← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

بسامراء يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ والوفاء للمستعين بما بايعوه عليه، فلما رأى ذلك أمر بكسرِ القناطر والجسور وبثق المياه حول البلد فِي طريقهم. وكتب كلُّ واحدٍ من المستعينِ والمعتز كتابًا إلى موسى بن بغا -وكان مقيمًا بأطراف الشام قد انفصلَ عن حمص ومحاربة أهلها (١) - يأمره بأن يصير إليه، ويَعِدُهُ الولايات والإقطاعات، فمال إلى المعتز، وقدمَ عليه بسرَّ من رأى، ثمَّ قدم عبد الله بن بغا الصغير على أبيه ببغداد، واعتذر إليه من تأخُّره عنه، واحتجَّ بحجَّةٍ، فقبلَ ذلك منه أبوه، وأقام أيَّامًا، ثم عاد إلى سرَّ من رأى مخالفًا لأبيه، وقال للمعتز: إنما صرتُ إلى بغداد لأعرفَ أخبارهم، فصدَّقَه المعتزّ، وأحسن إليه. وقدم الحسنُ بن الأفشين بغداد على المستعين، فسر إليه (٢)، وضمَّ إليه من الأشروسنة وغيرهم، وقدمَ أيضًا أسد بن داود سياه، وجماعةٌ من القوَّاد على المستعين، وجهز المستعين العساكر إلى بغداد. ذكر تجهيز المعتز العساكر إلى قتال المستعين لما كان يوم السبت لسبعٍ بقين من المحرَّم عقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكل على حرب [ابن] (٣) طاهر والمستعين، وجهَّزه فِي جيشٍ كثيف، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فعسكرَ بالقاطول فِي خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة، وألفين من المغاربة، ومقدَّمهم محمدُ بن راشد المغربيّ، فنزلوا عُكْبَرَا ليلة الجمعة لليلةٍ بقيت من المحرَّم، وصلى بها أبو أحمد الجمعة، ودعا للمعتزِّ بالخلافة، وكتب إليه بالفتح، وهربَ الناس منهم ما بين بغداد وعُكْبَرَا وسائر القرى من الجانب الغربيّ؛ خوفًا على أنفسهم، وتركوا الضياع والغلَّات والأمتعة، فنهبت، وهدمتِ المنازل، وقطعت الطرق. وهرب جماعةٌ من أصحاب بغا الشرابيّ إليهم، فأكرمَهم أبو أحمد، وجاء أبو أحمد بعسكرِه فنزل بباب الشمَّاسيَّة، وذلك فِي ليلة [الأحد] (٤) لسبعٍ خلونَ من صفر.

стр. 7107

ولثلاث عشرة خلت منه جاء لابن طاهر جاسوس، فأخبره أنَّ أبا أحمد يريدُ أن يحرق ظلال الأسواق من جانبي بغداد، فأمر بها فكُشِطَتْ. وقيل: إنهم جَدُّوا فِي القتال من باب الشمَّاسيَّة إلى سوق الثلاثاء، ومن قنطرة الحربية إلى الصراة، ثم تأخروا إلى القُفص. والأصحُّ أنهم أقاموا من غير قتالٍ إلَّا مناوشات، ثم جدُّوا فِي القتال من منتصف صفر، فقُتِل من الفريقين فِي ذلك اليوم أربع مئة، من كلِّ فريق مئتان، وكثُرت الجراحات فيهم، وكانت الغوغاء تقاتلُ أعظمَ من الجند بالمجانيق والمقاليع، والمعتزُّ يردفُهم بالعساكر والأموال. ولمَّا كان فِي اليوم السادس عشر من صفر -وقيل: يوم الأربعاء لليلةٍ بقيت منه- وجَّه محمدُ بن طاهر عسكرًا إلى باب القطيعة، وجعل كمينًا، وجاءَ أصحاب أبي أحمد وقُتِل منهم ألفان، وأخذ ما كان معهم من متاعٍ وأموالٍ ودوابّ وأسرى، وجُعلت رؤوسهم فِي الزواريق، وأُخِذت أعلامُهم وطبولهم، وغرقَ منهم ألفان (١)، وانهزمَ الباقون إلى سامرَّاء، وخلعَ ابن طاهر على المُقَدَّمين، وسوَّرهم، وطوَّقهم أطواق الذهب. وفرحَ المستعين وأمر أن يكتب كتاب بالنصر وعدَّةِ القتلى، ويقرأ فِي نواحي بغداد، ودعا فيه لمحمد بن طاهر. وهدم ابنُ طاهر ما كان بباب الشماسيَّة وراءَ السور من الدور والحوانيت، وقطع البساتين؛ ليتَّسع للخيل مجال (٢). ولمَّا جرى على عسكر المعتزِّ ما جرى نهب العوامُّ أسواقَ سامرَّاء وحوانيتَها (٣). وفي يوم الاثنين لستٍّ بقين من صفر قدم بغداد إسماعيلُ بن فراشة من ناحية همذان فِي ثلاث مئة فارس، وقدم معه رسولُ المعتزّ يأمرُه بالبيعة، فقيَّد ابنُ فراشة الرسول، وصحبَه إلى بغداد، وحملَه على بغلٍ بإكاف (٤)، فخلع ابنُ طاهر على ابن فراشة عدَّة خلع.

стр. 7108

ولليلةٍ بقيت من صفر جاء الأتراكُ والمغاربة إلى أبواب بغداد من الجانب الشرقيّ، فأغلقتْ فِي وجوههم، ورُموا بالسهامِ والمجانيق وقتل من الفريقين جماعةٌ ورَجعوا. وفي ربيع الأوَّل جاء عسكرٌ من سامرَّاء، فخرجَ إليهم محمدُ بن طاهر فِي قوَّاده واقتتلوا، وما زالوا كذلك إلى نصف رجب، وضاق ببني هاشم الحال (١)، وانقطعت أرزاقُهم، فجاؤوا إلى دار ابن طاهر، فشتموه، وصاحوا بالمستعين: إن لم تدفع إلينا أرزاقَنا، وإلَّا فتحنَا الأبوابَ لأصحاب المعتزّ، فأرسلَ إليهم من لطف بهم، ووعدهم الخيرَ، فسكتوا. وفي يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان نقبَ الأتراكُ سور باب الأنبار، وأحرقوا الباب، وما كان عليه من المجانيق والعُدد، فركب ابنُ طاهر وبُغَا ووصيف، والتقوا، فهزموا الأتراكَ، وسدُّوا باب الأنبار بالجصِّ والآجر (٢). وفيها كتب المعتز إلى أبي أحمد يلومه على تأخُّره عن القتال، ويأمره بالجدِّ، فكتب إليه أبو أحمد: [من المتقارب] ليوم المنايا علينا طريقُ … وللدَّهر فيه اتِّساعٌ وضيقُ وأيَّامنا عِبَرٌ للأنام … فمنها البكورُ ومنها الطُّروقُ ومنها هَنَاتٌ تشيبُ الوليدَ … ويَخذلُ فيها الصدوقَ [الصديقُ] (٣) وبلدةُ حصنٍ لها (٤) ذِرْوةٌ … تفوتُ العيونَ وبحرٌ عميقُ قتالٌ مبيدٌ وسيفٌ عتيدٌ … وخوفٌ شديدٌ وحِصْنٌ وثيقُ وطولُ صياحٍ لداعي الصباح الـ … ـسلاحَ السلاحَ فما يستفيقُ فهذا قتيلٌ وهذا جريحٌ … وهذا حريقٌ وهذا غريقُ وهذا [قتيلٌ] (٥) وهذا تليل … وآخر يشدخُه المنجنيقُ

стр. 7109

هُناكَ اغتصابٌ وثَمَّ انتهابٌ … ودُوْرٌ خرابٌ وكانت تَرُوقُ إذا ما سمونا إلى مسلكٍ … وجدناه قد سُدَّ عنا الطريقُ فبالله نبلغُ ما نرتجيهِ … وبالله ندفعُ ما لا نطيقُ وقيل: إنَّ هذه الأبيات لعليِّ بن أميَّة فِي فتنة المأمون (١). وفي ذي القعدة كانت بينهم وقعةٌ عظيمة وكان أبو أحمد قد نزل بباب الشماسيَّة وأخرب ما حوله، وجدَّ فِي القتال، فسألَهم ابنُ طاهر الموادعةَ لينظر فِي الأمر، فأجابه أبو أحمد، وبطل القتال، وأبواب بغداد مغلقةٌ، ولم يزل أمرُ بغدادَ يضعفُ، وأمرُ الأتراك يشتدُّ؛ لأنَّ الميرةَ كانت تأتيهم من كلِّ مكان، فصاح أهلُ بغداد: إمَّا القتال، وإمَّا فتح الأبواب، فلم يجابوا، فصاحوا: الجوع الجوع، وكاتب المعتزُّ محمد بن طاهر يرغِّبه ويرهِّبه، وبعثَ إليه أبو أحمد بهدايا كثيرة، وعلمت العامة فجاؤوا إلى باب ابن طاهر فقاتلوه، وقُتل بينهم قتلى، وأرادوا نهبَ داره، وكان المستعين نازلًا بها، فأرسل إليه ابنُ طاهر يسألُه أن يُكلِّم العوامّ، فاطَّلع إليهم وقال: كفُّوا، ثم أصبحوا إلى دار ابن طاهر فقاتلوه وقالوا: قد واطأت الأتراكَ والمعتزَّ على خليفتنا وراسلتَهم وراسلوك، وتريدُ أن تحكِّمَ الأتراكَ فِي حريمنا وأموالنا، ونحن لا نأمنُك على خليفتنا، انقله من دارك، فقال له المستعين: لا آمنُ عليك الغوغاء، انقلني من دارك، قال: بسم الله، فركب المستعين من داره وخرج ومحمدٌ بين يديه بالحربة؛ لأنَّه كان صاحب الشرطة، والقوَّادُ يمشون خلفه، إلى دار رزق الخادم بالرُّصَافة -وقيل: إلى دار عمَّته أم حبيب بنت هارون الرشيد- ولمَّا مر بدار علي بن المعتصم خرج وسألَه النزول عليه، فأبى. وعزم ابنُ طاهر على النقلة من داره إلى المدائن خوفًا من العامَّة، فاجتمع إليه الغوغاء (٢)، وقالوا: هؤلاء الغوغاء سفهاء، وقد جاعوا، وطال عليهم الحصار، فاصفح عنهم ولا تؤاخذهم، فأجابَهم، وخرج ابن طاهر إلى العامة، حَلفَ لهم أنَّه ما أضمرَ للمستعين غلًّا ولا شرًّا، ولا قصدَ إلَّا الإصلاح، وبَكى فأبكى الناس، فرضوا عنه.

стр. 7110

ذكر انحراف ابن طاهر على المستعين لم يزل ابن طاهر مجدًّا فِي نصرته حتَّى أيقظَه عبيدُ الله بن [يحيى بن] (١) خاقان، فقال له: هذا الَّذي تنصرُه وتبذلُ روحَك بين يديه، ومالكَ فِي نصرته، أشدُّ الناس نفاقًا، وأخبثهم دينًا، أَمَرَ بُغَا ووصيفًا بقتلِك، فاستعظما ذلك، فسلْ تُخبر، وحسبك دليلًا على نفاقه أنَّه كان بسرَّ من رأى لا يجهرُ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فلمَّا صار إلى بغداد جهرَ بها مداجاةً لك، وتقرُّبًا إليك، فقال محمد: أخزَى الله هذا، فما يصلحُ لدنيا ولا دين. ولمَّا كان منتصف ذي الحِجَّة خرجَ ابنُ طاهر إلى باب الشمَّاسيَّة فوقفَ هنالك، وجاءَ أبو أحمد بن المتوكِّل وقد ضرب لهما مضرب، فنزلا وتحادثَا طويلًا، واتَّفقا على خلع المستعين، وضمنَ أبو أحمد لابن طاهر فِي كلِّ سنةٍ خمسين ألف دينار، وغَلَّةً بثلاثين ألف دينار، وأن يُقيم على حاله ببغداد، وله ثلث مغلها، وللموالي والأتراك الثلثان، ويولي بُغَا مكة والمدينة والحجاز، ووصيفًا الجبال (٢). ورجع ابنُ طاهر إلى المستعين، فكاشفه بالخلع، فقال: يا محمد، إنَّما نزلتُ دارك لتجيرني وتنصرني على عدوِّي، فإن لم تفعل ذلك فكفَّ عني، وهذا عنقي والسيف دون الخلع، ما أفسد حالي غيرك. فقال ابن طاهر: أمَّا أنا فأقعد فِي بيتي، وأمَّا أنتَ فلا بدَّ لك من الخلع كارهًا أو مطيعًا، وكان ابن الخَلَنْجِيّ حاضرًا، فقال لابن طاهر وأغلظ له: أتريد أن تخلع قميصًا من قمص الله به أمير المؤمنين، لا ولا كرامة (٣). ذكر خلع المستعين لما خذله ابنُ طاهر وبغا ووصيف، وضعف أمره، أجابَ إلى الخلع، ولمَّا ناظروه قال له وصيف: أنتَ أمرتنا بقتل باغر، فصرنَا إلى ما نحن فيه، وأنتَ عرَّضتنَا لقتل أوتامش، وقلت: إنَّ محمد بن عبد الله بن طاهر ليس بناصح، وقال له محمد: أنت

стр. 7111

قلت لي: إنَّ أمرنَا لا يصلحُ إلَّا باستراحتنا من هذين، وكاشفوه فأذعنَ بالخلع كرهًا. ولمَّا كان يومُ السبت لعشرٍ بقين من ذي الحجة ركبَ محمد بن طاهر إلى الرُّصافة، وجمعَ القضاة والشهود والفقهاء، فأدخلَهم على المستعين فوجًا فوجًا، وأشهدهم على نفسه بالخلع، وأخذ منه جواهرَ الخلافة. واشترط المستعينُ أنْ ينزلَ مدينةَ النبيِّ ﷺ ، وأن يتردَّد من المدينة إلى مكَّة، فأُجيبَ إلى ذلك، وبعثوا بالكتاب إلى المعتزّ. وحُمِل إلى المستعين أمُّه وابنه (١) وعيالُه بعد ما فُتِّشُوا وأَخذوا ما كان معهم، فوصلُوا إلى بغداد أول سنة اثنتين وخمسين ومئتين. وعاد أبو أحمد إلى أخيه المعتزّ بالبُرْدَةِ والقضيب والسيف وجوهر الخلافة مع شاهك الخادم. وكان المستعين يقول: اللهمَّ إنْ كنتَ خلعتني من الخلافةِ، فلا تخلعني من رحمتك. وأكثرت الشعراءُ فِي خلع المستعين وغدرِ ابن طاهر به، فقال شاعر: [من الطويل] أطافت بنا الأتراكُ حولًا مكمَّلًا … وما برحت فِي حجرها أمُّ عامرٍ أقامت على ذلٍّ بها ومهانةٍ … فلمَّا بدت أبدت لنا لؤمَ غادرِ ولم ترعَ حقَّ المستعين فأصبحت … تعينُ عليه حادثاتُ المقادرِ لقد جمعتْ لؤمًا وخبثًا وخِسَّةً … وأبقت لهم عارًا على آل طاهر (٢) وقال آخر: [من الكامل] خُلِعَ الخليفة (٣) أحمدُ بن محمدٍ … وسيقتلُ التالي له أو يُخْلَعُ ويزولُ ملكُ بني أبيه ولا يُرَى … أحدٌ تملَّكَ منهمُ سيُمَتَّعُ إيهًا بني العباس إنَّ سبيلَكم … فِي قتلِ أعبُدِكُم سبيلٌ مهيَعُ رقَّعتُمُ دنياكُم فتمزَّقتْ … بكمُ الحياةُ تمزُّقًا لا يُرْقَعُ

стр. 7112

وقال مروان بن محمَّد (١) بن أبي الجنوب يمدح المعتز بعد خلع المستعين: [من السريع] قد عادتِ الدُّنيا إلى حالِها … وسرَّنا اللهُ بإقبالِهَا دنيا بك اللهُ كفى أهلَها … ما كان من شدَّةِ أهوالِهَا وكان قد ملَّكهَا جاهلًا … ما تصلحُ الدُّنيا لجهَّالهَا قد كانتِ الدُّنيا به أقفلتْ … فكنتَ مفتاحًا لأقفالهَا خلافةٌ كنتَ حقيقًا بها … فضَّلكَ اللهُ بسربالِهَا فردَّه اللهُ إلى حالِهِ … وردَّها اللهُ إلى حالِهَا بدَّلنا اللهُ به سيِّدًا … أسكنَ دُنيا بعد زلزالهَا (٢) من أبيات. وقال: [من البسيط] إنَّ الأمور إلى المعتزِّ قد رَجَعَتْ … والمستعينُ إلى حالاته رجعَا وكان يعلمُ أنَّ الملكَ ليس له … وأنَّه لك لكن نفسَهُ خَدعَا ومالكُ الملكِ مؤتيهِ ونازعُهُ … آتاه (٣) ملكًا ومنهُ الملكَ قد نزعَا إنَّ الخلافةَ كانت لا تلائمُهُ … كانت كذاتِ حليلٍ زُوِّجت مُتعَا ما كان أقبحَ عند الناس بيعتَه … وكان أحسنَ قول (٤) الناس قد خُلِعَا ليت السُّقاةَ إلى قافٍ به دَفَعَتْ (٥) … نفسي الفداءُ لملَّاحٍ به دَفعا أمسى بك الناسُ بعد الضيقِ فِي سَعَةٍ … والله يجعلُ بعد الضيقِ متَّسعَا والله يدفعُ عنكَ السوء من مَلكٍ … فإنه بكَ عنَّا السوءَ قد دفعَا ما ضاعَ مدحي وما ضاع اصطناعُكَ لي … لقد وجدتُ بحمدِ الله مصطنعَا من أبيات (٦).

стр. 7113

وقال البحتريُّ فِي المعتز وأوَّلُها: يجانبنا فِي الحبِّ من لا نُجانِبُهْ … ويبعدُ عنَّا فِي الهوى من نُقارِبُه ألَا هل أتاهَا أنَّ مُظْلِمَةَ الدُّجى … تجلَّتْ وأنَّ العيشَ سُهِّلَ جانبُهْ وأنَّا رددنَا المستعارَ مذمَّمًا … على أهلِه واستأنفَ الحقَّ صاحِبُهْ عجبتُ لهذا الدهرِ أعيتْ صروفُه … وما الدهرُ إلَّا صَرْفُه وعجائبُهْ متى أمَّلَ المخلوع أن يصطفى له … عُرَى التاجِ أو تُثنَى عليه عصائبُهْ وكيف ادَّعى حقَّ الخلافةِ غاصبٌ … حوى دونه إرثَ النبيِّ أقاربُهْ بكى المنبرُ الشرقيُّ إذ خار فوقَه … على الناس ثورٌ قد تدلَّت غباغِبُهْ تخطَّى إلى الأمرِ الَّذي ليس أهلَهُ … فطَورًا يناديه (١) وطورًا يواثبُهْ (٢) فكيف رأيتَ الحقَّ قرَّ قرارُه … وكيف رأيتَ الظُّلمَ زالت (٣) عواقبُهْ ولم يكن المغتَرُّ بالله إذ سَرى … ليعجِز والمعتزُّ بالله طالبُهْ رمى بالقضيبِ عَنْوَةً وهو صاغرٌ … وعُرِّيَ من بُرْدِ النبيِّ مناكبُهْ وقد سرَّني أنْ قيلَ وُجِّهَ مسرعًا … إلى الشرق تجري سُفْنُهُ ومراكِبُهْ إلى كَسْكَرٍ خلف الدَّجاجِ ولم يكن … لتُنْشِبَ إلَّا فِي الدجاجِ مخالبُهْ فأُقسم بالوادي الحرام وما حوتْ … أباطحُه من مُحْرِمٍ وأخاشبُهْ لقد حملَ المعتزُّ أُمَّةَ أحمدٍ … على سَنَنٍ يسري إلى الحقِّ لاحبُهْ تداركَ دينَ الله من بعد ما عَفَتْ … معالمُه فينا وغارتْ كواكبُهْ وضَمَّ شعاعَ الملك حتَّى تجمَّعتْ … مشارقُه موفورةً ومغاربه ثم أرادَ المستعينُ أنْ يخرجَ إلى مكَّة، فمنع، وإلى البصرة، فقيل: هي حارَّة، فقال: أتراها أشد حرًّا من فقد الخلافة (٤)، فاختارَ نزول واسط، فبعثَ معه المعتزُّ من يُسَلِّمُه إلى منصور بن نصر الخزاعيّ عامل المعتزِّ على واسط (٥).

стр. 7114

ولما وقعت الفتنةُ فِي هذه السنة بين المستعين والمعتزّ تحرَّكت العلويَّة من كل جانب، فغلبَ الحسنُ بن زيد بن محمد على طبرستان، وخرج بالرَّيِّ عليُّ بنُ جعفر بنِ حسين بن علي بن عمر، وخرجَ الحسينُ بن أحمد الكَوْكَبيّ، فسارَ إلى الدَّيلَم، وخرج الحسينُ بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن حسين بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، وظهر بمكَّة إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسين بن عليّ (١) بن أبي طالب (٢). فأمَّا الحسنُ بن زبد صاحب طبرستان، فإنَّه قصدَه سليمانُ بن عبد الله بن طاهر، فأخرجَه من طبرستان، فألحقَه بالديلَم (٣). وأمَّا الكوكبيّ، واسمه الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن [علي بن] (٤) الحسين بن علي بن أبي طالب، غلبَ على قَزْوين وزِنْجَان، فطردَه عنها عمال ابن طاهر (٥). وأمَّا الحسين بن محمد بن حمزة الخارج بالكوفة، فإنَّه غلبَ على سوادها فِي ثلاث مئة رجل، فوجَّه إليه المستعين مُزاحم بن خَاقان، فهزمه الطالبيُّ، فدخل مزاحم الكوفة، ثم جاء الطالبي، فخرجَ إليه مزاحم فهزمه. وكتبَ المعتزُّ إلى مزاحم فاستماله، فأتى إلى سرَّ من رأى، ولم يعد إلى بغداد، وذلك فِي رجب. فأما إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم الخارج بمكَّة، فإنَّه لما دخلَ مكَّة كان بها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى عاملًا عليها، فهرب، فنهبَ إسماعيل منزلَه ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعةً من أهل مكة، [وأخذ ما كان حمل لإصلاح العين الجارية إلى مكَّة]، وأخذ ما فِي الكعبة من الذهب والفضة والطيب والكُسْوة، وأخذ من الناس نحوًا من مئتي ألف دينار، ونهب مكة، وأحرق بعضها فِي ربيع

стр. 7115

الأول، ثم خرجَ منها بعد خمسين يومًا، وصار إلى المدينة، فتوارى عنه عاملها عليُّ بن الحسين بن إسماعيل، ثم رجع [إسماعيل] إلى مكة فِي رجب، فحصرَهم حتَّى ماتوا جوعًا وعطشًا، وبلغ الخبز ثلاثَ أواقٍ بدرهم، واللحمُ رطلٌ بأربعة دراهم، وشربةُ ماءٍ بثلاثة دراهم، ولقي منه أهلُ مكَّة كلَّ بلاء، وأقام عليهم محاصرًا سبعةً وخمسين يومًا، ثم مضى إلى جُدَّة، فأخذ أموال التُّجَّار وأصحاب المراكب، ومنع الطعام أنْ يُحمَل إلى مكَّة (١). وجهَّز المعتزُّ إليه محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور، وعيسى بن محمد المخزوميّ، فقدما بالحاج، فقاتلهم، فقتَل من الحاجِّ نحوًا من ألفٍ ومئة رجل، وسَلَبَ الناس، فهربوا إلى مكَّة، ولم يقف بعرفات منهم أحدٌ إلَّا إسماعيل وأصحابه، ثمَّ رجع إلى جُدَّة، فأفنَى أموالها (٢). وفيها (٣) توفِي إسحاق بن عباد بن موسى أبو يعقوب الخُتُّليّ (٤). حدَّث عن الإمام أحمد وغيره، وروى عن ابن المديني. قال: حجَّ الأعمش والمعلَّى (٥) ومالك بن مِغْوَل، فآذاهم الجمَّال، قام إليه الأعمشُ بعصى، فضربه فشجَّهُ فقيل له: تفعل هذا وأنت محرمٌ؟! فقال: اسكتوا، من تَمام الحجِّ ضربُ الجمَّال. إسحاق بن منصور بن بَهْرام أبو يعقوب الكَوْسَج المَرْوَزِيّ. ولد بمرو، ورحل إلى العراق والحجاز والشام، وهو أحدُ الأئمة للحديث، وكان

стр. 7116

عالمًا فقيهًا، دَوَّنَ عن الإمام أحمد مسائل، وقال: بلغني أنَّ الكَوسجَ يروي عنِّي مسائل، اشهدوا أنِّي قد رجعت عنها، وكان الإمام أحمد يكره أن يدوَّنَ كلامُه، وبلغَ الكوسج، فوضعَ تلك المسائل فِي جراب، وحملَه على عنقه إلى بغداد، فدخلَ على الإمام أحمد، فعرضَها عليه، وأوقفَه على خطِّه، فأعجبه ذلك، وأقرَّ له بها ثانيًا. استوطنَ الكوسج نَيسابور، وماتَ بها، [ودُفِن] (١) يوم الجمعة لعشرٍ بقين من جمادى الأولى. أسندَ عن الإمام أحمد، وسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق، وخلقٍ كثير، ورَوى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد، وأخرج عنه البخاريُّ ومسلم، وأجمعُوا عليه (٢). الحسين بن الضَّحَّاك بن ياسر (٣) أبو علي الشاعر، ويعرف بالخليع، الباهليّ. ولد بالبصرة سنة اثنتين وستين ومئة، ونشأ بها ومدح غيرَ واحدٍ من الخلفاء، وحصلت له أموالٌ عظيمة. وقف الخليع على مجلسٍ فيه غلامٌ أمرد وضيءُ الوجه، فجعلَ ينظر إلى الغلام وهو معرضٌ عنه، فقال الخليع: [من الطويل] تتيهُ علينا أنْ رُزِقتَ ملاحةً … فمهلًا علينا بعضَ تيهكَ يا بدرُ لقد طالما كُنَّا [ملاحًا و] طالما … صَدَدنا وتهنَا ثم [غيَّرنا] (٤) الدهرُ [فصل: وفيها توفي] محمد بن سَهْل ابن عَسكر بن عُمارة، أبو بكر البخاري، ويعرف بابن دُوَيد.

стр. 7117

سكنَ بغداد، وحجَّ إلى مكَّة مرارًا، [وكان صالحًا ثقةً. وقال عبد الله بن أحمد (١): حدثنا محمد بن سهل قال:] (٢) رأيت بطَريقِ مكة رجلًا مغربيًّا ينادي: من أصابَ لنا هميانًا له ألف دينار، وإذا بإنسان أعرج، عليه أطمارٌ رثَّةٌ يقول للمغربي: ما علامة هميانك؟ فقال: كذا وكذا، فأخرج الهميان فدفعه إليه ففتحه، وإذا فيه جوهر له قيمة تساوي خمسين ألف دينار، فأخرج منه حبَّةً وجعل يقول: هذه تساوي كذا وكذا ألف دينار، وهذه تساوي ألف دينار، وهذه تساوي خمس مئة دينار، وكان فيه بضائع للناس، ثمَّ أخرجَ ألف دينار ودفعَها إلى الأعرج، فلم ينظر إليها وقال: لو كان الهميانُ يساوي عندي بعرةً ما رَدَدْتُه، ومضى ولم يأخذ منها شيئًا (٣). حدَّث عن عبد الرزاق وغيره، ورَوى عنه عبدُ الله بن الإمام أحمد (٤) وغيره، وكان صالحًا ثقةً (٥). يعقوب بن إسحاق ابن البُهلول بن حسَّان بن سِنان، أبو يوسف التَّنوخيُّ الأنباريّ. كان من حفَّاظ القرآن، عالمًا بعدده وآياته وحروفه وكلماته (٦)، زاهدًا ورعًا. ولد بالأنبار سنة سبعٍ وثمانين ومئة، وحدث حديثًا كثيرًا، ومات فِي حياةِ أبيه فِي رمضان، ودفن فِي مقابر باب التبن، فوجدَ أبوه عليه وجدًا شديدًا، وفاته صلوات (٧) بسبب حزنه عليه، وكان يقول: ابني يعقوب أكملُ مني. وتوفي أبوه فِي السنة الآتية (٨).

стр. 7118

السنة الثانية والخمسون بعد المئتين وفيها استقرَّ خلع المستعين، وبويع المعتز. الباب الثالث عشر فِي خلافة المعتز (١) [واختلفوا فِي اسمه، فقيل:] (٢) الزبير، وقيل: محمَّد، وكنيته أبو عبد الله، وأمُّه أم ولد يقال لها: قبيحة، رومية، [وقد ذكرناها] (٣) وكانت بيعته الثانية عند خلعِ المستعين فِي ذي الحجة من السنة الماضية، وقيل: لستٍّ خلونَ من المحرم يوم الخميس [في هذه السنة]، وقيل: لليلتين خلتا [من المحرم] (٤)، وهو ابن ثماني عشرة سنة. ومولده سنة أربع أو خمس وثلاثين ومئتين (٥) بسُرَّ من رأى، وكان طوالًا، أبيض، أسود الشعر، حسن الوجه والعينين [والجسم]، ضيق الجبهة، أحمر الوجنتين. والمستعين عمه [لأبيه، أحمد بن المعتصم (٦)، والمعتز الزبير بن جعفر المتوكل بن المعتصم] (٧). ولمَّا بويع (٨) لأخيه إبراهيم بن المتوكِّل من بعده، واستوزرَ أحمد بن إسرائيل، وخلع على محمد بن عبد الله بن طاهر خِلَعَ الملك، وقلَّدَه سيفًا. وأقامَ بغا ووصيف ببغداد على وجلٍ من ابن طاهر، فخاطب الأتراكُ المعتزَّ فيهما،

стр. 7119

فرضي عنهما، وردَّهما إلى مرتبتهما، وردَّ عليهما ما كان أخذه منهما، وكتب إلى ابن طاهر فِي السرِّ يمنعهما من الخروج من بغداد، فلم يقدر، فخرجا وتركا أثقالهما وعيالهما بها، ودعت لهما العامَّة، فلمَّا وصَلا سرَّ من رأى أكرمهُما المعتزّ وخلعَ عليهما على بغضٍ منه، وفي قلبه منهما ما فيه. وفوَّض إلى موسى بن بغا ما كان إلى أبيه (١). وقيل: إنَّ ابن طاهر دخل على المستعين ومعه شروط الأمان، فقال: يا أميرَ المؤمنين هذه شروط الأمان، كتبها سعيدُ بن حميد، وقد أكَّدها غايةَ التأكيد، أفنقرؤها عليك وأنت تسمع؟ فقال له المستعين: يا أبا العباس، لا عليكَ أن لا تؤكدها، فما القوم بأعلم منك، وقد أكَّدت على نفسِك قبلهم ما أكَّدتَ، وفعلتَ ما فعلت، فسكت محمد، ولم يرد عليه شيئًا. ثمَّ نقلوا المستعينَ من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل فِي المُخَرِّم هو وعياله وولده وجواريه، ووكَّل بهم ابنُ طاهر [سعيدَ بن] (٢) رجاء الحضاري. وكان عنده خاتمان من الجوهر يقال لأحدهما: الجبل، والآخر: البرج، فأخذهما محمد منه، وبعث بهما إلى المعتز (٣). ولإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرَّم قدم أبو أحمد سامرَّاء منصرفًا من بغداد، فخلع عليه المعتز خِلَعَ الملك، وتوَّجه بتاجٍ من ذهب، وقَلَنْسُوةٍ مجوهرة، ووشاحين مجوهرين، وقلَّده سيفين مجوهرين، وأُجْلِس على كرسيٍّ، وخلع على القوَّاد (٤). وفي رجب خلعَ المعتزُّ أخاه إبراهيم المؤتد من العهد، وسببه أنَّ عاملَ إرمينية -ويقال له: العلاء بن أحمد- أرسلَ إلى المؤيَّد بخسمة آلاف دينار؛ ليصلح بها أمره، فأخذها عيسى بن فرخانشاه، فأغرى المؤيَّدُ الأتراكَ بعيسى، وخالفهم المغاربة، فبعث المعتزُّ إلى إخوته المؤيَّد وأبي أحمد، فحبَسهما فِي الجوسق، وقيَّد المؤيَّد وضيَّق

стр. 7120

عليه، وحبس كنجور التركي صاحب المؤيَّد، وضربَه خمسين مقرعة، ثم رضيَ عنه وأطلقه، وضربَ المؤيَّد أربعين مِقْرَعة، وخلعه بسامرَّاء يوم الجمعة لتسعٍ (١) خلون من رجب، وكتب خطّه، وأشهد عليه القاضي ابن أبي الشوارب، ومحمد بن عمران الضبي بذلك. وفيها ولي الحسنُ بن أبي الشوارب قضاءَ القضاة. وفيها حسبت أرزاقُ الأتراك والمغاربة والشاكرية، وكانت فِي كلِّ سنةٍ مئتي ألف ألف دينار، وذلك خراجُ المملكة لسنتين (٢). [فصل:] وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الخارج بمكة، [وفعل بها ما فعل] (٣). وفيها نَفى المعتزُّ أخاه أبا أحمد إلى واسط، ثم رُدَّ إلى بغداد، وأنزلَ فِي الجانب الشرقي فِي قصر دينار بن عبد الله، ونفى عليَّ بنَ المعتصم إلى واسط، ثمَّ رُدَّ إلى بغداد، فأنزلَ بالجانب الشرقي (٤). وحجَّ بالناس محمَّد بن أحمد بن عيسى بن المنصور من قبل المعتزّ. وفيها (٥) توفِّي إبراهيم بن جعفر المتوكل ويلقَّب بالمؤيَّد، وأمُّه أم ولد، يقال لها: إسحاق، وكان المعتز خلَعَه وحبَسه، فأقام فِي الحبس أيَّامًا، فجاءت امرأةٌ من نساء الأتراك إلى محمد بن راشد مقدَّم المغاربة، فقالت: إنَّ الأتراكَ قد عزموا على إخراجِ المؤيَّد من الحبس، فأخبرَ محمد

стр. 7121

المعتزَّ بذلك، فدعا موسى بن بغا وسألَه عن ذلك، فأنكر وقال: إنَّما أرادوا إخراجَ [أبي] (١) أحمد؛ لأنَّهم أنسُوا به فِي الحرب على بغداد، فأمَّا المؤيَّد فلا. فلمَّا كان يوم الخميس لثمانٍ بقين من رجب دعا بالقضاة والشهود والفقهاء والوجوه، فأخرجَ إبراهيم المؤيّد ميتًا لا أثرَ به، وحُمِل إلى أمه على حمار، وحُمِل أبو أحمد إلى الحجرةِ التي كان فيها المؤيَّد، ثمَّ نفاه إلى بغداد. وذُكِرَ أنَّ المؤيَّد أُدرج فِي لحاف سَمُّور، ومسك طرفاه حتَّى مات. وقيل: أُقعِد فِي الثلج حتَّى ماتَ من البرد. وقال الفضل بن العباس: سألني المؤيَّد فقال: يا فضل، بعد كم قتل المعتصمُ أبَاك منذ حبسه؟ قلت: بعد سبعة عشر يومًا، قال: وأنا كذلك، فأُخرِج فِي اليوم السابع عشر ميتًا، فلمَّا شاهَدَتْهُ أمُّه بعثت إلى [قبيحة] (٢) وقالت: هكذا ترين ابنك عن قريب إن شاء الله تعالى، فلمَّا رأت قبيحةُ ابنها المعتزَّ قتيلًا، قالت: أديلت والله إسحاقُ منِّي. إبراهيم بن سعيد أبو إسحاق الجَوْهريّ. رحل فِي طلب الحديث ولقيَ الشيوخ، وصنَّف "المسند"، وكان لأبيه دنيا واسعة. وحجَّ إبراهيم (٣)، فحمل معه أربع مئة رجل من الزوَّار، سوى حشمه وخدمه وأهله، وكان فيهم إسماعيل بن عيَّاش وهشيم بن بشير. قال إبراهيم الهروي: وكنتُ معه. وقدم بغداد وحدَّثَ بها، ثم انتقل إلى عين زَرْبة مرابطًا، فمات بها. سمع سفيان بن عيينة وغيره، ورَوى عنه مسلم وغيره، وكان ثقةً ثبتًا مكثرًا حافظًا جوادًا. قال عبد الله بن جعفر بن خاقان السُّلَميّ: سألتُ إبراهيم بن سعيد الجوهريّ عن

стр. 7122

حديثٍ [لـ] أبي بكر الصديق ﵁، فقال للجارية: أخرجي إليَّ الجزء الثالث والعشرين من مسند أبي بكر ﵁، فقلت له: لا يصحُّ لأبي بكرٍ خمسون حديثًا، فمن أين ثلاثة وعشرون جزءًا؟! فقال: كلُّ حديثٍ لم يكن عندي من مئة وجه فأنا به يتيم (١). [وفيها توفي] أحمد بن المعتصم (٢) الملقب بالمستعين، كان جوادًا سمحًا يطلقُ الألوف، قال يومًا لأحمد بن يزيد المهلبيّ وكان يأنسُ به: يا أحمد، ما أظنُّ أحدًا من بني هاشم إلَّا وقد طمع فِي الخلافة لمَّا وَليتُها لبعدي عنها، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين ما أنت ببعيد، وإنَّما تقدَّم العهد لمن رأى الله تعالى أنْ يقدِّمهُ عليك، فقال المستعين: قد قلت فِي ذلك: [من مجزوء الرمل] جاءَ أمر الله بالأمر … الَّذي لا أرتجيه فعليَّ الآن أنْ أقـ … ـــضيَ حقَّ الشربِ فيهِ (٣) وأمر المغنِّين فغنوه. [وقال الخطيب:] كان المستعينُ مربوعًا عبلًا، بوجهه أثرُ جُدَريّ (٤)، وفي لسانه لثغةٌ؛ يميل المهملة (٥) إلى الثاء المعجمة المنقوطة بثلاث، ومن شعره: [من المجتث] أحببتُ ظبيًا ثمين … كأنَّه غُثنُ تين

стр. 7123

[باللهِ أي عالمين] … ما فِي الثما مثلمين (١) ذكر صفة هلاكه: [واختلفوا فيه، فقال الفضل بن العباس:] لمَّا همَّ المعتزُّ بقتل المستعين كتب إلى محمد بن طاهر مع خادمٍ له -يقال له: سيما- يأمرهُ أن يكتب كتابًا إلى منصور بن نصر [بن حمزة] عامل واسط، و [كان قد] وكَّل به ابن أبي خميصة وابن المظفَّر القائد وصاحب البريد، فكتب محمدُ بن طاهر إلى منصور بذلك، ثم وجَّه أحمد بن طولون التركيّ فِي جيش، فأخرجَ المستعين إلى القاطول، فوافى به إليه لستٍّ بقين من رمضان، وقيل: لثلاثٍ خلون من شوال (٢). وقيل: إنَّ ابن طولون [التركي] كان موكلًا به، فلمَّا [صار به] (٣) إلى القاطول، خرج سعيد بن صالح [فتسلَّمه، فيقال: إنَّ سعيدًا قتله بالقاطول، وقال بعضهم:] (٤) أدخلهُ [سعيد] إلى منزله بسُرَّ من رأى، فعذَّبه حتَّى مات. وقيل: بل ركبَ معه فِي زورقٍ حتَّى حاذى به فم دُجَيل، وشدَّ فِي رجله حجرًا، وألقاه فِي الماء فغرق. [وحكي عن متطبِّبٍ نصراني كان مع المستعين يقال له: فضلان، قال:] (٥) كُنْتُ مع المستعين لمَّا حُمِل إلى سامرَّاء، فلمَّا قربنا منها إذا بعسكرٍ فيه جماعة، فقال: يا فضلان، تقدَّم وسل من هذا؟ فإنْ كان سعيدًا، فقد ذهبت نفسي، [قال:] فسألتُ، فإذا به سعيد، فعدتُ وأخبرته [بأنَّه سعيد الحاجب]، فكانت له داية تعادله (٦)، فلمَّا التقوه أنزلوه وضربوه بالسيوف، وصاحت دايته، فصرتُ إلى الموضع، وإذا به مقتول فِي

стр. 7124

سراويل، وقد حزُّوا رأسه وأخذوه، و [إذا] المرأةُ مقتولة، فطرحتُ عليهما من التراب حتَّى واريتهما، وانصرفت. [وقال الطبريُّ: وأتي برأسه إلى المعتزِّ وهو يلعب بالشطرنج، فقيل له: هذا رأسُ المخلوع، فقال: ضعوه هنالك حتَّى أفرغ من دَستي (١)، ودعا به فرآه، فأمر بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم، وولَّاه معونةَ البصرة (٢). وذُكِرَ أنَّ المستعين] (٣) لمَّا استقبله سعيد أنزلَه، ووكَّل به رجلًا من الأتراك، فأراد قتلَه، فقال: أمهلني حتَّى أصليَ ركعتين، وكانت عليه جبة، فسلبهُ إيَّاها التركيّ قبل قتله، ولمَّا سجد فِي الركعةِ الثانية ضربَه فأبان رأسه، فأخذه ودفنه، وعفا مكانه (٤). وقال الصوليُّ: بعثَ المعتزُّ أحمدَ بن طولون [التركي] إلى واسط، وأمره بقتله، فقال: لا والله، لا أقتل أولاد الخلفاء، [وكان عاقلًا]، فقال له المعتز: فأوصِلْه إلى القاطول، فأوصلَه إليه، والتقاه سعيد الحاجب، فتسلَّمه منه، وكان شاهك الخادم عديلَ المستعين فِي عمارية، قال شاهك: فلقانا جيشٌ كثيف، فقال: يا شاهك، انظر من رئيس القوم؟ فإن كان سعيد [الحاجب] فقد هلكت، قال: فتأملته وإذا به سعيد، فأخبرته، فبكى وقال: والله ذهبت نفسي، هذا جزاءُ بني العباس، فلمَّا دنا منه [سعيد] قنَّعه بالسوط، وأخرجَه من العماريَّة، وأضجعَه، وقعد على صدره (٥) وهو يقول: فأين العهود وأين المواثيق وأين الأيمان؟! فذبحَه بيده، وحزَّ رأسَه، ومضَى به إلى المعتزّ وهو يلعب بالشطرنج، فقال: هذا رأسُ المخلوع، فقال: أنا مشغول، قد أشرفتُ على الغلب، ضعه هناك حتَّى أتفرَّغ، ثمَّ دعا به، فرآه، فأمر بدفنه، وأمر لسعيدٍ بخمس مئة ألف درهم (٦)، وولَّاه البصرة، [وقيل:] (٧) ألقي جسدُه فِي دُجَيل.

стр. 7125

وقيل: إنَّ ابنَ طولون واراهُ بعد أن كفَّنَه. وقال الخطيب: قُتِل بالقادسية فِي طريق سامراء (١) فِي شوَّال رحمه الله تعالى (٢). ذكر سنِّهِ ومدَّةِ ولايته وأولاده وعمَّاله: [وذكرنا أنَّه] بويع [بالخلافة فِي] سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين، وانحدرَ إلى بغداد [في] سنة إحدى وخمسين [ومئتين]، فكانت خلافته إلى حين انحداره [إلى بغداد] سنتين وتسعة أشهر، وتوفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ أو خمسٍ وثلاثين سنة، وقيل: ابن أربعٍ وعشرين سنة. وكان له من الولد ست ذكور. ووزر له أحمد بن الخصيب (٣)، ثمَّ أحمد بن صالح بن شيرزاد (٤). وقاضي قضاته ابن أبي الشوارب، وقيل: إنَّما ولّاه المعتزّ (٥). على الجزيرة والثغور عبدُ الله بن ميمون ونصر بن صالح بن خاقان وغيرهما، ومحمد بن طاهر صاحبُ شرطته ونائبه ببغداد (٦). والمستعينُ ثالث خليفةٍ قُتِل بالسيف (٧)؛ أوَّلهم الأمين، وثانيهم المتوكِّل، وهو ثالثهم. قلت: من بني العباس، وإلَّا فقد قُتِل من الخلفاء الراشدين عمر وعليّ وعثمان ﵃، والوليد بن يزيد، ومروان الجعدي. أحمد بن سعيد بن صخر أبو جعفر الدارِميُّ، كان فقيهًا عارفًا بالحديث، ثقةً حافظًا متقنًا، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يثني عليه ويكاتبُه، فيقول فِي أول كتابه: لأبي جعفر أكرَمه

стр. 7126

الله تعالى من أحمد بن حنبل. ومن حديثه عن أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "لكل شيءٍ قلب، وقلبُ القرآن يس" (١). وقيل: ماتَ سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين (٢). إسحاق بن البهلول ابن حسَّان، الأنباريّ، التنوخيّ. ولد بالأنبار سنة أربعٍ وستين ومئة، وكان إمامًا عالمًا فاضلًا، فقيهًا، عارفًا بالنحو واللغة والشعر والأدب، وله مصنفات. وقدم بغداد وحدَّثَ بها خمسين ألف حديث من حفظِه، وكانت كتبه بالأنبار، فلم يخطئ منها بحرف. أسندَ عن الأئمَّة، وسمع منه المتوكل بسرَّ من رأى، ونَصب له منبرًا فِي الجامع، وأقطعه إقطاعًا فِي كل سنة اثني عشر ألف درهم. واتَّفقوا على فضلِه ودينه وصدقه وثقته (٣). إسحاق بن حنبل ابن هلال بن أسد الشيباني، عمُّ الإمام أحمد. ولد سنة إحدى وستين ومئة، ومات وله اثنتان وتسعون سنة. سمع يزيد بن هارون وطبقته، وروى عنه ابنه حنبل بن إسحاق وغيره.

стр. 7127

وكان ثقة، وبينه وبين الإمام أحمد ﵀ ثلاث سنين (١)، وسمع عامَّة مشايخ الإمام أحمد. ورَوى عنه إبراهيم الحربيّ وعبدُ الله بن الإمام أحمد. وكان صالحًا دينًا. وقيل: إنَّه مات سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين (٢). [وفيها توفي] عليُّ بن سَلَمة بن عُقْبة أبو الحسن القرشيّ النيسابوريّ، ويعرف باللبَقيّ. سمع حفص بن غياث وغيره (٣)، وكان ثقةً، وتوفي فِي جمادى الأولى. [وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده عن داود بن الحسين البيهقي يقول:] (سمعت علي بن سلمة اللبَقي يقول:) (٤) رأيت النبيَّ ﷺ فِي المنام قد أقبلَ، وموسى بن عمران عن يمينه، وعيسى بن مريم عن يساره، فقلت له: يا رسول الله [صلى الله عليك وسلم]، ما تقول فِي القرآن؟ قال: أنا أشهدُ أنَّه كلامُ الله غير مخلوق، وهذا [أخي] موسى وهذا أخي عيسى يشهدان بذلك. قال: وهذا فِي أيام المحنة. [قال:] وقال [اللبقيّ:] سمعتُ موسى بن جعفر بن محمد (٥) الصادق (٦) يقول: سمعتُ أبي يقول: برئَ اللهُ ممَّن برئ من أبي بكرٍ وعمر. وروى عنه البخاريُّ ومسلم وغيرهما (٧).

стр. 7128

محمد بن بشَّار ابن عثمان بن كَيسَان، أبو بكر البصري، ويعرف ببُنْدار. ولد سنة سبع وستين ومئة، ورحلَ فِي طلب العلم وعُمِّر، فكان يقول: كتب عني الحديثَ خمسة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سنة، فاستحييت أن أحدثهم [في المدينة] (١) فأخرجتُهم إلى البستان، وأطعمتهم الرُّطبَ، وحَدَّثتُهم. وكانت وفاته فِي رجب ببغداد، وكان يقول: أردتُ السفرَ، فمنعتني أمي، فأطعتُها فبورك لي فيه. وقد تكلَّمُوا فيه فقال القواريريّ: كان صاحبَ حَمَامٍ يلعبُ بالطيور (٢). وقد أخرج عنه فِي الصحيحين (٣). * * *

стр. 7129

السنة الثالثة والخمسون بعد المئتين فيها فِي رجب عقد المعتزُّ لموسى بن بُغَا على الجبل، وأضاف إليه جيشًا من الأتراك، وسار من سرَّ من رأى إلى هَمَذَان، وكان مفلح على مقدِّمته، فالتقى بعسكر عبد العزيز بن أبي دُلف، فهزمَهم وتبعَهم إلى الكَرَج، فتحصَّن عبد العزيز بقلعةٍ فيها، وقَتَل مفلح مقتلةً عظيمة، وبعثَ إلى سامرَّاء تسعين حِمْلًا من الرؤوس، وسبى نساءً فيهم أمُّ عبد العزيز صاحب الكَرَج (١). وخلع المعتزُّ فِي رمضان على بُغَا الشرابي، وألبسَه التاج والوشاحين (٢). وفي شوال [في هذه السنة] قُتِل وصيفٌ التركيّ. ولليلة أربع عشرة من ذي القعدة كَسَفَ القمر، فغاب كلُّه، ولم يبق [منه] إلَّا اليسير. ومات محمد بن [عبد الله بن] طاهر مع انتهاء كسوفه (٣). ومات مزاحم بن خاقان بمصر. وغزا محمد بن معاذ (٤) بلادَ الروم، ودخل من ناحية مَلَطْية، فأُسِر محمد، وقُتِل جماعةٌ من المسلمين. وفيها التقى موسى بن بُغا والكَوْكَبيُّ على فرسخٍ من قَزوين يوم الإثنين سَلْخ ذي القعدة، فهزمَ موسى الكوكبيَّ، فألحق بالديلم، فجاء الديلمُ فاصطفُّوا صفوفًا، وأقاموا تراسهم فِي وجوههم يتَّقون السهام، فلمَّا رأى موسى أنَّ سهام أصحابِه لا تصلُ إليهم أمر بما معه من النفط، فصُبَّ فِي الأرض التي التقوا فيها، ثمَّ قال لأصحابه: اطردوا، فأظهروا الهزيمة، وتبعَهم الكوكبيُّ وأصحابُه، فلمَّا علمَ موسى أنَّهم قد توسَّطوا النفطَ،

стр. 7130

رجعَ عليهم، وأمرَ الزرَّاقين (١)، فأضرموا فيه النار، فخرجت من تحت أرجلِ أصحاب الكوكبيّ، فجعلت تحرقُهم، فانهزموا (٢). وحجَّ بالناس عبدُ الله بن محمد بن سليمان الزينبيّ من قبل المعتزّ. وفيها توفي أحمدُ بن المِقْدام ابن سليمان بن الأشعث، أبو الأشعث العِجليّ البصريّ. قدم بغداد، وسكن قطيعة الربيع، وحدَّثَ بها. كتب إليه جماعة يسألونه الإجازة، فكتب إليهم: [من الطويل] كتابي هذا فافهموه فإنَّه … رسولي إليكم والكتابُ رسولُ وفيه سماعٌ من رجالٍ لقيتُهم … لهم بصرٌ فِي علمهم وعقولُ فإن شئتمُ فارووه عني فإنَّكم … تقولون ما قد قلتُه وأقولُ ألَا فاحذروا التَّصحيفَ فيه فربَّما … تغيَّرَ معقولٌ له ومقولُ وكانت وفاته فِي صفر. حدَّث عن حمَّاد بن زيد وغيره، وأخرج عنه البخاريُّ فِي "صحيحه" وغيره، وكان ثقةً (٣). [فصل: وفيها توفي] السَّرِيُّ بن المُغَلِّس أبو الحسن السَّقَطيُّ، الزاهد العابد الورع العارف، خالُ الجُنيد وأستاذه. وكان أوحدَ زمانه فِي علوم التوحيد والورع، وهو أوَّلُ من تكلَّم بها فِي بغداد، وإليه ينتمي مشايخها.

стр. 7131

[قال ابن عساكر: هو أحدُ الزهَّاد والعبَّاد الأتقياء، وأول من أظهر لسان التوحيد ببغداد]، ولزمَ بيتَه، وانقطعَ عن الناس وأسبابهم (١)، [قال:] وكان الإمام أحمد ﵀ إذا ذكر سريٌّ يقول: ذاك الشيخُ الَّذي يُعْرَف بطيب الغذاء، وتصفية القوت، وشدَّةِ الورع (٢). ذكر طرف من عبادته وزهده وورعه [وخوفه] ونحو ذلك: [وحكى الخطيب عن الجنيد قال:] (٣) ما رأيتُ أعبدَ من سريّ، أتت عليه ثمانٌ وتسعون سنة ما رُئي مُضطجعًا إلَّا فِي علَّة الموت (٤). [وحكى الخطيب عن علَّان الخياط قال:] (٥) اشترى سَرِيٌّ كُرَّ لوز بستين دينارًا، وكتب فِي روزنامجة (٦): ربحُه ثلاثةُ دنانير، فصار [الكرّ] يساوي تسعين دينارًا، فجاء الدلَّال يشتريه منه، فقال له سريّ: خذه بثلاثةٍ وستين دينارًا، فقال له الدلَّال: قد بلغَ الكُرُّ تسعين دينارًا، فقال له سري: قد عاهدتُ الله أنِّي أبيعُه بـ[ربح] ثلاثة دنانير، فقال الدلال: وأنا عاهدتُ الله أن لا أغشَّ مسلمًا، فلا سريٌّ باع ولا الدلالُ اشترى (٧). وقال أبو الورد: دخلتُ على سريٍّ وبين يديه دَوْرَقٌ مكسور وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟! أنا أشتري لك عوضَه بدانق، فقال: كيف لا أبكي؟! وأنا أعرفُ من عملَه، ومن [أين] (٨) طينه، والدانقُ الَّذي اشتريَ به، وأيَّ شيءٍ أَكَلَهُ الَّذي عملَه حتَّى فرغَ منه (٩).

стр. 7132

[وحكى الخطيبُ عن سعيد بن عثمان قال: سمعتُ سريًّا يقول:] (١) غزونا بلدَ الروم، فمررتُ بروضةٍ خضراء فيه خُبَازى (٢) وحجرٌ منقور فيه ماء المطر، فقلت فِي نفسي: لئن كنت أكلتُ حلالًا فاليوم، فنزلتُ عن الدابَّة وسيبتها، وأكلتُ من الخُبَازى، وشربتُ بيدي من الحجر المنقور، فهتفَ بي هاتفٌ: هب أنَّك اليوم أكلتَ حلالًا، فالنفقةُ التي بلَّغتْكَ إلى ها هنا من أين؟! [وحكى الخطيب عن الحسن المُسُوحي قال:] (٣) دفع إليَّ سريٌّ قطعةً، وقال: اشْتري [لي] بها باقلاء ممَّن قِدْرُه داخل [الدكان أو] الباب، فطفتُ الكَرْخَ كلَّهُ، فلم أجد إلَّا من قِدْره خارج الباب، فرجعتُ إليه فأخبرتُه، وقلت: خذْ قطعتَك، فإني ما وجدتُ إلَّا من قِدْره خارج الباب (٤). قال المصنف ﵀ (٥): وإنَّما قال سريٌّ ذلك؛ لأنَّ قدورَ أصحاب الباقلَّاء إذا كانت خارجَ الباب كانت فِي طريق المسلمين، فتورَّعَ سريٌّ عن ذلك. [وحكى الخطيب عن الجنيد قال:] (٦) قال سريّ: ما أحبُّ أنْ أموتَ حيث أعرف، أخافُ أن لا تقبلني الأرض، فأفتضح، وإني لأنظرُ إلى أنفي كلَّ يومٍ مرتين مخافةَ أن يكون قد اسودَّ وجهي (٧). وقال سريّ: إنِّي لأنظرُ فِي المرآة كلَّ يوم مرارًا؛ مخافةَ أن يكون قد اسودَّ وجهي (٨) لما أتعاطاه، وأشتهي أن أُدفَن فِي غير بغداد؛ أخافُ أن لا تقبلني الأرضُ، فأفتضح. [وحكى عنه فِي "المناقب" أنَّه قال:] (٩) لي منذ ثلاثين سنة أشتهي أنْ أغمسَ جزرةً

стр. 7133

فِي دبس وآكلها، فما [صحَّت لي، أو ما] أَطَعْتُ نفسي (١). [وحكى أبو نعيم عنه أنَّه قال:] (٢) أشتهي أن آكلَ أكلةً ليس لله عليَّ فيها تَبِعَة، ولا لمخلوقٍ عليَّ فيها منَّة، ولم أجد إليها سبيلًا (٣). وقال: أشتهي الباقلّاء (٤) منذ ثلاثين سنةً ما أقدرُ عليه، وأشتهي الحندقوقا (٥) منذ [ست عشرة سنة، والهندباء بخلّ منذ] (٦) ثماني عشرة سنة، ما أقدرُ عليه، فالعجبُ لمن يتَّسعُ فِي المآكل. وكان يقول: ما دام ملحُك مدقوقًا ما تفلح (٧). [وحكي عن أبي العبَّاس المؤدِّب قال:] (٨) دخلت على سريٍّ فقال: لأعجبنَّك من عصفورٍ يجيءُ فيسقطُ على هذا الرِّواق، فأكون قد أعددت له لُقيمةً، فأفتُّها، فيسقطُ على أطراف أناملي فيأكل، فلمَّا كان وقتٌ من الأوقات سقطَ على الرِّواق، ففتَّيتُ له الخبزَ على يدي، فلم يسقط على أناملي كما كان، ففكَّرتُ فِي سِرِّي؛ ما العلَّة فِي وَحْشَته منِّي؟ فوجدتُني قد أكلت ملحًا مطيَّبًا، فقلت فِي نفسي: أنا تائبٌ من الملح المطيَّب، فجاء العصفورُ فسقطَ على أناملي، ثمَّ انصرف (٩). [وحكى ابن باكويه عن سريٍّ قال:] (١٠) حمدتُ الله مرةً، فأنا أستغفرُ الله من ذلك الحمدِ منذُ ثلاثين سنة؛ وقعَ حريقٌ فِي السوق، فخرجتُ أتعرَّفُ حال (١١) حانوتي،

стр. 7134

فالتقاني رجلٌ فقال: احترقت الحوانيتُ كلُّها إلَّا حانوتك، فقلت: الحمدُ لله حيث سلَّم متاعي، ثم فكَّرتُ فإذا بها خطيئة، حيث أردتُ لنفسي خيرًا دون المسلمين (١). وكان سريٌّ تاجرًا فِي السوق، [فترك التجارة، وسببه أنَّ معروفًا الكرخيّ كان يتردَّدُ عليه فجاءه يومًا يتيمٌ]، (٢) فقال: اكسه (٣)، فكساه، فقال له معروف: بغَّضَ الله إليك الدنيا، فقام من السوق، ولزم بيته والعبادة. [وقال فِي "المناقب":] لمَّا ترك [سريٌّ] التجارة كانت أختُه تنفقُ عليه من غَزْلها، فأبطأت عليه يومًا، فسألها عن [ذلك] فقالت: ما اشتروا غَزْلي، ذكروا أنَّه مخلوط، فامتنعَ من] طعامها، فدخلت عليه يومًا، فرأت عنده عجوزًا كبيرةً، تكنسُ بيته قد حملت له رغيفين، فحزنت (٤) وشكَت إلى الإمام أحمد، فعاتبَه على ذلك، فقال: لمَّا امتنعتُ من أكل طعامِها قيَّض الله لي الدنيا فِي صورةِ عجوزٍ تُنفِقُ عليَّ وتخدمُني. [وذكر فِي "المناقب" عن علي بن الحسين بن حرب قال:] (٥) بعثني أبي إلى سريّ [بشيءٍ من حبِّ] السعال؛ لسعالٍ كان به، فقال لي: كم [ثمنه] (٦)؛ قلت: لم يقل [لي] شيئًا (٧)، فقال: سلِّم عليه وقل له: نحن نعلِّم الناسَ منذُ خمسين سنةً لا يأكلُوا بأديانهم، فترانا نأكُل اليومَ بديننا، ولم يأخذه (٨). وقال الجنيد: كان سريٌّ يدافعُ أوَّل اللَّيل، فإذا غلبَهُ الوجدُ أخذَ فِي البكاء والنَّحيب. [وحكى ابن باكويه عن سريّ قال:] (٩) صليتُ ساعةً فِي الليل ثم جلست لأستريح،

стр. 7135

فمددت رجلي، فنوديت: يا سريّ، من يجالسُ الملوك ينبغي أن يجالسَهم بحسن الأدب. [وذكر فِي "المناقب" بمعناه، وفيه: قال سريّ:] فضممتُ رجلي، وقلت: وعزَّتك لا مددتُ رجلي أبدًا (١). [وحكى الخطيب عن عليّ بن عبد الحميد الغضائري قال:] (٢) دققتُ البابَ على سريّ، فسمعتُه يقول: اللهمَّ اشغل من جاء يشغلني عنك بك (٣). [وحكى ابن جَهْضَم عن الجنيد قال:] (٤) دخلتُ على سريّ، وبين يديه كوزٌ مكسور وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: كنت صائمًا، فجاءت ابنتي بكوزٍ من ماء، فعلَّقتهُ هناك، وكان يومًا حارًّا، وقالت: يبردُ لتفطرَ عليه، فحملتني عيني [فنمت]، فرأيتُ [في المنام] كأنَّ جاريةً دخلت من هذا الباب، عليها قميصُ فضَّة، وفي رجليها نعلان، لم أرَ قطُّ قدمًا فِي نعلٍ أحسن منهما، فقلتُ لها: لمن أنت؟ فقالت: لمن لا يبرِّدُ الماء فِي [الكيزان الخضر] (٥)، ثم ضربت بكمِّها الكوز، فرمت به، فتكسَّر، فانتبهت، وهو كما ترى. قال الجنيد: فاختلفتُ إليه مدَّةً وأرى الكوزَ بين يديه مكسورًا، قد عفا عليه التراب، وهو لا يرفعُه (٦). وقال لي الجنيد: قال [لي] سريّ: اجتهد أن تكونَ آلةُ بيتك خزفًا (٧). [وحكى الخطيب عن علَّان الخيَّاط قال:] (٨) جاءت امرأةٌ إلى سريٍّ [السَّقَطيّ] فقالت: يا أبا الحسن، أخذ ابني الطَّائف، وأخافُ أن يفرُط فيه أمرٌ، فإن رأيتَ أنْ

стр. 7136

تجيءَ معي إلى الوالي، فقام يصلِّي وأطال صلاتَه، فقالت المرأة: الله الله فِي ولدي، فسلَّم وقال: ففي حاجتك أنا، فجاءت امرأةٌ فِي الحال تقول لها: الحقي ابنك فقد أُطلق. [ثم قال علَّان: اشترى كُرَّ لوزٍ بستين دينارًا. ذكر الحكاية. ثم قال علَّان: وكيف لا يُستجاب دعاء من هذا فعلُه (١). وحكى فِي "المناقب" عن الجنيد قال:] (٢) قال لي سريّ: خفيَت عليَّ علَّةٌ ثلاثينَ سنة، وذلك لأنَّا كنَّا جماعةً نبكِّرُ إلى الجمعة، ولنا أماكنُ قد عرفت بنا، فمات [لنا جارٌ] (٣) يوم الجمعة، فخرجتُ فِي جنازته، وارتفع النهار، وجئتُ إلى الجامع، فلمَّا قربتُ من المكان الَّذي أصلِّي فيه، قالت لي نفسي: الآن يرونَك وقد أصبحت (٤) وتأخَّرت عن وقتك، [قال:] فانتبهت، وقلتُ لها: أراك مرائيةً منذ ثلاثين سنة، وأنا لا أدري، فتركتُ ذلك [المكان]، وجعلتُ أصلِّي فِي أماكن مختلفة؛ لئلَّا [أعرف، أو] يُعْرَفَ مكاني، وقضيتُ صلاةَ الجمع لمدَّة ثلاثين سنة. ذكر طرفٍ مما لقي فِي سياحته: [وحكى عنه فِي "المناقب"] قال: مررتُ ببعض الجبال، فإذا بجماعةٍ مرضى وزَمْنى وعميان، فقلت: ما تصنعون ها هنا؟ فقالوا: ها هنا رجلٌ صِدِّيق، يخرجُ إلينا فِي كل سنةٍ مرَّةً واحدة، يدعو لنا فنشفى، [قال:] فأقمتُ حتَّى خرجَ فدعا لهم، فشفوا، فتقدَّمتُ إليه وقلت: أنا مريضٌ، وبي علَّةٌ باطنة، فما دواؤها، وتعلَّقتُ به، فقال: خلِّ عني يا سريّ، فإنَّه غيورٌ، واحذر أن تسَاكنَ غيره فتسقط من عينه (٥). [قال: وقال سريٌّ: مررتُ براهبٍ فناديتُه، فأشرفَ عليَّ، فقلت: ما بالكم تعجبكم

стр. 7137

الخضرة؟ فقال: إنَّ القلوبَ إذا غاصت فِي بحار الفكر غشيت الأبصار، فإذا نظرَتْ إلى الخضرة عاد إليها نسيمُ الحياة (١). قال:] وقال [سريّ:] صحبتُ رجلًا من أهل سرَّ من رأى يعرف بالواله سَنةً، فلم أسأله [عن] مسألة، فقلت له يومًا: أيشٍ المعرفة التي [ليس] فوقها معرفة؟ [فـ] قال: أن تجدَ الله أقرب إليك من كلِّ شيء، وأحبَّ إليك من كلِّ شيء، وأن تمحوَ من باطنك وظاهرك كل شيءٍ غيره. [قال:] فقلت: فبأيِّ شيء أتوصَّل إلى ذلك؟ قال: بزهدك فيك، ورغبتك فيه. [قال:] وكان ذلك سببًا لانتفاعي بهذا الأمر. [وحكى عنه فِي "المناقب" قال:] (٢) بتُّ ليلةً فِي بعض قرى الشام، فسمعت طائرًا يصيحُ طول الليل: أخطأتُ ما أعود، فسألتُ أهلَ القرية عنه، فقالوا: هذا يقالُ له: فاقدُ إلفه. [وحكى أيضًا عن سريٍّ قال:] بينا أنا سائرٌ فِي الشام، إذ مِلْتُ عن الطريق، فإذا بعابدٍ على رأس جبل، فوقفتُ عليه وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: وكيف لا أبكي وقد توعَّرَ الطريق، وقلَّ السالكون له، وهُجِرت أعمالُ القُرَب، وقلَّ الراغبون فيها، ورُفضَ الحقُّ، ودرسَ هذا الأمرُ، فلا أراه إلَّا فِي لسان كلِّ بطَّال؛ ينطقُ بالحكمة، ويفارق الأعمال، قد افترشَ الرُّخصَ، وتمهَّد التأويل، ثمَّ صاح وقال: آه، كيف سكنت قلوبُهم إلى راحة الدنيا، وانقطعت عن روح الملكوت الأعلى؟ ثمَّ ولَّى صارخًا وهو يقول: واغمَّاه من فتنة العلماء، واكرباه من حيرة الأدِلَّاء، ثمَّ جال جولةً وقال: أين الأبرارُ من العُبَّاد؟ أين الأخيارُ من الزُّهَّاد، ثمَّ بكى وقال: شغلهم والله ذكرُ طول الوقوف وهمُّ الجواب عن ذكر الجنَّة والنار والثواب والعقاب، ثمَّ قال: وأنا فأستغفرُ الله من شهوة الكلام، تنحَّ عني [يا سريّ، فخليتُه] وقد مُلِئتُ منه رعبًا (٣). [وفي رواية: فتنحينا منه، وقد ملئنا .. وذكره.

стр. 7138

وحكى أيضًا عن سريّ قال:] (١) بدوت يومًا وأنا وحدي (٢)، فجنَّ عليَّ الليل وأنا بفناء جبل لا أنيسَ به، ووقتي طيبٌ، فناداني منادٍ: لا تجولُ القلوب فِي الغيوب حتَّى تذوبَ النفوسُ من مخافة فوتِ المحبوب، [قال:] فعجبتُ وقلت: جِنِّيٌّ يخاطبُني أم إنسيّ؟! فقال: بل جِنِّيّ، ومعي إخواني (٣)، ونحن مؤمنون بالله، ومحبُّون له، [قال:] قلت: فهل عندهم ما عندك؟ قال: نعم وزيادة، فناداني الثاني: لا تذهبُ من البدن الفترة إلَّا بدوام القربة (٤)، ثمَّ قال الثالث: من أنس به فِي الظلام لم يبقَ له بغيره اهتمام، [قال:] فصعِقتُ، فما أفقتُ إلَّا برائحة الطيب، وإذا بنرجسةٍ على صدري، فقلت: وصية رحمكم الله، فقالوا: من اتبع طبيبًا مريضًا دامت علَّتُه، ومن طلب شفاه من غير من ابتلاه طالت شقوته، ثمَّ سكتوا، فلا أزالُ أجدُ بركةَ كلامهم فِي خاطري. [وحكى أيضًا عن سريٍّ قال:] رأيتُ فِي بعض جبال الشام ثلاثةً، لباسُهم الصوف، ووجوهُهم تشرق، فسلَّمتُ عليهم، فردُّوا وقالوا: وعليك السلام يا سريّ، فقلت: من أين [تاكلون]؟ فقال واحدٌ منهم: من زهرة رياض الأُنس، قلت: بمن؟ قال الثاني: بالحبيب ذي المواهب، قلت: فما كنتم تصنعونَ فِي تلك الزهرة؟ فقال الثالث: نشربُ بكؤوس الوجد، قلت: فما استفدتم؟ فقال الأول: انحسر عنَّا ظلامُ الغفَلات، وقال الثاني: فخرجنَا إلى النور بعد الظُّلمات، وقال الثالث: وأعطينا مفاتيحَ الكنوز، وصرنا عليها مأمونين، وفي رياض الملكوت متنزهين. ثمَّ حرَّكَ أحدُهم شفته، فإذا بمائدةٍ من السماء [قد نزلت علينا]، عليها من كلِّ لون، فقلت: سبحان المكرم لأوليائه، فقالوا: إن كنتَ وليًّا لله فتقدَّم وكُلْ، فقلت: أنا أحقرُ من ذلك، فجلسوا يأكلون، وإذا بفتيان قد انحدروا من الجبل، وجلسُوا يأكلونَ معهم، فنظرُوا إليَّ وأنا ناحية أبكي، فقال واحدٌ منهم: ما بالُ البطَّال لا يحيرُ جوابًا؟ ثم قال: ويحك يا ابن المغلّس، هلَّا جلستَ فِي أفنية أهل الصدق، وحططتَ رحلَك فِي رحال

стр. 7139

أهل القرب، ومواطن أهل الصفاء، وأحرقت بالخشية منك مواد الشكوك، حتَّى يرتعَ بك اليقين فِي رياض الأنس، فتصيرَ له جليسًا، ويكون لك طبيبًا وأنيسًا، فقلت: بالذي أكرمكم بهذه الكرامة من أنتم؟ قالوا: نحنُ الأبدال، أكرمَنا الله بهذه المائدة، ثمَّ غابوا عني. [ذكر طرف من كراماته: وقد حكينا أنَّ الله قيَّضَ له الدنيا تخدمُه، وحديثَ الكوز، وحديثَ المرأة أخذَ ولدها الوالي. وقال فِي "المناقب": قال علَّان الخيَّاط: كان لسريّ تلميذةٌ، ولها ولد عند المعلِّم فِي الكتَّاب، فأرسله المعلِّمُ إلى الرَّجَا (١)، فنزلَ فِي الماء، فغرق، فجاءَ المعلِّمُ إلى سريٍّ فأخبره، فقال: قوموا بنا إلى أُمِّه، فجاؤوا فجلسوا عندها، وأخذَ سريٌّ يتكلَّم، ثم تكلَّم فِي علوم الرضى، فقالت: يا أستاذ، ما تريدُ بهذا؟ فقال: ابنُك قد غرق، فقالت: ما فعلَ ربِّي هذا، أين غرق. قال: فِي الرَّجَا، فقالت: قومُوا بنا إليه، فجاؤوا إلى الرَّجا، فقالت: أين غرق؟ فأشارُوا إلى مكانٍ فِي النهر، وقالوا: هاهنا، فصاحت: ابني محمد، فقال: لبيكِ يا أمَّاه، فقالت (٢) ونزلت فأخذت بيده، ومضت إلى منزلها. وكان مع سريٍّ جماعةٌ من أصحابه، فقال لهم سريّ: ما تقولون فِي هذا؟ فقال الجنيد: إنَّ المرأةَ مراعيةٌ لحقِّ الله تعالى، ومن حُكْمِ من كان هكذا أنْ لا يُحدِث الله فِي الكون حادثةً حتَّى يعلمَه بها، ولمَّا لم يُعْلِمها بهذا أنكرت تلك الحادثة، وقالت: إنَّ ربِّي ما فعل هذا، ولو فعلَه لعلمت. قلت: وليس كلُّ من كان مراعيًا لحقِّ الله من شرطه أن لا يُحدِثَ الله حدثًا حتَّى يُعلِمَه؛ لأنَّ أفعال الله تعالى لا تحتاجُ إلى مشاورة، وإنما يُحمَل على أنَّ المرأة علمت إمَّا بإلهامٍ أو بمنامٍ أنَّ ابنها يطول إلى مدَّةٍ، فوافقَ أنَّه غرق فِي ماء ضَحْضَاحٍ لم يغمره،

стр. 7140

ولم يفنَ أجلُه، إذ لو فنيَ أجلُه لما عاش، فكان ذلك من باب الكرامات، يجري الله على يديها هذا، فما ظنُّكم بالشيخ (١). ذكر نبذة من كلامه: حكى عنه فِي "المناقب" قال: اعتللت علَّةً بطرَسُوس، وكانت علَّة الذَّرَب، فدخل عليَّ جماعة من ثقلاء القرَّاء يعودوني، فأطالوا الجلوسَ، فآذاني ذلك، فقالوا: إن رأيت أن تدعو لنا، فمددتُ يدي وقلت: اللهمّ علِّمنا كيف نعودُ المرضى، فقاموا (٢). وحكى أيضًا عن الجنيد قال:] (٣) دخلتُ يومًا على سريّ، فوجدتُه متغيِّرَ اللون، فقلت له: ما لك؟ قال: دخل عليَّ شابٌّ، فسألني عن التوبة، فقلت: أن لا تنسى ذنبَك، فعارضني وقال: بل التوبةُ أنْ تنسى ذنبَك، قال الجنيد: فقلت: الأمرُ عندي على ما قال الشاب، قال: ولم؟ قلت: لأني إذا كُنْتُ فِي حال الجفاء، فنقلني إلى [حال] الصَّفاء، فذكرُ الجفاء في حال الصفاء جفاء، فسكت (٤). [قلت: الأمرُ على ما قال سريّ؛ لأنَّه ليس من لوازم أحوال الصفاء أن (لا) (٥) يذكر فيها أوقات الجفاء، وقد رأينا أناسًا نسوا ذنوبهم، قطعوا وحاروا، وأقوامًا جعلوا ذنوبهم مرآةً بين أعينهم كيف ما دارت داروا. والأَولى أن يكون الإنسان طول دهره على وجل، ولا يسلك به الغرورُ سبيلَ الأمل، وما زال الخائفون على هذا. وحكى أبو عبد الرَّحمن السلميُّ عن سريٍّ أنَّه قال:] (٦) من أراد أن يسلمَ له دينُه، ويستريحَ قلبُه وبدنُه، ويقلَّ غمُّه، فليعتزل النَّاس، فإنَّه زمانُ عزلةٍ ووحدة (٧). [قال:] وقال: اللهمَّ إن عذَّبتني، فلا تعذِّبني بذلِّ الحجاب (٨).

стр. 7141

[قال:] وسُئِل عن أهل الحقائق فقال: أَكْلُهم أكلُ المرضى، ونومُهم نومُ الغرقى (١). وقال الجنيد: قال لي سريّ: احذر أنْ تكون ثناءً منشورًا وعيبًا مستورًا (٢). وقال: قلوب المؤمنين متعلقةٌ بالسوابق، يقولون: ترى ماذا سبق لنا؟ وقلوبُ الأبرار متعلِّقة بالخواتيم، يقولون: ترى بماذا يختمُ لنا؟ (٣) وقال: من حاسبَ نفسه استحيى الله من حسابِه. [وحكى ابن باكويه عن سريّ أنَّه قال:] (٤) الشوقُ والأنسُ يرفرفان على القلب، فإن وجدا فيه الهيبةَ والتعظيم حلَّا، وإلَّا رحلا. [وحكى عليُّ بن جَهْضَم عنه أنَّه قال:] إذا فاتني شيءٌ من وردي، لم أقدر على أن أعيده (٥). قال المصنفُ ﵀ (٦): أشارَ إلى أنَّ الزمانَ الَّذي يعيدُه فيه أنَّه يذهبُ بمقابلته زمانٌ آخر؛ لأنَّه مجتهدٌ فِي العمل لا يفتر، وقد قيل لعمر بن الخطاب ﵁: لم لا تنام؟ فقال: ليس لي وقتٌ أنام فيه، وكان ينعس وهو قاعد، ويقول: إن نمتُ بالنهار ضيَّعتُ المسلمين، وإن نمتُ بالليل ضيَّعت [حظَّ] نفسي من الله تعالى (٧). [وحكى ابن جهضم عنه أنَّه قال:] (٨) لو أنَّ رجلًا دخل بستانًا، فيه من جميع الأشجار، وعليها ما خلقه الله من الثمار والأطيار، فخاطَبه كلُّ طائرٍ بلغته وقال: السلام عليك يا وليَّ الله، وسكنت نفسُه إلى ذلك، كان أسيرًا فِي يدها مخدوعًا (٩). [وحكى فِي "المناقب" عن سريٍّ أنَّه قال:] (١٠) التصوُّفُ اسمٌ لثلاثة معانٍ؛ أحدها

стр. 7142

أنَّ الصوفيَّ [هو] الَّذي لا يطفئُ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلَّم فِي علمٍ باطنٍ ينقضُه عليه ظاهرُ الكتاب، ولا تحملُه الكراماتُ على هتك أستار المحرَّمات (١). [قال:] وقال لي رجلٌ: ادع لي، [فقال:] جمعَ الله بيننا تحتَ شجرة طُوبى، فإنَّ أولَ ما يدخلُ المحبُّونَ الجنَّة يستريحونَ تحتها. [قال:] وتكلَّمَ يومًا فِي الصبر فدبَّت عقربٌ على رجله، وجعلت تضربُه [مرارًا]، وهو صابرٌ حتَّى سال دمه، فقيل له: لم لا تنحِّيها؟ فقال: إئي أستحي من الله أن أتكلَّم فِي الصبر ولا أصبر (٢). [قال:] وقُرِئ بين يديه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فقال: هذا حجابُ الغيرة، ومعناه أنَّ الله لم يجعل الكفَّار أهلًا لمعرفته (٣). وقال الجنيد: دفعَ إليَّ سريٌّ رقعةً، وقال: هذه خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، فقرأتُها وهو يقول: سمعتُ حاديًا يحدو فِي البادية يقول: [من الكامل] أبكي وما يدريكَ ما يبكيني … أبكي حذارًا أنْ تفارقينِي وتقطعي حبلي وتهجريني … وتجعلين الهجرَ منك دينِي (٤) قال: ودفع إليَّ رقعةً أخرى وقال: هذه خيرٌ لك من كذا وكذا، فقرأتُها فإذا فيها: [من الطويل] ولمَّا ادَّعيتُ الحبَّ قالت كذبتَني … فما لي أرى الأعضاءَ منك كواسيَا فلا حبَّ حتَّى يلصقَ الجسمُ (٥) بالحشا … وتخرس (٦) حتَّى ما تجيب المناديَا وتتلفَ حتَّى لا يُبَقِّي لك الهوى … سوى مُقلةٍ تبكي بها وتناجيَا

стр. 7143

وقال سريٌّ: تطربُ قلوب المحبِّين عند السماع، وتخافُ قلوب المقصِّرين، وتلهبُ قلوبُ المشتاقين (١). وقال الجنيد: دخلتُ عليه يومًا وهو ينشد [ويقول:] [من البسيط] لا فِي النهار ولا فِي الليل لي فَرَجٌ (٢) … فما أبالي أطال الليلُ أم قصرَا لأنَّني طولَ ليلي هائمٌ دَنِفٌ … وفي النهارِ أقاسي الهمَّ والفِكرَا ثم قال: لولا خوفُ الشناعة لصِحتُ، ثم قال: أين شاهد هذا؟ قالوا: لا نعلم، قال: قوله ﷺ : "ليس عند ربكم ليل ولا نهار" (٣) فمن كان عند ربِّه فليس فِي ليلٍ ولا نهار. [قلت: قد فاتَ سريًّا المعنى؛ لأنه من كان عند ربِّه يغيب عن الموجودات، فلا يبقى له رسمٌ، ولا يَعرفُ عكرًا ولا همًّا] (٤). وقال: الفوائدُ ترِدُ فِي ظلماتِ الليل. (٥) وقال الجنيد: قال لي سريٌّ: ما أرى لي فضلًا على أحد، فقلت: ولا على المخنَّثين؟ فقال: ولا على المخنَّثين (٦). [وحكى أيضًا عن الجنيد قال:] (٧) كُنْتُ نائمًا عند سريّ، فأيقظني وهو يبكي، فقلت: ما لك؟ فقال: رأيتُ كأنَّ الله تعالى أوقفني بين يديه وقال: يا سريّ، قلت: لبَّيك، فقال: خلقتُ الخلقَ، فكلُّهم ادَّعوا محبتي، وخلقتُ الدُّنيا، فهربَ مني تسعةُ أعشارهم إليها، وبقي معي العشر، وخلقتُ الجنَّة فذهب (٨) إليها تسعةُ أعشار ذلك العشر، وبقيَ معي عشر العشر، وخلقتُ النَّار فذهب إليها تسعةُ أعشار عشر العشر، [فسلَّطت عليهم البلاء،

стр. 7144

فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر،] (١) فقلتُ لما بقي: لا فِي الدنيا أردتم، ولا للجنة طلبتم (٢)، ولا من النار هربتم، ولا من البلاء فررتُم، فما الَّذي أردتم؟ قال المصنف ﵀ (٣): كذا وقعت هذه الرواية، والصحيح [ما حدثنا به أبو اليُمن الكنديّ بإسناده عن محمد بن أحمد المفيد] (٤) قال: سمعتُ الجنيدَ يقول: كُنْتُ نائمًا عند سريّ، فأنبهني وقال لي: يا جنيد، رأيتُ كأنِّي وقفتُ بين يدي الله تعالى، فقال لي: يا سريّ، خلقتُ الخلقَ، فكلُّهم ادَّعوا محبَّتي، وخلقتُ الدنيا، فهرب منِّي تسعةُ أعشارهم، وبقيَ معي العشر، وخلقت الجنَّة، فهربَ مني تسعةُ أعشار العشر، وبقي معي عشر العشر، فسلَّطتُ عليهم ذَرَّةً من البلاء، فهربَ مني تسعةُ أعشار عشر العشر، فقلتُ للباقين معي: لا للدنيا أردتم، ولا للجنَّة أخذتم، ولا من البلاء هربتم، فما الَّذي أردتم؟ قالوا: وإنَّك لتعلمُ ما نريد، فقال لهم: فإنِّي مسلِّطٌ عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبالُ الرواسي، أتصبرون؟ قالوا: إذا كنتَ أنت المبتلي، فافعلْ ما شئت. فهؤلاء عبادي حقًّا (٥). [وحكى فِي "المناقب" عن الجنيد قال:] سألني سريٌّ يومًا عن المحبة، فقلت: قد قال قوم: هي الإيثار، وقال قومٌ: هي الموافقة، وقال قوم: كذا وكذا، فأخذ سريٌّ جلدةَ ذراعه فمدَّها، فلم تمتد، وقال: وعزَّتِه، لو شئتُ أن أقول: [إنَّ] هذه الجلدةَ يبست على هذا العظمِ من محبَّة الله تعالى لصدقت. ثم غشي عليه، فدارَ وجهُه كأنَّه قمر، وكان [السريُّ فيه] أُدْمَة (٦). ذكر وفاته رحمة الله عليه: [قال أبو نعيم: حدثنا جعفر الخُلْدي فِي كتابه قال: سمعت الجُنيد يقول:] (٧) اعتلَّ

стр. 7145

سريٌّ فدخلتُ عليه أعوده، فقلت: [السلام عليك]، كيف تَجِدُكَ؟ فقال: [من الخفيف] كيف أَشْكو إلى طبيبي ما بي … والذي بي أصابَني من طبيبي [قال:] فأخذتُ المروحة أروِّحُه، فقال لي: كيفَ يجدُ ريحَ المروحة من جوفه يحترقُ من داخل؟ ثم قال: [من البسيط] القلبُ محترقٌ والدمعُ مستبقٌ … والكربُ مجتمِعٌ والصبرُ مُفترِقُ كيفَ القرارُ على من لا قرارَ له … ممَّا جنَاه الهوى والشوقُ والقلقُ يا ربِّ إنْ كان شيءٌ فيه لي فرجٌ … فامنُن عليَّ به ما دام لي رَمقُ (١) [وحكى الخطيب عن علَّان الخياط قال:] (٢) قلت لسريّ: كيف أنت؟ فقال: [من الكامل] من لم يبتْ والشوقُ حشو فؤاده … لم يدرِ كيف تفتَّتُ الأكبادُ (٣) وقال الجنيد: قلت له: أوصني، فقال: إيَّاكَ ومصاحبة الأشرار، ولا يشغلنَّك عن الله [مشاهدةُ] الأخيار، ثمَّ تشهَّد، فكان [هذا] آخر كلامه (٤). [واختلفوا في وفاته، فقال الخطيب:] توفي يوم السبت (٥) لستٍّ خلون من رمضان [سنة ثلاث وخمسين ومئتين. وقال جدي في "المنتظم": مات] (٦) يوم الثلاثاء بعد أذان الفجر [لستٍّ خلون من رمضان]، ودفن بعد [صلاة] العصر، وقبره ظاهر بالشونيزيَّة (٧).
следующие страницы →