؟ قال: اصعد تره. قال: فصعد الجبل حتى صار في قلته، وإذا بميت مسجَّى بين يدي الراهب، فقال: من هذا؟ فقال: هذا ملك قصَّته مكتوبةٌ في لوح من نحاس عند رأسه، قال: فقرأ داود ﵇ الكتاب فإذا فيه: أنا فلان بن فلان ملك الأملاك عشت ألف عام، وبنيتُ ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وأحصنت ألف امرأة، وافتضضت ألف عذراء، فبينما أنا في ملكي أتاني ملك الموت فأخرجني مما أنا فيه، فالتراب فراشي، والديدان جيراني، فخرَّ داود مغشيًا عليه. وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كَانَ النَّاسُ يعُودُون داودَ ويظنُونَ أنَّه مريضٌ، وما به مَرضٌ إلا الحَياءُ والخَوفُ مِنَ اللهِ". قال: وقال وهب: لما تاب الله على داود كان يبدأ إذا دعا للخاطئين ويستغفر لهم قبل نفسه. وقال الثعلبي بإسناده عن قتادة عن الحسن قال: كان داود ﵇ بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين ويقول: تعالوا إلى داود الخاطئ، ولا يشرب شرابًا إلا مزجه بدموع عينيه. وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعته ولا يزال يبكي عليه حتى يبتلَّ بدموعه ويذرُّ عليه الملح والرماد ويقول: هذا طعام المذنبين الخاطئين، ثم يأكل (١). قال الحسن: وكان داود قبل الخطيئة يصوم يومًا ويفطر يومًا ويقوم نصف الليل فلما كان من خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله (٢). قال إسحاق بن بشر بإسناده عن وهب بن منبه: إن داود لما تاب الله عليه قال: يا رب، غفرت لي؟ قال: نعم، قال: فكيف في أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها لي وللخاطئين؟ قال: فوسم الله خطيئته في كفه اليمنى، فما رفع بها طعامًا ولا شرابًا إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبًا في الناس إلا بسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا خطيئته (٣).

стр. 744

وروى الثعلبي أيضًا عن عبد الرحمن الهذلي قال: ما رفع رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى مات. وقال الثعلبي: كان إذا قرأ الزبور بعد الخطيئة لا يقف له الماء ولا تصغي إليه البهائم والوحش والطير كما كانت قبلها، ونقصت نغمته فكان يقول: بحَّ صوتي. فقال: يا إلهي، ما هذا؟ فأوحى الله إليه يا داود، خطيئتك هي التي غيَّرت صوتك وحالك، قال: يا رب، أليس قد غفرتَها لي؟ قال: بلى، ولكن ارتفعت الحالة التي كانت بيني وبينك من الودِّ والقربة فلا تدركها أبدًا (١). وفي رواية: أما الذنب فقد غفرته، وأما الودُّ فلا يعود. وحدثنا جدي ﵀ بإسناده عن مجاهد قال: كانت خطيئته في كفِّه مكتوبة، فسجد حتى نبت من البقل ما وارى أذنيه أو رأسه، ثم نادى: يا ربِّ، قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في ذنبه شيء، فنودي: أجائع فتطعم، أم عار فتكسى، أم مظلوم فَيُنْتَصَرُ لك؟ فلما رأى أنه لم يرجع إليه في ذنبه شيء نحب نحبة فهاج ما ثَمَّ (٢). وفي رواية: فأحرق ما حوله بنفسه. وقال أهل السير: كان له جاريتان قد أعدهما، فكان إذا جاءه الخوف سقط واضطرب، فقعدتا على صدره ورجليه مخافة أن تتفرَّق أعضاؤه. فإن قيل: فما فائدة التوبة مع هذا البكاء والقلق والخوف، والتوبة تَجُبُّ ما قبلها؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن فائدتها غفران الذنب ومسامحة أوريا وتهذيب داود. والثاني: أن الندم توبة لهذه الأمَّة خصَّها الله به، ولهذا إن الذين عبدوا العجل ندموا فلم ينفعهم الندم حتى أمرهم الله بأن يقتل بعضهم بعضًا. والثالث: أن بكاءَه وتناجيه المرَّ وقلقه بعد التوبة إنما كان أسفًا على ما فاته من المودة والمواد الإلهية، ألا ترى أن خطيئته أَثَّرَتْ في صوته وفي كون الماء لم يقف عند

стр. 745

قراءته الزبور، ولأن الوحش لم تعد تصغي إليه كما كانت، ولما شكا إلى الله أوحى إليه: خطيئتك أسقطت منزلتك عندنا وعند الخلق، ورفعت الحالة التي كانت بيننا، فكان بكاؤه على تلك الحالة. فإن قيل: فلم أخَّرَ توبته ثلاثين سنة أو أربعين على ما قيل؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه أراد تعظيم الذنب في عينه وأعين الناس بإغلاق باب التوبة أربعين سنة. والثاني: أنه كان يحب أن يسمع أنينه وبكاءَه، وفي بعض الكتب: أنين المذنبين أحبُّ إلينا من صياح الصديقين أو وَجَلِ المسبحين. والثالث: خصمه كان ميِّتًا فعظَّم الذنبَ ليزجر العباد عن أذى الخصوم. وقال مقاتل: نظر يومًا إلى حمامة تغرِّد على غصن فبكى، قال: يا حمامة، قد كنتُ قبل الخطيئة أفهم ما تقولين أما اليوم فلا، فما زالت الحمامة تضرب بجناحيها ومنقارها الأرض حتى خرج الدمُ من حلقها وماتت. وقال مقاتل: كان داود يستغفر للخاطئين، فقال الله تعالى: بالأمس تقول: لا أستغفر لهم، قال: يا ربِّ، فبأي الأدعية أتقرب إليك؟ فقال: ادعني بيا حبيبَ البكائين. وقال أبو سليمان الداراني: ما عمل داود ﵇ عملًا كان أنفعَ له من خطيئته، مازال منها خائفًا هاربًا حتى لحق بربه. قالوا: وهذا معنى قولهم: "رُبَّ ذنبٍ أدخلَ صاحبه الجنة". وذكر مقاتل بن سليمان في "المبتدأ" له عن وهب بن منبه أنه قال: إذا دخل الجنةَ أهلُها وُضِعَ لداود منبرٌ في النور من نور، في أعلى درجة في الجنة، ويقول الله: يا داود، قم احمدني في الجنة بصوتك الرخيم كما كنت تفعل في دار الدنيا، فيقوم فيحمد الله تعالى بمحامد يقول: الحمد لله الذي لا يقدر قدرَهُ المتفكرون، والحمد لله الذي لا يُحصي نِعمَه العادُّون، والحمد لله الذي لا يبلُغ مدحَه المادحون، والحمد لله الذي لا يؤدِّي حقَّه المجتهدون. فإذا رفع داود صوته استفرغ نعيم أهل الجنة، قال: وعن يمين المنبر قباب من اللؤلؤ، فيقول داود: يا ربِّ، من يسكنُ هذه القباب؟ فيقول الله تعالى: من يتواضع لعظمتي، ويقضي زمانه بذكري، ويكف نفسه عن الشهوات لأجلي، يطعم

стр. 746

الجائع، ويكسو العاري، ويؤوي الغريب، ويجبر المكسور، ويرحم المصاب، فذلك الذي يضيء نوره في الناس كالشمس، إن دعاني أجبته، كان سألني أعطيته، أكلؤه بقوَّتي وأحفظه بمنتي (١)، وأوكل به ملائكتي. فصل في السجدة وسجدة "ص" سجدةُ تلاوةٍ، وبه قال الحسن والثوري ومالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: هي سجدة شكر. وعن أحمد كالمذهبين. وثمرة الخلاف: لو تلاها في الصلاة وغيرها سجدها عندنا، وعندهم لا يسجد، واحتجوا بما روى النسائي عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في "صَ" وقال: "سَجَدَها دَاودُ توبة ونَسجُدُها شُكرًا" (٢). وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر سورة "ص" فنزل وسجد، فسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتشزَّن الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّما هِيَ تَوبةُ نَبيٍّ ولَكن رأيتكم تشزَّنتم للسجود فسجدت" (٣). ومعنى تشزَّن أي: تهيَّأ وانتصب. وأما قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أي: ساجدًا. وأما سجود النبي ﷺ فحجة لنا، وقوله: "ونحن نسجدها شكرًا" لا يدلُّ على أنها لا تجب، لأنها سبب وجوب الإنعام على داود ولنا به أسوة. وقوله ﷺ : "رأيتكم تشزنتم فسجدت" يدل على الوجوب إذ لو لم تكن واجبةً لما سجد. فصل في طاعون وقع في زمان داود قرأت على شيخنا الموفق المقدسي ﵀ قال: حدثنا أحمد بن المبارك بإسناده

стр. 747

عن وهب بن منبه قال: لما تاب الله على داود، حَسُنَ حالُ بني إسرائيل، وفشت فيهم العافية، وكثروا حتى ملؤوا الشام، وضاقت بهم فلسطين وما حولها، فعجب داود من كثرتهم، وأمر بعدِّهم فلم يقدروا على ذلك، فأوحى الله إليه: ألم تعلم أني وعدتُ أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح ولده إسحاق فأطاعني أن أنمي ذريته حتى يكونوا عددَ نجوم السماء وأكثر، ولا يحصيهم العدد، فلما علمتَ أني منجزٌ له ما وعدته ذهبتَ تختبرني، أو ظننت أني مخلف وعدي؟ وإني أقسمت بعزتي لأبتلينهم بثلاثة تُقِل عددهم، فخيّرهُم بين أن أبتليهم بالقحط ثلاث سنين، وبين أن أسلِّط عليهم العدوَّ شهرين، وبين أن أسلط عليهم الطاعون ثلاثة أيام، فجمعهم داود وخيَّرهم فقالوا: أنت نبيُّنا فاختر لنا، فقال: أما الجوعُ فبلاءٌ فاضح ولا صبر لأحدٍ عليه، وأما العدوُّ فإن اخترتموه فلا بقيَّة لكم، والموت أعز، فخرج بنو إسرائيل إلى موضع البيت المقدَّس يسألون الله كَشْفَ الطاعون عنهم، فاتخذ داود ذلك الموضع مسجدًا (١). وقال ابن الكلبي: كان ذلك لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه، وتوفي قبل أن يتم بناؤه، فأوصى بذلك إلى سليمان، لما نذكر. وفي رواية عن وهب: فأمرهم أن يتجهَّزوا، فاغتسلوا وتحنَّطوا ولبسوا الأكفان، وبرزوا إلى موضع بيت المقدس بالذراري والأهلين، وضجُّوا إلى الله تعالى ضجَّةً واحدة، وارتفع داود على صخرة بيت المقدس، ولم يكن هناك مسجد، يدعو ويتضرَّع، فأرسل الله عليهم الطاعون يومًا وليلة تَحِلَّة القسم، فمات منهم خلق كثير، ثم كشفه الله عنهم، فقال لهم داود: هذا صعيد مبارك ابنوا فيه مسجدًا لله تعالى، فبنوا لما نذكر. وقد أخرج أحمد في "المسند" بمعناه فقال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي بإسناده عن صهيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى همس شيئًا لا أفهمه ولا يخبرنا به ثم قال: "أوَظننتم بي"؟ قلنا: أجل، فقال: "إني ذكرتُ نبيًا من الأنبياء أُعطِيَ جُنُودًا من قَومِهِ فقالَ: من يكافئُ هؤلاء، أو من يقوم لهؤلاء، أو غَيرَها من الكلامِ، فأوحى اللهُ إليه اختَر لِقومِكَ إحدى ثلاث: إمَّا الجوعُ، وإما العدوُّ وإما الموتُ، فاستشار قومه في ذلك، فقالوا: أنتَ نبِيُّ اللهِ فاختَر لنا فالكلُّ إليك، فَقامَ إلى صَلاتِهِ وقال: إلهي، أمَّا عَدوٌّ من غَيرِهم فلا، وأمَّا

стр. 748

"الجوعُ فلا،، ولكِن الموت، فماتَ منهم سبعُونَ ألفًا، فهمسِي الذي ترون أني أقول: اللهَم بِكَ أُقاتِلُ، وبِكَ أُصَاوِلُ، ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ" (١). فصل في حوادث قضى بها داود فاستدرك عليه سليمان منها قصة الزرع والغنم حدثنا أبو عبد الله محمد بن البناء الصوفي البغدادي بإسناده إلى أبي الفضل ابن خيرون وأبي طاهر الباقلاوي قالا بإسنادهما عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أي: رعت ليلًا بغير راع، قال: تقدَّم رجلان إلى داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا سلط غنمه على حرثي فلم تُبْقِ منه شيئًا، فقال داود: اذهب فلك رقابُ الغنم، فقضى داود بذلك، فمرَّ صاحب الغنم على سليمان وهو صغيرٌ ابن إحدى عشرة سنة فقصَّ عليه القصة، فدخل عليه وقال: يا أبت، إنَّ القضاء غير ما قضيت به، قال: وكيف؟ قال: أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بها طول العام فيأخذ أولادها وأصوافها وألبانها، وتدفع الأرض إلى صاحب الغنم فينتفع بها طول العام، فإذا انقضى الحول دفعت - أو رددت- إلى هذا غنمه وإلى هذا أرضه، فقال داود: أصبتَ الحكم والقضاءَ. قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٢). وقال قتادة: لم يكن بين ثمن الحرث وثمن الغنم تفاوت فلهذا قضى به داود. وقال ابن مسعود وشريح: إنه كان كرمًا قد نبتت عناقيده (٣). وقال الفراء: النَّفْشُ أن ترعى الغنم ليلًا والحمل نهارًا والكل بغير راع. ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أي: لا يخفى علينا من أمرهم. فإن قيل: فهما اثنان، فلم جمع بقوله: "لحكمهم"؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا أن الاثنين جمع، وبه قال أبو يوسف.

стр. 749

والثاني: أن الإشارة إلى داود وسليمان والخصوم. والأول أصحُّ، لأن الخصوم لا حكم لهم ولا قضاء. ودلَّت الآية على أن كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد، وفيه خلاف عند المعتزلة. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فعند أبي حنيفة لا ضمانَ على صاحب الغنم سواء كان ليلًا أو نهارًا إذا لم يرسلها، لأنه لا يوجد منه سبب الضمان. وقال الشافعي وأحمد: يجب الضمان على صاحبها. واحتجَّا بما روى الزهريّ قال: دخلت ناقة للبراء بن عازب حائطًا لبعض الأنصار فأفسدته، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقضى على البراء بما أفسدته الناقة وتلا هذه الآية، وقال: "وعلى أصحَابِ الماشِيَةِ حِفظُ ماشِيتِهم بالليل، وعدى أصحابِ الحَوائِطِ حِفظُ حوائِطِهم بالنَّهارِ وحِفظُ زَرعِهِم" (١). والجواب من وجوه: أحدها: أنه أرسلها ويجب الضمان بالاتفاق. والثاني: أنه منقطع لأن الزهريّ لم يلق البراءَ بن عازب. والثالث: لأنه يخالف الأصول، أو يُحمل [على] أنه خاص في هذه الواقعة. ومنها قصة الصبي وقال أحمد: حدَّثنا يونس بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خَرجت امرأتَان ومعهُما صبِيَّان، فَعَدا الذِّئِبُ على أحدِهِما، فأخَذَتا تَختصِمَان في الباقي فاحتَكمَتا إلى دَاودَ، فَقضى به للكُبرَى، فمرتا على سُلَيمانَ فقالَ: كيفَ أمرُكُمَا؟ فَقصَّتا عليه القِصَّةَ فقالَ: الحكمُ غَيرُ هذا، ايتُوني بِسكيني أشقُّهُ بينهُمَا، فَقالت الصُّغرى: أتشقهُ؟ قال: نعم، قَالت: لا تفَعَل، قد وهبتُ حَظِّي مِنهُ لها". وفي رواية: إنَّ داود حكم بأن يبقى الولد عند كل واحدة سنة. وفي رواية: أنه هو ابنها فقال لها: هو ابنك، فقضى به للصغرى. متَّفق عليه. قال أبو هريرة: والله إنْ سمعتُ السكين إلا يومئذٍ، ما كنا نقول إلا المدية (٢).

стр. 750

وقال الزهريّ: كلاهما حكم بالاجتهاد وإنما لسليمان فطنة. وقال ابن سيرين: كان قضاؤهما بطريق الاجتهاد، ولم يكن نصًّا، لأنه لو كان نصًّا لم يختلفا فيه. وقال الحسن البصري: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكن الله أثنى على سليمان لصوابه وعلى داود لاجتهاده (١). ومنها: ما رواه مجاهد قال: شهد أَربعة على امرأة بالزنى فرجمها داود، وبلغ سليمان، وكان ابن سبع سنين، فقال: عليَّ بالشهود، فجيء بهم فسألهم سليمان متفرقين فاختلفت أقوالهم، وبلغ داود فأمر بقتلهم. فصل في وفاة داود ﵇ قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كَانَ في داودَ غيرةٌ شدِيدةٌ، وكَانَ إذا خَرَجَ مِن دَارِه أَغلَقَ الأبوابَ، فلم يدخُل على أهلِهِ أَحدٌ حتى يَرجِعَ، فَخَرجَ ذاتَ يَوم وقد أَغلَقَ الأبوابَ، فأقبَلت امرأتُه تَطَّلعُ في الدَّارِ، فإذا رجلٌ قائم وسَطَ الدَّارِ، فقالت لمن معها في الدَّارِ: من أين دَخلَ هذا الرجلُ والأبوابُ مُغلقةٌ؟ واللهِ لَنُفتَضَحَنَّ مع دَاودَ. وجاء دَاودُ فوجَدَ الرَّجلَ قائمًا فقالَ: من أنت؟ قال: من لا يَهابُ الملوكَ ولا يمتنِعُ منه الحُجَّابُ، قال: فأنتَ إِذن مَلَكُ الموتِ، قال: نعم، قال: مرحَبًا بأمرِ اللهِ، فزمَّلَ مكانَهُ حتى قبضَهُ، فقال سُليمانُ للطَّيرِ: أظلِّي على دَاودَ، فأظلَّتْ عليه حتى أظلمَت الدُّنيا، فقال لها سليمان: اقبِضِي جَناحًا جَناحًا"- قال أبو هريرة: يُرينا رسول الله ﷺ كيف فعلت الطير، وقبضَ رسولُ اللهِ ﷺ يده- وغَلَبتْ عليه يومئذ المَضْرَحِيَّة (٢). فقال الفراء: هي النسور الحمر. وقال الجوهري: المَضْرَحيُّ، بالضاد المعجمة والحاء المهملة، الصقر الطويل الجناح" (٣).

стр. 751

وقال ابن المسيب: توفي داود ﵇ يوم السبت فعكفت عليه الطيور تظلِّله، وكان داود يُسْبِت. وقال مجاهد: مات يوم الأربعاء، والأول أشهر. وقال أبو السكن الهجري: وقيل: مات إبراهيم الخليل وداود ﵉ فجأة، وكذا الصالحون، وهو تخفيف على المؤمن وتشديد على الكافر. وقال وهب: دفن بالكنيسة المعروفة بالجسمانية شرقي بيت المقدس في الوادي. وقال ابن عباس: شيَّع جنازته أربعون ألف راهب. وفي "التوراة": كان ملكه على فلسطين والأردن ونواحيها، وكان في عسكره ستون ألف مقاتل. واختلفوا في سنِّه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عاش سبعًا وسبعين سنة، ملك منها أربعين سنة، وكذا هو في "التوراة". والثاني: مئة وأربعين سنة، حكاه أبو إسحاق الثعلبي (١). والثالث: مئة سنة، وهو الأصح على ما نطق به الحديث الذي ذكرناه في وفاة آدم، وأنه وهب لداود أربعين سنة، وأنه رجع فيها، فأتمَّ الله لداود المئة (٢). وكذا قال جدي في "أعمار الأعيان": إنه عاش مئة سنة. قال: وكذا عبد المنعم بن إدريس وسُويد بن سعيد وأحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي (٣). * * *

стр. 752

فصل في لقمَان الحَكيم (١) وإنما ذكرته هنا لأنه كان في زمان داود. واختلفوا في نسبه على أقوال: أحدها: لقمان بن عبقر بن مَزْيَد بن صادق بن النبوت، من أهل أَيلة، ولد على عشر سنين خلت من أيام داود، قاله وهب بن منبه. والثاني: هو لقمَان بن باعور بن لبان من ولد آزر أبي إبراهيم الخليل ﵇. والثالث: لقمان بن عنفاء قاله مقاتل. وقال ابن قتيبة: واسم أمه: ثارات (٢) بالثاء المنقوطة بثلاث. وقيل: كان ابن أخت أيوب ﵇. وقيل: ابن خالته (٣). وحكى الثعلبي عن ابن المسيب: أنه كان عبدًا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين، من سودان مصر، ذا مشافر، وكان يُلقَّى الحكمة (٤). وقال الربيع: كان عبدًا نوبيّا اشتراه رجل من بني إسرائيل بثلاثين دينارًا ونصف دينار، والرجل يقال له: القين بن جبير. وروي: أنه كان عبدًا لقصَّاب. قرأت على شيخنا الموفق المقدسي ﵀ من كتاب "التوابين" قال: حدثنا المبارك بن علي الصيرفي بإسناده عن جبير (٥) أبي جعفر قال: كان لقمان الحكيم الحبشي عبدًا لرجل جاء به إلى السوق ليبيعه، فكان كما جاء إنسان يشتريه يقول له لقمان: ما تصنع بي؟ يقول: كذا وكذا، فيقول: حاجتي إليك ألَّا تشتريني، حتى جاء

стр. 753

رجل فقال: ما تصنع بي؟ قال: أصيِّرك بوابًا على باب داري، قال: فاشترني، فاشتراه وجاء به إلى باب داره، فأقعده على الباب، وكان للرجل ثلاث بنات بغايا يبغين في القرية، فأراد مولاه الخروج إلى ضيعة له فقال: يا بني، إني قد أدخلتُ إليهنَّ طعامهن وشرابهن وما يحتجن إليه فأغلِقِ الباب واجلسْ من ورائه لا تفتحه حتى أعود، وغاب سيِّدُه فأَغلق الباب عليهن، وكان يقعد طول النهار على الباب فينادينَه: افتح الباب، فلم يفتح، فنادينه ثانيًا وثالثًا فلم يفتح فشججنه مُوضِحَةً، فغسل الدم عن وجهه فعدنَ فشججنَه فلم يفتح، وقدِمَ سيِّده فلم يخبره بشيء، فعاد سيده فغاب، ففعلْنَ به كما فعلن في الأول، وقدم سيده فلم يخبره بشيء، ثم غاب سيده ثالثًا وفعلْنَ به كما فعلْنَ في المرة الثانية، وقَدِمَ مولاه فلم يخبره بشيء، فقالت الكبرى: ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله مني، والله لأتوبن. قال: فتابت. فقالت الوسطى: ما بال هذا العبد الحبشي وأختي أولى بالتوبة مني، فتابت. وقالت الصغرى كذلك وتابت. فقالت غواة القرية: ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة الله منا. فتاب الرجال والنساء وصاروا زهادًا عبادًا (١). وقال الواقدي: كان لقمان قاضيًا في بني إسرائيل يسكن ببلد أَيلَة ومَديَن، ولم يزل زاهدًا في العالم يسكن فيافي الأرض. وعامة المؤرخين على أنه كان في زمان داود إلا ابن المنادي، فإنه قال: كان على عهد زكريا ويحيى، وكان يسكن الرَّملة، وقام ما بين الرملة وبيت المقدس حتى مات، وهو وَهمٌ منه، والأول أصح. واختلفوا هل كان نبيًا أم عبدًا صالحًا؟ على قولين: أحدهما: أنه كان نبيًا، قاله ابن المسيب. وحكاه الثعلبي عن عكرمة، ثم قال الثعلبي: تفرَّد عكرمة بهذا (٢). وعامة العلماء على أنه كان عبدًا صالحًا أطاع الله فآتاه الله الحكمة.

стр. 754

وقال سلمان الفارسي: اختار طاعة الله على غيرها فآتاه الحكمة وخزن عنه النبوَّة. وقال الحسن البصري: كان خياطًا وليس بلقمان صاحب النسور ابن عاد، بينهما زمان طويل. وروى الثعلبي عن ابن عمر عن النبي ﷺ ولم يسنده قال: حقًّا أقولُ لم يكنْ لقمانُ نبيًّا، ولكن كان عبدًا صَمصَامًا (١) كَثيرَ التفكُّرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أحبَّ الله فأحبَّه، فمنَّ الله عليه بالحكمة. كان نائمًا نصف النهار إذ جاءه نداء: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت وقال: إن خيَّرني ربي قبلتُ العافية ولم أقبل البلاء، فإن عزم عليَّ فسمعًا وطاعة، فإني أعلمُ إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة - بصوت لا يراهم -: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأن الحاكِمَ بأشد المنازل وأدركها وأكدرها، يغشاه الظُّلمُ من كل مكان، فإن يعدل فبالحريِّ أن ينجوَ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلًا خيرٌ من أن يكون شريفًا، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا تصيبه الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه يتكلم بها، ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرة، كلُّ ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يؤازره بحكمته. وقال له داود: طوبى لك يا لقمان، أُعطيتَ الحكمة وصُرِفَت عنك البلوى، وأُعطي داود الخلافة وابتلي بالبلية والفتنة (٢). وقال الثعلبي بإسناده إلى خالد الربعي قال: كان لقمان نجارًا (٣). وروى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى ابن المسيَّب يسأله فقال له سعيد: لا تحزنْ من أجل أنك أسود، فإنه كان من خيار الناس ثلاثةٌ من السودان، بلال ومهجع مولى عمر بن الخطاب ﵁ ولقمان الحكيم (٤)

стр. 755

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]. قال ابن عباس: المراد بالحكمة هاهنا: العقل والفهم والإصابة في القول (١). وقال وهب: قرأت في حكمة لقمان عشرة آلاف باب لم تسمع الناس كلامًا أحسن منه، ثم رأيت الناس قد أدخلوه في كلامهم واستعانوا به في خطبهم. واختلفوا في أول ما ظهر من حكمته على أقوال: أحدها: ما حكينا عنه أنه قال لما قيل له: هل لك أن تكون خليفة؟ وقد ذكرناه عن النبي ﷺ . والثاني: أنه كان يختلف إلى داود يقتبس منه، فاختلف إليه سنة لم ينطق بلفظة، وداود ينسج درعًا، وحكمة لقمان تمنعه من السؤال، فلما تمت الدرع قام داود ﵇ فلبسها- أو صبَّها على نفسه- وقال: نِعم درع الحرب هذه، قال لقمان لما رأى ذلك: الصمتُ حِكَمٌ وقليلٌ فاعِلُه. فقال داود: انظروا إلى رجل أوتي الحكمة ووقي الفتنة. قاله مقاتل. والثالث: أنَّ سيده أمره أن يذبح شاةً ويأتيه بأطيب مضغة فيها وأخبث، فجاءه باللسان والقلب، فقال: ما هذا؟ فقال: ليس في الحيوان أطيب منهما إذا طابتا ولا أخبث منهما إذا خبثتا. قاله ابن أبي نجيح (٢). والرابع: أن مولاه الذي اشتراه بثلاثين دينارًا وكان يخاطر على النرد، وعلى بابه نهر جار، فلعب يومًا مع رجل على أنه إن قُمر شرب ماء النهر كله أو يفتدي نفسه بما يريد صاحبه، فقمر، فقال له القامر: إما أن تشرب ماء النهر وإلا فقأتُ عينك أو أخذت جميع مالك، فقال: أمهلني الليلة. وأمسى كئيبًا قلقًا، وجاء لقمان حاملًا حزمة حطب على ظهره فوضعها، فرأى سيِّدَهُ حزينًا فسأله عن حاله، فأعرض عنه ازدراء به، فأعاد عليه القول فلم يلتفت إليه، فقال: أخبرني لعلَّ الله أن يجعل لك على يدي فرجًا، فأخبره فقال: لا تغتم إذا جاءك وقال: اشرب ما في النهر فقل له: أشربُ ما بين

стр. 756

الضفتين أو المد، فإن قال: ما بين الضفتين فقل له: فاحبس عنِّي المدَّ، وإن قال: اشرب المدَّ فقل: فاحبس عني ما بين الضفتين فإنه لا يقدر على ذلك. وجاء القامر فأجابه بجواب لقمان، فذهب الوجل خائبًا، فأعتقه مولاه، قاله مكحول الشامي والربيع بن أنس. وقد أخرج هذه الحكاية جدي ﵀ في "كتاب الأذكياء" بإسناده إلى مكحول قال: كان لقمان عبدًا نوبيًا أسود كان قد أعطاه الله الحكمة، وكان الرجل من بني إسرائيل اشتراه بثلاثين مثقالًا ونَش، يعني نصف مثقال، وذكره بمعناه (١). والخامس: أنَّ سيده دخل الخلاء فأطال الجلوس فيه، فناداه لقمان: إن طول الجلوس على الخلاء يورث البواسير ويرقي الأبخرة إلى الرأس ويفسد الكبد، فاجلس هوينًا وقم هوينًا. فخرج مولاه وكتب على باب الحُشِّ تلك الكلمات. وقال: هذه حكمة لقمان. قاله أبو روق. والسادس: رواه الضحاك عن ابن عباس قال: وأقام لقمان سنة لا ينطق، فاجتمع إليه أولاد الأنبياء والحكماء وقالوا له: تكلم. فقال: لا خير في الكلام إلا بذكر الله، ولا بالسكوت إلا بالفكر في المعاد. وقال زيد بن أسلم: قيل للقمان: ألستَ عبدًا حبشيًا فمن أين لك هذه الحكمة؟ فقال: لصدق هذا الحديث، وترك ما لا يعنيني. قال: وكان يسلف بأمانة الله ولا يأخذ رهنًا ولا كفيلًا، فكثر ماله ونما حاله. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده إلى عبد الله بن دينار قال: قَدِمَ لقمانُ من سفر، فتلقَّاه مولى له فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات. قال: ملكتُ أمري. قال: فما فعلتْ أمي؟ قال: ماتت. قال: ذهب همي. قال: ما فعلت ابنتي؟ قال: ماتت. قال: سُترت عورتي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال: جُدِّدَ فِراشي. قال: ما فعل أخي. قال: مات. قال: انقطع ظهري (٢).

стр. 757

ذكر جدي هذا الأثر في كتاب "التبصرة" في آخرها بغير إسناد. وقال عبد الله بن دينار: قال رجل للقمان: ما أقبح وجهك!! فقال: عبت النقاش أو النقش (١)؟ فصل في مواعظ القمان لولده واسمه أنعم قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ﴾ [لقمان: ١٣] الآية. عامة العلماء على الوقف في قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] قال ابن عباس: هي الصخرة التي تحت الأرضين السبع (٢). ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] أصل التصعير: الميل. قال ابن عباس: لا تنكر على الناس، وإذا أنكروا عليك مِلتَ عنهم. وقيل: لا تتذلل لغير الله ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨] أي: خيلاء ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أي: أقبح ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، لأن أوله زفير وآخره شهيق. وقال سفيان الثوري: كل شيء يسبِّح لله إلا الحمار فينه ينهق بغير فائدة. وقال وهب: قال لقمان لابنه: يا بني، إن الدنيا بكر عميق وقد هلك فيه عالم كثير، فإن استطعت أن تجعل سفينتك فيه الإيمان بالله وشراعك فيه التوكُّل وزادك التقوى، وإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك (٣)، وإذا سكتَّ فاسكت في تفكُّر، وإذا تكلَّمت فتكلم بحكمة، ولا يكنِ الديكُ أحسن حالًا منك، فإنه لا ينام الليل كلَّه بل يخفق بجناحيه ويصرخ إلى الله بالتسبيح. حدثنا عبد العزيز بن محمود البزاز بإسناده عن ابن المسيب قال: قال لقمان لابنه: يا بنيَّ، لا ينزلنَّ بكَ أمر رضيتَهُ أو كرهتَهُ إلا جعلتَ في ضميركَ أنَّ ذلك خيرٌ لك، قال: يا أبتِ أمَّا هذه فلا أقدر عليها حتى أعلمَ ما قلتَ إنه كَما قلتَ، قال: يا بنيَّ، فإن

стр. 758

الله قد بعث نبيًّا فَهلمَّ بنا نأته فعنده بيانُ ما قلتُ لكَ، فخرجا على حمارَيهما وتزوَّدا ما يصلحهما، ثم سارا أيامًا، فلَقيتهما مفازةٌ فسارا فيها إلى أنْ تعالى النهارُ واشتدَّ الحرُّ ونفدَ الماءُ والزادُ، واستبطآ حمارَيهما فنزلا وجعلا يشدَّان على سُوقهما، فنظر لقمانُ إلى سوادٍ أمامه ودخان فقال في نفسه: الدُّخانُ عمران والسواد شجر، فوطئ ابن لقمان على عظم ناتئ في الطَّريق فدخل في باطن قدَمه وظهر من أعلاه، فخرَّ صريعًا مغشيًّا عليه، فقعد لقمان ووضع رأس ابنه في حجره، واستخرج العظم بأسنانه، وشقَّ عمامته فشدَّ بها رجلهُ، ثم نظر إلى وجه ابنه فذَرفت عيناه وقَطَرت قطرةٌ من دمعه على خدِّ الغلام فانتبه لها، فرأى أباه يبكي فقال: يا أبتِ أنتَ تقولُ هذا خير لي، وكيف يكون كذلك وقد نفد الطعام والشراب- أو الماء- ونحن في هذه المفازَة، وقد دخل هذا العظمُ في قَدَمي، فإنْ أقمنا متنا جميعًا، وإنْ ذهبتَ وتركتَني ذهبتَ بهمٍّ وغمٍّ، فقال لقمانُ: أمَّا بكائي فرقَّةُ الوالد، وودتُ أني أفديكَ بجميع مالي من الدنيا، وأمَّا قولك كيف يكون هذا خيرًا لي فلعلَّ ما صرف عنك أعظم مما بليتَ به. ثم نظر لقمانُ أمامه فلم يرَ الدخانَ ولا السوادَ، وإذا شخصٌ قد أقبل على فرس أَبْلَقَ عليه ثيابٌ بيضٌ وعمامةٌ بيضاءٌ يمسحُ الهواء مسحًا، فلمَّا قَرُبَ منهما توارى عنهما وصاح: أنت لقمان؟ قال: نعم، قال: الحكيم؟ قال: كذا يقال. ثم قال لقمان: يا عبد الله من أنت؟ أسمعُ كلامكَ ولا أرى وجهكَ، قال: أنا جبريل لا يراني إلا مَلك مقرَّب أو نبيٌّ مرسل ولولا ذلك لرأيْتَني، ما قال لك ابنك هذا السفيه؟ قال لقمان في نفسه: إن كنتَ جبريل فأنت أعلم بما قال مني، فقال جبريل: ما لي بشيءٍ من أمركما علمٌ، ولكنَّ ربِّي أمرني أن أخسِفَ بهذه المدينة وما يليها، فأُخبرت أنكما تُريدانها، فدعوتُ الله أن يَحبسكما عنها بما شاءَ، فحبسكما بما ابتليَ به ابنكَ، ولولا ذلك لَخُسف بكما مع من خسف. ثم مسح جبريل على قَدَم الغلام فاستوى جالسًا أو قائمًا، ومسح يده على الإناء الذي فيه الطعام والشراب فامتلأ طعامًا وَشرابًا أو ماءً، ثم ركبا حمارَيهما فإذا هما في الدار التي خرجا منها. وقال ابن عباس: مازال لقمان يعظ ابنه ويقول: يا بُنَيَّ، يا بُنَيَّ، حتى انفطرت مرارته وانصدع قلبه فمات.

стр. 759

وحكى الخطيب عن محمد بن إسحاق قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلًا فأغضبه، فإن أنصفك عند غضبه، وإلا فاحذره. ذكر وفاة لقمان ﵇ واختلفوا في موضع قبره: فقال الواقدي والسُّدي: بأَيْلَة، وقال قتادة: بالرَّملَةِ ما بين مسجدها وسوقها، وهناك قبر سبعين نبيًا ماتوا بعد لقمان جوعًا في يوم واحد، أخرجهم بنو إسرائيل من القدس فألجؤوهم إلى الرَّمْلَة ثم أحاطوا بهم، فتلك قبورهم هناك. * * *

стр. 760

فَصْل في ذكر سُليمَان ﵇ وَمَا جَرى في أيَّامهِ مِن عجَائب وَقصَّة سَبَأ وبِلقيس مَلكَة مَأرِب (١) قال علماء السِّير: سليمان اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، وقال وهب: اسم سليمان عند الفُرس جم، وكنيته أبو الربيع. وقال مقاتل: ذكر الله سليمان في خمسة عشر موضعًا. قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ الآية [ص: ٣٠]، قال مقاتل: كان لداود تسعة عشر ولدًا لم يكن فيهم مثل سليمان، وكان أعظمَ ملكًا من داود وأفطن منه، وكان داود أشدَّ تعبُّدًا، وعامة العلماء على أنه كان نبيًّا، وقال أهل الكتابين: لم يكن نبيًّا [بل مَلِكًا]، والنبوَّة كانت في أبيه داود. واختلفوا في مبلغ سنِّه بعد وفاة أبيه داود على قولين: أحدهما: اثنتا عشرة سنة، قاله الضحاك. والثاني: ثلاث عشرة سنة، قاله وهب. قال: وكان لداود ولد يقال له: شَالوم، كان أكبر ولده، خرج على أبيه وأراد قتله، فصرف الله عنه المُلك إلى سليمان. وقال ابن عباس: بعثه الله إلى بني إسرائيل وسأل الله أن يؤتيه مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فأجاب الله سؤاله، فكانت تعكف عليه الطير وتقوم في خدمته والإنسُ والجنُّ، وسخَّر الله له الرِّيحَ وغير ذلك. وقال مجاهد: كان أبيض جسيمًا يلبس البياض ويشاوره أبوه في قضاياه. وقال محمد بن كعب القُرظي، وحكاه جدي في "التبصرة" قال: كان عسكره مئة فوسخ، خمسةٌ وعشرون للإنس، ومثلها للجن، ومثلها للطير، ومثلها للوحش قال: وكان له ألف بيت من القوارير، فيها ثلاث مئة امرأة وسبع مئة سُريَّة يحملها الجن على

стр. 761

الخشب، ثم ترفعها فتنقلها الريح وتسير بها بين السماء والأرض، وكذا بعسكره، تقلّه على البساط (١). وروى ابن جبير عن ابن عباس قال: كان يُوضع لسليمان ست مئة كرسي ويجيء أشراف الناس فيجلسون عليها مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الرِّيحَ فتحملهم فتسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر، يركب من تَدْمُر فيَقِيل بإصْطَخْر، وَيروح من إصْطَخْر فيبيتُ بقلعة خُراسان في المباني المعروفة بقلعة سليمان. وقال الحسن: كان يروح من البيت المقدس فيبيت بكَابُل، والطباخون وأرباب الصنائع يعملون أشغالهم على بساطه ولا تتغير عليهم حال. وكان مسير الرياح شهرًا في رَوحته وشهرًا في غَدوته كما قال الله تعالى. وقال وهب: وُجد على حجر مكتوب بالمسند بناحية دجلة: نحن نزلنا في غَدوتنا من فِلسطين إلى إصْطَخْرَ، ومنه نقفل إلى خُراسانَ. وحكى الثعلبي: أَنه كان مكتوبًا على الحجر إنما كتبه بعض الإنس أو الجن ثم نزلناه وما بنيناه ومبنيًا وجَدناه، غَدَونا إصْطَخْر فقلناه. وقال مجاهد: كان سليمان يغدو من دِمشق فيقيل بإصطَخْرَ، ويروح بإصطَخْرَ فيقيل بكابُل، وبين إصطَخْر وكابُل مسيرة شهر. قلت: وهذا وهم، بينهما مسيرة شهرين وثلاثة. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: سار سليمان من الشَّام إلى خُراسان فصلى العصر بمَروَ، ومضى نحو المشرق فخاض بلاد الهِند والسِّند والصِّين في ثلاثة أيام، ثم عاد إلى الشَّام على ظهر الرِّيح. قال: ولما عقر الخيل سخَّر الله له الرّيح. قال وهب: بلغ سليمان أن في البحر ماردًا عاتيًا فأرسل الله إليه، فجيء به إلى بابه، فأخذ المارد عودًا قدر ذراع فرمى به إلى بين يدي سليمان، فقال سليمان: تدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: يقول: لا تغترَّ بملكك واصنع ما شئت، فإنك تصير إلى مثل

стр. 762

هذا من الأرض. قال: وكان الله قد أذن للرِّيح مهما سمعت من كلام الإنس والجن تحمله إليه، وهذا شيء لم يُعطَهُ سواه. وروى في "التبصرة" عن سيَّار عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: خرج نبيُّ الله سليمان، والجن والإنس عن يمينه ويساره، فأمر الريحَ فحملتهم حتى سمعوا زَجَلَ الملائكة في السماوات بالتقديس، ثم أمرها فخفضتهم حتى مسَّتْ أقدامهم البحر، فسمعوا صوتًا من السماء يقول: لو كان في قلب صاحبكم- من الكبر مثقال ذرَّةٍ لخسفتُ به أبعدَ مما رفعته (١). وقال الحسن: كان يحرسه ست مئة ألف، ويوضع له أربعة آلاف كرسي يجلس عليها الأشراف، وملكَ الأرضَ كما ملكها ذو القرنَين، وهو أحد المؤمنين اللذَين ملكاها، وقد ذكرناه. وقال في "التبصرة": كان يطعم كلَّ يوم مئة ألف فإن أقل أطعم ستين ألفًا، وكان يذبح كل يوم مئة ألف شاة وثلاثين ألف بقرة، ويطعم الناس النقي الحُوَّارى، ويأكل هو الشعير، ويطعم أهله الخُشكَار (٢). قال الحسن البصري: كان يحمل القصعة الواحدة ألف رجل ولا يأكل معهم، ويدخل منزله فيأكل الخلَّ والزَّيت بخبز الشعير، فأثنى عليه الله بقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] أي: رجاَّع. فإن قيل: مع هذا التقلل والزهد يقول: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، أكانت المملكة ضيِّقةً حتى يحجر على من بعده؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنه لما قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ فلما أجاب الله دعاءه بما وهبه من المُلك استدلَّ به على الغفران، فتيقَّن أن الله قد غفر له. والثاني: إنه ئم يكن في مُلك غيره الريح ولا تسخير الشياطين ولا الطير، فسأل الله ذلك ليكمل حاله، قاله مقاتل.

стр. 763

والثالث: أنه أراد [أن] يعلم أنه مستجابُ الدعوة أم لا، فسأل ذلك كما سأل إبراهيم إحياء الموتى وإن كان موقنًا بالإحياء. والرابع: أنه لما مات داود أوحى الله إلى سليمان سلني حاجتك، فقال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك ويحبك كما كان قلب أبي داود، فقال الله لسليمان: أرسلت إليك أسألك حاجتك فكان هذا جوابك؟ لأعطينَّك مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعدك في الدنيا ولا حساب عليك في الآخرة، قاله أبو عبيد القاسم بن سلَّام. والخامس: أنه خُيِّر بين العلم والملك والمال، فاختار العلم فأعطاه الكل. قلت: وهذه جوابات إقناعية، وبعضها لا يطابق السؤال، فإنه قد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠]، إنه آصَفُ، كان يعرف الاسم الأعظم، فقيل له كيف يعرفه آصَف، وهو كاتب سليمان، ولا يعرفه سليمان؟ قال: كان يعرفه، فلما قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، أنساه الله إياه. وقال عبد الوهاب ابن النُّوبي في "الأسْولة": إنَّ النَّملة التي وقف عليها سليمان واسمها منذرة قالت له: ماذا سألت ربك؟ قال: مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، فقالت: تفوح من سؤالك رائحة الحسد وما كان يضرُّكَ لو أعطاه الله لغيرك؟ وهل الكل إلا زائل؟ قلت: وقد تكرَّم عليه نبيُّنا ﷺ ولم يزاحمه في هذا المعنى، فقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ عِفْريتًا من الجِنِّ تفلَّتَ عليَّ البَارحَةَ ييَقْطَعَ صَلَاتي، فَأَمكَنَني اللهُ منهُ، فأَخَذْتُه وأَردتُ أنْ أَربطه بساريَة من سَوَاري المسجدِ حتَّى تُصبِحُوا وتَنْظُروا إليه كلُّكُم، فَذَكَرتُ دَعوةَ أخي سُليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ فَرَددتُه خَاسئًا"، أخرجاه في "الصحيحين" (١). وقد أخرجه مسلم بمعناه عن أبي الدرداء، وفيه: "لولا دعوةُ أخِينا سُليمان لأصبحَ مُوثقًا تَلعَب به وِلْدَانُ أهلِ المدينةِ" (٢).

стр. 764

قال مقاتل: لما سخَّر الله لسليمان الشياطين وكَّل بهم ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه فأحرقه، فذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ [سبأ: ١٢]، أي: يميل ويعدل عن طاعته. فصل في عمارته بيت المقدس حدثنا جدي ﵀ قال: أنبأنا أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري بإسناده عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ مَكَّةَ بَلد عَظَّمهُ اللهُ وعَظَّمَ حرمَتَه، وحَفَّها بالملائكة قبل أن يَخْلُق شيئًا من الأرض كُلِّها بألف عام، وَوَصَلها بالمدينةِ، ووَصَل المدينةَ ببيتِ المَقْدِس، ثم خَلَق الأرضَ بعدُ بألفِ عامٍ خَلْقًا واحدًا". وقال الوليد بن حماد بإسناده عن أبي عَمرو الشَّيباني قال: قال عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: كانت الأرض ماءً فبعث الله ريحًا فمسحت الأرض مسحًا، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع، خلق من قطعة مكة، ومن الثانية المدينة، ومن الثالثة بيت المقدس، ومن الرابعة الكوفة. ذكر هذا الحديث والأثر جدي ﵀ في كتاب "فضائل بيت المقدس"، ثم روى عن كَعب الأحبار أنه قال: بنى سليمان بن داود بيت المقدس على أساس قديم كما بنى إبراهيم الكعبة على أساس قديم. ثم قال جدي: وسكن الجبَّارون الأرضَ المقدسة فسلَّطَ الله عَليهم يُوشَع، ثم سلَّط الكفار على البيت المقدس فصيَّروه مزبلة. ثم روى جدي بإسناده إلى ابن المسيب قال: أمر الله تعالى داود أن يبني بَيْت المقدس فقال: يا رب وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرًا سيفه، قال: فرآه في ذلك المكان، فأسَّس داود قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم، فقال داود: يا رب أمرتني أن أبني لك بيتًا فلما ارتفع هدمته، فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي في أرضي، لِمَ أخذته من صاحبه بغير ثمن؟ إنما يبنيه رجل من ولَدِك. فلمَّا قام سليمان: ساوَم صاحب الأرض عليها، فقال له: هي بقنطار، فقال سليمان قد استوجبته، فقال له صاحب الأرض: هي خير أو ذاك؟ فقال: بل هي خير، قال: فإنه قد بدا لي، قال:

стр. 765

أولَيسَ قد أوجبتها؟ قال: بلى، ولكن البيِّعين بالخيار ما لم يفترقا. قال ابن المبارك: فهذا أصل الخيار. قال: فلم يزل يرادُّه حتى استوجبها منه بِسَبعة قناطير، فبناه سليمان حتى فرغ منه، وتَغلَّقت أبوابه فعالجها سليمان أن يفتحها فلم تنفتح، حتى قال في دعائه: بصلواتِ أبي داود إلا انفتحت الأبواب، فتفتحت، ففرَّغ له سليمان عشرةَ آلافٍ من قُرَّاء بني إسرائيل، خمسة آلاف بالليل وخمسة آلاف بالنهار، لا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله يُعبد فيه. قال جَدي ﵀ عن الوليد عن أبي عمرو الشيباني: أوحى الله إلى داود إنك لن تتم بناء بيت المقدس، فقال: أي يا رب، ولم؟ قال: لأنك غمستَ يدك في الدماء أو الدم. قال: يا ربِّ، ألم يكن ذلك في طاعتك؟ قال: بلى، وإن كان. وروى جدي أيضًا عن كعب الأحبار قال: لما ولي سليمان أَمَره الله ببناء بيت المقدس، فبناه، فلما دخله خرَّ ساجدًا شكرًا لله تعالى، فقال: يا رب، من دخله من خائف فأمِّنه، أو من داع فأجبه، أو مستغفرًا فأغفر له. فذبح أربعة آلاف بقرة وسبعة آلاف شاة، وصنع طعامًا ودعا بني إسرائيل إليه. وفي رواية: إن الله أوحى إلى داود: ابنِ لي بيتًا، فبنى لنفسه بيتًا قبل ذلك، ثم بناه فسقط (١). وروي: أن داود أراد أن يأخذ بيت رجل فيُدخله فيه، قال سعيد بإسناده عن أُبَى بن كعب عن رسول الله ﷺ قال: أَوحَى الله إلى داودَ: أن ابنِ لي بَيتًا أُذكَرُ فيه، فخَطَّ له مِن هذِه الخطة- خطةِ بيت المقدِسِ- فإذا تربيعُها يزويه بيتُ رجلٍ من بني إسرائيلَ، فسأَله داودُ أن يبيعَه إيَّاه فأبى، فحدَّث نفسه داودُ أن يأخذَه منه، فأوحَى الله إليه: يا داودُ، أمرتُك أن تَبنِي لي بَيتًا أُذكَر فيه، فأرَدتَ أن تُدخل في بيتي الغَصب، وإنَ عقوبتَك أن لا تبنيه. قال: يا رب، يبنيه من وَلَدي؟ قال: نعم" (٢). وسنذكر الحديث في ترجمة العباس في سنة اثنتين وثلاثين. وروىَ جدي أيضًا عن أبي عبد الملك الجَزَري قال: لما خلا من مُلكِ سليمان مدةً

стр. 766

شرع في بناء بيت المقدس، فكان عدد من يعمل في بنائه ألف رجل عليهم قطع الخشب، في كل شهر عشرة آلاف وكان عِدَّةُ الذين يعملون في الحجارة عشرة آلاف، وعدة الذين يقومون عليهم ثلاث مئة أمين، وأولج فيه التابوت وصلى ودعا، فأوحى الله إليه قد غفرت لمن أتى هذا البيت لا يعنيه إلا الصلاة فيه (١). وروى أيضًا عن عطاء الخُراساني قال: لما فرغ سليمان من بنائه أنبت الله له شجرتين عند باب الرحمة، إحداهما تنبت الذهب والأخرى تنبت الفضة، فكان في كل يوم ينزع من كل واحدة مئتي رطل ذهبًا وفضة، ففرش المسجد بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة. فلما جاء بُخْتُ نَصَّر خربه، واحتمل منه ثمانين (٢) عجلة ذهبًا وفضة فطرحه برُومِيَةَ. قال جدي ﵀ (٣): بناه سليمان لأربع سنين خَلَت من مُلكه في سبع سنين، ومن هبوط آدم ﵇ إلى ابتداء سليمان ببناء بيت المقدس أربعة آلاف وأربع مئة وست وسبعون سنة (٤). وفي غير رواية جدي: ومن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس ست مئة وست وثلاثون سنة. وروى أيضًا جدي عن وهب بن منبه عن كعب قال: أوحى الله إلى سليمان: أن ابنِ بيتَ المقدس، فجمع حكماءَ الإنس وعفاريت الجن وعظماء الشياطين، ثم فرق الشياطين فجعل منهم فريقًا يبنون، وفريقًا يُقَطِّعون الصخور والعُمُدَ من معادن الرخام، وفريقًا يغوصون في البحر يستخرجون منه الدُّرَّ والمرجان، الدُّرة مثل بيضة النَّعام والدجاجة، وأخذ في بناء المسجد فلم يثبت البناء، وكان عليه حَيْر بناه داود ﵇، فأمر بهدمه، ثم حفر الأرض حتى بلغ الماء، فقال: أسِّسوا عليه، فألقوا فيه الحجارة، فكان الماء يلفظها، فاستشار في ذلك فأشاروا عليه أن يتخذ قِلالًا من

стр. 767

نحاس ثم يَملأَها حجارة، ثم يكتب عليها ما على خاتمه من [ذِكْرِ] التوحيد، ثم يلقيها في الماء فيكون أساس البناء عليها ففعل فثبت، فبنى المسجد بناء لا يوسف وزّيَنه بالذهب والفضة والدر والياقوت وألوان الجواهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجدره (١). وروى جدي أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] قال: هو سور بيت المقدس الشَّرقي (٢). هذه صورة ما ذكره جَدي ﵀ من عِمَارة بيت المَقْدس وبداية أمره. قلت: وقد روى أبو ذرٍّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بَينَه وبَينَ الكَعبةِ أربَعونَ سَنةً" (٣)، وقد ذكرناه، ودَثَر فجدّده الضحاك وعمل فيه العجائب، فلما خرج موسى من مصر وقصد الجبّارين أخربوه قبل أن ينزل بهم يُوشَع بن نون، ثم شرع في بنائه داود وتَمَّمَهُ سليمان. وقد رويت هذه الألفاظ مرفوعةً وهي قوله لدَاوُد: إنَك غمست يدك في الدم وبنيت لك بيتًا قبل أن تبني لي بيتًا. فقال جدي في "الموضوعات": أنبأنا أبو منصور بن خَيْرُون، عن الجوهري، عن الدارقطني، عن أبي حاتم البُستي، عن قتيبة، عن محمد بن أيوب بإسناده عن رافع بن عُمير (٤) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قالَ الله لداود: ابنِ لي بيتًا في الأرض، فبنى داود لنفسه بيتًا قبل المبيت الذي أمره الله به، فأوحى الله إليه: يا داود بنيتَ بيتك قبل بيتي، فقال: يا رب هكذا قلت فيما قضيت مَنْ مَلَك استأثر، ثم أخذ في بناء المسجد فسقط، فشكا إلى الله تعالى فقال الله: لن تصلح أن تبني في بيتًا. قال: ولم؟ قال: لِمَا جري على يديك من الدماء قال: يا رب أوَلم يكن ذاك في هواك ومحبتك، قال: بلي ولكنهم عبادي وإمائي أرحمهم، فشق ذلك على داود، فأوحى الله إليه: لا

стр. 768

تحزن، فإني سأقضي ببنائه على يدي ابنك سليمان". ثم قال جدي ﵀: هذا حديث موضوع، مُحالٌ يتنزّه الأنبياء عن مثله، ويقبح أن يقال: أبيح له قتل قوم، أو أُمر بذلك، ثم أبعد به عن الرضا عنه. قال ابنُ حبّان: محمد بن أيوب يروي الموضوعات، لا يحلُّ الاحتجاج به، وإنما يروى مثل هذا عن أبي عمرو الشيباني. وقوله أيضًا: يا داود إنَّك أخذته بغير ثمن. لا يجوز مثله على آحاد الناس، فكيف على الأنبياء لأنه يكون غصبًا، وهو محال في حقهم. وقد روى الحسن البصري في مراسيله: أن داود لما شرع في بناء البيت المقدس جاء رجل صالح في زي فقير ليختبرهم فقال: إنَّ لي في هذه البقعة حصةً، وأنتم قد عزمتم على بنائها لله مسجدًا، ولا أرضى أنْ تأخذوا أرضي بغير ثمن، فقال داود: أرضوه، قالوا: نعطيه مئة شاة فأبى، فقالوا: مئة بقرة، فأبى، فقالوا: مئة ناقة، فأبى، فلم يزالوا كذلك حتى ملؤوا أرضه ذهبًا وفضة فقال: لا حاجة في فيها، وإنما أردت أختبركم في طاعة ربكم. ثم مات داود ولم يتمه فأتمه سليمان. وروى جدي بإسناده إلى كعب في "فضائل بيت المقدس": عن رجاء بن حَيْوة عن أبيه قال: قَدِم كعب إِيلياءَ فرشا من بعض أحبار اليهود (١) بضعةَ عشر دينارًا على أن دلَّه على الصخرة التي قام عليها سليمان حين فرغ من بناء المسجد، وهي مما يلي ناحية باب الأسباط، قام سليمان عليها ودعا بثلاث دعَواتٍ، فأراه الله تعجيل الإجابة في دعوتين، وأرجو أن يستجيب الله له في الآخرة. قال: اللهم هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي فأعطاه الله ذلك، ثم قال: ربّ هب لي حكمًا يوافق حكمك، فأعطاه الله ذلك، ثم قال: اللهم لا يأت هذا المسجد أحدٌ يريدُ الصلاةَ فيه إلا أخرجته من خطيئته كيوم ولدته أمه. قلت: وقد أخرج أحمد في "المسند" حديثًا فيه طرف يتعلق بهذا فقال: حدثنا

стр. 769

معاوية بن عمرو بإسناده عن عبد الله الدَّيْلَمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في حائطٍ له بالطَّائفِ يقال له: الوَهْطُ، وهو مُخاصِرٌ فتًى من قريش يُزَنُّ بشُربِ الخَمر، فقلت له: بلغني عنك حديثٌ: أنَّه مَن شَرِبَ الخَمرَ لم يَقْبَل اللهُ لَهُ تَوْبَةً أَربَعين صَبَاحًا، وأنَّ الشَّقي مَن شَقِيَ في بَطْن أُمِّهِ، وأنَّ مَنْ أتى بَيْتَ المَقْدِس لا يَنْهزُهُ إلا الصلاةُ فيه خَرَجَ مِن خَطِيئَتِهِ كيومَ وَلَدَته أُمُّه، فلَمَّا سَمِعَ الفتى بذِكرِ الخَمر اجتَذَبَ يَدَهُ مِن يَدهِ ثُمَّ انطلقَ، فقال عبد الله بن عَمرو: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقول: "مَن شَربَ مِنَ الخمر شَربَةً لَمْ يَقْبل الله لَهُ تَوْبة أربعينَ صَباحًا، فإنْ تابَ تابَ الله عليه، فإنْ عَادَ لم تُقبلْ لَه صلا أربَعينَ صَباحًا، فإن تابَ تابَ الله عليه، فإن عَاد- قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة- قال: فإن عَادَ كانَ حقًا على الله أنْ يَسقيهُ مِنْ الصَّديد المُخْتَلِط يوم القيامةِ" (١). قال: وسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله خَلَق الخَلْقَ- أو خَلْقَهُ- من، أو في، ظُلْمَة، ثم أَلْقى عليهم مِن نُوره يَوْمئذ، فَمَن أصابه مِن نورِه اهتدَى، ومَن أَخطأَه ضَلَّ"، فلذلك أقولُ: جفَّ القلم على علم الله. وسَمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ سُلَيمان بنَ دَاوُد سأل الله ثلاثًا فأَعطَاه اثنَتيَنِ، ونحن نَزجو أن تكونَ لنا (٢) الثالثة، مسألة حُكْمًا يصادف حُكْمه فأعطاه إياه، وسأله مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ مِن بَعده فأَعطَاه إيَّاه، وسأله أيُّما رَجُل خرج من بيتِه لا يريدُ إلا الصَّلاةَ في هذا المسجدِ خَرَجَ مِن خَطِيئَتِهِ كيومَ وَلَدَتْه أُمّه، فنَحنُ نرجُو أن يكونَ اللهُ قد أعطَاهُ إيَاهُ" (٣). وقال مقاتل: كانت الشَّياطين تأتيه باليواقيتِ من البحار فيحتاج إلى ثَقْبها، ولم يكن لهم خبرة بها، فسأل الشياطين عن ذلك فقالت: ما يعرف هذا إلا صخرٌ الجني، وإنَّه في جزيرة من جزائر البحر المظلم، ولا طاعة عليه لأحد. فطبع بخاتمه وبعثه مع العفاريت فجاؤوا به، فسأله سليمان ﵇ عن ثقب اللؤلؤ فقال: لا يثقبها إلا

стр. 770

حجر السامور، ولا أعرف معدنه ولا أعرف في الطيور أشدَّ من العُقَاب، فاجعل فراخَهُ في صندوق من حجارة، ثم اترك العُقَاب معهم ليلة، ثم أخرجه واترك فراخه في الصندوق فإنه سيأتي بالسامور، ففعل، فجاء العُقَاب بالسامور فتْقب به الصندوق، فأخذه فثقبوا به اللآلئ، فهو إلى اليوم على ذلك. فصل يتعلق ببيت المقدس ذكر جدي ﵀ في "فضائل بيت المقدس" عن قتادة أنَّه في قوله تعالى: ﴿الزَيتونَ﴾: أنه جبل عليه بيت المقدس (١). وقد جاء في الحديث: أن الوادي الشرقي من القدس وادي جهنم. أنبأنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي قال: حدثنا أبو السَّعَادات نصر الله بن عبد الرحمن القزَّاز بإسناده عن عثمان الرسلي عن أبي قال: قام عُبادة بن الصَّامِت (٢) على سور بَيْت المقدس الشرقي فبكى، فقال له بعض الحاضرين: ما يُبكيك؟ قال: من هاهنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنه رأى جهنم. فصل فيما كان بالبيت المقدس من العجائب أنبأنا جدي ﵀ قال: حدثنا المبارك بن أحمد بإسناده عن أبي مالك بن ثعلبة ابن أبي مالك القُرَظي قال: سمعتُ إبراهيم بن طَلحة بن عبيد الله يُحدِّث عن أبيه عن جدِّه يرفعه قال: "إنَّ ذا القَرنينِ كانَ مِن حِميَر، وإنَّه قَصَدَ البيتَ المقدسَ فَرَأى فيه مِنَ العَجَائبِ التي صَنَعها الضحَّاكُ بنُ قيسٍ في الزَّمانِ الأول". إحدى تلك العجائبِ: أنَّه صَنَع نارًا عظيمةَ اللَّهب، فمن لم يُطِع تلك الليلة أحرقته.

стр. 771

والثانية: من رمى بيت المقدس بنشابة رجعت النشابةُ عليه. والثالثة: وضع كلبًا من خشب على باب البلد، فمن كان عنده شيء من السِّحْر واجتاز بالكلب نبح عليه، فإذا نبح عليه نسي ما عنده من السحر. والرابعة: وضع بابًا، فمن دخله وكان ظالمًا ضغطه ذلك الباب حتى يعترف بظلمه. والخامسة: وضع عصًا في محراب بيت المقدس، فلا يقدر أن يمسَّها إلا مَنْ كان من ولد الأنبياء، فإن كان من غيرهم أخرَقَتْ يَدَهُ. والسادسة: أنهم كانوا يَحبِسون أولاد الملوك في المحراب، فمن كان من أهل المملكة فإذا أصبح أصابوا يده مطليَّة بالذُهن (١)، وذكر حديث السلسلة التي كانت لسليمان وسنذكرها. قال ابن سيرين: صنع سليمان قبة في المسجد وطلاها بالخُضْرة، وصقل حائطها، فكان إذا دخلها الرجل الصالح استبان خياله في الحائط أبيض، وإذا دخلها الفاسق استبان ظله أسود. فصل في فِطْنَة سليمان حدثنا غير واحد عن أبي البَركَات الحافظ المعروف بابن الأنماطي بإسناده عن محمد بن كَعب القُرَظى قال: جاء رجل إلى سليمان فقال: يا نبيَّ الله، إنَّ جيراني يسرقون إوَزِّي، فنادى: الصلاة جامعة، ثم خطبهم وقال في خطبته: وأحدكم يسرقُ إوزَّ أخيه ثم يدخلُ المسجدَ والريشُ على رأسه، فمسحَ رجل منهم يده على رأسه، فقال سليمان: خذوه، فإنَّه صاحبكم (٢). وقال أبو نعيم الأصفهاني: حدثنا سليمان بن أحمد بإسناده عن مَكْحُول عن أبي هريرة قال: بينما سليمان بن داودَ ﵇ في موكبه إذ مرَّ بامرأة تصيح بابنها: يا لا دين، فوقف سليمان فقال: إن دين الله الظاهر، وأرسل إلى المرأة فسألها عن ذلك

стр. 772

فقالت: إنَّ زوجها سافر ومعه شريكٌ له ثم قدم، فزعم أن زوجها مات، وأَوصى إلى شريك له إنْ ولد له غلام يسمِّيه: لا دين، فسأل سليمان عن الشريك وطلبه، فحضر بين يديه وقال له: ما هذا؟ وهدده فاعترف بأنه قتل أبا الغلام، فقتله سليمان (١). فصل في تعليمه منطق الطَّير روى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] كما نفهم لغة بني آدم. وقال مقاتل: كان سليمان جالسًا فمرَّ به طائر يرفرف ويصيح، فقال سليمان لجلسائه: هل تدرون ما يقول هذا الطائر؟ قالوا: الله أعلم وأنت يا نبيَّ الله، قال: إنه يقول: السلام عليك أيها الملِكُ المسلَّط على بني إسرائيل، أعطاك الله الكرامة وأظهرك على عدوِّك، إني لمنطلق إلى فراخي وأعودُ إلى خدمتك. قال سليمان: وإنَّه سَيرْجع إلينا. قال: ومضى الطائر ثُمَّ عاد فوقف على سليمان، ثم قال لسليمان: أيها الملك إن أَذنتَ في أن أكتسب لفراخي حتى يشبُّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئتَ، فأخبرهم سليمان بما قال وأَذِنَ لهُ. وقال فرقد السبخي: مرَّ سليمان على بلبل وهو على شجرة يحرك رأسه ويترنم ويميل ذنبه فقال: هل تدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: أكلت اليوم تمرة فعلى الدنيا العفاء. وقد ذكر الثعلبي "في تفسيره" العَجَائبَ من هذا الجنس، والله أعلم (٢). فصل في ممرّه على وادي النمل وغيره قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. قال مقاتل: ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا. قال مجاهد: كان قد جعل الله على كل صنف منهم وَزَعةً يحبسون أُولاهم على

стр. 773

أخراهم حتى يقف كلُّ صنف منهم عند حدِّه ولا يتقدم في السَّيْر كما يفعل الملوك. وأصل الوَزْعِ: الكفُّ والمَنْعُ. وقال وهب: مرَّ سليمان على وادي النَّمل، واختلفوا فيه، قال قوم: هو بالطَّائِف، وقال قوم آخرون: بالمغرب، وقيل: بالساحل، وقيل: بالمشرق. فخرجت نَملة عرجاء اسمها منذرة، فجعلت تمشي وتتكَاوَس (١)، فلما رأتِ البساط وما عليه من الجيوش ذُهلت ونادت، فقالت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] الآية، فألقت الريحُ قولها في سمع سليمان ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] ووقف ببساطه. قال الضَّحَّاك: اسمها طاخية، وقال مقاتل: حرمى. ثم أحضرها بين يديه وقال لها: حذَّرتِ إخوانكِ ظلمنا والأنبياءُ لا يظلمون، قالت: معاذ الله. قال: فكيف قلت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨] فأجابت بجوابين: أحدهما: قالت: أما سمعتَ قولي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]. والثاني: أنها قالت: ما أردت حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خفت أن يتمنَّين ما أُعطيتَ فيَشتغِلْنَ عن ذكر الله ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (٢). قال جدي ﵀: إنَّما تبسم ضاحكًا من فصاحتها، لأنها جمعتْ في الآية الفصاحة كلَّها وذلك لأن قولها: ﴿يا﴾: نادت، ﴿أيها﴾: نبَّهت، ﴿النمل﴾: عيَّنتْ، ﴿ادخلوا﴾: أمرت، ﴿مساكنكم﴾: نضَّت، ﴿لا يَحطِمَنكم﴾: حذَّرت، ﴿سليمان﴾: خصَّت، ﴿وجنوده﴾: عَمَّت، ﴿وهم لا يشعرون﴾: عَذَرتْ (٣). قال مقاتل: قال لها سليمان: عِظيني، فقالت: لمَ سُمِّي أبوك داود وأنت سليمان؟ قال: لا أدري. قالت: لأنه داوى جرحه بمراهم التوبة فوداه ربه، وأنت سليم، آن لك أن تلحق بأبيك (٤).

стр. 774

وقد ذكرنا أنها قالت له: إني لأجد رائحة الحسد من قولك: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. قال وهب: كانت النملة بقدر الذئب (١). وفي حديث ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا: نهى رسولُ الله ﷺ عن قَتْلِ الهدهُد والصُّرَد والنَّخلَة والنّملَة (٢). قال وهب: احتاج سليمان إلى حِنطَةٍ فبعث إلى وادي النَّمل فاقترض منهم، فقالت النملة: إلى غداةِ غدٍ، فلما أصبحوا إذا الوادي بأسره حِنطة، فلما أخصبت الأرض بعث إليهم سليمان أضعاف ذلك، فأخذوا مثلما أقرضوا وردُّوا الباقي، فأرسل إليهم سليمان يَعتِبهُم على ذلك، فقالت النَّملة: إنَّا معاشر النَّمل لا نأكل الربا. وحدثنا عبد الله بن أبي المَجْد الحربي وجدي رحمة الله عليهما قالا: حدثنا هبة الله ابن الحسين بإسناده عن أبي الصديق النَّاجي قال: خرج سليمان يَسْتَسقي، فمرَّ بنَمْلَة وقد استلقت ورفعت قَوائمَها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنَّا خلقٌ من خَلْقِكَ ليس لنا غنًى عن سؤالك، فإمّا أن تَسقِيَنَا وإمَّا أنْ تُهلِكَنَا، فقال سليمان: ارجعوا فقد سُقيتم بدعوة غيركم، قال: فَسُقُوا (٣). وقال عبد الله بن أحمد بإسناده عن وهب بن منبه قال: ركب سليمان يومًا على الريح فمرَّ بحرَّاثٍ فنظر إليه فقال: لقد أوتي ابن داودَ ملكًا عَظِيمًا، فحملت الرّيح كلامه فأَلْقَتْه في أذن سليمان، فنزل من البساط ووقف على الحرَّاث فقالْ قد سمعتُ ما قلتَ وإنَّما مشيتُ إليك لئلا تتمنَّى ما لا تقدر عليه، لتَسبيحةٌ واحدة يقبلها الله خيرٌ مما أُوتي آل داود، فقال الحرَّاث: أَذهبَ الله همَّكَ كما أذهبتَ همّي (٤). وفي رواية: أنَّ الحرَّاث لمَّا قال ذلك ناداه مَلَكٌ مِنَ السماء: لَتَسبيحةٌ واحدةٌ خيرٌ

стр. 775

مما أوتي ابن داود، قال: ولمَ؟ قال: لأن التَّسبيحَة تبقى ومُلْك ابن داود يَفنى. وفي رواية: أنَّ الحرَّاث لما رأى البساط قال: لو أن ابن داود عندي كلَمته بثلاث كلماتٍ، فأوحى الله إليه انزل إليه، فنزل سليمان وقال: ما الكلمات؟ قال: أما الأولى، فإني قلتُ: والله ما سليمان في لذةٍ التذَّ بها أمسِ وأنا في تعبٍ تعبته أمس إلا سواءً، فلا هو واجد لَذَّة أمس ولا أنا وجدْتُ تعبَ أمس. والثانية: قلتُ: سليمان يموت وأنا أموت. والثالثة: قلتُ: سليمان سأل وأُعْطيَ وأنا لا أسأل (١)، فخرَّ سُلَيْمان يبكي ويقول: إلهي لولا أنك جَواد لا تبخل لسألتك أنْ تَنْزعَ عنِّي ما أعطيتَني. قال كعب: مرَّ سليمان في طريقه إلى اليَمَن على يَثْرِب فقال: هذه مُهاجَرُ نبيٍّ يُبعثُ في آخر الزمان، فطوبى لمن رآه وآمن به. قال: ثم مرَّ على البيت فرأى حوله أصنامًا تُعبدُ من دون الله فجاوزهُ لم ينزل عنده، فبكى البيتُ، فأوحى الله إلى البيت: سأملؤك وجوهًا سجدًا، وأُنزل فيك قرآنًا، وأبعثُ منك نبيًا في آخر الزمان هو أحبُّ أنبيائي إليَّ، وأُسْكِنُ حَولك عُمَارًا من أمَّته يعبدونني ويمجِّدونني ويطهِّرونك من الأصنام، وأفترضُ زيارتك عليهم، يَزِفُّون إليك زَفيف النسور إلى أوكارها، ويحنُّون إليك حنينَ النوق إلى أولادها، وسيعود إليك سليمانُ ويَقضي واجبَ حقِّكَ. فلمَّا عاد نزل به وكسر الأصنام وطاف به وذبح الذبائح وقضى نُسُكَه (٢). فصل في عرض الخيل على سليمان وهل عقرها قبل وقوع المحنة أو بعدها؟ فيه قولان. قال الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] العشيّ: ما بعد الزَّوال، لأن النهار قسمان غداة وعشي، فالغداة من طُلُوع الفجر إلى وقت الزَّوال، والعشيُّ ما بعد الزَّوال إلى غروب الشمس.
следующие страницы →